← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

إننا نريد أن نبني أمّة جديدة مسلمة. فكيف نبنيها؟ كيف يبني الباني الدار؟ إنه يختار الحجارة، ثم يرصفها، ثم يشدّ بعضها إلى بعض. وحجارةُ بناء الأمّة أفرادُها. إنها لا تنشأ أمة صالحة من أفراد فاسدين. فلنبدأ أولاً بإصلاح أنفسنا بتصحيح العقيدة والبعد عن المحرّمات ومعرفة أحكام الدين والعمل بها. إن الواعظ إن لم يبدأ بنفسه فيعظها لم يستطع أن يعظ الناس، والنبع الجافّ لا يَمُدّ السواقي بالماء، والفؤاد الذي يملؤه الظلام لا يضوّئ للسالكين الطريق، والقلب الذي فيه الثلج لا يبعث في قلوب السامعين حرارة الإيمان، والذي يطمع في أموال الناس وفي دنيا الحكّام لا يستطيع أن يعظ الناس ولا أن ينصح الحكام. والكلام الذي يخرج من اللسان لا يجاوز الآذان ولو حوى جواهر البلاغة ودُرَر البيان. فلنحاول أن نُصلِح أنفسنا لنُصلِح الناس. وإذا أصلح كل أب نفسه وراقب الله وكان معه بقلبه كان الله معه، فسخّر لطاعته زوجه وولده. فليكن كل واعظ بفعله أَوْعَظَ منه بقوله، فإنّ عيب أمثالي أنا -من وُعّاظ آخر الزمان- أن أفعالهم لا تماثل أقوالهم، فلا يستمع الناس منهم. ثم ليعمد كل واحد منّا إلى أسرته فيحاول إصلاحها، فإن الأمّة هي مجموعة أسر، فإذا صَلُحت الأسر صَلُحَت الأمّة. والله لا يبدّل ما بقوم حتى يبدّلوا ما بأنفسهم، هذا هو دواء القلوب كما أن العقاقير أدوية الأجسام. والأدوية لا تُفيد جسماً يعاشر صاحبه المرضى ويعرّضه في كل لحظة للعدوى، وأدوية القلوب

стр. 1962

لا تنفع قلب من يصاحب الأشرار ويخالط الفُسّاق الفُجّار. ولا بد للمريض من حِمية ولا بد له من عزلة، فلنحمِ أنفسنا عن المُغريات والمُغويات، ولنعتزل الضالّين المُضِلّين والفاسدين المُفسِدين، من الآن إلى أن يتمّ لنا العلاج. وأمراضنا الروحية على ضربين: ضرب يأتي عن طريق العقل وضرب يجيء عن طريق الغريزة، يعمل لكل منهما إبليس وأعوانه من شياطين الجنّ وشياطين الإنس. وأنا أُجمِل الآن ولا أفصّل، وأشير ولا أبيّن، لأن ما أقوله اليوم هو مقدّمة المتن، وسيأتي المتن والشروح والحواشي إن شاء الله ووفّق إلى استمرار هذه المجالس. لقد ظهرَت فينا أفكار غريبة عنّا ما كنا نعرفها ونحن صغار، أفكار جاء بها الاستعمار وصنائع الاستعمار، من الذين تربّوا في تلك الديار. منها قولهم «الدين لله والوطن للجميع»، يجعلون الدين مفرِّقاً والوطن جامعاً والدينَ فرعاً والوطن أصلاً. مع أن الدين لله، هو يشرعه وهو ينزله: ﴿ألا للهِ الدينُ الخالصُ﴾، ﴿ويكُونَ الدينُ للهِ﴾. والدين لنا أيضاً يهدينا ويدلّنا: ﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكُمْ﴾، ﴿أتعلّمونَ اللهَ بدينِكُم؟﴾. والوطن في نظر الإسلام ليس التراب ولا الحجارة ولا السهل ولا الجبل، ولكن وطن المسلم حيث تسود أحكام الإسلام: ﴿إنّ الذينَ تَوَفّاهُمُ الملائِكةُ ظالمي أنفسِهِمْ، قالوا: فيمَ كنتم؟ قالوا: كنّا مُستضعَفينَ في الأرضِ. قالوا: ألم تكنْ أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجروا فيها؟﴾.

стр. 1963

ومنها قولهم بفصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن العلم، يترجمون هذا الكلام عن غيرنا ويردّدونه ترديد الببغاوات، ولا يعرفون ماذا يريد أصحاب هذا الكلام بالدين. الدين عندهم هو ما يحدّد صلة الإنسان بالله، أي أن الدين هو العبادات عندنا، والعبادات (أي الصلاة والصيام) لا تدخل في السياسة ولا تدخل السياسة فيها. ولكن الإسلام ليس عبادات فقط؛ الإسلام فيه العبادات وفيه المعاملات، وفيه المناكحات وفيه العقوبات، وفيه الحقوق الدولية العامة والخاصة، وفيه الأخلاق وقواعد السلوك. فإذا لم نُدخِل السياسة في صلاتنا وصيامنا فهل نستطيع ألاّ نُدخِل في سياستنا آيات ربنا التي أنزلها علينا في قرآننا؟ هل نستطيع أن نحذف من سورة براءة أو الأنفال الآيات التي توجّه سياستنا الدولية؟ ولا تؤاخذوني إذا أعدت كلاماً قلته من يوم أصدرت أوّل كتاب لي سنة ١٣٤٨هـ، ولا أزال أقوله، وهؤلاء لم يستطيعوا أن يفهموه إلى الآن. (إلى أن قلت): أمّا المرض الذي جاءنا عن طريق الغرائز والشهوات فإن له قصّة. وقصّته أن طائفة من الشباب الذين تربّوا في فرنسا وفي غير فرنسا، ورأوا فيها ذلك الانطلاق وذلك التحلّل، ورأوا أنهم ما تمنّوا لذّة إلاّ نالوها ولا اشتهوا منهنّ واحدة إلاّ وصلوا إليها، فعشقوا تلك البلاد ورأوها جنّة من جِنان الشيطان. فلما عادوا لم يستطيعوا أن يعيشوا في بلدهم الذي عادوا إليه

стр. 1964

وهم يرون الجميلات ولا يقدرون على التمتع بهنّ، ولا يريدون (أو لا يقدرون) أن يقتصروا على الحلال القليل بعد استمتاعهم هناك بالحرام الكثير. وضاق عليهم الأمر واشتدّت الحال، وعاشوا من لذع الشهوة التي تتوقد نارها في قلوبهم عيش العذاب، فلما اشتدّ الضيق جاءهم الفرج. قلنا لهم: تعالوا أنتم من دون الناس جميعاً فأشرِفوا على بناتنا في مدارسهن، لقد جعلنا إليكم أمر تربيتهن وتعليمهن وأمر ثقافتهن وإرشادهن. كما كلّفناكم، أنتم وحدكم، رعاية شبابنا وتوجيه أبنائنا في الصحف وفي الإذاعة، وهذا الذي جاءنا حديثاً ولم نكن نعرفه من قبل وهو الرائي (التلفزيون). فطارت عقولهم من الفرح وأطلقوا لشهواتهم العنان، وأحسّوا بمثل ما يحسّ به الذئب الجائع الذي يشتهي قضمة واحدة من لحم النعجة، ينام بإحدى مقلتيه يحلم بها وينظر بالثانية من بعيد إليها، فقلنا له: تفضّل يا حضرة الذئب المحترَم فأشرِف أنت على هذا القطيع الذي تمشي فيه مئة نعجة. لقد سلّمناهم بناتنا وقلنا لهم: وجّهوهن الوجهة التي تشاؤون واصنعوا بهنّ ما ترون أنه أنفع لهن. فأخذوهن يرقصن لهم، يسافرنَ معهم، ويكشفنَ عن المستور من أعضائهنّ أمامهم، واخترعوا لذلك أسماء شيطانية هي «النهضة الفنية» و «النشاط الرياضي» و «الروح الجماعية» و «المقاومة الشعبية»، وأسماء أخرى ليس لها كلها إلاّ معنى واحد هو التمتّع ببناتنا بعد أن حُرِموا التمتع ببنات فرنسا وغيرها من بلاد الغرب.

стр. 1965

بدؤوا بالرياضة تعلّمها معلّمات للطالبات في باحة المدرسة، ثم خرجوا بهنّ إلى الساحة المكشوفة التي يراها الجيران، فلما رأونا سكتنا جعلوا لها ثياباً تكشف عن بعض الساق وعن نصف الذراع، فلما رأونا سكتنا ألّفوا من البنات فرقة كشّافة ومرشدات أخرجوهن يوم العرض، فأنكرنا إنكاراً ضعيفاً. وأنا أحمد الله على أني كنت أول من أنكر هذا في مجلّة الرسالة وكنت آخر من ثبت على الإنكار، ولكنهم رأوا الإنكار فردياً فلم يبالوا به. صنعوا ما صنعوا على تخوّف أولاً وحذر، والعرب تقول «كاد المريب يقول: خذوني». فلما رأونا لا نبالي ولا نعترض ولا نغار على بناتنا خلعوا العذار وأزاحوا الستار، وجاؤوا جَهاراً من الباب بعد أن كانوا يتسلّلون من النافذة، حتى إنني رأيت في رحلتي مع المشايخ إلى مصر التي حدّثتكم حديثها، رأيت يوماً وقد دعانا صديق لنا إلى باخرة له راسية على شط النيل وأمامها ملعب مكشوف الجوانب مفتّح الأبواب، رأيت فيه وأنا قادم إلى الباخرة وأنا راجع منها مئات من الشبّان والشابّات لا يُستَر منهم ولا منهن إلاّ السوأة الكبرى، رأيتهم مضطجعين على الرمال جنباً إلى جنب يتمرّنون على حركات رياضية (جمنازية)، فيمسك المدرب البنت من كل عضو فيها: يمسكها من فخذها لتنقلب من فوق «الثابت»، ويمدّ يده إلى ما شاء منها وهي عارية ما تستر إلاّ حلمتَي الثديَين والسوأتين، كما يُرى على السواحل في شطوط البحار! ورأينا مدارس ثانوية للبنات تقيم حفلات في آخر السنة (بيدي الآن بطاقتان للدعوة إليها) فيها بعد خطبة الافتتاح تسع رقصات تؤدّيهن الطالبات أمام المدعوّين من الرجال والنساء!

стр. 1966

ففكّروا: مَن الذي يعلمهن هذه الرقصات؟ هل يعلّمها أستاذ الدين، أم مدرس العربية، أم معلّم الحساب؟ إنه شيء لا يعرفه إلاّ أصحاب الملهيات والحانات. هل تتصوّرون أن يأتي القائمون على تربية بناتكم ببعض هؤلاء الفُسّاق ليُلبِسوهن لباس الرقص ويعلّموهن هذه الرقصات؟! هذا والله الذي كان. تحولَت المدارس إلى مراقص، وصارت الطالبات يصنعن صنيع الأرتستات، أي الساقطات الفاسدات! ثم جاؤوا بما كنا نعجز أن نتخيله تخيّلاً فأصبحنا نراه واقعاً ظاهراً، فأجبروا الأب على أن يبعث ببنته لتنام خارج بيتها شهراً كاملاً في هذه المعسكرات، في معسكر التلّ، تحت إشراف الرجال الأجانب. ولم يكفِهم ذلك حتى عرضوا لنا في الرائي (التلفزيون) صور بناتنا وهنّ يرقصن لهم في ليالي المعسكر. وأنا لا أزال أتساءل: لماذا عرضوا ذلك في الرائي؟ لماذا؟ إنهم وصلوا إلى ما يريدون وأخذوا بناتنا رغماً عنّا لينَمْن شهراً بعيدات عن بيوتنا، فحقّقوا ما كانوا يتخيلونه ووصلوا إلى ما كانوا يريدونه. فلماذا عرضوهن علينا وهُنّ يرقصن لهم في تلك الليالي؟ هل كان ذلك عن غفلة منهم؟ هل كان ذلك مبالغة في إذلالنا، يقولون لنا: انظروا يا من تدّعون الشرف والنخوة كيف جعلنا بناتكم جواري لنا يرقصن أمامنا وأنتم ترون وتتألمون ولا تتكلمون؟ أم كان ذلك استفزازاً للناس، وتحقيقاً لمآرب أحزاب تريد أن يضطرب أمر الناس في هذا البلد وأن يُفقَد فيه الأمان؟ لست أدري. ولكن ذلك كله قد كان، فما نتيجة هذا الذي

стр. 1967

كان؟ إن من أشكل المشكلات -يا سادة- توضيح الواضحات، ولكنني مع ذلك أوضّح لكم الواضح فأسأل: ما هو الرقص وما منشؤه؟ منشأ الرقص هو الحركاتُ التي كان يعملها قديماً الجواري المملوكات والبغايا الفاسدات لإثارة الرجال وتحريك الغرائز، ثم تهذّبَت شيئاً فشيئاً وصارت تقع مع أنغام الموسيقى وغدت فناً من الفنون. ومَن تأمّل الأعضاء التي تُحرَّك في الرقص وما يمكن أن يكون لها من دلالة تبيّن هذه الحقيقة التي ذكرتُها. وأنا أفهم أن يكون في البلد مرقص لأهل اللهو، هذا ما تعلّمناه من أوربا! أما أن تتحوّل المدرسة التي أُقيمت للدّين وللأخلاق وللعلم، أن تتحوّل المدرسة إلى مرقص؟ فهذا الذي لا أستطيع أن أفهمه ولا أن أهضمه. وأنا أفهم أن يكون في البلد امرأة فاسدة يُغوِيها الشيطان فتشتغل بالغناء للرجال والرقص أمامهم، وأن يكون فيه نساء شريفات عفيفات ديّنات صيّنات لا يصل إليهن الرجال ولا يقدرون على المتعة بهنّ إلاّ بالزواج الحلال. ولكني لا أستطيع أبداً أن أفهم كيف تصير الطالبة الشريفة هي المغنية الراقصة؟ ونحن جميعاً نعلم أن الشابّ العَزَب يتخيّل المرأة في خلوته فيُجَنّ بخيالها، ويتمثلها ويهيج لرؤية مثالها، وإذا هو رآها أثاره على البعد مرآها، وإن لمس طرف إصبعها هزّت اللمسة جسده وجسدها ... فكيف تكون حاله وحالها عندما نُقيمها أمامه على المسرح، ونُلقي ساطع الأنوار عليها، ونأمرها أن تحرّك كتفها

стр. 1968

وتهزّ ردفها وتمدّ ساقها، وأن تميل بجسدها وأن تُميل من ينظر إليها؟ وأن تفعل في الحفلة المدرسية كل ما تفعله الساقطات في الحانات والمواخير سواء بسواء، بالأغاني ذاتها والحركات ذاتها؟! والبقية في الحلقة الآتية إن شاء الله. * * *

стр. 1969

إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com

стр. 1970

المحتويات الحلقة (١٢٨) كتاب مفتوح إلى الأستاذ أحمد أمين ... ٥ الحلقة (١٢٩) الحياة الأدبية قبل نصف قرن (٢) ... ١٩ الحلقة (١٣٠) أنا والقلم ... ٣٧ الحلقة (١٣١) ذكريات جزائرية ... ٥١ الحلقة (١٣٢) بقيّة من حديث الجزائر ... ٦٧ الحلقة (١٣٣) ذكريات فلسطينية ... ٨٥ الحلقة (١٣٤) شارل ديغول وسوريا ... ١٠١ الحلقة (١٣٥) في سبيل فلسطين قطعنا ربع محيط الأرض ... ١١٧ الحلقة (١٣٦) قصّتي مع رقص السماح ... ١٣١ الحلقة (١٣٧) تعليقات وهوامش ... ١٤٧ الحلقة (١٣٨) مؤتمر القدس الإسلامي ... ١٥٩ الحلقة (١٣٩) رجال كرام عرفتهم في مؤتمر القدس ... ١٧٥ الحلقة (١٤٠) كيف قابلنا الشيشكلي؟ ... ١٨٩ الحلقة (١٤١) بغداد، المحطّة الأولى في رحلتنا ... ٢٠٣ الحلقة (١٤٢) زيارة للموصل وإربل ... ٢١٩ الحلقة (١٤٣) من بغداد إلى كراتشي ... ٢٣١ الحلقة (١٤٤) صور ولمحات من كراتشي ... ٢٤٥ الحلقة (١٤٥) قصة باكستان ... ٢٦١

стр. 1971

الحلقة (١٤٦) دهلي: الفردوس الإسلامي المفقود ... ٢٧٥ الحلقة (١٤٧) حديث يوم الجلاء عن سوريا ... ٢٨٧ الحلقة (١٤٨) دفاع عن الفضيلة (١) ... ٣٠١ الحلقة (١٤٩) دفاع عن الفضيلة (٢) ... ٣١٥ الحلقة (١٥٠) لمحات من أسلوب الاستعمار ... ٣٣١ الحلقة (١٥١) إفساد التعليم والأخلاق ... على الطريقة الفرنسية ... ٣٤٥ الحلقة (١٥٢) معركة دروس الديانة في مدارس الشام ... ٣٥٧ الحلقة (١٥٣) كيف استقبلت دمشق جمال عبد الناصر؟ ... ٣٦٧ الحلقة (١٥٤) علماء الشام مع كمال الدين حسين ... ٣٧٧ الحلقة (١٥٥) الخطبة التي هزّت دمشق ... ٣٩١

стр. 1972

من آثار المؤلف ١ ـ أبو بكر الصديق ... ١٩٣٥ ٢ ـ قصص من التاريخ ... ١٩٥٧ ٣ ـ رجال من التاريخ ... ١٩٥٨ ٤ ـ صور وخواطر ... ١٩٥٨ ٥ ـ قصص من الحياة ... ١٩٥٩ ٦ ـ في سبيل الإصلاح ... ١٩٥٩ ٧ ـ دمشق ... ١٩٥٩ ٨ ـ أخبار عمر ... ١٩٥٩ ٩ ـ مقالات في كلمات ... ١٩٥٩ ١٠ـ من نفحات الحرم ... ١٩٦٠ ١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ... ١٩٦٠ ١٢ـ هتاف المجد ... ١٩٦٠ ١٣ـ من حديث النفس ... ١٩٦٠ ١٤ـ الجامع الأموي ... ١٩٦٠ ١٥ـ في أندونيسيا ... ١٩٦٠ ١٦ـ فصول إسلامية ... ١٩٦٠ ١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ... ١٩٦٠ ١٨ـ فِكَر ومباحث ... ١٩٦٠

стр. 1973

١٩ـ مع الناس ... ١٩٦٠ ٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ... ١٩٦٠ ٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ... ١٩٦٠ ٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ... ١٩٧٠ ٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ... ١٩٨٥ ٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ... ١٩٨٥ـ ١٩٨٩ ٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ... ٢٠٠٠ ٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ... ٢٠٠١ ٢٧ـ فصول اجتماعية ... ٢٠٠٢ ٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ... ٢٠٠٢ ٢٩ـ نور وهداية ... ٢٠٠٦ * * *

стр. 1974

ذكريات علي الطنطاوي الجزء السادس طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزريع

стр. 1975

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الخامسة ٢٠٠٦ دار المنارة للنشر والتوزريع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 1976

-١٥٦ - كيف قابلت عبد الحميد السراج بعد الخطبة التي هزّت دمشق لست أستطيع أن أحصي الخطب التي ألقيتها، بل لقد نسيت أكثرها فلا أذكر موضوعاتها ولا زمانها ولا مكانها ولا أذكر ما قلت فيها، ولكن هذه الخطبة بقيَت لأني كتبتها وقرأتها مكتوبة من الورق، لم أرتجلها ارتجالاً كما أصنع دائماً. ثم إنها قريبة العهد ما مرّ عليها ربع قرن، وإنها كانت عميقة الأثر ظاهرة النتائج، وإنها لم تُنشَر من قبلُ في صحيفة ولا مجلّة ولا كتاب، لذلك أستأذنكم أن أتمها في هذه الحلقة، أمشي من حيث وقفت في التي قبلها، فمن اهتمّ بها فليضمّها إليها. * * * هل يجرؤ عاقل واحد في الدنيا أن يقول بأن الشابّ لا يفكّر وهو ينظر إلى البنت ترقص أمامه تفكيراً جنسياً، وأنها هي لا تفكّر فيه تفكيراً جنسياً، وأنه لا يتخيلها في أحلامه بعد الحفلة، وأنه لا يسعى إلى الاتصال بها ولا تحنّ هي إلى الاتصال به؟ والمعلّم، المعلّم الشابّ الأجنبي الذي يعلّمها تحريك

стр. 1977

الساق وهزّ الوسط وتكسير الأجفان، ويلقّنها الغنج والدلال وتلك الأحوال، التي هي عماد الرقص وهي شروطه وأركانه ... هذا المعلم لا يفكّر فيها هو الآخر ولا تفكّر هي فيه، ولا يكون اجتماعها به إلاّ نظيفاً شريفاً عفيفاً خالياً من كلّ خطر، كاجتماعها بأبيها وأمها وأخيها وعمّها؟ هذا مع العلم بأن ذلك كلّه حرام. حرام ولو لم يكن فيه خطر ولو لم ينشأ عنه ضرر، حرام حرام. ومن قال إنه حلال كفر وخرج من دين الإسلام، ومن سكت عنه وهو يقدر على إنكاره كان شيطاناً أخرس، ومن حبّذه ودعا إليه كان شيطاناً ناطقاً. وإذا لم يُنكِره أحد في الأمّة صرنا كبني إسرائيل، الأمّة التي لُعنت على لسان داود وعيسى بن مريم. فأنا أُنكِره بقلمي ولساني لأني لا أملك إلاّ قلمي ولساني، أنكره لأدفع عني وعنكم لعنة الله. وأنا أسأل: ماذا يريد هؤلاء من تعليم الطالبات الرقص بدلاً من تعليمهنّ العلم والخلق؟ إن تسعمئة وتسعة وتسعين من كل ألف من أهل هذا الإقليم (سوريا) لا يرون في الرقص إلاّ شيئاً حقيراً ساقطاً ويُؤثرون الموت لبناتهم عن أن ينشأن رقّاصات، ويلعنون الأدب والفنّ إن كان في الأدب أو في الفنّ ضياع ذرّة واحدة من أعراض بناتهنّ. فلا تهولوا علينا باسم الأدب والفنّ ولا باسم الرياضة التي تقوّي الجسد، فلا خير في قوّة الجسد إن لم يكن معها قوّة الدين وقوّة الخلق، ولا بالمقاومة الشعبية لأن الحرب صناعة الرجال، فما لنا نحمّل النساء البندقيات والشباب يملؤون المقاهي والسينمات؟

стр. 1978

إننا لا نقبل تكشّف البنات واختلاطهن بالرجال واختلاط الرجل بهن أبداً، مهما كان السبب الذي يتذرّع به هؤلاء. هذه هي أعرافنا، وهذه هي أحكام ديننا، وهذه هي سلائق عروبتنا. إن الكثرة من أهل هذا الإقليم من المسلمين الذين يحرّم عليهم دينهم كشف شيء من جسد المرأة للأجنبي. وليس الأجنبي الإنكليزي والأميركي والروسي فقط، بل الأجنبي في نظر الشرع كلّ من لم يكن مَحْرَماً للمرأة؛ فابن عمّها أجنبي عنها، وابن خالها، وابن خالتها، وزوج أختها، فضلاً عمّن لم يكن قريباً لها. والذين يدينون بالنصرانية من أهل هذا الإقليم تحرّم عليهم نصرانيتُهم التبرّجَ والتكشّف والاختلاط كما يحرّمه على المسلم إسلامُه. وكلّهم عرب، وأظهر سمات العروبة الغيرةُ على الأعراض والإغراق في صيانة النساء، وليس في الدنيا عربي لا يغار على حُرَمه ولا يصون عرضه وشرفه. فمَن هو الذي وضع هذه الخطّة؟ هذه الخطّة التي كانت خفيّة ولكنها ظهرت الآن واضحة بيّنة. لقد زرنا (ونحن خمسون عالماً من علماء سوريا) الوزير كمال الدين حسين وكلّمناه بصراحة وكلمَنا بصراحة، وخرجنا مقتنعين بأنه لا يريد هذا ولا يعمل له. ولقد زرت الرئيس عبد الناصر قبل الوحدة، وكنت أنا والأمير سعيد الجزائري المندوبَين السوريَين في الوفد العربي المشترك (السوري العراقي اللبناني) لنصرة الجزائر، وجلسنا معه في بيته ساعتين وحادثناه من قرب، فلم يقُل لنا إنه وضع هذه الخطّة أو إنه يريدها. وجالست الرئيس السرّاج طويلاً وحادثته على انفراد

стр. 1979

لما كان وزيراً للأوقاف، فلم أحسّ منه أنه وضع هذه الخطّة أو أنه يريدها. وأنتم تعرفون أني لا أتزلّف إلى أحد، ولا أقول هذا الكلام الآن ليصل إليهما لأستغلّه في جلب منفعة لنفسي منهما أو دفع مضرّة عنها، ولكن أقول الحقّ. وليس معنى كلامي هذا أنهما وليّان من أولياء الله ولا أنهما الحسن البصري وسفيان الثوري، ولكن معناه أننا لم نشعر أن الرجلين خصمان للفضيلة ولا للأخلاق. فمن هو إذن الذي وضع هذه الخطّة الشيطانية لإفساد أخلاق الشباب والشابّات؟ وضعها هؤلاء الذين تربّوا في باريس فانطلقوا فيها وراء لذّاتهم انطلاق العطشان الهَيْمان إن رأى الماء، فلما تركوها حنّوا إليها وأرادوا أن ترجع لهم أيامها، وجئنا نحن فسلّمناهم أمر أبنائنا وبناتنا فأرادوا أن يجعلوا دمشق مثل باريس. ونسوا أن هذه الأخلاق هي التي أوْهَت قُوى فرنسا ونخرَت في عظمها نخر السوء فجعلَتها لا تقف أمام جيوش هتلر إلاّ أياماً معدودات. المسؤول هؤلاء الذين يعملون من وراء الستار. ولكنّ هناك مسؤولاً آخر، هناك من هو مسؤول قبل هؤلاء كلهم، وهذا المسؤول هو الأب. إنهم ما أخذوا بنتاً لترقص إلاّ بموافقة من أبيها، وإنهم ينتقون كل بنت جميلة ليعملوها راقصة في المسارح المدرسية أولاً ثم في غيرها بموافقة من أبيها. والذي نعرفه نحن أن الأب العربي المسلم يطير عقله إن رأى بنته تكلّم شاباً أجنبياً أو تمشي معه، فإن رآها كشفَت أمامه عن ساقها أو هزّت له رجلها

стр. 1980

أراق دمها. فما الذي جرى حتى صار الأب يحضر الحفلة التي ترقص فيها بنته كاشفة الفخذين، ويصفّق مع المصفّقين؟ أنا أفهم الدافع الذي يدفع المفسدين إلى الإفساد؛ إنه الشهوة المتسعّرة بين ضلوعهم. إن أعظم فرقة راقصة تكون في أكبر ملهى لا توجد فيها إلاّ راقصتان أو ثلاث من الشابّات الصغيرات، يدخل الناس إليه ويدفعون الأجر الكبير من أجل رؤيتهن. وهذه بطاقة فيها برنامج الملهى الذي ترقص فيه النساء في دمشق استطعت أن أبعث من يأتي به. إن في برنامج الملهى أربع رقصات، وفي بطاقات الحفلات المدرسية في الثانوية الرسمية تسع رقصات، تقوم بها مئة أو مئتان من العذارى الفاتنات من بناتنا بنات ستّ عشرة وسبع عشرة! فما هذه البدعة التي ابتُدعت في هذه الأيام؟ كيف تريدون منهم أن يتركوا هذه المتعة النادرة بعدما وصلوا إليها؟ إذا طالبناهم في دمشق الشام، المدينة العربية المسلمة، بزيادة ساعات الدين في المدارس، قالوا: من أين نأتي بالوقت؟ إن الوقت الذي كان ينبغي أن يُخصَّص لدروس الدين أخذَته الاستعدادات للرقص! إن في كل مدرسة مخبراً للعلوم وملعباً وغرفة للموسيقى وغرفة للرسم، مع أن تصوير ما له روح حرام ومع أن بعض الموسيقى ممّا لا يجوز. ولكن ليس في المدرسة غرفة للصلاة! وقد كنا في المدرسة الثانوية (مكتب عنبر) نصلّي الظهر جميعاً ويصلّي معنا كثير من المدرسين، وكانت صلاة الظهر من جملة أعمال المدرسة وكان الطلاّب مجبَرين عليها، وكان للمدرسة إمام رسمي هو الشيخ أحمد زروق رحمة الله عليه.

стр. 1981

فألغينا الصلاة ووضعنا محلّها الرقص! بدأنا برقص السماح، على من أحياه ونقله من المشايخ الكبار إلى الفتيات الصغار، عليه من الله ما يستحقّ. ثم جزنا بأنواع من الرقص لا أحفظ أسماءها، ثم وصلنا إلى رقص الباليه. ولقد سمعت اليوم خبراً لم أتحقّقه أن مدارس البنات أُبلغت من المرجع الرسمي لزوم تعليم الطالبات رقص الباليه! هل تعرفون ما هو؟ هو الذي تدع البنت فيه ثيابها المعتادة وتلبس شيئاً كالمطاط يستر جسدها ولكنه يجسّده، فكأنها كاسية عارية، ثم تقفز على رؤوس أصابعها. إنها خطّة شيطانية، كلما رضيتم حلقة منها وسكتّم عليها جاءتكم حلقة أخرى ... (وسكتّ هنا سكتة طويلة ثم قلت): لم يبقَ إلاّ أن تُنكَح بناتكم أمام أعينكم! * * * إن في المملكة الآن من الذين حضروا هذه الخطبة وسمعوها عدداً كبيراً، فاسألوهم ماذا صنعَت بهم؟ نحن قوم لا يكاد يهزّنا شيء ولا يحرّكنا شيء كالعِرض وما يمسّ العِرض. هل تريدون أن أحلف لكم أني لما وصلت في الخطبة إلى هذه الجملة كانت قلوب الحاضرين كلها في يدي؛ فلو دعوتهم إلى الهجوم على الموت لهجموا، ولو اعترضَتهم النار لخاضوا لهب النار، أو شفرات السيوف لمشوا على شفرات السيوف. لا لبلاغة كلامي، بل لأن في نفوسهم من الغيرة على الأعراض ما فيها، الغيرة التي كانوا في غفلة عنها فنبّهتهم إليها، وكأنهم قد

стр. 1982

نسوا ما كان فذكّرتهم بما كان. إني لو دعوتهم في تلك اللحظة إلى الثورة لثاروا، ولكني لم أكن يوماً ممّن يدفع إلى الثورة التي تراق فيها الدماء وتُزهق الأرواح، ولا ممّن يريد الفساد في الأرض وقطع حبال الأمن. أنا أدعو إلى الله على بيّنة، بالحكمة والموعظة الحسنة. فإذا جاء الجهاد الذي أمر به الله لإعلاء كلمة الله جاهدنا الكفار والمنافقين وأغلظنا عليهم، ولم ندّخر وسعاً ولم نقبل إلاّ بإحدى الحسنيَين: الظفر أو الشهادة. أمّا النفخ في نار الثورة وأن تكون البلد فوضى وأن يُقتل الأبرياء، فما كنت في يوم من الأيام مَن يصنع هذا أو يدعو إليه. لذلك أضعفت من درجة حرارة الخطبة وحوّلت الموضوع قليلاً من هذه الوجهة، وبرّدت النفوس التي أوقدت فيها هذه النار وقلت: أمّا الثمرات السامّة لهذه الزّرعة فقد ظهرت بواكيرها في العلم، وستظهر قريباً في الأخلاق. لقد كان من ثمراتها في العلم أن انصرف الطلاّب والطالبات عن الدرس. ومتى يدرسون؟ وفي النهار الغناء والرقص، وفي الليل هذا الرائي الذي جاءنا ولم نكن نعرفه من قبل (التلفزيون)! فهبط مستوى المناهج، فما كنا نقرؤه في السنة الأولى المتوسّطة لمّا كنا تلاميذ في الثانوية في أوائل العشرينيات من هذا القرن صار يُقرأ الآن في أواخر الدراسة الثانوية، وجاء خبراء التعليم بأمر ما سمعنا به من قبل، هو أن التلميذ الابتدائي لا يسقط

стр. 1983

في صفه، بل ينجح من صفّ إلى صفّ (أي من سنة إلى سنة) نجاحاً تلقائياً، قرأ أم لم يقرأ! واخترعوا في العربية نحواً جديداً غير النحو الذي كنا نقرؤه، فنشأ الطلاّب على جهل بالعربية. أمّا الدين فقد نزلوا به أوّلاً فسمّوه تربية دينية، وجعلوه كالتربية البدنية والتربية الفنية ولم يعطوه إلاّ ساعة في الأسبوع، ولمّا ناضلنا وطالبنا منّوا علينا بساعة أخرى. (والخطبة كما قلت لكم طويلة، لذلك أجتزئ منها بخاتمتها): إننا نراجع الحكام ونُلِحّ عليهم، لأن إبطال المنكَرات من عمل الحاكمين. نراجع الحكام ليمنعوا اللصّ من أن يسرق منّا عِرضنا وشرفنا. ولكن علينا قبل مراجعة الحكام ليمنعوا اللصّ عنّا أن نغلق نحن أبوابنا وأن نحمي متاعنا حتى لا يدخل اللصّ علينا، والعوامّ يقولون «المال السائب يعلّم الناس السرقة». مراجعة الحكام واجبة، ولكنها ليست هي العلاج الشافي ولا الحلّ الأخير، لأن الأمر بأيديكم أنتم، بأيدي الآباء، فإذا أصلح الآباء أنفسهم وعادوا إلى ربهم ووقفوا عند حدود دينهم، وربّوا أولادهم وبناتهم على خوف الله وعلى طاعته، صلحت الأمّة وزالت المفاسد. لذلك نفتتح اليوم هذا الموسم ونبدأ هذه المحاضرات. إننا نريد تعليم المسلمين أمور دينهم وتلقينهم خوف ربهم ... (إلى آخر ما جاء في الخطبة). * * *

стр. 1984

لقد كان أثر هذه الخطبة في الناس أضعافَ ما كُنّا نقدّر لها؛ لقد أشعلَت الحماسة في نفوس الذين استمعوا إليها، ونقلوا ما أحسّوا به إلى غيرهم، فما كان الغد حتى كانت حديث الناس في بيوتهم وفي مجالسهم، ولم يبقَ بعدها إلاّ أن ندعو إلى عمل لا نرغب فيه ولا نأمن عواقبه. فاجتمعنا، ورأيت بعض المشايخ كأنهم قد عتبوا عليّ وغضبوا لأنني لم أخبرهم بهذا الذي نويت أن أقوله ونفّذته وهم لا يدرون به. وكان الاتفاق على أن ألقي محاضرة من جنس ما كنت أقول في برنامج «نور من القرآن» في عشيّات أيام رمضان. لقد كان فيها تنبيه وكان فيها تحذير، وكان فيها بيان للحقّ وكان فيها إنكار للمنكَر، ولكن بأسلوب هادئ، فجئت الآن أصنع ذلك بهذا الأسلوب الثائر المثير. ورأيت أن من الحكمة أن نهدّئ بعض ما أثرنا، فلجأت إلى العالم الجليل صديقنا الشيخ محمد أبي زهرة رحمة الله عليه، وكان في الشام، فرجوته أن يُلقي هو المحاضرة المقبلة، لأننا وعدنا الناس أن يكون هذا الاجتماع أسبوعياً يتنقّل من مسجد إلى مسجد من مساجد دمشق الكبار. فقبل الرجل جزاه الله خيراً، على أن تكون محاضرة فيها بيان للحقّ وفيها هدوء، وأن تكون بعيدة عن الإثارة وأن تكون خفيفة الحرارة. وفي حيّ من الأحياء الشعبية القديمة التي كانت في طرف دمشق يُدعى حيّ العقيبة (وكان من قبل ضاحية من ضواحي الشام تُسمّى منزل الأوزاع، وإليها يُنسَب الإمام الأوزاعي)، ذهب مع طائفة من الشباب إلى الاجتماع فوجد -كما خبّرني هو من بعد- حشداً لم يرَ مثله ولم يكن يظنّ (وهذه عبارته) أنه يمكن أن يرى

стр. 1985

مثله؛ فالمسجد بصحنه وحرمه والطرق المؤدّية إليه والسقوف المشرفة عليه والساحات القريبة منه، كلها مزدحمة بالناس ليس فيها موطئ قدم لماشٍ ولا مكان يقعد فيه قاعد، وقد مُدّت إليها الأسلاك ونُصبت فيها مكبّرات الصوت ووُضعت فيها المصابيح في الأمكنة التي لا تكفي فيها أضواء الشوارع. وخبّرني ﵀ أنه كان يريدها محاضرة علمية هادئة، ولكن هذا الجوّ الحماسي أعداه وهزّه وأثاره، فكانت الخطبة على غير ما كان يقدّر، تحمّس فيها وحمّس، وإن لم يبلغ في ذلك مبلغ ما كنت فيه في الخطبة الأولى. وكانت عيون الحاكمين منبثَّة بين الناس، وكان المُخبرون بالمئات مختلطين بالحاضرين، فلما رأوا أن ما صنعوه لم يُغنِ عنهم شيئاً قطعوا التيار الكهربائي في وسط الخطبة عن الحيّ كلّه، فَخَفَتَ صوت الخطيب وعمّت الظلمةُ المسجدَ وما حوله. ولكن المفاجأة -كما خبّرني الشيخ ﵀ أنها لم تمضِ دقيقتان حتى عادت الأنوار كما هي ورجعت الأصوات عالية مجلجلة؛ ذلك أن القوم (ولست أعرف من هم، ولكن الله يعرفهم) قد أعدّوا لكلّ مفاجأة متوقَّعة عدّتها وهيّؤوا محرّكات لوصل ما يمكن أن ينقطع من التيار، ونجحَت خطتهم نجاحاً عجيباً. وكان الأسبوع الثالث في المسجد المعروف باسم جامع زيد ابن ثابت، وهو في الطرف الثاني من أطراف دمشق. وكان مدرسة شرعية يقوم عليها شيخ من أتقى الشيوخ العاملين لله، الذين تجرّدوا من حبّ الدنيا ومن الرغبة في الجاه، وأخلصوا في دينهم وابتغوا

стр. 1986

ثواب ربهم لا يبتغون غيره، هو الشيخ عبد الكريم الرفاعي. وذهبت إلى هذا الاجتماع وصعدت المنبر، فقلت كلاماً لم أكتبه كما كتبت الخطبة الأولى بل انطلقت فيه -على عادتي- أرتجل الكلام ارتجالاً، ولكنني أذكر معاني ما قلت وإن لم أحفظ ألفاظه. قلت: إن الناس يتساءلون: ما الذي دفع المشايخ إلى إقامة هذا الأسبوع؟ ماذا يريد المشايخ؟ هل يريد المشايخ أن يستلموا الحكم؟ هل يريد المشايخ أن يُحدِثوا في البلد ثورة؟ وأنا أؤكّد لكم أنه ما دفع المشايخَ إلى ما صنعوا أحدٌ، ولا يريدون سياسة ولا رياسة، وما دفعهم إلى ما عملوا رغبةٌ في منصب ولا في مال، إنما دفعَتهم إلى ذلك غيرتهم على دينهم والعهدُ الذي أخذه الله على أهل العلم أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه. لا يريد المشايخ منكم شيئاً. إنما يريدون أن يحموكم من عذاب ربكم، إنما يريدون أن تسلم لكم آخرتكم، إنما يريدون طهارة أبنائكم وبناتكم. وطريقُهم له بداية وله نهاية، فبدايته الإخلاص ونهايته إطاعة الله وإعزاز دينه ونشر علومه وتعريف الناس به. وكل من مشى على هذا الطريق فهو منّا وهو معنا، ونحن مع كل عامل مخلص للإسلام. ولقد أدركت عهداً كان العلماء فيه هم قادة الشعب وهم مرجعه في أمور دينه وفي أمور دنياه، إن تردّد الناس بين أمرَين رجعوا إلى العالِم فأرشدهم إلى أرضى الأمرَين لله وأقربهما إلى رضاه. وإذا اختلف اثنان كان الحَكَم بينهما العالِم، وإن دهم

стр. 1987

الناس أمر كان الفزع فيه إلى العالم. ولقد سمعتم مني في خطبة الاستسقاء من الإذاعة كيف كان الناس لما انقطع المطر واستمرّ الجفاف واحترق النبات يرجعون إلى الإمام النووي في دار الحديث، فيدعو العلماء ويبيّن للناس ما ينبغي أن يصنعوا (وسأحدث إن شاء الله حديث صلاة الاستسقاء التي دعوت إليها أيام الوحدة بعد انقطاع المطر ثلاث سنين، وكيف تجلّى الله برحمته فأمطرت السماء). * * * لقد اهتمّت الحكومة ورجالها بهذا الموسم وما أُلقِيَ فيه من خطب، ولكن لم يَدْعُني أحدٌ منهم ولم يسألني سائل ماذا صنعت. وكان السرّاج يومئذ رئيس الحكومة، حكومة الإقليم الشمالي، أي سوريا أيام الوحدة. فكان يأتيني من يحثّني على لقائه فأقول: إن دعاني أجبته، وإن لم يدعُني فلا حاجة لي بلقائه. حتى اقتنعت يوماً بأن لقاءه ينفع المسلمين. وكان الوسيط بيني وبينه مدير دائرة الإفتاء الشيخ فخر الدين الحسني، ولا يزال حياً فاسألوه. فرجوته أن يطلب لي موعداً من السراج. وكان طلب الموعد يتأخّر جوابه أسبوعاً أو أكثر من ذلك، فلما طلبت الموعد في صلاة الظهر رجع إليّ بالجواب بالموافقة على أن ألقاه في منتصف الساعة الثانية (أي الواحدة والنصف). فذهبت إليه مع الشيخ فخري، وقلت له: إن لي حاجة أعرضها قبل أن أبدأ الحديث، هي أنني اشتغلت في عمري

стр. 1988

بمهنتين: مهنة التعليم ومهنة القضاء، وكلا المهنتين بعيد عن أساليب السياسة وعن طرائق الدبلوماسيين، فطلبي أن تسمح لي أن أتكلم على سجيّتي وأن أقول ما في نفسي، ولك عليّ عهد الله الذي هو المطّلع على قلبي على ألاّ أقول لك إلاّ الحقّ. قال: تفضّل. وتكلّمت، وقلت له أكثر ممّا قلت في الخطبة على المنبر، بيّنت له ما يصنع موظفو وزارة المعارف بالطلاّب والطالبات، وشرحت له ما نراه من الانحرافات، ونصحت له كما أمر الرسول ‘ طلبةَ العلم أن ينصحوا للحاكمين كما ينصحون لعامة المسلمين ... وهو ساكت لا يتكلّم ولا يبدو على وجهه رضا ولا سخط ولا استزادة من كلامي ولا ملل منه. حتى انقضت ثلاثة أرباع الساعة، وأنا أتكلّم وأنظر إلى الساعة في يدي. ولم يبقَ عندي ما أقول فسكتّ، وبقي ساكتاً، فقلت له: هل تأذن لنا بالانصراف؟ فوقف يودّعنا، وكأنه همّ بأن يمشي معنا فعزمت عليه أن يبقى في مكانه، وما كنت أدري هل كان سيمشي معنا يودّعنا حقيقة أم قد أوهمَنا بذلك؟ فلما خرجت قلت للشيخ فخري (وهو كما قلت لكم حيّ فاسألوه): هل تراه غضب من كلامي؟ قال: لا أدري. قلت هل تراه وافق عليه وسُرّ به؟ قال: لا أدري؟ ولم يقُل خلال الجلسة كلها إلاّ جملتين؛ جملة قال فيها إنه كان يستمع أيام رمضان كلها إلى أحاديثي «نور من القرآن»، وكان ينتبه إلى كل ما يجيء فيها ولكنه يسكت عنه لاعتقاده حسن نيّتي. والجملة الثانية كانت عتاباً على كلمة صدرَت مني لما خطبت في

стр. 1989

مسجد زيد بن ثابت إذ قلت: هذا منبر رسول الله ﵊، وحين أقوم عليه تكون قدمي أرفع من أعلى الرؤوس. وكرّر كلمة «أعلى الرؤوس»، فتغابيت وقلت له: الناس في المسجد يقعدون على الأرض وأعلى رأس يرتفع عنها سبعين معشاراً (سنتيمتراً)، والمنبر علوّه ثلاثة أمتار. فنظر إليّ نظرة من يقول إنه فهمها ولم يصدّقها، ولكنه سكت عنها، ولاحت على شفتيه شبه ابتسامة. * * *

стр. 1990

-١٥٧ - صلاة الاستسقاء المشهودة في الشام يوم الجمعة ٨ جمادى الأولى ١٣٨٠ كنت في شتاء ١٩٥٩من عهد الوحدة أشتغل بنشر سلسلة «أعلام التاريخ» التي تكلّمت فيها عن رجال، منهم من عرف الناس سيرته مُجمَلة ففصّلتها كعبد الرحمن بن عوف، ومن سمع الناس باسمه ولم يعرفه أكثرهم كالقاضي شُرَيك صاحب المناقب التي قلّما حوى تاريخ قضاء أمّة مثلها، وعبد الله بن المبارك المليونير الزاهد والفقيه المحارب العابد. ومنهم من لم يسمع به في بلدنا إلاّ نفر قليل كأحمد بن عرفان، الذي كان عالماً عابداً وكان زعيماً مجاهداً، والذي نازل في الهند الإنكليز والسيخ معاً وأقام دولة تحكم بالإسلام عجز العدو عنها، فقضى عليها الجَهَلة من المسلمين العوامّ. ومنهم الرجل الذي أرجو أن يقرأ سيرته كل عالِم وطالب علم، الذي أخلص حياته للعلم وفرغ من شهوتَي بطنه وفَرجه وبلغ أرفع منصب علمي على أيامه، وهو أنه صار مدير الجامعة الكبرى، أي شيخ دار الحديث الأشرفية، التي كان من أوائل

стр. 1991

شيوخها ابن الصلاح وأبو شامة ومن أواخرهم الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ عبد الحكيم الأفغاني. وهو صاحب «المجموع»، أكبر مرجع في فقه الشافعية. أما عرفتموه؟ إنه النووي. وما كنت أكتب عنهم مكدّساً الروايات التاريخية بعضها فوق بعض، كجدار فيه الحجارة الكبار لكن بلا مِلاط يمسكها ولا هندسة تنظمها. بل كنت في تأليف هذه السلسلة أمشي على طريقتي في كتابي «رجال من التاريخ»: أجمع أقوال المؤرّخين ثم أحقّقها، ثم أختار مشهداً من حياته أجعله مدخلاً إلى الكتابة عنه، فيكون ما أكتبه عنه وسطاً بين القصّة الأدبية والسيرة التاريخية (١). * * * وهذه المقدّمة كلها لأقول لكم إن المطر انقطع على عهد الإمام النووي سنين طوالاً، شحّت فيها العيون وأمحَلَت فيها الأرض وتوالت سنوات الجدب، حتى صارت السهول صحارى

стр. 1992

وجفّ الضرع وهلكَت المواشي. فدعا إلى إحياء سنّة الاستسقاء، وكتب إلى الملك الظاهر، الرجل العظيم الذي طهّر بلاد الشام من الأعداء الثلاثة الكبار: المغول والصليبيين والبيزنطيين وأعاد الوحدة بين مصر والشام. وخرج الناس للاستسقاء في يوم ١١ جمادى الأولى سنة ٦٦٨ هجرية، ومنّ الله على الناس بالمطر. وكان المطر قد انقطع في الشام أيام الوحدة سنين متعاقبات كانت حالنا فيها كحال الشام التي ذكرتها على عهد الإمام النووي، حتى إن عين الفيجة التي كانت تسقي دمشق كلها وكان منها ثلثا ماء بردى قد قلّ ماؤها وكاد يغور. ونظرتُ فوجدت سنّة الخروج للاستسقاء قد نُسِيَت في الشام من مئة سنة أو أكثر من مئة سنة. وكان لي حديث أسبوعي في الإذاعة يُذاع بعد صلاة الجمعة، في مثل الوقت الذي تسمعون فيه الآن من الرائي هنا حديث «نور وهداية»، وقد استمرّ ذلك البرنامج في الإذاعة كما استمرّ برنامج «نور وهداية» حتى كاد يُنهي سَنَتَه التاسعة عشرة. وكنت يومئذ أكتب أحاديثي، لا أرتجلها ارتجالاً كما أصنع الآن. وليتني بقيت على ما كنت عليه، فلقد أضعت على الناس بترك كتابتها نفعاً كبيراً كما أضعت على نفسي جهداً أكبر. والناس يرونني أجيب بلا إعداد فيحسبون أن أجوبتي الآن في الإذاعة والرائي كلها ارتجال، مع أنني أنفق في بعضها ساعات طوالاً أراجع فيها المسألة وأُعِدّ فيه الجواب. فلما كان يوم الجمعة من شهر كانون الأول (ديسمبر) سنة ١٩٥٩ قلت في حديث:

стр. 1993

نحن الآن -أيها السامعون- في وسط كانون، وهذه هي السماء مُصحية زرقاء ما فيها بقعة سحاب، وهذه هي الشمس ساطعة كأنها شمس آب (أغسطس). فأين الشتاء؟ أين الثلج والمطر؟ لقد تعاقبَت علينا سنون تكاد تكون كسِنِي يوسف، وذلك نذير من الله لنا لنعود إلى ربنا ونُقلِع عن ذنوبنا، ولكن أين مَن يسمع النّذُر؟ إن مفتاح المطر في أيدينا، ولكن أين من يفكّر في مفاتيح المطر؟ إن مفتاح المطر يا أيها الناس هو التوبة والاستغفار: ﴿اسْتغفروا ربَّكم إنّهُ كانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السّماءَ عليكم مِدْرَاراً، ويُمْدِدْكُم بأموالٍ وبَنينَ، ويَجْعَلْ لكُمْ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لكم أنْهَاراً﴾. كُلّ ذلك بالاستغفار: بالاستغفار تهطل الأمطار، وبالاستغفار تجري الأنهار، وبالاستغفار يكون المال والبنون. هكذا يقول ربّكم ربّ العالَمين، ليس هذا قولي أنا. وليس الاستغفار باللسان وحده، ولكن بالإقلاع عن المعاصي وترك الذنوب. فهل أقلعنا عن ذنوبنا؟ هل تمسّكنا بديننا؟ هل عدنا إلى ربنا؟ هل نحن مؤمنون حقاً؟ يا أيها الناس، امتحنوا إيمانكم وحاسبوا أنفسكم. وصفَ الله المؤمنين بأنهم: ﴿الذينَ يُؤمِنُونَ بالغيبِ ويُقيمونَ الصّلاةَ وممّا رزَقنَاهم يُنفِقُونَ﴾، وقال: ﴿إنّما المُؤمنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلوبُهُم وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُهُ زادَتْهُم إيماناً، وعلى ربِّهم يَتَوكّلونَ﴾. فهل نحن من الموصوفين بصفات المؤمنين؟ (إلى أن قلت): أوَلم يبيّن الرسول ‘ أن كل واحد منّا راعٍ

стр. 1994

ومسؤول عن رعيّته؟ وأن الأب راع لأولاده مسؤول عن تربيتهم وتنشئتهم على الدين والفضيلة والأخلاق الإسلامية؟ فهل قام الآباء بواجب هذه الرعاية، أم أضاع الآباء سلطانهم وفقد الأزواج مكانهم، ولم يبقَ لربّ بيت سلطة على بيته ولا لرجل حكم على أهله ... (إلى أن قلت): ماذا أُعَدّد وماذا أقول؟ أين نحن من المسلمين الأوّلين الذين كانوا مسلمين حقاً يحكمون بما أنزل الله؟ فهل نحكم نحن بما أنزل الله؟ ويتّبعون شرع الله، فهل نتّبع نحن شرع الله؟ ويريدون بأعمالهم كلها وجه الله، فهل نريد نحن بأعمالنا وجه الله؟ يا أيها السامعون، ليس العجيب أن يمنع الله عنّا المطر، ولكن العجيب أن لا تنزل علينا الحجارة والصواعق! فيا أيها الناس، عودوا إلى الله واعتبروا. يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروا. ارجعوا إلى الله فاطلبوا منه المطر واسألوه الغيث، فإذا لم يبعث الله المطر فمَن غيرُ الله يأتيكم بالمطر؟ وإن حفرتم فلم تجدوا ماء ووجدتم ماء الأرض قد غار والعيون قد جفّت، فمَن غير الله يضع لكم الماء في الأرض؟ أإلهٌ مع الله تراجعونه؟ أفي الوجود مُلك غير مُلك الله تفرّون إليه، كما يفرّ اللاجئ السياسي من دولة إلى دولة؟ ﴿يا مَعشرَ الجنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطعتم أنْ تنفُذُوا منْ أقطارِ السّماواتِ والأرضِ فانفُذُوا﴾. وإلى أين؟ والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما كلّ ذلك له وحده لا شريك له. فلم يبقَ إلاّ الرجوع إليه واتّباع سنّة رسوله بالاستسقاء. إن المسلمين الأوّلين كانوا إذا انقطع المطر تابوا إلى الله من الذنوب،

стр. 1995

وأزالوا المنكَرات، وردّوا المظالم، وأدّوا الحقوق، وتصدّقوا بما استطاعوا، ثم يخرج أهل البلد جميعاً، حكامهم أمامهم، إلى البرّية متذلّلين خاشعين لله ناكسي رؤوسهم (وربما صاموا قبل ذلك ثلاثة أيام) وأخرجوا معهم صبيانهم وصلّوا صلاة الاستسقاء ودعوا واستغفروا وابتهلوا. قلّ المطر على عهد رسول الله ﷺ فأجدبَت الأرض وهلكَت المواشي، فخرج رسول الله ﵊ متبذّلاً (أي بثياب متواضعة) متضرّعاً خاشعاً حتى أتى المصلّى. وكان في كل بلد ساحة يجتمع فيها أهل البلد كلها لصلاة العيد، وكان في دمشق مصلّى كبير في ميدان الحصى، أي في موضع حيّ الميدان الآن. ولا يزال اسم الحيّ الذي يليه حيّ باب المُصلّى (في دمشق) معروفاً إلى الآن. أتى ﷺ المصلّى، فلم يزل في الدعاء والتضرّع والتكبير والاستغفار، ثم استقبل القبلة فاستسقى، فلم يرجع حتى أنشأ الله سحابة فرعدَت وأبرقَت ثم أمطرَت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول. وكانوا يُخرِجون الصالحين فيتوسّلون إلى الله بدعائهم، لا بأشخاصهم. لما خرج عمر يستسقي أخرج العباس وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيّك، وها نحن نتوسل إليك بعمّ نبيّك". ثم قدمه ليدعو لهم، فدعا العباس فقال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلاّ بذنب، ولا يُكشَف إلاّ بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيّك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة، فاسقِنا الغيث".

стр. 1996

يا أيها السامعون، إن دعوة واحدة تصدر عن قلب مخلص لله واثق من الإجابة قد يرفع الله بها هذا البلاء. لما كان القحط على عهد عمر وجّه رجلين من الأنصار معهما إبل كثيرة عليها الميرة والتمر، فدخلا اليمن فقسما ما كان معهما إلاّ فضلة بقيَت على جمل. قالا: فبينما نحن مارّان نريد الانصراف فإذا نحن برجل قائم قد التفّت ساقاه من الجوع يصلّي، فلما رآنا أسرع في صلاته ثم قال لنا: هل معكما شيء؟ فصببنا بين يديه وقلنا: هذه من عمر. قال: والله لئن وكَلَنا الله إلى عمر لنهلكنّ. ثم أعرض عنّا وترك ما قدّمنا إليه وعاد إلى صلاته، ومدّ يديه يدعو، فما ردّهما نحوه حتى أرسل الله السماء بالغيث. ولمّا أجدبَت السماء في الأندلس على عهد الخليفة الناصر أمر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن يخرج بالناس إلى الاستسقاء، فقال القاضي لغلامه قبل أن يخرج: اذهب فانظر ماذا يصنع أمير المؤمنين. فعاد فقال له: وجدته في ثياب رثّة، واضعاً جبهته على الأرض يبكي ويقول: اللهم إن كنتُ أذنبت فلا تُهلِك الناس بذنبي. فقال القاضي لغلامه: يا غلام، هات المِمْطر (أي الرداء المشمّع الذي يدفع المطر)، فإنه إذا خشع جبّار الأرض رحم جبّار السماء. وخرج فاستسقى فنزل المطر (١). فيا أيها السامعون، أحيوا سنّة نبيّكم في الاستسقاء، واجتلبوا الأمطار بالدعاء والاستغفار. إنها سنّة من سُنَن الإسلام ولكنها

стр. 1997

نُسِيَت في بلاد الشام، فما علمت أن أهل الشام خرجوا يستسقون من مئة سنة أو أكثر. فأحيوها، فإن من أحيا سنّة كان له أجرها وأجر من عمل بها. * * * ومرّ الشتاء كله ولم تنزل الأمطار. بل لقد تجرّأ واحد من الحكام يومئذ فقال في خطبة له ألقاها: "إننا سنتخذ من التكنولوجيا (١) وسائل جديدة تُغنينا عن استجداء السحاب وانتظار المطر". وكانت كلمة فاجرة من عبد ضعيف مدّعٍ، لا يستطيع إذا حبس الله الغيث أن يُنزِله ولا إذا غيّض الله العيون أن يُفيضها، ولا يملك لنفسه، فضلاً عن أن يملك لغيره، نفعاً ولا ضراً. واستمرّ الجدب والقحط، فقلت في حديثي الأسبوعي في الإذاعة يوم الجمعة الثلاثين من أيلول (سبتمبر) ١٩٦٠: بدأَت اليوم في التقويم أيام الشتاء، فإذا أردتم أن يكون شتاء خير، وأن تنفتح السماء بالمطر، وأن ينشقّ الثرى بالثمر، وأن يرحمكم مَن في السماء، فارحموا أنتم مَن في الأرض، أعطوا ممّا تملكون ليُعطيكم الله ما لا تملكون. وحثثت الناس على التوبة وعلى الرجوع إلى الله، ونصحت الحاكمين بالتمسك بشرع الله، وبيّنت أحكام الخروج للاستسقاء وما ينبغي أن يصنع الناس قبلها:

стр. 1998

أن ينظر كل واحد منهم في المعاصي التي يقيم عليها هو وأهله والمخالفات التي يعلمون أنهم يرتكبونها، فليتوبوا منها وليعزموا على عدم العودة إليها. ثم ليقُم خطباء المنابر يوم الجمعة الآتية فيحثّوا الناس على الخروج للاستسقاء، ويبيّنوا لهم أحكامه وآدابه وسنّة رسول الله ‘ فيه. فإذا كان يوم الثلاثاء الذي بعد الجمعة القادمة صاموه، وصاموا الأربعاء والخميس، ثم خرجوا يوم الجمعة في الساعة التاسعة إلى سفح جبل قاسيون في آخر خطّ المهاجرين، حيث تُصلّى صلاة العيد كلّ سنة، وقد أخلصوا النيّات لله، ولم يفكّروا في تجارة ولا لهو ولا سياسة ولا مصلحة من المصالح الدنيَوِية، لا يفكّرون إلاّ في التوجه إلى الله ودعائه دعاء المضطرّ، يقولون: يا ربّ، يدعونه وحده لا يُشرِكون معه أحداً، يقولون: اللهمّ اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ... (إلى أن قلت): فيا أيها السامعون من مسلمين ومن نصارى، ومن كلّ مَن يعتقد بأن لهذا الكون إلهاً منه المبتدأ وإليه المصير: إذا داهمتكم الشدائد وسُدّت في وجوهكم مسالك الأرض وأُغلقَت دونكم أبواب الفرج، وانقطع عنكم المطر من السماء وجفّت الينابيع في الأرض وغارت المياه من الآبار، فارفعوا أيديكم إلى السماء، فإن باب السماء لا يُغلِقه ربّكم أبداً، فاسألوه يعطِكم وادعوه يستجِب لكم. * * * واختلف الناس في كيفية صلاة الاستسقاء: هل تكون معها خطبة؟ وهل تكون الخطبة قبلها أم تكون بعدها؟ وهل يخرج النساء إليها أم يمتنع خروج النساء؟ وكل منهم يريد فتوى على

стр. 1999

مذهبه الذي يتبعه. وفوجئ الناس بهذه الدعوة إلى الخروج لأن هذه السنّة قد نُسِيَت في الشام وتُركت من عهد بعيد. وكان ممّن أبى الفكرة ولم يوافق عليها شيخنا المفتي العامّ الشيخ أبو اليسر عابدين، لا رداً للسنّة ولا جهلاً بأحكامها، فمنزلته في العلم وفي التقوى ترفعه عن أن يُظَنّ به هذا الظنّ، ولكن خاف (كما قال لي) أن نخرج فنستسقي فلا نُسقى، فيشمت بنا الأعداء وتنطلق للكلام عنّا ألسنة الملحدين وأعداء الدين. فأجبت على ذلك في الجمعة التي بعدها وقلت: إننا نخرج اتّباعاً للسنّة وندعو لأن الله أمر بالدعاء، فعلينا العمل وعلى الله الإجابة، وليس يضرّنا ألاّ يُستجاب لنا لأن لله حكمة هي أسمى من عقولنا. وذهبت فجئت بفتاوى من المفتين. وعندنا في الشام أربعة مفتين رسميين للمذاهب الأربعة: المفتي الأكبر هو مفتي الحنفية لأنه كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية التي استُحدث على عهدها -فيما أعلم أنا- منصب المفتي الرسمي، وهو الشيخ أبواليسر. ولم يكن من رأيه الخروج، فبيّنت للناس ما أعرف من كيفية الصلاة وأحكامها في المذهب الحنفي، وطلبت من مفتي المالكية، وكان السيد مكي الكتاني، فكتب لي بخطّه أحكامها في المذهب المالكي (وورقته أمامي الآن وأنا أُعِدّ هذه الحلقة). وكتب لي الفقيه الحنبلي الكبير الشيخ حسن الشطي، وهو أعلم من مفتي الحنابلة قريبه الشيخ جميل، أحكامَ الاستسقاء في مذهب الإمام أحمد، وكتب لي فقيه الشافعية في الشام الشيخ صالح

стр. 2000

العقّاد بخطّه (وما كتبه أمامي الآن) عن أحكامها في المذهب الشافعي. وكان عندنا جماعة من أهل الحديث لا يأخذون إلاّ ما صحّ منه، فطلبت من صديقنا الشيخ ناصر الألباني فكتب لي ما ورد من الأحاديث في أحكامها، وورقته بخطّه أمامي الآن. كان عندنا مفتون لجميع المذاهب تعيّنهم الحكومة وتختار المفتي في المذهب من أعلم الناس به، ثم تراخى الأمر وانقطع الحبل، وتولّى هذه المناصب الآن من ليس أهلاً لها، وإلى الله المشتكى. وجاءتنا مشكلة أخرى؛ قام جماعة من المشايخ الذين يميلون إلى الصوفية ومعهم أتباع لهم من الشباب يُنكِرون علينا أننا اخترنا سفح قاسيون لصلاة الاستسقاء، بدعوى أن هذا المكان يقيم فيه الوهابية صلاة العيد. وأنتم لا تدرون ما معنى التهمة بالوهابية في الشام في تلك الأيام! كانت الوهابية تهمة خطيرة يثيرون بها العوامّ. وطالما كتبت في «الرسالة» وفي صحف الشام من نحو نصف قرن أقول إنه ليس في الدنيا مذهب اسمه المذهب الوهابي وإن ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو الرجوع إلى الكتاب والسنّة، وإنه كان حنبلي المذهب لم يأتِ بجديد ولم يبتدع بدعة. ولكن المصيبة في إقناع العوامّ. ولَجّ هؤلاء في معارضتهم، فاجتمعنا في دار شيخنا الشيخ أبي الخير الميداني رئيس رابطة العلماء، وكان حاضراً هذه الجلسة جماعة منهم، وحضرها أخي الأستاذ الشيخ مصطفى
следующие страницы →