← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

والاختلاط بُعَيدَ الجلاء في دمشق، البلد العربي المسلم، فقاموا يدافعون عن الفضيلة المغلوبة ويردّون إليهم الناس، لأن ديار الشام لا تزال متمسّكة بدينها ولا يزال نساؤها بالحجاب الساتر، ومشت الأمور في طريقها وكادت تصل إلى غايتها، ودُعاة الفجور ينظرون ويتحرّكون. لولا أن دفعت الغيرة على الأخلاق الإسلامية والسلائق العربية -مع الجهل بأحكام الدين والبعد عن استشارة العلماء المخلصين- بعضَ العامّة إلى الدخول على النساء في السينما وإخراجهن منها، وإلى التجوال في البلد ونصح كل متبرّجة ووعظها وزجرها. وقد أنكر العلماء والعقلاء ذلك عليهم فكفّوا عنه وأقلعوا، ولكن دعاة الفجور لم يُرضِهم أن تنتصر دمشق للفضيلة وأن تَهدم عليهم عملَهم على رفع الحجاب وإباحة الاختلاط، فاستغلّوا عمل هؤلاء العوامّ وأعلنوا إنكاره، وكبّروه وبالغوا في روايته، وذهبوا يقيمون الدنيا ويُبرِقون البرقيّات ويُرعِدون بالخطب. وما أهون الإبراق والإرعاد، وما أسهل إثارة الشبّان الفاسقين على الستر والحجاب باسم «الحُرّية الشخصية» التي تمتّعهم بما وراء حدود الفضيلة من لذائذ محرمة. أيُخرِجون النساء من السينما؟ أيعرضون بالنصح للمتبرّجات الكاشفات؟ يا للحدث الأكبر، يا للعدوان على الحُرّية الشخصية التي ضمنها الدستور! أليسَت المرأة حُرّة ولو خرجَت عارية؟ أليس الناس أحراراً ولو فسقوا وفجروا؟ أليس كلّ امرئ حُرّاً ولو نقب مكانه في السفينة فأدخل إليها الماء فأغرقها وأهلها؟

стр. 1892

كذلك فهم الحُرّيةَ هؤلاء الجاهلون، أو كذلك أراد لهم هواهم أو شاءت لهم رغباتهم وميولهم أن يفهموها. ودفعوا أكثر الصحفيين، فلبثوا أياماً طوالاً لا كلام لهم إلاّ في الدفاع عن هذه «الحُرّية»، وأثاروا بعض النوّاب في المجلس، فجرّب كل واحد منهم أن يتعلّم الخطابة في تقديسها. ثم عمدوا إلى فئة من خطباء المساجد حامَوا عن الفضيلة فساقوهم إلى المحاكم سَوق المجرمين، وأدخلوهم السجون من غير مستند إلى قانون من القوانين، وجرعوهم كؤوس الذلّ، حتى صار مَن يذكر السفور بسوء أو يدعو إلى الفضيلة والستر كمن يدعو إلى الخيانة العظمى (١). وتوارى أنصار الفضيلة من هذه العاصفة الفاجرة الهوجاء. وحسب أولئك أن الظفر قد تمّ لهم وأن أهل الدين قد انكسروا كسرة لا تُجبَر، فكشفوا القناع وانطلقوا يسرحون وحدهم في الميدان ويمرحون. وكانت النتيجة أن انحطم السدّ فطغى سيل الرذيلة وعمّ، وامتدّ في هاتين السنتين أضعاف ما امتدّ أيام حكم الفرنسيين، وازدادت جرائم التعدّي على العفاف واستفحلَت، حتى رأت المحاكم من يعتدي على عفاف بنته أو أخته، أو على طفل رضيع! وماذا يصنع هذا الوحش الذي أثارت «الحُرّية الشخصية» غرائزه فلم يجد إلاّ البنت والأخت أو الطفل الرضيع؟ ثم ازدادت الجرأة حتى رأينا بعض مجلاّت دمشق تقلّد

стр. 1893

نظيراتها في مصر فتنشر صور العرايا، فيشتريها الشباب لهذه الصور، لأنه ليس فيها ما يُقرَأ فتُشترى من أجله. ثم امتدّ الشرّ حتى رأيناهم يعملون من الطالبات كشّافات يمشين في الطرقات بمثل لباس المجنّدات في الجيش الأمريكي (ولم نكن قد عرفنا الجيش الإسرائيلي، ولا كانت إسرائيل أزال الله عنّا رجس إسرائيل) بعد أن كانت دمشق لا تحتمل أن ترى الكشّافين الشباب بلباس يرتفع عن الركبتين، وحتى رأيناهم يقيمون معرضاً لأدوات تحضير الدروس التي صنعها المعلمون، فتُترك مدارس البنين كلها (ومنها الثانوية المركزية ببنائها الضخم وأبهائها الواسعة، وهي أصلح مكان للمعارض، وهي التي أقيم فيها معرض دمشق الكبير سنة ١٩٣٦) وتُختار مدرسة البنات في طريق الصالحية. ثم يُفتتح المعرض بدعوة الرجال لمشاهدة فرقة من البنات (الكشّافات) يغنّين على المسرح ويأتين بحركات رياضية تُبدي للأعين الفاسقة المفتّحة أكثر ما يخفى عادة من أجساد فتيات نواهد، قد انتُقين عمداً أو مصادفة من جميلات الطالبات. ثم امتدّ الشرّ حتى رأيناهم يفتحون نادياً في قانونه أن العضو يجيء مع زوجته أو ابنته غير المتزوجة، وحتى شهدنا النفر الشيوعيين العُزّاب المستهترين الساكنين في المقاهي الخبيثة والخمّارات، أصحاب تلك البرقية الوقحة المعروفة، يتسلّمون شؤون المعارف ويسلّطون على الشباب والشابّات، فيبتدعون نظام المرشدات. وإنه لَنظام الضالاّت المُضِلاّت! ويسنّون الاختلاط في الحفلات، وينقلون دار المعلّمات من مكانها القديم المستور إلى دارة (فيلا) جديدة في شارع مُحدَث في ظاهر البلد مكشوفة

стр. 1894

من جهاتها الأربع، لها طُنُف وشرفات دائرة بها، وأسرّة الطالبات تظهر من الطريق، فإذا نهضنَ من النوم رآهن مَن يمشي في الشارع بثياب المنام! ثم يدفعون خِرّيجات دور المعلّمات فيعملن حفلة خيرية، فلا يجدن لها مكاناً في دمشق إلاّ ... مرقص العباسية! ويطبعن في البطاقة أنه سيغنّي فيها فلان من فَسَقة المغنّين وترقص فلانة الراقصة المحترفة رقصاً بلدياً. ثم ... ثم ماذا؟ الله وحده يعلم ماذا يكون أيضاً، وإلى أين نسير، وإلى أين المصير. (هذا ما قلته يومئذ وقد عشنا حتى رأينا ماذا كان بعد هذا. وسيأتي حديثه إن شاء الله). وقد نزلَت هذه الضربات على وجه الفضيلة متلاحقة متتابعة، لا تصحو من واحدة حتى تحسّ بالأخرى، وهم يريدون منّا مع ذلك أن نسكت ولا نقول شيئاً لئلاّ نشوّه -كما زعموا- جمال العهد الوطني. كلاّ؛ إن العهد الوطني هو الذي تنتصر فيه الفضيلة ويسود الحقّ ويُحفَظ العفاف. كلاّ ولا كرامة! إنها أعراض بناتنا وأخواتنا، ولو كانت غير الأعراض لهاوَدْناكم عليها، ولكن لا هوادة في العِرض ولا في الدين. إنها حياة هذه الأمة؛ لا تحيا أمّة بلا أخلاق. أفئن قامت فئة من العامّة بما لا يُرضى عنه وانتهكَت الحرمة التي تزعمونها لحرمكم الذي تدعونه، وهي السينما، وتجاوزَت على حياء الفاضلات «المطهّرات» من النساء المتبرّجات! نسكت كلنا عن نصرة الفضيلة إلى يوم القيامة؟

стр. 1895

(إلى أن قلت): ثم ما هذه الحُرّية التي طبّلتم لها وزمّرتم وهوّلتم وعظّمتم، وجعلتم الاعتداء عليها كفراً بدين الحضارة وإلحاداً بشرعة الديمقراطية؟ أهي حُرّية المرأة أن تكشف ما تريد من جسمها متى أرادت وأين شاءت؟ أهي حرية ناظر المدرسة أن يحوّل مدرسته إلى ماخور؟ أهي حُرّية الفسوق والعصيان؟ أهذه هي الحُرّية المقدَّسة عندكم؟ إنكم يا أيها السادة بين أمرين: إما أنكم تقولون ما لا تفهمون، وإما أنكم تسترون بهذه الأسماء الحلوة أغراض نفوسكم ورغبات أجسادكم. وإلا فخبّروني: أيّ أمة تصنع مثل هذا الصنيع؟ العرب؟ إن العرب أغيَرُ الناس على الأعراض، وإن كلمة العِرض في لسانهم لا تقابلها كلمة في ألسُن الأمم تُترجَم بها. المسلمون؟ إن الإسلام أمر بِغَضّ البصر وستر العورة ولَعَن الناظر إليها والمنظور. الفرنسيون؟ إن الفرنسيين يكشفون أفخاذ الشباب في الملعب، فعلامَ تكشفونها أنتم في سوق الحميدية وهو للبيع والشراء وفيه الرجال والنساء؟ وهو كالموسكي في مصر والشورجة في بغداد. إن الفرنسيين يُنشئون بيوتاً للهو واللذّة وبيوتاً للعلم، وأنتم جعلتم بيوت العلم بيوت لذّة ولهو! وإن الفرنسيين كانوا يسترون سيقان الجند، فلما استلمتم أنتم الجيش كشفتم عن أفخاذهم! الروس؟ إن الروس فصلوا بين الجنسَين في المدارس لمّا رأوا بالتجرِبة أن الاختلاط لا يأتي بخير، وأنتم تسعون الآن بكل طريق لجمع الجنسين في المدارس. هل تعرفون ماذا يُسمّى الذي يجمع الجنسين من غير عقد زواج؟ لا أوجّه هذا الحديث للمسلم وحده، بل لكل من قال أنا

стр. 1896

عربي، لأن من صفات العربي التي تقوم عليها عروبته الشهامة والغيرة على الأعراض. ومن ادّعى العربية ولم تكن له على العِرض غيرة ولم يغضب لحُرَمه فهو كذّاب دَعِيّ ليس بعربي. وسيقول عني ناس من القُرّاء: هذا رجل معروف بالدعوة إلى الرجعية فلا تسمعوا له، إنه يريد أن يعود بنا إلى الوراء ونحن نريد أن نتقدّم إلى الأمام. وهذا كلام لا يُناقَش، إنما يُناقَش كلام مؤيَّد بحُجّة، إنما يُسمَع اعتراض قائم على منطق، إنما يُقرَع الدليل بالدليل. فهل في هذا الكلام حُجّة أو منطق أو دليل؟ أنا أدعو إلى مناظرتي كلَّ مخالف لي، على أن يكون في رأسه عقل وفي يده قلم أو في فمه لسان. أمّا الذين حفظوا كلمات فهم يردّدونها كالببغاوات لا يحاولون فهمها، فلا شأن لي معهم ولا وقوف لي عليهم. يقولون «رجعية». فما الرجعية؟ هي الرجوع إلى الماضي، أي إلى أخلاقه وعاداته (فما يمكن أن يُرجَع إلى زمان مضى). فهل الرجوع إلى مثل أخلاق المسلمين الأوائل نفع أو ضرر؟ وهل يكون الداعي إلى تلك الأخلاق مُصلِحاً أو مفسداً؟ هذه هي الرجعية عندنا؛ الرجوع إلى الدين. أفترجع فرنسا إلى دينها، أي إلى كاثوليكيتها، ويظفر الحزب الديني فيها بأكثر مقاعد المجلس النيابي، فلا يُنكِر عليها أحد ولا يتّهمها أحد بالتأخّر ولا يصفها بالجمود؟ (اذكروا أن المقالة منشورة سنة ١٩٤٦) ونطلب نحن العودة إلى ديننا الحقّ فيقول السفهاء إننا متأخّرون جامدون؟ لا؛ هذا كثير. هذا كُفر بالمنطق وتعطيل للفكر. هذا شيء نستحيي منه أن يكون فينا من يقوله.

стр. 1897

ونحن إذ ننتقد شيئاً نبيّن أضراره، فبيّنوا أنتم منافعه، حتى إذا وجدنا المنافع أكثر أخذنا به ولو حملنا معه شيئاً من الضرر. ونحن نعلم أنه ليس في الدنيا خير محض ولا شرّ محض، وأن الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس ولكن إثمهما أكبر من نفعهما، فلذلك حُرّما. إنه لا بدّ في كل مناظرة من مبادئ يتّفق عليها الطرفان ليعودا إليها ويرتكزا عليها، وما المنطق إلاّ ردّ الفروع إلى هذه الأصول. فإذا كان المتناظران مختلفَين في كلّ شيء، يرى هذا أن العفاف نافع فيقول الآخر بل هو ضارّ، ويدّعي هذا أن اتّباع الدين واجب فيقول الآخر إنه ممنوع، ويرى هذا العمل على منع الفجور ويرى ذاك العمل على نشر الفجور، فكيف يمكن أن يكون بينهما كلام؟ فلنتّفق أولاً على الأصول: هل العفاف وقَصْرُ الاتصال الجنسي على المشروع منه خير أم هو شرّ؟ هل قيام المرأة على تربية أولادها بنفسها وإخلاصها لزوجها وبيتها خير أم هو شرّ؟ هل مراقبة الله وخوفه وتمسّك كل امرئ بفضائل دينه خير أم شر؟ هذه ثلاث مسائل أطلب الجواب عليها. وإنه ليكون غروراً مني وازدراء للخصوم وللقُرّاء إذا افترضت أنهم يرون هذه الأمور شراً، فحاولت إقامة البراهين على أنها خير، وأتعبت نفسي والقُرّاء في إثبات هذا الأمر الذي أظنّه ثابتاً عند العقلاء جميعاً. وإني أؤجّل هذا الإثبات إلى حين الحاجة إليه وأبني المناظرة على هذه الأسس الثلاثة.

стр. 1898

فتفضّلوا قولوا: هل هذا الذي أوصلتمونا إليه يحفظ علينا عفافنا أم هو يضيّعه علينا؟ هل يعمر بيوتنا أم يخربها على رؤوسنا؟ هل يُرضي ربّنا أم يُسخِطه علينا؟ هل يجعلنا أمة قوية أم هو يذهب بقوتنا؟ وإذا سلّمنا جدلاً بأن من الخير مشاركة الطالبات الطلاب في أفراح الجلاء، فهل يُشترط في هذه المشاركة أن يكشفن سيقانهن وأفخاذهن، وأن يُنتخب لذلك الجميلات منهن لا النابغات ولا الذكيات، وإذا لبسن الثياب الطويلة والجوارب الساترة أيبَطل رواء الاحتفاء وتَذهب بهجته؟ أم أنتم تريدون النظر إلى أفخاذهن بحُجّة المشاركة في أعياد الجلاء؟ وإذا حَسُن أن نقوّي بالرياضة أجساد الطالبات فهل يُشترط لهذه التقوية أن يختلطن بالرجال؟ لا والله. أحلفها يميناً غَموساً وأضعها في عنقي؛ إنكم لا تريدون الصحّة ولا الرياضة ولا المشاركة بالعيد، إنما تريدون التلذّذ بمرأى أجساد بناتنا باسم العيد والرياضة والصحّة. إنكم لصوص أعراض. ولكن ليس الحقّ عليكم؛ الحقّ علينا نحن آباء الطالبات والطلاّب. فنحن عميان لا نبصر، خُرس لا ننطق، حمير لا نغار. وإذا استمرّت هذه الحال فليس أمامنا إلاّ اللعنة التي نزلت على بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. اللهمّ لقد بلّغت، اللهمّ لقد أنكرت المنكَر، اللهمّ لا تُنزل علينا لعنتك ولا تُحْلِلْ بنا غضبك. * * *

стр. 1899

وبعد، فهذا نصّ المقالة بعد أن مسّتها يد الزيات ﵀، فليّنت من قسوتها وفلَّتْ من حدّها. صارت الآن ملكاً للتاريخ بعد أن مضى على نشرها أربعون سنة، قرأها الناس في كل بلد كانت تصل إليه «الرسالة» وتُقرأ الآن في كلّ بلد فيه مجموعات «الرسالة». خرجت من نطاق الأدب الذي يقول فيه الناقد: ليت الكاتب قال كذا أو سكت عن كذا، ودخلت في التاريخ. والمؤرّخ لا يُقال له: أحسنت فيما قلت أو أسأت، ولكن يُقال: صدقت فيه أو كذبت. والذي رأيناه بعدها يهوّن علينا ما شكوناه فيها. وإن مدّ الله في العمر أوردتُ ما بقي في ذهني من خبره، وإنه -مع الأسف- خبر يؤلم الصديق المؤمن ويسرّ العدو الفاسق، والشكوى لله من قبلُ ومن بعد. أما الذي نالني بسببها من أذى الألسنة والأقلام ومن بطش الرؤساء والحُكّام، فأحتسب ثوابه عند الله، وأرجو أن يتقبّل الله دعوات أهل الخير التي دعوا لي بها لمّا قرؤوها. * * *

стр. 1900

-١٥٠ - لمحات من أسلوب الاستعمار قال شاعرنا العربي من أكثر من ألف وخمسمئة سنة: وأعلَمُ عِلمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ... ولكنّني عن علمِ ما في غدٍ عَمِ لأن دون الغد ستاراً كثيفاً فلا يستطيع أحدٌ أن يطّلع عليه. ولكن أمامنا أمارات ربما أرشدَت إلى بعض ما يكون فيه؛ فأنت حين ترى قافلة السيارات تحمل أهل القرية وأثقالهم، تعرف من اتجاهها أين هو مقصدها. والمدارس هي الإشارة التي تعرف منها إلى أين يكون اتجاه الأمّة وكيف تكون حالها في غدها. والمدارس في المملكة عمرها نصف قرن أو ستّون سنة، أُسِّسَت على التقوى من أول يوم لأنها قامت بأيد مؤمنة في ظل حكومة مؤمنة، وكانت كالبناء في الأرض الخلاء، لا يحتاج بانيه إلاّ إلى شقّ الأخدود ووضع الأساس ورفع الأركان والجدران، كما يريد ويشتهي، وإن عرض له رأي جديد كان سهلاً عليه التعديل أو التبديل.

стр. 1901

أمّا المدارس في الشام فهي كالدار القديمة، التي مرّت عليها الأيام وتوارثها الآباء عن الأجداد، وربما ورثها الأجداد عمّن قبلهم. تعاورَتها الأيدي وتبادلَتها المُلاّك، وكل مالك لها يزيد فيها أو ينقص منها أو يبدّل في هندستها، حتى اجتمعَت فيها الهندسات، فكان بيتٌ منها كأنه مسجد فيه الكتب وغرفة منها كأنها ملهى فيها المحرّمات. حتى لم يعُد أكثرها يصلح للبقاء، ولا يجدَّد إلاّ بهدمه ونقل أنقاضه وإخلاء أرضه وإقامة الجديد عليها، أو بترقيعه وإصلاحه بمقدار ما يمكن الإصلاح والترقيع. كانت المدارس في الشام أصنافاً ثلاثة: المدارس الأهلية، والمدارس الأميرية (الحكومية)، والمدارس النصرانية. أما المدارس النصرانية فقد فُتحت لأهلها ولم يكن لأبنائنا مكان فيها، ولكنها امتلأت على مرّ السنين بأبناء المسلمين بحُجّة تعلّم اللغة الأجنبية. وهذه الحُجّة الواهية التي لا تَثبت للنظر ولا للتمحيص قد جرّت علينا شراً كبيراً. أمّا المدارس الأهلية فكانت هي الأقوم سبيلاً والأكثر عدداً، وكان يملكها آحاد من الناس، ما للحكومة دخل في وضع مناهجها ولا في إدارتها ولا في اختيار معلّميها وأساتذتها. وكانت تحرص على تلقين الطلاّب العلوم الإسلامية وتعويدهم على أداء الواجبات والبعد عن المحرّمات، ولكنها كانت تسلك في التربية وفي أساليب التدريس أسوأ السبل؛ تقدّمَت الدنيا وارتقى التعليم فيها وهي في مكانها، لا تشعر بهذا التقدم ولا تحسّ هذا الارتقاء. وكانت الشدّة والقسوة هي الطريقة المختارة فيها، وكان

стр. 1902

الفَلَق (التي تسمّيها العامّة الفلقة أو الفلكة) وعصا الخيزران هما عنوان تربية الأولاد. وكانت هذه المدارس درجات: أدناها «الخُجَة». والخجة امرأة تعلّم في بيتها، يأتون إليها بالأطفال لتحفّظهم قصار السور أو تلقّنهم حروف الهجاء، وتكون غالباً أمّية أو شبه أمّية، شمّت رائحة العلم ومشت في طريقه خطوة واحدة. وربما وُجدَت «الخجة» على شيء من المعرفة والإدراك، وذلك قليل. فقد كان عندنا في حيّ الصالحية في دمشق خجة عندها شبه مدرسة أولية، فيها أكثر من مئة وعشرين تلميذاً مقسومين إلى ثلاث شعب، يقعدون على مثل مقاعد المدرسة ويدرسون مثل ما يدرسه تلاميذ المدرسة. وأرقى من الخجة «الكُتّاب». ولي تجرِبة فيه كتبت عنها كثيراً من المقالات، ولكني نسيت أن أودعها هذه الذكريات (١). أدخلني جدي إليه قُبَيل إعلان الحرب الأولى وأنا طفل ما أحسب أني جاوزت الخامسة إلاّ قليلاً، فلبثت في هذا الكُتّاب من بعد صلاة الظهر إلى أن كان الانصراف بعد العصر، ساعتان أو ثلاث ساعات مرّ عليها الآن ثلاث وسبعون سنة، وكلّما تذكّرتها أحسست الرعب الذي أصابني فيها والألم الذي دخل عليّ منها والشقاء الذي استهللت به حياتي العلمية. فماذا يكون مبلغ العذاب الذي مرّ عليه أكثر من سبعين سنة ولا تزال مرارته في قلبي، ولا أزال كلّما ذكرته كأنني أراه أمامي؟!

стр. 1903

وفوق ذلك مدارس ابتدائية منظَّمة، عرفتها تلميذاً ثم علّمت في أكثرها. وأقدمها وأشهرها مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني. ولي عنه كتابات كثيرة، ويوم مات كنت أحترف الصحافة وكنت محرّراً في الجريدة الكبرى في دمشق، فكتبت عنه، فقال لي أحد الإخوان: أتشغل أعمدة الجريدة في الكتابة عن شيخ كُتّاب؟ ولم يدرِ أن شيخ الكُتّاب هذا كان من أساطين النهضة في دمشق. كان جندياً مجهولاً في معركة الإيمان والكفر والعلم والجهل، لبث سبعين سنة يعلّم الأولاد، فاجتمع في سجلاّته اسم التلميذ وأبيه من قبله وجدّه من قبلهما ووالد جده! وكانت مدرسته أولاً عند باب الفرج (١)، أحد أبواب دمشق السبعة، وكلّها باقٍ إلى الآن إلاّ باب النصر الذي كان في رأس سوق الحميدية. ثم انتقلت إلى المدرسة الجَقْمَقيّة، وهي من أجمل الأبنية الأثرية في الشام، جدّدَتها وأصلحَتها وأعادتها إلى رونقها وزارةُ الأوقاف بإشراف دائرة الآثار، ولكنها تركَتها خالية ليعجب منها السياح ويزورها الزائرون. ثم انتقلت إلى المدرسة الجوهرية. وقد علّمت في هذه المدارس كلّها. ومن المدارس الابتدائية «الأمينية» التي كان مديرها وصاحبها الشيخ شريف الخطيب، وهو ابن خالتي. وقد كنت عنده تلميذاً، ثم صرت عنده معلّماً. والمدرسة الريحانية التي ورد ذكرها في كتاب أستاذنا كرد علي ﵀ «المعاصرون»، فندب مجمع

стр. 1904

اللغة العربية أحد الناس للإشراف على طبعه وتصحيحه، فوضع في ذيل الصفحة حاشية تقول إن ذلك سَبْق قلم من كرد علي وإنها قرية الريحانية التي هي في جنوبي الشام قرب القدم. هذا الرجل الذي وكّلوه تصحيح الكتاب كان يرفع الصواب الذي أثبته كرد علي ويضع الخطأ الذي توهّمه هو! والمدرسة الريحانية قديمة، أُزيلَت لمّا افتتح الشارع الكبير الموصل إلى دار أسعد باشا العظم. وقد عرفتها وأنا صغير، وكان القيّم عليها الرجل العجيب صاحب النوادر، الشيخ عبد الجليل الدرة، الخطيب الطلق اللسان، الحاضر الدمعة متى شاء، الذي يبكي في خطبته ويستبكي الناس عندما يريد، كأن في عينيه صنبوراً يفتحه فيقطر الدمع منه! أمّا قرية الريحانية فليست جنوبي الشام كما قال هذا المصحّح العلاّمة، بل هي في شماليها قرب دوما التي أمضيت سنين من عمري قاضياً فيها (١). ولست الآن في مجال الكلام على مدارس الشام ورجالها، وإنما تكلمت عنها صلة للحلقتين السابقتين لأبيّن موقف المشايخ وأهل الدين منها وما أنكروه عليها، ومبلغ ما جاهدوا وعملوا على إصلاحها. * * * وكانت عندنا ثلاث ثانويات أهلية كبيرة رؤساؤها أو مديروها كلهم من المشايخ: الكاملية، وكانت تُدعى حيناً المدرسة العثمانية،

стр. 1905

وكان صاحبها ومؤسّسها ومديرها الرجل الذي له الصدارة في الشام بين المربّين وبين السياسيين وبين المصلحين، الشيخ كامل القصّاب الذي شارك في وضع أساس التعليم في المملكة هنا. والثانوية التجارية التي كان أبي مديرها، والتي مر الكثير من الكلام عنها. والثانوية الثالثة هي الكلّية العلمية الوطنية، وكان مديرها الدكتور منيف العائدي الأستاذ في كلّية الطبّ، ولكن رئيسها ومؤسّسها هو الشيخ أبو الخير (محمد خير) الطبّاع. ثم خَلَفه الشيخ راشد القوّتلي، أحد العلماء الوجهاء الأغنياء الصلحاء. أما المدارس الأميرية (الحكومية) فكان أقدمها وأشهرها مدرسة الملك الظاهر عند قبره في مدرسته الأثرية، التي تقابل العادلية الكبرى التي فيها مجمع اللغة العربية. ثم كان في دمشق بعد الحرب الأولى خمس مدارس ابتدائية (وكانت المدرسة تُدعى «الأنموذج»)، وهي أنموذج الملك الظاهر، وأنموذج البحصة، وأنموذج المرجة، وأنموذج الميدان، وأنموذج المهاجرين. وكان عندنا مدارس أولية أشهرها مدرسة الحبّال في أدنى القَيْمريّة، وكانت قديماً للشيخ محمد المبارك والد شيخنا الشيخ عبد القادر، وكان مِمّن تعلّم فيها أستاذنا محمد كرد علي. والمدرسة الريحانية والمدرسة السباهية. وكان شيخ المعلمين الأستاذ سعيد مراد، وزميله في مدارس البنات الشيخ محيي الدين الخاني، والأستاذ عبد الرحمن السفرجلاني (ابن الشيخ عيد). وكان يدرّس في هذه المدارس

стр. 1906

الابتدائية كثير من الأساتذة الأعلام، كشيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار والشيخ الدكتور رفيق السباعي وشيخنا الشيخ حامد التقي، وآخرون ربما رجعت إلى الحديث عنهم. وكان يدرّس فيها من الشباب إخواننا أنور العطار وسعيد الأفغاني وسليم الزركلي وجميل سلطان وزكي المحاسني وأمجد الطرابلسي وأمثالهم. وكل واحد مِمّن ذكرت في صدري عنه ذكريات وأنباء لو كتبتها لجاءت في صفحات كثيرة، ولكان منها تاريخ للمعلّمين في الشام. وكانت هذه المدارس تديرها أيامَ الأتراك مديرية المعارف في الولاية، وأشهر مدير لها هو هاشم بك. ثم لمّا ذهب الأتراك آلَ أمرُها إلى وزير المعارف اسماً والمستشار (الفرنسي) فعلاً. وكان ركنا وزارة المعارف الأستاذ شفيق جبري والأستاذ مصطفى تمر، وكان أمر المحاسبة للأستاذ مصطفى القبّاني، وكان رئيس الديوان هو عبد النبي القلعي. وقد سبق الكلام أن رجال وزارة المعارف كلهم لا يجاوزون أحد عشر رجلاً، وعند المستشار أربعة أو خمسة: رئيس ديوانه (ولا أزال أذكر اسمه وهو إسبر زمباكوس)، وكان الترجمان عنده ميشيل السبع. وكلهم من النصارى، لأن الفرنسيين لا يثقون إلاّ بهم ولا يطمئنّون إلاّ إليهم، وإن جاؤوا بمسلمين فإنما يجيئون بمثل جميل الألشي وبهيج الخطيب. وكانت للمعارف ثانوية واحدة للبنين هي «مكتب عنبر» وأخرى للبنات في طريق الصالحية، عند قبر عَرْنوس. يلحق بكل منهما دار للمعلّمين، يشاركنا طلابها في سائر الدروس وينفردون

стр. 1907

عنّا في مادّتَي التربية وأصول التدريس، وربما تلقّوا معلومات في الصناعات. * * * قلت لكم إن للمدارس الأهلية معايب، ولكنها لها في مقابل هذه المعايب مزايا، من أبرزها العناية بالعلوم الإسلامية من التوحيد والتجويد والتفسير والفقه والأصول والحديث والمصطلح. وإن كان الحرص على استظهار المعلومات أكثرَ من حرصهم على إفهامها، وكانوا يلقّنون التلاميذ أحياناً ما لا تتّسع له مداركهم. فلما جاء الفرنسيون كان أول ما صنعوه أن جمعوا العلوم الإسلامية كلها في درس واحد سمّوه درس الديانة، ثم جعلوا عنوانه التربية الدينية (في مقابل التربية الرياضية للجسم، والتربية الفنّية، أي الموسيقى والغناء والرسم). هذا، والتربية شيء غير التعليم، وإن كان أحدهما لا يُغني عن الآخر ولا بُدّ من جمعهما. وجعلوا لذلك كلّه ساعة واحدة في الأسبوع، أي أنهم أعطوه مثل الذي يُعطى للرسم وللموسيقى وللرياضة! فما الذي يمكن أن يتلقّاه التلميذ في ساعة واحدة من هذه العلوم كلها؟ ولماذا لم يجعلوا مثلها للرياضيات بأقسامها، وهي الحساب والجبر والمثلّثات والهندسة المسطحة والهندسة الفراغية والهندسة النسبية؟ أو للطبيعيات بعلومها: الفيزياء بأنواعها والكيمياء بأقسامها والحيوان والنبات؟ هذا ما لبثنا أكثر من أربعين سنة ونحن نقوله لهم، فلا يستجيب لنا أحد ولا يريد أن يفهم عنّا أحد.

стр. 1908

ثم ابتدعوا بدعة ظاهرها تنظيم إداري لا اعتراض لنا عليه، بل لا شأن لنا به، ولكن باطنها محاربة الإسلام وإضعافه في نفوس الأطفال. هي أن يتسلّم معلّمٌ واحد الصفّ (أي الفصل) كلّه بدروسه كلّها، فيدرّس الدين والعربية والرياضيات والطبيعيات والرسم والموسيقى وكل ما يُكلّف الطلاّب بتلقّيه. وكان بين المدرّسين ناس من النصارى وناس من المسلمين بالاسم البعيدين عن الإسلام بالفعل وبالعقيدة وبالسلوك، وهم شرّ من غير المسلمين وأبعد عنّا منهم، فكانت النتيجة أن يُكلَّف تدريس القرآن مَن لا يؤمن به، فيُهمِله وينفق الساعة في درس آخر غير القرآن. وقد وقع في أول الاحتلال أن كُلِّف معلم نصراني في بيروت بتدريس السيرة وتاريخ الصحابة. وكان مفتي بيروت (إن صحّ ما أذكر) الشيخ مصطفى نجا رحمة الله عليه، فذهب إلى المفوضية وطلب مقابلة المفوض السامي، فلما دخل عليه رحّب به وسأل الترجمان عمّا يريده فقال له: إن عندي شاباً مسلماً مطّلعاً على ديانتكم وعلى تاريخ كنيستكم وسِيَر قِدّيسيكم، فأنا أطلب منكم أن تجعلوه معلّماً في المدارس المسيحية الكَنَسية ليدرّس أبناء النصارى. فعجب المفوض السامي وسأل الترجمان: هل الشيخ يجدّ أم هو يمزح؟ فقال الشيخ: إنني أطلب ذلك جاداً. فقال له المفوض: كيف تريد أن نسلّم أبناء النصارى إلى معلّم لا يؤمن بدينهم؟ فقال المفتي: هذا ما جئت من أجله؛ جئت لأسأل: كيف ترضون أن نسلّم أبناءنا إلى معلم يعلمهم ديننا وليس دينه من ديننا ويكفر بما نؤمن به؟

стр. 1909

وقد نشأ عن ذلك أمور عجيبة، إذا عدت يوماً وكتبت ذكرياتي عن المعلّمين وعن المدارس رويت الكثير ممّا أحفظ منها. من ذلك أنه كان عندنا في طرف حيّ العقيبة مدرسة أولية فيها معلّمان فقط، وهما شيخ وخوري (أي قسيس)، إذا خرجا من المدرسة فمشيا معاً في السوق في ذلك الحيّ الشعبي المسلم توجّهَت إليهما الأنظار وصِيغَت عنهما النكت. الشيخ بجبّته وعمامته والخوري بثوبه وقلنسوته! وكان الشيخ هو الشيخ قاسم القاسمي، الأخ الأصغر لعالم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي، وكان الخوري والد رفيقنا في التعليم وفي كلية الحقوق أفرام عين. ثم ابتدعوا بدعة أخرى كانت أشدّ علينا من الأولى وأنكى فينا منها، هي أنهم لم يُدخِلوا دروس الدين في الامتحان. وأكثر الطلاب إنما يدخلون المدارسة للشهادة لا للعلم ويحرصون على النجاح في الامتحان أكثر من حرصهم على الفائدة من التعلم، فكانت النتيجة أنْ أهمل التلاميذ درسَ الدين. ولماذا يدرسونه والعلم به لا ينفعهم والجهل به لا يضرّهم، لأن غايتهم النجاح والشهادة؟ ولقد سعينا سعياً حثيثاً دائباً في سنين متطاولة متعاقبة حتى استطعنا أن نجعل له ساعتين في الأسبوع بدل الساعة الواحدة، ثم أُلغِيت هذه الساعة الثانية وعاد كما كان. والثالثة أن الفرنسيين أضعفوا العربية بأن قرنوها بالفرنسية، وجعلوا التلميذ من حين دخوله المدرسة ابنَ ستّ سنين يبدأ

стр. 1910

بتعلّم «A B C» الفرنسية مع «أب ت» العربية. والجاحظ يقول: ما جمع أحدٌ لغتين إلاّ أدخلَت إحداهما الضيم على أختها. وإن كنّا لا نسلم للجاحظ ما قال ونعرف من الناس من أتقن ألسناً كثيرة ولغات متعددة، وكان فيها كلها السابق المجلّي. صار يبدأ الولد بتعلّم الفرنسية حين يبدأ بتعلّم العربية. والإنكليز والفرنسيون رسموا لتعليم لغاتهم خططاً ووضعوا لها أساليب وصنعوا لها مرغّبات تستهوي التلاميذ الصغار، لم نكن نملك يومئذ (أي قبل ستين سنة) مثلها، فكانت النتيجة أن قَوِيَت الفرنسية على حساب العربية. وإن كان من الحقّ أن نذكر ما لهم كما نذكر ما عليهم. إن الفرنسيين -رغم هذا- كانوا يهتمّون باللغة العربية أكثر من اهتمام مَن جاء بعدهم، ولقد قلت لكم إننا كنّا نقرأ كتاب قواعد اللغة العربية لحفني ناصف وإخوانه في الصف السابع، أي في السنة الأولى من الدراسة المتوسطة، وهذا الكتاب يحوي من القواعد أكثر ممّا يحويه شرح ابن عقيل، وإنه يكفي الكاتب والأديب إذا وعاه وحفظ ما فيه، فضلاً عن الطالب أو معلّم الابتدائي. وإن كل غلطة في الإملاء كان يخسر التلميذ من أجلها درجتين من عشر درجات، أي أن من يخطئ خمس خطيئات بمواقع الهمزات وأمثالها من الخطيئات الكبار بالإملاء (أي من مثل ما نقرؤه الآن لبعض من يُقال إنهم أدباء) يأخذ صفراً، ومن أخذ صفراً في الامتحان في مادّة من الموادّ لم ينفعه أن يأخذ الدرجة الكاملة في المواد الأخرى كلها وكان مصيره الرسوب حتماً.

стр. 1911

ومنعوا الكلام باللغة العربية في الفُسَح القصيرة بين ساعات الدروس زعماً منهم أنهم يقوّوننا بذلك على تعلّم اللغة الأجنبية. وتعلّم اللغة الأجنبية من أشدّ ما دخل به علينا إبليس. ونحن لا نُنكِر فائدة هذا التعلّم ولكن نُنكِر المبالغة فيه وشدّة الحرص عليه، وأن نُضيع في سبيله لغتنا أو مقوّمات حياتنا، وأن نعطيه رُبع أو خُمس الساعات الأسبوعية ونَدَع الباقية للعلوم كلّها. واستحدثوا قطعة من الخشب أو المعدن تُسمّى «السينيال» (ومعنى «السينيال» العلامة). فكان التلميذ الذي يحملها يريد التخلّص منها، كمَن يشتري فاكهة فيجد فيها عقرباً، فماذا يصنع إلاّ أن يُلقي الفاكهة ويتخلّص منها ويبعدها عنه حتى لا تلسعه العقرب؟ كان حامل السينيال يتجوّل بين التلاميذ، فإذا سمع من يتكلّم العربية دفع السينيال إليه، ومَن حانت ساعة الدرس وهي معه ناله بسبب ذلك أذى. فكنّا -من أجل ذلك- نتحامى أن ننطق الفرنسية. خُيّل إلينا أن من الوطنية ألاّ ننطقها وألاّ نتعلّم الحديث بها، فنشأت كما نشأ غيري، أقرأ كتب الأدب الفرنسي فأفهمها، ثم إذا أردت أن ألقي جملتين أو أقول كلمتين انعقد لساني ووقفت، كما وقف حمار الشيخ في العقبة. والرابعة أنهم حاربوا التاريخ الإسلامي، فكان الواحد من أبنائنا، بل لقد كان رفاقنا لمّا كنّا نتعلّم أيام الفرنسيين في أوائل عهدهم بالانتداب في المدارس، كان إخواني يعرفون من تاريخ فرنسا وتاريخ نابليون ومن جاء بعده من ملوك فرنسا ومن كان

стр. 1912

قبل الثورة من ملوكها ومن أخبار حكوماتها أكثر ممّا نعرف من تاريخ أجدادنا (١). ولم أقُل إنني كنت أجهل ذلك مثل جهلهم لأنني قرأت بنفسي من صغري كتباً من كتب التاريخ، مررت على صفحاتها كلها، ما فهمته منها استوعبَته ذاكرتي وما لم أفهمه جزت به. فلم أكُن بتاريخ الإسلام بمثل جهل الرفاق، وإن كنت في العلم بتاريخ فرنسا مثلهم. بل أنا لا أزال إلى الآن أعرف التاريخ الفرنسي من أوله إلى آخره وأعرف الثورة الفرنسية الكبرى وما كان فيها يوماً بعد يوم وأروي الكثير من أخبار رجالها. * * * هذا ما صنعه الفرنسيون: أضعفوا العلوم الإسلامية، وجاؤوا باللغة الفرنسية وزاحموا بها اللغة العربية، وضيّعوا التاريخ الإسلامي ووضعوا مكانه تاريخهم حتى نشأ أولادنا على جهل بتاريخنا. هذه كلها، ويقابلها أمر لعلّه كان أشدّ علينا وآلم لنفوسنا وأسوأ عاقبة فينا، هو العمل على نزع حجاب الطالبات وعلى تعويد النشء على الاختلاط. وكان ذلك ميدان نزاع طويل وجهاد مرير، وعمل دائم من المشايخ ومن ورائهم جمهور الأمّة المسلمة في الشام، والداعين إلى هذا المنكر والعاملين عليه. وسيأتي إن شاء الله بعض خبر ذلك في الحلقات المقبلات. * * *

стр. 1913

-١٥١ - إفساد التعليم والأخلاق على الطريقة الفرنسية جاءتني رسالة من رفيق زركلي، الطالب في السوربون، يقون إنه قرأ في الحلقات الأخيرة من ذكرياتي حملة قاسية على رجال الرعيل الأول في سوريا، من أمثال هشام الأتاسي وشكري القوّتلي وفخري البارودي وسعد الله الجابري، ولم يقرأ لي كلمة واحدة على غيرهم مِمّن عدا على العقائد فأفسدها، وعلى الأموال فغصبها، وعلى الأعراض ... وجوابي أن من ذكر من الزعماء كنت أعمل معهم وأمشي وراءهم وأئتمر -أيام كنت أقود الطلاب من خمس وخمسين سنة (أي سنة ١٩٣١) - بأمرهم. ما كنت عدوّهم ولا أنا بالكاره لهم، ولكنّ لهم عيوباً. ما ادّعوا لأنفسهم ولا ادّعى أحدٌ أنهم كانوا مبرَّئين من العيوب معصومين من الذنوب. وأنا أدوّن ذكرياتي، أروي فيها ما رأيت وما سمعت، أذكر عيوبهم كما أذكر محاسنهم، لا بغضاً لهم ولكن نصحاً لغيرهم، وكذلك يصنع من يكتب التاريخ، لا يصوغ قصيدة في المدح.

стр. 1914

كان هؤلاء كثوب أبيض به بقع من الزيت والطين والأوضار، فأنا أشير إليها وأدلّ عليها لتُزال فتعود بيضاء نظيفة، أو لئلاّ يصيب صاحب الثوب النظيف بقع مثلها. وربما كان في الناس مَن ثوبُه كله وضر وزيت وطين ما فيه بقعة بيضاء نظيفة، فلا يفيد معه الإشارة إلى وسخ ثوبه ولا إلى بيان عيبه، لأن الثوب كله أوساخ وهو كله عيوب. أعود إلى حديثي. قلت إن الفرنسيين كانوا أشدّ عناية بلغتنا وأحرص عليها ممّن جاء بعدهم. وهذا حقّ، ولكن ليس الفضل لهم فيه وإنما لأولئك الغُيُر (جمع غيور) على العربية الذين كانوا يدفعون الفرنسيين إلى العناية بها ويخوّفونهم عواقب إهمالها، وكانوا يصنعون ذلك حباً بها ودفاعاً عنها وحفاظاً على القرآن الذي أُنزِل بها. من أمثال سليم الجندي وعبد القادر المبارك ومحمد البِزم وعبد الغني الباجِقْني، وطبقة بعدهم من أمثال ياسين طربوش وعبدالرزاق الباجقني، وإخوان لهم وأقران لا أُحصيهم الآن. ورفيقنا سعيد الأفغاني الذي تسلّم أمر العربية في جامعة دمشق أكثر من ربع قرن، فكان له ولمن معه عمل ظاهر في الدفاع عنها. حتى إنه ألزم الطلاّب (وفيهم غير المسلم) دراسة القرآن باعتبار أنه كتاب العربية وهم يدرسون العربية، وأنه النص الأوّل الذي يُعتمَد فيها عليه ويُرجَع إليه. ثم جاءت طبقة جديدة من تلاميذه كان منها راتب النفّاخ الذي بلغ بالعلم بالعربية مرتبة ما نالها إلاّ قليل، ومازن المبارك، وعاصم البيطار، ومن قبلهم عبد الرحمن الباني، ومعهم أو من

стр. 1915

بعدهم عبد الرحمن الباشا. هؤلاء على اختلاف أزمانهم وتفاوت أسنانهم، وأمثال هؤلاء من إخوانهم، هم الذين حفظ الله بهم العربية في الشام. وقد نسيت عاملاً آخر هو الأستاذ كرد علي، والمجمع العلمي الذي أسّسه سنة ١٩٢٠ فكان أبا المجامع العربية كلها، ومَن كان معه مِن رجال المجمع: الشيخ عبد القادر المغربي والأستاذ عزّالدين التنوخي والأستاذ عارف النكدي، وأمثال هؤلاء. ثم مَن جاء بعدهم من المَجْمعيّين: شكري فيصل وشاكر الفحّام وعبدالكريم اليافي وعدنان الخطيب. والعامل الثالث أساتذة المعهد الطبّي (أي كلّية الطبّ) الذين قاموا بما قعدَت عنه الجامعات والمجامع، فعرّبوا على مدى نصف قرن جميع مصطلحات العلوم الطبّية: الأساتذة الأطباء حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية الآن، وحمدي الخياط وجميل الخاني وصلاح الدين الكواكبي ومرشد خاطر وشوكة الشطي، وأمثال هؤلاء المجاهدين الأفاضل. وتمشي اليوم على الألسنة كلمات صارت ملكاً للناس جميعاً وعُدَّت من اللغة العامّة، وأنا أعرف تاريخ الكثير منها وشهدت مولده. فكلمة «عبقرية» من وضع الشيخ عبد القادر المغربي ترجمة لكلمة «جيني» الفرنسية، وكلمة «فيزياء» وكلمة «برمائية» من وضع التنوخي، وكلمة «عفوي» ترجمة للفظ الفرنسي «سبونتانيه» من وضع سليم الجندي (وفي مصر يقولون «تلقائي» بدلاً من عفوي). وكلمة «هاتف» للتلفون و «سيارة» و «درّاجة» وُضعت في أوائل

стр. 1916

النهضة العربية. وكان أسبق البلاد إلى هذا التعريب الشام أي سوريا، ثم العراق، ثم حمل العبء الأكبر مجمعُ اللغة العربية في القاهرة. وكان في مجمع دمشق أوائل العهد بالانتداب الفرنسي لجنة دائمة لتعريب المصطلحات والأسماء، وأذكر أن شيخنا المبارك مرّت معه في الدرس إحدى هذه الكلمات فلم نتنبّه لها، فقال: إن هذه الكلمة كلّفت الدولة مئة ليرة ... يوم كانت مئة الليرة راتب وكيل وزارة. يا سقى الله تلك الأيام ويا ما أطيب ذكراها، يوم كنّا نراجع في لسان العرب ونحن في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة، ونقرأ مقالات الكبار كالرافعي والعقّاد والمازني وطه حسين، فنأخذ عليهم كلمة وضعوها في غير موضعها أو خالفوا فيها عن طريقها. سمعنا في شعر شوقي كلمة «حنايا» ففتّشنا المعاجم فلم نجد إلاّ «أحناء» فأنكرناها عليه. وأنكرنا على خير الدين الزركلي سنة ١٩٢٥ قوله «سوريا الشهيدة» لأن الفصيح أن يُقال سوريا الشهيد لا الشهيدة، فعلنا ذلك بإرشاد مشايخنا وأساتذتنا الذين قوّموا ألسنتنا وألزمونا حفظ الشعر الجاهلي والإسلامي (الذي لا يُحتَجّ باللغة إلاّ به) والرجوعَ إلى الكتب الكبار. ألا تعجبون إن قلت لكم إني كنت أخطب ساعة ارتجالاً وأنا شابّ فلا يزلق لساني ولا يزلّ بكلمة ولا آتي بلحن، فصرت الآن بعد هذا العمر كله يسبق لساني أحياناً إلى الخطأ، فإذا سمعته عند إذاعته تحسّرت على نفسي وواريت خجلاً وجهي.

стр. 1917

كان الفضل في حفظ العربية لهؤلاء وأمثالهم، لا إلى الفرنسيين. * * * أما الجانب الآخَر من المصيبة (الذي وقفت في آخر الحلقة الماضية عنده) فهو نزع حجاب البنات، والسعي الدائب لاختلاط الشبّان بالشابّات، حتى كُشفت العورات وصار بعض المدارس كالمراقص والملهيات، وصار الرقص (لا الرقص الرياضي، بل الرقص العادي) مادّة من الموادّ المقرّرات تُجبَر على تعلّمه الطالبات! إي والله العظيم، ما أقول إلاّ ما وقع، لا أسير وراء خيالي ولا أفتري على الناس الكذب. ولم نصل إلى هذا في يوم واحد، بل كانت خُطّة مرسومة؛ كانت فصلاً من كتاب محاربة الإسلام. لقد حاقت بالإسلام مصائب وحلّت به نكبات: الردّة التي كانت بعد انتقال الرسول ﵊ إلى الرفيق الأعلى، حيث رجع أكثر العرب عن الاتّباع الكامل للإسلام، فمنهم من تبع متنبّئاً كذّاباً وترك الدين الحقّ، ومنهم من أراد أن يهدم ركناً من الأركان التي يقوم عليها بنيان الإسلام فيمنع الزكاة. وظنّ بعض خصوم الإسلام أنه انتهى، ولكن الإسلام عاد بحمد الله أقوى ممّا كان. ثم جاءت سلسلة طويلة من المصائب التي تعرفونها، وما أنشأت هذا الفصل لبيانها ولكن أشير إليها لأذكّركم بها: الفتن

стр. 1918

الداخلية التي أثارها ابن سبأ، اليهودي المتنكّر بلباس الإسلام. ثم الحروب الصليبية، وهجمات المغول والتتر، وما تعرفون من أمثال ذلك، وأمثالُه كثير. ولكن الإسلام كان ينتفض فيُلقي عنه ما علق، ويشفى ممّا أصابه، ويعود قوياً محفوظاً بحفظ الله. أمّا الحرب التي تواجه الإسلام الآن فهي أشدّ وأنكى من كل ما كان؛ إنها عقول كبيرة جداً، شريرة جداً، تمدّها قُوى قوية جداً وأموال كثيرة جداً، كلّ ذلك مسخَّر لحرب الإسلام على خُطَط مُحكَمة، والمسلمون أكثرهم غافلون. يجدّ أعداؤهم ويهزلون، ويسهر خصومهم وينامون. أولئك يحاربونهم صفاً واحداً، والمسلمون قد فرّقت بينهم خلافات في الرأي ومطامع في الدنيا. يدخلون علينا من بابَين كبيرَين حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها، أمّا البابان الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات. أمّا الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل مَن يصيبه، ولكنّ سريانه بطيء وعدواه ضعيفة. فما كلّ شابّ ولا شابّة إذا أُلقيَت عليه الشُّبَه في عقيدته يقبلها رأساً ويعتنقها. أمّا الشهوات فهي داء يُمرِض وقد لا يقتل، ولكنه أسرع سرَياناً وأقوى عدوى؛ إذ يصادف من نفس الشابّ والشابّة غريزة غرزها الله وغرسها لتُنتج طاقة تُستعمل في الخير، فتنشئ أسرة وتُنتج نسلاً وتقوّي الأمّة وتزيد عدد أبنائها، فيأتي هؤلاء فيوجّهونها في الشرّ، للّذّة العاجلة التي لا تُثمِر. طاقة نعطلها ونهملها ودافع أُوجد ليوجَّه إلى عدوّنا لندافع بها عن بلدنا، فنحن

стр. 1919

نطلقها في الهواء فنضيعها هباء، أو يوجّهها بعضنا إلى بعض. هذا هو باب الشهوات، وهو أخطر الأبواب. عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلّوه، وأول هذا الطريق هو الاختلاط. بدأ الاختلاط من رياض الأطفال، ولمّا جاءت الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات. ونحن لا نقول إن لبنت خمس سنين عورة يحرم النظر إليها كعورة الكبيرة البالغة، ولكن نقول إن من يرى هذه تذكّره بتلك فتدفعه إلى محاولة رؤيتها. ثم إنه قد فسد الزمان حتى صار التعدّي على عفاف الأطفال مُنكَراً فاشياً ومرضاً سارياً، لا عندنا، بل في البلاد التي نَعُدّ أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربّا وأميركا. كان أعداء الحجاب يقولون إن اللواط والسحاق وتلك الانحرافات الجنسية سببها حَجب النساء، ولو مزّقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ورجعتم إلى الطريق القويم. وكنّا -من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا- نصدّقهم، ثم لمّا عرفناهم وخبرنا خبرهم ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة. إنْ كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ فخبروني: هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجّبات الحجاب الشرعي؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سنّوا له قانوناً يجعله من المباحات؟ ثم إن أصول العقائد وبذور العادات ومبادئ الخير والشرّ إنما تُغرَس في العقل الباطن للإنسان، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الستّ الأولى من عمره. فإذا عوّدنا الصبيّ والبنت

стр. 1920

الاختلاط فيها، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان، ثم تصير أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى وتشبّ الفتاة، فيكبران وهما عليه؟ وهل تنتقل البنت في يوم معيّن من شهر معيّن، من الطفولة إلى الصِّبا في ساعات معدودات، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب؟ أم هي تكبر شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه ثابتاً فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه؟ فهو إذن يمشي وإن لم ترَ مشيه. فإذا عوّدنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم؟ ثم سلَّموا التعليم في المدارس الأوّلية لمعلّمات بدلاً من المعلّمين. ونحن لا نقول إن تعليم المرأة أولاداً صغاراً أعمارهم دون العاشرة محرّم في ذاته. لا، ليس محرّماً في ذاته، ولكنه ذريعة إلى الحرام وطريق إلى الوقوع فيه في مقبل الأيام، وسدّ الذرائع من قواعد الإسلام. والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ولا يحسّ إن نظر إليها بمثل ما يحسّ به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيُخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة. أنا أذكر نساء عرفتهنّ وأنا ابن ستّ سنين قبل أكثر من سبعين سنة، وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن وتكوين أجسادهن! ثم إن من تُشرِف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياتَه كلّها، يظهر في عاطفته وفي سلوكه وفي أدبه إذا كان أديباً. ولا تبعد في ضرب الأمثال، فهاكم الإمام ابن حزم يحدّثكم في كتابه العظيم الذي ألّفه في الحب «طوق الحمامة» حديثاً مستفيضاً في الموضوع.

стр. 1921

خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب. فمَن طلب الرحمة والمودّة واللذّة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج. ومن تسوّر الجدار أو نقب السقف أو أراد سرقة متعة ليست له بحقّ، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس وتأنيب الضمير، وكان له في الآخرة عذاب السعير. فما الذي صنعناه؟ إن للأعراض لصوصاً كما أن للأموال لصوصاً، ولصوص المال أخفّ شراً وأقلّ ضراً من لصوص الأعراض. وهم يحومون دائماً حول بناتنا، ولكنهم لا يستطيعون أن يقتحموا علينا بيوتنا إلاّ إذا صار الأمر فوضى، وصار «حاميها حراميها»، وعاد الناس كوحش الغاب. ففكَّروا وقدَّروا واستوحوا شياطينهم، فوصلوا إلى الرأي: وهو أن يدخلوا علينا من طريق المدارس. فكيف دخلوا من طريق المدارس؟ إن لذلك قصّة طويلة الذيول عريضة الحواشي، أعرفها كلها ولكن لا أستطيع الآن أن أرويها كلها، لذلك أسرد اليوم العناوين وأعود يوماً إلى المضامين. بدؤوا بإدخال المدرسين من الرجال على البنات بحُجّة فقد المدرّسات القادرات. وكان المدرّسون أولاً من أمثال الشيخ محيي الدين الخاني والأستاذ أديب التقي البغدادي والأستاذ محمد علي السراج، وممّن درّس فيها حيناً شيخنا الشيخ بهجة البيطار وأنا. ثم فُتح الباب للشباب، ومن الشباب قِلّة هم أصلح وأتقى لله من

стр. 1922

الشيوخ الكبار، وأكثر الشباب من المَستورين الذين لا يُعرَف عنهم إقبال على المعصية ولا تمسّك قوي في الدين. ومنهم من هو فاسق يُخفي فسوقه، ومنهم من يجاهر به ويُعلِنه ويجد من الناس من يعجب بهذه المجاهرة ويصفّق لهذا الإعلان. ثم احتجّوا بالرياضة، فكشفوا من أجلها العورات واستباحوا المحرّمات. ثم اتخذوا الحفلات السنوية طريقاً إلى ما يريدون، يصنعون فيها ما لا يجرؤون عليه في غيرها. ولمّا كنت أُدرّس في ثانوية البنات سنة ١٩٤٩ دُعيت إلى هذه الحفلة السنوية فلم أذهب. وكانت الطالبات (وكلهن بالغات كبيرات) يأتين المدرسة بالثوب الرسمي الساتر، وكُنّ يحتجبن في درسي ودرس الشيخ بهجة. فلما كان يوم الحفلة -وقد جئت المدرسة لبعض المعاملات- رأيت الطالبات في الثياب العادية، أي التي يُذهَب بها إلى الأعراس؛ أي أنني رأيتهن متكشّفات بأبهى زينة! فنصحت من سلّمَت عليّ وانصرفت عائداً. فلما انقضت الحفلة ومرّت عليها أيام أهدت إليّ إحدى الطالبات ظرفاً كبيراً فيه أكثر من ثمانين صورة ملوّنة للبنات أُخذت في الحفلة. والذي صوّرها رجل أجنبي عنهن، ليس أباهن ولا أخاهن. ثم رأيت هذه الصورة في محلّ هذا المصوّر (ومحلّه على طريقي الذي أجتازه كلّ يوم) معروضة في واجهة المحل! ثم اخترعوا نظام المرشدات (وهو مثل نظام الكشفية للأولاد) وصرن يذهبن في رحلات قصيرة في قُرى دمشق. ثم

стр. 1923

جاءت المصيبة التي أنست ما قبلها من المصائب، وهي نظام «الفُتُوّة»، أي إلباس الطالبات لباس الجند وتدريبهن على حمل السلاح. لماذا؟ وهل انقرض الرجال حتى نقاتل بربّات الحِجال؟ ولمَن تُترك إدارة البيوت وتربية الأطفال؟ لماذا والشباب يتسكّعون في الطرقات ويزدحمون على أبواب السينمات، فندع الشباب لهذا ونقاتل أعداءنا بالبنات؟ قالوا: أنتم رجعيون متأخّرون جامدون. ألا ترون اليهود كذلك يصنعون؟ أتكون الفتاة اليهودية أشجع من العربية؟ ولو أنهم قرؤوا ما نقله الدكتور محمد علي البار (جزاه الله خيراً) في كتابه عن النساء المجنّدات في الجيش والشرطة في أميركا وأوربّا لعضّوا الأنامل ندماً، وبكوا بدل الدموع دماء على أنهم جعلوا أئمّتهم اليهود. تقول العوامّ (وفي بعض ما يقولون حكمة بالغة وحق بيّن)، يقولون: «المال الداشر يعلّم الناس السرقة». ذلك لأن كلّ نفس تميل إلى المال، وأكثر وأقوى من الميل إلى المال الميل إلى الجمال. وهؤلاء الذين سلّمناهم بناتنا (ومنهم من لا تعصمه زوجة ولا يردعه دين ولا يمسكه خوف من الله والدار الآخرة)، هؤلاء تدفعهم غرائزهم إلى هذا الذي فعلوا، ولا يزالون دائبين ليصلوا لأكثر ممّا نالوا. فأين حُرّاس هذا الجمال المعروض؟ أين الآباء والأولياء لهؤلاء البنات؟ لو جاؤوا يسرقون منهم أموالهم لغضبوا لأموالهم وهبّوا يدافعون عنها يستميتون في سبيلها، فما

стр. 1924

لهم لايغضبون لأعراضهم ولا يعملون على حمايتها؟ * * * لم يبقَ في الميدان إلاّ المشايخ. والمشايخ لم يكونوا صفاً واحداً إلاّ أياماً قليلة، ولا يزالون مختلفين. وهذه حقيقة يقطع ذكرُها القلبَ أسفاً وحزناً. ليس المشايخ على قلب رجل واحد، منهم الصوفي والسلفي وأتباع المذاهب والآخذون رأساً من الكتاب والسنّة والإخوان المسلمون وخصوم الإخوان المسلمين، وأتباع كل شيخ يتنكّرون للشيخ الآخر. هؤلاء هم الإسلاميون العاملون، هذه حالهم، أمّا المشايخ الذين يَنظرون: كلّ حاكم ماذا يريد، فيفتّشون له في الكتب عمّا يؤيّد ما أراده ويجعلون ذلك ديناً، وأما المشايخ الموظفون الذين أهَمّتهم وظائفهم (أي رواتبهم) فلا يحرصون إلاّ عليها ولا يبالون إلاّ بها، هؤلاء وأمثالهم لا أتكلّم عنهم ولا أمل لي فيهم. كان المشايخ الباقون في الميدان يجتمعون فيتشاكَون ويتباكون ثم لا يجدون (وأنا واحد منهم، يُقال عني كلّ ما أقوله عنهم) لا يجدون إلاّ أن يجمعوا صفوفهم فيراجعوا الرئيس أو الوزير، فلا تنفعهم المراجعة شيئاً. ويعلنون النصح للناس، ويجهرون بكلمة الحقّ من فوق المنابر، فيخرج الناس من صلاة الجمعة فيتحدّثون بما سمعوه ويُثنُون على الخطيب ويدعون له، ثم ينغمسون في حمأة الحياة فينسون ما قاله وما سمعوا. * * *

стр. 1925

-١٥٢ - معركة دروس الديانة في المدارس في الشام لقد نسيت الكثير من ذكرياتي، ولكن ليس كل ما تخطّيته قد نسيته. لقد كنت كالسائح في الأرض، يرى عجائبها ويزور مدنها ويقف على آثارها ويستمتع بجمالها، قد خَطّ له خطاً يمشي في رحلته عليه، فيمرّ على بلد فيقولون له: لو تيامنت قليلاً لرأيت ما تحبّ رؤيته، فيميل إلى اليمين. فإذا رأى ما أعجبه رغب في غيره، فتحوّل عن طريقه واتخذ له طريقاً آخر، وهذا الآخر عدل به إلى ثالث ... كذلك صنعت في كتابة هذه الذكريات. بدأت بدايات تركتها بلا نهايات. تكلّمت عن نقلي قاضياً إلى محكمة دمشق ووصفت ما أحدثت في معاملاتها الإدارية، ثم تركتها وشرعت أتكلّم عن المؤتمر الذي حضرته، وهو مؤتمر القدس سنة ١٩٥٣، ثم فتحت سيرة رحلة المشرق التي مشينا فيها إلى الهند وسنغافورة وآخر أندونيسيا، فلم أكَد أصل إلى كراتشي وأشرع بالحديث عنها حتى حلّت ذكرى الجلاء، فتكلمت عن الجلاء وما جرّه هذا الكلام الذي لم أنتَهِ منه إلى الآن.

стр. 1926

وكان قد وقع لي خلال ذلك أحداث كثيرة تستحقّ أن تُدوَّن: منها وضع مشروع قانون الأحوال الشخصية (وهو أول قانون في البلاد العربية كلها شامل لأحكامها جامع لمسائلها)، وسفرتي من أجله إلى مصر وإقامتي فيها، وعودتي خلال هذه السنة إلى دمشق وخوضي معركة الانتخاب فيها. وما كان في تلك السنة من استلامي أشهراً طويلةً الإشراف على تحرير مجلّة «الرسالة»، وما كان من المعارك فيها، كمعركة الرافعي والعقّاد بين العريان ومحمود شاكر وسيد قطب، التي شاركت فيها فأصابني من سيد رحمة الله عليه وأصبت منه. ثم معركة «القصص في القرآن» التي أثرتها على خلف الله وأستاذه الشيخ أمين الخولي، الذي وقفت معه من أجلها أمام المحكمة. وأمور أخرى كثيرة، أنوي أن أعود إليها فأصل ما قطعت منها، وأسأل الله أن يُعينني على ذلك. وتعليق آخر هو إنصاف للمشرف على طبع كتاب «المعاصرون» لأستاذنا كرد علي واعتذار له. فلقد خطّأته لمّا قال إن الريحانية جنوبي دمشق وأكّدت القول إنها في شماليها عند دوما، فخبّرني ولدي وصهري زوج بنتي، زياد الطباع، أنهما اثنتان: مزرعة في الجنوب تُسمّى «حوش الريحانية» (والحوش عندنا هو المزرعة أو العزبة)، وقرية صغيرة كما قلت أنا في الشمال. ولذلك تنتهي المباراة بـ «التعادل بلا أهداف». * * *

стр. 1927

عودة إلى موضوع المدارس: القاعدة عند الحَنَفية أن «الشروع مُلزِم»؛ فمن شرع في نافلة لم تُفرَض عليه وجب أن يُتِمّها لشروعه بها. وأنا مذهبي في الأصل حنفي، نشأت عليه وتفقّهت فيه، ولكن لا ألتزم به الآن التزاماً كاملاً بل أتبع الدليل الأقوى من الكتاب والسنّة حين أتوثّق من قوّة الدليل. لذلك أكمل الحديث عن المدارس الحكومية. لقد مشت هذه المدارس على غير الجادة واتجهَت غير الاتجاه الذي يوجب علينا دينُنا أن نتجه إليه، والمشايخ وأهل الدين دائبون على إنكار منكَرها ومحاولة إصلاحها. حتى إن منهم من يئس منها يوماً من الأيام فدعا إلى مقاطعتها وإخراج الأولاد منها، وفتح مدارس لهم تنشّئهم على ما يريده الشعبُ الذي ينفق على هذه المدارس، وربُّ هذا الشعب الذي يريد منّا أن نتبع دينه الحقّ الذي ننجو به من العذاب يوم القيامة. وكان ذلك سنة ١٣٤٣هـ، من أكثر من ستين عاماً، لمّا قام الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب بما دُعي «نهضة المشايخ» التي سبق الكلام عنها. خرج يومئذ مئات من الأولاد من مدارس الحكومة، وافتتح الشيخان مدرسة ابتدائية في الريحانية، ثم نقلاها إلى مكان المدرسة التجارية التي كان أبي مديرها ولكنهما جعلاها مدرسة ابتدائية. ثم أدركَت الشيخَين علّة الانقسام فبقيَت التجارية للشيخ هاشم وأنشأ «جمعية التهذيب والتعليم» التي تُمِدّها وتسندها، وبقيَت «الجمعية الغرّاء» للشيخ علي وافتتح مدرسة «سعادة الأبناء»

стр. 1928

التابعة لها. وكانت هذه المدرسة في المدرسة الأثرية (السميساطية) عند الباب الشمالي للجامع الأموي. ولكن لم تتمّ مقاطعة المدارس الحكومية ولم تكفِ المدارس التي أنشآها، وعاد أولادنا مضطرّين إلى المدارس الرسمية. وإنما عادوا في الواقع إلى مدارسنا، مدارس الأمّة التي -نحن المسلمين- جمهورُها ومنا الكثرة الكاثرة من أفرادها ونفقتُها من جيوبنا. واستمرّت المعركة مستترة غالباً وظاهرة حيناً بيننا وبين من يمسك بزمام هذه المدارس ويوجّهها غير الوجهة التي نريدها، وانحصر الخلاف في اثنتين: مسألة الدروس الدينية ومسألة حجاب الطالبات. ووُفّقنا حيناً؛ فزيدت علوم الدين ساعة أخرى في الأسبوع فصارتا ساعتين وأُدخلت في الامتحان، ولكن الخصوم ما ناموا ولا سكنوا، وظلّوا يعملون في الخفاء ونحن نراجع الحُكّام ونكتب في الصحف ونخطب في المساجد. وقد وجدت بين أوراقي كلمة ممّا كان يُنشَر في الصحف نشرتُها في جريدة «الأيام» عند الأستاذ نصوح بابيل، ولكنني لم أحتفظ بالجريدة كاملة بل بكلمتي وحدها مقصوصةً فلم أعرف تاريخ كتابتها. وأقدّر أنها نُشرت في أوائل الخمسينيات من هذا القرن الميلادي. أعيدُ نشرَ بعضها هنا لتكون مثالاً لِما كنّا نكتب ودليلاً عليه. وكنت ألوّن الأساليب، فأكتب تارة غضبان متحمّساً ثائراً مثيراً، آمل أن أوقظ هذا الشعب النائم حتى يدع المنام ويسارع

стр. 1929

إلى القيام. وأكتب تارة هادئاً أحاول أن أجادل بالتي هي أحسن، وأن أدلي بالحُجّة وحدها من غير أن أوقد من حولها النار أو أن أطير الشرار. كان عنوان هذه الكلمة «دروس الديانة في المدارس»، وأولها: قرأت تصريح وزير المعارف الذي بيّن فيه أن الوزارة لا تفكر في تخفيض عدد ساعات الديانة، بل تبحث زيادة عددها. وأنا أشكر الأخ الوزير الدكتور عبد الوهاب حومد، ولم أكُن أنتظر منه إلاّ هذا، لذلك تردّدت في تصديق ما نقله الناس عنه من أنه يريد نقص هذه الساعات أو إعفاء الطلاّب من الامتحان في علوم الدين. وما كتبت هذه الكلمة لمجرّد الشكر بل لأنبّه الوزارة إلى أمر ما أحسبها إلاّ متنبّهة له عارفة به، ولكنها تتغافل عنه. ليس عندنا شيء اسمه علم الديانة ولا يعرفه علماء المسلمين، وليس في مكتبتنا كتب في هذا العلم. إنما الذي عندنا: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد، وعلم التجويد، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وأشباه ذلك من العلوم التي أُلِّفت فيها آلافٌ وآلافٌ من الكتب وظهر فيها آلاف من العلماء. تجمعها كلها كلمة «الدين» كما تجمع كلمة «الرياضيات» في المدارس بين الحساب والهندسة بأنواعها الجبر والمثلّثات، وكما تجمع كلمة «الطبيعيات» بين الفيزياء والكيمياء والتاريخ الطبيعي وعلم النبات وعلم الحيوان. ولو قلنا لمدرّس الرياضيات أعطيناك

стр. 1930

ساعة في الأسبوع أو ساعتين لتدريس هذه المادّة لصُعق من دهشته وقال: وماذا أصنع بساعتين؟ هل أدرّس فيهما الحساب أم الهندسة أم الجبر، أم ماذا؟ وكلّ علم من هذه العلوم يحتاج إلى أكثر منها؟ فكيف نطالب مدرّس الدين أن يوسع ساعتين لهذه العلوم كلها؟ وسيضحك كثير من «التقدميين» من هذه المقابلة، لأنهم تعوّدوا أن يروا الدين دائماً في المرتبة الثانية، ولأنهم رُبّوا على احترام هذه العلوم وتقديمها. ولكن هل هذه هو الواقع، أم أنهم هم المخطئون؟ الصحيح أنهم هم المخطئون. وأيسر دليل على خطئهم أنهم يحكمون على الدين من غير معرفة به أو اطّلاع عليه. ولو حلّلتَ ما في نفوس هؤلاء الإخوان لوجدت أنه ليس للدين في نفوسهم إلاّ صورة مشوّهة، رسمها فيها بعض من عرفوا من جهلة المشايخ ومن سخفاء العامّة الذين يدّعون التدين والصلاح. ولقد صرّح لي بهذا الأستاذ ساطع الحصري في حديث طويل كان بيني وبينه، حيث كان يسكن في مصر في شارع شريف باشا سنة ١٩٤٧، بحضور الأخ الأستاذ نهاد القاسم، ونشرتُه في يومه. ونحن نُقِرّ بهذه المبادئ الغربية التي تقول بفصل الدين عن العلم، والدين عن السياسة. إنها صحيحة بلا شكّ، لكن بشرط أن نفهم معناها عند مَن وضعوها. إن الغربيين الذين وضعوا هذه المبادئ يقصدون بالدين ما يحدّد صلة الإنسان بالله فقط. ومن هنا قالوا: «الدين لله والوطن للجميع». ونحن نقول مقالتهم ونفصل بين الدين الذي هو الصلاة والصيام، أي العبادات، وبين السياسة
следующие страницы →