يا أيها السامعون، إن دعوة واحدة تصدر عن قلب مخلص لله واثق من الإجابة قد يرفع الله بها هذا البلاء. لما كان القحط على عهد عمر وجّه رجلين من الأنصار معهما إبل كثيرة عليها الميرة والتمر، فدخلا اليمن فقسما ما كان معهما إلاّ فضلة بقيَت على جمل. قالا: فبينما نحن مارّان نريد الانصراف فإذا نحن برجل قائم قد التفّت ساقاه من الجوع يصلّي، فلما رآنا أسرع في صلاته ثم قال لنا: هل معكما شيء؟ فصببنا بين يديه وقلنا: هذه من عمر. قال: والله لئن وكَلَنا الله إلى عمر لنهلكنّ. ثم أعرض عنّا وترك ما قدّمنا إليه وعاد إلى صلاته، ومدّ يديه يدعو، فما ردّهما نحوه حتى أرسل الله السماء بالغيث.
ولمّا أجدبَت السماء في الأندلس على عهد الخليفة الناصر أمر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن يخرج بالناس إلى الاستسقاء، فقال القاضي لغلامه قبل أن يخرج: اذهب فانظر ماذا يصنع أمير المؤمنين. فعاد فقال له: وجدته في ثياب رثّة، واضعاً جبهته على الأرض يبكي ويقول: اللهم إن كنتُ أذنبت فلا تُهلِك الناس بذنبي. فقال القاضي لغلامه: يا غلام، هات المِمْطر (أي الرداء المشمّع الذي يدفع المطر)، فإنه إذا خشع جبّار الأرض رحم جبّار السماء.
وخرج فاستسقى فنزل المطر (١).
فيا أيها السامعون، أحيوا سنّة نبيّكم في الاستسقاء، واجتلبوا الأمطار بالدعاء والاستغفار. إنها سنّة من سُنَن الإسلام ولكنها
стр. 1997
نُسِيَت في بلاد الشام، فما علمت أن أهل الشام خرجوا يستسقون من مئة سنة أو أكثر. فأحيوها، فإن من أحيا سنّة كان له أجرها وأجر من عمل بها.
* * *
ومرّ الشتاء كله ولم تنزل الأمطار. بل لقد تجرّأ واحد من الحكام يومئذ فقال في خطبة له ألقاها: "إننا سنتخذ من التكنولوجيا (١) وسائل جديدة تُغنينا عن استجداء السحاب وانتظار المطر". وكانت كلمة فاجرة من عبد ضعيف مدّعٍ، لا يستطيع إذا حبس الله الغيث أن يُنزِله ولا إذا غيّض الله العيون أن يُفيضها، ولا يملك لنفسه، فضلاً عن أن يملك لغيره، نفعاً ولا ضراً.
واستمرّ الجدب والقحط، فقلت في حديثي الأسبوعي في الإذاعة يوم الجمعة الثلاثين من أيلول (سبتمبر) ١٩٦٠: بدأَت اليوم في التقويم أيام الشتاء، فإذا أردتم أن يكون شتاء خير، وأن تنفتح السماء بالمطر، وأن ينشقّ الثرى بالثمر، وأن يرحمكم مَن في السماء، فارحموا أنتم مَن في الأرض، أعطوا ممّا تملكون ليُعطيكم الله ما لا تملكون.
وحثثت الناس على التوبة وعلى الرجوع إلى الله، ونصحت الحاكمين بالتمسك بشرع الله، وبيّنت أحكام الخروج للاستسقاء وما ينبغي أن يصنع الناس قبلها:
стр. 1998
أن ينظر كل واحد منهم في المعاصي التي يقيم عليها هو وأهله والمخالفات التي يعلمون أنهم يرتكبونها، فليتوبوا منها وليعزموا على عدم العودة إليها. ثم ليقُم خطباء المنابر يوم الجمعة الآتية فيحثّوا الناس على الخروج للاستسقاء، ويبيّنوا لهم أحكامه وآدابه وسنّة رسول الله ‘ فيه. فإذا كان يوم الثلاثاء الذي بعد الجمعة القادمة صاموه، وصاموا الأربعاء والخميس، ثم خرجوا يوم الجمعة في الساعة التاسعة إلى سفح جبل قاسيون في آخر خطّ المهاجرين، حيث تُصلّى صلاة العيد كلّ سنة، وقد أخلصوا النيّات لله، ولم يفكّروا في تجارة ولا لهو ولا سياسة ولا مصلحة من المصالح الدنيَوِية، لا يفكّرون إلاّ في التوجه إلى الله ودعائه دعاء المضطرّ، يقولون: يا ربّ، يدعونه وحده لا يُشرِكون معه أحداً، يقولون: اللهمّ اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ...
(إلى أن قلت): فيا أيها السامعون من مسلمين ومن نصارى، ومن كلّ مَن يعتقد بأن لهذا الكون إلهاً منه المبتدأ وإليه المصير: إذا داهمتكم الشدائد وسُدّت في وجوهكم مسالك الأرض وأُغلقَت دونكم أبواب الفرج، وانقطع عنكم المطر من السماء وجفّت الينابيع في الأرض وغارت المياه من الآبار، فارفعوا أيديكم إلى السماء، فإن باب السماء لا يُغلِقه ربّكم أبداً، فاسألوه يعطِكم وادعوه يستجِب لكم.
* * *
واختلف الناس في كيفية صلاة الاستسقاء: هل تكون معها خطبة؟ وهل تكون الخطبة قبلها أم تكون بعدها؟ وهل يخرج النساء إليها أم يمتنع خروج النساء؟ وكل منهم يريد فتوى على
стр. 1999
مذهبه الذي يتبعه.
وفوجئ الناس بهذه الدعوة إلى الخروج لأن هذه السنّة قد نُسِيَت في الشام وتُركت من عهد بعيد. وكان ممّن أبى الفكرة ولم يوافق عليها شيخنا المفتي العامّ الشيخ أبو اليسر عابدين، لا رداً للسنّة ولا جهلاً بأحكامها، فمنزلته في العلم وفي التقوى ترفعه عن أن يُظَنّ به هذا الظنّ، ولكن خاف (كما قال لي) أن نخرج فنستسقي فلا نُسقى، فيشمت بنا الأعداء وتنطلق للكلام عنّا ألسنة الملحدين وأعداء الدين.
فأجبت على ذلك في الجمعة التي بعدها وقلت: إننا نخرج اتّباعاً للسنّة وندعو لأن الله أمر بالدعاء، فعلينا العمل وعلى الله الإجابة، وليس يضرّنا ألاّ يُستجاب لنا لأن لله حكمة هي أسمى من عقولنا.
وذهبت فجئت بفتاوى من المفتين. وعندنا في الشام أربعة مفتين رسميين للمذاهب الأربعة: المفتي الأكبر هو مفتي الحنفية لأنه كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية التي استُحدث على عهدها -فيما أعلم أنا- منصب المفتي الرسمي، وهو الشيخ أبواليسر. ولم يكن من رأيه الخروج، فبيّنت للناس ما أعرف من كيفية الصلاة وأحكامها في المذهب الحنفي، وطلبت من مفتي المالكية، وكان السيد مكي الكتاني، فكتب لي بخطّه أحكامها في المذهب المالكي (وورقته أمامي الآن وأنا أُعِدّ هذه الحلقة). وكتب لي الفقيه الحنبلي الكبير الشيخ حسن الشطي، وهو أعلم من مفتي الحنابلة قريبه الشيخ جميل، أحكامَ الاستسقاء في مذهب الإمام أحمد، وكتب لي فقيه الشافعية في الشام الشيخ صالح
стр. 2000
العقّاد بخطّه (وما كتبه أمامي الآن) عن أحكامها في المذهب الشافعي. وكان عندنا جماعة من أهل الحديث لا يأخذون إلاّ ما صحّ منه، فطلبت من صديقنا الشيخ ناصر الألباني فكتب لي ما ورد من الأحاديث في أحكامها، وورقته بخطّه أمامي الآن.
كان عندنا مفتون لجميع المذاهب تعيّنهم الحكومة وتختار المفتي في المذهب من أعلم الناس به، ثم تراخى الأمر وانقطع الحبل، وتولّى هذه المناصب الآن من ليس أهلاً لها، وإلى الله المشتكى.
وجاءتنا مشكلة أخرى؛ قام جماعة من المشايخ الذين يميلون إلى الصوفية ومعهم أتباع لهم من الشباب يُنكِرون علينا أننا اخترنا سفح قاسيون لصلاة الاستسقاء، بدعوى أن هذا المكان يقيم فيه الوهابية صلاة العيد.
وأنتم لا تدرون ما معنى التهمة بالوهابية في الشام في تلك الأيام! كانت الوهابية تهمة خطيرة يثيرون بها العوامّ. وطالما كتبت في «الرسالة» وفي صحف الشام من نحو نصف قرن أقول إنه ليس في الدنيا مذهب اسمه المذهب الوهابي وإن ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو الرجوع إلى الكتاب والسنّة، وإنه كان حنبلي المذهب لم يأتِ بجديد ولم يبتدع بدعة. ولكن المصيبة في إقناع العوامّ.
ولَجّ هؤلاء في معارضتهم، فاجتمعنا في دار شيخنا الشيخ أبي الخير الميداني رئيس رابطة العلماء، وكان حاضراً هذه الجلسة جماعة منهم، وحضرها أخي الأستاذ الشيخ مصطفى
стр. 2001
الزرقا. فحاولنا أن نأخذهم بالحسنى وأن نقنعهم باللين وأن نقيم لهم الحُجَج والبراهين، ولكن كنا كمن يخاطب صخرة صمّاء لا تعي ولا تفهم، فثار بهم الشيخ مصطفى الزرقا ثورة ما رأيته -على طول صحبتي إياه وصِلَتي به- قد ثار يوماً مثلها، وغضب غضباً شديداً فسكتوا. ولو كان مني أنا هذا الغضب ما كان في ذلك عجب، فأنا أعترف أني حديد المزاج، والشيخ مصطفى معروف بطول الأناة وسعة الصدر، ولكنه رأى منهم ما يُغضِب الحليم.
ثم حُلَّت المشكلة بأن تكون الدعوة إلى الاجتماع باسم الشيخين الميداني ونائبه، وهما شيخان جليلان، بل إنهما صوفيّان، لا يجرؤ أحد من الناس على اتهامهما بالوهابية أو رد كلامهما. ونشرنا دعوة هذا نصّها:
رابطة العلماء: عملاً بالسنة المطهّرة تدعو الناس إلى الخروج إلى صلاة الاستسقاء في سفح جبل قاسيون، آخر خطّ المهاجرين، صباح يوم الجمعة في ٨ جمادى الأولى ١٣٨٠ الموافق ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٦٠، وأن يخرج معهم أولادهم، وأن يكون خروجهم بالتخشّع والتذلّل والاستغفار والتضرّع، وذلك بعد التوبة الصادقة، وردّ المظالم، وأداء الحقوق، وصدق الرجوع إلى الله تعالى. وتُقام الصلاة في الساعة التاسعة تماماً، يصلّي بالناس الميداني، ويخطب علي الطنطاوي.
الإمضاء: أبو الخير الميداني رئيس رابطة العلماء، مكي الكتاني نائب الرئيس.
* * *
стр. 2002
لما كان صباح يوم الجمعة (١) بدأ الناس يتوافدون على الساحة، وكان فيها مركز للمقاومة الشعبية أو ما لست أدري ما اسمها، فيها شُبّان وبنات يتدرّبون معاً. نسوا أن النصر من عند الله فهم يطلبون نصر الله بمعصية الله! وكان في خروج النساء للاستسقاء خلاف بين العلماء، ولكن منهم من قال بجواز خروجهن متحجّبات الحجاب الكامل الذي لا يُظهِر منهن ما يصرف الأنظار إليهن.
وهذا السفح من أجمل متنزَّهات الدنيا، وقد زرت الشرق والغرب ومشيت من شمالي هولندا إلى شرقي جاوة، فما وجدت أجمل منه إلاّ قليلاً. وقد منّ الله عليّ فجعل لي داراً فوقه، ولكنْ حيل بيني وبينها فحُرمتُ منها، وأسأل الله أن يُزيل العقبات دونها ويسهّل لي الوصول إليها. وهنا (في هذا المكان) كان على الأظهر دير مرّان الذي وصفه ياقوت في معجم البلدان، فارجع إليه تعرف خبره.
غصّ السفح كله بالناس كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً،
стр. 2003
وصلّينا صلاة الاستسقاء. ثم قمت بعدها فخطبت خطبة لم أتعمّد فيها بلاغة اللفظ ولم أنظر فيها إلى عمق التأثير ولم أطلب إعجاب الناس، بل لقد حاولت بمقدار ما استطعت أن أنساهم وأن أوجّه قلبي كله لله. ثم تكلّم السيد مكي، ﵀ ورحم شيخنا الميداني، فكان كلامه أعظم من كلامي، لأنه كان من أرباب القلوب وإن لم يكن من كبار العلماء، وكان من أصحاب الأحوال وإن لم يكن ممّن ينمّق الأقوال. فبلغ كلامه من نفوس الناس ما لم يبلغ كلامي، وسيطرَت على الجميع عاطفة إيمانية عجيبة، ليست من صُنعي ولا من صنعه، ولم تكن لخطبته ولا لخطبتي، ولكنها نفحة من نفحات الله، فلم تكن تسمع إلاّ دعاء مختلطاً بنشيج وبكاء يخالطه دعاء، حتى إن بنات المقاومة الشعبية حاولن أن يغطّين أجسادهن بمقدار ما استطعن، ثم انضمَمْن إلى نسائنا ودعون مثل دعائنا وبكين مثل بكائنا! وكان موقفٌ ندر أن يُرى مثله. وإن من الذين حضروا هذا المشهد كثيراً من المتعاقدين الذي يعملون الآن في المملكة، فاسألوهم عنه يحدّثوكم حديثه.
إن الإيمان -يا أيها القُرّاء- مستقرّ في قرارة كل نفس، ولكنه مُغطّى. ومن أسرار العربية أن الكفر في أصل معناه هو التغطية والستر. الإيمان موجود ولكن تتراكم فوقه غبار الشبهات وأوزار الشهوات وهموم الحياة، حتى يخفى فلا يراه الناس، بل إن صاحبه لا يكاد يحسّ به، فإن ذُكّر فذكر نفض عنه هذا الغطاء وظهر إيمانه واضحاً جلياً.
* * *
стр. 2004
-١٥٨ -
خرجنا للاستسقاء فاستجاب ربّ السماء
كنت أتكلّم عن صلاة الاستسقاء وأصف ما كنا نشعر به من الدفقة الإيمانية التي ملأت نفوسنا.
لقد نظرت فرأيت كثيراً من الأولاد جاؤوا مع آبائهم، فناديتهم ودعوتهم إليّ، فلما اجتمعوا حولي قلت لهم: يا أولاد، هل تعرفون لماذا جئنا؟ جئنا لنطلب من الله المطر. إذا لم ينزل المطر ماتت زروعنا وهلكَت مواشينا، ولا ينزله إلاّ الله. ونحن يا أولاد، نحن الكبار مذنبون، نحن قد خالفنا أوامر الله، نحن قد فعلنا ما نهانا عنه الله، لذلك يؤدّبنا فلا يسمع دعاءنا. أما أنتم فلا ذنب لكم، أنتم ما كلّفكم الله لأنكم صغار. إن الله يحبّكم لأنكم تحبّونه. ألا تحبون الله يا أولاد؟ الله الذي خلقكم، الله الذي يبعث لكم الطعام والشراب، الله الذي يعطيكم الخيرات كلّها، ألا تحبون الله؟
فصاحوا جميعاً: بلى، نحب الله.
قلت: والله يحبكم. يحبكم أكثر ممّا يحبكم آباؤكم وأكثر ممّا تحبكم أمهاتكم. الله أرحم بعباده من الآباء والأمهات،
стр. 2005
إذا عصى أحدكم أباه حرمه من مصروفه جزاء عصيانه، ولكن الله يُطعِم في الدنيا من خيره الكافرَ كما يطعم المؤمن، فالله يا أولاد أكرم الأكرمين. لو كنتم عطشانين وآباؤكم عندهم الماء أفلا يسقونكم؟ الله يا أولاد أكرم من آبائكم وعنده أكثر ممّا عند آبائكم، فإن سألتموه أعطاكم. فقولوا: يا ربنا اسقِنا. مدّوا يا أولاد أيديكم الصغيرة وافتحوها، فإن الله لا يردّها فارغة. قولوا: يا ربّ اسقنا، يا ربّ ابعث لنا المطر. لا تُعِيدوا كلامي يا أولاد كأنه درس محفوظات. قد عرفتم ماذا نريد فقولوا ما يخطر على بالكم، فإن الله يسمعكم، كل واحد منكم يدعو وحده فالله يسمعه.
ودعا الأولاد وصدقوا الدعاء، واختلطَت الأصوات، أصوات الصغار وأصوات الكبار، وعلا البكاء، ونسي كلٌّ مَن يقف معه لأنه لم يعُد ينظر يميناً ولا شمالاً بل ينظر إلى الأعلى، إلى العلوّ المطلَق لا العلوّ المادي، لا يكلّم أحدٌ أحداً، ولكن كل واحد منهم يخاطب ربه رأساً.
وكانت ساعة ما وجدت في حياتي مثلها إلاّ مرّات معدودات في التسع والسبعين سنة التي عشتها (إلى يوم كتابة هذه الحلقة). كانت القلوب كمدّخرات (بطاريّات) فارغة، فشحنها هذا الموقف بالطاقة شحناً كاملاً. لقد أحسسنا المذلة أمام الله فجعلَنا نحسّ العزّة بالله. لم نعُد نرجو في تلك الساعة غيره، ولا نخاف غيره، ولا نتوجه إلاّ إليه، ولا نطلب إلاّ منه.
ويا ليتني أستطيع أن أجعل أو أصوغ من الكلمات صورة
стр. 2006
-ولو ناقصة- لِما كان، ولكنّ من المواقف ما تعجز عن تصويره الكلمات.
* * *
ورجعنا بنفوس غير التي جئنا بها، ومرت الجمعة، ومرّ السبت والأحد والإثنين والسماءُ على حالها، زرقاء ما فيها مُزْنة سحاب، والمستهزئون يتكلّمون والشامتون لا يسكتون. فلما كان يوم الأربعاء، بعد خمسة أيام من صلاة الاستسقاء، قال الكريم: خذوا.
وكان غيث عامّ استمر إلى موعد حديثي الأسبوعي بعد صلاة الجمعة يوم ٤/ ١١/١٩٦٠، والحديث مكتوب أمامي. قلت فيه:
الحمد لله، الحمد لله، اللهمّ يا ربّنا لك الحمد. كنا قبل ثلاثة أيام فقط ننظر إلى السماء فنراها مُصْحِية زرقاء ما فيها قطعة سحاب، ونبصر بردى فنرى الهرّة إذا خاضت ماءه لم يبلغ ماؤه بطنَها، وباناس الذي يدعونه بانياس (من فروع بردى) عند شارع الجامعة قد تركوا مجراه وشقّوا في جانبه ساقية عرضها شبران، فكان ماء باناس لا يملؤها. وتورا (أكبر فروع بردى) في آخر القَصّاع ليس فيه قطرة ماء وأرضه جافّة كأرض الشارع. ونتلفّت وراءنا فنرى ثلاث سنين توالت بالجدب، حتى يبسَت الأرض، ومات القطيع، وشحّت الينابيع، وغارت الآبار، فكاد اليأس يملأ نفوسنا.
كان هذا كلّه قبل ثلاثة أيام فقط. فتعالوا انظروا الآن، تعالوا
стр. 2007
انظروا آثار نعمة الله وقولوا: الحمد لله، الحمد لله، اللهمّ يا ربّنا لك الحمد.
وتعالوا فاسألوا أنفسكم: كيف تمّت هذه النعمة؟ كيف استنزلنا الأمطار حتى عمّت الديار وشملت العباد فأحيَت البلاد؟ هل استنزلتم المطر بآلات نصبتموها أو حسابات حسبتموها، أو أسباب مادّية اتخذتموها؟ لا، ولكننا استنزلنا المطر بالأمر الذي جعله الله وحده سبباً لنزول الأمطار (كما جعل سبب الإحراق النار) وهو الاستغفار.
إن الله الذي خلق الأسباب وخلق المسبَّبات خلق النار وجعلها سبب الإحراق، وخلق الماء وجعله سبب الريّ، وخلق الطعام وجعله سبب الشبع، وخلق العقول وجعلها سبب التفكير والعلم، الله نفسه الذي خلق هذا كله: السبب والمسبَّب، هو الذي أمر بالدعاء والاستغفار وجعل ذلك سبب نزول الأمطار.
لقد دعوتكم السنة الماضية وقلت لكم: إن الخروج للاستسقاء من سُنَن الدين التي نسيها الناس في الشام، فليس في دمشق كلّها من رأى خروجاً عاماً للاستسقاء. مع أن هذه السنّة موجودة في بلاد المغرب إلى اليوم، خبّرني السيد المنتصر الكتاني أن أهل فاس كلما كان الجدب وكلما قلّت الأمطار يجتمعون في الجامع الكبير، ثم يخرجون جميعاً معهم الأولاد والضعفاء، يتقدّمهم العلماء والأمراء، وكلهم متذلّل متخشّع يلبس رثّ الثياب، وقد يمشون حفاة، فلا يزالون يَدْعون الطريق كله بهذا الدعاء المأثور: "اللهم اسقِ عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك،
стр. 2008
وأحيِ بلدك الميت". ويُعلِنون التوبة والاستغفار، حتى يصلوا إلى المصلّى في خارج البلد فيصلّوا ركعتَي الاستسقاء، ويخطب الخطيب ويدعو ويجهرون بالاستغفار والدعاء.
وقلت لكم: أحيوا هذه السنّة في دمشق، فإن من أحيا سنّة ميتة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أن من سنّ سنّة سيّئة أو أحياها بعد ما ماتت كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ورويت لكم قصّة الاستسقاء على عهد النووي والكتاب الذي كتبه (وذلك كلّه في كتابي عن النووي)، ودعوتكم إلى صيام ثلاثة أيام، وإلى ردّ المظالم وأداء الحقوق وصدق التوبة، والخروج إلى الاستسقاء إلى سفح قاسيون.
فاستجاب أكثر العامة وصاموا، وصام أكثر النساء واستعدّوا، ولكن من الناس من سخر منّا وهزئ بنا وقال: نحن في عصر الذرّة وأنتم تعالجون أموركم بالدعاء؟ قلت: لا يا أصحابنا، نحن لا ندَع العلم ولا نهمل الأسباب، ولا نقول للعطشان -والماء أمامَه- اترك الكأس لا تمدّ إليها يداً وقل اللهم اروِني، ولا نقول للرجل اترك مريضك لا تعرضه على الطبيب ولا تشترِ له الدواء وقُل اللهم اشفِه، ولا نترك النار تشبّ في الدار لا نُلقي عليها دلو ماء ونقعد ندعو نقول: اللهمّ أطفئ النار!
لا، ولا يقول هذا الشرع. إن الشرع يأمرنا أن نتخذ الأسباب المادّية كلها، أن نُعِدّ للعدوّ عُدّة القتال، أن نستعمل للمريض أحسن الدواء، أن نسعى للرزق أكمل السعي، ثم ندعو الله الذي خلق لنا هذه الأسباب وخلق لنا العقول التي عرفنا بها أسرارها،
стр. 2009
وخلق لنا هذه الأسرار وأودعها في مخلوقاته.
فخبّروني، هل لاستنزال المطر سبب مادّي عندكم فنتخذه؟ وإذا كنتم تعترفون بأنكم لا تملكون سبباً مادّياً تُنزِلون به الأمطار العامة التي تعمّ البلاد وتروي أرضها، فلماذا لا تَمُدّون أيديكم إلى من يستطيع وحده أن يُنزِل المطر فتسألوه وتدعوه؟
وقال قوم: كيف تستسقون الآن ووقت المطر ما جاء؟ إنكم تخرجون فتدعون فلا ينزل المطر، فيكذّب الناس بالدين ويسخرون بأهله وتكونون أنتم السبب. قلنا: ما للاستسقاء وقت؛ وقته عند الحاجة إلى المطر. وما دون كرم الله حجاب ولا على عطاء الله حساب، وقد نصّ العلماء على أنها إذا اشتدّت الحاجة إلى الماء جاز الاستسقاء ولو في قلب الصيف.
وقال قوم: أصلحوا أنفسكم وطهّروها قبل أن تخرجوا للاستسقاء. قلنا: نحن نعرف والله أن قلوبنا في غفلة، وأن الذنوب تُرهِق بثقلها عواتقنا، وأننا خَطّاؤون. وإننا نستحيي لكثرة ذنوبنا أن نمدّ أيدينا فنقول يا ربّ، ولكن خبّروني: لِمَن نمدّ أيدينا إن لم نمدّها إليه؟ ألنا ربّ غيره؟ هل في الوجود إله آخر نفرّ إليه من الله؟
إنه لا رب إلاّ الله، وكل ما في الوجود ملكه، ونحن عبيده، مهما فررنا منه فلا بدّ من رجوعنا إليه، لذلك جئنا مُقِرّين بذنوبنا تائبين من معاصينا، نسأله أن يعيننا على ترك الذنب وعلى صدق التوبة لأنه لا حول لنا ولا قوة إلاّ منه وبه.
لقد قلنا: يا رب، إننا نرى المنكَرات الفاشية والمعاصي
стр. 2010
المعلَنة، ولكننا والله ما أمرنا بها ولا أقررناها ولا رضيَت بها قلوبنا، وإننا يا ربّ لا نملك إلاّ ألسنتنا وأقلامنا، وقد كلّت ألسنتنا وانبرَت أقلامنا ونحن نقول ونكتب، نقول للناس: الربا حرام، الزنا حرام، الكذب حرام، الغشّ حرام، كشف العورات حرام، الاختلاط بين الرجال والنساء حرام، الحكم بغير ما أنزل الله حرام حرام حرام. فما سمعوا منّا، فما ذنبنا يا ربّ؟
يا ربّ لا تعاملنا بعملنا ولكن برحمتك، ولا تأخذنا بعدلك ولكن بفضلك.
وحاربَنا كثيرون وصرفوا الناس عن الخروج معنا، ولكن الناس خرجوا، وقاموا ساعتين كاملتين في وَقْدة الشمس، ومدّوا أكفّ الضراعة وصرخوا من أعماق القلوب. فكّروا في الأسباب البشرية كلها، فلما رأوها لا تستطيع أن تسوق المطر يجلل البلاد ويعمّ البلاد، فتمرع الأرض وتعيش المواشي ويدرّ الضرع وتفيض الينابيع، ولمّا رأوا أن المطر لا يُشترى بمال الأغنياء ولا بقوّة الأقوياء ولا بعلم العلماء ... قطعوا قلوبهم عند ذلك عن الأسباب كلها لأنهم أيِسوا منها، وربطوا قلوبهم بالله وحده، ثم صرخوا: يا الله، يا الله!
ولم يعُد أحدٌ ينظر إلى أحد، ولم يعُد أحدٌ يفكّر في مال ولا ينظر إلى جاه ولا سلطان، ولم يعُد للدنيا وجود في تلك الساعة في قلوب الذين اتصلَت قلوبهم بالله وحده، فامتلأَت بالخشوع وفاضت من ذلك العيون بالدموع، وارتجّت تلك السفوح من قاسيون بـ «يا الله»، فردّدَت صداها صخور الجبل، وردّدَت
стр. 2011
صداها جوانب الوادي، فأحسسنا كأن كل شيء في الدنيا ينادي معنا: «يا الله».
وكانت دقائق أقسم بالله العظيم إني لم أحسّ مثلها في حياتي، وإني ما كنت أظنّ أن أحسّ يوماً مثلها. دقائق فيها من سموّ الروح ومن أخذة الإيمان ومن نشوة القلب ما لا يُوصَف. سلوا مَن كانوا حاضرين ممّن سال بهم السفح وامتلأ الجبل وقدّرَهم المُقِلّ بخمسة عشر ألفاً والمُبصِر قدّرهم بخمسة وعشرين ألفاً، ملؤوا ساحة التدريب والحدائق المُطيفة بها. إنهم أحياء ما مرّ على المشهد الذي شهدوه إلاّ أسبوع واحد فسلوهم: هل أبالغ أو أتزيّد، أو أن الواقع كان أكثر ممّا أقول؟
لقد عمّ الخشوع كل من كان هناك، حتى الذين وقفوا من فوق من الشباب والبنات ليسخروا منّا. كانوا يسخرون، فلما جرفَتهم موجة هذا الخشوع جعلوا يبكون كما كان يبكي كلّ من حضر. ولقد كان فيهم بنت سافرة متكشّفة جاءت لتلهو مع الشباب، فلما ارتجّ الجوّ بكلمة «يا الله» تتجاوب أصداؤها في مداخل الوادي وبين صخور الجبل جعلَت تصرخ مع الناس «ياالله» وتبكي وتستغفر وتتوب، واقتربَت من نسائنا تسألهن كيف يمكن أن ترجع إلى الله وأن تتمسّك بالدين.
لقد رجعنا بقلوب غير القلوب التي خرجنا بها، رجعنا ونحن نحسّ أننا قد بدّلنا بنفوسنا نفوساً جديدة. ولكن الناس لبثوا الأيام الأولى التي تلت الصلاة على سُخرهم وشكّهم. قالوا: أين المطر؟ أما قلتم إن الاستغفار سبب الأمطار؟ قلنا: ...
стр. 2012
ما قلنا نحن شيئاً، ولكن ربّكم هو الذي قال: ﴿استغفروا ربَّكم إنهُ كانَ غفّاراً، يُرسِلِ السّماءَ عليكم مِدْرَاراً﴾. ربّنا غفّار، ولكن لمن؟ ﴿لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعمِلَ صالحاً﴾، فهل تُبنا وآمنّا وعملنا صالحاً؟ ومن قال لكم بأن المطر ينزل حتماً إذا أقمنا صلاة الاستسقاء؟ إن النووي الذي خبّرتكم خبره لما استسقى نزل المطر بعد سبعة أيام.
فضحكوا وسخروا، وقال قوم: انظروا، أن الصحو قد ازداد ببركة دعاء هؤلاء! واستمرّوا يسخرون. ولكن الله أراد أن ينصر سنّة نبيّه ويحقّق وعده، ويعاملنا بما هو أهل له لا بما نحن له أهل، فما مرّت خمسة أيام حتى تلبّدَت السماء بالسحب تغطّي الشام كله، ثم هطلت الأمطار.
وتتابعَت علينا الهواتف بالتهنئة، وعاد إلى الإيمان ناسٌ كاد يزعزعها اليأس، وحسب هؤلاء الإخوان أن هذا الخشوع كان بخطابي أو بخطاب السيد الكتاني وأن هذه الاستجابة إنما كانت لدعائي أنا. وأنا والله ما قلت هذا بلساني ولا اعتقدته بقلبي. ومَن أنا حتى يكون لي هذا الشأن؟ أنا والله عاصٍ خطّاء مستور بِسَتر الله. وما أنا من الصالحين، وإني لأرجو أن يسيّرني ربي بركابهم وأن يُلحِقني بهم.
ولكن بدعاء الداعين المخلصين، بنداء هؤلاء الأطفال الذين جئنا بهم فقلنا لهم، قولوا: يا ربّ ابعث المطر. هؤلاء الأطفال الذين لم يَجرِ عليهم القلم ولم يبلغوا سنّ التكليف، ودعاء من لايعرفه الناس. ولَرُبّ أشعثَ أغبر لا ينتبه إليه أحد ليس له مال
стр. 2013
ولا جاه ولا منصب، لو أقسم على الله لأبرّه. الله أعلم بدعاء من كانت الاستجابة، فالحمد لله. الحمد لله. اللهمّ يا ربّنا لك الحمد.
لقد كان هذا الخير ببركة الدعاء وإحياء سنّة الاستسقاء. إن آلافاً منكم صَدَقُوا التوجّه إلى الله دقائق فكانت هذه النعمة السابغة، فكيف لو توجّهنا إليه جميعاً؟ كيف لو كنا معه دائماً، نُحِلّ الحلال ونحرّم الحرام ولا نخالف الشرع ولا نُعلِن المعاصي؟
فيا أيها الناس، استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وكلّما دهمكم خطب أو كان لكم مطلب فمدّوا أيديكم وقولوا «يا الله» فإن باب الله مفتوح دائماً. ما لكم تقصدون أبواب اللئام وهي مُغلَقة في وجوهكم وتَدَعُون باب أكرم الأكرمين وهو لا يُغلَق أبداً؟ يا أيها الناس، إن هذا المطر دليل ظاهر على أن الله يستجيب دعاء من دعاه، فهل بعد هذا الدليل شكّ أو ارتياب؟
* * *
стр. 2014
-١٥٩ -
تعليق على مقالة وجواب على رسالة
أنا أقرأ كلّ مجلّة وكل كتاب يصل إليّ أو أطالعه وأمرّ عليه بنظرة شاملة، إن لم تُحِطْ بتفاصيله فإنها تُلِمّ بمُجمَله، ولكني لا أجد فضل هِمّة أمشي بها إلى حيث تُشترى المجلّة أو الكتاب.
وقد حمل إليّ وأنا أُعِدّ هذه الحلقة جارُنا السيد نادر البارودي مجلّة «الوطن العربي» (وأنا قلّما أراها لأنها لا تقع تحت يدي) فوجدت فيها مقالة طويلة كطول ليل المريض الموجع، سوداء مظلمة مثل ظلمته وسواده. وفي فحمة الليل تتشابه المسالك على السالك فيضلّ الطريق، كما ضلّ كاتب هذه المقالة، فجاء فيها بالمتناقضات وهدم في بعضها ما بنى في بعض.
وإذا كان المكتوب يُعرَف من عنوانه فإن عنوان هذه المقالة هو «السلفيون خطفوا من الحركات السياسية شباب هذا الجيل». وبدأ الكاتب مقالته بكلمة للدكتور زكي نجيب محمود يقول إنه أوردها بكبرياء العالِم وترفّع المثقّف. ووجدته بعد ذلك يتكلّم عمّا سَمّاه الالتزام الأيدولوجي فيقول (وهذا كلامه): "لأن الالتزام الأيدولوجي جزء لا يتجزّأ من شرف العمل الحزبي ومصداقية
стр. 2015
الحِرفة السياسية، ولكن هذا الالتزام عندما يتحوّل إلى انغلاق كامل على الإيمان بالعقيدة والانطواء على المبدأ ينقلب إلى صورة مخيفة من صور الهَوَس والانجذاب قد تكون مقبولة في عالَم الدراويش والصوفيين، إلخ".
وضعت خطاً أحمر تحت كلمة «خطفوا» وخطاً تحت كلمة «كبرياء العالم» وخطاً تحت هذه الفقرة لأنتبه إليها فأعلّق عليها، ثم وجدت أنني إذا مشيت إلى آخر المقال امتلأ بالخطوط الحمراء كما يمتلئ بالدم الجسد الذي قُطّع قِطَعاً فصار أشلاء ومِزَقاً، فرفعت القلم وقعدت أفكّر.
أليس في هذا العنوان هجاء ظالِم لشباب هذا الجيل، إذ يجعلهم مَتاعاً كبعض المتاع يُسرَق أو يُخطَف فلا يملك منعاً ولا دفعاً، وينسى أن لهم عيوناً تُبصِر الطرق المفتّحة أمامهم، وآذاناً تسمع الدعوات المعروضة عليهم، وعقولاً تختار من الطرق أقوَمَها ومن الدعوات أحسنها، وحقّ الاختيار لهم؟ أليست هذه هي «الديمقراطية» التي توجعون بها آذاننا وتصدّعون بها رؤوسنا؟ أفئن اختار الشباب من بين الدعوات التي تصخب بكثرتها الآذان، بل أئذا نبذها الشباب كلها واختاروا منها الدعوة إلى الإسلام، تنسون ديمقراطيتكم وتسلبونهم في الاختيار حرّيتهم، وتريدون أن تفرضوا رأيكم عليهم؟
وإذا كان الله قد هدى الشباب إلى الحقّ وأراهم طريقه فسلكوه، فلماذا تناقضون أنفسكم وتنسون أن شريعة الديمقراطية التي تؤمنون بها تجعل حقّ الاختيار لهم؟ وإذا رجعوا إلى المساجد فما الذي يضيركم من رجوعهم إلى المساجد؟ هذا نور الله قذفه
стр. 2016
في قلوب الشباب، أفتريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم؟ والله مُتِمّ نوره ولو كرهتم.
وتحت هذا العنوان الكبير للمقالة عنوان آخر هو «لماذا يصبح التلفزيون العربي وقفاً على الشيخين الشعراوي والطنطاوي والسلفيين؟»، ويسأل لماذا لا يأتون إليه بمن سَمّاهم الكاتب المفكّرين والكُتّاب القوميين والعلمانيين؟
هذا هو منطق الكاتب وأمثاله: يُعطون الناس حقّ الاختيار بحكم الديمقراطية، ثم يريدون أن يسلبوهم هذا الحقّ وأن يفرضوا عليهم غير ما يرون! أليس في كلامه عن الالتزام طعن للعقيدة الإسلامية؟ أليس فيه دعوة الشباب إلى الخروج عليها؟ فليست القضية إذن في الالتزام أو ترك الالتزام، ولكنها مسألة كفر وإيمان.
إن الذي يُغيظ الكاتب وأمثالَه هو هذه الرجعة إلى الدين، هذه الصحوة الإسلامية، وأن علماء المسلمين ودعاة الإسلام هم الذين صاروا قادة الشباب. وهذا كلامه بحروفه يقول: "فمعظم الذين يمسكون اليوم بزمام هذه الكتلة البشرية هم من المدرسة السلفية ذاتها، مدرسة حصار الإسلام في إطاره السلفي والتاريخي، مدرسة العودة إلى الممارسة التاريخية الأولى بكل بساطتها وعفويّتها، ومحاولة فرضها على العصر".
وهذه الممارسة التاريخية الأولى هي عهد الصحابة (كما يدرك ذلك كل من يفهم الكلام). أفيسوء هذا الكاتبَ أن نعود إلى مثل أخلاق أهل الصدر الأول، ومثل عزّتهم، ومثل سموّهم وكرم نفوسهم؟
стр. 2017
لو قال هذا الكلامَ خوري أو حاخام لما كان عليه فيه ملام، أمّا أن يقوله رجل يسمّي نفسه غسان إمام؟ إلاّ أن يكون من الأئمة الذين خبّرنا الله عنهم أنهم يدعون إلى النار ويوم القيامة لا يُنصَرون.
إنه يصف خطبة الجمعة بأنها "عاطفية اجتيازية ساخنة صاعقة لا حدود لتنديدها بالسلطة الكافرة أو المشركة! لا حدود لتحريكها عواطف المتديّنين البسطاء". ثم يقول (وهذا نصّ كلامه): "التلفزيون أيضاً بات يكمل دور المسجد، هنا أيضاً يصول ويجول علماء الدين والسلفيون، العمّة واللحية والعباءة تزيد هيبتهم هيبة ووقاراً، بعضهم زُرع ليصبح بحق نجماً تلفزيونياً ينتظره بمحبة وخشوع مئاتُ الألوف. الشيخ الشعراوي والشيخ الطنطاوي الذي بلغ من الكِبَر عتياً، انتقل من الإذاعة السورية إلى التلفزيون السعودي منذ عشرين سنة، وهو لا يكتفي بالإطلالة على الشاشة الصغيرة، بل يكتب في الصحف التي تنتقل بين أيدي العرب في مختلف أقطارهم بلا رقيب ولا حسيب، ليزيد تطرّفه وزلاّت لسانه وقلمه، في الفرقة بين المذاهب والطوائف عبر ما يقوله عن المسيحيين والدروز".
أنا ما أنشأت هذه الكلمة لأردّ عليه، وليس بيني وبينه ما يُوجِب الردّ، بل أنا لم أسمع باسمه قبل اليوم. ولكني مثّلت بما يقول لطائفة من الناس لتعرفوا كيف ينظر إلى الإسلام ودُعاة الإسلام. وإلا فما دامت الصحف موجودة والمطبعة مفتوحة والنشر سهلاً، فإن كل من شاء أن يقول قال. ولكن ما كل من قال أصغى إليه الناس، ولا كل مَن أصغوا إليه صدّقوه. والوطن العربي
стр. 2018
أكبر من أن تدّعي النطق باسمه مجلّة ما بيدها توكيل عنه وليس لها حقّ النطق باسم أهله!
والذي بدا لي من هذه المقالة ومن مقالة قبلها وقعت إليّ مصادفة يتكلم فيها صاحب هذه المجلّة عن جريدة «الشرق الأوسط؛ ومجلاّتها الملحَقة بها. لقد جعلني ما قرأته اليوم وما قرأته من قبلُ أوقِن أن أصحاب هذه المجلّة وكُتّابها ﴿يَحسُدُونَ الناسَ على ما آتاهم اللهُ من فضلِهِ﴾، والحاسد لا يُرضيه منك إلاّ أن تزول النعمة عنك، ولا يُغيظه إلاّ أن تزداد. لذلك اجعلوا أَسَدّ جواب لهم وأكبرَ حجر تسدّون به أفواههم أن يستمرّ الشباب المؤمن في طريقه المستقيم وأن يزداد إقباله على المساجد، وأن تستمرّ «الشرق الأوسط» في تقدّمها المطّرد، ذلك هو الردّ عليهم وفي ذلك عقابهم.
على أنني لا أحبّ أن أجد الكاتب وأمثاله في ألم دائم وفي أرق متّصل بسبب مني، فأنا أمتنع لأرضيه عن الحديث في الرائي لأفتح الباب لمن سَمّاهم، ومنهم عفلق والبيطار. ولكن إن امتنعت أنا فهل أمنع الشيخ الشعراوي؟ وإن امتنع الشعراوي فهل يسكت الناس الذين يحرصون على مشاهدته وسماعه ويطالبون به؟ وإن سكتوا ورضوا فمَن يكفل أن يأتي مكانهم البيطار وعفلق، وأن يرضى الناس عن عفلق والبيطار؟
إن البيطار كان رفيقي في الصف، كنا على مقعد واحد، وعفلق بحكم رفيقي، كنا زملاء في الدراسة وإن اختلفَت المدرسة. والبيطار قد مات. وعفلق أصدَقُ من وصف بلاغته وطلاقة لسانه
стр. 2019
الرئيس جمال عبد الناصر بعد مفاوضة معه طويلة، قال في خطبة له في جماهير الناس: إن عفلق يحاول أن يأتي بالجملة فلا تجيء واضحة، فيقول: «يعني»، ويحاول توضيحها وصوغها من جديد، فلا يزال في «يعني» و «يعني» وهو، "هو ما يعنيش حاجة"!
وهذا تعليق لم يكن مقصوداً وليس من صلب ذكرياتي ولا هو من مقاصدي، ولكنها كلمة جاءت عَرَضاً.
* * *
أمّا الكتاب الذي جاءني فهو من «مصري» يعمل هنا في المملكة، لم يكتب اسمه ولم يعرّف بنفسه، يحمل عليّ. يقول بأنني أكتب عن عهد الوحدة وعن عبد الناصر كتابة ليس فيها شيء من الحقيقة وليس فيها تسجيل لتاريخ، ولكنها عداوة مستقرّة في نفسي لمصر وللرئيس عبد الناصر، وكره للوحدة وحبّ للانفصال.
هذه هي خلاصة الرسالة. على أنها ليست شيئاً جديداً، فإن ما جاء فيها قد قِيل عنّي من ربع قرن، من يوم الانفصال، وأُعلِن ونُشر في الصحف وكُتبت فيه مقالات واشتغل به الناس أمداً، فما أنت بأوّل من كتبه. لقد كشفت أميركا ولكن على الخريطة، فظننت بأنك سبقت بذلك كرستوف كولومبس إلى هذا المجد!
إن الصداقة والعداوة إنما تكونان بين الأكْفاء والنظراء، فهل تراني كُفؤاً لعبد الناصر أو نظيراً له حتى أصادقه أو أعاديه؟ وأين أنا منه؟ أمّا قبل أن يفعل فعلته التي فعل فقد كان ضابطاً من آلاف الضبّاط لا يدري به أحد خارج دائرته الصغيرة، وكنت أنا كاتباً معروفاً ومؤلّفاً يقرأ له الناس، فلما صار الرئيس عبد الناصر صار
стр. 2020
مالئ الدنيا وشاغل الناس، وغدا اسمه في كل صحيفة وذِكْره على كل لسان، وغدوت أنا واحداً من غمار الناس. فمن أين تدخل الصداقة أو العداوة بيني وبينه، ولا سنّي من سنّه، ولا طريقي على طريقه، ولا أصحابي هم أصحابه؟ أصحابه تيتو ونهرو والملوك والرؤساء وسكناه القصور (١)، إنْ حلّ بلداً انتفض البلد فخرج أهله لاستقباله وإن رحل عنه اجتمعوا لوداعه عند ترحاله، يعرف الناس أخباره ويتابعونها، فما الذي يجمعني به أو يقرّبني منه حتى أكون عدواً له أو أكون صديقاً؟
قابلته مرّة مع وفد عربي مشترك من أجل الجزائر كما قابله آلاف من الناس، وقعد معنا وحدّثَنا كما قعد معه وسمع حديثَه آلاف من الناس، ومشى معنا إلى باب داره لمّا خرجنا يودّعنا، وكنت أمشي إلى جنبه، فلما فاجأَتنا عدسة المصوّر تأخّرت أريد الابتعاد حتى لا أظهر في الصورة ولكنني ظهرت فيها معه. ولست أكره الآن ذلك ولا أفتخر به، ولكن أذكر ما كان. فلئن جمعَتني به صورة فإن مئات من الناس جمعتهم به الصور.
كان الوسيط بيني وبينه صديقي وأخي ورفيقي في حياتي كلها، القاضي الفاضل الذي صار وزير العدل في الجمهورية العربية المتّحدة، الأستاذ نهاد القاسم رحمة الله على روحه. لقد أحبّه أخي نهاد واعتقده صادقاً وبقي على حبّه واعتقاده حتى بعد موته. وكنا متّفقَين في كل شيء، حتى إذا جاء ذكر عبد الناصر اختلفنا اختلافاً كان يؤدّي بنا أحياناً إلى النزاع، فاتفقنا على أن نترك الحديث عنه جملة واحدة ويحتفظ كل واحد منّا برأيه فيه.
стр. 2021
وسأكتب عن نهاد القاسم كما سأكتب إن شاء الله عمّن عرفت في حياتي من الرجال. وكان ينقذني من مواقف كثيرة كادت تؤدّي بي إلى الضرر، منها أنه لما أُلغِيت المحاكم الشرعية في مصر أوفد إلينا الرئيس موظفاً كبيراً نسيت الآن اسمه، فاجتمع بأعضاء لجنة قانون الأحوال الشخصية وهم الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ صبحي الصبار والشيخ الأسطواني وأنا، ليقنعنا بأن نصنع في الشام مثل الذي صنعوا في مصر وأن تُلغى المحاكم الشرعية وتحلّ محلّها محاكم جديدة، تُدعى محاكم الأحوال الشخصية. فناقشناه مناقشة طويلة، وساق له إخواننا الأدلّة والبراهين فلم يقتنع. فضاق صدري وقلت لهم: اسمحوا لي فسأتكلّم باسمي أنا، لا بأني عضو في اللجنة. فسكتوا، والتفَت إليّ ليستمع مني فقلت له: إن المحاكم الشرعية لا يمكن أن تُلغى في الشام، وإذا لم تصدّق هذا الذي أقول فانزل إلى الشارع فاسأل عني، هل أستطيع أن أفتح النافذة أمامك فأخطب فأستوقف الناس وأجمعهم وأخرجهم بمظاهرة تمشي إلى دار الحكومة لتطالب بإبقاء المحاكم الشرعية إذا أردتم إلغاءها أم أنني لا أستطيع؟
فبُهت ونال منه العجب من هذا الذي أقول، ثم استردّ أنفاسه فقال: هل هذا تهديد؟ قلت: نعم، إنه تهديد. لا بالمظاهرة ولا بإثارة الناس، فهذا كلّه هيّن. ولكنه تهديد لكم من الله بجهنّم الحمراء التي يصلاها كلّ من أراد أن ينسخ حُكماً من أحكام الله أو أن يعدّله أو أن يُبطِله.
فانتفض الرجل وخرج إلى غرفة الوزير، وكان بيننا وبينه أمتار معدودة لأن الوزارة في القصر العدلي الذي تكون فيه المحاكم.
стр. 2022
غاب مدّة قصيرة ثم رجع بغير الوجه الذي ذهب به. ذهب متنمّراً غاضباً وعاد ليّناً راضياً، بل عاد يسترضيني أنا ويحاول أن يُزيل أثر ما كان. فأدركت بالحدس شيئاً ممّا قدرت أن الوزير قاله له، ولِنت معه بالقول حتى انتهينا إلى مسالمة واتفاق ومحونا أثر ذلك الصدام.
فلما لقيت الوزير الأستاذ نهاد القاسم ﵀ قال لي: ما هذا الذي فعلت؟ قلت: وهل عرفت ما الذي كان؟ قال: نعم، لقد عرفته منه، وقلت له: إنك لا تعرف مَن هذا الرجل الذي أثرتَه ولا تعرف أثره في البلاد، فإذا وقع شيء تكون أنت المسؤول عنه أمام سيادة الرئيس لأنك لم تستشِرْني ولم تأخذ رأيي.
وساق له من أمثال هذا الكلام ما ملأ نفسه خوفاً من العواقب، حتى سأله: وما العمل الآن؟ قال: تعود إليه فتُصلح الأمر حتى لا يبقى لهذا الجدال أثر ولا ينشأ عنه ضرر.
* * *
ولهذا الموقف أمثال. وما كنت أريد أن أتكلّم الآن عن عهد الوحدة والانفصال بل كنت أنتظر أن أصل في الذكريات إلى الكلام عنهما، ولكن هذه الرسالة جعلتني أتعجّل القول قبل أوانه.
تحت يدي الآن مقالة منشورة في جريدة «الأيام» في الشهر الحادي عشر من سنة ١٩٦١ عنوانها «جواب واحد على سبع وأربعين رسالة». لا أعرف رقم العدد الذي نُشرت فيه ولا تاريخه لأنني قصصت المقالة من الصحيفة وتركت سائرها، فليسمح
стр. 2023
لي الأخ الذي كتب إليّ أن أقرأ عليه طرفاً منها، فإن فيها جواب رسالته. وهذا نَصّ المقالة:
لم أكن كاذباً لمّا قلت في حديثي في الرائي (التلفزيون) أني لم أجد من الأثر الطيّب لكلمة كتبتها أو ألقيتُها (وأنا أكتب وأخطب من سنة ١٣٤٥هـ) ولم أسمع من الثناء عليها مثل الذي وجدت من الأثر وسمعت من الثناء عن كلمتي الأولى في الإذاعة صبيحة ليلة الانتفاضة (١).
ولا أكون كاذباً إذا قلت إني تلقّيت كذلك طائفة من
стр. 2024
الرسائل بلغ عددها إلى اليوم سبعاً وأربعين رسالة، فيها أشدّ العتب وأقسى النقد وأفظع الشتائم. وهذه الرسائل لا تمثّل رأي الأمّة، فإن الأمّة قد صرّحَت بآرائها في الانفصال بألسِنة علمائها وأدبائها وسياسييها وصحفيّيها ونسائها وتجّارها وصنّاعها وبدوها وحضرها، ولا يُطلَب من أُمّة أن تُجمِع كلها على رأي ولا يمكن ذلك. وإذا جاءني سبع وأربعون رسالة في إنكار كلمتي والردّ عليّ وتقبيح رأيي، مع الذي سمعت وكُتب من الثناء عليها، لا يكون في ذلك ضرر.
والذين أثنوا عليها -على كثرتهم- ناس معروفون لهم منزلتهم في هذا البلد، والذين كتبوا هذه الرسائل مجهولون، وأكثرهم شباب ناشئون مخدوعون غرّهم من كان بيده أمر تعليمهم فحشا لهم الكتب المدرسية بالأضاليل التي أرتهم الحقّ باطلاً والقبيح جميلاً ...
(إلى أن قلت): لقد سمعوا كلام الرئيس الذي كان يُلقيه في حشود القاهرة. فلما وصفتُ هذه الحشود وقلت إنها لا تُصغي إليه ولا تفهم ما يقول، بل تصيح في موضع الإنصات وتَجمُد في مكان الهتاف وتقطع عليه جملته وتتركه يتكلّم وحده لتهزج وترقص ... لما قلت هذا لم يَعُد يخطب في الحشود (أو لم يعُد يجد حشوداً يخطب فيها)، فصار يتكلّم من الإذاعة كلاماً فيه بكاء بلا دمع، وأرقام بلا وثائق، وأخبار بلا حقائق.
سمعوا هذا من بعيد فظنّوا البكاء عاطفة والأرقام صادقة والأخبار واقعة، ولم يروا ما كان عندنا ولم يعرفوا ما أصابنا،
стр. 2025
فمالوا معه فحكموا له علينا. فإن سألتهم: ما ذنبنا عندكم؟ كان ذنبنا أنّا كرهنا الوحدة وأعرضنا عن تلك الجنّة وملنا مع المستعمرين.
أنحن نكره الوحدة وَيْحَكم؟ أنكره الوحدة وفينا وُلدت، وتحت أيدينا نشأت، ونحن أحقّ بها وأهلُها؟ هل صدّقتم أننا نكره الوحدة؟ هل صدّقتم أننا استجبنا إلى المستعمر؟ أنستجيب إلى المستعمر ونحن كنا أولَ من حاربه ونازله في إبان قُوّته وعنفوان سلطانه؟ أين كان هؤلاء الذين يكتبون عنّا اليوم فيجرائد عبدالناصر في لبنان يوم كنا نحارب فرنسا في الساحل وفي الشمال وفي الجبل وفي الغوطة؟
(إلى أن قلت): أفحاربناها وثرنا عليها، وروينا أرضنا من دمائنا وتركنا نصف دمشق خراباً في قيامنا عليها، لنعود الآن إليها وإلى أخواتها من دول الاستعمار؟ معاذ الله. ولئن كان فينا نفر رُبّوا في مدارسها وعاقروا كؤوس اللذّات في مواخيرها فاستهوتهم بفسوقها، فما هؤلاء هم الأمّة وما هؤلاء من الأمّة، ولا تخلو من أمثال هؤلاء أمّة.
فدعوا هذا الكلام المكرّر المُعاد المَمْلول، فلقد عرف الناس جميعاً أنه ليس عندكم ولا عند البوم الناعب من «صوت العرب» (١) إلاّ مقطوعة واحدة تردّدونها كلما خالفكم مخالف في رأي، هي التهمة بالرجعية والاستعمارية والصهيونية وأن مخالفكم
стр. 2026
عميل مأجور. وهي كلمات صارت من طول التكرار مثل الثوب البالي، وفقدَت معانيها ولم يبقَ لها من أثر في نفس سامعها إلاّ السخرية بقائلها.
إنها طريقة كبيركم الذي علّمكم السحر. ولكن سحر فرعون لم يَعُد يَروجُ على أحد. لقد ألقينا عليه عصا موسى:
إذا جاءَ مُوسى وألقى العصا ... فقَدْ بَطَلَ السّحرُ والسّاحِرُ (١)
* * *
стр. 2027
-١٦٠ -
قصّة الوحدة والانفصال
وبعد، فما قصّة الانفصال؟ ولماذا كرهنا الوحدة بعدما أحببناها، وأعرضنا عنها وقد رحّبنا بها، وفرحنا لذهابها وقد كنا فرحنا لقدومها؟ هل تغيرَت نفوسنا وتبدّلَت أفكارنا، أم أن الذي رأيناه غير الذي تصوّرناه، والذين ولّيناهم أمرَنا أيام الوحدة هم الذين جعلونا بسوء سياستهم أعداء هذه الوحدة؟
إنّ أصدق كلمة قالها قائل بعد الانفصال هي كلمة صديقنا الأستاذ نصوح بابيل: "إن عبد الناصر لم يفهم طبيعة الشعب السوري". إنه لم يفهم طبيعته، ولو فهمها لعلم أننا لا نؤخَذ بالشدّة ولا نُساق بالعصا، وأننا فتحنا صدورنا كما فتحنا بلدنا للمصريين على أنهم أشقّاء لنا، لا على أنهم مسيطرون علينا يسيرون فينا سيرة المستعمرين لنا.
تقول العرب في أمثالها: «شِدّة القُرب حِجاب». أَدْنِ كفّك من عينيك تحجبْ عنك ما بين المشرق والمغرب؛ أي أن الكفّ -على صغرها- أخفَت عنك الدنيا على سعتها! والذين حفّوا بعبدالناصر منّا وتحلّقوا من حوله حتى حالوا بينه وبيننا هم الذين
стр. 2028
جعلوه يُخطئ فهمنا ولا يعرف طبيعتنا؛ أوهموه أنه يستطيع أن يستميلنا ويُرضينا بشرعة الاشتراكية التي آمن بها (والإيمان بها يكاد يكون كفراً بإسلامنا) وأنه يقدر أن يستعين علينا بأولادنا وبناتنا إذ يزيّن لهم كشف العورات ويبيح اختلاط البنين والبنات. وقد عرفتم طرفاً من ذلك ممّا سبق من هذه الذكريات.
وآذانا في أموالنا، ذلك أن الشعب السوري شعب تجّار، من أيام الفنيقيين إلى هذه الأيام، يصنع الأفراد منه ما تعجز عن صنع مثله الشعوب والدول. والذي عمل بين يوم الجلاء ويوم الوحدة كان عجباً من العجب، ولو استمرّ ولم تأتِ عليه أيام الوحدة بالتأميم لصارت سوريا في الشرق الأدنى كاليابان في الشرق الأقصى: أُقيمت مصانع للغَزْل والنسيج يكفي ما ينتج عنها البلاد والبلدان التي حولها، بل يصمد للمنتجات الأخرى في بلادها. خذوا ابن الدبس مثلاً: جاء بالمال من خارج البلاد، فلم يستثمره خارجها بل عاد به إليها، وافتتح به مصنعاً كبيراً قَلّ أن يوجد مثله في أمثال بلادنا. وحضر افتتاحَه عبدُ الناصر نفسه وخطب فيه، ثم انتزعه من صاحبه باسم «التأميم»! وكان للشركة الخماسية في الشام وشركة الغَزْل والنسيج في حلب مصانع كبار تُنتِج الجيّد الكثير، فلما أصابتها محنة التأميم قلّ إنتاجها وتتالت خسائرها.
وكانت الأرض عند بحيرة «العتيبة» و «الهَيجانة» ما فيها نبتة خضراء، وتقول كتب الجغرافيا أن بردى يصبّ في هذه البحيرة ولكنه لا يبلغها في الواقع مرّة كل مئة سنة. فجاء الأَبْش فأحياها وجعلها بساتين متصلات وجنّات عامرات. استنبط من بطنها الماء وحرثها وبذَرَها وحصدها بالآلات الكبار، فأنتجت الكثير الطيّب
стр. 2029
من الثمر حتى صار يُباع البطيخ ينادى عليه في دمشق مرغَّباً فيه: "يا مال الأبش يا بطيخ". فلما جاء «التأميم» قسّمها قطعاً صغاراً بين الفلاّحين، فلم يقدر أحد منهم أن يجيء بآلة حرث ولا بَذْر ولا حصاد، وما كانوا ليتّحدوا ليحلّوا باتحادهم محلّ الأبش بانفراده، فعادوا يحرثون بالمحراث الذي كان يُستعمل أيام الفراعنة تجرّه البقر، وعاد الثمر يُكدّس في مكانه أو يُنقَل على الدوابّ والحمير، فما مرّ ربع قرن حتى رأيناها عادت صحراء كما كانت قبل الأبش صحراء.
وأنا والله لا أعرف الأبش ولا الدبس ولا أدافع عنهما ولا عن أمثالهما، ولي كتابات كثيرة جداً في جرائد الشام أيام الحرب الثانية وفي «الرسالة»، لا سيما في السنة التي أقمت فيها في مصر مُوفَداً إلى وزارة العدل فيها من وزارة العدل في الشام (سنة ١٩٤٧)، وطالما حذّرتهم وقلت لهم: كلما اتسعت المسافة بين فقر الفقراء وغِنى الأغنياء فُتح الباب للشيوعية لتدخل من هذا الفراغ، وإنْ كانت الشيوعية لا تُذهِب فقرَ الفقير ولكن تَذهب بغِنى الغنيّ، فتحقّق المساواة ولكن في الحاجة والفقر!
كان شعارنا تلك الأيام: «وحدة، حرّية، اشتراكية»، وهو شعار الاتحاديين لمّا قاموا في تركيا قبيل الحرب العالمية الأولى: «حرّيَتْ، أخُوَّتْ، مُساوات"، وهو نفسه شعار الثورة الفرنسية. وهو مِن وَضْع اليهود، وضعوه خداعاً للناس وصرفاً لهم ببريق هذه الألفاظ عن حقيقة معناها.
لقد فقدنا حرّيتنا وشعارُنا الحرّية، وصرنا محبوسين مقيّدين
стр. 2030
ونحن منفردون في بيوتنا، صار الصديق جاسوساً على صديقه والأخ جاسوساً على أخيه. كان ينتظرني على باب الدار كل صباح أيامَ الوحدة واحد منهم، صرت أعرفه وإنْ بدّل شخصه، فإذا نزلت من داري في الجبل تبعني، فإن ركبت الترام أو الحافلة ركب معي، فإذا وصلت إلى المحكمة انتظرني على بابها حتى أخرج منها. ويوم الجمعة يلحقني إلى المسجد.
فخرجت مرّة ضحى في يوم ضَاحٍ مُشمِس من أيام الشتاء فوجدت على الباب واحداً منهم، سميناً عليه دثار من الصوف سميك فوق دثار أسمك منه من الشحم، فمشيت مسرعاً ومشى ورائي. وأنا أسكن في حي اسمه حي المهاجرين على سفح جبل قاسيون، شوارعه متقطاعات، منها المعترض الذي يوازي الشارع الأكبر على السفح وشوارع مستطيلات تصعد في الجبل. وكنت أنزل من الشارع المستطيل الذي يصل بي إلى الجادّة الكبرى فأركب الترام أو السيارة، فمشيت في ذلك اليوم عَرْضاً وهو يمشي ورائي يراقبني ليرى مَن أكلّم وإلى أين أذهب، فلم أقف حتى صرت في آخر حي المهاجرين وأنا متوجّه شرقاً، ودخلت حيّ الصالحية (الذي كان أول من أنشأه آل قدامة، والد صاحب «المغني» وأبناؤه)، فمشيت فيه مشرّقاً حتى وصلت إلى آخره، فلم أنزل إلى الشارع العامّ وإنما مضيت قُدُماً فدخلت حيّ الأكراد (حيّ ركن الدين) إلى أن بلغت آخره حيث ينقطع العمران. وكان فيه موقف للحافلات فدخلت واحدة منها، وبقي واقفاً تحت وأنا أراه يكلّم زميلاً له لا أسمع صوته، ولكن أُدرِك مغزى حديثه من إشارة يده. رأيته وقف مع رفيق له يسائله: ما الذي جاء به إلى هذا
стр. 2031
المكان؟ ورأيته كأنه يخبره كيف مشيت وهو يتبعني هذه المسافة كلها ويشكو إليه ما قاسى من التعب، وتترجم قسمات وجهه عمّا في نفسه من الغضب مني والنقمة عليّ، وأتخيل ما يخرج من فمه من ألفاظ السباب والشتائم. فلما هَمّت الحافلة بالمسير أسرع فدخل إليها وقعد فيها وهو يراقبني، حتى انتهى الطريق ونزلت في رأس سوق الحميدية وهو يتبعني، حتى بلغت دار الحديث الأشرفية وفيها مسجد صغير، وقد أذّن الظهر وصعد الخطيب المنبر، فدخلتُ. فلما رآني لم أذهب إلى مسجد كبير ولم أخطب فيه واطمأنّ إلى أنه لن يصدر مني ما يخشاه الحاكمون، انتهت مهمّته فعاد من باب المسجد ولم يصلِّ!
* * *
وكان صديقنا الشيخ محمد محمود الصوّاف قد نزل الشام لمّا لم يَعُد له في العراق على عهد عبد الكريم قاسم مكان، وأقام في فندق اسمه فندق اليرموك. فكنت كلما زرته وجدت عنده نادلاً (جرسون أو بوي كما يقولون) لا يتبدّل ولا يتغير، إن طلب شيئاً جاءه به وإن سأل عن شيء أجابه عنه، فلما كان الانفصال خبّرَنا مدير الفندق أن هذا الخادم ضابط مصري، جاؤوه به وفرضوه عليه ليشتغل عنده نادلاً، فيلازم الصوّاف ويراقبه ويُحصي عليه حركاته وسكناته.
وكنت أعقد في بيتي مجالس أسبوعية مع كثير من أساتذة الديانة في ثانويات دمشق، وكلّهم معروف، من أمثال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والأستاذ محمد القاسمي والدكتور
стр. 2032
أديب صالح، نقرأ بعض الكتب في الأصول. فاستدعوهم واحداً واحداً، وكانوا يتعمّدون إزعاج مَن استُدعي منهم بتركه ساعتين أو ثلاثاً لا يفتحون له الباب ليخرج ولا يطلبونه ليدخل ليحطّموا بذلك أعصابه، ثم إذا دخل على المحقّق سأله عن هذا الاجتماع وعمّا نصنع فيه. أما أنا فلم يتعرّض لي أحد ولم يسألني أحد عن شيء.
وهذا قليل من كثير، قطرة من بحر ممّا رأينا أيام الوحدة وشاهدنا. فماذا نصنع والدواهي الثلاث نازلة علينا؟ واحدة في ديننا، وواحدة في أموالنا، وواحدة في حرّياتنا؛ كأن ذلك هو التفسير العملي للشعار المعلَن «وحدة، حرّية، اشتراكية»: الوحدة تمزيق، والحرّية سجن، والاشتراكية خراب كامل وفقر شامل.
لما كانت الجلسة الأولى التي نتجَت عنها «رابطة العالم الإسلامي» في حج سنة ١٣٨١هـ كنت مع الحُجّاج، فأخذني المفتي الشيخ محمد حسنين مخلوف والمفتي الشيخ القلقيلي والصديق الداعية الإسلامي الشيخ الصوّاف، أخذوني بشِبْه الإكراه إلى هذه الجلسة، وأظنّها كانت بحضور الملك سعود ﵀. وكان كلام في بدعة الاشتراكية وأنها ليست من الإسلام، فقلت لهم: كيف؟ وقد ذُكرت في القرآن؟
فتعجّبوا وقالوا: أين ذُكرت؟ قلت: في قوله تعالى لإبليس: ﴿وشَارِكْهُم في الأموالِ والأولادِ﴾!
* * *
صبرنا حتى ضجّ من صبرنا الصبر، وحملنا حتى ضاق بما
стр. 2033
حملنا الصدر. وكنت في مَضايا، المَصِيف المشهور في الجبل، وجاء من يُخبِرنا بخبر الانفصال.
أُقسِم أني لم أرَ في عمري فرحة عامة كالتي رأيت ذلك اليوم؛ كان الناس كأنهم خرجوا من سجن، أو كما تقول العرب: قد أُطلِقوا من عقال. كان يهنّئ بعضُهم بعضاً، لم تكن ترى إلاّ باسماً مسروراً. ومن رأى ذلك اليوم فقد علم صدق ما أقول، ومن لم يرَه ربما حسب أني أتخيله أو أتزيّد أو أبالغ. ووالله الذي لا يحلف به كذباً إلاّ فاجر ما بالغت ولا تزيّدتُ، ولكن وصفت ما رأيت.
كان الناس يحفّون بالروادّ (الراديوات) الكبار ويعانقون منها الصغار، يستمعون منها البلاغات ويتتبّعون الأخبار. فلما جاء البلاغ رقم ٩ وفيه خبر ينبئ عن بعض التراجُع من الضبّاط الذين قاموا بالانفصال علت الوجوهَ قَترة وملأت النفوسَ كآبة وحسرة، فلما توالت البلاغات بعده بأن الانفصال ماضٍ في طريقه عاد البِشْر إلى الوجوه.
لمّا انقضت الوحدة وخلا الجوّ للقائلين ذهب مَن شاء يدّعي كما شاء بأنه نقد أساليب الحكام أيام الوحدة وتكلّم عنها. وجلّ ذلك غير صحيح، والناس يعلمون مَن الذي جهر بذلك ولم يُخافِت به، وصرّح القول لم يُجَمجِم فيه ولم يتلعثم، وألقاه من فوق المنابر في دمشق وفي حلب (وسأحدّث القُرّاء عن رحلتي أيام الوحدة إلى حلب وما قلته في جامع السلطان في حماة). كان الناس وكان الضبّاط القائمون بهذه الحركة يعرفونه، لذلك بعثوا
стр. 2034
إليّ مَن يطلب مني أن ألقي خطبة الجمعة في جامع بني أميّة لتُبلغها إذاعة دمشق الناس.
ولم أكن قد عرفت حقيقة هذا الانفصال ولا القائمين به، فتنصّلت وتملّصت واعتذرت، فلما يئسوا مني كلّفوا بها صديقنا خطيب جامع بني أميّة، الرجل الصالح الشيخ أبا الفرج الخطيب. ثم عادوا إليّ يطلبون مني أن ألقي كلمة في الإذاعة، وكنت قد عرفت أسماء القائمين بهذا الانفصال وتيقّنت أنهم ليسوا عفالقة بعثيّين ولا بكادشة (نسبة إلى بكداش) شيوعيين، وليسوا من الفاسقين المنحرفين، فقبلت أن أقول كلمة من الإذاعة أعلّق بها على الانفصال، وأن أُلقي خطبة الجمعة المقبلة على أن تُذاع من جامع التوبة، وكان ذلك.
وهذا هو نصّ كلمتي في الإذاعة (١):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد عدت إليكم، عدت بعدما ظننتُ وظنّ الذين منعوني أني لن أعود. لقد قرّروا ألاّ ألقاكم أبداً لأنهم كانوا يظنّون أن السلطان يبقى لهم علينا أبداً. وظنّوا أنهم سَمّروا الفَلَك بمسمار فلا يدور، ونسوا أن الفَلَك دوّار وأن الأيام دُوَل، وأنه لم يَدُم المُلك لمن كان قبلهم حتى يدوم لهم.
وما منعوني لأني أجرمت جرماً، ولا لأني أسأت للبلاد
стр. 2035
ولاللعباد، بل لأن الذي كنت أقوله لهم لم يكن يُعجِبهم؛ لم يُعجِبهم أن أقول لهم إن في الدنيا موتاً، وإن بعد الموت حساباً، وإن بعد الدنيا آخرة، لأنهم لم يكونوا يفكّرون في الآخرة ولا يُدخِلونها في حسابهم. لم يعجبهم أن أقول لهم: عودوا إلى شرع الله فهو أقوم وأقوى من شرع تيتو. لم يعجبهم أن أقول لهم إن طريق الجنّة خير من طريق النار. لم يعجبهم أن أقول لهم: استروا العورات وامنعوا المحرّمات.
لذلك أبعدوني وقالوا: لن تعود إلى الإذاعة أبداً. فأبعدهم الله وأعادني!
وبعد، فلقد أردت أن أُعِدّ لهذا المقام كلاماً غير هذا الكلام، أُعِدّ خطبة من النمط العالي من البيان، ولكن زميلاً لنا كريماً من إخواننا المصريين الكرام لَقِيَني فقال لي: إيه رأيك فيما حدث؟ فقلت: الحمد لله، اللهم أنعمت فزِدْ. فقال: إيه؟ أتفرح بزوال الوحدة؟
وفكّرتُ: هل أفرح حقاً بزوال الوحدة؟
هذا أقوى ما يحتجّون به علينا، وهي حُجّة دامغة، ولكن هل فرحنا بزوال الوحدة كرهاً بالوحدة؟ هل نحن أعداء الوحدة؟ أنا أعذُر الذي يسمع خطاب سيادة الرئيس من بعيد، وأعذر من يسمع ما تقوله إذاعة القاهرة وهو لا يعرف ماذا قاسينا من الوحدة. لقد أصغيت إلى سيادة الرئيس وهو يخطب من يومين في حشد حاشد، يظهر أنه لا يصغي إلى سيادته ولا يفهم ما يقول، لأن المحتشدين يضجّون ويصخبون في موضع الإنصات والسكون،