← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الشام، لكنه مربّع، وفي صدره مكان الصلاة. وهو على الطراز المغولي: له واجهة عالية فيها ثلاثة أقواس: الأوسط مها بعلوّ سقف الأموي، وفوق السقف قبّة أعلى من قبّة قصر نائب الملك. وهو من بناء شاه جيهان (أي ملك الدنيا)، منشئ تاج محل أجمل أبنية الأرض. وأمامه القلعة الحمراء، سُمّيت بذلك لأنها مبنيّة بنوع نادر من الحجر لونه أحمر، وتُدعى القلعة تجوّزاً، وهي في الحقيقة بلد كامل، فيها قاعات وأبهاء لا تكاد تقلّ في روعة نقشها وبراعة تزيينها عن قاعات الحمراء في الأندلس. ولمّا وقفت عليها وأحاط بي صمتها وهدوؤها أحسست كأني قد انفصلت عن حاضري وغبت عن نفسي، وأنني قد عُدت إلى الماضي القريب. وشعرت كأني أسمع في أرجاء القلعة دويّ الطبول وهتاف الجند، وصدى الأذان تردّده منارات المسجد، وأرى خفق الراية الإسلامية على رأس الإمبراطور أورانك زيب الملك المسلم الصالح، وأبصر جحافله ترمح ظافرة من سمرقند والأفغان إلى سواحل الهند كلها، تقطف ثمار النصر وتنثر في الأرض نور القرآن وعدالة الإسلام. وتنثال عليّ صور الأمجاد الخالدة لهذه المملكة العظيمة، التي أقامها مجاهدون كِرام اختلفَت ألسنتهم وتباعدَت أنسابهم، ولكنْ جمعهم الإسلام، ووحدة المبدأ الذي هو توحيد الله، ووحدة الغاية التي هي العمل لما يرضي الله. وإذا جاءت وحدة الإسلام لم يضر معها اختلاف جنس ولا لسان. مِن فتح محمد بن القاسم العربي الثقفي، إلى فتح محمود الغزنوي التركي الأفغاني، إلى فتح بابر المغولي. وكلهم مجاهد في سبيل الله عامل على إعلاء

стр. 1857

كلمة الله. الأول غرس البذرة، والثاني تعهّد النبتة، والثالث رعى الدَّوْحة؛ أقاموا لهذه المملكة سوراً من جماجم شهدائهم وسقوها من دماء أبطالهم، فظلّلَت فروعُها وأغصانها الهندَ كلّها. الهند التي كانت كلها لنا، فلم يبقَ في أيدينا منها إلاّ آثارنا: مساجد -كما قلت لكم- قد عطلت من شعائرها، ومآذن قد فقدت مؤذّنيها، وقلاع غاب عنها جنودها، وقصور فارقها أصحابها، ورايات قد سكنت المتاحف لم تعُد ترفرف في سمائها، وسيوف قد صدئت في أغمادها لم يبقَ لها منّا مَن يسلّها. هذه هي الأندلس الكبرى، وهذا هو الفردوس الإسلامي المفقود. * * * فإذا اختصرتُ الطريق فجئتُ بحديثها في غير موعده فإنما فعلت ذلك جواباً على الرسالة التي افتتحت بالإشارة إليها هذه الحلقة من ذكرياتي. إن صاحب الرسالة (مثل أكثر المسلمين اليوم) لا يعرفون من تاريخ الإسلام في الهند إلاّ شيئاً قليلاً لا يكاد يُعَدّ شيئاً. إن ثلث التاريخ الإسلامي في الهند. لقد أقام المسلمون في الهند دولاً وأنشؤوا فيها حضارة، وفتحوا فيها مدارس وبنوا مساجد، وكانت مساجدهم ومدارسهم منارات تدلّ السفن الضالّة على الشاطئ الآمن لتعصمها من الأمواج العاتية وتخلّصها من المخاطر والمهالك. إن اليوم هو ابن الأمس وهو أبو الغد، فمَن كان له تاريخ

стр. 1858

عظيم وعرف تاريخه دفعه أن ينشئ كما أنشأ الأجداد وأن يبني مثل ما بنوا. والأمم التي لا تاريخ مكتوباً لها تُنشئ لها تاريخاً مكذوباً لتبني عليه مستقبلاً مزعوماً، فلا الأساس ثَبَتَ لهم ولا البنيان سيتمّ ويبقى لهم. فيا أيها القُرّاء، اعرفوا تاريخكم، لا لتقفوا عنده وتقنعوا بالفخر به وتناموا عليه، بل لتصنعوا مثل ما صنع أجدادكم ولتحققوا قول شاعركم: نَبني كما كانت أوائلُنا ... تَبني، ونفعَلُ مثلَ ما فعلوا بل فوق ما فعلوا. وإذا صدق العزم وصفَت النيّة وصحّ التوكّل على الله، بعد أن يتّحد المسلمون ويُعِدّوا للنصر عُدّته، فإن هذا سيتحقق إن شاء الله. * * *

стр. 1859

-١٤٧ - حديث يوم الجلاء عن سوريا رَبْعُ الشآمِ، أعامرٌ أمْ خالي؟ ... اليومَ عيدُكَ عيدُ الاستقلالِ هذا البيت مطلع قصيدة للأستاذ العقّاد في يوم الجلاء، أخطرَه على بالي الآن أني أكتب عن هذا اليوم. ولست أدري ما الذي زين للعقاد -غفر الله له- أن يفتتح به قصيدة في التهنئة، وهو لا يبعث في النفس شعور التهاني بل أشجان العزاء، وإني لأتخيّل هذا البيت في مطلع القصيدة كالنائحة في العرس أو الضاحكة في المأتم! وأتصوّر أن الأستاذ حسب الشام خلت من سُكّانها أو أنهم نسوا أيام انتصارهم وموطن فخارهم، فهو يذكّرهم بها (١). وربما اقترنَت الذكرى أحياناً بمشهد تراه العين، أو نغمة تسمعها الأذن، أو رائحة يشمّها الأنف، أو لفحة حرّ أو لذعة برد ... وأنا رجل ذاكرته بصرية لا سمعية، ولكن بعض النغمات يرتبط عندي ببعض الذكريات، فأنا لا أسمع الأغنية التي تشدو بها أم كلثوم والتي فيها «مينْ في حُبّه شافْ هَنا زيّي أنا» إلاّ كرّت

стр. 1860

بي الأيام راجعة فرأيت نفسي في سلمية سنة ١٩٣١ لمّا أُرسِلت إليها معلّماً في مدرستها، ولا أسمع قصيدة «يا شام» تغنّيها فيروز إلاّ عُدت إلى أيام الانفصال، ولا أسمع «ليلة الوداع» لمحمد عبد الوهاب إلاّ عُدت إلى سنة ١٩٣٧ حين كنت أدرّس في بيروت وأُوفِدَ أخي عبد الغني إلى باريس ليأتي منها بالدكتوراة في الرياضيات. وقد يسمع غيري هذه الأغاني فلا تثير في نفسه ذكرى. يقول هيراقليط الفيلسوف اليوناني: "لو أن مئة شخص شهدوا مشهداً واحداً لأثار في نفوسهم مئة إحساس". أو لعلّ القائل فيلسوف يوناني آخر، فما يهمّني الآن تعيين القائل ولكن يهمّني اللفظ المَقول. وقد أسمع أغنية عامّية اللفظ سوقية الأسلوب فتفتح عليّ باب التخيّل، فأرى فيها عالَماً لا يراه غيري مِمّن يسمعها. كهذه الأغنية التي تقول «ما في حدا، لا تندهي ما في حدا»، إنها تملأ صدري حزناً وقلبي بالشجن، حين أتصوّر من يأتي دار أحِبّته الذين استودعهم قلبه وأولاهم حُبّه، فناداهم كما كان ينادي، فإذا الدار خلاء ما فيها أحد يردّ النداء. ويتوارد على ذهني حين سماعها كلّ ما أحفظ في بكاء الديار ومخاطبة الأطلال. لذلك يرنّ في ذهني كلّما سمعت هذا البيت للأستاذ العقّاد ﵀ صدى الأغنية المشهورة، التي وُلدَت بعدها آلاف الأغاني وماتت وهي تدور على ألسنة الناس تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، أغنية: «الحنّة الحنّة يا قطر الندى». وأنتم تعرفون أن

стр. 1861

يوم الحنّاء كان من الأيام الحلوة التي تسبق يوم العرس، فتكون كالتمهيد له والمقدّمة بين يديه. تصوّروا أن قطر الندى غفلَت عنه فجاء من ينبّهها إليه ويبعث فرحتها به، فلما ماتت عادوا يدعونها إلى يوم الحنّاء. وهل توقظ الذكرى من أَوْدى به الرّدى؟ ذلك هو مبعث شَجَني حين أسمع مثل هذه الأغنية. وزعم بعض الباحثين أن قطر الندى في الأغنية هي قطر الندى بنت خُمارويه بن أحمد بن طولون لمّا زُفّت إلى الخليفة المعتضد، فإن صحّ هذا يكون عمرها أكثر من ألف سنة. وأنا هنا ناقل لست بقائل، فلا تطالبوني بالدليل فما لديّ على ما نقلت دليل. * * * وبعد، هل سمعتم -يا أيها القُرّاء- بالذي يمشي في نومه؟ أنا ذلك الرجل. لقد مشيت وراء فكرة لاحت لي فتركت طريقي وابتعدت عن غايتي، فعفوكم عني وسامحوني. كنت أتكلّم عن يوم الجلاء، يوم ١٧ نيسان (أبريل). يسأل العقّاد عن رَبع الشام هل هو عامر أم هو خالٍ؟ إن الشام يا أستاذ ما خلا من أهله، ولكن خلا مِمّن يعرف حقاً ما يوم الجلاء. تحت يدي الآن عدد يوم الإثنين الرابع من جمادى الآخرة سنة ١٣٦٥ من مجلّة «الرسالة». في هذا العدد وفي الذي بعده مقالتان لي عن يوم الجلاء، فأنا أقرؤهما وأسائل نفسي: ماذا يحسّ الشباب الذين لم يدركوا تلك الأيام حين قراءتهما؟ إنهم يقرؤونهما كما يقرؤون قطعة أدبية، كل ما يهمّهم منها نقد أسلوبها وكشف محاسنها وعيوبها، ثم لا تقرع في قلوبهم وتراً حياً ولا تبعث في

стр. 1862

نفوسهم ذكرى، إلاّ ذكرى ما سمعوه وما قرؤوه، وهم ما عاشوه ولا شهدوه. إنما يعرفه مَن كان هذا اليوم أقصى أمانيه وكان أبعد مراميه، نعرفه نحن إذ مشينا حتى وصلنا إليه خمساً وعشرين سنة وتسعة أشهر، لا نمشي في طريق مزفَّت تتخلّله الأشجار وتحفّ به الأوراد والأزهار، بل كنّا نقحم فيه لهب النار، النار التي أشعلها الفرنسيون في دورنا ومساكننا، ونخوض فيه بِرَك الدم الذي أساله الفرنسيون من عروقنا، نطأ فيه على أجساد الشهداء من أبنائنا وإخواننا، لا نمشي على وقع الطبول العسكرية والمزامير، بل على أصوات الأمهات الثاكلات أو بكاء الأولاد الذين أودت بآبائهم وأمهاتهم قنابل المتحضّرين الذين انتُدبوا علينا ليلقّنونا دروس الحضارة، فإذا هي ثلاثة دروس: درس في الإلحاد، ودرس في الفساد، ودرس في تخريب البلاد ونهب ثروات العباد. * * * كانت زوجة أبي لهب، حمّالة الحطب، تجمعه بشوكه فتلقيه في طريق رسول الله ﵊، ولكن هؤلاء الذين انتُدبوا ليمدّنونا كانوا شراً منها: هي تحمل ما تُطيق حمله يداها، وهؤلاء نقلوه بكل وسيلة نقل قدروا عليها. ما كان أهل الشام قبلهم كالصحابة الأوّلين ولا كانوا كالتابعين، وكان قد دخل عليهم في دينهم كثير من البِدَع والمُحدَثات، ولكن ما كان فيهم مُلحِد يُظهِر إلحاده ولا سافرة تُعلِن سفورها ولا عاصٍ يجاهر بمعصيته، فضلاً عن أن يفخر بها

стр. 1863

أو «يفلسفها» ويدافع عنها. وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكلّ ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير. وجاءت مرة وكيلةُ ثانوية البنات إلى المدرسة سافرة، فأغلقَت دمشق كلها حوانيتَها وخرج أهلوها محتجّين متظاهرين، حتى روّعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب وأوقعَت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلاّ وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً وعالِماً جليلاً وكان أستاذاً لنا. ومرّت الأيام. وجئت هذه المدرسة أُلقي فيها دروساً إضافية، وأنا قاضي دمشق سنة ١٩٤٩. وكان يدرّس فيها شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، فسمعت مرة صوتاً من ساحة المدرسة فتلفّتّ أنظر من النافذة، فرأيت مشهداً ما كنت أتصور أن يكون في ملهى فضلاً عن مدرسة، وهو أن طالبات أحد الفصول (وكلّهن كبيرات بالغات) قد استلقَين على ظهورهن في درس الرياضة ورفعن أرجلهن حتى بدت أفخاذهن عن آخرها. وكتبت في إنكار ذلك مقالة وعرضت له في أحاديث في الإذاعة، واجتمع رأي الشيخ ورأيي على أن بقاءنا في المدرسة بعد هذا لا يجوز. وكان ذلك آخر يوم من السنة المدرسية فلم أعُد إليها السنة التي بعدها. ألقى المنتدِبون ما حملوه من الشوك في طرقنا، ثم لم يكفِهم ذلك حتى أوحى إليهم شيطانهم بما هو أدهى منه وأمرّ وأبلغ في

стр. 1864

الأذى وفي الضرّ، فألقوا بذوره في أرضنا، فلما نبت ملأ بلدنا وأصاب أذى شوكه أبناءنا وبناتنا؛ فكان هذا الاستعمار الجديد شراً من الاستعمار القديم، لأن ذلك يمثّله قوم ليسوا منّا ولا دينهم من ديننا ولا لسانهم من لساننا، وهذا يقوم عليه ويدعمه ويحرسه أبناؤنا. لذلك تجدون في كثير من البلدان أن الذي تمّ بعد جلاء جيوش المستعمرين أشنعُ وأفظع وأبشع ممّا كان قبل لمّا كانوا هم الحاكمين. ولست أبرّئهم ولا أدافع عنهم، وكيف وهم الذين غرسوا في أرضنا نبتة الفساد، وكيف وفي مدارسهم وعلى مناهجهم سيّروا أبناءنا وبناتنا في هذا الطريق؟ * * * ورجعت إلى عددَي «الرسالة» أقرأ من جديد مقالتَيّ المنشورتين فيها من أربعين سنة وأربعين يوماً، فأحسّ كأني أدرت إبرة المسجّل فظهر أمامي فِلْم كامل فيه فصول كثيرة وفي فصوله تاريخ طويل: مسلسل كله مآسٍ وفواجع وبطولات وتضحيات، بدأ يوم دفنّا استقلالنا الوليد في وادي ميسلون ورجعنا كما يرجع الأب الثاكل من جنازة ابنه الوحيد وقد ذهب من يديه كل شيء. ولكنا ما قعدنا، ما استلقينا على كراسينا، ولا هجعنا في سُرُرنا فنمنا نحلم بالجلاء، ثم صحونا فإذا الحلم قد صار حقيقة والأماني غدت وقائع ... لا، ولكنْ جالَدْنا وجاهدنا، على ضعفنا وقلّتنا وقوّة عدوّنا وكثرة جنده ووفرة عتاده. رأينا أياماً سوداً وليالي طوالاً لم يكتحل فيها جَفنٌ برقاد، وصبرنا على ما لا تصبر على

стр. 1865

أكثر منه رواسي الجبال، فكان بعد الصبر النصر وبعد العناء والبلاء كان الجلاء. لذلك قلت في تلك المقالة في مجلّة «الرسالة» (١): يا أيها الذين عادوا من ميسلون بقلوب كسيرة، ونظروا إلى موكب الغاصب بعيون دامعة، وحملوا الظلم بأعصاب صابرة، وشاهدوا جبروت المحتلّ وطغيانه ووحشيته، والصرح الذي أقاموه على عزائم سواعدهم وسقوه دماء قلوبهم هوى، والبلاد التي براها الله واحدة قُسمت فجُعلت دولاً، والوطني المخلص نُفي أو سُجن أو حُكم عليه ظلماً بالموت شنقاً، والخائن الملعون قد أُعطِي الرُّتَب والذهب ... ويا أيها الذين خرجوا على الظلم وعرّضوا أرواحهم للموت على شعفات الصخر من جبال اللاذقية إلى جبل العرب، وعلى السهول الفيح من أداني حمص إلى أعالي حلب، وعلى ثرى الجنّات من أرض الغوطة؛ لم يخشوا فرنسا حين كانت تخشاها الدول ويرهب بأسها الأقوياء. ويا أيها الذين نشؤوا في عهد الانتداب، فرأوا في كلّ مدرسة مستشاراً فرنسياً هو الآمر الناهي ومديرُ المدرسة تمثال، وفي كل وزارة مستشاراً هو الفاعل التارك والوزيرُ صنم، وفي كل منطقة مستشاراً هو الحاكم وهو المنفّذ وهو الأمير، وفي وسط المدن مراكز للعدوّ وعلى الجبال قلاعاً له قد وجّهَت مدافعها إلينا، إلى بلدنا، لتضربنا إذا أبينا الظلم أو طالبنا بحقّنا لا إلى الفضاء لتردّ عنّا الأعداء. ويا أيها الشهداء الذين قضوا بنيران العدوّ الباغي في

стр. 1866

سبيل الله ثم في سبيل الحُرّية، هل تسمع أرواحكم دعائي يا أيها الشهداء؟ يا معشر العرب في قاصٍ من الأرض ودانٍ. إنّا نحمد الله إليكم، تبارك اسمه وجلّ جلاله، فقد أكمل نعمته وأتمّ مِنّته، وأخرج الفرنسيين من الشام كله فلم يبقَ منهم أحد. اذهبوا الآن إلى المزّة وادخلوا القلعة (في دمشق)، وأمّوا الثكنة (القشلة) الحميدية فإنه لا يمنعكم جندي وجهه يقطع الرزق ولا يردّكم ضابط فرنسي ولا تحجبكم سلك (جمع سلكة) ذات أشواك. وسيروا في طريق الصالحية، فادخلوا قصر المفوَّض السامي الذي كان يتنَزّل منه وحي الضلال على قلوب الخوَنة المارقين من طُلاّب الحكم وعُشّاق الكراسي، فيكونون لربه عبيداً أذلّة وعلى أبناء بلدهم فراعنة مستكبرين. ولِجُوا قصر المندوب الذي كان ينصبّ منه أمس الموت الزؤام على من يدنو من حماه، فاسرحوا وامرحوا حيث شئتم فالبلاد بلادكم؛ لا فرنسي ولا إنكليزي، ولا طلياني ولا روسي، ولا أشقر ولا أسود. ألا لا «مفوض سامي» اليوم ولا مندوب. لقد ذهبوا جميعاً، وما تركوا من جنّات زرعوها ولا عيون، ما تركوا إلاّ بيوتاً لنا كانت عامرة فجعلها حكمهم خراباً، وجناناً صيّروها مقابر، وضمائر نفر منّا كانت نقيّة فدنّسوها ... ذهبوا وما أورثونا خيراً قط. هذا قصر المفوض السامي الذي كان بالأمس يزعم أنه إله الأرض، تعالى الله ما من إله غيره. وكان كلّما نزَت في رأسه نزوة من حماقة جعلها قانوناً وحمل الناس عليها بسنان البندقية وفم

стр. 1867

المدفع: قوانين ينقض بعضها بعضاً وتلعن أواخرها الأوالي (أي الأوائل)، ولا يحصيها عالِم ولا جاهل: "إن المفوض بناء وبناء ... يقرّر تعديل الجملة الثانية من الفقرة الأخيرة من المادّة ١٨ من القرار ١١٠٥ ل/ر ... " فلا يعرف جِنّي ولا إنسي ما هذه الفقرة ولا ما هذه المادّة ولا ما هذا القرار! لقد ذهب وأورثنا عشرة آلاف قرار مثل هذا. ذلك هو التشريع الفرنسي الغربي الذي يحسبه القردة المقلّدون أحسن من شرع ربنا، لأن عليه «الدمغة» الأوربّية. اليوم يوم الجلاء. اليوم يبكي رجال منّا كانوا يأكلون الطيّبات وينامون على ريش النعام من بيع ضمائرهم للأجنبي، على حين كان الناس ينامون على التراب ويأكلون الخبز اليابس. اليوم يبكي رجال حملتهم الخيانة فوضعتهم على مقاعد العزّ في أبهاء الحكومة فصاروا من كبار الموظفين. اليوم يبكي رجال كانت لهم في سجلاّت «الاستخبارات» أسماء فصاروا اليوم أيتاماً كالجِراء (جمع جرو) في المزبلة بعدما مات الكلب. هؤلاء يبكون، ولكن الشعب كله يضحك اليوم وتضحك معه الدنيا. اليوم يضحك البلد بالزينات والأعلام ويضحك الليل بالأضواء والمصابيح. اليوم يرى الشاميون الفرحة الكبرى التي تنقش ذكراها على قلوب الأطفال والشباب فلا تُمحى أبداً، وتكون لقلوب الكهول والشيوخ شباباً جديداً كما كانت الفجيعة في ميسلون شيخوخة مبكّرة لهذه القلوب التي شابت من الهول قبل الأوان. (إلى أن قلت): لقد ضاع حلمك يا غورو وتبدّد، وخابت

стр. 1868

أمانيك يا ديغول، وحقّق الله الأمنية التي كان يجيش بها صدر يوسف العظمة شهيد ميسلون. وسيحقّق الله أماني سعد في مصر، وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وعمر المختار في طرابلس، وورثة عبد القادر في الجزائر، وجناح في الهند ... ولِمَ لا؟ وأهل سوريا التي نعمت بالجلاء لا يزيدون إلاّ قليلاً عن سُكّان القاهرة اليوم، والعرب كلهم بدولهم وحكوماتهم أقلّ من مسلمي الهند. فتيهي يا دمشق واعتزّي، فلقد كنت عاصمة العرب في أوّل الدهر حين أنشئ فيك المُلك الضخم وأقيمت الدولة العظمى ورسا عرش بني أميّة في ظلّ راية الإسلام على ثراك، فطاولَت فروعُه النجمَ وأظلّت المشرق والمغرب وطلع على الدنيا مجداً ورخاء وأمناً، وعدتِ اليوم عاصمة العرب حين كنت أول بلد عربي خلص لأهله بعد الاحتلال، وكنت أول بلد عربي جلا عنه الأجنبي بعد أن غصب أرضه واستبدّ بحكمها، وأوّل بلد عربي أبطل الامتيازات الأجنبية التي كانت وصمة عار وشارة ذلّ وصَغار (والتي لا يعرف أكثر القُرّاء اليوم ما هي)، وأوّل بلد عربي ألغى الألقاب التي لم يعرفها العرب، إذ كان أصغر واحد فيهم ينادي عُمَرَ باسمه (ياعمر) وعُمَر يحكم إحدى عشرة دولة من دول هذه الأيام! في عمر الإنسان ساعات هي العمر، تفنى الليالي وتنقضي الأعمار وتخلد هذه الساعات ذكرى في قلوب البنين. وفي تاريخ الأمم أيام هي التاريخ، تمرّ السنون متحدّرة في درك الماضي مسرعة إلى هوّة النسيان، وتبقى هذه الأيام جديدة لا تبلى، دانية لا تُنسى، مُشرِقة لا تغيب.

стр. 1869

وللإنسانية أيام هي ركن الإنسانية، لولاها ما قام لها بنيان ولا ثبت لها وجود. أيام قد عمّت بركاتها وشملَت خيراتها البشر جميعاً. أيام هي ينابيع الخير والحقّ والعدل في بيداء الزمان، وهي المفخرة لأمة أرادت الفخار. وما أكثر هذه الأيام الغُرّ في تاريخنا! وقد زعم العُداة أننا فرحنا به هذا الفرح لأننا أُعطِينا ما لم نكن نحلم به، كالفقير المسكين إذ يطلب قرشاً فيُمنَح ديناراً. كلاّ، إننا لم نأخذ إلاّ الأقلّ من حقنا. إن الجلاء ليس عجباً وإنما كان العجب العجاب أن يكون في ديار الإسلام احتلال. العجب ألاّ نحكم نحن الأرض وقد خُلقنا من أصلاب من حكموها وورثنا القرآن الذي دانت لهم به الأرض. زعموا أن هذا الجلاء قد أتى بلا تعب وأننا لم نُرجف عليه بِخَيلٍ ولا رِكاب، ولولا أنها جاءت به مصلحة الإنكليز ما جاء! كذبوا والله. أو فليخبروني: أجاهدَت أمّة على ضعفها وقِلّة عددها وعلى كثرة عدوّها وقوّته مثل ما جاهدنا؟ في مصر العزيزة سبعة عشر مليوناً، وفي أندونيسيا سبعون وفي الهند مئة (كان هذا سنة كتابة المقال قبل أربعين سنة)، ونحن أهل الشام لا نعدّ كلّنا -بَدْوُنا وحضَرنا، رجالنا ونساؤنا- أكثر من ثلاثة ملايين، وقد ابتُلينا بفرنسا ذات الطيش والحمق والملايين الأربعين والعدد والآفات. فاسألوا الفرنسيين: هل أرحناهم يوماً واحداً من ميسلون إلى يوم الجلاء؟ أما ثرنا على فرنسا وكسرنا جيوشها في خمسة مواقع؟ سلوا الجنرال ميشو القائد الذي حارب الألمان عند المارْن: أما أباد حملتَه على بكرة أبيها مجاهدون منّا لم يتعلّموا في مدرسة

стр. 1870

حربية ولا درسوا فنون القتال، وغنمنا عتادها كلّه فلم يعُد من الحملة بعد معركة المزرعة إلاّ مئتان وخمسون جندياً فقط. سلوا الغوطة عن معارك الزور وعمّا صنع حسن الخراط؟ سلوا النبك وجبالها وحماة وسهولها، وجنرالات الفرنسيين عن بطولة قُوّادنا الأبطال: سعيد العاص وسلطان الأطرش ومحمد الأشمر وعشرات وعشرات، إن لم أعدّهم اليوم فما يجهلهم أحد. أما ضرب الفرنسيون أقدم مدن الأرض العامرة بالقنابل مرتين في عشرين سنة؟ أما أحرقوا حيّ الميدان وهو ثلث دمشق ودمّروه، فلم ينهض من كبوته إلى اليوم (أي إلى يوم كتابة المقال)؟ أما أضرموا النار في جرمانة والمنيحة (المليحة) وزبدين وداريا وتلّ مسكين ودير سلمان وقُرى أخرى لا يُحصيها من كثرتها العدّ؟ بل سلوا شوارع دمشق وساحاتها عن إضراباتها ومعاركها ومظاهراتها. أما لبثَت في مطلع سنة ١٩٣٦ خمسين يوماً مُضرِبة لا تجد فيها حانوتاً واحداً مفتوحاً، مقفرة أسواقها كأنها موسكو حين دخلها نابليون؟ فتعطّلَت تجارة التاجر وصناعة الصانع، وعاش هذا الشعب على الخبز، ثم لم يرتفع صوت واحد بشكوى ولم يفكر رجل أو امرأة أو طفل بتذمّر أو ضجر ... إلى آخر المقال، فالمقال طويل. * * * وسيقول بعض القُرّاء لقد تركناك في الهند وباكستان، فما بالك عدت إلى الشام والحديث عن الشام؟

стр. 1871

ألا يقطع المرء رحلته ويعود إلى بلده إن شدّه إليها خبر أو دعاه داعٍ؟ وهل أكبر من هذا الخبر، خبر الجلاء في يوم ذكرى الجلاء؟ هذا هو عذري إن قطعت الكلام عن رحلتي ورجعت أتحدّث عن بلدي. على أن هذا الحديث لم يتمّ وله بقايا، سأُدلي بها وأعود إلى الهند وباكستان فأتحدث عنهما. * * *

стр. 1872

-١٤٨ - دفاع عن الفضيلة (١) يا ليتني لم أذكر في الحلقة الماضية مدارس البنات والذي رأيناه في مدارس البنات! لقد نكأ ذكرُها عليّ جرحي الذي حسبته اندمل، وأيقظ ذكريات ظننتها ماتت فإذا هي حيّة تَلدغ، ولدغتها تُربِك وتكاد تُهلِك. إنه حديث طويل يقطر الألم من كلّ كلمة فيه، وما فيه كلمة إلاّ وهي حقّ وصدق. إنه تاريخ يُروى ليس حديثاً يُفترى، فهل أتكلم عن مدارس البنات أم أعود إلى سرد الذكريات؟ لقد انقطع خيط السبحة على كل حال وتناثرت حبّاتها، ولم يعُد يفيد نَظْمها من جديد. ولست أكره مدارس البنات ولا أنا مِمّن يبلغ به قصر النظر وضيق الفكر أن يحاربها، لأن طلب بعض العلم فرض على الرجال والنساء، لا فرق بينهما في شيء من الواجبات والمحرّمات ولا في شيء من الثواب والعقاب. مدارس البنات في الشام قديمة، ولقد قلت لكم إن عمّتي كانت أول فتاة تخرّجت فيها سنة ١٣٠٠هـ، أي من مئة سنة

стр. 1873

وخمس سنوات! أتدرون كيف كان الامتحان؟ كان الفاحصون من الرجال إذ لم يكن في الشام يومئذ من المتعلّمات من يمتحنّ الطالبات. نصبوا ستارة قعدَت وراءها التلميذة ومعلّمتها وأمامها لجنة الامتحان، وكان رئيسها مربّي الشام وأستاذ الجيل الذي كان قبلنا، الشيخ طاهر الجزائري، الذي كان له العمل الأكبر في افتتاح مدارس البنين والبنات والمكتبة الظاهرية التي تُعَدّ من أغنى المكتبات بالمخطوطات، والذي كان من أخصّ تلاميذه به وأقربهم إليه أستاذنا محمد كرد علي وخالي محبّ الدين الخطيب والشيخ سعيد الباني. ثم أخذ الطريق ينحدر والمصائب تتوالى. والمدارس التي أنشئت لحفظ البنات وتثقيفهن وتقويمهن، وكانت عنايتُها برؤوسهن تملؤها بحقائق العلم وبأفكارهنّ تقوّم طريقها إلى الفهم وبقلوبهنّ تملؤها بالإيمان وبالفضائل، صارت عنايتها بأجساد الطالبات! وبعد أن كانت مدارس البنات لا يدخلها معلم ولا فرّاش (إلاّ إن كان شيخاً كبيراً) صار معلموها من الشباب العُزّاب المتأنقين الحاسرين، أصحاب الشعور المرجَّلة والوجوه المحفوفة، وصارت تقيم حفلات للرجال تمثّل فيها البنات ويرقصن بالثياب القصيرة الرقصة الرياضية ويدبكن «الدبكة الوطنية»، ثم اخترعوا شرّ اختراع، وهو هذه الرحلات المدرسية التي يشترك فيها الجنسان. ولقد بدأ ذلك كلّه يوم الاحتفاء بالجلاء! المسلم يحمد الله على النعمة ويتلقّاها بالطاعة، ونحن قابلنا نعمة الله علينا بجلاء المستعمرين عنّا بمعصية ربنا. لامني أصدقاء لأنني أكتب عن الفرنسيين بقلم سِنّه حديد

стр. 1874

يجرح ولا يداوي، فليطمئنّوا فإنني أريد اليوم أن أثني على الفرنسيين؛ لا لأنهم أحسنوا إلينا، ولا لأنهم عدلوا فينا ولم يغلبونا ظلماً على بلادنا ولم يستبدّوا بغير دليل فينا، بل لأن ما رأيناه بعدهم هوّن علينا ما قاسيناه منهم. إن العمى إن جاء بعد العَوَر جعل تصوّر العوَر نعمة، والمصيبة الكبيرة تهوّن ما كان قبلها من المصائب الصغار. على أن هذا الذي رأيناه بعدهم هو ثمرة غرسهم الذين غرسوه في نفوس أبنائنا، هو النبت الشائك السامّ الذي نثروا بذوره في أرضنا. إن الذي أقوله الآن بعد أربعين سنة قلته في يومه وكتبته وأعلنته. وقد كانت الصحف طليقة لا يقيّدها إلاّ قيد القانون ولا يسيطر عليها إلاّ قضاء القاضي، وكانت الأقلام حرّة تجول وتصول حيث تشاء كما تشاء، فكتبت في جرائد الشام، وكان أخي الأكبر وأستاذي وصديقي الأستاذ الزيات يفتح لي في «الرسالة» الواسعَ من أبوابها ويُلحِقني (وإن لم أكُن أستحقّ) بالكبار من كُتّابها، فكتبت فيها غداة يوم الجلاء مقالة كان عنوانها «إبراهيم هَنانو قال لي». وإبراهيم هَنانو هو الزعيم الوطني الذي لم تَعْلق باسمه ريبة ولم تخالط سيرتَه البيضاء بقعة سوداء. كان أحد الكبار من زعماء الشام، وكان أول من أعلن الثورة على الفرنسيين بعد ميسلون، فأقام دولة صغيرة لم تقوَ على محاربة الباطل أيام جولته فقُضي عليها. وإن كانت جولة الباطل لا تستمرّ وكانت العاقبة للحقّ وأهله.

стр. 1875

كان لهذه المقالة دويّ في الشام كبير، وتناوشَتني فيها أقلام حاولَت أن تمزّق جلدي وتهتك عرضي لأنني -كما زعم أصحابها- شوّهتُ جمال يوم الجلاء بهذه الانتقادات. وأنا أكتب وأخطب من ستّين سنة كاملة، من سنة ١٣٤٥هـ، أكسبني قلمي إخوة وأصدقاء وخصوماً وأعداء، فاتّخذ خصومي من هذه المقالة وما جاء بعدها مطعناً فيّ وقدحاً في وطنيتي، ونسوا أنني كتبت في نضال المستعمرين من المقالات وألقيت من الخطب والمحاضرات ما زاد على المئات، ووُلّيت رياسة لجنة الطلاب العليا (أي ما يُسمّى اليوم باتحاد الطلبة) مدّة سنتين من ١٩٢٩ إلى ١٩٣١، يوم كان هؤلاء المنتقدون في ظهور آبائهم لم يخرجوا إلى الوجود أو في بطون أمهاتهم، أو كانوا أطفالاً يبولون في سراويلاتهم! ونسوا أني بذلت ما لم يبذلوا ولذلك فرحت بيوم الجلاء أكثر ممّا فرحوا، ولكن الفرحة لا تُنسي الشريف شرفَه ولا المسلم إسلامه ولا الرجل رجولته. كان عنوان المقالة «إبراهيم هَنانو قال لي»، ولم ينتبه أحدٌ إلى أنه كان قد مرّ على موت إبراهيم هنانو ﵀ أحد عشر عاماً، فقد مات سنة ١٩٣٥. قلت في أولها: هذا إنذار أستحلف كلّ قارئ من قُرّاء «الرسالة» في الشام أن يُحدّث به وينشره ثم يحفظه، فإنه سيجيء يوم تضطرّه أحداثه أن يعود إليه فيقول: يا ليته قد نفعنا هذا الإنذار، يا ليت ... ويومئذ لا تنفع «ليت» شيئاً، لأنها لا تردّ ما ذهب ولا ترجع ما فات.

стр. 1876

وهذا إعذار إلى الله ثم إلى كُتّاب التاريخ، لئلاّ يقولوا إنها لم ترتفع في دمشق صيحة إنكار لهذا المنكر ولم يعلُ فيها صوت ناطق بحقّ، وإن كُتّابها وأدباءها حضروا مولد سنّة من ألعن سُنَن إبليس فلم يقتلوها وليدة ضعيفة، بل تركوها تكبر وتنمو حتى صارت طاعوناً جارفاً، حتى غدت ناراً آكلة، حتى استحالت داهية دهياء أيسر ما فيها الخسف والمسخ والهلاك. ونعوذ بالله من تذكير لا ينفع وإنذار لا يفيد. وبعدُ، فقد حدّثني صديق لي فقال: كنت أمس في مجلس، وكنّا نتحدث فيما كان يوم العرض يوم الاحتفاء بالجلاء من مناظر «الكشّافات» ومنظر «الأسير والعروس» حديث إنكار وأسف لِما كان، ونعجب كيف جاز على رجال هذا العهد الوطني وهم فيما كنّا نرى أهل الشهامة والمروءة والغيرة على الأعراض. وكان في المجلس الزعيم الجليل عضو مجلس النوّاب: إبراهيم بك هنانو. * * * وكتبت قصّة تخيلتها يتوهّم من يقرؤها أنها واقعة، على طريقة الأستاذ زكي مبارك لمّا كان يخترع مجالس لطه حسين وأحمد أمين يقوّلهما فيها ما لم يقولا ويضع على لسانيهما ما شاء هو من أقوال. على أن هذا القصّة ما جاء فيها إلاّ ما هو حقّ، إن لم يقُلْه مَن نسبتُه إليه فإنه كلام صحيح وفيه موعظة ونصح. قلت فيها على لسان واحد من أذناب الفرنسيين وأعوانهم مِمّن رفعوهم إلى المناصب العالية: لئن كُتب عليكم (والخطاب

стр. 1877

للفرنسيين) أن تذهبوا فإنكم ستعودون عاجلاً ثم لا تذهبون أبداً. إني سأنتقم لكم وسأعدّ وحدي العدّة لعودتكم، سأصنع في ليالٍ معدودات ما لم تصنعوه أنتم في ربع قرن وتسعة أشهر. سأريكم قوّتي. وليست القوّة أن تسوق على عدوّك العسكر اللجب والمدافع والدبابات تضرب بها قلعته، ولكن القوّة أن تأتيه باسماً مصافحاً، فتحتال عليه حتى يفتح لك قلعته بيده فإذا أنت قد امتلكتها بلا حرب ولا ضرب. إني سأدسّ لهم دسيسة في يوم الجلاء ... لا أصبر والله حتى ينتهي العيد، لأنها فرصة إن لم أغتنمْها لم أكَدْ أجد مثلها. وأنا أعرَف بأهل بلدي (وإن لم يكن دينهم من ديني): إنهم لا يؤتَون بالقوة ولا تنفع فيهم، وقد جرّبتم ورأيتم، فما قتلتم منهم كارهاً لكم إلاّ وُلد عشرة هم أكره منه لكم، وما هدمتم داراً من دورهم إلاّ هدمتم معها ركناً من انتدابكم عليهم، ولا أشعلتم النار في حيّ لهم إلاّ كانت هذه النار حماسة عليكم في قلوبهم ونار ثورة تُتعِبكم. وهم لا يؤخَذون بالشُّبَه تلقى عليهم في دينهم، إلاّ قليلاً منهم. ولا بالثقافة التي تحمل الإلحاد والكفر تحت عناوين العلم والفنّ، لا يقبل ذلك إلاّ قليل منهم. وما جئتموهم بكتاب ظاهر فيه هدم لدينهم إلاّ أثرتم عليكم مشايخهم وجمعياتهم فهبّوا يدافعون، فإذا أنتم قد قوّيتم بعملكم إيمانهم في صدورهم. وما يُنالون بالقوانين التي تُبطِل قرآنهم، وقد علمتم حينما جرّبتم في المغرب أن تأتوهم بالظهير البربري الذي أرجعتموه هنا لابساً ثوب «قانون الطوائف». ألا تذكرون ماذا جرى عليكم حتى أبطلتموه بأيديكم؟ ولا بالأموال التي تشترون بها ضمائر زعمائهم وقادتهم،

стр. 1878

لأن من هذه الضمائر ما هو كالوقف عندهم: لا يُباع ولا يُشترى ولا يوهَب. ولا بإرهاب الزعماء وحبسهم، وهذا هو الرجل الذي ضربه سنة ١٩٣٦ رجالُكم بعصيّهم، صار هو رئيس الجمهورية التي تخرجون غداً منها. فقال له فلان الفرنسي: ومن أين تأتيهم أنت؟ وهل تقدر على ما عجزت عنه فرنسا؟ قال: نعم، ولو كنتم قد سمعتم مني ما عجزتم. إنّي آتيهم من الباب الذي لا يستطيع أن يراه أحد مفتوحاً إلاّ ولجه. إني أحاربهم بغرائزهم فأجعلهم يهدمون بيوتهم بأيديهم، وأثير عليهم نساءهم وأثيرهم على نسائهم، وأُلقِي الضعف والخوف فيهم فأفسد عليهم رجولتهم وأخرب أسرَهم، وأجعل جيشهم أخشاباً قد شُغلَت كل خشبة بهواها ولذّتها. إني آتيهم من باب الغريزة الجنسية الذي لم تدخل منه أمّة بغير زواج إلاّ أدخلَت معها النار التي تحرقها والتي لا تخرج أبداً منها. قال الفرنسي: أما أدخلناهم نحن من هذا الباب؟ أما قلنا لهم إن تعريض أجسام الشباب والشابّات للشمس صحّة لهم وقوّة، فأبوا وقالوا: كلاّ، إنه تعريص (بالصاد)؟ أما قلنا لهم إن هذا الحجاب همجية ووحشية ورجعية وإن التقدم والمدنية بالسفور؟ أما أنشأنا لذلك جمعيات من النساء؟ أما فتحت هذه الجمعيات مدارس؟ أما صنعت هذه المدارس أكثر ممّا صنعت مدرسة الفرنسيسكان؟ إننا لم نصل بعد ذلك كله إلى شيء. قال الآخر: إن الصبر عند الصدمة الأولى، فإذا استطعتُ أن

стр. 1879

أضرب ضربة واحدة فقد ضمنت النجاح. وإني سآتيهم من طريق الوطنية فأقول: إنه يوم عرس الوطن، يوم الجلاء، يوم تختلط فيه الرجال والنساء ... إلى آخر ما جاء في هذه المقالة، ومن شاء أن يطّلع عليها وجدها في عدد «الرسالة» الذي صدر يوم الإثنين التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ١٣٦٥ هجرية (١). * * * فما الذي كان في ذلك اليوم حتى كتبت عنه هذا الكلام؟ كان أن دمشق التي عرفناها تستر بالملاءة البنتَ من سنتها العاشرة شهدَت يوم الجلاء بنات السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن تهتزّ نهودهن في صدورهن، تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة. وشهدَت بنتاً جميلة زُيِّنت بأبهى الحلل وأُلبِسَت لباس عروس، وركبت السيارة المكشوفة وسط الشباب. قالوا: إنها رمز الوحدة العربية. ولم يدرِ الذين رمزوا هذا الرمز أن

стр. 1880

العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها. وكان في العرض مناظر كثيرة من أمثال هذا المنظر، قالوا إنها لوحات حيّة تعبّر عن الفرح والسرور! وأُخذت صور هذا كلّه فنُشرت في الجرائد وعُرضت في السينمات، فازدادت جرأة الناس على نقض عُرى الأخلاق، حتى رأينا صور ناس من كبارنا مع نسائهم عراة على سِيف البحر منشورة في المجلاّت! قالوا: إنه يوم النصر يجوز فيه ما لا يجوز في غيره. وكذبوا فيما قالوا، فإن المرأة التي تزلّ يوم العيد كالتي تزلّ يوم المأتم، والناس يزدرونها من غير أن يسألوا عن تاريخ زلّتها. وكان ممّا كتبت في «الرسالة»: ألا من كان له قلب فليتفطّر اليوم أسفاً على الحياء. من كانت له عين فلتبكِ اليوم دماً على الأخلاق. من كان له عقل فليفكّر بعقله، فما بالفجور يكون عِزّ الوطن وضمان الاستقلال، ولكن بالأخلاق تُحفَظ الأمجاد وتسمو الأوطان. فإذا كنتم تحسبون أن إطلاق الغرائز من قيد الدين والخلق، والعورات من أسْر الحجاب والستر، إذا ظننتم ذلك من دواعي التقدّم ولوازم الحضارة وتركتم كلّ إنسان وشهوتَه وهواه، فإنكم لا تحمدون مغبّة ما تفعلون، وستندمون -ولات ساعةَ مَنْدَم- إذا ادلهمَّت المصائب غداً وتتالت الأحداث، وتلفّتّم تفتّشون عن حُماة الوطن وذادة الحِمى، فلم تجدوا إلاّ شباباً رخواً ضعيفاً لايصلح إلاّ للرقص والغناء والحب. فاللهَ اللهَ للأمّة والمستقبل! إنّنا خرجنا من هذا الجهاد بعزائم تزيح الراسيات وهِمَم

стр. 1881

تحمل الجبال، فلا تضيّعوا هذه العزائم ولا تُذهِبوا هذه الهمم، ولا تشغلكم لذّات نفوسكم عن حماية استقلالكم، فمَن نام عن غنمه أكلَته الذئاب. إن هذا الجلاء نعمة من نعم الله، فتلقّوها بالشكر والطاعة واحفظوها بالجد والأخلاق، فبالشكر تدوم النعم، وبالإخلاص تبقى الأمم، وبالمعاصي تهلك وتبيد. إن أجدادنا كانوا يحتفلون بالنصر بحمد الله وطاعته، فيقودهم الاحتفال إلى نصر جديد. وكذلك تفعل الأمم الحيّة اليوم. أما سمعتم بحفلات تتويج ملك الإنكليز، وما العهد عنها ببعيد؟ لقد كان نصفها في الكنيسة. فلماذا لا يكون احتفاؤنا بالجلاء إلاّ اختلاطاً وتكشّفاً وغناء ورقصاً، كأنه لم ينزل علينا كتاب ولم يُبعَث فينا نبيّ ولم يكمل لنا دين؟ إني أخاف والله أن يكون الأجنبي قد أجلى جيوشه عنّا وترك فينا قنابل تتفجّر كل يوم، فتدمّر علينا أخلاقنا وأوطاننا واستقلالنا. إن كلّ عورة مكشوفة وكلّ فسوق ظاهر قنبلة أشدّ فتكاً من قنابل البارود، ولا يخفى ضررها إلاّ على أحمق. فيا أيها الناس، لقد جلَت جيوشُ العدوّ عن أرضكم فأَجْلُوا من بيوتكم عاداتهم، وعن رؤوسكم شبهاتهم، وعن مدارسكم مناهجهم، وعن شوارعكم حاناتهم ومراقصهم، وعن محاكمكم قوانينهم، وعن أجسام بناتكم وأولادكم ثيابهم الكاشفة الفاضحة وأزياءهم. وذلك هو الجلاء الحقّ. * * *

стр. 1882

وازداد الانحدار وتتالت المصائب، وضعف أهل الدين بتنازعهم واختلافهم واشتغال علمائهم بفروع الفروع من أمر دينهم وغفلتهم عن الأصول التي لا تقوم الفروع إلاّ عليها، وخلا الميدان للذين يريدون أن يطبقوا فينا قانون الشيطان، قانون إبليس. وأوّلُ مادّة في هذا القانون كما تعرفون: «ينزع عنهما لباسَهما ليريَهما سوآتهما». فبعد أن كانت النصرانيات واليهوديات يتّخذن الملاءات، وبعد أن كانت دمشق تُغلِق حوانيتها وتخرج المظاهرات فيها لأن وكيلة ثانوية البنات جاءت سافرة عن وجهها، وصلَت الطالبات إلى ما رأينا من التكشف والاختلاط وتلك المنكَرات. إن أقوى الطاقات في الدنيا ما يسمونه «ردّ فعل»؛ فأنت حين تكبس بيدك على كفّة الميزان لا يظهر الأثر في الوسط وإنما يظهر في الكفّة المقابلة. هذا الانطلاق وراء اللذّات وهذا التحلل من قيود الدين والأخلاق دفع جماعة من الشباب من العامّة ومن الطلاب إلى إنكار هذا المنكَر، ولكنهم لم يرجعوا إلى مشورة أهل العلم ولم يقفوا عند آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، وحسبوها فوضى يصنع كلٌّ ما يشاء ما دام يريد بينه وبين نفسه الخير، فانطلقوا يتعرّضون في الطرق للسافرات المتكشّفات، وهجموا مرة على سينما في وسط البلد ليس فيها إلاّ نساء (لأن دور السينما يومئذ كانت عندها بقيّة من حياء، فهي تخصّص أياماً للنساء وأياماً للرجال)، دخلوا عليهن فروّعوهن، فأعطوا بذلك أعداءنا وأعداء ديننا حُجّة علينا. ولذلك قالت العرب في أمثالها: «عدوٌّ عاقل خير من صديق جاهل».

стр. 1883

الفرنسيون أقاموا في الشام ربع قرن فما تعرّضوا لعالِم من العلماء ولا لشيخ من المشايخ، ولكننا لمّا حكَمنا اتخذنا ممّا صنع جُهّالنا وسفهاؤنا حُجّة فحاولنا النيل من علمائنا ومن مشايخنا. حتى إن الشيخ محمد الأشمر، وهو أحد الصالحين الذين ثاروا على الفرنسيين وأبلوا في قتالهم البلاء المبين، وكانت داره حِمى لمن دخلها لم يجرؤ فرنسي أن يدنو منها فيدخل عليه فيها. فلما كان عهد الاستقلال وكان رئيس الوزارة الرجل الوطني ... سعد الله الجابري، وأخوه إحسان الجابري كان في أوربّا رفيقَ أمير البيان شكيب أرسلان وكان زميلَه في دفاعه عن بلادنا وعن ديننا. سعد الله الجابري هذا أمر باقتحام دار الشيخ محمد الأشمر وبسحبه منها إلى السجن! كما أسيء إلى كثير من الأفاضل والعلماء، فكتبت في «الرسالة» (عدد يوم الإثنين ٦ شوّال ١٣٦٥) مقالة عنوانها «دفاع عن الفضيلة»، خاف عليّ الأستاذ الزيات ﵀ من تبعاتها فمحا اسمي (بموافقتي) من رأسها وكتب أنها لأحد الكُتّاب، ولكن الذي يضع فهارس الرسالة لم يتنبّه لهذا أو لم يخبره به الزيات، فوضع على غلاف الرسالة أن المقالة لفلان (أي لعلي الطنطاوي). وكان الأستاذ الزيات يحبّ الرفق والاعتدال ويريد ذلك من كُتّاب مجلّته، فيقصّ بموافقتهم من حواشيها إذا هي طالت ويقصّر من أشواكها إذا أوشكَت أن تؤذي بحدّها. فمنهم من كان يرضى بذلك ويوافق كارهاً عليه كالدكتور زكي مبارك، ومنهم من كان يأبى أن يُبدَّل في كتابته شيء ولا يرضى إلاّ أن تُنشَر كاملة

стр. 1884

أو تُرَدّ كاملة، ومن هؤلاء الأستاذ سيد قطب ﵀ وكاتب هذه السطور. لكنه لمّا رأى هذه المقالة جازت الحدَّ المعروف في الصراحة حذف منها، وكتب إليّ رسالة لا تزال عندي يبرّر فيها ما صنع. والمقالة طويلة والبقيّة في الحلقة القادمة. * * *

стр. 1885

-١٤٩ - دفاع عن الفضيلة (٢) هذا العنوان لم أضعه اليوم ولا اليوم كتبت هذه المقالة. إنها كُتبت ونُشرت في «الرسالة» يوم ٦ شوال ١٣٦٥هـ، أي من أربعين سنة. ولو كتبتها اليوم لرأيتها مقصّرة لا تصف إلاّ الأقلّ ممّا وصلنا إليه، أي ممّا رأيناه بعدها، أيام الوحدة مع مصر وما بعد أيام الوحدة. وإنْ مدّ الله في الأجل واتسع صدر الأخوَين الناشرَين وصدور القُرّاء، حدّثتهم حديث الخبير الصادق عمّا نراه الآن. ونعوذ بالله أن يأتي علينا يوم نرى فيه هيّناً سهلاً هذا الذي نراه الآن. وأنا لا أقصد بلداً بذاته، بل أتكلّم عن جميع البلدان، ومنها ما مسّه طرف من لهب هذه النار أو أصابه لفحة من حرّها أو أذى من دخانها. وإن كانت المملكة هنا لا تزال -بحمد الله- خيراً من غيرها، ولا يزال لواء الدين فيها مرفوعاً وصوته مسموعاً، ولكن على كل صحيح الجسد أن يتخذ أسباب الوقاية من المرض وأن يسأل الله النجاة منه. والدين لا يمنع من الأخذ بأسباب القوّة ومجاراة الأمم في ميدانها، ولا يحول بيننا وبين النافع من نتاج

стр. 1886

الفكر ولا من ثمرات الحضارة. ومن عرف هذه البلاد قبل خمسين سنة كما عرفتها ورأى ما وصلَت إليه الآن، في كلّ ميدان، من غير أن تفرّط في شيء من عقائدها أو تدع كثيراً من فضائلها ومن سلائقها، أدرك أن من أراد الجمع بين التمسّك بالدين الذي يكون به النجاة في الآخرة، وبين أعلى درجات التمدن والحضارة التي يكون بها السموّ والفخار في الدنيا، وجده سهلاً ممكناً. فتحت عيني على الدنيا والعلماءُ في بلدنا (كما كانوا في أكثر بلاد الإسلام) هم قادة الناس وإليهم مرجع أمرهم، إن اعترضَتهم مشكلة في دنياهم رجعوا إليهم في حلّها، وإن كانت مسألة في دينهم طلبوا منهم حُكمها. لا كلمةَ فوق كلمتهم ولا رأيَ بعد رأيهم، لأنهم صدقوا مع الله وذلّوا بين يديه فأعزّهم الله في الناس حتى صدقوهم ومشوا وراءهم. أرادوا الآخرة فأعطاهم الله الدنيا والآخرة. عهدنا شيخ العلماء في سوريا، الشيخ بدر الدين الحَسَني، يدخل عليه في غرفته الصغيرة في دار الحديث الأشرفية الباشواتُ والولاة أيام الأتراك، والمفوضون والقُوّاد والجنرالات أيام الفرنسيين، فيخلعون نعالهم عند بابها ويقعدون بين يديه على بساطها، ويستمعون إليه وينفّذون ما يطلبه. وما كان يطلب لنفسه شيئاً منهم، بل كان يعظهم وينصحهم ويحثّهم على ما فيه مصلحة الناس. ولمّا استولى الجيش على جامع تنكز الكبير وجعلوه في

стр. 1887

أيام الشريف فيصل بن الحسين مدرسة عسكرية، ثم ورثه منهم الفرنسيون فأبقوه على حاله، لم يحتَج استرداده منهم إلاّ لمسيرة الشيخ إليه ووراءه تلامذته، وعلى عاتقه ثقل الثمانين التي عاشها وفي صدره نور العلم والإيمان، فما هي إلاّ أن دخله عليهم حتى خرجوا منه وأخلوه. ثم داخل طائفةً من العلماء حبُّ الدنيا وطلبوا حظوظ نفوسهم قبل طلب رضا ربهم، فوكَلهم الله إلى نفوسهم، وتزاحموا على أبواب الحُكّام فصرف الله عنهم قلوب الناس. وبقيَت طائفة على طريق الحقّ، تطلب العلم لله وتؤدّي فيه حقّ الله، لكن الشرّ قوي من حولها. وازداد أتباعه فشغلوا الناس بالعاجلة ولذّاتها عن الآجلة ومكارهها، وهؤلاء العلماء ثابتون على الحقّ، ولكنهم يقيمون من حولهم جداراً من الكتب والحواشي ويعيشون في برج عاجي، يتنفسون هواء هذا القرن وعقولُهم وتفكيرهم في القرون المَواضي. ومنهم من هو خَرّاج وَلاّج، عارف بالدنيا وأهلها يدرك ظواهرها وبواطنها، ولكنه يحرص على إرضاء الحكام وموافقة العوامّ، وهذا لا يكاد يأتي منه خير. ومنهم من جمع خوف الله وجرأة القلب وطلاقة اللسان، فنزل إلى الميدان، يعلّم الجاهل ويقوّم المائل ويصلح الفاسد، ويؤدّي حقّ العلم عليه حين أخذ الله على العلماء أن يبلغوه الناس ولا يكتموه. ولمّا ابتُلينا بالاحتلال كان الذين قادوا النضال وأوصلوا

стр. 1888

بلادهم إلى الاستقلال من هذه الطبقة من المشايخ والعلماء: الأمير عبد القادر الجزائري منهم، وعبد الكريم الخطابي، وعمر المختار، والذين أيقظوا النُّوّام في مصر والشام: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والذي فتح للناس باب الجهاد في فلسطين عزّ الدين القسّام، وأمثال هؤلاء. وكنّا كلّما قام فينا حاكم لا نرضاه أو مرّ بنا عهد لا نحبّه، كان أول من يعمل على إزاحة هذا الحاكم وإنهاء هذا العهد هم علماء الدين وخطباء المساجد وشباب الإسلام. نحن نخوض المعركة وغيرنا يأخذ المغانم: وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لها ... وإذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندُبُ ثم كَثُرَت الجنادب حتى لحسَت الحَيس كله، وحازت المآدب جميعها وأكلت ثمار الجهاد، والذين جاهدوا ينظرون بعيونهم من بعيد! في كلّ يوم يقوى أنصار الباطل ويزيدون ويقلّ دعاة الحقّ ويضعفون، وهذه سنّة الله في الكون: الفساد أكثر انتشاراً من الصلاح؛ حبّة برتقال عَفِنة تُفسِد صندوق البرتقال، ومريضٌ واحد ينقل مرضَه إلى مئات الأصحّاء وهم لا ينقلون إليه صحّتهم. وابتُلينا بالفرنسيين يوم كانوا يُعَدّون السابقين إلى الانطلاق والفسوق في أوربّا، وكانت باريس مباءة المتع ودار اللذّات يقصدها الناس لهذا من الآفاق. وإن كانت فيها السوربون وكان

стр. 1889

فيها المجمع العلمي. فمشى إلينا داؤهم وانتقلت إلينا العدوى منهم، ولكن المرض لا تظهر آثاره من أول يوم، بل الجسم -بما أودع الله فيه من وسائل الدفاع- يصاول المرض ويقاوم الداء. فلما كان يوم الجلاء كانت مدّة تفريخ الجرثومة قد انتهت وأيام الحمل بالمرض قد تمّت، فوُلد هذا المولود الخبيث الذي حدّثتكم حديثه، وجاء من بعده إخوة له وأخوات، وكثروا وازدادوا كما يكثر نسل الشياطين و (الميكروبات)، حتى وصلنا إلى الذي أعرف وتعرفون. * * * ولكن تعالوا نحاسب أنفسنا. ألا نحمل شيئاً من وزر هذا الداء؟ ألم نُذهِب قوّتَنا فيما بيننا؟ ألم ننسَ أعداء ديننا من المُلحِدين والمكفّرين (المتسمّين بالمبشّرين) والفاسدين المُفسِدين وأذناب المستعمرين؟ ألم نَدَعْهم كلّهم ونشتغل بمعارك يثيرها تارة ناس من الأعداء يلبسون ثياب الأصدقاء يدخلون بيننا ليفرّقوا جمعنا، ويثيرها ويبعثها تارة أتقياء صالحون، ولكنّ في أبصارهم قِصَراً فلا يرون أبعد من مناخرهم، وفي عقولهم نقصاً فلا يقدّرون عواقب ما يفعلون؟ كم من المجادلات والمناقشات، كم كُتب من الرسائل والمقالات، كم نشأ من الأحقاد والأضغان بسبب صلاة التراويح في الشام مثلاً: هل هي عشرون ركعة أم هي ثمانٍ؟ والصلاة على الرسول بعد الأذان؟ والشيخ الذي كان يُصدِر رسائل «الإصابة» يصيب بها المسلمين وهم يردّون بمثلها وبأشدّ منها عليه وعلى

стр. 1890

الصوفية والمتصوّفين؟ ومسائل من أمثالها لا حاجة إلى تعدادها، لأن العقلاء يحيطون علماً بها، والمغفّلين يندفعون فيها، والأعداء يفرحون بها ويضحكون علينا بسببها، ثم يُضرِمون نار الخلاف عليها، ينفخون فيها إن خمدَت ويمدّونها بالحطب إن ضَعُفَت، حتى أزحنا أنفسنا بأنفسنا عن مكان الصدارة، وتخلّينا بأيدينا عن موضع القيادة، فصار أمر المدارس مثلاً (وفيها بناتنا وأبناؤنا) بأيدٍ غير أيدينا، يتولاّها في بعض بلاد المسلمين مَن ليسَت غايته غايتنا ولا منهجه منهج ربّنا، ونفقاتها على الأحوال كلّها منّا! فهل سمع سامع في الدنيا بأعجب من هذا؟ الأولاد أولادنا والأموال أموالنا، ونحن الكثرة الكاثرة من الأمة، فعلامَ تُنفَق أموالنا على تكفير أولادنا وردّهم خصوماً لنا ولديننا ولأخلاقنا وأعراضنا؟ إنني حين أفكّر في هذا، وبما كان من تقصيرنا وتنازعنا حتى خرج الأمر من أيدينا، أقول: آه آه! أقتلعها من قرارة القلب، فتخرج ومعها لهب ودخان أسىً وحزناً على هذا الذي كان. * * * أعود إلى المقالة فأنقل إليكم فقرات منها، لأنها صارت تاريخاً وذكرى ولتروا كيف كنّا نكتب قبل أربعين سنة (١). جاء في عنوانها أنها كلمة صريحة لله ثم للوطن، شرحت فيها ما كان من عمل الشباب الذين هالهم ما رأوا من فشو التبرّج

стр. 1891

والاختلاط بُعَيدَ الجلاء في دمشق، البلد العربي المسلم، فقاموا يدافعون عن الفضيلة المغلوبة ويردّون إليهم الناس، لأن ديار الشام لا تزال متمسّكة بدينها ولا يزال نساؤها بالحجاب الساتر، ومشت الأمور في طريقها وكادت تصل إلى غايتها، ودُعاة الفجور ينظرون ويتحرّكون. لولا أن دفعت الغيرة على الأخلاق الإسلامية والسلائق العربية -مع الجهل بأحكام الدين والبعد عن استشارة العلماء المخلصين- بعضَ العامّة إلى الدخول على النساء في السينما وإخراجهن منها، وإلى التجوال في البلد ونصح كل متبرّجة ووعظها وزجرها. وقد أنكر العلماء والعقلاء ذلك عليهم فكفّوا عنه وأقلعوا، ولكن دعاة الفجور لم يُرضِهم أن تنتصر دمشق للفضيلة وأن تَهدم عليهم عملَهم على رفع الحجاب وإباحة الاختلاط، فاستغلّوا عمل هؤلاء العوامّ وأعلنوا إنكاره، وكبّروه وبالغوا في روايته، وذهبوا يقيمون الدنيا ويُبرِقون البرقيّات ويُرعِدون بالخطب. وما أهون الإبراق والإرعاد، وما أسهل إثارة الشبّان الفاسقين على الستر والحجاب باسم «الحُرّية الشخصية» التي تمتّعهم بما وراء حدود الفضيلة من لذائذ محرمة. أيُخرِجون النساء من السينما؟ أيعرضون بالنصح للمتبرّجات الكاشفات؟ يا للحدث الأكبر، يا للعدوان على الحُرّية الشخصية التي ضمنها الدستور! أليسَت المرأة حُرّة ولو خرجَت عارية؟ أليس الناس أحراراً ولو فسقوا وفجروا؟ أليس كلّ امرئ حُرّاً ولو نقب مكانه في السفينة فأدخل إليها الماء فأغرقها وأهلها؟

стр. 1892

كذلك فهم الحُرّيةَ هؤلاء الجاهلون، أو كذلك أراد لهم هواهم أو شاءت لهم رغباتهم وميولهم أن يفهموها. ودفعوا أكثر الصحفيين، فلبثوا أياماً طوالاً لا كلام لهم إلاّ في الدفاع عن هذه «الحُرّية»، وأثاروا بعض النوّاب في المجلس، فجرّب كل واحد منهم أن يتعلّم الخطابة في تقديسها. ثم عمدوا إلى فئة من خطباء المساجد حامَوا عن الفضيلة فساقوهم إلى المحاكم سَوق المجرمين، وأدخلوهم السجون من غير مستند إلى قانون من القوانين، وجرعوهم كؤوس الذلّ، حتى صار مَن يذكر السفور بسوء أو يدعو إلى الفضيلة والستر كمن يدعو إلى الخيانة العظمى (١). وتوارى أنصار الفضيلة من هذه العاصفة الفاجرة الهوجاء. وحسب أولئك أن الظفر قد تمّ لهم وأن أهل الدين قد انكسروا كسرة لا تُجبَر، فكشفوا القناع وانطلقوا يسرحون وحدهم في الميدان ويمرحون. وكانت النتيجة أن انحطم السدّ فطغى سيل الرذيلة وعمّ، وامتدّ في هاتين السنتين أضعاف ما امتدّ أيام حكم الفرنسيين، وازدادت جرائم التعدّي على العفاف واستفحلَت، حتى رأت المحاكم من يعتدي على عفاف بنته أو أخته، أو على طفل رضيع! وماذا يصنع هذا الوحش الذي أثارت «الحُرّية الشخصية» غرائزه فلم يجد إلاّ البنت والأخت أو الطفل الرضيع؟ ثم ازدادت الجرأة حتى رأينا بعض مجلاّت دمشق تقلّد

стр. 1893

نظيراتها في مصر فتنشر صور العرايا، فيشتريها الشباب لهذه الصور، لأنه ليس فيها ما يُقرَأ فتُشترى من أجله. ثم امتدّ الشرّ حتى رأيناهم يعملون من الطالبات كشّافات يمشين في الطرقات بمثل لباس المجنّدات في الجيش الأمريكي (ولم نكن قد عرفنا الجيش الإسرائيلي، ولا كانت إسرائيل أزال الله عنّا رجس إسرائيل) بعد أن كانت دمشق لا تحتمل أن ترى الكشّافين الشباب بلباس يرتفع عن الركبتين، وحتى رأيناهم يقيمون معرضاً لأدوات تحضير الدروس التي صنعها المعلمون، فتُترك مدارس البنين كلها (ومنها الثانوية المركزية ببنائها الضخم وأبهائها الواسعة، وهي أصلح مكان للمعارض، وهي التي أقيم فيها معرض دمشق الكبير سنة ١٩٣٦) وتُختار مدرسة البنات في طريق الصالحية. ثم يُفتتح المعرض بدعوة الرجال لمشاهدة فرقة من البنات (الكشّافات) يغنّين على المسرح ويأتين بحركات رياضية تُبدي للأعين الفاسقة المفتّحة أكثر ما يخفى عادة من أجساد فتيات نواهد، قد انتُقين عمداً أو مصادفة من جميلات الطالبات. ثم امتدّ الشرّ حتى رأيناهم يفتحون نادياً في قانونه أن العضو يجيء مع زوجته أو ابنته غير المتزوجة، وحتى شهدنا النفر الشيوعيين العُزّاب المستهترين الساكنين في المقاهي الخبيثة والخمّارات، أصحاب تلك البرقية الوقحة المعروفة، يتسلّمون شؤون المعارف ويسلّطون على الشباب والشابّات، فيبتدعون نظام المرشدات. وإنه لَنظام الضالاّت المُضِلاّت! ويسنّون الاختلاط في الحفلات، وينقلون دار المعلّمات من مكانها القديم المستور إلى دارة (فيلا) جديدة في شارع مُحدَث في ظاهر البلد مكشوفة

стр. 1894

من جهاتها الأربع، لها طُنُف وشرفات دائرة بها، وأسرّة الطالبات تظهر من الطريق، فإذا نهضنَ من النوم رآهن مَن يمشي في الشارع بثياب المنام! ثم يدفعون خِرّيجات دور المعلّمات فيعملن حفلة خيرية، فلا يجدن لها مكاناً في دمشق إلاّ ... مرقص العباسية! ويطبعن في البطاقة أنه سيغنّي فيها فلان من فَسَقة المغنّين وترقص فلانة الراقصة المحترفة رقصاً بلدياً. ثم ... ثم ماذا؟ الله وحده يعلم ماذا يكون أيضاً، وإلى أين نسير، وإلى أين المصير. (هذا ما قلته يومئذ وقد عشنا حتى رأينا ماذا كان بعد هذا. وسيأتي حديثه إن شاء الله). وقد نزلَت هذه الضربات على وجه الفضيلة متلاحقة متتابعة، لا تصحو من واحدة حتى تحسّ بالأخرى، وهم يريدون منّا مع ذلك أن نسكت ولا نقول شيئاً لئلاّ نشوّه -كما زعموا- جمال العهد الوطني. كلاّ؛ إن العهد الوطني هو الذي تنتصر فيه الفضيلة ويسود الحقّ ويُحفَظ العفاف. كلاّ ولا كرامة! إنها أعراض بناتنا وأخواتنا، ولو كانت غير الأعراض لهاوَدْناكم عليها، ولكن لا هوادة في العِرض ولا في الدين. إنها حياة هذه الأمة؛ لا تحيا أمّة بلا أخلاق. أفئن قامت فئة من العامّة بما لا يُرضى عنه وانتهكَت الحرمة التي تزعمونها لحرمكم الذي تدعونه، وهي السينما، وتجاوزَت على حياء الفاضلات «المطهّرات» من النساء المتبرّجات! نسكت كلنا عن نصرة الفضيلة إلى يوم القيامة؟

стр. 1895

(إلى أن قلت): ثم ما هذه الحُرّية التي طبّلتم لها وزمّرتم وهوّلتم وعظّمتم، وجعلتم الاعتداء عليها كفراً بدين الحضارة وإلحاداً بشرعة الديمقراطية؟ أهي حُرّية المرأة أن تكشف ما تريد من جسمها متى أرادت وأين شاءت؟ أهي حرية ناظر المدرسة أن يحوّل مدرسته إلى ماخور؟ أهي حُرّية الفسوق والعصيان؟ أهذه هي الحُرّية المقدَّسة عندكم؟ إنكم يا أيها السادة بين أمرين: إما أنكم تقولون ما لا تفهمون، وإما أنكم تسترون بهذه الأسماء الحلوة أغراض نفوسكم ورغبات أجسادكم. وإلا فخبّروني: أيّ أمة تصنع مثل هذا الصنيع؟ العرب؟ إن العرب أغيَرُ الناس على الأعراض، وإن كلمة العِرض في لسانهم لا تقابلها كلمة في ألسُن الأمم تُترجَم بها. المسلمون؟ إن الإسلام أمر بِغَضّ البصر وستر العورة ولَعَن الناظر إليها والمنظور. الفرنسيون؟ إن الفرنسيين يكشفون أفخاذ الشباب في الملعب، فعلامَ تكشفونها أنتم في سوق الحميدية وهو للبيع والشراء وفيه الرجال والنساء؟ وهو كالموسكي في مصر والشورجة في بغداد. إن الفرنسيين يُنشئون بيوتاً للهو واللذّة وبيوتاً للعلم، وأنتم جعلتم بيوت العلم بيوت لذّة ولهو! وإن الفرنسيين كانوا يسترون سيقان الجند، فلما استلمتم أنتم الجيش كشفتم عن أفخاذهم! الروس؟ إن الروس فصلوا بين الجنسَين في المدارس لمّا رأوا بالتجرِبة أن الاختلاط لا يأتي بخير، وأنتم تسعون الآن بكل طريق لجمع الجنسين في المدارس. هل تعرفون ماذا يُسمّى الذي يجمع الجنسين من غير عقد زواج؟ لا أوجّه هذا الحديث للمسلم وحده، بل لكل من قال أنا
следующие страницы →