يا أيها المسلمون إلى دينكم، فإن فيه أسباب قوّتكم وعِزّتكم وسعادتكم. وأعيدوا هذه المنابر إلى الإسلام وحده؛ أبعدوها عن مطامع النفوس وعن منافع الدنيا وعن رغبات الراغبين، واعلموا أنها سلاح لا يقف له عدوّ ولا يثبت أمامه خصم، فأحسنوا استعمال هذا السلاح تدرؤوا به كل خطر وتردّوا كل عدوّ.
إن هذه المنابر فيها الدواء لكل ما نشكو من داء في مجتمعنا وفي نفوسنا، فاستفيدوا من هذا الدواء تُبرِئوا نفوسكم ومجتمعكم من كل داء. فاستمعوا لصوت الحقّ من هذه المنابر، واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِما يحييكم، وتوبوا إلى الله جميعاً ياأيها المؤمنون، واتقوا الله وكونوا مع الصابرين. أقول قَولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
* * *
أكملت الخطبة ونزلت عن المنبر أمشي إلى المحراب، فسمعت صوتاً كأنه صوت رجل يخطب. ثم كانت ضجّة وشغب، فتلفّتّ فإذا شابّ حاول أن يصعد المنبر وقال شيئاً لم أتبيّنه، وضجّ الناس ومنعوه وأنزلوه. وكنت قد بلغت المحراب فكبّرت ودخلت في الصلاة فسكت الناس كلهم وكبّروا.
ولم أعرف إلى الآن من هو ذلك الشابّ ولا الذي كان يريد أن يقوله، ولو سألتم الأستاذ زهير الأيوبي لخبّركم، لأنه كان هو المذيع الذي تولّى إذاعة الخطبة، وكان ذلك في بداية عهده بالعمل الإذاعي وكانت تلك أول مرّة رأيته فيها.
هذا الموقف الذي لم يستمرّ أكثر من دقيقتين أو ثلاث أطلق
стр. 2067
شائعات ملأَت الجوّ وكلاماً كثيراً وتعليقات في الصحف أكثر، فمن قائل إنه شابّ يريد أن يتكلّم مؤيّداً ما قلت، وقائل إنه ناصري شرع يتكلّم رداً عليّ ونقداً للانفصال، ويدعو إلى الوحدة والعودة إلى ظِلّ جمال. واستغلّت ذلك الجرائدُ الناصرية فألّفَت قصصاً مختلفات ووضعت لها أكبر العناوين.
بِيَدي الآن عدد من جريدة «الشرق» رقمه ٤٧٣٠، صادر في ٧ جمادى الأولى سنة ١٣٨١ في رأسه عنوان كبير جداً في عرض الصفحة كلها فيه: «ذبح الشيخ الطنطاوي في داره». وتحت ذلك قصّة ملفَّقة مكذوبة لا أصل لها. وقد ورد مثلها في الجرائد الأخرى، فبعث الضبّاط إليّ يطلبون مني أن أكذّب الخبر، فقلت: وهل في تكذيبه شيء أبلغ من حياتي وأني لا أزال أعيش ما مِتّ ولا قُتلت؟ وأني كما قال المتنبي:
كمْ قد قُتِلتُ وكم قد مِتُّ عندَكمُ
ثمّ انتفضتُ فزالَ الموتُ والكفنُ
أو لعلّي حرّفت البيت أو صحّفته، فعهدي به بعيد (١).
قالوا: بل تأتي إلى الرائي حتى يراك الناس ويعلموا أنك لا تزال حياً.
ولم نكن نعرف قبل الوحدة ما الرائي (التلفزيون). فلما أدخلوه مصر جاؤوا به إلينا، وعرضت الحكومة على من شاء من موظفي المرتبة الممتازة (وكنت واحداً منهم) أن يأخذ جهازاً
стр. 2068
للرائي بثمنه، فأخذته أرى ما فيه، فإذا السينما التي كُنّا نتورّع ونترفّع عن دخولها قد دخلَت عن طريقه إلى بيوتنا.
وأنا قد حملت الشهادة الثانوية ولم أدخل السينما إلاّ مرّة واحدة، أيام الحرب الأولى سنة ١٩١٧ وأنا ولد صغير، فأرونا فِلماً دعائياً عن حرب جناق قلعة، لم أفهم منه شيئاً. ووجدت في الرائي الذي جاؤونا به باباً واسعاً للفتنة قد فُتح لنا، وكانت البرامج -على ذلك- جيّدة مختارة، فيها التاريخي والاجتماعي والبوليسي والقضائي، والفلم الخفيف والمُضحِك، سلاسل كثيرة جداً ليست مترابطة الحلقات ولكلّ حلقة قصّة مستقلّة، يربطها جميعاً عنوان واحد وموضوع متقارب. أذكر أن منها المسلسل القضائي «بيري ميسون»، وهو دروس في المحاماة، و «الكونت دو مونت كريستو»، وقد زادوا على القصّة الأصلية أشياء تماثلها فجعلوا منها سلسلة كثيرة الحلقات. ومسلسل «لوسي» ومسلسل «روبن هود» للأطفال ومثله مسلسل «ويليم تِلْ» ومسلسل «طرزان»، وأفلاماً عن الحيوانات وكيف تشارك الناس في المعارك وفي الانتقام لا تخلو من طرافة ومن فائدة، منها مسلسل عن الكلبة لاسي وعن حصان أسود يُنقِذ صاحبه من المهالك، وأمثال ذلك. كما أنّ فيه مسلسلات عربية مسلّية ومنها ما يصوّر الحياة الاجتماعية ويبيّن نقائصها وعيوبها، مثل مسلسل «عيلة سي جمعة» ومسلسل «عادات وتقاليد» ومسلسل «مع الناس».
كما أنهم جعلوا للأطفال مسلسَلات عربية ليست مترجَمة ولكنها موضوعة على نمط المسلسَلات الأجنبية، منها «ديبو الفهمان»، وهو من أفلام العرائس. وسأبين يوماً أن مسرح العرائس
стр. 2069
قديم جداً عند العرب، وقد كان يُسمّى خيال الظل، وهو الذي كنا نعرفه ونحن صغار باسم «كراكوز». وترجمة الكلمة الحرفية: «صاحب العين السوداء»، وقد أشار إليه الغزالي في «الإحياء» وكانت توضع له قصص وحوار، واشتهر به الطبيب الكحّال ابن دانيال. وليس هذا موضع الكلام فيه.
* * *
أعود بعد هذا الاستطراد إلى ما كنت فيه: لما عرضوا عليّ أن أتكلم في الرائي تردّدت وخشيت أن يكون ظهوري فيه دافعاً بعضَ الناس إلى اقتنائه، وربما رأوا فيه ما يضرّهم فأكون أنا السبب في ذلك. ثم لما ألحّوا عليّ ورأيت النفع في ذهابي اشترطت عليهم شرطاً.
ولم أكن -أقول لكم الحقّ- من العباد الزاهدين ولا من المتشددين المتزمتين، ولكن أحببت أن ألقّنهم درساً وأن أُظهِر عِزّة العلماء، فاشترطت عليهم ألاّ أرى في طريقي إذا دخلت بناء الرائي امرأة سافرة. فخبّؤوا البنات في الغرف وأغلقوا عليهن الأبواب ومنعوهن من الخروج، وصارت حادثة تُروى ويُتحدَّث بها. وما أدري هل أحسنت بذلك أم أسأت؟ هل طبّقت حكم الشرع فكان خيراً أم وضعت في نفوسهم صورة قبيحة عن تزمّت المشايخ وعن شدّتهم؟
وكانت هذه هي التجرِبة الأولى لي مع الرائي.
كنت أحدّث في الإذاعة من قديم، من أكثر من خمسين سنة، من يوم أُنشِئَت محطّة «الشرق الأدنى» في يافا بعد إنشاء
стр. 2070
محطّة مصر بسنة واحدة. أمّا الرائي فكانت هذه هي المرّة الأولى التي أتكلّم فيها منه. فتحيّرت ماذا أصنع: هل أكتب الحديث فأقرؤه قراءة، وأقيم الصحيفة بيني وبين الناس أستر بها وجهي فلا يرونني، فأكون كمن يتكلم من وراء جدار؟ وأقبح شيء للمتكلم من الرائي أن يقرأ في ورقة يحجب بها وجهه عن الناس.
أم أصنع كما يصنع كثيرون، وهو أن أكتب الكلمة وأن أحفظها؟ وأنا أعلم أني لو حاولت ذلك لما استطعته ولَما قدرت عليه. ولا تعجبوا، فكثير من الخطباء كانوا يصنعون ذلك، ومنهم الخطيب المفوّهَ المشهود له بالبيان وبطلاقة اللسان مكرم عبيد، الزعيم الوفدي القبطي. سمعته مرّة في مصر يخطب خطبة مسجَّعة تنتهي كل جملة فيها براء ممدودة، وقد مضى فيها، فدخل بعض كبار رجال الوفد، فأعاد ما كان قد قاله بحروفه. ولا يكون ذلك إلاّ لمن أَعَدّ الخطبة وحفظها.
قلت لكم إني حرت كيف أتكلّم في الرائي، ولم يكن حولي مَن له تجرِبة سابقة فيه فأستأنسُ بتجرِبته، ولم يكن لي به عهد سابق فأسترشد بعهدي السابق. ثم رأيت أن أتصوّر إخواناً لي جالسين أمامي وأني أحدّثهم كما أحدّث إخواني في المجالس.
وكانت هذه الأضواء القوية التي تعشي العيون موجّهة إلى عينَيّ تؤذيني وتضايقني، لا سيما وأنا لم أكن قد ألفتها وتعوّدتُها، فحاولت أن أصرف بصري عنها ما استطعت وأن أتكلّم.
ألقيت كلمة لم أكن هيّأتها بألفاظها ولكن أعددت في ذهني معانيها. وأكثر ما يضايقني اليوم في أحاديثي في الرائي الوقت
стр. 2071
المحدّد، فربما انتهى في وسط الجملة فوقفت بين المبتدأ والخبر أو بين الفعل والفاعل! ولكنهم في هذا الحديث الذي كان مُفتَتَح أحاديثي في الرائي لم يحدّدوا لي وقتاً بل تركوا لي الأمر أقول ما أشاء. قلت ما خطر على بالي ونجحَت التجرِبة الأولى بحمد الله.
وأعجب ما في الأمر أني رأيت في اليوم التالي كلمتي التي ألقيتها منشورة في جريدة «الوحدة» وقد قدّم لها المحرّر مقدّمة قال فيها (وأعتذر لكم ممّا فيها من الثناء عليّ أرويه أنا عن نفسي، حتى يُقال لي: مادح نفسه يُقرئك السلام!): "شهد المواطنون الأديب الأستاذ علي الطنطاوي في تلفزيون دمشق يحدّثهم حديثه الساحر المحبّب إلى النفوس، ورأى المواطنون أديب دمشق الكبير أمامهم يكلّمهم بنفسه عن الشائعات التي روّجَتها أبواق الدعاية الناصرية عنه. و «الوحدة» تنشر الحديث (وقد سجّلَته عندما أُذيع) ليطّلع عليه من فاته السماع له (١).
وقبل أن أنقل إليكم طرفاً ممّا قلت تَتِمّة لقصّة الوحدة والانفصال، أحبّ أن أقول إن هذه الضجّة التي كانت عقب الخطبة في جامع التوبة (والتي لم تستمرّ إلاّ دقيقتين أو ثلاثاً) أثارت شائعات لا حصر لها وذهب كلٌّ يعلّق عليها بما يشتهي وما يوافق هواه. وأنا قد تعوّدت المدح وتعوّدت القدح فلا يهزّني ذمّ ولا هجاء، ولكن آلمَتني كلمة نقلوها عن الشيخ شفيق يَموت
стр. 2072
في بيروت، وهو رئيس المحكمة الشرعية العليا، قال: "لقد كان الأستاذ علي الطنطاوي أستاذاً لنا في الكلّية الشرعية سنة ١٩٣٧، فطلبناه ساعة الدرس، وكان درس تفسير، فلم نجده. ووجدنا ورقة مكتوباً فيها أنه ذهب إلى السينما فهو يعتذر عن الدرس"! ولست أحتاج إلى بيان أن هذا غير صحيح، وأنه لو كان صحيحاً لما صرّحت بأنني آثرت فلم السينما على درس التفسير ولاعتذرت ببعض المعاذير.
وأسوأ ما في الأمر أن يصدر ذلك من تلميذ لي عليه حقّ الوفاء، وأن يصدر من منتسب إلى سلك العلم والعلماء.
* * *
وهذا نص الكلمة كما جاءت في جريدة «الوحدة». وسيلحظ مَن يقرؤها بأنها كُتبت كما ألقيتها ارتجالاً، ولو أني كتبتها كتابة لهذّبت حواشيها وأحكمت نسجها، لأن أسلوب المكتوب غير أسلوب المرتجَل:
السلام عليكم ورحمة الله.
موضوع حديث هذه الليلة ... أقول لكم الصحيح؟ ليس عندي والله موضوع. إنما قالوا لي: تعالَ فتكلم. فجئت لأتكلم.
وقد دُعيت مراراً من قبل إلى الرائي (التلفزيون) فكنت أعتذر وأتهرّب؛ أعتذر لِما كان يعرض على لوحة الرائي في العهد الماضي من مناظر يأباها الإسلام وتُنكِرها آداب العرب، ولأمر ثانٍ هو من أسرار المهنة، أقوله لكم: هو أن أكثر الناس
стр. 2073
يتصوّرني شيخاً جليل القدر مهيب الطلعة، فكنت أكره أن أبرز لهم على لوحة الرائي فيرونني على حقيقتي ويقولون: هذا علي الطنطاوي؟!
ولكنني لم أستطع أن أهرب هذه المرّة لأنهم قالوا لي: لا بدّ أن تتكلم. قلت لهم: ما عندي موضوع. قالوا: قُل أي شيء، قُل: السلام عليكم. قلت لهم: لماذا؟ قالوا: لأن دعاية عبد الناصر قد أشاعت في سوريا وفي لبنان بأنك قد ذُبِحتَ فابرز لهم ليروا أنك لا تزال حياً. أما سمعت هذه الإشاعات؟
قلت: بلى والله سمعتها. وأنا منذ أيام أعاني من رنّة الهاتف في الليل والنهار ما لا يُحتمل، جاءتني الأخبار تسأل عني من كلّ المدن السورية ومن عمّان، يسألون: هل ذُبحت أم لا أزال حياً؟ ذلك لأن صحف بيروت التي تنطق بلسان عبد الناصر نشرَت بالعناوين الكبيرة في رأس صفحاتها أنني قد مِتّ.
قالوا: فماذا صنعت لمّا سمعت هذه الإشاعات؟ قلتُ: صدّقت وآمنتُ لأنها نُشرت في الجرائد، وشكرت سيادة الرئيس وأُجَراءَه لأنهم نفعوني منفعتين: منفعة في الدنيا ومنفعة في الآخرة. أما المنفعة التي هي في الآخرة فهي أن الناس لمّا سمعوا أني متّ نسوا أو تناسوا خطيئاتي الكثيرة ونقائصي، وقالوا «الله يرحمه»، فكسبت هذه الرحمات. وأمّا المنفعة التي في الدنيا فهي أني نجوت ثلاثة أيام من مطالب العمل في المحكمة ومن مطالب الأسرة في البيت، تجيئني البنت تقول لي: بابا، بِدّي (أي أريد) الشيء الفلاني. فلا أردّ، فتظنّ بأني لم أنتبه فتعود وتقول: بابا،
стр. 2074
بدّي شيء ... فما أردّ. فتظنّ أن الكِبَر قد أثقل سمعي، فتتعلّق برقبتي وتصرخ صرخة تكاد تخرق صماخ أذني، ولكني أتحمل ولا أردّ، فتذهب وتدعو أمها، ويجتمع أهل البيت ويقولون: ما له؟ فلا يبقى مجال للسكوت فأقول: عجيب والله، كيف تنتظرين مني أن أردّ وأنا ميت؟ فتقول: أعوذ بالله! ما هذا الكلام؟
فأقول: ألم تقرئي صحف بيروت؟ ألم تسمعي الشائعات؟ إن صحف بيروت التي تنطق بلسان عبد الناصر قالت إنني متّ، فإمّا أن تكون صحف بيروت قد كذبَت وإما أن أكون قد متّ. ولما كانت الصحف التي تتكلم بلسان عبد الناصر لا تكذب أبداً فأنا إذن ميت.
* * *
стр. 2075
-١٦٣ -
التفاصيل التي حبكت بها الصحف
الناصرية روايتها عن قتلي
أقدّم بين يدَي هذه الحلقة مقدّمتين.
الأولى: أنني لا أحبّ فيما أنشر وما أذيع أن أصل حلقة بحلقة، فلا يفهمها إلاّ من عرف سِباقها (أي ما كان قبلها) وعرف سِياقها، ولكنني قد أُضطرّ أحياناً كما اضطُررت الآن، فأرجو عفو القُرّاء عما دعاني إليه الاضطرار.
والمقدّمة الثانية: أنه سألني كثيرون: كيف وصل بك الكلام إلى عهد الوحدة والانفصال وقد تركناك في عشر الأربعين، أي في الأربعينيات؟ والجواب أنني صنعت مثلما صنع المسلمون في فتوح إفريقية، إذ وصل عقبة بن نافع إلى بحر الظلمات (البحر الأطلنطي أو الأطلسي) وقال كلمته الباقية العظيمة: "اللهمّ لولا هذا البحر لمضيت مجاهداً في سبيلك حتى أفتح الدنيا لنور الإسلام أو أهلك دونه". بلغ البحر، ثم عاد الجيش الإسلامي يسدّ ما ترك من فجوات ويُكمِل ما أجّل من فتوح حتى شمل الفتح الشمال الإفريقي كلّه.
стр. 2076
وأنا قد مشيت في ذكرياتي هذه مع مناسبات الكلام، فتركت كثيراً ممّا كان ينبغي بيانه لأنني ابتعدت عن طريقه: بدأت الكلام على عملي في القضاء، وذكرت لما نُقِلت إلى محكمة دمشق ما أحدثت فيها من تعديلات أو أصلحت من إصلاحات (وإن كانت كلمة الإصلاح كبيرة عليّ)، فذكرت ما صنعت في الأعمال الإدارية ولم أكمل حديثي عن القضايا والمحاكمات. وبدأت الكلام عن رحلة المشرق ثم لم أكمله. وتركت حوادث كباراً منها ما يجاوز حدود السيرة الشخصية إلى التاريخ العامّ، فيمسّه مساً ويؤثّر فيه ولو من بعيد، كقصّة دخول الانتخابات سنة ١٩٤٧ (١٣٦٦هـ)، وعملي في وضع قانون الأحوال الشخصية ومشاركتي في غيره من القوانين. وأسأل الله أن يوفّقني إلى العودة إليها وإيضاح ما أغفلته منها، هذا إن كان في العودة نفع للناس ولم يضِق به صبر القُرّاء ولا صدر الجريدة التي تنشر هذا المقال الذي طال.
* * *
كنت أروي لكم في الحلقة الماضية خبر الكلمة التي ألقيتها في الرائي (التلفزيون) سنة ١٩٦١، وكانت هي أول عهدي بالتلفزيون الذي ارتبط -من بعد- حبلي بحبله وصرت من أهله. ونقلت إليكم فقرات منها ما كنت لأنقلها لولا أن لها صلة بتاريخ البلد، وأنها لم تُنشَر كاملة من قبل، إنما نُشرت فقرات منها في جريدة «الوحدة» أخذوها ممّا سمعوه مني في الرائي فسجّلوه صوتاً ثم كتبوه كتابة. وقلت لكم إن ذلك الحديث التلفزيوني إنما كان من أجل تكذيب ما زعمَته صحف عبد الناصر اللبنانية من أنني ذُبحت في داري، وذكرت كيف أن أهل بيتي أصبحوا يكلّمونني
стр. 2077
فلا أردّ، فلما طال ذلك عليهم وحاروا في أمري قلت لهم إنني قد متّ لأن صحف عبد الناصر في بيروت قالت ذلك. وأُتِمّ الآن الكلام أمشي به من حيث وقفت في الحلقة الماضية.
* * *
ولمّا كانت صحف عبد الناصر في بيروت لا تكذب أبداً فأنا إذن قد متّ.
وأدفع هذه الجرائد إلى زوجتي وأقول لها: خذي اقرئي هذه الصحف. وتأخذ الجرائد فتقرأ التفاصيل بأن المعتدين صعدوا من العمارة المجاورة ونزلوا على سلّم الحريق يوم الإثنين الماضي وطعنوني بالسكاكين في بطني وفي خاصرتي وفي ظهري. فتقول: ولكن هذا كله لا أصل له لأنه ليس إلى جانبنا عمارة، ونحن نسكن (أي كنا في تلك الأيام نسكن) في الجبل، ما حولنا إلاّ منازل فقراء ما فيها إلاّ غرف قليلة من الطين، وكلها من طبقة واحدة مثل دارنا، بل ليس في البنايات المحيطة بنا من دارنا إلى أربعين بيتاً من كل جهة من الجهات الأربع سلّم للحريق! ثم إنك كنت في ذلك اليوم الذي زعموا الاعتداء عليك فيه، كنت في مَضايا ولم تكن في الشام (أي في دمشق).
قلت: هذا لتعلمي قيمة هذه الدعاية وهذه الشائعات. إن من الناس من حلف بالطلاق (سمعت ذلك بأذني في الترام والمتكلّم لا يراني، بل ربما لم يكن يعرفني) حلف أنه مشى في جنازتي! وآخر حدّث بالقصّة وزعم أنه هو الذي قبض على الثلاثة الذين اعتدوا عليّ وقتلوني وسلّمهم إلى الشرطة!
стр. 2078
على أني لا أفهم: لماذا يكون الاعتداء عليّ؟ وما الذنب الذي أذنبتُه وما الجناية التي جنيتُها؟ ألهذه الكلمة التي كنت قلتها في الإذاعة؟ أنا أخطب وأكتب من أواخر العشرينيات من هذا القرن، فما وجدت لكلمة كتبتها أو لخطبة ألقيتها من الاستحسان عند الناس، ولم يَرِدْ عليّ من التهنئات على مقالة أو محاضرة مثل ما ورد عليّ بعد هذه الكلمة.
ولقد أشاعوا أنني أخذت عليها عشرة آلاف، وأنا والله لم آخذ عليها كلها قرشاً واحداً، حتى المكافأة المقرّرة لحديث الإذاعة ولخطبة الجمعة التي تُذاع منها لم آخذها. ثم إنني لم ألقَ إلى الآن أحداً من الضبّاط الذين قاموا بهذا الانقلاب. ثم إنني لم أُسِئ فيها الأدب مع سيادة الرئيس عبد الناصر.
لم أكن من الذين مدحوه لمّا كان في سلطانه، فلما زال السلطان عنه عادوا يذمّونه؛ يلبسون جلد الحرباء التي تتلوّن بلون المكان الذي تكون فيه. بل إنني هاجمته لمّا كان في سلطانه، فلما زال السلطان لم أشتمه مع من شتم ولم أهجم عليه فيمن هجم، ولم أذكر إلاّ بعض الوقائع الصحيحة بلهجة مؤدّبة. فلماذا يُعتدى عليّ؟
ثم إنني ... ها أنَذا أمامكم ترونني بأعينكم. فمن هو الذي مات إذا كنت أنا الميت أمامكم؟ لا تكونوا كصاحب البارومتر الذي صدّقه وكذّب المطر! فإن قلتم (على طريقة مؤلّف كليلة ودمنة): وكيف كان ذلك؟ أقول لكم: زعموا أنه كان عند واحد من الناس بارومتر (مقياس للضغط) اشتراه من البسطة المبسوطة
стр. 2079
على الأرض، وكان قديماً خَرِباً لا تتحرّك إبرته، ولكنه دأب على النظر فيه كل يوم. فنظر يوماً فإذا البارومتر يشير إلى أن الجوّ صحو، وكان اليوم يوم غيم. فقالت له امرأته: يا أبا فلان خذ المظلّة (١) فقال: يا امرأة، الميزان يقول إن اليوم صحو وأنا أصدّق الميزان. وخرج ونزل المطر وهو لا يصدّق، وابتلّ ثوبه ووصل الماء إلى جسده وهو لا يصدق المطر، لأنه صدق الميزان!
هذا مثال من يقبل هذه الدعايات ويُنكِر الواقع. ها أنَذا أمامكم. ولكن أرجوكم أن تجيبوا على سؤال خطر الآن على بالي، أرجو أن يكون في طرحه نفع لكم: هل ترونني حقيقة؟
أنا والله لا أرى أحداً منكم. أنا هنا محصور في مكان مُغلَق، حولي آلات تصوّر، في موقف صعب. ولو كنت في مجلس أجد مَن أحدثه ويحدثني لهان الأمر، ولو كنت على منبر أخطب أرى السامعين ويرونني لسهلت القضية، ولكنني في بهو كبير حولي آلات، أمامي أخوان يحدّقان فيّ كأنني في امتحان وهُما من الهيئة الفاحصة، فأنسى نصف ما في ذهني! وهذه الأضواء القوية، أعوذ بالله، مسلّطة على عينَيّ فلا أستطيع أن أفتح عينَيّ. كأنني في موقف الاستجواب الذي نراه في الأفلام الأميركية، فأنسى النصف الباقي ممّا أعددتُه!
كيف ترونني؟ إذا كنتم ترونني حقيقة فخافوا من الله، وإذا كنت أنا وراء هذه الأبواب المغلَقة ووراء هذه الجدران الغليظة
стр. 2080
لم أستطع أن أختفي منكم وأتوارى عنكم، وأنتم بشر مثلي ... وإذا كان العقل البشري المخلوق استطاع أن يكشف هذه الخفايا لكم أنتم حتى إنكم لترون كلّ شعرة في رأسي وتسمعون كل رجفة في صوتي، فكيف تتوارون من الله وتغلقون أبوابكم وتأتون المعاصي، وتحسبون أن الله لا يراكم؟
أُهدِيَ إليّ شريط مسجّل لما ذهبت لألقي محاضراتي في الكويت منذ خمس سنين (أي سنة ١٩٥٦). وكنت قد تركته لأنه لم يكن عندي يومئذ آلة تسجيل، فاستعرتها أمس من صديق لي ووضعت الشريط فيها وأدرتُه، فسمعت الكلام الذي كنت قلته يومئذ. أفليس ذلك عجيباً؟ لو قيل لأكبر عالِم من علماء الطبيعة قبل مئة سنة إننا نستطيع أن نستبقي صوتَ المغنّي في أغنيته والخطيب في خطبته، ثم نعيد سماعه متى شئنا ولو مات صاحبه، لجُنّ العالِم أو لحسبَنا نحن المجانين. لمّا خطب غامبتا (فيما أذكر) في رثاء لاشو وصف مرافعاته العظيمة وقال: لو كان من الممكن أن نحفظها لتسمعها الأجيال الآتية ليعرفوا سرّ بلاغته وأسباب عظمته. ولكن هيهات ... إن ذلك مستحيل!
لقد سمعت في هذا الشريط لحنة وقعت مني ظننت أني نسيتها وأن الناس نسوها، فإذا أنا أسمعها الآن بعد خمس سنين، وربما سُمعت بعد مئة سنة! سجّلها هذا الشريط وهو شريط مخلوق وسُمعت في هذه الدنيا، فكيف يا إخوان، كيف بشريط الملكَين الذي يسجّل عليكم كل همسة وكل كلمة، ولا يضيع من ذلك شيء؟ أحصاه الله ونسيتموه.
стр. 2081
كنت أرى في السينما فِلْماً مدرسياً يصوّر التلاميذ الصغار وهم في الامتحان، فإذا تلميذ من التلاميذ راقب غفلة من المعلّم فنظر في ورقة جاره ليسرق منها كلمة، يظنّ أنه لم يرَه أحد، وإذا بالمسكين افتُضح في كل دار سينما يُعرَض فيها هذا الفلم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. تصوّرت فضيحة هذا الولد فذهب خيالي إلى الفضيحة الكبرى على رؤوس الأشهاد عند الله، يوم تُنشر الصحف وتُعرض «الأفلام» التي سَجّلت كل ما عملناه في هذه الحياة الدنيا.
تلك الفضيحة، لا فضيحة التلميذ الذي غشّ بين أهله ورفاقه. يوم تشهد علينا أيدينا وأرجلنا وأبصارنا: ما أنكرناه بألسنتنا تُقِرّ به هذه الألسنة، وما اجترحناه بأيدينا تشهد علينا به هذه الأيدي، والرجل الذي يمشي إلى حرام تشهد عليه رجله إن أنكر لسانه.
لقد تعجّب الذين نزل عليهم القرآن: كيف تنطق الأيدي والأرجل؟ فجاءهم الجواب: بأنه أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. قلت لكم من قبل (لأبيّن لكم أثر المدرّس الصالح في صلاح التلاميذ والمعلّم الفاسد في إفسادهم) إنه جاءنا ونحن صغار في المدرسة الابتدائية في أعقاب الحرب الأولى (سنة ١٩١٨) معلّم جعل يسخر من شهادة الأيدي والأرجل، يقول لنا: انظروا، هل لليد لسان حتى تنطق؟ هل للرِّجل فم حتى تتكلم؟
فأدخل واللهِ الشكوك علينا وكاد يؤثّر في إيماننا، ولكن الله سلّم. وعشنا حتى رأينا الشريط الجامد يتكلّم، وهذا الصندوق
стр. 2082
الذي لا حياة فيه (أي الرائي) يتكلّم. فهل الذي جعل هذه الجمادات تتكلّم بأفصح لسان يعجز عن إنطاق اليد والرجل يوم القيامة؟
أنا لا أريد أن أجعل هذا الحديث وعظاً فيثقل على نفوسكم، والوعظ ثقيل. الله سَمّاه بذلك حين قال: ﴿إنّا سَنُلقي عليكَ قَولاً ثَقيلاً﴾، ثقيل لأنه يصرفك عن بعض لذّات نفسك ومطالب هواك. وكل أمر نافع في الدنيا ثقيل؛ كلام الطبيب الذي يدعوك إلى الدواء المُرّ والحمية عن الطعام المشتهى ثقيل، والانصراف إلى الدرس قُبَيل الامتحان وترك الفِلْم المعروض في الرائي والقصّة الدائرة في المجلس ثقيل، وكل أمر فيه جِدّ ثقيل لأن النفوس تميل إلى السهل دون الصعب، والانطلاق دون التقيد، وتحبّ الحرّية.
وإن كانت الحرّية المطلقة لا تكون إلاّ للمجانين: المجنون هو الذي يعمل كل ما يخطر على باله، يبسط فراشه في الشارع فينام بين السيارات، ويأخذ ما يريد من مال الغنيّ وما يشتهي من الثمرات من غير أن يدفع الثمن، ويريد النجاح في الامتحان من غير أن يجدّ ويدأب. الجنون هو الحرّية المطلقة، أمّا العاقل فإن عقله يقيّده. أوَليس ««العقال» في اللغة هو القيد؟ و «الحِكْمة»، أليست من حَكَمة الدابة (١)؟ والحضارة، أليست قيداً تقف فيه الحقوق عندما تصطدم بالواجبات، وتنتهي فيه حرّيتك في أرضك حين تبدأ حرّية جارك في استعمال أرضه؟
стр. 2083
فلا بدّ من الوعظ، فلماذا نهرب منه ونخشاه ونبتعد عنه؟ على أنني إنما أقول لكم كلمة حقّ، من شاء أن يقبلها قبلها ومن شاء أعرض عنها فلم يسمعها: اذكروا ربكم حين تسمعون الحديث من الإذاعة وتُبصِرون المسرحية في الرائي. لقد سجّل علينا في الدنيا العمل والقول، فإذا جاء الممثّل يُنكِر ما قاله أو ما فعله ألزمناه الحُجّة بهذا الشريط. أفلا يذكّركم ذلك بالشريط الذي سُجِّل فيه عليكم كل عمل عملتموه؟ ﴿لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها، ووَجَدوا ما عَمِلوا حاضِراً﴾؛ حاضراً أمامهم يُعاد عليهم فيرون ما صنعوا ويسمعون ما قالوا، فمَن يستطيع يومئذ أن ينكر شيئاً ممّا قال أو فعل؟ على أن هذا الشريط يمكن أن يُمحى. شريط المسجّلة يمكن أن تكبس على زرّ في الآلة فيعود فارغاً لا شيء فيه ويُمحى ما سُجّل عليه، فهل يُمحى شريط أعمالنا قبل يوم القيامة؟ الشريط الذي سجّله علينا المَلَكان؟
نعم، إنه يُمحى ومَحْوُه أسهل. يُمحى -يا أيها الإخوان- بالتوبة الصادقة. فتوبوا إلى الله، توبوا أيها المسلمون. والتوبة أول شرط فيها أن تترك الذنب، فإن التائب من الذنب والمقيم عليه كالمستهزئ بربّه، أستغفر الله. ثم تنوي أن لا تعود إلى مثله. وإن كانت التوبة من حقوق العباد فلا بُدّ من أداء الحقّ إلى صاحبه أو أن يسامحك به صاحبه.
ولا يقُل أحد إن ذنوبي كثيرة، فإن التوبة الصادقة تمحو كلّ ذنب ولو كان الكفر. ليس في الذنوب شيء لا يُمكِن التوبة منه. الذين ارتدّوا وكفروا بعد رسول الله ﵊ لما رجعوا إلى الله رجع عفو الله إليهم. أما قرأتم قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِباديَ
стр. 2084
الذينَ أسرفوا على أنفسِهِمْ﴾ لم يقُل أذنبوا بل أسرفوا على أنفسهم في الذنوب وأكثروا منها، ومع ذلك فقد قال لهم: ﴿لاتقنَطوا مِن رحمةِ اللهِ﴾ مهما كثرت الذنوب فإنها تُمحى بالتوبة: ﴿إنّ اللهَ يغفِرُ الذّنوبَ جميعاً﴾.
فيا ناس، لا تغترّوا بالدنيا. اعملوا للدنيا فإن الإسلام يأمر بالعمل، يأمرنا أن نكون أغنياء وأن نكون أقوياء وأن نجمع المجد والعلم من أطرافه كله، على ألاّ ننسى الآخرة: ﴿وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الآخِرةَ ولا تَنْسَ نَصيبَكَ مِنَ الدّنيا﴾؛ فلا ننسى الدنيا إذا انصرفنا إلى العبادة ولا ننسى الآخرة إن أقبلنا على الدنيا.
تقولون: لقد صار حديثك مواعظ. وما المانع من أن يكون حديثي مواعظ؟ وهل المواعظ مذمومة مرذولة؟ وهل نُمضي الحياة كلها في لهو ولعب؟ وهل نجعل الدنيا أكبر هَمّنا؟ هذه الدنيا لا تدوم، لا يدوم فيها شيء. هل دام على غنيّ غناه؟ هل دام على فقير فقرُه؟ أما يفتقر الأغنياء؟ أما يغتني الفقراء؟ أما يذلّ الأعزّة؟ أما يعزّ الأذلّة؟
بالأمس كان في هذه المدينة رجل جبّار من الجبابرة يتسلّط على كل شيء ويمدّ نظره ويده إلى كل بيت، وكان يظنّ ويظنّ سيّده هناك أنهما شاركا الله في مُلكه. أين هذا الرجل اليوم؟ إنه في السجن، وكان بالأمس على كرسي الحكم (١). هذه هي الدنيا، فبئس الرجل الذي يجعلها أكبر هَمّه.
стр. 2085
ثم يمضي كل ذلك ويطويه الموت، ثم يكون بعد الموت نشرٌ وقيام بين يدَي ربّ العالمين، فاذكروا (وأذكر أنا معكم) ذلك اليوم الذي نقوم فيه بين يدَي ربّ العالمين.
يا أيها الناس ارجعوا إلى ربّكم.
ولربما سألني سائل: ماذا كان شعورك لما سمعت تلك الشائعات؟ هل تظنّون أنني سُررت وفرحت بهذه الشهرة التي حصّلتها إذ يتحدّث الناس كلهم عني ويذكرون اسمي؟ إن الشهرة يطمح إليها الشبّان، بل ربما سُرّ بها كل إنسان. ولقد سعيت إليها من قديم كما سعى لِداتي وإخواني وكما يسعى الناشئون جميعاً، ولكني لما رأيتها زهدت فيها. إنني لا أجد مثلاً لها إلاّ السراب؛ أنتم لا تعرفون هنا السراب ولكنني عرفته لمّا رحلت رحلتي في الصحراء من دمشق إلى مكّة المكرّمة. يبدو من بعيد كأنه بِركة ماء، كأنه بِركة حقيقية، فإذا جاءه الإنسان لم يجد إلاّ التراب. لا يكون ماء إلاّ من بعيد. وكذلك الشهرة، تحسبها من بعيد شيئاً ممتعاً، فإذا وصلت إليها لم تلقَ فيها متعة.
стр. 2086
أنا من سنين طويلة معتزل مغلق عليّ بابي، لا أكاد ألقى أحداً ولا أُزار ولا أزور. فما الذي ينفعني إذا كان يذكرني الملايين؟ وما الذي يضرّني إذا لم يذكروني أو لم يعرفوني ولم يعلموا بوجودي؟ وما الذي يفيدني إذا مدحوني؟ وما الذي يضرّني إن ذمّوني؟
إن شعوري لمّا سمعت هذه الشائعات أنني تمنّيت على الله لو أنها كانت صادقة. كنت أمضي شهيداً، وهل أطمع بشيء أعظم من الشهادة؟ ولكن الله لم يُرِدْها لي. فإذا كنتم تريدون أن تكافئوني على أحاديثي وأحببتم أن تنفعوني فأنا لا أريد أموالكم، فعندي من المال ما يكفيني، ولا أريد من جاهكم، ولكني أريد دعوة صالحة من واحد منكم بظهر الغيب إذا قام في السحَر أو قعد بعد الصلاة وتوجّه قلبه إلى الله، فليدعُ لي دعوة صالحة.
هذا الذي أبتغيه منكم، وأسأل الله أن يوفّقني ويوفقكم لِما فيه الخير لي ولكم، والسلام عليكم.
* * *
وكنت أنشر في جريدة «الأيام» عند صديقنا الأستاذ نصوح بابيل بعنوان: «كل يوم خميس مقالة»، فكان ممّا قلته في مقالة نُشرت في الشهر الحادي عشر من سنة ١٩٦١ (وقد قطعت المقالة ولم أقطع معها رقم العدد ولا تاريخ اليوم)، كان ممّا قلت فيها رداً على جرائد عبد الناصر في بيروت (١):
стр. 2087
على أني ما أدري ماذا يريد منّا هؤلاء الذين أقاموا من أنفسهم أوصياء علينا؟ ماذا يريد هؤلاء الذين يكتبون في جرائد عبد الناصر في بيروت؟ هل يريدون أن نبقى حتى يُعتقَل كل غنيّ فينا لأنه غنيّ، فيُجرّد من ماله ويُحرَم من حقوقه المدنية وتُنتزَع حُلِيّ نسائه من أيديهن؟ هذا ما وقع في سوريا وفي مصر أيام عبد الناصر، والحبل جرّار، ولسنا ندري ماذا ينزو غداً في رأس الحاكم بأمر الله الذي رجع يحكم مصر مرّة ثانية! أكان هذا ما يريدونه لنا؟ إذا كان هذا في رأيهم خيراً فلماذا لا يختارونه لأنفسهم؟ لينضمّوا إلى عبد الناصر، ونحن نضمن لهم أن يقبلهم وأن يُدخِلهم جنّته الديمقراطية الاشتراكية، التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعَت من التعذيب والإرهاب.
أنسيتم يوم كان في كل خمس أُسَر أسرة أُخذ واحد من أبنائها، اعتقلوه سنين وأهله لا يعرفون مكانه ولا يدرون أهو حيّ أو هو ميت؟ يوم كان حكامنا أعداءنا، بل كانوا يعملون بنا ما لا يعمله أعدى أعدائنا. إن أحبّوا ذلك فليختاروه لأنفسهم، أمّا نحن فقد اخترنا لأنفسنا ونحن أعرف بمصالحنا، ما حجر القاضي علينا لنتخذهم أوصياء لنا.
أمّا الطلاّب والطالبات الذين كتبوا إليّ فلهم من حفظ دروسهم وكتابة وظائفهم -لئلاّ يتعرّضوا لفَلَق المعلّم (أي فَلَقَته) - شاغل عن السياسة وأهلها. ومتى كان أولاد المدارس يوجّهون سياسة البلد؟
أما الذين ظنوا أني صرت سياسياً وانضممت إلى موكب أهل
стр. 2088
الحكم فهم على خطأ؛ فأنا لم أكن من أهل السياسة ولن أكونه إن شاء الله. وما أنا من فئة ولا حزب، أنا من حزب الله وأنا أخو مَن أطاع الله. كل من سلك سبيل الله وعمل على طاعته ونُصرة شريعته من الحاكمين والمحكومين فأنا معه جندي مطيع، لا أبتغي أجراً إلا من الله، وكل من خالف عنها وعمل بالمعاصي وحارب الله ورسوله فأنا عليه فدائي متطوع، لا أخاف -إن شاء الله- إلا الله.
وما قابلت -والله- من الحاكمين اليوم ولا من الضباط الثائرين أحداً. ما لقيتهم لقاء فضلاً عن أن آخذ من دنياهم أو أن أنال المكافآت منهم كما زعم هؤلاء المرجفون. وما زرت أحداً منهم لا مهنّئاً ولا طالب حاجة، وما لي بحمد الله حاجة إلى أحد منهم. والذين كانوا وزراء من قبلهم كنت أعرف أكثرهم، وكان فيهم اثنان من أصدقائي وواحد من رفاقي في المدرسة واثنان من تلاميذي، فما زرت واحداً منهم ولا سألته حاجة لنفسي.
وذلك دأبي في الحياة كلها، حتى إن وزارة العدل (وهي إلى جنب محكمتي) لا أدخلها إلا نادراً، والبناء الجديد فيها ما دخلته إلى الآن. ولقد تولاها ثلاثة لم يكونوا من أصدقائي فقط بل كانوا عندي بقرب إخوتي من أبي وأمي، هم منير العجلاني ومصطفى الزرقا ونهاد القاسم ﵀، رتّبت أسماءهم على ترتيب تولّيهم الوزارة وسمّيتهم بأسمائهم فقط لأنها من الأسماء التي تقوم وحدها، لا تحتاج إلى أن تسندها بالألقاب كما تسند المريض بالعصيّ. فكنت أبتعد عنهم وهم في الوزارة، فإذا زالت عُدت إلى صلتي بهم. ذلك لأني تعوّدت أن أصادق الرجال لا الكراسي. والحاكمون يعلمون أني لا أسكت عن إنكار المنكَر إذا
стр. 2089
جاء منهم ولا أقول للحرام إذا فعلوه هو حلال إكراماً لهم.
لقد كنت أوّل رجل في سوريا تكلّم جهراً في المجامع في إنكار ما كان أيام الوحدة، أيام الإرهاب، خوفاً من أن نتعرّض بسكوتنا جميعاً إلى عذاب جهنّم. أفأدعُ الآن الإنكار وقد زال الإرهاب؟ إن دين الله أعزّ عليّ من أن أضيعه في المجاملات، والله أكبر في قلبي من أن أُسخِطه لرضا مخلوق مهما بلغ من السلطان. وأسأل الله أن يثبّتني على الحقّ.
* * *
стр. 2090
-١٦٤ -
عودة إلى رحلة الشرق
في الطريق إلى أندونيسيا
لي في جدّة ستة منازل مفتَّحةٌ لي أبوابها، يرحّب بي ويُسَرّ إن جئتها أصحابُها: بيوت ثلاث من بناتي وثلاث من حفيداتي وأزواجهن أبنائي وأحبّائي، وتمرّ -مع هذا كله- الشهور وأنا أستثقل أن أذهب من مكّة إلى جدّة وأراها سفرة أحمل هَمّها. والذي بين مكّة وجدّة لا يزيد إلاّ قليلاً عمّا بين طرفَيها أو طرفَي الرّياض، إن كان بيتك في مشرقها وذهبت تزور قريباً لك في مغربها ورجعت إلى حيث بدأت.
هذه هي حالي الآن، فكيف ذهبت يوماً إلى آخر أندونيسيا؟ إلى حيث لم يبقَ بيني وبين سيدني في أستراليا إلا مرحلة واحدة من مراحل سفر الطيارة؟ ثم ذهبت بعدها إلى شمالي أوربا الوسطى، إلى فولندام في هولندا؟ كيف تبدّلَت بي الحال حتى انتهيت إلى هذا المآل؟ إنه الشباب الذي فقدته، الشباب الذي يبكيه الشعراء ولا ينفعهم في ردّه البكاء. وما لذّة العيش إلاّ في الشباب، فهل عرفتم قدره يا من يضيّعه في عبث لا يفيد وفي لهو لا ينفع؟
стр. 2091
لقد قطعت الكلام عن الرحلة في الحلقة ١٤٦ (التي صدرت يوم ١١/ ٤/١٩٨٥)، فهل لي اليوم أن أعود إليها بعدما نسيتموها؟ ومَن من القُرّاء الذي يتابع المقالات المتسلسلة ويعيها ويحفظها؟ على أنه إذا انقطع نظامها واضطرب قوامها، فلعلّي إن شاء الله أعيده حين تصدر الطبعة الثانية من كتابي «الذكريات»، وقد صدر منه الآن جزءان وجزءان سرعان إن شاء الله ما يصدران (١).
لقد كنت أوّل شامي أَمّ تلك البلاد وبلغ منها ما بلغتُ. وإذا لم أكن أول من زارها فأنا أوّل من كتب عنها وحدّث في الإذاعة فعرّف الناس بها، ولكن الذي حدّثت به قبل ربع قرن كامل وكان جديداً على الناس صار الآن قديماً. وهذه سنّة الله في الكون:
إنّ هذا القديمَ كانَ جديداً ... وسيغدو هذا الجديدُ قديما
كان ما قلت وصفاً حياً فصار الآن تاريخاً ماضياً؛ تغيّرت البلاد بعدي، مات كثير ممّن كان فيها ووُلد كثير ممّن لم يكن، وذهب حكام وجاء حكام، فسبحان من يغيّر ولا يتغيّر.
وإذا كان الناس يومئذ قرؤوا ما كتبت أو سمعوه على أنه وصف أديب فاقرؤوه أنتم الآن على أنه تدوين مؤرّخ. وأرجو ألاّ يخلو في الحالَين من منفعة أو متعة، وأهون منافعه أن يملأ وقتكم عن المعاصي والآثام، والنجاة من الإثم نصف الطريق إلى الفوز بالثواب.
* * *
стр. 2092
وصلنا كراتشي في أواخر آذار (مارس) من سنة ١٩٥٤، وخرجنا منها بعد شهرين اثنين. وكانت الدنيا في رمضان (١)، وكان السفر قُبَيل المغرب فما هي إلاّ أن أظلم الكون. وكان تحتنا غيوم ثِقال فلم نرَ ونحن في الطيارة إلاّ قليلاً من الأنوار، حتى إذا مضى هزيع من الليل كنا قد قطعنا الهند من غربها إلى شرقها في أعرض بقعة منها، مسافة ألفَي كيل، فوصلنا كَلكُتّا. وربما عدت إلى الكلام عن كلكتا وما رأيت فيها، وربما رجعت فأكملت ذكرياتي عن كراتشي وما بقي في ذهني منها.
وكان منظر كلكتا ليلاً من الجوّ من أروع المناظر. رقعة واسعة جداً تسلسلَت فيها أضواء الشوارع خطوطاً مستقيمة ومنحنية ومتقاطعة، لا يُرى طرفاها. وما ظنّك بمدينة كان فيها قبل ربع قرن خمسة ملايين ونصف المليون؟ فنزلنا في مطارها ساعة أكلنا فيها واسترحنا، ثم قامت الطيارة إلى رانغون عاصمة بورما، ولم تنزل بها، ومضت مشرّقة حتى وصلت بانكوك عاصمة سيام (التي دُعيت الآن تايلاند) وبينها وبين كلكتا مسافة ألف وسبعمئة كيل (كيلومتر). وكانت أراضي سيام (تايلاند) تبدو من الجوّ مزروعة، فيها الأنهار الكثيرة على ضفافها البيوت ذات الطراز الآسيوي، سقوفها مائلات مزخرَفات، وحولها الأشجار صفوفاً على أشكال هندسية، وليست فيها بقعة جرداء.
ولمّا نزلنا وجدنا في المطار حشداً كأنه كما بدا لنا وداع
стр. 2093
عروسَين مسافرَين في شهر العسل، والعقود الكثيرة من الزهر الفوّاح الأريج معلّقة بالأعناق، فيها زهر كزهر الفُلّ مرصوف رصفاً عجيباً كالسجّاد الملوّن ومربوط بشريط له عُقَد فنية على أشكال الفراشات. ونساؤهم ذوات سِحَن صينية ولكنهن وديعات جذّابات، يلبسن ثياباً ضيّقة مشقوقة من الجانبين تكشف عن السيقان والأفخاذ، وهم مجوس لا يرون في ذلك بأساً، والأيدي مكشوفات إلى المناكب. أما الرجال فباللباس الأوربي حُلَلهم بيضاء.
ولم أرَ في المطار -على كثرة مَن كان فيه يومئذ من أهل سيام- إلاّ ضاحكاً أو ضاحكة، يمزحون ويصرخون. ويظهر عليهم أن هذا الانبساط خُلُق دائم فيهم لا يتكلّفونه. هذا ما خُيل إليّ، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقمنا منها فتركنا الهند الصينية من فيتنام وكمبوديا ولاوُس عن شمائلنا، وأصلَ شبه جزيرة الملايا (ماليزيا) عن أيماننا، وطرنا فوق البحر إلى الجنوب خطاً مستقيماً، سلكنا في آخره على الشاطئ الشرقي للملايا (ماليزيا) حتى انتهينا إلى سنغافورة، وذلك مسافة خمسمئة كيل.
ماذا تعرفون عن سنغافورة؟ ما وصفها؟ ما طبيعتها؟ من يسكنها؟ هل تعرفون عن الملايا (ماليزيا) وهي من بلاد المسلمين أهلها من إخوانكم، عُشرَ الذي تعرفونه عن لندن وباريس ونيويورك؟ ذلك لأننا نرى في السينما وفي الرائي (التلفزيون) مشاهد من أوربا وأميركا، ونقرأ في الصحف أخبارها أو نسمعها
стр. 2094
ممّن زارها فعاد وحدّثنا عنها، فنعرف الكثير من أنبائها. وهذا الشرق شرقنا، لا نعرف عن أكثر أقطاره إلاّ الأسطر التي قرأناها في درس الجغرافيا فأودعناها أذهاننا ريثما نؤدّي الحساب يوم الامتحان عنها، ثم أغفلناها وأهملناها حتى نسيناها.
وكانت طيارتنا تسير بمقدار وتقف بمقدار، فإذا كان موعد طيرانها في الدقيقة الثالثة من الساعة الخامسة -مثلاً- لم تطِر في الدقيقة الثانية ولا الرابعة. وكان مقدَّراً لها أن تقف في سيام (تايلاند) نصف ساعة، وأنا أنظر إليها وأراها جاثمة على الأرض كأنها عمارة مستقرّة ذات أساس. فضاق صدري ونفد صبري، فكنت أسأل وأبحث فلا يُجاب لي سؤال ولا يُثمِر بحث، والركّاب (وكلهم من الإنكليز إلاّ أنا وصاحبي) لا يتحركون ولا يبالون، ولم يقُم واحدٌ منهم يسأل لِمَ وقفت. فعجبت منهم، وازداد عجبي حتى شككت في نفسي وفيهم، وحسبتُني في متحف الشمع في القاهرة لا في مطار بانكوك في سيام. ثم نادى المنادي إن الطيارة ستقوم، فتحرّكَت تماثيل الشمع ومشت على هينتها (والكلمة فصيحة) كأن لم تتأخر الطيارة ولم يُتوقّع حادث ولم يُخشَ خطر.
وطارت بنا، حتى إذا اقتربنا من سنغافورة (وأصلها «سنغا بورا»، أي ميناء الأسد) نظرت تحتي فإذا أنا أرى خريطة مجسّمة من شبه جزيرة الملايا (ماليزيا) وفي آخرها جزيرة صغيرة جداً محاذية لها هي سنغافورة. ثم لفّت الطيارة ودنَت لتهبط، فرأيت المدينة في نصف الجزيرة الجنوبي، شوارعها فساح وأبنيتها عالية، وفيها عمارتان رفيعتان كأنهما برجان (ولا تنسوا أنني
стр. 2095
أصف ما رأيت سنة ١٩٥٤ لا الآن) والمرفأ فيها واسع وحياله مستودعات ضخمة جداً، ونصف الجزيرة الشمالي حدائق متصلة وبساتين متسلسلة.
* * *
وكنا قد أبرقنا إلى وجيه العرب في سنغافورة، وهو السيد إبراهيم السقاف، فلما نزلنا وجدنا وفداً من العرب لاستقبالنا، وكان بينهم واحد وعشرون مندوباً عربياً عن إحدى وعشرين جمعية عربية، فما استطعت أن أنتظر حتى ينقضي الاستقبال بل سألتهم: لماذا لا تكون لهم جمعية واحدة يمثّلها رجل واحد، ما دام الأصل العربي واحداً والدين الإسلامي واحداً؟!
ودعَونا إلى حفلة شاي صغيرة في مطعم المطار. ففهمنا منهم أن هذه الجزيرة كانت إلى ما قبل مئة وأربعين سنة (صارت الآن مئة وسبعين) حدائق وبساتين ومتنزَّهات وجنّات، فحلّ بها الوباء البشري الذي اسمه الإنكليز، فاشتراها قائدهم رفلس المشهور من سلطان جوهور لتكون ميناء حُراً، ونصب فيها العلم البريطاني في ٢٩/ ١/١٨١٩، وشرع يُقيم فيها المدينة التي بلغ عدد سكانها يوم زرناها مليوناً وربع المليون، منهم ثمانمئة ألف من الصينيين، وفيها جالية كبيرة من العرب الحضارمة.
والعجب أن حضرموت، هذه البقعة الصغيرة الفقيرة، قد غزت بأبنائها الشرق كله؛ فما في الملايا ولا في أندونيسيا بلد ليس فيه ناس منهم. وهم تُجّار بارعون وأمناء صادقون ومغامرون شجعان، ولكن عيبهم وعيبنا معشر العرب في كل مكان هو
стр. 2096
الانقسام. وما ذاك عن ضعف فينا، بل عن قوّة في نفوسنا وأن كل واحد منّا يرى نفسه رأساً، والرأس يقود ولا ينقاد، لذلك كانت الأعمال الفردية أنجح فينا من الأعمال الجماعية، ولذلك كان في استقبالنا واحد وعشرون مندوباً عربياً عن إحدى وعشرين جمعية عربية.
وكان الكهول منهم بأزياء بلادهم، أي بالعمامة الحجازية التي تكون على القلنسوة المطرّزة المزخرَفة (والتي انقرضَت الآن أو كادت) والجبّة يلبسونها فوق ثيابهم، وهم يحافظون على هذا الزيّ في كل بلد ينزلونه.
وأخذونا إلى فندق صيني ما كدت أدخله وأنشق ريحه حتى رجعت من فوري أبادر الباب، ووقفت في الشارع تحت المطر. وأي مطر؟ إن أمطار البلاد الحارّة أعجوبة في كثرتها وانسكابها. وأنتم تعرفونها في مكّة وفيما حولها، فما ظنّك بمطر سنغافورة وهي قائمة على خطّ الاستواء؟ وكنا ننتظر وهم يتكلّمون عن الفندق المناسب لنا، فما انتهى كلامهم حتى كان الماء قد اخترق ثيابنا وجلودنا وأحسسنا به في عظمنا! ثم أخذونا إلى الفندق الكبير وهو فندق رفلس.
ولم يكن إعراضهم عنه أوّل الأمر جهلاً به، فهو معروف. ثم إن عمارة الفندق هي ملك للسيد إبراهيم السقاف، ولكن صرفونا عنه كرهاً للاسم الذي يحمله وهو اسم القائد رفلس، وكرهاً بالقوم الذين يديرونه وهم من قوم رفلس. والناس في سنغافورة يكرهون «الرفاليس» جميعاً، وحقّ لهم أن يكرهوهم فإنهم أصل
стр. 2097
بلائنا، وهم الذين أضاعوا فلسطين علينا، من أيام بلفور الذي وعد وعده الظالم إلى المندوب السامي الذي جاؤونا به وهو من اليهود ليعمل على توطيد أقدام قومه اليهود، إلى تخلّيهم عن فلسطين فجأة بعدما سلّحوا اليهود وجعلوا منهم قوّة عسكرية ومنعونا نحن أن نحمل مسدساً أو سِكّيناً.
أعود إلى الفندق. في الفندق حديقة فخمة فيها من غرائب الأشجار ما لا تجد مثله في غير البلاد الاستوائية من ألوان الزهر ومختلف الورد، وتحمله الأشجار الكبار صيفاً وشتاء، وهو شيء لا مثيل له في بلادنا.
وهو فخم الردهة واسع الغرف، لكن طعامه من أسوأ الطعام. وقد سرقونا فيه من أول ساعة؛ أعطيتهم البذلة لكيّها، والكيّ وصبغ الحذاء يكون عادة في الفنادق الكبيرة مجّاناً محسوباً مع أجرة الفندق أو يكون بأجر زهيد، فأخذوا مني لكيّ البذلة الواحدة نحواً من الجنيه الإسترليني! وكانت كل ليلة لكل واحد منّا بخمسة جنيهات.
وذهبنا ندور في البلدة، فإذا هي جميلة نظيفة بالغة الأناقة، والمواصلات فيها كثيرة وسائلها متعددة أنواعها، من «الركشة» إلى الحافلات (الأوتوبيسات) ذات الطبقتين، والمرفأ فيها من أعظم مرافئ الدنيا وأوسعها. وهو أكبر مركز تجاري وحربي في آسيا أو هو من أكبرها، تقف عليه كل سنة ستّة آلاف سفينة قادمة من عشرين دولة.
فإذا تركت المرفأ وسرتَ في الشارع المُفضي إليه وجدت
стр. 2098
عمارة المحكمة العليا، وهي بناء فخم له واجهة قائمة على أعمدة عالية، وعلى ظهر البناء قبّة مشمخرّة من أرفع ما رأيت من القباب، ومن حولها الأبنية البارعة.
وقد بنى الإنكليز في هذه البلاد بناء من ظنّ أنه سيقيم فيه إلى الأبد. ومن روائع الأبنية في الدنيا قصر نائب الملك في دهلي، ودار البلدية في كراتشي، والمحكمة العليا والعمارات العظيمة في بومباي عروس آسيا.
ووراء المدينة من جهة البَرّ البساتين والحدائق، فإذا جُزْتَ بها وجدت بين الجزيرة (أي سنغافورة) وشبه جزيرة الملايا مضيقاً لا يجاوز عرضه عرض نهر دجلة، عليه جسر ثابت يوصل إلى مدينة جوهور.
وأكثر سُكّانها من أهل الصين، الأسواق ممتلئة بهم، تعرفهم من الحروف الصينية على مخازنهم ومن هيئاتهم وملامحهم، ونساؤهم يشاركن الرجال في الأعمال كلها، ولباسهن (هذا الإزار الضيّق) كاد يصل مع الأسف إلى بعض نسائنا، وهُنّ يتّخذن له شِقّين من الجانبَين فتبدو منه أفخاذ المرأة أو أكثرها، وهن يمارسن كل عمل، ولست أدري من يتولى عنهن أمر بيوتهن!
فإن طلبتَ سيارة وجدت مكان السائق امرأة صينية، وإن أردت أن تحلق شعرك وجدت بدل الحلاّقين حلاّقات صينيات، وفي الدكاكين بائعات من أهل الصين ... والصينيون شعب تجاري بارع، وأولادهم يحملون السلع في الشوارع يعرضونها على السياح والأجانب بأساليب عجيبة. وقد تعلّق بي صبيّ صيني صغير
стр. 2099
ليبيعني علاوة للنظارات لا أحتاج إليها، ولم يزَل بي يكلّمني بلغته كلاماً لا أفهمه ويدلّ بإشارات وجهه وحركات يديه على ما يريد، ثم وثب ليصل إلى وجهي ليضع العلاوة على نظّاراتي! فضحكت منه وأعلنت الهزيمة بعدما سار معي دقائق، واشتريت العلاوة على رغم أنفي، ولم يأخذ مني إلاّ ثلاثة أضعاف ثمنها فقط لا غير!
وسنغافورة ميناء حُرّ مثل هونغ كونغ، ليس فيها مكوس (جمارك)، لذلك تجد فيها منتجات الدنيا كلها، تُباع البضاعة فيها بأقلّ من سعرها على باب المصنع الذي صنعها. وقد اشتريت منها أشياء برُبع ثمنها في جاكرتا وعُشر ثمنها في كراتشي. وقد اشتريت منها حذاءَين أنيقين لا يزال أحدهما عندي، نعلهما من المطّاط ووجههما من المُخمَل ثمن كل منهما ثلاث ليرات سورية (تساوي اليوم، أي وقت كتابة هذه الحلقة، ريالاً واحداً!). ذلك أن كل شيء فيها رخيص، وأرخص ما فيها مصنوعات المطّاط، ومنها ومن أندونيسيا يأتي ثلاثة أخماس مطّاط العالَم، وشجره يُشبِه شجر الأوكالبتوس الذي كان يملأ شوارع دمشق ونسمّيه شجر الكينا، ولكنه أكبر منه ويكون منه غابات، وهم يشقّون جذع الشجرة فيسيل منها ماء قليل، فيجمعونه في أوانٍ ويحملونه إلى المعامل فيعالجونه فيها. ولم أزُر معامله لأرى ما يصنعون به حتى يصير المطّاطَ الذي نعرفه.
وكانت الحركة الوطنية في ماليزيا كلها (وسنغافورة معها) على أشدّها لمّا زرناها، فكان الوطنيون يخرجون ليلاً إلى الغابات يقصدون الشجر ويسيلون ماءها هدراً على رغم ما يتّخذه الإنكليز من وسائل لحراستها، لأن أكثرها ملك لهم أو لمن يلوذ بهم.
стр. 2100
والأحزاب الوطنية كثيرة، وأكبرها حزب «أمانو» واسمه الحزب الوطني الاتحادي، ولم يكن يرى التعاون مع الحكومة، يؤيّده الحزب الصيني الكبير وحزب فارتي ناكارا، أي حزب البلاد. وكان رئيس أمانو تنكو عبد الرحمن، وقد لقيته في حفلة فلسطين وسيأتي حديثها.
* * *
وكنا كلما وصلنا بلداً ألقينا فيه الخطب والمحاضرات للتعريف بقضية فلسطين وشرح أدوارها، ثم عملنا على تأليف لجنة لها. وكانت الحفلة قد أُقيمَت في عاصمة جوهور، وهي بلدة صغيرة ما بينها وبين سنغافورة إلاّ هذا الجسر، ليس لها عَظَمة سنغافورة ولا ضخامة بنيانها، ولكنها بلدة شرقية هادئة أحسست فيها بالأنس والاطمئنان.
وكانت الحفلة في نادٍ كبير فيه مسجد واسع، وكانوا قد أوصوني وأنا في الهند أن لا أتكلّم عن الإنكليز في سنغافورة، لأن سنغافورة مستعمَرة إنكليزية وليس من مصلحة القضية -كما قالوا- أن أتكلّم عنهم في بلادٍ الحُكمُ فيها لهم. وسمعت ذلك منهم وكتمت أمراً. فلما كانت الحفلة وقمت لأخطب قلت للحاضرين: لقد أوصوني أن لا أعرض للإنكليز بشيء ولا أذكر شيئاً عمّا عملوه في فلسطين.
وما كاد المترجم ينقل هذه الجملة إلى الحاضرين (وهم بضعة آلاف) حتى ضجّوا ضجّة عظيمة، وتكلّموا بكلام تردّدَت فيه كلمة أمانو. وإذا نحن في نادي حزب أمانو، وهو الحزب الذي
стр. 2101
يناوئ الإنكليز ويقاومهم ويناضل لاستقلال البلاد، وإذا الضجّة احتجاج منهم على هذه الوصيّة وطلب وإلحاح على أن أقول عن الإنكليز ما أريد.
وكنت كالقنبلة المعَدّة التي يمسكها عن أن تنفجر مسمار صغير، فسحبوا المسمار وانطلقَت القنبلة. وألقيت خطبة مجلجلة وصفت فيها نكبة فلسطين ومصاب أهلها، وأصبت ووفّق الله، فتكلّمت من قلبي فوقع كلامي في قلوبهم، وأفلتَت الدموع من العيون وعلا صوت البكاء، ونزعَت السيدات -والله- حليّهنّ وقدَّمْنَها، وألقى الرجال بكل ما معهم.
وكان من خطّتنا ألاّ نستلم بأيدينا قرشاً واحداً، فسُلّم ما جمع إلى لجنة انتخبناها فوراً من أهالي البلاد لتُرسِله هي إلى فلسطين.
وأذّن المغرب فقام الحاضرون جميعاً إلى الصلاة، ولقيت رئيس الحزب فإذا هو أمير من الأسرة التي تحكم إحدى السلطنات التي كانت تتقاسم ماليزيا بينها، وهو تنكو عبد الرحمن، وكان شقيق السلطان، ولكنه آثر العمل لمصلحة بلاده وخدمة أمته على أبّهة المُلك وألقاب السراب.
وكان حزب أمانو قد قرّر يوم الحفلة التي خطبتُ فيها مقاطعة الوظائف الحكومية، وكان هذا الأمير رئيس المجلس التشريعي وله راتب ضخم ومنزلة عالية، وكان نائبه الدكتور إسماعيل وزيراً، فاستقالا وتبعهما كلّ الموظفين من حزب أمانو.
* * *
стр. 2102
-١٦٥ -
إن الشجى يبعث الشجى
لماذا أتحدث عن بنان
وأنا أرثي شكري فيصل ؟
قرأت في جريدة عكاظ نعي الدكتور شكري فيصل. وشكري ليس من لِداتي ولا هو من أقراني في السنّ، ولكنه رفيق أخي عبد الغني في المدرسة الابتدائية. كانوا ثلاثة يدرسون معاً، كلّهم ذكيّ نبيه وكلّهم من سنّ واحدة، وُلدوا سنة ١٣٣٧هـ أو قريباً منها. وكلّهم كان أبوه أو مَن ربّاه عالِماً يُشار إليه في دمشق ويقصده الطلبة والدارسون، وكلّهم صار أستاذاً كبيراً: أخي عبدالغني، وشكري فيصل، وصلاح الدين المنجّد. اختلف طريقهما وطريق عبد الغني، فاشتغل هو بالرياضيات حتى غدا أقدر وأقدم أستاذ فيها واشتغلا في الأدب حتى صارا من أعلامه. ولكن طبعه لا يشاكل طبعهما؛ عرفا الناس وعرفهما الناس، خرّاجان ولاّجان يدخلان المجتمعات ويخرجان منها، وعبد الغني مثلي مُنْزَوٍ معتزل، بل هو أشدّ مني عزلة وانزواء، فكأنه مصباح قويّ في غرفة مغلَقة، نوره شديد ولكن لا يجاوز جدرانها.
стр. 2103
لم أرَ شكري ﵀ من أربع سنين، من يوم زارني في داري في مكّة، ولكنني أعرفه من أكثر من خمسين سنة. كان أستاذاً في كلية الآداب في جامعة دمشق، فلما بلغ سنّ التقاعد (أو أُحيلَ إلى المعاش كما يقولون في مصر) جاء المملكة فكان أستاذاً في الجامعة في المدينة المنوّرة.
كان عصامياً، خاض لُجّة الحياة قبل أن يستكمل عُدّة خوضها، وجرّب الطيران صغيراً قبل أن ينبت ريش جناحَيه، فما زال يضرب بهما، يقوم ويقعد ويرتفع ويقع، حتى قوي الجناحان وامتدّت قوادمهما وقويَت خوافيهما، فَعَلا وحلّق.
أصله من حارتنا من حيّ العقيبة، وكان أبوه وعمّه من «زكرتية» الحارة، الذين يُدعى أمثالهم في مصر بالفتوّات وفي لبنان «القبضايات» وفي العراق «أبو جاسم لر». و «لر» علامة الجمع في لغة الترك، وكانوا يعلّموننا على العهد العثماني في الشام اللغة التركية مكتوبة بالحرف العربي كما تكتب الأردية والفارسية، وكما كانت تُكتب لغة أندونيسيا قبل أن يبدّلوها. وأذكر أنه كان عندنا في كتاب القراءة «جوجقلِرْ مكتبه كِدِيور» أي «الأولاد يذهبون إلى المدرسة». وأنا أحفظ ممّا تعلّمناه من التركية في تلك الأيام شيئاً ليس بالكثير ولكنه باقٍ في ذهني إلى اليوم.
وكانت أسرة الفتوّات في العقيبة هي أسرة كريّم، فذهب الدهر بالفتوّة منها وكاد يُنسى اسمها، ولم يبقَ فيما أعلم من رجالها إلاّ صديقنا الشيخ عبد الحميد كريم إمام جامع التوبة، وهو أبعد الناس عن النزال وعن القتال، من الذين قيل فيهم: «ليسوا
стр. 2104
مِنَ الشرّ في شيءٍ وإنْ هانا».
وكان آل كريم لشهرتهم يُنسَب إليهم أسباطهم، أي أبناء بناتهم، حتى إن الشيخ كامل القصاب الذي يعرفه الناس هنا، والذي كان إماماً في التعليم وعَلَماً في الوطنية والنضال للاستقلال، كان يُدعى أول أمره الشيخ كامل الكريم. وكان آل فيصل، أسرة شكري، من أسباط بيت كريم، ولكنهم كانوا فتوّات حقيقة. وكان في صفحة وجه عمّ شكري أو في وجه أبيه (نسيت أنا) أثر ضربة سيف قد التأمت مع الأيام، وسألته يوماً عنها فقال: هوه، هوه! هذا أثر من معركة عظيمة خضناها يوماً. قلت: هل كانت من معارك الحرب العظمى التي ساقوكم جنوداً إليها؟ قال: لا، بل هي معركة بيننا وبين أهل العمارة (وحيّ العمارة معروف في دمشق) حتى تمّ لنا فيها احتلال مصلبة للعمارة (والمصلبة في الشام تقاطع شارعين).
والناس الذين يحنّون إلى الأيام الماضية ينسون أننا رأينا بعدها شراً كثيراً كما رأينا خيراً كثيراً. ولو علمتم أن بين العُقيبة والعمارة أقلّ من مئتَي متر، البيوت فيها متصلة لا تفصل بينها ساحة حرب ولا ميدان قتال، ولو عرفتم أن أحياء الشام كانت ونحن صغار (وقبل ذلك) في نزاع وخصام وقتال، لرأيتم أننا صرنا الآن إلى خير ممّا كنا عليه.
وكانت أم شكري أخت المربّي المصلح والمعلّم القديم الشيخ محمود ياسين الحمامي. وقد قضى الله أن يفترق الزوجان وشكري صغير، فكانت عليه من المصائب المبكّرات، ولكنها جرّت عليه خيراً كبيراً. وكذلك يقدّر الله بكرمه ما يسوء فيجعل معه
стр. 2105
ما يسرّ: ﴿وعَسَى أنْ تكرَهُوا شيئاً ويَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيراً كثيراً﴾.
أما هذا الخير فهو أنه نشأ في كنف خاله الشيخ محمود وفي مكتبته الكبيرة. وأنا حين أذكر دمشق وأحنّ إليها، وتتراءى لي صور الأماكن المحبّبة إلى نفسي فيها، أذكر هذه المكتبة التي طالما كنت أحبّ زيارتها والقعود فيها مع الشيخ ومع تلاميذه: إخواننا الشيخ ياسين عرفة والشيخ محمود الحفّار والشيخ كامل القصّار، وصديقه وصديقنا الشيخ عبد القادر العاني، ﵀ ورحم من مات منهم. وقد قدر الله أن تمرّ الأيام وأن أشتري هذه المكتبة وأن أُودِعها الكلّية الشرعية في دمشق، وهي باقية فيها إلى الآن. ومن اطّلع على عقد البيع رأى عجباً؛ إذ أن الجهة التي باعت يمثّلها أنا لأنني كنت رئيس مجلس الأيتام، والجهة التي اشترت يمثلها أنا لأنني كنت رئيس مجلس الأوقاف!
وكان شكري ﵀ يحضر مجالس خاله الشيخ محمود ودروسه في البيت ودروسه في جامع التوبة، ويصاحب هذه النخبة من الأفاضل، فألَمّ بشيء كثير من العلوم الإسلامية، كما أخذ الكثير من الثقافة الحديثة من الدراسة. ولكن هذا كله لم يُجدِ عليه مالاً، وكان خاله فقيراً كما كان أكثر مشايخ الشام، فاضطرّته الحياة إلى أن يعمل ويتكسّب مبكّراً كما عملت أنا، وكما عمل كثير من إخواني الذين بلغوا -من بعد- أعلى المراتب في الحياة وأسمى الدرجات في العلم، كالدكتور أحمد السمّان أستاذ الاقتصاد في كلية الحقوق ﵀.
عمل في المكتبة العربية عند آل عبيد، الأستاذ أحمد وإخوانه، وثابر مع العمل على الدراسة حتى حصل على الدكتوراة