وكان قد وقع لي خلال ذلك أحداث كثيرة تستحقّ أن تُدوَّن: منها وضع مشروع قانون الأحوال الشخصية (وهو أول قانون في البلاد العربية كلها شامل لأحكامها جامع لمسائلها)، وسفرتي من أجله إلى مصر وإقامتي فيها، وعودتي خلال هذه السنة إلى دمشق وخوضي معركة الانتخاب فيها.
وما كان في تلك السنة من استلامي أشهراً طويلةً الإشراف على تحرير مجلّة «الرسالة»، وما كان من المعارك فيها، كمعركة الرافعي والعقّاد بين العريان ومحمود شاكر وسيد قطب، التي شاركت فيها فأصابني من سيد رحمة الله عليه وأصبت منه. ثم معركة «القصص في القرآن» التي أثرتها على خلف الله وأستاذه الشيخ أمين الخولي، الذي وقفت معه من أجلها أمام المحكمة.
وأمور أخرى كثيرة، أنوي أن أعود إليها فأصل ما قطعت منها، وأسأل الله أن يُعينني على ذلك.
وتعليق آخر هو إنصاف للمشرف على طبع كتاب «المعاصرون» لأستاذنا كرد علي واعتذار له. فلقد خطّأته لمّا قال إن الريحانية جنوبي دمشق وأكّدت القول إنها في شماليها عند دوما، فخبّرني ولدي وصهري زوج بنتي، زياد الطباع، أنهما اثنتان: مزرعة في الجنوب تُسمّى «حوش الريحانية» (والحوش عندنا هو المزرعة أو العزبة)، وقرية صغيرة كما قلت أنا في الشمال.
ولذلك تنتهي المباراة بـ «التعادل بلا أهداف».
* * *
стр. 1927
عودة إلى موضوع المدارس: القاعدة عند الحَنَفية أن «الشروع مُلزِم»؛ فمن شرع في نافلة لم تُفرَض عليه وجب أن يُتِمّها لشروعه بها. وأنا مذهبي في الأصل حنفي، نشأت عليه وتفقّهت فيه، ولكن لا ألتزم به الآن التزاماً كاملاً بل أتبع الدليل الأقوى من الكتاب والسنّة حين أتوثّق من قوّة الدليل.
لذلك أكمل الحديث عن المدارس الحكومية.
لقد مشت هذه المدارس على غير الجادة واتجهَت غير الاتجاه الذي يوجب علينا دينُنا أن نتجه إليه، والمشايخ وأهل الدين دائبون على إنكار منكَرها ومحاولة إصلاحها. حتى إن منهم من يئس منها يوماً من الأيام فدعا إلى مقاطعتها وإخراج الأولاد منها، وفتح مدارس لهم تنشّئهم على ما يريده الشعبُ الذي ينفق على هذه المدارس، وربُّ هذا الشعب الذي يريد منّا أن نتبع دينه الحقّ الذي ننجو به من العذاب يوم القيامة.
وكان ذلك سنة ١٣٤٣هـ، من أكثر من ستين عاماً، لمّا قام الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب بما دُعي «نهضة المشايخ» التي سبق الكلام عنها. خرج يومئذ مئات من الأولاد من مدارس الحكومة، وافتتح الشيخان مدرسة ابتدائية في الريحانية، ثم نقلاها إلى مكان المدرسة التجارية التي كان أبي مديرها ولكنهما جعلاها مدرسة ابتدائية.
ثم أدركَت الشيخَين علّة الانقسام فبقيَت التجارية للشيخ هاشم وأنشأ «جمعية التهذيب والتعليم» التي تُمِدّها وتسندها، وبقيَت «الجمعية الغرّاء» للشيخ علي وافتتح مدرسة «سعادة الأبناء»
стр. 1928
التابعة لها. وكانت هذه المدرسة في المدرسة الأثرية (السميساطية) عند الباب الشمالي للجامع الأموي.
ولكن لم تتمّ مقاطعة المدارس الحكومية ولم تكفِ المدارس التي أنشآها، وعاد أولادنا مضطرّين إلى المدارس الرسمية. وإنما عادوا في الواقع إلى مدارسنا، مدارس الأمّة التي -نحن المسلمين- جمهورُها ومنا الكثرة الكاثرة من أفرادها ونفقتُها من جيوبنا.
واستمرّت المعركة مستترة غالباً وظاهرة حيناً بيننا وبين من يمسك بزمام هذه المدارس ويوجّهها غير الوجهة التي نريدها، وانحصر الخلاف في اثنتين: مسألة الدروس الدينية ومسألة حجاب الطالبات.
ووُفّقنا حيناً؛ فزيدت علوم الدين ساعة أخرى في الأسبوع فصارتا ساعتين وأُدخلت في الامتحان، ولكن الخصوم ما ناموا ولا سكنوا، وظلّوا يعملون في الخفاء ونحن نراجع الحُكّام ونكتب في الصحف ونخطب في المساجد. وقد وجدت بين أوراقي كلمة ممّا كان يُنشَر في الصحف نشرتُها في جريدة «الأيام» عند الأستاذ نصوح بابيل، ولكنني لم أحتفظ بالجريدة كاملة بل بكلمتي وحدها مقصوصةً فلم أعرف تاريخ كتابتها.
وأقدّر أنها نُشرت في أوائل الخمسينيات من هذا القرن الميلادي. أعيدُ نشرَ بعضها هنا لتكون مثالاً لِما كنّا نكتب ودليلاً عليه. وكنت ألوّن الأساليب، فأكتب تارة غضبان متحمّساً ثائراً مثيراً، آمل أن أوقظ هذا الشعب النائم حتى يدع المنام ويسارع
стр. 1929
إلى القيام. وأكتب تارة هادئاً أحاول أن أجادل بالتي هي أحسن، وأن أدلي بالحُجّة وحدها من غير أن أوقد من حولها النار أو أن أطير الشرار.
كان عنوان هذه الكلمة «دروس الديانة في المدارس»، وأولها:
قرأت تصريح وزير المعارف الذي بيّن فيه أن الوزارة لا تفكر في تخفيض عدد ساعات الديانة، بل تبحث زيادة عددها.
وأنا أشكر الأخ الوزير الدكتور عبد الوهاب حومد، ولم أكُن أنتظر منه إلاّ هذا، لذلك تردّدت في تصديق ما نقله الناس عنه من أنه يريد نقص هذه الساعات أو إعفاء الطلاّب من الامتحان في علوم الدين.
وما كتبت هذه الكلمة لمجرّد الشكر بل لأنبّه الوزارة إلى أمر ما أحسبها إلاّ متنبّهة له عارفة به، ولكنها تتغافل عنه. ليس عندنا شيء اسمه علم الديانة ولا يعرفه علماء المسلمين، وليس في مكتبتنا كتب في هذا العلم. إنما الذي عندنا: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد، وعلم التجويد، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وأشباه ذلك من العلوم التي أُلِّفت فيها آلافٌ وآلافٌ من الكتب وظهر فيها آلاف من العلماء.
تجمعها كلها كلمة «الدين» كما تجمع كلمة «الرياضيات» في المدارس بين الحساب والهندسة بأنواعها الجبر والمثلّثات، وكما تجمع كلمة «الطبيعيات» بين الفيزياء والكيمياء والتاريخ الطبيعي وعلم النبات وعلم الحيوان. ولو قلنا لمدرّس الرياضيات أعطيناك
стр. 1930
ساعة في الأسبوع أو ساعتين لتدريس هذه المادّة لصُعق من دهشته وقال: وماذا أصنع بساعتين؟ هل أدرّس فيهما الحساب أم الهندسة أم الجبر، أم ماذا؟ وكلّ علم من هذه العلوم يحتاج إلى أكثر منها؟ فكيف نطالب مدرّس الدين أن يوسع ساعتين لهذه العلوم كلها؟
وسيضحك كثير من «التقدميين» من هذه المقابلة، لأنهم تعوّدوا أن يروا الدين دائماً في المرتبة الثانية، ولأنهم رُبّوا على احترام هذه العلوم وتقديمها. ولكن هل هذه هو الواقع، أم أنهم هم المخطئون؟
الصحيح أنهم هم المخطئون. وأيسر دليل على خطئهم أنهم يحكمون على الدين من غير معرفة به أو اطّلاع عليه. ولو حلّلتَ ما في نفوس هؤلاء الإخوان لوجدت أنه ليس للدين في نفوسهم إلاّ صورة مشوّهة، رسمها فيها بعض من عرفوا من جهلة المشايخ ومن سخفاء العامّة الذين يدّعون التدين والصلاح. ولقد صرّح لي بهذا الأستاذ ساطع الحصري في حديث طويل كان بيني وبينه، حيث كان يسكن في مصر في شارع شريف باشا سنة ١٩٤٧، بحضور الأخ الأستاذ نهاد القاسم، ونشرتُه في يومه.
ونحن نُقِرّ بهذه المبادئ الغربية التي تقول بفصل الدين عن العلم، والدين عن السياسة. إنها صحيحة بلا شكّ، لكن بشرط أن نفهم معناها عند مَن وضعوها. إن الغربيين الذين وضعوا هذه المبادئ يقصدون بالدين ما يحدّد صلة الإنسان بالله فقط. ومن هنا قالوا: «الدين لله والوطن للجميع». ونحن نقول مقالتهم ونفصل بين الدين الذي هو الصلاة والصيام، أي العبادات، وبين السياسة
стр. 1931
والعلم. إن العبادات لا تتبدّل ولا تتغير بتغير السياسة وتبدّل نظريات العلم.
ولكن الإسلام ليس ديناً فقط يحدّد صلة الإنسان بالله، بل هو دين وتشريع وقانون دولي وأخلاق، وهو يحدّد صلة الأفراد بعضهم ببعض، وصلة الأفراد بالدولة، وصلة الدولة بالدول الأخرى، ويرسم طريق الأخلاق والسلوك.
فالإسلام إذن ليس ديناً فقط لتنطبق عليه هذه القواعد، بل هو نظام كامل للحياة لا يشابهه دين من الأديان التي يتبعها البشر.
والعلوم الإسلامية -بناء على هذا الأساس- قسمان: قسم منها للدين فقط كالعبادات، وهذا للمسلمين وحدهم، وقسم هو من الثقافة العامّة، كَفَهْم القرآن الذي هو النصّ البياني الأوّل في اللغة العربية، ودراسة الفقه الإسلامي في المعاملات على اعتباره مصدراً تشريعياً في العالَم كلّه، قديمه وحديثه، بكثرة نظرياته الحقوقية وعُمقها، ولأن غير المسلمين من أمم أوربّا تدرسه أوفى دراسة في كلّيات الحقوق فيها وتعرف قدره، وتهتمّ بنصوص الآيات والأحاديث من الناحية البيانية، وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية التي يجب أن يدرسها -في رأيي- المسلم من الطلاب وغير المسلم، للبيان والبلاغة، وللخلق، وللثقافة.
وهذه كلّها أمور نشترك فيها جميعاً، لأنها تراث عامّ لا يختلف فيه مسلم عن نصراني، ولأن أعلام النصارى وفصحاءهم وأهل البيان فيهم، كاليازجيين والبستانيين وفارس الخوري وبشارة الخوري الشاعر وأمثالهم، ما بلغوا هذه المنزلة في الأدب التي
стр. 1932
تقصر دونها الهمم إلاّ لأنهم درسوا القرآن والحديث وأخذوا من بيانهما. وما ضرّ الأستاذ فارس بك أنه مطّلع على الثقافة الإسلامية أكثر من كثير من أهلها، بل نفعه ذلك وزاده رفعة بين الناس.
فلماذا لا يدرس الطلاب جميعاً هذه العلوم؟ لا ما يتعلّق منها بالدين الإسلامي وبالعبادات، فهذا للمسلمين وحدهم. بل ما يتصل منها بهذه الثقافة اللغوية والعقلية. وإذا كان الطلاّب المسيحيون يكرهون أن يقرؤوها على المشايخ في درس الدين فإن في غير المشايخ، وإن في غير العرب، من يستطيع أن يُقرِئهم هذه العلوم، لأنهم أدركوا نفعها وقدروها قدرها فاهتمّوا بها وأقبلوا عليها وأتقنوها.
أقول هذا ليعلموا أننا لا نريد من العناية بدرس الدين وإدخاله في الامتحانات الخاصّة والعامّة أن نضطرّهم إلى ما يكرهون، ولا نريد أن نحتال عليهم لنُجبِرهم على الدخول في الإسلام. وهذا الذي أقوله كلام صريح ظاهر ليس له خبيء باطن، ما فيه إلاّ ما تدلّ عليه ألفاظه. أمّا هؤلاء الذين يَدْعون أنفسهم بالتقدميين، والذين ربّاهم الأجانب، والذين يرون في انتشار الإسلام «بعبعاً» كالذي كان يُخوَّف به الأطفال، ويخشون اسمه ولا يريدون الاقتراب منه لأن أعداء الإسلام صوّروه لهم على غير حقيقته أو لأن بعض الجهلة من المنسوبين إليه قد أعانوا هؤلاء الأعداء على ما يريدون ...
والمقالة طويلة.
* * *
وبقيَت المعركة مستمرة، وكانت سِجالاً بيننا وبينهم، ولكننا
стр. 1933
نتقدّم خطوتين فيؤخّروننا بعدهما أربعاً. نسهر الليل نضع بأيدينا حجراً على حجر لنقيم الجدار، فإذا طلع النهار جاء مَن يحمل المعاول الكبار ليهدم ما بنينا. وقديماً قالوا:
متى يَبلغُ البُنيانُ يوماً تمامَه ... إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُك يَهدِمُ؟
هذا إذا كان الهادم واحداً، ولكننا كنّا أمام مئات. لا يهدمون بأيديهم كما نبني بأيدينا، ولكنهم يهدمون بالمعاول، بل بالبارود والقنابل.
وكلّما مرّ علينا يومٌ بكينا فيه منه جاء بعده غدٌ بكينا فيه عليه؛ كالذي كان مع اليهود وأنصار اليهود في فلسطين: نرفض الأمر في الحيف علينا والمضرّة بنا، ثم يأتي بعده ما هو أشدّ ضرراً وأنكى فينا أثراً فنتمنى لو كان الأول قد دام!
حتى إذا كانت الوحدة مع مصر انهدم السدّ فبلغ السيل الزُّبى (١) وجاوز الحزام الطبِيّين (٢)، وبلعنا السكّين على الحدّين، فكادت تضيع العقيدة كلها في غمرة الدعوة الرعناء إلى الاشتراكية. وما هذه الدعوة إلاّ قشرة تُغطّى بها الشيوعية، وما الشيوعية إلاّ أخت الصهيونية، اللون مختلف ولكن النسَب واحد. أما رأيتم أختين من أب واحد، بيضاء وسوداء، لأن الأمهات مختلفات؟
ودأبنا على مراجعة الحُكّام في الشام، حتى إننا ذهبنا مرة
стр. 1934
ونحن مجموعة من المشايخ إلى وزير المعارف الإقليمي (أي وزير الإقليم الشمالي أيام الوحدة)، وكان صديقنا الشاعر البليغ، الذي عرفته صغيراً فكان نابغة ألمعياً، وعرفته كبيراً فكان أديباً عبقرياً، هو الأستاذ أمجد الطرابلسي.
فقلت له (فيما قلت): كنّا نراجع في مثل هذا المكان المندوب (أي مندوب المفوّض السامي) الفرنسي أو مَن أقامه المندوب ليفكّر برأسه وينطق بلسانه ويحقّق له ما يريد، وإنني لأزدري نفسي إذا كنت سأقول لأمجد الطرابلسي ما كنت أقوله لذلك الفرنسي أو لمن يمثّل الفرنسي.
لقد وجدنا من أمجد ومن غيره من إخوتنا الاستجابة والتأييد، ولكنهم لم يكونوا يملكون من الأمر إلاّ أقلّه.
لمّا سمعنا نبأ الثورة في مصر وانقضاء عهد فاروق الذي كانت تصل إلينا أخباره تفوح منها رائحة لا تطيب في أنوفنا ونسمع عنه ما لا ترضاه سلائقنا وأخلاقنا، لمّا سمعنا بأن عهده انقضى وأنه بدأ عهد جديد يُراد منه تقويم المعوجّ وإصلاح الفاسد، هتفنا وفرحنا. ثم ذهبنا مرة (وقد أشرت إلى ذلك من قبل) وفداً عربياً مشتركاً للقاء عبد الناصر وحثّه على تأييد ثورة الجزائر، وقد لفّنا بلسانه وسحرنا بحلاوة بيانه وأسكرَنا بوعوده.
ولمّا كانت الوحدة وجاء الشام أول مرة ماجت دمشق لمقدمه واستقبلَته استقبالاً ما حظي به إلاّ قليل مِمّن زارها في تاريخها الطويل.
* * *
стр. 1935
-١٥٣ -
كيف استقبلت دمشق
جمال عبد الناصر يوم الوحدة ؟
كانت جرائد مصر ومجلاّتها من القديم تصل إلينا، ومجلاّتنا وجرائدنا لا يكاد يصل شيء منها إليهم. فكنّا نعرف ما دقّ وما جلّ من أخبارهم ولا يعرفون شيئاً من أخبارنا؛ فلا تقوم في مصر وزارة ولا تسقط، ولا يكون حدث من الأحداث، ولا يظهر زعيم من الزعماء، ولم يكن فيها أديب ولا عالِم إلاّ كان عندنا من أخباره الكثير.
وكنّا نعرف عن الملك فؤاد كلّ شيء، ثم عن ابنه فاروق. كانت تتسرّب إلينا أنباء فسوقه وانحرافه، فلما قام عليه الضبّاط ونحّوه وأبعدوه عن مصر طارت بنا الفرحة وعمّتنا البشرى، وكتبت في «الرسالة» (عدد ٢٠ ذي القعدة سنة ١٣٧١هـ) مقالة أعلّق فيها على هذا الحدث العظيم، وعلى اليقظة التي كانت يومئذ في إيران حين قام الكاشاني والدكتور مصدَّق على الإنكليز، أثبت بعض المقالة هنا لأنها صارت تاريخاً ولأنني أكتب للقُرّاء ذكريات، فمن حقّهم عليّ أن أروي لهم بعض ما قلت كما أحدّثهم عمّا رأيت وسمعت.
стр. 1936
قلت فيها (١):
أكتب هذه الكلمة وأنا مريض في المَصِيف في مضايا. لقد هبط معي الضغط وضَعُف مني الجسم وانقطعتُ عن عمل اليد وعمل الدماغ، ولذلك أخللت بعهدي مع «الرسالة». وكان العهد أن أكتب للرسالة مرتين في الشهر. ولكن أخبار مصر (ومن قبلها أخبار إيران) تطرد المرض وتُنهِض الجسد، وتهزّ من الحماسة وتُرقص الحجر، فكيف أنام اليوم واليوم عزّت بالإسلام العرب والعجم؟ واليوم استكمل الشرق يقظته إلاّ بقايا في عينيه من الكرى وأقسم ألاّ ينام؟ واليوم أحسّ كل مسلم أن الأمّة التي يكون فيها من زعماء الدين أمثال حسن البنا والكاشاني، ومن زعماء الدنيا محمد نجيب ومصدّق، لم تفقد عزّتها ولم تدفن أمجادها في قبور تاريخها، ثم تسير بلا عزة ولا مجد. بل إن لها من حاضرها أياماً غُرّاً محجّلات لا يضرّ مَن رآها ألاّ يكون رأى مَواضي الأيام.
لقد تتالت علينا الأفراح وتتابعَت البشائر حتى ما تستطيع أن تحتملها أعصابنا. إننا نعدو عَدْواً في طريق الظفر، لا نقدر أن نقف ساعة لنستريح ونلتقط أنفاسنا: في إيران شعب هبّ على الإنكليز هبّة الرجل الواحد، يحمل معه أكفانه ليثبت للدنيا أن الكفن في يد المستميت أمضى من المدفع في يد من يحبّ الحياة ويكره الموت، وأن الرغبة الصادقة في الموت هي أقصر طريق إلى الحياة، وأن الشعب إذا استمات لا تغلبه قوة في الدنيا.
وهل يمكن أن يُباد شعب فلا يبقى له أثر؟ هل تستطيع قوى
стр. 1937
الشرّ كلها التي حشدها المتمدّنون ليقتلوا بها البشر باسم المدنيّة (التي نسبّح جهلاً بحمدها ونموت في عشقها) أن تُهلك خمسمئة مليون إنسان يستجيبون لصوت إيمانهم، ويغضبون لماضيهم ويعملون لمستقبلهم؟
إن القطّة إن غضبت لأولادها كشّرت عن أنيابها وأبدت عن مخالبها وهجمَت على الذئب، فكيف إن غضب شعب له في الأمجاد ميراث لا يعدله في الدنيا ميراث؟
لقد جاءتنا أخبار مصر، مصر الديّنة الصيّنة التي طالما احتملت الفسوق والعصيان، وسكتت ترجو أن يؤوب الفاسق ويتوب العاصي. مصر العزيزة الحرّة التي صبرَت على الطغيان والفساد، مصر التي بذلت في حرب فلسطين ما لم تبذله دولة عربية، ثم ضربها في ظهرها مِن كبار أبنائها مَن كان شراً عليها وعلى جيشها من أعداء الله والإنسانية، اليهود، حين وضعوا في يد جندها سلاحاً فاسداً ليقاتلوا به عدوّهم فانقلب ناره عليهم.
مصر التي طالما زرتها وأقمت فيها الشهور الطوال، فكنت أشمّ رائحة الفساد كلّما خرجت من إدارة «الرسالة» ومررت بالميدان الكبير، ميدان عابدين. وانتشرَت هذه الرائحة حتى بلغَت جوانب مصر، ثم وصلَت إلى أوربّا وشمّها أصحاب الجرائد هناك بأنوفهم الحسّاسة فنشروها في كل مكان، حتى بلغَت الشام ودخلت فيه كل بيت.
لذلك كانت أخبار الانقلاب الأولى فرحة في كل بيت يتباشر بها الناس، ويفتحون الرادّ ليسمعوها. وأزهد الناس بسماع الأخبار
стр. 1938
صار يعانق الرادّ في داره ليسمع إذاعة مصر وغير مصر، فلما أذيع أن فاروقاً (الذي دعاه المنافقون يوماً الملك الصالح) قد أُخرجَ من مصر لم يعُد يستطيع الناس أن يضبطوا من الفرح أعصابهم. ووالله ثم والله الذي لا يحلف به كذباً إلاّ فاسق، لو أُعطيت مبلغاً من المال كبيراً ما فرحت به مثل فرحي بهذا الخبر. ولولا أني مريض وأن ذهني مكدود، لحيّيت هذا اليوم العظيم التحيّة التي تليق به، ولسقت له كلاماً غير هذا الكلام: كلاماً تشبّ له القلوب وتحمى منه أقحاف الرؤوس، وترقص له من الحماسة الأعصاب وتغلي الدماء، ولكني إن عجزت اليوم عن نظم هذا الكلام فلقد قال هؤلاء بفعالهم أكثر منه.
فيا أيها الرجل العظيم، يا محمد نجيب، لقد نُقش اسمك على جوانب القلوب مع أسماء أبطال التاريخ.
وبعد، فهذه عاقبة الفسق والفجور واستغلال أموال الأمّة وسلطانها في إرضاء الشيطان وإرواء الشهوات، فاعتبروا يا من لم تصل إليهم النوبة بعد، فإنها ستنوبكم. إن الله يُمهِل ولا يُهمِل، وينسئ ولا ينسى. فليعتبر بما حلّ بهم سواهم، وليعلموا أن نِعَم الله لا تُحفَظ بالمعصية ولكن بالشكر، وأن الأوطان لا تُحمى باتباع الشهوات وإضاعة الأموال في الترف والملذّات، ولكن بتقوية الجيش وإعداد السلاح وإطاعة الله والعمل على إعلاء كلمته.
(إلى أن قلت): والسلام على روح حسن البنا موقظ الأرواح النائمة في مصر، وعلى الكاشاني وعلى مصدَّق، وعلى البطل النجيب محمد نجيب.
* * *
стр. 1939
إني لأتمنى الآن أن لا أكون قد كتبت هذه المقالة، وأحمد الله أن ألهمني أن لا أضع اسمي عليها، وإن عرف الناس يومئذ واعترفت أنا الآن أنها لي.
لقد رأينا بعدها ما جعلَنا نستسهل ما كان قبلها. والسياسة لها ظاهر وباطن، وربما كان ظاهرها غير باطنها، وربما كان ما عرفه الناس عنها يخالف حقيقتها التي كانت عليها: فالخاصّة الذين يصفون أحداثها أو الذين يكونون قريباً منهم يعرفونها حقّ معرفتها، أما العامّة فلا يصل إليهم من خبرها إلاّ ما أراد الخاصة أن يعرفوه عنها. وكم من هزيمة ظنّوها نصراً، وكم طيّب حسبوه خبيثاً وسيّئ صُوّر لهم شيئاً حسناً. وأنا واحد من عامّة الناس، لا أعرف من الأمور إلاّ ما أرادوا أن يعرفه الناس ولا أروي إلاّ ما عرفته، وإن كان لي -بحمد الله- فكر أعلو به عن طبقة العوامّ والرعاع، فأناقش الأمر بمقدار ما يستطيع عقلي مناقشته، فأشكّ في بعض الأمر وأردّ بعضه ظناً، وأرفض بعضه يقيناً لأن الوضع ظاهر فيه والكذب بادٍ عليه.
إن المؤرّخ ينظر إلى الأحداث نظرة شاملة كاملة كمَن يرى المدينة من الطيارة، ففي نظرته سعة وشمول، ولكن ليس فيها دقّة وتفصيل. أمّا الأديب فإنه يصف ما رأى وصفاً مفصّلاً، ولكن ليس شاملاً.
وأنا متّهَم بأني خصم الوحدة، للحديث الذي أذعته غداة الانفصال وتناقلَته الصحف والإذاعات، حتى لقد سمعته أنا مُذاعاً مكرّراً أكثر من سبع مرات. وأنا وأهل بلدي بريئون من هذه التهمة.
стр. 1940
أنا من يوم قرأت التاريخ ورأيت كيف كان المسلمون دولة واحدة ثم تفرّقوا دولاً، وكانوا أمّة واحدة فصاروا جمعية أمم، أنا من ذلك اليوم أرى الوحدة أمنيتي الكبرى. لمّا دخل الفرنسيون سوريا وجعلوا منها أربع دول كان مسعانا كلّه لترجع بلداً واحداً، فلما صارت بلداً واحداً كان أملنا أن يكون للعرب وحدة شاملة.
فإذا حقّق الله يوماً هذه الوحدة فلن تقف هِمّتنا عندها، وليس لنا أن نقف عندها، لأن الذي قرّر الوحدة الإسلامية وجعلها هي الرابطة التي لا يكون لنا أن نعدل بها غيرها ولا نعدل عنها إلى غيرها هو الله ربّ العالمين، في كتابه الذي أنزله على خاتم المرسلين. وما قرّره الله وقضاه ليس لبشر أن يُبدي فيه رأياً أو أن تكون له فيه خِيَرة، ومن رفض شرع الله أن يُطبّق على حياة الفرد أو الجماعة وقال لا أريده، فقد كفر بإجماع المسلمين وصار مرتداً تُنفّذ فيه أحكام المرتدّين.
* * *
كان يوم إعلان الوحدة أحد الأيام الغُرّ في حياتي؛ ملأ بالمسرّة قلبي لأنها المحطّة الأولى في طريق الوحدة الإسلامية الكبرى. كنت أشعر بأنني في حلم، ولكن الذي ينهض من المنام تطير من يده الأحلام. أمّا هذا الحلم فقد انقلب إلى حقيقة ماثلة أمامي، أحسّها وأعيش فيها كأنني قد انتقلت إلى الجنّة التي تتحقّق فيها الأماني.
ولكن لمّا شهدت منظر بيعة عبد الناصر رئيساً وتنحّي القوّتلي وعودته رجلاً عادياً، ورأيت كيف عومل، شعرت بشيء
стр. 1941
من الأسى. لا لأن المصريين حكموا سوريا، فطالما حكمَت مصرُ الشامَ أياماً طويلة من تاريخنا، وطالما حكمت الشامُ مصرَ وغير مصر قبل ذلك، والمسلمون أمّة واحدة وإخوة في أسرة واحدة، فلا فرق لدينا أن يحكم مصري أو شامي، ولكننا رأينا بوادر جعلَت تبدو لنا، ما كرّهَتنا بالوحدة لذاتها بل لهذه الأعراض التي علقت بها.
لمّا زار عبد الناصر دمشق أول مرة استقبلَته دمشق استقبال الأبطال الفاتحين، واحتشد أهلها حول قصر الضيافة ساهرين منتظرين يرتقبون أن يطلع النهار فيطلع الرئيس عليهم فينظروا إليه:
يجدونَ رؤيتَه التي فازوا بها ... مِنْ أنعُمِ اللهِ التي لا تُكفَرُ
كانوا يأملون أن يجدوا على يديه الفرج بعد الضيق، يحسبون أنه سيُعيد عليهم عهد أبي عُبَيدة وخالد لمّا دخلا الشام فأنقذا أهلها من ظلم الرومان، وأنه سيدور الزمان حتى يعود كما كان في صدر الإسلام. فتبيّن أنه لم يكن حُكّامنا مثل الرومان ولا كان عبد الناصر كأبي عبيدة وخالد، وأنها لم تمر إلاّ شهور معدودات حتى أذابت شمسُ الواقع التمثالَ الذي صنعناه من ثلج الأماني، حتى طلع نور النهار فمحا ما أبصرناه في أحلام المنام.
قلت لكم إني لم أكُن في موضع مَن يرى الخفايا ويكشف الأسرار، وإنما كنت واحداً من غمار الشعب، وإن كان لي قلم بحمد الله وكان لي لسان وكان لي فكر وجنان. فكنت أسمع خُطَب الرئيس تذاع، وهم على عادتهم على أيام عبد الناصر يحشدون
стр. 1942
لسماعها البشر يجمعون المصفقين والهاتفين. وكانوا يدعون المشايخ والقُضاة ووجوه الناس لمواقف الاستقبال والوداع حتى يأخذوا صورهم فينشروها في الجرائد.
أمّا أنا فما استجبت لها، وهربت منها وتمارضت حتى نجوت. وقد عرفتم في هذه الذكريات أني لم أخرج لمّا كنت قاضياً في القلمون في النبك لاستقبال الشيخ تاج، وهو خال زوجتي وشقيق أمها وهو ابن شيخ الشام الشيخ بدر الدين الحسني، ولا لاستقبال شكري القوتلي، وهو زعيمنا أيام النضال وهو قائدنا في العمل للاستقلال. أفأخرج لاستقبال عبد الناصر؟
لقد كنت أستمع إلى خطبه التي يلقيها في مصر وتُذيعها الإذاعات، فأسمع وعوداً حلوة تسرّ وتُرضي ثم تذهب وتمضي بلا وفاء، وأسمع ما فيه تحريف للواقع وتبديل لما نراه ونشاهده. ولكني أشهد -مع ذلك- أنه خطيب. خطيب على عامّية أسلوبه وعلى ركاكة لفظه، خطيب من أعظم الخطباء. وهل الخطيب إلاّ الذي يلعب بألباب السامعين، فيوجّهها حيث يريد ويجعلها تقتنع بما يقول؟ وكذلك كان عبد الناصر. ولكنها كانت تفلت منه كلمات أو يتعمّد تمريرها عرَضاً من غير أن ينتبه الناس إليها ليناقشوها، من ذلك اصطلاح «التحويل الاشتراكي» الذي كان يردّده دائماً ويُعيده فلا يملّ إعادته وترديده.
ولم أكُن أستطيع أن أصل يومئذ إلى إذاعة أذيع منها صوتي ولا جريدة أنشر فيها رأيي، كل ما في طوقي أن أقول لمن حولي: أتدرون ما التحويل الاشتراكي الذي يريده؟ إن عمرو بن العاص
стр. 1943
لمّا فتح مصر حوّلها إسلامية باقية على إسلامها إن شاء الله إلى يوم القيامة، لا تعرف غير الإسلام ولا تدعو إلى غيره ولا تقبل دعوة إلى ما يخالفه. فليس التحويل الاشتراكي إلاّ تحويلها عن الإسلام إلى الاشتراكية.
وكنت أقرأ في الصحف أن عبد الناصر كان يحالف الكفار ويخالف المؤمنين في كثير من الأحايين، كما كان يفعل في قبرس (١)، وكان يحارب التضامُن الإسلامي الذي يحقّق أخوّة الإيمان، وأخوّةُ الإيمان قرّرها الله في القرآن. وكان يؤيّد مبادئ تُبعِد أهل الدين وتُدني تيتو ونهرو والشيوعيين والوثنيّين، يتولاّهم والله يقول: ﴿ومَن يَتَولَّهُمْ منكُم فإنّه منهم﴾.
ثم أدخلوا هذه المبادئ في المدارس، وأرادوا أن ينشأ عليها الصغار وأن يعيش عليها الكبار. جاؤوا بسمّ جديد هو خليط من القومية والشيوعية والتحلّل الذي يسمّونه التقدمية، ممزوجاً مزجاً كيميائياً، فجعلوه مادّة تُدرَس في المدارس. نوّعوا أسماءها فهي تارة «المجتمع العربي» وتارة ما لست الآن أدري، وأدخلوه في المدارس ثم نقلوه إلى مصر أو حاولوا نقله إليها أيام الوحدة.
حتى إنني كنت يوماً في زيارة العالم الجليل والصديق الكريم الشيخ شلتوت، وكان شيخ الأزهر. وهو عالم مفكر عرفته من قديم في مجالس الشيخ عبد المجيد سليم، وكانت لي عليه جرأة ولي معه كلام يجاوز حدود الرسميات إلى الإخوانيات (٢)، لا لأنني
стр. 1944
أتطاول إلى مقامه، فما أنا من رجاله، ولكن لأنه من تواضُعه يتنازل إلى مقامي.
كنت عنده يوماً في إحدى زياراتي لمصر، فجاءه من يقدّم إليه منهج هذه المادّة ليوافق على تدريسها بالأزهر. فكأنه همّ بالموافقة عليها، فتجرّأت عليه فأمسكت بيده (وكان بها شلل أصابه في آخر حياته) وقلت: أستأذنك وأقبّل يدك، فخبّرني ماذا أنت صانع؟ قال: أوافق على تدريس هذه المادّة. قلت: يا سيدي، هذه بضاعتنا ونحن أعرف بها. إنها سمّ فوقه طبقة من الدّسَم أو غشاء من الحلوى ... فصرف من كان أمامه وخلا بي حتى شرحت له الأمر.
قلت لكم إن دمشق كلّها خرجت لاستقبال عبد الناصر لمّا قدمها أول مرة. ولا شكّ أن الفرحة بالوحدة كانت غامرة وأنها شملت أهل الشام كلّهم، ولكن هناك أمراً تقتضيني أمانة القلم أن أُعلِنه، هو أنه ليس كل استقبال في الشام علامة حبّ وفرح ولا كلّ جنازة أمارة حزن وأسى. فإن أهل الشام لِمَلَلهم من حياتهم المتشابهة أيامُها، المتكرّرة مشاهدُها، يبالغون في الاهتمام بكل جديد والاحتشاد لكل قادم والازدحام على كل مشهد، حتى لو أن صاحب (سِرْك) أعلن عن مقدم فيل ضخم ما رأى الناس مثله أو غوريللا هائلة لازدحموا على هذا المشهد وتسابقوا إليه.
ولا يقع في وهم أحدكم أني أشبه عبد الناصر أو غيره بالفيل أو الغوريللا. لا، وإنما أبيّن طبيعة فينا أهل الشام. وبقيّة الكلام في الحلقة المقبلة.
* * *
стр. 1945
-١٥٤ -
علماء الشام
مع الوزير كمال الدين حسين
لمّا قدم عبد الناصر الشام وخرج الناس (أو أُخرِجوا) لاستقباله كان في طليعة مستقبليه في المطار المشايخ. وكان من بينهم رفيق السباعي، الرجل الذي ترك الطبّ بعدما أكمل دراسته ونال شهادته، ليلزم الشيخ بدر الدين وينقطع لخدمته ويُمضي حياته في صحبته.
فلما مرّ عبد الناصر عليه ناوله ورقة كبيرة، فعجب الرئيس منها وارتاب بها، ودفعها إلى عبد الحميد السرّاج (وكان يمشي معه). فقال له الشيخ: إنها لك لا له، وفيها مطالبنا منك لا منه. قال الرئيس: إنها وصلَت إليّ.
وهذا المشهد معروف هنا (في المملكة) لا يُستنكَر ولا يُستكبر، فما يأتي الناس للسلام على الملك أو الأمير إلاّ ناولوه مثلها. وهذه هي الرقاع التي كانت على عهود الخلفاء، لا سيما العباسيين، وكان لها موظّف كبير يُحصيها ويقرؤها ويرفع خلاصتها إلى الخليفة فيأمر فيها بأمره. ثم ماتت هذه السنّة في سائر البلاد
стр. 1946
وبقيَت في المملكة، أحياها مؤسّسها الملك عبد العزيز ﵀ وتوارثها أبناؤه.
فلما انقضت أيام الزيارة وجاء يوم سفر الرئيس، وكان المشايخ والوجوه في وداعه كما كانوا في استقباله، ومدّ يده يصافح الصفوة المختارة منهم وكان الشيخ رفيق ﵀ من بينهم، أمسك بيده وأطبق بكفيه عليها (وكان عرض كفّ الشيخ رفيق بعرض كفّيّ الاثنتين معاً) وقال له: ماذا صنعت بطلباتنا؟
لم يُجِب عبد الناصر، ولكن أجابت الأيام. أجابت أفعاله وأفعال عُمّاله ورجاله. وكنّا تحت المطر فوضعونا تحت الميزاب! وكنّا نشكو إذ نمشي في الشمس على الحصى الحارّ فسيّرونا على جمر النار ... ما زال شيء ممّا كنّا نشكوه بل زاد.
كنّا من قبلُ إن رأينا منكراً ذهبنا إلى الرئيس أو الوزير. كنّا ندخل على الرئيس هاشم بك أو على شكري بك أو على الشيخ تاج متى شئنا، لا يُغلَق في وجوهنا باب ولا يحجزنا بوّاب، فصار رئيسنا الآن في مصر ومَن عندنا تبع له، لا أمر لهم إلاّ من بعد أمره.
لذلك عزمنا على الذهاب إلى مصر.
وكنّا جماعة هم: الشيخ أبو الخير الميداني، شيخنا رئيس رابطة العلماء، ونائبه السيد المكي الكتاني، وصديقنا الدكتور محمد أمين المصري الأستاذ في الجامعة، رحم الله الثلاثة. واثنان من النوّاب في المجلس هما سعيد العبار (وهو صحافي إسلامي) وآخر من حمص أظنّ أن اسمه الطيب الخجا، وأنا. هؤلاء الذين
стр. 1947
أذكرهم الآن، ولعلّي نسيت غيرهم مِمّن كانوا معنا.
فلما وصلنا مصر (وإذا قلنا مصر فإنما نعني القاهرة، كما نقول في سوريا «الشام» ونقصد بها دمشق) جلسوا في إدارة شركة الطيران في ميدان الأوبرا، حيث الصنم المقام لإبراهيم باشا الذي خرب «الدرعيّة» وزرع بذور الفساد في الشام، وذهبت مع أحد الإخوان نختار فندقاً مناسباً. فلما عدنا لم نجد المشايخ ولكن وجدنا بطاقة فيها أن السيد مكي ضاق صدره بالانتظار، فذهبوا إلى فندق قريب في منعطف وراء الميدان.
وأنا أعرف مصر من سنة ١٩٢٨، أمشي فيها وأنا مغمض العينين لا يشتبه عليّ شيء من شوارعها وحاراتها، وأحسب أني جزت ميدان الأوبرا مرة فما أبصرت هذا المنعطف ولا علمت أن فيه فندقاً، فلما بلغناه إذا هو فندق عتيق في حارة ضيقة لا يصلح لنزولنا.
وما هذا هو العجيب، ولكن العجيب أني لمّا وصلت إلى الفندق وجدت الشيخ الميداني قاعداً على طرف السرير، وأمامه ضابط على كتفه نجوم جاثم على ركبتيه، ورأسه على ركبة الشيخ وهو ينشج ويبكي. فلم أعرف من هو ولا ما الذي أبكاه، ولم أدرِ من أين جاء بهذه الدموع، ولعلّه شمّ بصلاً قبل أن يدخل الفندق، ولعلّ هذا من فصول «الرواية»! كيف وصل هذا الضابط إلينا ومن الذي دلّه علينا؟ ومن أين عرف أن الشيخ أبا الخير معنا وأننا نزلنا ها هنا؟
ثم علمت أن «القوم» لا يدَعون قادماً حتى يُرسلوا إليه من
стр. 1948
يكشف سرّه ويعرف خبره، فمن الناس من يستميلونه بتسهيل طرق الملذّات وإرواء الشهوات، ومنهم من يُغوُونه بالعطايا والهدايا، ومنهم من يكون من أهل السياسة فيسلكون به مسالك الكياسة والأطماع بالرياسة، ومنهم ومنهم ... وكل هؤلاء ما نحن منهم ولا شغل لنا معهم، فكيف يعرفون خبرنا؟
إن عندهم مُخبِرين من كلّ لون من ألوان الناس، فلما علموا بأننا مشايخ وأننا جئنا نزور مصر اختاروا مِمّن يثقون به ضابطاً أهله من المتصوّفة، من الذين يزورون الشام ويعرفون مشايخها وممّن لهم صلة بشيخنا الميداني، فأرسلوه إلينا.
لمّا رأيت الفندق لم يعجبني، وتركوا إليّ أمر اختيار غيره. وكنّا قد انتقينا فندقاً صالحاً في الشارع الذي كان يُدعى شارع فؤاد الأول (ولست أعرف الآن بماذا يُدعى) فذهبنا إليه والضابط معنا. فلما كان من الغد جاءنا مبكّراً، وقد نزع بزّته العسكرية وأزاح عن كتفيه نجومها ولبس ما يلبس جمهور الناس وبقي معنا. فقلت له: كيف تدع عملك لتبقى معنا؟ فقال: إذا جاء الشيخ لم أبالِ بعمل ولا بمنصب ولا بوظيفة لأغتنم صحبته.
ونظر بعضنا في وجوه بعض وعرفنا أنه كاذب. ثم بحثنا عن أمره فعلمنا أن له مرتبة عالية في دوائر الاستخبارات، وأنه إنما أُرسِلَ لتحسّس خبرنا والتجسّس علينا. فلما أمسى المساء بقي معنا وطلب غرفة ينام فيها لئلاّ يفارقنا، وأعجب ما في الأمر أنه نزل في الفندق يأكل ويشرب على حسابنا!
فأقمنا مَن يُخبِر كلّ زائر لنا بحقيقة أمره قبل أن يصل إلينا،
стр. 1949
فإذا دخل زائر ولم يعلم قلت له مازحاً: أترى هذا الرجل؟ إياك أن تنطق بكلمة. إنه يشنقك، إنه كولونيل، ضابط كبير له نفوذ عظيم، فإياك إياك أن يسبق لسانك إلى ما لا يريد. وربما قلت لغيره: «ما ينطق من قول إلاّ لديه رقيب عتيد» وأشرت إليه.
فأضعنا عليه بذلك ما أُرسِلَ من أجله، فما استفاد منّا فائدة ولا استطاع أن يعرف عنّا خبراً. وكنّا إذا أردنا أن نتحدّث بشيء تركناه وذهبنا إلى غرفة واحد منّا، وما كان له أن يجرؤ على أن يتبعنا.
* * *
وجعلَت الأيام تمرّ ونحن في الفندق نأكل ونشرب وننام ونفيق، وندفع ثمن الطعام والمنام، ولا نستطيع أن نُنجِز ممّا جئنا له شيئاً، فـ «الريّس» لا نقدر أن نلقاه، والوزير يفرّ منّا ويتوارى عنّا، وكلّ ما صنعناه أن قابلنا وزير المعارف الإقليمي. ونحن نعلم أن عمله محصور في الإقليم الجنوبي، أي في مصر، وأنه لا شأن له بإقليمنا، أي بشامنا.
وإذا كان الرجل قد عاد قديماً من الحيرة بِخُفَّي الإسكافي حُنَين، فنحن لم نعُد بشيء ولا بالخُفّين. وكان حَزُّ ذلك في نفوسنا عميقاً وأثرُه على إخواننا في الشام لمّا عدنا وخبّرناهم به سيئاً.
وسمعنا أن وزير المعارف كمال الدين حسين سيقدم الشام. وهو -كما نمي إلينا- من أقرب هؤلاء الضبّاط إلى الدين، هو وحسين الشافعي. وسمعنا أن بين جوانحه قلباً مؤمناً، إذا ذُكّر
стр. 1950
ذَكَر وإذا وُعظ اتّعظ. فبعثنا إليه برقية نطلب منه فيها موعداً نجتمع فيه إليه، فما جاءنا منه جواب. ثم علمنا أن مَن كان حوله من المصريين الموظفين في الشام كتموا برقيتنا عنه وحالوا دون وصولها إليه، فجرّبنا أن نهتف به (أي نكلمه بالهاتف) فما وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
وعُقد يومئذ اجتماع أو مهرجان صغير، لست أدري الآن ماهو، في الشعر والشعراء، حضره صديقنا الأستاذ الشاعر ضياء الدين الصابوني، فأعطيته رسالة ليبلغها الوزير فلم يستطع الدنوّ منه، فما كان منه إلاّ أن وقف على طريقه لمّا خرج يعترض سيارته، حتى إذا دنت منه وكادت تدعسه (بالعين لا بالهاء) رفع الورقة بيده، فأمر الوزير بوصوله إليه وأخذَها منه.
بذلك استطعنا إقناع الوزير بأن يضرب لنا موعداً. وكان هذا الموعد، واجتمع له العلماء من أقطار الشام كلها، فجاء ناس من كبار علماء حلب، ومن علماء حمص وحماة وغيرهما من مدائن الشام. وإنه ليحزنني ألاّ أستطيع الآن أن أعدّ أسماءهم، ولعلّ عند ولدي الأستاذ زهير الشاويش علماً بهذه الأسماء فلقد عرفته حافظاً واعياً وضابطاً محقّقاً.
أذكر أن بين من حضر من علماء حلب الأستاذ الشيخ عبدالفتاح أبو غُدّة، ومن حماة الأستاذ الشيخ محمد الحامد، ومن دمشق كثيراً أذكر منهم شيخنا المفتي الطبيب الشيخ أبا اليسر عابدين، وأمين الفتوى صديقنا الشيخ عبد الحكيم المنير، والصديق المجاهد الصدّاع بالحقّ الشيخ عبد القادر العاني، والشيخ الطبيب
стр. 1951
رفيق السباعي، وغيرهم مِمّن لا أحصيهم الآن.
اجتمعنا أولاً في دار الإفتاء، وكانت في طريق الصالحية تحت الجسر الأبيض. واتفقوا على أن يفتتح الكلامَ المفتي، ثم أتولّى أنا شرح الأمر. وهذه إحدى المرات التي شرّفني فيها العلماء بأن أتكلم عنهم وأنطق بلسانهم، وإن كنت أقلهم علماً وأدناهم منزلة. أما المرة الأولى فكانت يوم موت المحدّث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني سنة ١٩٣٥، حين اجتمع علماء سوريا مثل هذا الاجتماع، واختاروني بالإجماع لأنعاه للناس على منبر الجامع الأموي في دمشق.
إن المرء تعتريه أحياناً حالات يحسّ فيها حلاوة الإيمان ويستشعر الصلة بالله، فيرى كلّ كبير في الدنيا صغيراً وكل صعب سهلاً. ولقد عبّر عن ذلك سلطان العلماء لمّا سأله تلميذه الباجي كيف واجه الملك الأيوبي بما واجهه به، لم ترُعْه عظمة موكبه ولا قوّة جيشه ولا خشية بطشه، فقال له تلك الكلمة الصادقة الباقية: "يا بُنَيّ، تصورت هيبة الله فصار السلطان قُدّامي كالقط" (١).
وما أنا من أمثال العِزّ بن عبد السلام، ولا أنا من العلماء الأعلام ولا من العباد الزهّاد، ولكن الله -كما تقول العامّة- «يضع سرَّه في أضعف خَلْقه». لقد تصوّرت والله (ولا أزال أذكر إلى الآن ما تصوّرت) أن الموت قد نزل بي وأن القيامة قد قامت وأننا نقف جميعاً في المحشر، وأن الوزير مثلي، كلانا حافٍ عارٍ لا يملك
стр. 1952
شيئاً ولا يقدر على شيء، قد نادى المنادي: لِمَن المُلك اليوم؟ فكان الجواب: لله الواحد القهار.
ولا تحسبوا أن هذا الشعور يلازمني دائماً. هيهات! ولا أني كثيراً ما أحسّ به. إنما هي نفحات نادرة تهبّ عليّ، كان هذا الموقف واحداً منها.
بدأ شيخنا المفتي الكلام وعرض لرواتب «أرباب الشعائر»، فخفت أن يتحوّل المجلس عن غايته وأن ننتقل من المطالبة بإصلاح عامّ إلى مصلحة تكاد تكون شخصية، فلم أملك إلاّ أن رفعت صوتي فقلت له: يا سيدي، ما لهذا جئنا. فقال الشيخ أبواليسر: وهذا أيضاً ممّا جئنا له.
وخشيت أن يفلت الأمر من يدي فالتفتّ إلى الحاضرين، وكانوا نحواً من خمسين من كبار علماء سوريا، فقلت لهم: يا إخوان، ألهذا جئتم؟ فصاحوا قائلين: لا، ما جئنا من أجل الرواتب ولكن جئنا مدافعين عن الدين وعن الأخلاق ومطالبين بالإصلاح.
فسكت المفتي وأمسكت أنا بزمام الكلام، فقلت للوزير: هل تعلم سيادتك أننا لسنا هنا أحراراً، كلّ واحد منّا مراقَب يُبعَث إليه من يُحصي عليه حركاته وسكناته، فكيف نعيش مطمئنّين آمنين ألاّ تصيبنا جائحة؟ حتى أنت، إن معك اثنين يراقبانك ويرفعان عنك تقريراً بكل ما تقول أو تفعل.
لمّا قلت هذا وجدت الحاضرين قد دُهشوا، حتى ظنتهم حسبوني جُننت أو أني لم أعُد أدري ما أقول. ثم قلت له: وهذا
стр. 1953
التقرير لا يُرفَع إلى سيادة الرئيس، بل إلى ربّ الرئيس وربّ العالَمين، يُعلَن على رؤوس الأشهاد يوم الميعاد، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا وزارة ولا رياسة. فأرجو ألاّ تهيّئ جواباً يرضينا الآن بل تُعِدّ الجواب لربّ الأرباب يوم الحساب.
لم أقُلها بلساني كما أقولها الآن بل نطق بها قلبي وإيماني. وسرَتْ في جوّ المجلس كهرباء الإيمان، وإن أكُن أنا مطلقها فإن مدّخرتي (أي بطاريتي) صغيرة إن قيست بأمثالها ممّا عند الحاضرين. وما ظنّك بأمثال الشيخ محمد الحامد، والشيخ أبيغدة، والشيخ العاني، والسيد المكي الكتاني، ومَن لا أذكر الآن اسمه ولكن الله يذكره ويشكره؟
إن ذاكرتي بصرية، فكأنني حين أكتب هذا الكلام أتصوّر المجلس الكبير الذي كنّا فيه، وفي الزاوية التي كنت فيها المفتي وفي المقابلة لها الوزير، وكأنني أرى المشايخ وهم يتكلّمون من أماكنهم. وكانت جلسة روحية إيمانية، وسأل الوزير أحد الإخوة المصريين مِمّن كانوا يعملون في سوريا عن بعض ما قلت، فدنا من أذنه يسارّه، فخفت أن يلقي فيها ما يُفسِد به علينا ما جئنا له فقلت له جهراً: يا سيادة الوزير، لا تسمع منه. إنه صديقي، ولكنه هو وأمثاله يغشّونك ويغشّون سيادة الرئيس. الشعب هنا ناقم والأمة تغلي غضباً لله وللأخلاق، وهؤلاء يكذبون عليكم ويكتمون ذلك عنكم.
فأصابه هو ومن معه من هذا الكلام ذهول، لم يعُد يدري معه ماذا يقول. ومرّت ساعتان وعشر دقائق، وهمّ الوزير بالقيام
стр. 1954
يريد الانصراف لأن عنده موعداً أحسب أنه كان في رياسة رعاية الشباب، فصاح به السيد مكي: أتذهب إلى من كلّ هَمّه اللعب وتدع علماء المسلمين الذين جاؤوا يحفظون عليك دينك وآخرتك؟ اقعد!
فقعد. وأشهد أني قلّما رأيت مثل السيد مكي الكتاني ﵀، في عزّة نفسه وجرأته على الحُكّام وقوّة تأثيره عليهم.
* * *
وذهبنا إلى دارنا بعد انقضاء الاجتماع مع بعض من كان حاضراً، وأذكر أن منهم الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وأنه قال لي كلاماً خجلت منه لأنه أعطاني فيه ما لا أستحقّه، ولكنه كان دافعاً لي إلى الأمام.
ومشى خبر هذه المقابلة بين الناس، ونسبوا إليّ مناقب ليست لي ومنحوني ألقاباً أتمنّى أن أكون أهلاً لعُشرها. ولكن الشرّ بقي ماشياً في طريقه، ما بدّل الطريق ولا خفّف السرعة ولا خشي أهله العواقب.
والمصيبة أن جمهور الناس ما لهم لسان، وأن أكثر أهل اللسان والأقلام الذين يُسمَع قولهم وتُقرأ كتابتهم من الصحافيين والسياسيين لا يعبّر أكثرُهم عن إرادة الأمة ولا يصدر عن رأيها، وليس الذي يقولونه ويكتبونه هو الذي يصوّر حالها ويعرض حقيقتها. ولطالما مرّت بنا أيام كان البلد الذي نعيش فيه يتزلزل بالمظاهرات وتشتعل فيه النار، ويموت فيه الناس ويُجرَحون ويُمنَع
стр. 1955
فيه التجوّل، ثم نقرأ في التقرير الرسمي أو نسمع في الإذاعة الحكومية، أن الأمن شامل والسكينة عامّة والناس كلهم بخير!
والمشايخ عندنا كثر. وأنا أشاركهم الدعوة الإسلامية العامّة التي تجمع وأُجانب في التفصيلات التي قد تفرّق، ثم إني لا أزاحم شيخاً على مشيخته، بل إنها لو عُرضت عليّ لأبيتُها، بل لقد عُرضت عليّ غير مرة فتملّصت منها وابتعدت عنها.
لذلك كنت صديقاً للجميع وكنت أقدر الناس (والحمد لله) على جمعهم. حتى إن الشيخ أمجد الزّهَاوي رحمة الله عليه جاءنا مرة مع الصديق الشيخ محمد محمود الصوّاف، فقابلتهما في الفندق الذي نزلا فيه بعد العصر، فثار عليّ الشيخ الزّهَاوي ثورته المعهودة التي تبعثها الغيرة على دين الله والحماسة في الدعوة إلى الله، وقال: أفندي، إنتو قاعدين ما تعملون شيء. لماذا لا يجتمع العلماء ويُصلحون؟
قلت له: كم مرة اجتمعوا فكان اجتماعهم بأجسامهم وحدها وأرواحُهم متفرّقة، فما أفاد اجتماع. قال: أنت، عليك أنت أن تجمعهم والنجاح على الله. قلت: سأجمعهم لك الليلة إن شاء الله بعد العشاء.
واتصلت بهم واحداً بعد واحد، من أقصى جماعة السلفية إلى أقصى جماعة الصوفية، ودعوتهم إلى الاجتماع في دار الحديث الأشرفية بعد العشاء، فما تخلّف منهم أحد. وتكلّمت أقدّم إليهم الشيخ أمجد، فتكلّم الشيخ أمجد كلاماً كله إخلاص، ثم تكلّم الشيخ الصوّاف باندفاعه وحماسته وجهارة صوته حتى
стр. 1956
توهّمنا أن نار الحماسة قد أُضرِمَت بين جوانحهم وأنهم صاروا مستعدّين للعمل، وقلت لهم: إننا لا نريد من أحد منكم أن يبدّل طريقه أو أن يعمل شيئاً لم يكن من قبلُ يعمله، إنما نريد أن يكون عملنا موحّداً، فإذا نزلَت بالمسلمين نازلة وكّلنا من يوصل إليكم خبرها، فمن أراد أن يعمل عمل ما رآه؛ فالخطيب يخطب على منبره، والمدرّس يعرض للقضية الطارئة في درسه، وصاحب القلم يكتب فيها بقلمه، ومن لم يكن له قلم ولا لسان يحدّث بها إخوانه وأصحابه.
ولعل الذين يتابعون هذه الذكريات يذكرون أنني جمعت العلماء مثل هذا الجمع وأنني قلت لهم مثل هذا الكلام سنة ١٩٣٧ لمّا رجعت من العراق إلى الشام، وأننا انتخبنا يومئذ لجنة من ثلاثة عملها أن تُبلغ هؤلاء العاملين بما يطرأ على الإسلام والمسلمين، وكان الثلاثة يومئذ هم الشيخ ياسين عرفة، والأستاذ محمد كمال الخطيب، وكاتب هذه السطور. وكلهم اليوم حيّ يُرزَق.
هذا ما كان سنة ١٩٣٧، أما هذا الاجتماع الذي أتحدّث عنه (سنة ١٩٥٩) فقد وقّع فيه الحاضرون جميعاً على ميثاق إسلامي يعملون فيه للإسلام ولدفع الشبهات ولتخليص أبنائه من الوقوع بيد أصحابها. ولم نكن نريد سياسة ولا نريد رياسة، ولا نريد كسباً دُنيَوِياً.
وافترقنا بعدما وقّعنا الميثاق، وكانت هذه الجلسة هي الأولى، وكانت هي الأخيرة.
* * *
стр. 1957
وعُدنا نجتمع، معشر المشايخ والشباب المسلمين العاملين في الجمعيات الإسلامية، نحاول أن ندفع هذا الفساد الذي حلّ بالبلد وأن نُصلح المدارس وأن ننقّيها ممّا دخل عليها من الفساد والانحراف.
وكان الاجتماع مرة في بيت السيد مكي الكتاني، فقلت لهم: لماذا لا نقيم أسبوعاً ثقافياً يخطب فيه كل مرة ناس منّا، يعرّفون المسلمين بدينهم ويُبعِدونهم عمّا يُفسِد عليهم عقائدهم ويضيع أخلاقهم؟
وكان جدال، ثم اتفقنا على أن نبدأ هذا الموسم في اجتماع في جامع تِنْكز لأنه مسجد كبير يقوم في وسط البلد، ولأنه يطل من هنا على شارع النصر ومن هناك على ساحة المرجة، وله مكبّرات للصوت تُسمَع من في الجانبين. وكان الاتفاق على أن يفتتح الاجتماع المفتي الشيخ أبو اليسر عابدين بكلمة منه وأن أُلقي أنا المحاضرة، وأن يختمها السيد المكي الكتاني، نائب رئيس رابطة العلماء.
وقد قدر الله لهذا الاجتماع أثراً أكبر ممّا كنّا نقدر، وأن يهزّ البلد هزّاً، وأن تتكوّن له ذيول سأتحدّث عنها إن شاء الله فيما يأتي من الحلقات.
* * *
стр. 1958
-١٥٥ -
الخطبة التي هزّت دمشق
عرفتم من الحلقة الماضية أننا افترقنا على أن نبدأ ما دعوناه «الأسبوع الثقافي»، يجتمع له الناس في جامع تِنْكز فيفتتح الاجتماعَ المفتي الطبيب الشيخ أبو اليسر عابدين، ثم ألقي أنا خطبة فيها موعظة وفيها ذكرى، وفيها نصيحة وفيها تنبيه، ثم يختتم الاجتماعَ السيد مكي الكتاني نائب رئيس رابطة العلماء.
وكان من عادتي إذا نويت أمراً أن أكتمه حتى عن أقرب الناس إليّ، فيُفاجَأ به كما يفاجأ غيره. ولم أقُل لأحد ما الذي سأضمّنه خطبتي، وإنما ذكرت لِفِتْية من المسلمين يزورونني ونبّهتهم إلى دعوة الناس إلى هذا الاجتماع لأنني سألقي فيه ما يهمّهم. فطبع هؤلاء أوراقاً صغيرة فيها الدعوة إليها وزّعوها في مساجد دمشق ونواديها ومجتمعات أهلها، فلما كان الموعد امتلأ المسجد على سعته بالناس، ووقفوا صفوفاً على الجانبَين من الجهة الجنوبية في شارع النصر الكبير ومن الجهة الشمالية في ساحة المرجة التي هي لُبّ البلد، والمكبّرات على سطح المسجد من الجانبَين.
لم يحضر الشيخ أبو اليسر فافتتح الاجتماعَ السيد مكي،
стр. 1959
ثم قمت أنا للكلام، فصاح الناس من أركان المسجد: المنبر، المنبر! فصعدت المنبر، وأخرجت أوراقاً كنت كتبت فيها خطبتي على غير عادتي.
وأنا أنشر هذه الخطبة لأول مرّة، لم تُنشَر من قبل في صحيفة ولا في كتاب، ولم يطّلع عليها إلاّ من سمعها في المسجد من نحو ربع قرن، قلت فيها:
لا تعجبوا إن رأيتموني أقرأ في الورق، فما كتبت كلمتي الليلة عجزاً مني عن الكلام، ولكن خوفاً من أن يُفلِت مني الزمام. ثم إني أحبّ أن يُعرَف ما قلت فلا ينقل أحد عني ما لم أقُل.
وكنت أحبّ أن أجعل هذه الكلمة دائرة حول كتاب الله، أصل بها ما كان انقطع بانتهاء رمضان من أحاديث «نور من القرآن» التي كنتم تسمعونها من الإذاعة كل مساء على مائدة الإفطار. ولكني نظرت فوجدت أن لكلّ عمل غاية، ولكلّ غاية طريقاً، ولسلوك كلّ طريق دافعاً. فأحببت أن أبيّن في هذه الكلمة غايتنا -معشر المشايخ- التي نمشي إليها، والطريق الذي نسلكه لبلوغ هذه الغاية، والدافع الذي دفعنا إلى سلوك هذا الطريق.
وأنا -كما تعرفون- من أهل القضاء، مستشار في محكمة النقض في القاهرة (أذكّر أن تلك الكلمة أُلقيَت أيام الوحدة)، والقاضي لا يُحسِن التلميح والتلويح، بل التصريح والتوضيح. وقد كنت من قبلُ من رجال التعليم، والمعلّم لا يفهم لغة السياسة ولكن لغة العلم. ثم إنني من أرباب الأقلام ومن رجال الأدب، والأدب هو البيان ليس الأدب التغطية ولا الكتمان.
стр. 1960
وأنا أقول بصراحة إننا لا نريد من هذه المحاضرات شَغباً ولا تهويشاً (أي تشويشاً) ولا إثارة، ولا نريد أن نكون مَطيّة لمن يسعى إلى الشغب والإثارة والتهويش. وإذا كان في الناس، من فلول الأحزاب السياسية ومن أصحاب المطامع، من يُريد أن يعكّر ماء الساقية ليصطاد في الماء العَكِر، فنحن نريدها صافية عذبة يجري ماؤها سلسلاً رَخِيّاً. وإن كان في الناس من يعمل مثل عملنا ابتغاء سلطان يناله أو تحقيقاً لمنافع نفسه أو حزبه، فنحن لا مطامع لنا ولا حزبَ لنا إلاّ حزب الله، ولا نبتغي إلاّ رضاه.
فثقوا أننا لا نريد إثارة الناس. ولكننا لا نريد أيضاً، بل لا نستطيع لو أردنا، أن نسكت عن إنكار المنكَر، وعن النصيحة للحاكمين، وعن بيان الحقّ للناس، لأن هذه هي وظيفتنا التي وضعَنا فيها ربّنا وأنذرَنا إذا لم نؤدّها حقّ أدائها أن يعذّبنا بالنار. وكل ما يمكن أن ينالنا في الدنيا من أذى إن أدّيناها أهون من عذاب النار.
ونحن نهدم ونبني. نهدم الجدار المائل، ولكنّا لا نتركه كومة من التراب بل نبني مكانه جداراً متيناً قوياً. ونحن نقتلع النبتة الخبيثة والحطبة اليابسة، ولكن لا ندع مكانها أرضاً قاحلة بل نزرع فيها أفانين النبات، لتنعم الأنظار منها بأفانين الأوراد والأزهار وينتفع الطاعم منها بأنواع الثمار.
لا نُنكِر المنكَر ونمشي، بل نقف حتى نُحِلّ محلّه المعروف.
إننا نريد أن نعلّم الناس دينهم، لأن الدين باب كل صلاح وسبب كلّ خير، ولأنه الطريق إلى السعادة في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 1961
إننا نريد أن نبني أمّة جديدة مسلمة. فكيف نبنيها؟ كيف يبني الباني الدار؟ إنه يختار الحجارة، ثم يرصفها، ثم يشدّ بعضها إلى بعض. وحجارةُ بناء الأمّة أفرادُها. إنها لا تنشأ أمة صالحة من أفراد فاسدين. فلنبدأ أولاً بإصلاح أنفسنا بتصحيح العقيدة والبعد عن المحرّمات ومعرفة أحكام الدين والعمل بها.
إن الواعظ إن لم يبدأ بنفسه فيعظها لم يستطع أن يعظ الناس، والنبع الجافّ لا يَمُدّ السواقي بالماء، والفؤاد الذي يملؤه الظلام لا يضوّئ للسالكين الطريق، والقلب الذي فيه الثلج لا يبعث في قلوب السامعين حرارة الإيمان، والذي يطمع في أموال الناس وفي دنيا الحكّام لا يستطيع أن يعظ الناس ولا أن ينصح الحكام. والكلام الذي يخرج من اللسان لا يجاوز الآذان ولو حوى جواهر البلاغة ودُرَر البيان.
فلنحاول أن نُصلِح أنفسنا لنُصلِح الناس. وإذا أصلح كل أب نفسه وراقب الله وكان معه بقلبه كان الله معه، فسخّر لطاعته زوجه وولده. فليكن كل واعظ بفعله أَوْعَظَ منه بقوله، فإنّ عيب أمثالي أنا -من وُعّاظ آخر الزمان- أن أفعالهم لا تماثل أقوالهم، فلا يستمع الناس منهم.
ثم ليعمد كل واحد منّا إلى أسرته فيحاول إصلاحها، فإن الأمّة هي مجموعة أسر، فإذا صَلُحت الأسر صَلُحَت الأمّة. والله لا يبدّل ما بقوم حتى يبدّلوا ما بأنفسهم، هذا هو دواء القلوب كما أن العقاقير أدوية الأجسام. والأدوية لا تُفيد جسماً يعاشر صاحبه المرضى ويعرّضه في كل لحظة للعدوى، وأدوية القلوب
стр. 1962
لا تنفع قلب من يصاحب الأشرار ويخالط الفُسّاق الفُجّار. ولا بد للمريض من حِمية ولا بد له من عزلة، فلنحمِ أنفسنا عن المُغريات والمُغويات، ولنعتزل الضالّين المُضِلّين والفاسدين المُفسِدين، من الآن إلى أن يتمّ لنا العلاج.
وأمراضنا الروحية على ضربين: ضرب يأتي عن طريق العقل وضرب يجيء عن طريق الغريزة، يعمل لكل منهما إبليس وأعوانه من شياطين الجنّ وشياطين الإنس. وأنا أُجمِل الآن ولا أفصّل، وأشير ولا أبيّن، لأن ما أقوله اليوم هو مقدّمة المتن، وسيأتي المتن والشروح والحواشي إن شاء الله ووفّق إلى استمرار هذه المجالس.
لقد ظهرَت فينا أفكار غريبة عنّا ما كنا نعرفها ونحن صغار، أفكار جاء بها الاستعمار وصنائع الاستعمار، من الذين تربّوا في تلك الديار.
منها قولهم «الدين لله والوطن للجميع»، يجعلون الدين مفرِّقاً والوطن جامعاً والدينَ فرعاً والوطن أصلاً. مع أن الدين لله، هو يشرعه وهو ينزله: ﴿ألا للهِ الدينُ الخالصُ﴾، ﴿ويكُونَ الدينُ للهِ﴾. والدين لنا أيضاً يهدينا ويدلّنا: ﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكُمْ﴾، ﴿أتعلّمونَ اللهَ بدينِكُم؟﴾.
والوطن في نظر الإسلام ليس التراب ولا الحجارة ولا السهل ولا الجبل، ولكن وطن المسلم حيث تسود أحكام الإسلام: ﴿إنّ الذينَ تَوَفّاهُمُ الملائِكةُ ظالمي أنفسِهِمْ، قالوا: فيمَ كنتم؟ قالوا: كنّا مُستضعَفينَ في الأرضِ. قالوا: ألم تكنْ أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجروا فيها؟﴾.
стр. 1963
ومنها قولهم بفصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن العلم، يترجمون هذا الكلام عن غيرنا ويردّدونه ترديد الببغاوات، ولا يعرفون ماذا يريد أصحاب هذا الكلام بالدين. الدين عندهم هو ما يحدّد صلة الإنسان بالله، أي أن الدين هو العبادات عندنا، والعبادات (أي الصلاة والصيام) لا تدخل في السياسة ولا تدخل السياسة فيها. ولكن الإسلام ليس عبادات فقط؛ الإسلام فيه العبادات وفيه المعاملات، وفيه المناكحات وفيه العقوبات، وفيه الحقوق الدولية العامة والخاصة، وفيه الأخلاق وقواعد السلوك. فإذا لم نُدخِل السياسة في صلاتنا وصيامنا فهل نستطيع ألاّ نُدخِل في سياستنا آيات ربنا التي أنزلها علينا في قرآننا؟ هل نستطيع أن نحذف من سورة براءة أو الأنفال الآيات التي توجّه سياستنا الدولية؟
ولا تؤاخذوني إذا أعدت كلاماً قلته من يوم أصدرت أوّل كتاب لي سنة ١٣٤٨هـ، ولا أزال أقوله، وهؤلاء لم يستطيعوا أن يفهموه إلى الآن.
(إلى أن قلت): أمّا المرض الذي جاءنا عن طريق الغرائز والشهوات فإن له قصّة. وقصّته أن طائفة من الشباب الذين تربّوا في فرنسا وفي غير فرنسا، ورأوا فيها ذلك الانطلاق وذلك التحلّل، ورأوا أنهم ما تمنّوا لذّة إلاّ نالوها ولا اشتهوا منهنّ واحدة إلاّ وصلوا إليها، فعشقوا تلك البلاد ورأوها جنّة من جِنان الشيطان.
فلما عادوا لم يستطيعوا أن يعيشوا في بلدهم الذي عادوا إليه
стр. 1964
وهم يرون الجميلات ولا يقدرون على التمتع بهنّ، ولا يريدون (أو لا يقدرون) أن يقتصروا على الحلال القليل بعد استمتاعهم هناك بالحرام الكثير. وضاق عليهم الأمر واشتدّت الحال، وعاشوا من لذع الشهوة التي تتوقد نارها في قلوبهم عيش العذاب، فلما اشتدّ الضيق جاءهم الفرج.
قلنا لهم: تعالوا أنتم من دون الناس جميعاً فأشرِفوا على بناتنا في مدارسهن، لقد جعلنا إليكم أمر تربيتهن وتعليمهن وأمر ثقافتهن وإرشادهن. كما كلّفناكم، أنتم وحدكم، رعاية شبابنا وتوجيه أبنائنا في الصحف وفي الإذاعة، وهذا الذي جاءنا حديثاً ولم نكن نعرفه من قبل وهو الرائي (التلفزيون). فطارت عقولهم من الفرح وأطلقوا لشهواتهم العنان، وأحسّوا بمثل ما يحسّ به الذئب الجائع الذي يشتهي قضمة واحدة من لحم النعجة، ينام بإحدى مقلتيه يحلم بها وينظر بالثانية من بعيد إليها، فقلنا له: تفضّل يا حضرة الذئب المحترَم فأشرِف أنت على هذا القطيع الذي تمشي فيه مئة نعجة.
لقد سلّمناهم بناتنا وقلنا لهم: وجّهوهن الوجهة التي تشاؤون واصنعوا بهنّ ما ترون أنه أنفع لهن. فأخذوهن يرقصن لهم، يسافرنَ معهم، ويكشفنَ عن المستور من أعضائهنّ أمامهم، واخترعوا لذلك أسماء شيطانية هي «النهضة الفنية» و «النشاط الرياضي» و «الروح الجماعية» و «المقاومة الشعبية»، وأسماء أخرى ليس لها كلها إلاّ معنى واحد هو التمتّع ببناتنا بعد أن حُرِموا التمتع ببنات فرنسا وغيرها من بلاد الغرب.
стр. 1965
بدؤوا بالرياضة تعلّمها معلّمات للطالبات في باحة المدرسة، ثم خرجوا بهنّ إلى الساحة المكشوفة التي يراها الجيران، فلما رأونا سكتنا جعلوا لها ثياباً تكشف عن بعض الساق وعن نصف الذراع، فلما رأونا سكتنا ألّفوا من البنات فرقة كشّافة ومرشدات أخرجوهن يوم العرض، فأنكرنا إنكاراً ضعيفاً. وأنا أحمد الله على أني كنت أول من أنكر هذا في مجلّة الرسالة وكنت آخر من ثبت على الإنكار، ولكنهم رأوا الإنكار فردياً فلم يبالوا به.
صنعوا ما صنعوا على تخوّف أولاً وحذر، والعرب تقول «كاد المريب يقول: خذوني». فلما رأونا لا نبالي ولا نعترض ولا نغار على بناتنا خلعوا العذار وأزاحوا الستار، وجاؤوا جَهاراً من الباب بعد أن كانوا يتسلّلون من النافذة، حتى إنني رأيت في رحلتي مع المشايخ إلى مصر التي حدّثتكم حديثها، رأيت يوماً وقد دعانا صديق لنا إلى باخرة له راسية على شط النيل وأمامها ملعب مكشوف الجوانب مفتّح الأبواب، رأيت فيه وأنا قادم إلى الباخرة وأنا راجع منها مئات من الشبّان والشابّات لا يُستَر منهم ولا منهن إلاّ السوأة الكبرى، رأيتهم مضطجعين على الرمال جنباً إلى جنب يتمرّنون على حركات رياضية (جمنازية)، فيمسك المدرب البنت من كل عضو فيها: يمسكها من فخذها لتنقلب من فوق «الثابت»، ويمدّ يده إلى ما شاء منها وهي عارية ما تستر إلاّ حلمتَي الثديَين والسوأتين، كما يُرى على السواحل في شطوط البحار! ورأينا مدارس ثانوية للبنات تقيم حفلات في آخر السنة (بيدي الآن بطاقتان للدعوة إليها) فيها بعد خطبة الافتتاح تسع رقصات تؤدّيهن الطالبات أمام المدعوّين من الرجال والنساء!