← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

المكان؟ ورأيته كأنه يخبره كيف مشيت وهو يتبعني هذه المسافة كلها ويشكو إليه ما قاسى من التعب، وتترجم قسمات وجهه عمّا في نفسه من الغضب مني والنقمة عليّ، وأتخيل ما يخرج من فمه من ألفاظ السباب والشتائم. فلما هَمّت الحافلة بالمسير أسرع فدخل إليها وقعد فيها وهو يراقبني، حتى انتهى الطريق ونزلت في رأس سوق الحميدية وهو يتبعني، حتى بلغت دار الحديث الأشرفية وفيها مسجد صغير، وقد أذّن الظهر وصعد الخطيب المنبر، فدخلتُ. فلما رآني لم أذهب إلى مسجد كبير ولم أخطب فيه واطمأنّ إلى أنه لن يصدر مني ما يخشاه الحاكمون، انتهت مهمّته فعاد من باب المسجد ولم يصلِّ! * * * وكان صديقنا الشيخ محمد محمود الصوّاف قد نزل الشام لمّا لم يَعُد له في العراق على عهد عبد الكريم قاسم مكان، وأقام في فندق اسمه فندق اليرموك. فكنت كلما زرته وجدت عنده نادلاً (جرسون أو بوي كما يقولون) لا يتبدّل ولا يتغير، إن طلب شيئاً جاءه به وإن سأل عن شيء أجابه عنه، فلما كان الانفصال خبّرَنا مدير الفندق أن هذا الخادم ضابط مصري، جاؤوه به وفرضوه عليه ليشتغل عنده نادلاً، فيلازم الصوّاف ويراقبه ويُحصي عليه حركاته وسكناته. وكنت أعقد في بيتي مجالس أسبوعية مع كثير من أساتذة الديانة في ثانويات دمشق، وكلّهم معروف، من أمثال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والأستاذ محمد القاسمي والدكتور

стр. 2032

أديب صالح، نقرأ بعض الكتب في الأصول. فاستدعوهم واحداً واحداً، وكانوا يتعمّدون إزعاج مَن استُدعي منهم بتركه ساعتين أو ثلاثاً لا يفتحون له الباب ليخرج ولا يطلبونه ليدخل ليحطّموا بذلك أعصابه، ثم إذا دخل على المحقّق سأله عن هذا الاجتماع وعمّا نصنع فيه. أما أنا فلم يتعرّض لي أحد ولم يسألني أحد عن شيء. وهذا قليل من كثير، قطرة من بحر ممّا رأينا أيام الوحدة وشاهدنا. فماذا نصنع والدواهي الثلاث نازلة علينا؟ واحدة في ديننا، وواحدة في أموالنا، وواحدة في حرّياتنا؛ كأن ذلك هو التفسير العملي للشعار المعلَن «وحدة، حرّية، اشتراكية»: الوحدة تمزيق، والحرّية سجن، والاشتراكية خراب كامل وفقر شامل. لما كانت الجلسة الأولى التي نتجَت عنها «رابطة العالم الإسلامي» في حج سنة ١٣٨١هـ كنت مع الحُجّاج، فأخذني المفتي الشيخ محمد حسنين مخلوف والمفتي الشيخ القلقيلي والصديق الداعية الإسلامي الشيخ الصوّاف، أخذوني بشِبْه الإكراه إلى هذه الجلسة، وأظنّها كانت بحضور الملك سعود ﵀. وكان كلام في بدعة الاشتراكية وأنها ليست من الإسلام، فقلت لهم: كيف؟ وقد ذُكرت في القرآن؟ فتعجّبوا وقالوا: أين ذُكرت؟ قلت: في قوله تعالى لإبليس: ﴿وشَارِكْهُم في الأموالِ والأولادِ﴾! * * * صبرنا حتى ضجّ من صبرنا الصبر، وحملنا حتى ضاق بما

стр. 2033

حملنا الصدر. وكنت في مَضايا، المَصِيف المشهور في الجبل، وجاء من يُخبِرنا بخبر الانفصال. أُقسِم أني لم أرَ في عمري فرحة عامة كالتي رأيت ذلك اليوم؛ كان الناس كأنهم خرجوا من سجن، أو كما تقول العرب: قد أُطلِقوا من عقال. كان يهنّئ بعضُهم بعضاً، لم تكن ترى إلاّ باسماً مسروراً. ومن رأى ذلك اليوم فقد علم صدق ما أقول، ومن لم يرَه ربما حسب أني أتخيله أو أتزيّد أو أبالغ. ووالله الذي لا يحلف به كذباً إلاّ فاجر ما بالغت ولا تزيّدتُ، ولكن وصفت ما رأيت. كان الناس يحفّون بالروادّ (الراديوات) الكبار ويعانقون منها الصغار، يستمعون منها البلاغات ويتتبّعون الأخبار. فلما جاء البلاغ رقم ٩ وفيه خبر ينبئ عن بعض التراجُع من الضبّاط الذين قاموا بالانفصال علت الوجوهَ قَترة وملأت النفوسَ كآبة وحسرة، فلما توالت البلاغات بعده بأن الانفصال ماضٍ في طريقه عاد البِشْر إلى الوجوه. لمّا انقضت الوحدة وخلا الجوّ للقائلين ذهب مَن شاء يدّعي كما شاء بأنه نقد أساليب الحكام أيام الوحدة وتكلّم عنها. وجلّ ذلك غير صحيح، والناس يعلمون مَن الذي جهر بذلك ولم يُخافِت به، وصرّح القول لم يُجَمجِم فيه ولم يتلعثم، وألقاه من فوق المنابر في دمشق وفي حلب (وسأحدّث القُرّاء عن رحلتي أيام الوحدة إلى حلب وما قلته في جامع السلطان في حماة). كان الناس وكان الضبّاط القائمون بهذه الحركة يعرفونه، لذلك بعثوا

стр. 2034

إليّ مَن يطلب مني أن ألقي خطبة الجمعة في جامع بني أميّة لتُبلغها إذاعة دمشق الناس. ولم أكن قد عرفت حقيقة هذا الانفصال ولا القائمين به، فتنصّلت وتملّصت واعتذرت، فلما يئسوا مني كلّفوا بها صديقنا خطيب جامع بني أميّة، الرجل الصالح الشيخ أبا الفرج الخطيب. ثم عادوا إليّ يطلبون مني أن ألقي كلمة في الإذاعة، وكنت قد عرفت أسماء القائمين بهذا الانفصال وتيقّنت أنهم ليسوا عفالقة بعثيّين ولا بكادشة (نسبة إلى بكداش) شيوعيين، وليسوا من الفاسقين المنحرفين، فقبلت أن أقول كلمة من الإذاعة أعلّق بها على الانفصال، وأن أُلقي خطبة الجمعة المقبلة على أن تُذاع من جامع التوبة، وكان ذلك. وهذا هو نصّ كلمتي في الإذاعة (١): السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد عدت إليكم، عدت بعدما ظننتُ وظنّ الذين منعوني أني لن أعود. لقد قرّروا ألاّ ألقاكم أبداً لأنهم كانوا يظنّون أن السلطان يبقى لهم علينا أبداً. وظنّوا أنهم سَمّروا الفَلَك بمسمار فلا يدور، ونسوا أن الفَلَك دوّار وأن الأيام دُوَل، وأنه لم يَدُم المُلك لمن كان قبلهم حتى يدوم لهم. وما منعوني لأني أجرمت جرماً، ولا لأني أسأت للبلاد

стр. 2035

ولاللعباد، بل لأن الذي كنت أقوله لهم لم يكن يُعجِبهم؛ لم يُعجِبهم أن أقول لهم إن في الدنيا موتاً، وإن بعد الموت حساباً، وإن بعد الدنيا آخرة، لأنهم لم يكونوا يفكّرون في الآخرة ولا يُدخِلونها في حسابهم. لم يعجبهم أن أقول لهم: عودوا إلى شرع الله فهو أقوم وأقوى من شرع تيتو. لم يعجبهم أن أقول لهم إن طريق الجنّة خير من طريق النار. لم يعجبهم أن أقول لهم: استروا العورات وامنعوا المحرّمات. لذلك أبعدوني وقالوا: لن تعود إلى الإذاعة أبداً. فأبعدهم الله وأعادني! وبعد، فلقد أردت أن أُعِدّ لهذا المقام كلاماً غير هذا الكلام، أُعِدّ خطبة من النمط العالي من البيان، ولكن زميلاً لنا كريماً من إخواننا المصريين الكرام لَقِيَني فقال لي: إيه رأيك فيما حدث؟ فقلت: الحمد لله، اللهم أنعمت فزِدْ. فقال: إيه؟ أتفرح بزوال الوحدة؟ وفكّرتُ: هل أفرح حقاً بزوال الوحدة؟ هذا أقوى ما يحتجّون به علينا، وهي حُجّة دامغة، ولكن هل فرحنا بزوال الوحدة كرهاً بالوحدة؟ هل نحن أعداء الوحدة؟ أنا أعذُر الذي يسمع خطاب سيادة الرئيس من بعيد، وأعذر من يسمع ما تقوله إذاعة القاهرة وهو لا يعرف ماذا قاسينا من الوحدة. لقد أصغيت إلى سيادة الرئيس وهو يخطب من يومين في حشد حاشد، يظهر أنه لا يصغي إلى سيادته ولا يفهم ما يقول، لأن المحتشدين يضجّون ويصخبون في موضع الإنصات والسكون،

стр. 2036

ويسكتون في موضع الهتاف والتصفيق، ويقطعون الجملة عليه من وسطها ليهتفوا أو يصيحوا، أو يقوم قائم فيهم فيُلقِي خطبة أخرى قصيرة لا صلة لها بخطبة الرئيس ... ولكنه مع ذلك كان يقول كلاماً يؤثّر فيمن لا يعرف حقيقة ما كان. إنه يمدح الوحدة ويدعو إلى الحفاظ عليها. ونحن نمدح الوحدة وندعو إلى الحفاظ عليها، بل نحن كنا أول من دعا إلى هذا، ونحن معشر العلماء خاصة كنا أصحاب دعوتها لأنها شعبة من شعب ديننا، وحكمها في آية من كتاب ربنا الذي نقرأ به في صلاتنا ونراه دستور دنيانا وديننا، قال تعالى: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾. فإذا كان ديني يوجب عليّ أن أَعُدّ آخر مسلم في أقصى الأرض أخي، فهل تراني أجحد أُخُوّة المصري وهو أخي في الدين وفي اللسان وفي الجوار وفي الذكريات في الآلام؟ ولو جحد الناس جميعاً أُخُوّة الشاميين والمصريين، لما استطعت أنا أن أجحدها، لأن مصر أصلي وطنطا بلدي والذي نزح منها جدّي أبو أبي، ولأن لي فيها نسباً وصهراً، ولأن لي فيها إخواناً وصحباً، ولأنني أقمت في مصر سنين طوالاً، ولأني لا أفرّق بين القاهرة ودمشق، وكلاهما بلدي وبغداد بلدي وعمّان بلدي، ومكّة بلدي وبلد كل مسلم. إن الوحدة هي أمل كل واحد منّا، وهي أقصى ما يتمنّاه الكبير فينا والصغير، والرجل في السوق والمرأة في البيت والولد في المدرسة. ولو جاء مَن يقول لنا اكفروا بالوحدة لكفرنا به هو ولم نبالِ به، ولو كان معه دبّابات الدنيا وطياراتها وقنابلها

стр. 2037

الذرّية. ولو أن هؤلاء الضبّاط الثائرين أنكروا الوحدة وحاربوها لأنكرناهم وحاربناهم، ولكنهم لم يُنكِروها بل صرّحوا (ولا يزالون يصرّحون) بأنهم يؤمنون بها. لم يحاربوها، بل لقد أيّدوها ولا يزالون يؤيّدونها. فلا تقولوا إننا خصوم الوحدة، فإن الدعوة إلى الوحدة من عندنا خرجت؛ نحن لقّناكم إياها ونحن علّمناكم النطق باسمها. أنا أعرف مصر من سنة ١٩٢٨، وكنت أول طالب من الشام ذهب بعد البكالوريا ليدرس في مصر. فمتى كانت مصر تنادي بالعربية؟ متى؟ أيوم كان النقاش بيننا وبين الدكتور هيكل وجماعة «السياسة الأسبوعية» الذين كانوا يدعون إلى الفرعونية؟ يوم كانت المناظرة بين كُتّاب الشام ولبنان وبين طه حسين لمّا قال في الباخرة «مارييت باشا» (وهو في طريقه للاصطياف في أوربّا سنة ١٩٣٧ على ما أذكر) إن مصر لا تعرف إلاّ المصرية وإنها لا تؤمن ولا تستطيع أن تؤمن بالعربية؟ يوم كان سلامة موسى يُعلِن جهراً في جرائد مصر أن الدعوة العربية ضلالة، وأن الرابطة الشرقية سخافة، وأن مصر قطعة من أوربا؟ نحن علّمناكم معنى الوحدة. أعلّمُهُ الرمايةَ كلَّ يومٍ ... فلما استدَّ ساعدُهُ رمانِي وكم علّمتُهُ نظم القوافي ... فلمّا قالَ قافيةً هجاني لا يا سيدي الرئيس؛ نحن لم نكن قطّ ولن نكون أبداً أعداء الوحدة ولا دُعاة الانفصال، ونحن الذين طلبوا الوحدة وأعلنوها في مجلسهم في الشام قبل إعلانها في مصر. أنا يا سيدي لست من أهل السياسة ولا من رجال الحكم.

стр. 2038

أنا رجل من رجال العلم والأدب، ولكن إن لم أكن على مسرح السياسة فإني في القاعة أسمع وأرى، لست بحمد الله أصمّ ولا أعشى. إننا لما سمعنا نبأ إعلان الوحدة من نحو أربع سنين ما صدّقنا من فرحنا ما نسمع وفركنا آذاننا وأصغينا كَرّةً أُخرى، حتى وثقنا أن الحلم صار حقيقة، فرقصَت من السرور قلوبُنا في صدورنا. ولمّا جئت الشام أول مرّة -يا سيادة الرئيس- خرجَت الشام كلها لاستقبالك، ولمّا قلت استمعَت لقولك وصفّقَت لك. فما الذي جرى حتى تَبَدّل الأمر؟ كيف أجمعت الأمّة في الشام على الفرح بالوحدة ثم أجمعت على الفرح بالخلاص من الوحدة؟ اسمح لي أن أقول بكل احترام، فما يجدر أن أسيء الأدب معك حين لم يبقَ لك عليّ سلطان، أقول إنك أنت الذي خيّب أملها في الوحدة. إنك لم تفهم طباع هذا الشعب ولا أخلاقه. إن الشعب في الشام أخو الشعب في مصر، ولكن قد تختلف طباع الأخوَين في الدار الواحدة، وما يصلح في مصر لا يصلح في الشام، والثوب الذي يُفصَّل لمصر لا يستطيع أن يلبسه أهل الشام. وأنت أردت أن تُلبِسنا ثوباً لم يُفصَّل علينا. كنا نتألم ولا نستطيع أن نتكلّم. وأنا ألتمس لك المعاذير؛ سأقول إن من الممكن أنك لم تكن تعلم بآلامنا. ولكن لماذا لم تعلم بها؟ وهل المسؤول نحن أم المسؤول أنت يا سيدي؟ لقد تعوّدنا أن يذهب أصغر واحد فينا إلى رئيس الجمهورية أو رئيس الوزارة فيقرع عليه الباب متى شاء ويكلّمه كما يكلّم

стр. 2039

جاره وصديقه، فجئت أنت فعملت لنفسك حجاباً كحجاب كسرى أنو شروان في سابق العصر والأوان، فلا يستطيع أن يصل إليك إنسان. ولقد حاولنا -معشر العلماء- أن نقابلك وطلبنا المواعيد مِراراً وسعينا لذلك سعياً وسلكنا له كل سبيل، فما استطعنا أن نظفر بلقائك. مع أننا كنا نراك في الرائي (التلفزيون) تُمضي ليلة كاملة من ليالي رمضان، ليالي الطاعة والعبادة، ترى الراقصات العاريات وتسمع المغنّيات الفاسقات في حفلات «أضواء المدينة»، فهل اتّسع وقتك لهذا وضاق وقتك عن لقاء العلماء؟ لا أقول هذا الكلام الآن، بل لقد علمتَ أنني قلته في جامع تنكز في الليلة التي كنت تحضر فيها هذه الحفلات، قلته علناً لم أكتمه ولم أدارِ به، ولم أخَفْ أحداً في مقالتي لأنها مقالة تُرضي الله. ثم قلّدَك في ذلك أعوانك وحاشيتك، حتى إنّ وفداً من الشام يضمّ رئيس رابطة العلماء ونائبه واثنين من أعضاء هذا المجلس الذي دعوتموه مجلس الأمّة وأستاذاً من أساتذة الجامعة وأنا، ذهبنا إلى مصر وأقمنا عشرة أيام، نقرع الأبواب ونسأل الحُجّاب الوصول إلى وزير المعارف، فما استطعنا أن نحظى بشرف المثول في حضرة وزير المعارف. وكنا نرسل البرقية فلا تصل البرقية، ونبعث الكتاب فلا ينبعث الكتاب. فتعذّر الوصول إليك وانسدّ الطريق، طريق المقابلة وطريق المراسلة! كنا نريد أن نشكو إليك ما نرى من الآثام والمعاصي منك ومن حكومتك، فلم تُرِد أن نشكو إليك، فذهبنا

стр. 2040

نشكو منك ونُعلِن الشكوى في المساجد وفي المجامع وحيثما استطعنا. وكنا نعلم أن بيدك السجن والتعذيب، وكنا نخاف منك، ولكنا كنا نذكر عذاب الله إن سكتنا، فنخاف من الله فيذهب خوفنا منك فنتكلّم عليك. فلماذا قلنا ذلك الكلام ولماذا حملنا تلك الحملات؟ كراهية للوحدة؟ نعوذ بالله. إن الوحدة عقيدة من عقائدنا وأمل من آمالنا. بل كراهيةً لهذه الوحدة التي جئتَنا بها، كراهيةً لأسلوب الحكم الذي اتّبعتَه فيها. لم أكرهها أنا وحدي، بل لقد كرهها كلّ شامي. إنك قد تعجب إذ تسمع هذا لأن الذين من حولك خدعوك، خدعوك بالناس الذين كانوا يسوقونهم بالعصا يحشدونهم لك حول قصر الضيافة كلما جئت لتقوم فتقول فيصفّقوا لك ويهتفوا، حسبت هؤلاء هم الشعب مع أن الشعب كلّه كان ناقماً، وهؤلاء أيضاً كانوا ناقمين ولكنها «المباحث» والمكتب الخاصّ والإرهاب والحكم الفرديّ. لقد تركتهم يؤلّهونك من دون الله، وما من إله إلاّ الله! لقد سمعتَهم يقولون: ناصر ناصر ناصر ... كما يقول الذاكرون المؤمنون: الله الله الله. فلم تنهَهم ولم تُنكِر عليهم. تَمُنّ علينا بهذه التقدّمية الفاسقة وبهذه القرارات الاشتراكية؟ إنه ما أغضبنا إلاّ هذه التقدّمية الفاسقة وهذه القرارات الاشتراكية. إننا في بلد مؤمن متمسّك محافظ على عفاف بناته، أفنرضى أن يكون الرقص درساً في المدارس، وأن نأتي بمدرّسيه من

стр. 2041

الحانات والخمّارات ليعلّموا بناتنا الرقص بدلاً من تعليمهن الأخلاق والآداب؟ وأن تذهب بناتنا ليقضين شهراً في قرية التلّ في المعسكر مع الرجال الأجانب؟ وأن تقيم الحكومة دائرة رسمية للرقص؟ وأن يوضع تمثال للراقصات أمام جامع الروضة ويبقى سنة كاملة؟ أقامته وزارة الثقافة والإرشاد، وإنها لوزارة السخافة والإفساد. لقد أريته للوزير كمال الدين حسين من الشبّاك لما قابلناه مع العلماء وأسمعناه ما لم يسمع مثله في عمره. قلت له: هل ترى يا مولانا؟ أمام الجامع بالذّات؟ لا دين ولا ذوق! (١) * * *

стр. 2042

-١٦١ - نظرة في أسباب الانفصال بين سوريا ومصر إننا في بلد حُرّ، كنا نقول ما نريد، كنا نكتب ما نشاء. كنت أكتب والله سنة ١٩٣١ في جريدة «الأيام» إلى المسيو بونسو، المفوَّض السامي الفرنسي الذي كان يملك من السلطان ما لم تملكه حكومتا سوريا ولبنان، كنت أكتب إليه ما لم أعُد أستطيع أيام وحدتكم أن أكتب مثله لمدير ناحية، وهو أصغر موظف إداري في البلاد. لقد صار الواحد منّا يخشى أن يتكلّم في السوق لئلاّ يكون جاره من رجال المباحث أو رجال المكتب الخاصّ، أو رجال ما لست أدري ماذا ... ويخشى أن يتكلم في المدرسة لئلاّ يكون تلميذه من رجال المباحث أو من رجال المكتب الخاصّ، ويخشى أن يتكلم في البيت لئلاّ يكون أخوه من رجال المباحث أو من رجال المكتب الخاصّ. لقد كنت أقرأ في مذكّرات أستاذنا كرد علي ﵀، أخبار التجسّس والرقابة أيام السلطان عبد الحميد وما كان يُنفِق عليها

стр. 2043

وإلى أين بلغَت قوّتها، فوجدت ما كان أيام السلطان عبدالحميد لا يبلغ واحداً من مئة ... أستغفر الله، بل لا يبلغ واحداً في الألف ممّا رأينا في هذه السنين الثلاث الماضيات. لم تكن السلطة التنفيذية أيام الانتداب الفرنسي تستطيع أن توقف أحداً أو أن تسلبه حرّيته إلاّ بحكم من القضاء، فصرنا أيام الوحدة ننام جميعاً، فإذا أصبحنا افتقدنا واحداً منّا ... لقد جاءه في وسط الليل من انتزعه من فراشه وأخذه إلى حيث لا يدري أحد، بلا محاكمة ولا حكم! وأنا أستحلفك يا سيادة الرئيس بالله: هل هذا من شِيَم العرب؟ هل هذا من أحكام الإسلام؟ هل تريد أن يحتمل العرب ذلك؟ هل تريد أن تقابل إسرائيلَ وأن تحارب الاستعمار بشعب ذليل خانع، يبلغ من ذِلّته ومن خنوعه أنه يرضى بهذا ويسكت عليه؟ ولا يُقِيمُ على ضَيمٍ يُرادُ بِهِ ... إلاّ الأذلاّنِ: عِيرُ الحيِّ والوَتَدُ فهل ترضى أن تكون رئيساً لشعب من الجمادات كالأوتاد أو من الحيوانات كالحمير؟ وأنا -مع ذلك- ألتمس لك المعاذير، فأعود فأقول: لعلك لم تعلم بهذا. ولكن لماذا لم تعلم به؟ ولماذا أبَيت أن تعلم به لما جئنا نعرضه عليك ونرفع لك خبره؟ وماذا نصنع نحن إذا لم تعلم به؟ أنبقى مخنوقين حتى تعلم؟ فلماذا لا تلتمس العذر لنا مثلما نلتمس العذر لك، مع أن عذرنا يا سيدي ظاهر واضح وعذرك مقدَّر مستتر؟

стр. 2044

"إن هذا البلد -يا سيدي- بلد تاجر أهله بارعون. انظر ما حققناه في عشر سنين من المعامل والمشروعات، فجئت بقراراتك التي سميتها «الاشتراكية»، فلم يعد يأمن أحدٌ على ماله، لم يعد أحدٌ يقيم مشروعاً إلا إذا كان مجنوناً. هذا الدبس جاء بالملايين من الخارج وعرض عليك فكرة إقامة المعمل فشجّعته، وسألك الضمان فضمنت له، وجئت بنفسك فخطبت في يوم افتتاح معمله الذي أقامه بماله. فبأيّ دين يا سيدي، بأيّ دين، بأيّ قانون، بأيّ منطق تأخذ منه معمله؟! أنا والله لا أعرف هذا الرجل ولا صلة لي به ولا بغيره، ولست ممّن يرتشي ولا من الذين تفضّلت فوصفتَهم بأنهم أكَلة لحوم الفراخ" (١). العلماء الناصحون أكَلة فراخ؟ أليس عيباً يا سيدي الرئيس أن تهجو علماء بلدك أمام الأجانب بهذا الكلام؟ وهل الذي يُنكِر عليك ويجرؤ على الوقوف في وجهك، وأنت في سلطانك، يكون ممّن يبيع ذمّته بأكْلة فراخ؟ لا والله، ولكن أكَلة الفراخ هم الذين ينافقون لك ويتزلّفون إليك من العلماء ومن غير العلماء، الذين يقومون على منابر الجوامع فيقولون: إن مجدّدي الإسلام ثلاثة: عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، وجمال عبدالناصر! الذين كانوا يقومون على منابر المساجد يوم ذكرى مولد رسول الله ﵊ فيقول أحدهم (في مسجد الروضة في شارع أبي رمانة أفخم شوارع دمشق): "نحتفل اليوم بمناسبتين عظيمتين، مولد الرسول وأسبوع الجامعات" ... أسبوع

стр. 2045

الجامعات الذي ارتُكبت فيه المحرّمات وكانت الموبقات من الاختلاط بين البنين والبنات. هؤلاء هم المنافقون، هؤلاء هم الذين باعوا دينهم وذِمَمهم بأكلة فراخ، لا الذين قالوا: إن هذا التأميم حرام مخالف للإسلام. واسمح لي يا سيدي الرئيس أن أقول لك شيئاً آخر: إنك تؤمن بالوحدة لا شكّ في ذلك، وبأن أهل الشام وأهل مصر إخوان، فكيف أصدرت الأمر بعد الانفصال بإرسال الجنود وسَوق الأساطيل لحرب إخوانك في الشام؟ هل تمّ القضاء على إسرائيل وعلى كلّ عدو لنا ولك، واستراح جيشنا وجيشك من عناء القتال، ولم يبقَ أمامه ميدان يحارب فيه ولا عدوّ يهجم عليه إلاّ ميدان الشام وأهل الشام؟ وكيف بعثت يا سيدي بهذه الأموال لشراء الضمائر وقتل الأخلاق؟ إنّ الضمائر والأخلاق أغلى من الأجساد والأرواح، فهل يقتل الأخ ضمير أخيه؟ وما لهذا الرجل الذي يتكلّم من «صوت العرب» (المدعوّ أحمد سعيد) يشتم العرب بالألفاظ والجُمَل نفسها التي كان يشتم بها أعداء العرب؟ إننا إذا كرهنا حُكمَك ولم نعُد نحتمله فتخلّصنا منه، فما كرهْنا واللهِ مصر، ولا كرهنا واللهِ الوحدة، ولا كرهنا شخصك ولا أنكرنا عليك أعمالك الحسنة. وقد التمسنا لك المعاذير، فلماذا لا تلتمس لأخيك عذراً؟ لقد قرأت وأنا صغير في كتاب المدرسة أن صياداً كان يذبح العصافير في يوم بارد ويبكي، فقال عصفور لرفيقه: أما ترى رِقّة

стр. 2046

قلبه وانسياب دمعه؟ قال: لا تنظر إلى عينه التي تدمع ولكن إلى يده وما تصنع! لقد ذُبحنا أيام الوحدة. لقد رأينا ما لم نرَ مثله أيام الانتداب. إي والله العظيم؛ لقد رأينا من الفسوق والعصيان ومخالفة الشرع والاختلاط والتكشّف، والحكم بغير ما أنزل الله، وخنق الحرّيات وكَمّ الأفواه وعَقْل الأقلام، وسجن الناس بلا ذنب أذنبوه ولا حكم حُكم به عليهم، ما لم نرَ مثله أيام الفرنسيين، "لا والله ولا أيام الثورة. ولقد صبرنا حتى ضجّ من صبرنا الصبرُ، ولم نعد نحتمل الألمَ فقلنا: آه! فهل كان معنى ذلك أننا أعداء الوحدة؟ " (١) إن الوحدة يا سيدي لا توصف بذاتها بأنها خير أو أنها شرّ، والله جمع في آية واحدة بين قوله: ﴿وتَعَاونوا﴾ وقوله: ﴿ولا تَعَاونوا﴾ فقال: ﴿وتَعَاوَنوا على البِرِّ والتَّقْوى، ولا تَعَاونوا على الإثْمِ والعُدْوانِ﴾. وإن اتّحد جماعة من المحسنين وتعاونوا على إنشاء جمعية خيرية كان ذلك خيراً، وإن اتحد اللصوص وتعاونوا على تأليف عصابة إجرام كان شراً. ولو جعلتموها وحدة بِرّ وتقوى واتّبعتم فيها شرع الله ولم تتعدّوا حدوده لظللنا كما كنا، مرحّبين بها مُقبِلين عليها. ولكنكم جعلتموها للإثم والعدوان: عدوان على أحكام الشرع، عدوان على أموال الناس وحرّياتهم. أفتبكي عليها بعدما وأدتَها؟ أتبكي على لُبنى وأنتَ ترَكْتَها؟ ... لقد ذهَبَتْ لُبْنى فما أنتَ صانعُ؟

стр. 2047

ليبكِ عليها من لحس عسلها، لا من لسعَته النحل من حول العسل. ليبكِ عليها من قطف وردها، لا من دَمِيَت أصابعه بشوكها. ليبكِ عليها من أكل لحمها، لا من غُصّ واختنق بعظمها. على أن هذه الدنيا زائلة يا سيادة الرئيس، زائل كلّ ما فيها؛ فلا المُلك يبقى ولا المال ولا السلطان، ولو دامت لمَن كان قبلك لما وصلت إليك. فاتّقِ الله، اتّق الله الذي تقف غداً بين يديه وحدك، ليس معك من يحفّ بك ولا من يهتف لك ولا من يحميك. وسيسألك الله عن كلّ قانون مخالف للشرع أصدرتَه، وعن كل قرش من أموال الأمّة: من أين جمعتَه وأين أنفقتَه، وعن كل عورة كشفتَها أو رضيت بكشفها، وعن كل منكَر أقررتَه أو قدرت على منعه فلم تمنعه ... هنالك الامتحان، فاستعِدّ ليوم الامتحان. وليعدّ الجوابَ كلُّ ملك وكل حاكم وكل رئيس ليوم لا رئيسَ فيه ولا حاكمَ ولا ملك، يومَ ينادي المنادي: لمن المُلك اليوم؟ فيجيب المجيب: لله الواحد القهّار. وأنتم يا أيها الضبّاط الذين أنقذونا من هذا البلاء الذي لم نستطع له بالحسنى دفعاً: لكم الشكر، وأسأل الله أن يوفّقكم إلى ما فيه رضاه، وأن يجنّبكم خطيئات من كان قبلكم، وأن يُلهِمكم إصلاح ما فسد من الأمور وإبطال ما حدث من المنكَرات. وأسأل الله أن يُعيدَ لنا الوحدة التي يرضاها الله، وحدة التعاون على البِرّ والتقوى، وحدة العدالة والحرّية والمساواة. إنه سميع الدعاء. * * *

стр. 2048

هذا نَصّ الكلمة التي أُذيعَت، ولكنها ليست التي كتبتها أول مرّة. لقد كتبت كلمة عنيفة فيها هجوم وفيها سخرية، وفيها نار تلتهب وبارود يتفجّر. ولكن صهري زوج بنتي، عصام العطار، وإخوة لنا، رأوا أن أهدّئ من نارها وأن أنقص من بارودها، فكتبت هذه وطلبت إلى الإذاعة ألاّ يُذيعوا الأولى. وكان الموكل بالإذاعة ضابطاً متحمّساً فعزّ عليه ألاّ تُذاع، فكاد يُصِرّ، وأصررت حتى كان ما أردتُ. ذهبت إلى الإذاعة فألقيت هذه الكلمة وسمعها الناس، وعدت إلى داري. وكذلك أنا في حياتي كلّها: أخطب الخطبة أو أذيع الكلمة أو أكتب المقالة تزلزل البلد وربما أثّرَت في مجرى الأحداث، وأنا منفرد بنفسي في داري أو مع نفر من خاصة أصدقائي؛ لا أستثمر ما أقول ولا أجعله وسيلتي إلى لقاء الحكام. ولقد شهد كثير ممّن تُقبَل شهادته ممّن كتب مذكرات عن هذه الحقبة، وقالوا وبيّنوا ما كان لكلمتي من أثر كبير، وبأن مناطق في سوريا ما أيّد أهلها الانفصال إلاّ بعدما سمعوا كلمتي. ارتضاها وأثنى عليها جمهور من الناس، وسخطها وذمّها وذمّ قائلَها جمهورٌ من الناس. وأذاعتها أو أذاعت فقرات منها إذاعات عربية كثيرة، وعلّق عليها الموافق والمخالف والصديق والعدوّ، حتى إذاعة إسرائيل أعادتها مرّات وعلّقَت عليها بما شاءت وشاء لها هواها وبغضها العربَ والمسلمين، وكتبَت عنها الصحف. وهذا هو مقياس النجاح الإعلامي. ولكني أحاسب نفسي الآن فأفكّر وأسأل: هل كنت مصيباً فيها أو مخطئاً؟ لا بالمقياس

стр. 2049

الإعلامي بل الإسلامي. هل أُثاب عليها أم أؤاخَذ بها؟ ألا يمكن أن أكون قد أعنت بها على زيادة الفرقة والانقسام؟ إن لي نفساً لوّامة، أعمل العمل ثم أعود فألوم نفسي عليه وأحاسبها به في الدنيا قبل يوم الحساب. فهل أنا المخطئ فيها المَلوم عليها؟ هل يُلام مَن يشتكي وقع السياط عليه ويصرخ أو يشتم، أم يُلام من يضربه بغير حقّ؟ أمّا رأي الناس فلا أزعم أني لا أبالي به أبداً، ولكن أقول صادقاً إنني لا أبالي به كثيراً؛ إن الذي يهمّني ألاّ أُسخِطَ الله عليّ وألاّ أعمل عملاً أعرّض به نفسي لعقابه. فهل يعاقبني الله على هذه الكلمة وعلى موقفي يوم الانفصال؟ الله يوم القيامة لا يسألنا فقط: ماذا عملتم؟ بل يسألنا: لماذا عملتم؟ أي أن الله يحاسب على النيّات مع حسابه على الأفعال. بل إن المعوَّل عليه ما في القلب: ﴿يومَ تُبلَى السرائرُ﴾، أي تُختبَر النيّات وما تنطوي عليه الضمائر. والله يعلم أنني ما أردت بها جلب منفعة لي (ولا جلبتُها)، ولا أردت دفع مضرّة عني (ولا دفعتُها)، بل أردت بها المشاركة في إقامة الحقّ وفي إنكار المنكَر، وفي ذمّ المسيء وفي مدح المحسن. * * * وجاءت خطبة الجمعة. وكنت قد وعدت أن أتولاّها أنا وأن تكون في جامع التوبة في حيّ العقيبة في طرف دمشق، أو كان يومئذ في طرفها. في هذا الحيّ وُلدت وفيه درجتُ، وفيه فتحت عيني على الدنيا، ولي في جامع التوبة ذكريات جَمّة وتاريخ طويل،

стр. 2050

ولهذا الجامع مزايا ربما تحدّثت عنها يوماً في بعض الذكريات. ذهبت إلى المسجد فوجدت حشداً هائلاً وازدحاماً كبيراً كالذي كان فيما سَمّيناه «الأسبوع الثقافي» يوم خطب الصديق العلاّمة الشيخ أبو زهرة رحمة الله عليه، ووجدت الإذاعة قد نقلت آلاتها واستعدّت لإذاعة هذه الخطبة في كل مكان يصل إليه صوتها. وألقيت كلمة مكتوبة، لم تُنشَر كاملة قبل اليوم وإنما نشرت في «الأيام» جزءاً منها. وهذا هو نَصّ الخطبة التي أُلقيَت وأذيعت من جامع التوبة في دمشق يوم الجمعة السادس من الشهر العاشر من سنة ١٩٦١: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. أتذكرون ليلة اجتمعنا بكم في هذا المسجد من نحو خمسة أشهر، بعدما افتتحنا الموسم الثقافي الإسلامي في جامع تنكز وأعلنّا فيه كلمة الحقّ؟ لقد جنّدوا يومئذ المئات من رجالهم، ودسّوا بين الناس جواسيسهم ليُوقِعوا الفتنة بينكم، فلم يستجِب لنداء الفتنة أحدٌ منكم. وأطفؤوا الأنوار تسعين دقيقة ليفرّقوكم ويُحِلّوا الاضطراب فيكم، فتكلّم الخطباء في الظلام وسمع الناس في الظلام. ونحن نحبّ النور، ولكنا لسنا أطفالاً يخافون الظلام. وأشعلتم المصابيح فضوّأتم المسجد. أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأبى الله إلاّ أن يُتِمّ نوره. وها هو ذا النور قد تمّ، وها نحن أولاء نجيء في وضح النهار لنعلن كلمة الحقّ كرة أخرى.

стр. 2051

الحمد لله، الحمد لله. إننا نخطب في نور الشمس، فمَن يستطيع أن يطفئ علينا نور الشمس؟ مَن يقدر أن يسوّد علينا وجه الظهيرة؟ اللهمّ لك الحمد. ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلكِ، تؤتي المُلكَ مَن تشاءُ، وتنزِعُ المُلكَ ممَّنْ تشَاءُ، وتُعِزُّ مَن تشَاءُ، وتُذِلُّ مَن تشاءُ، بيدِكَ الخيرُ إنّكَ على كلّ شيءٍ قديرٌ﴾. لقد كان اجتماع تنكز أوّل سطر في مقدّمة كتاب هذه الثورة، كان أولَ زلزال أصاب ذلك الصرح. لقد هزّ تلك الحكومة هِزّة زعزعَت أركانها، ولكن الله كفّ يدها عنّا فلم تستطع أن تؤذينا. وما بقوّتنا وقفنا في وجهها ولا بحَوْلنا، بل بحول الله وقوّته. ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله. لقد كنت أنظر في وجوه الناس وأنا أتكلّم في تنكز، وأرى العيون تبرق ابتهاجاً وحماسة ودهشة وخوفاً. لقد كان يبدو عليهم كأنهم لا يصدقون أنهم يسمعون ما يسمعون؛ لقد أنسَتهم هذه السنواتُ الثلاث أن في بلدهم مَن يقول مثل هذا الكلام. نسوا من طول الأسر أيام الحرّية، نسوا بطولات أنفسهم، فجئت أذكّرهم بأنفسهم وببطولاتهم. واستمرّت هذه الاجتماعات، ولكن شياطين المباحث والمكتب الخاصّ راحوا يعملون على هدمها. لم يهجموا علينا من أمام في وهج النهار فيضربوا ضربة السبع، بل تسلّلوا إليها من أطرافها يقرضون منها قرض الفأر. دبّوا إليها في الظلام، ولا يحبّ أن يعيش في الظلام إلاّ اللصوص والعقارب والفُسّاق والجواسيس. فاشتدّ الضغط عليها وتفرّق العلماء من حولها، ولكنها

стр. 2052

وجدت -على ذلك- من ثبت عليها رغم الضغوط والدسّ والإيذاء. ثم ضعُفَت كما تضعف الموجة العالية التي تضرب الشاطئ ضربة يتطاير رشاشها ويرعب منظرها ثم ترتدّ عنه شيئاً فشيئاً حتى تهمد. همدَت موجة تنكز، ولكن أثرها في البناء الذي تلقّى ضربتها كان واضحاً. واستمرّ حكام ذلك العهد سائرين على طريقهم. ومسّ الألمُ كلّ قلب ومشَت الشكوى على كلّ لسان: صاحب الدين يشكو ما يرى من انتشار المحرّمات، وإعلان المنكَرات، وترك الفرائض والطاعات. وصاحب الأخلاق يشكو من فشو الفسوق وكشف العورات واختلاط البنين والبنات. وأصحاب المال والأعمال يشكون بوار الأسواق وكثرة الضرائب وخُطّة الإفقار، والنهبَ المُعلَن والغصبَ الظاهر باسم التأميم. والمعلّمون والآباء يشكون هزال المناهج وقلّة العلم، وصرف التلاميذ عن دروسهم باللعب في النهار والرائي (التلفزيون) في الليل. والموظف والعامل يشكوان الغلاء الذي لم يعُد يُطاق. والناسُ جميعاً يشكون القحط الذي كتبه الله علينا هذه السنوات، جزاءً لنا على هتك الحرمات وإعلان المحرّمات، وعلى تلك الكلمة الخبيثة التي قالها وزير من وزراء ذلك العهد حين خطب فقال: إننا لا نحتاج بعد اليوم إلى رحمة السماء! فشحّت السماء وغار الماء، وكان الغلاء والبلاء، وعجز ذلك الأحمق المغرور عن أن يُنزِل علينا هو المطر بدلاً من الله. نسوا الله فنسيَهم، وجاهروا بالمعاصي فعاقبهم، ولمّا رجعوا

стр. 2053

فاستغفروا غفر الله لمن رجع إليه منهم وأنزل المطر عليهم. وتلفّتنا نفتّش عن المُنقِذ فلم نجده. وأين نجده؟ والشعب الذي ثار في وجه فرنسا يوم كانت فرنسا أقوى دولة برّية في العالَم في أعقاب الحرب الأولى ونكّل بفرنسا -على قوّتها يومئذ وعنفوانها- لم يعُد ينطق ولا يتحرّك؟ لقد هاج الشعب يوماً بالحكومة وضعضع بنيانها لأنها رفعَت ثمن كيل الخبز نصف قرش، فما باله الآن يرى هذا كله فلا يتحرّك ولا يهيج؟ أين الرجال؟ ألم يبقَ في الشام رجال؟ ويئس الناس وقنطوا، ولكني لم أيأس؛ كنت أعيد عليهم ما كتبته عن بردى من أكثر من ثلاثين سنة (صارت الآن، أي يوم كتابة هذه الحلقة، خمساً وخمسين سنة) حين شبّهت أهل الشام ببردى: تلقاه يمشي هادئاً مستكيناً يجرؤ عليه القط فلا يبل ماؤه بطنَ القط ويرميه الصّبية بالحصى فيستقرّ في أرضه الحصى، فما هي إلاّ أن يثور فجأة فيعلو على الضفّتين ويسيح في الأرض، ويهدم ويُغرِق ويفعل الأفاعيل. فلا يغرّكم من بردى لينه واستكانته. وانتظرنا ثورة بردى فطال الانتظار، فداخل القنوطُ نفسي، فخطبت من شهر في مسجد الجامعة، فأبلغت وصرّحتُ ونفضت كل ما كان في صدري. والذين صلّوا يومئذ في الجامعة سمعوا هذا وعلموا أني ما واريت ولا داريت، ثم أعلنت أني ذاهب فمُغلِق عليّ بابي ومنفرد بنفسي وبكتبي. وكدت أمشي في موكب اليائسين. هنالك حينما استحكمَت الأزمة وعمّت الغُمّة، قام هؤلاء

стр. 2054

النفر من الضبّاط، قام هؤلاء النفر الذين لا أعرفهم من الضبّاط يقولون للحاكم: مكانك! لا تتقدّم. ارفع يدك عن الشام فإن فيها رجالاً يمنعون عنها الضيم. كان مع أولئك السلطان، وكان معهم الجيش، ومعهم المال. أمّا هؤلاء فلم يكن معهم شيء من هذا، ولكن كان معهم سلاح لا يعرفه مَن يحكم مصر اليوم ولا تعرفه أميركا ولا روسيا. هو سهام الأسحار. هل تعرفون ما سهام الأسحار؟ لما جاء المعتصم بجنود الترك فعاثوا في بغداد وأفسدوا فيها شكا إليه أهل بغداد، فما أشكاهم (أي لم يستجِب لشكواهم ولم يُنصِفهم). فهدّدوه، فقال: بِمَ تهدّدونني والسلطان معي والجند معي والمال معي؟ قالوا نهدّدك بسهام الأسحار. قال: وما سهام الأسحار؟ قالوا: نقوم في الساعة التي تُفتَح فيها أبواب السماء وينادي فيها منادي الله: ألا هل من مستغفِر فأغفر له؟ ألا هل من سائل فأعطيه؟ فنمدّ أيدينا ونقول: يا ربّ عليك بعبدك المعتصم. فجزع المعتصم وقال: ما لي بذلك من طاقة. وبنى مدينة سُرّ مَن رأى ونقل الترك إليها. هذا الذي أعان هؤلاء الضبّاط. هذا لتعلموا أن النصر ليس بالعَدَد وحده ولا بالعُدَد، ولكن الله ينصر من يشاء. ولو كان الأمر بالقُوَى المادّية لكان نصيب الثورة الموت بعد ساعات من ولادتها؛ لقد أعدّ أولئك العُدّةَ لضرب دمشق بأقوى سلاح تفتّقَت عنه عبقرية إبليس، سلاح الصواريخ. وهُيّئت الصواريخ وسِيقَت إلينا، وكانت تقدر أن

стр. 2055

تقضي على بلدتنا وثورتنا، فما الذي أوقفها؟ قائد اللواء الذي حضر مصادفة؟ (١) لا؛ ليس في الدنيا مصادفات، ولكن الله أخرجه من فراشه وسيّره في الطريق في الوقت المناسب ليقف الرتلَ ويردّ المَرَدة إلى قماقمها قبل أن تنطلق فتُهلِك الحرث والنسل. إنها دعوات المظلومين من أبناء هذا البلد، المظلومين المعتدى عليهم في دينهم وفي أخلاقهم وفي كرامتهم وفي حرّيتهم وحرّية أولادهم وفي أموالهم. فاتقوا دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب. يا أيها الإخوان، لقد كنت أصغي إلى الرادّ (الراديو). وما أنا من عُشّاق الرادّ ولا أنا من العاكفين عليه، ولكن أيام الثورة تُغري بالإصغاء. وكنت أفتح هذا المحطّة التي لست أدري لماذا كذبوا فسمّوها «صوت العرب»، فكنت أسمع منها الكلام على حكام الشام والوقيعة في أهل الشام بلسان هذا الأحمق السفيه الذي اسمه أحمد سعيد، فأحرّك الإبرة شعرة واحدة فأسمع دفاع محطّة الشام والكلام على حكام مصر، فآسى وأتألّم لِما صرنا إليه.

стр. 2056

أنَسُبّ أنفسنا بدلاً من أن نَسُبّ عدوّنا؟ ونهدم مجدنا بأيدينا ونقتل أنفسنا بسلاحنا؟ وأذكر الذي سَنّ هذه السنّة وعلّمنا الحملة على إخواننا، فأعدّ ذلك ذنباً له جديداً. وأمدّ يدي لأغلق الرادّ إذ لم أُطِق الإصغاء، وإذا بي أسمع الكلام ينتهي من دمشق فيموج الجوّ فجأة بهذا النشيد نفسه يخرج قوياً عاصفاً مجلجلاً. وأسمع من مصر القارئ يتلو كتاب الله فأرجع إلى الشام فأسمع القارئ يتلو كتاب الله. وأسمع من هنا تمجيد الوحدة وذِكْر العرب وذَمّ الاستعمار، وأسمع من هناك ذَمّ الاستعمار وذِكْر العرب وتمجيد الوحدة، حتى إن من المصادفات العجيبة أن الخطبة التي أُذيعت من دمشق الجمعة الماضية لا تكاد تختلف عن التي أُذيعت من القاهرة، والآيات التي استُشهد بها هنا هي الآيات التي استُشهد بها هناك. فما الذي فرّق بيننا وبين إخوتنا في مصر ما دام يجمعنا حبّ الوحدة ونشيد «الله أكبر» وهذا القرآن؟ إذا كان القرآن يجمعنا فما الذي يفرّقنا؟ لقد فرّقَنا الذين حكمونا أيام هذه الوحدة حين لم يُقِيموا فينا حكم القرآن. وصف الله المسلمين فقال: ﴿والذينَ استجابوا لربِّهم وأقامُوا الصّلاةَ وأمْرُهُم شورى بينَهم﴾، فهل كان الأمر شورى بيننا وبين الذين كانوا يحكمون فينا؟ لقد قال الله لرسوله ‘: ﴿وشَاوِرْهُم في الأمرِ﴾، فامتثل وهو أفضل الخلق وأكمل البشر. فهل امتثل مَن كان يحكمنا هذا الأمر؟ وهل الشورى أن نحشد العوامّ ونُلقي عليهم كلاماً ضخماً بالمكبّرات الضخمة لا يفهمونه ولا يستمعون إليه، ولو استمعوا إليه وفهموه لما استطاع المخالف منهم الردّ عليه؟

стр. 2057

تصوّروا طبيباً في مستشفى أراد أن يلجأ إلى الاستشارة الطبّية في عملية جراحية، فلم يأتِ بناس من كبار الأطبّاء فيغلق عليه وعليهم باب الغرفة ويكلّمهم على مهل، بل جمع كلّ من في المستشفى من مرضى ومريضات وممرّضين وممرّضات وخادمين وخادمات، ثم ذهب يكلّمهم من فوق السطوح يسألهم: هل نخدّر المريض بالإبر أو بالمورفين؟ ونشقّ بطنه من الشّمال أم من اليمين؟ وهم يصيحون وينادون: يعيش الطبيب! فيكون صياحهم وهتافهم موافقة له على ما يريد. والقائد الذي يُعِدّ خُطّة القتال، أيدرسها مع أركان حربه أمام مصوّره (أي الخريطة) أو يقرؤها على الجند كلهم وسط ضجّتهم وهياجهم؟ إن الشورى أن تأتي بأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي والعلم فتعرض عليهم الأمر. وإن في الشام رجالاً أولي خبرة ورأي، وإن في مصر رجالاً أكثر منهم أولي رأي وخبرة. فما لرجال الشام لم يُسمَع لهم رأي ولا يُحَسّ لهم وجود، وما لرجال مصر، ومصر أم الرجال، لا يزالون متوارين بالأستار؟ إن مَثَلنا ومَثَل هذه الوحدة كمثل خمسة كانوا في زورق في نهر وأمامهم شلال منحدر خَطِر، وكانوا بحّارة بارعين، فرأوا جماعة من إخوانهم في مركب أكبر من زورقهم فقالوا: ما لنا نمشي متباعدين متفرّقين، والطريق واحد والخطر واحد والمقصود واحد؟ فتعالوا نتّحد جميعاً. وربطوا الزورق بالمركب وقالوا لرُبّانه: أنت رُبّاننا جميعاً، فاسلك بنا طريق السلامة وأوصلنا إلى البرّ الآمن. فقال: لكم ذلك عليّ.

стр. 2058

ولكنه ما كاد يمشي بهم قليلاً حتى انحرف عن الطريق وابتعد عن الغاية ودنا من الخطر، فحاولوا أن يُرشِدوه فتوارى منهم، فصاحوا به فأعرض عنهم، فتكلّموا فسلّط جنده عليهم، فهمسوا فوشى جواسيسه بهم، وزاد فمدّ يده إلى أموالهم، ثم قيّدهم من أيديهم وأرجلهم، فسكتوا مُكرَهين، حتى أشرفوا على الشلال ورأوا الموت عياناً. هنالك استطاع نفر منهم أن يُطلِقوا أيديهم من القيد، وأن يقطعوا السلسلة التي تربط زورقهم بالمركب، وأن يسارعوا إلى الابتعاد عن الخطر. فهل أجرموا في ذلك جرماً؟ * * *

стр. 2059

-١٦٢ - عندما زعمت الصحافة الناصرية أني ذُبِحت أنا لست هنا في موضع المؤرّخ الذي يجمع أطراف الحوادث ويحقّقها ويحكم لها أو عليها، إنما أنا واحد من الناس أكتب ما رأيت وما سمعت، بل أدوّن ما بقي في ذهني من ذكريات ما رأيت أو سمعت. وأنا في العادة لا أكتب خطب الجمعة التي ألقيها، بل إني منذ خمس عشرة سنة أو تزيد لم أعُد أكتب أحاديثي التي أبثّها من الإذاعة أو أعرضها في الرائي. ولكن خطبة الجمعة التي أُلقِيَت عقب الانفصال وأذاعتها إذاعة دمشق يوم ٢/ ٥/١٣٨١هـ صارت من مصادر التاريخ، ثم إنها لم تُنشَر قبل اليوم لأدلّ من أراد الاطّلاع عليها على مكان وجودها. لذلك استجزت لنفسي أن أنشرها هنا، وأن أصل اليوم ما انقطع منها فأبدأ من حيث وقفت في الحلقة الماضية. * * * قلت: هنالك استطاع نفر منهم أن يُطلِقوا أيديهم من القيد، وأن يقطعوا السلسلة التي تربط زورقهم بالمركب، وأن يسارعوا إلى الابتعاد عن الخطر. فهل أجرموا في ذلك جرماً؟

стр. 2060

على أنهم سيبقون إخواناً؛ سيسكت من يتكلّم علينا من «صوت العرب» ويسكت من يدافع عنّا من إذاعة دمشق، ويبقى نشيد «الله أكبر» يدوّي ويجلجل من مصر ومن الشام، ويبقى صوت القارئ في مصر وصوت القارئ في الشام يُذيعان في الدنيا الخير والحقّ والهُدى حين يُذيعان آيَ القرآن. إنها لن تنفصم عُرى أُخُوّتنا ولن تتفرّق وحدتنا، ما دامت تجمعنا كلمة «الله أكبر» ويجمعنا كتاب الله. وستبقى الوحدة غايتنا، إن لم تنجح تجرِبتها الأولى فينا فسنعيدها كرّة أخرى، ومرّة ثالثة، ولا نزال نجرّب حتى يُكتَب لتجرِبتنا النجاح. إنها وحدة قرّرها ربّ العالَمين، ونزل بقراره الوحيُ الأمين على قلب سيد المرسَلين فقال له: ﴿إنّما المؤمنونَ إخوةٌ﴾، وما قرّره الله لن يُبطِله إنسان، وما أبرمه الله لا تنقضه يد بشر. وبعد، فلقد كدت أثني على القائمين بهذه الثورة وأذكر لهم أنهم اتبعوا فيها طريق العقل وسلكوا سبيل الإخلاص، وأنهم ضربوا للناس مثلاً ما سمعنا به من قبل حين نفضوا أيديهم من الحُكم وعادوا إلى ما كانوا عليه من قبلُ، خاضوا المعركة وعفّوا عن الغنائم. لقد كدت أثني عليهم، ولكني ذكرت أن هذه المنابر ليست للدنيا ولا لأهلها، ولا هي للحكومات ولا لأربابها، وليست للمدح ولا للذّم. لقد طالما اتُّخذت وسيلة إلى الدنيا وسُخّرت لأهواء الحاكمين، وركبها أناس ليسوا خليقين بها وليسوا من أهلها يمدحون من فوقها ويذمّون، يمدحون كل حاكم، فإذا زال وجاء

стр. 2061

غيره عادوا فمدحوا مَن ذمّوا وذمّوا من كانوا يمدحون! حتى لقد بلغ بهم الأمر في هذه السنين الثلاث الماضيات أن ذكروا الكَفَرة بأسمائهم وأثنوا عليهم على منبر رسول الله ﵊، وكل منبر في كل مسجد منبر رسول الله، لا يُقال من فوقه إلاّ ما يرضاه رسول الله صلّى عليه الله. إنه لا يجوز أن يُسمع من فوق هذه المنابر إلاّ: قال الله وقال رسول الله، وإذا تكلّمنا فيها عن أحداث البلد فإنما نتكلم لنبيّن حُكم الله عليها وقول الشرع فيها. ومن صعد هذا المنبر خرج من شخصه وتَجرّد من آرائه وميوله، وسكت لسانُه لينطق الشرع على لسانه. إنه يقوم مقاماً قامه رسول الله ‘ ليُبلّغ دين الله، وهو مقام تتقطّع دونه أعناق الرجال. ولولا أن الخطبة شعيرة من شعائر الدين وفريضة من فرائض الإسلام وأنه لا بد منها، لفضّلت أن تنكسر رجلي عن أن أزعم لنفسي أني أصلح لهذا المقام. على أني لست أنا الذي يتكلم الآن من فوق هذه الأعواد. أنا حين أكون على الأرض أكون رجلاً من الناس، واحداً من غمار الخلق، ليس لي غِنى الأغنياء ولا علم العلماء ولا سطوة الأمراء ولا وجاهة الوجهاء، ولكني حين أصعد هذه الدرجات أكون شيئاً آخر. ليس علي الطنطاوي هو الذي يكلّمكم الآن. علي الطنطاوي إنسان يرغب ويرهب، ويرضى ويغضب، ويقول فيخطئ ويصيب، وله نفس أمّارة بالسوء مُثقَلة بالأوزار. ولكن الذي يتكلّم الآن هو الشرع، وإذا تكلّم الشرع أصغى كل إنسان، وإذا قال الخطيب

стр. 2062

"قال الله وقال رسول الله" فما على الناس إلاّ الطاعة والامتثال، لأنهم جميعاً عبيده. من هو الذي قمنا عليه لمّا رأينا من حكمه؟ عبد الناصر. ومَن أعوانه ووزراؤه؟ عبد الحكيم وعبد اللطيف وإخوانهما. ومَن هو الذي أنقذَنا منه وخلّصنا من حكمه؟ عبد الغني وعبدالكريم وإخوانهما (١). ومن يحكم العراق اليوم؟ عبد الكريم. ومن أسّس دولة الأردن؟ عبد الله، ومن أقام المملكة السعودية؟ عبدالعزيز. كلهم عبيد، عبيد لله أعِزّة بين خلق الله. والملوك الأوّلون الذين كان لهم السلطان وكان لهم الجند والأعوان، مَن كان منهم على الحقّ ومن كان منهم على الباطل، ومن قدّم لنفسه خيراً ومن قدّم شراً. ماذا كانوا كلهم؟ كانوا عبيداً لله. كلهم ومن كان قبلهم ومن سيأتي بعدهم؛ كلهم عباد، يملك رقابَنا ورقابَهم وبرغم آنافنا وآنافهم ملك واحد، مالك لا مفر من مُلكه وليس في العبودية له ذِلّة ولا مهانة بل فيها الشرف والفخر، هو الله مالك المُلك ربّ العالَمين.

стр. 2063

كم تداول هذا المنبر من خطباء، وكم ذُكر عليه من ملوك وخلفاء؟ مضوا جميعاً وبقي هذا المنبر. ثم يذهب هذا المنبر وتذهب الأرض ومن عليها، ويبقى الله ذو الجلال والإكرام. فلتعُد هذه المنابر لله وحده، وليعلم الناس أنها ليست لحاكم ولا لأمير، وأنها ليست ملكاً للخطيب ليُعلِن منها آراءه بل ليُعلن منه حكم الشرع: ﴿وأَنّ المسَاجدَ للهِ فلا تَدْعوا مَعَ اللهِ أحَداً﴾. فليضع الخطيب نصب عينيه رضا الله لا رضا الناس، وليعلم أنه إذا عصى أمر الحاكم في طاعة الله حماه الله من الحاكم، ولكن إن عصى أمر الله في طاعة الحاكم لم يحمِه أحد من الله. هل يضمن هذا الرئيس أو هذا السلطان أن يعيش إلى المساء؟ هل يستطيع أن يدفع عن نفسه الموت؟ هل يقدر أن يُغلِق بابه دون عزرائيل إن جاءه؟ أينما تكونوا يدرِكْكُم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة، ولو وضعتم على أبوابكم لحمايتكم المدافع والدبّابات. وإذا جاءه ملَك الموت فأخذه فمن يذهب معه؟ هل يذهب معه وزراؤه وأعوانه؟ هل يذهب معه جيشه وأجناده؟ هل يذهب معه أصحابه وأحبابه؟ هل يذهب معه حلفاؤه وأصدقاؤه؟ ﴿ولقد جِئْتُمونا فُرادَى كما خلَقْناكُم أوّلَ مَرّةٍ﴾. إني لأتصوّر الآن ملوك الأرض وقد خرجوا من قبورهم حُفاة عُراة منفردين فأتّعظ، فأقول من فوق هذا المنبر ما ينفعني في ذلك اليوم لا ما يُفيدني اليوم ومن تصوّر هذا لم يعُد يبالي بأحد. وهذه هي العِزّة التي جعلها الله لله ولرسوله وللمؤمنين، ليست العزّة للعرب بأنهم عرب. لقد كان العرب ضُلاّلاً فهداهم

стр. 2064

الله بهذا الرسول وأعزّهم بهذا الدين، ولا عِزّة لهم في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلاّ بهذا الدين. لا يُفيدكم عند الله أن تقولوا نحن عرب، فإن دخول الجنّة ليس بالبطاقات الشخصية ولا بالجنسيات، بل بالأعمال الصالحات: ﴿أمْ حَسِبتُم أن تَدخُلوا الجَنّةَ ولمّا يعلَمِ اللهُ الذينَ جاهدوا منكم ويعلَمَ الصابرينَ؟﴾. على أننا ندعو صادقين إلى وحدة العرب، لأنها طريق إلى الوحدة التي أمر بها الله ونطق بها الكتاب. إننا أُمّة أكرمها الله بهذا الدين، فإذا لم تتبعوا -يا أيها المسلمون- أحكامه ولم تُحِلّوا حلاله وتحرّموا حرامه، وإذا لم تجعلوه إمامكم في بيوتكم وأسواقكم ودواوينكم ومدارسكم، لا ينفعكم واللهِ عند الله أنكم عرب. ولو نفعت العروبة وحدها لنفعَت العربي القرشي الهاشمي عمّ النبيّ أبا لهب: ﴿تبَّتْ يدا أبي لهبٍ﴾. فإذا أردتموها وحدة كاملة فاجعلوا مركزها هذه القِبلة، وقائدها محمداً، ورايتها راية القرآن، ودستورها كتاب الله، وغايتها العزّة في الدنيا والنجاة في الآخرة. واعلموا أنكم مدعوّون لا لإنقاذ أنفسكم وحدها، بل لإنقاذ العالَم. إن قافلة البشرية تائهة، والليل مظلم، والمدى رحيب، والخوف شامل، والرعب قاتل، فمن يتولاّها ويكون مؤيّدها؟ من يُخرِجها من هذا الظلام الذي غمر أرجاءها؟ لقد جاء الجواب في القرآن: ﴿اللهُ وَلِيُّ الذينَ آمنوا يُخرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النّورِ، والذينَ كفَروا أولياؤُهمُ الطّاغُوتُ يُخرِجونَهُمْ مِنَ النّورِ إلى الظّلُماتِ﴾. من ينصرها إن دهمها الخطر، من يدافع عنها؟ الجواب

стр. 2065

في القرآن: ﴿إنّ اللهَ يُدافِعُ عنِ الذينَ آمنوا﴾، ﴿وكانَ حَقّاً علينا نَصْرُ المُؤمنينَ﴾. الطرق متشعّبة والمسالك متداخلة، فأيّ طريق هو الموصّل إلى الغاية؟ الجواب في القرآن، الصراط المستقيم: ﴿وأنَّ هذا صِرَاطي مُسْتَقيماً فاتّبِعوهُ ولا تتّبعوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكُم عَنْ سَبيلِهِ﴾. ما الذي يهدينا إليه ويدلّنا عليه؟ الجواب في القرآن: ﴿إنّ هذا القُرآنَ يَهْدي للّتي هِيَ أقْوَمُ﴾. إننا لا نعرف لنا دستوراً إلاّ القرآن والسنّة التي بيّنت القرآن، وما أُخِذ منهما وبُني عليهما. لا نقبل بما يخالفهما ولا نرضى بغيرهما بديلاً عنهما. ونحن على هذه المنابر متّبعون لا مبتدعون وناقلون لا قائلون، وما قضى الشرع فيه وبيّن حكمه فليس لأحد أن يُبدي فيه رأياً مع رأي الشرع: ﴿ومَا كانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤمِنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورَسولُهُ أمراً أنْ يكونَ لهُمُ الخِيَرةُ مِنْ أمرِهم﴾. والفرض المُجمَع عليه لا بدّ من أدائه، ومن قصّر فيه معتقداً أنه فرض فَسَق، ومن أنكر أنه فرض كفر. والحرام المُجمَع عليه لا بدّ من اجتنابه، ومن أتاه معتقداً أنه حرام فَسَق، ومن أنكر حرمته كفر. والحرام يبقى حراماً على كل حال، لا يختلف حكمه باختلاف الأحوال ولا بتبدّل الرجال. ولا نستطيع أن ننكر منكَراً أتاه زيد ونرضى به ونسكت عنه إن أتاه عمرو، لأن الحرام يبقى حراماً. فيا أيها المسلمون، إننا لن نذلّ ولن نضلّ ولن نقلّ ما دمنا مستمسكين بالقرآن: إن الله ما أعزّ أول هذه الأمّة إلاّ بالإسلام ولن يُعِزّ آخرها إلاّ بالإسلام، فإن ابتغينا العزّة في غيره ذَلَلْنا. فعودوا

стр. 2066

يا أيها المسلمون إلى دينكم، فإن فيه أسباب قوّتكم وعِزّتكم وسعادتكم. وأعيدوا هذه المنابر إلى الإسلام وحده؛ أبعدوها عن مطامع النفوس وعن منافع الدنيا وعن رغبات الراغبين، واعلموا أنها سلاح لا يقف له عدوّ ولا يثبت أمامه خصم، فأحسنوا استعمال هذا السلاح تدرؤوا به كل خطر وتردّوا كل عدوّ. إن هذه المنابر فيها الدواء لكل ما نشكو من داء في مجتمعنا وفي نفوسنا، فاستفيدوا من هذا الدواء تُبرِئوا نفوسكم ومجتمعكم من كل داء. فاستمعوا لصوت الحقّ من هذه المنابر، واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِما يحييكم، وتوبوا إلى الله جميعاً ياأيها المؤمنون، واتقوا الله وكونوا مع الصابرين. أقول قَولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. * * * أكملت الخطبة ونزلت عن المنبر أمشي إلى المحراب، فسمعت صوتاً كأنه صوت رجل يخطب. ثم كانت ضجّة وشغب، فتلفّتّ فإذا شابّ حاول أن يصعد المنبر وقال شيئاً لم أتبيّنه، وضجّ الناس ومنعوه وأنزلوه. وكنت قد بلغت المحراب فكبّرت ودخلت في الصلاة فسكت الناس كلهم وكبّروا. ولم أعرف إلى الآن من هو ذلك الشابّ ولا الذي كان يريد أن يقوله، ولو سألتم الأستاذ زهير الأيوبي لخبّركم، لأنه كان هو المذيع الذي تولّى إذاعة الخطبة، وكان ذلك في بداية عهده بالعمل الإذاعي وكانت تلك أول مرّة رأيته فيها. هذا الموقف الذي لم يستمرّ أكثر من دقيقتين أو ثلاث أطلق

стр. 2067

شائعات ملأَت الجوّ وكلاماً كثيراً وتعليقات في الصحف أكثر، فمن قائل إنه شابّ يريد أن يتكلّم مؤيّداً ما قلت، وقائل إنه ناصري شرع يتكلّم رداً عليّ ونقداً للانفصال، ويدعو إلى الوحدة والعودة إلى ظِلّ جمال. واستغلّت ذلك الجرائدُ الناصرية فألّفَت قصصاً مختلفات ووضعت لها أكبر العناوين. بِيَدي الآن عدد من جريدة «الشرق» رقمه ٤٧٣٠، صادر في ٧ جمادى الأولى سنة ١٣٨١ في رأسه عنوان كبير جداً في عرض الصفحة كلها فيه: «ذبح الشيخ الطنطاوي في داره». وتحت ذلك قصّة ملفَّقة مكذوبة لا أصل لها. وقد ورد مثلها في الجرائد الأخرى، فبعث الضبّاط إليّ يطلبون مني أن أكذّب الخبر، فقلت: وهل في تكذيبه شيء أبلغ من حياتي وأني لا أزال أعيش ما مِتّ ولا قُتلت؟ وأني كما قال المتنبي: كمْ قد قُتِلتُ وكم قد مِتُّ عندَكمُ ثمّ انتفضتُ فزالَ الموتُ والكفنُ أو لعلّي حرّفت البيت أو صحّفته، فعهدي به بعيد (١). قالوا: بل تأتي إلى الرائي حتى يراك الناس ويعلموا أنك لا تزال حياً. ولم نكن نعرف قبل الوحدة ما الرائي (التلفزيون). فلما أدخلوه مصر جاؤوا به إلينا، وعرضت الحكومة على من شاء من موظفي المرتبة الممتازة (وكنت واحداً منهم) أن يأخذ جهازاً

стр. 2068

للرائي بثمنه، فأخذته أرى ما فيه، فإذا السينما التي كُنّا نتورّع ونترفّع عن دخولها قد دخلَت عن طريقه إلى بيوتنا. وأنا قد حملت الشهادة الثانوية ولم أدخل السينما إلاّ مرّة واحدة، أيام الحرب الأولى سنة ١٩١٧ وأنا ولد صغير، فأرونا فِلماً دعائياً عن حرب جناق قلعة، لم أفهم منه شيئاً. ووجدت في الرائي الذي جاؤونا به باباً واسعاً للفتنة قد فُتح لنا، وكانت البرامج -على ذلك- جيّدة مختارة، فيها التاريخي والاجتماعي والبوليسي والقضائي، والفلم الخفيف والمُضحِك، سلاسل كثيرة جداً ليست مترابطة الحلقات ولكلّ حلقة قصّة مستقلّة، يربطها جميعاً عنوان واحد وموضوع متقارب. أذكر أن منها المسلسل القضائي «بيري ميسون»، وهو دروس في المحاماة، و «الكونت دو مونت كريستو»، وقد زادوا على القصّة الأصلية أشياء تماثلها فجعلوا منها سلسلة كثيرة الحلقات. ومسلسل «لوسي» ومسلسل «روبن هود» للأطفال ومثله مسلسل «ويليم تِلْ» ومسلسل «طرزان»، وأفلاماً عن الحيوانات وكيف تشارك الناس في المعارك وفي الانتقام لا تخلو من طرافة ومن فائدة، منها مسلسل عن الكلبة لاسي وعن حصان أسود يُنقِذ صاحبه من المهالك، وأمثال ذلك. كما أنّ فيه مسلسلات عربية مسلّية ومنها ما يصوّر الحياة الاجتماعية ويبيّن نقائصها وعيوبها، مثل مسلسل «عيلة سي جمعة» ومسلسل «عادات وتقاليد» ومسلسل «مع الناس». كما أنهم جعلوا للأطفال مسلسَلات عربية ليست مترجَمة ولكنها موضوعة على نمط المسلسَلات الأجنبية، منها «ديبو الفهمان»، وهو من أفلام العرائس. وسأبين يوماً أن مسرح العرائس

стр. 2069

قديم جداً عند العرب، وقد كان يُسمّى خيال الظل، وهو الذي كنا نعرفه ونحن صغار باسم «كراكوز». وترجمة الكلمة الحرفية: «صاحب العين السوداء»، وقد أشار إليه الغزالي في «الإحياء» وكانت توضع له قصص وحوار، واشتهر به الطبيب الكحّال ابن دانيال. وليس هذا موضع الكلام فيه. * * * أعود بعد هذا الاستطراد إلى ما كنت فيه: لما عرضوا عليّ أن أتكلم في الرائي تردّدت وخشيت أن يكون ظهوري فيه دافعاً بعضَ الناس إلى اقتنائه، وربما رأوا فيه ما يضرّهم فأكون أنا السبب في ذلك. ثم لما ألحّوا عليّ ورأيت النفع في ذهابي اشترطت عليهم شرطاً. ولم أكن -أقول لكم الحقّ- من العباد الزاهدين ولا من المتشددين المتزمتين، ولكن أحببت أن ألقّنهم درساً وأن أُظهِر عِزّة العلماء، فاشترطت عليهم ألاّ أرى في طريقي إذا دخلت بناء الرائي امرأة سافرة. فخبّؤوا البنات في الغرف وأغلقوا عليهن الأبواب ومنعوهن من الخروج، وصارت حادثة تُروى ويُتحدَّث بها. وما أدري هل أحسنت بذلك أم أسأت؟ هل طبّقت حكم الشرع فكان خيراً أم وضعت في نفوسهم صورة قبيحة عن تزمّت المشايخ وعن شدّتهم؟ وكانت هذه هي التجرِبة الأولى لي مع الرائي. كنت أحدّث في الإذاعة من قديم، من أكثر من خمسين سنة، من يوم أُنشِئَت محطّة «الشرق الأدنى» في يافا بعد إنشاء

стр. 2070

محطّة مصر بسنة واحدة. أمّا الرائي فكانت هذه هي المرّة الأولى التي أتكلّم فيها منه. فتحيّرت ماذا أصنع: هل أكتب الحديث فأقرؤه قراءة، وأقيم الصحيفة بيني وبين الناس أستر بها وجهي فلا يرونني، فأكون كمن يتكلم من وراء جدار؟ وأقبح شيء للمتكلم من الرائي أن يقرأ في ورقة يحجب بها وجهه عن الناس. أم أصنع كما يصنع كثيرون، وهو أن أكتب الكلمة وأن أحفظها؟ وأنا أعلم أني لو حاولت ذلك لما استطعته ولَما قدرت عليه. ولا تعجبوا، فكثير من الخطباء كانوا يصنعون ذلك، ومنهم الخطيب المفوّهَ المشهود له بالبيان وبطلاقة اللسان مكرم عبيد، الزعيم الوفدي القبطي. سمعته مرّة في مصر يخطب خطبة مسجَّعة تنتهي كل جملة فيها براء ممدودة، وقد مضى فيها، فدخل بعض كبار رجال الوفد، فأعاد ما كان قد قاله بحروفه. ولا يكون ذلك إلاّ لمن أَعَدّ الخطبة وحفظها. قلت لكم إني حرت كيف أتكلّم في الرائي، ولم يكن حولي مَن له تجرِبة سابقة فيه فأستأنسُ بتجرِبته، ولم يكن لي به عهد سابق فأسترشد بعهدي السابق. ثم رأيت أن أتصوّر إخواناً لي جالسين أمامي وأني أحدّثهم كما أحدّث إخواني في المجالس. وكانت هذه الأضواء القوية التي تعشي العيون موجّهة إلى عينَيّ تؤذيني وتضايقني، لا سيما وأنا لم أكن قد ألفتها وتعوّدتُها، فحاولت أن أصرف بصري عنها ما استطعت وأن أتكلّم. ألقيت كلمة لم أكن هيّأتها بألفاظها ولكن أعددت في ذهني معانيها. وأكثر ما يضايقني اليوم في أحاديثي في الرائي الوقت
следующие страницы →