← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

يناوئ الإنكليز ويقاومهم ويناضل لاستقلال البلاد، وإذا الضجّة احتجاج منهم على هذه الوصيّة وطلب وإلحاح على أن أقول عن الإنكليز ما أريد. وكنت كالقنبلة المعَدّة التي يمسكها عن أن تنفجر مسمار صغير، فسحبوا المسمار وانطلقَت القنبلة. وألقيت خطبة مجلجلة وصفت فيها نكبة فلسطين ومصاب أهلها، وأصبت ووفّق الله، فتكلّمت من قلبي فوقع كلامي في قلوبهم، وأفلتَت الدموع من العيون وعلا صوت البكاء، ونزعَت السيدات -والله- حليّهنّ وقدَّمْنَها، وألقى الرجال بكل ما معهم. وكان من خطّتنا ألاّ نستلم بأيدينا قرشاً واحداً، فسُلّم ما جمع إلى لجنة انتخبناها فوراً من أهالي البلاد لتُرسِله هي إلى فلسطين. وأذّن المغرب فقام الحاضرون جميعاً إلى الصلاة، ولقيت رئيس الحزب فإذا هو أمير من الأسرة التي تحكم إحدى السلطنات التي كانت تتقاسم ماليزيا بينها، وهو تنكو عبد الرحمن، وكان شقيق السلطان، ولكنه آثر العمل لمصلحة بلاده وخدمة أمته على أبّهة المُلك وألقاب السراب. وكان حزب أمانو قد قرّر يوم الحفلة التي خطبتُ فيها مقاطعة الوظائف الحكومية، وكان هذا الأمير رئيس المجلس التشريعي وله راتب ضخم ومنزلة عالية، وكان نائبه الدكتور إسماعيل وزيراً، فاستقالا وتبعهما كلّ الموظفين من حزب أمانو. * * *

стр. 2102

-١٦٥ - إن الشجى يبعث الشجى لماذا أتحدث عن بنان وأنا أرثي شكري فيصل ؟ قرأت في جريدة عكاظ نعي الدكتور شكري فيصل. وشكري ليس من لِداتي ولا هو من أقراني في السنّ، ولكنه رفيق أخي عبد الغني في المدرسة الابتدائية. كانوا ثلاثة يدرسون معاً، كلّهم ذكيّ نبيه وكلّهم من سنّ واحدة، وُلدوا سنة ١٣٣٧هـ أو قريباً منها. وكلّهم كان أبوه أو مَن ربّاه عالِماً يُشار إليه في دمشق ويقصده الطلبة والدارسون، وكلّهم صار أستاذاً كبيراً: أخي عبدالغني، وشكري فيصل، وصلاح الدين المنجّد. اختلف طريقهما وطريق عبد الغني، فاشتغل هو بالرياضيات حتى غدا أقدر وأقدم أستاذ فيها واشتغلا في الأدب حتى صارا من أعلامه. ولكن طبعه لا يشاكل طبعهما؛ عرفا الناس وعرفهما الناس، خرّاجان ولاّجان يدخلان المجتمعات ويخرجان منها، وعبد الغني مثلي مُنْزَوٍ معتزل، بل هو أشدّ مني عزلة وانزواء، فكأنه مصباح قويّ في غرفة مغلَقة، نوره شديد ولكن لا يجاوز جدرانها.

стр. 2103

لم أرَ شكري ﵀ من أربع سنين، من يوم زارني في داري في مكّة، ولكنني أعرفه من أكثر من خمسين سنة. كان أستاذاً في كلية الآداب في جامعة دمشق، فلما بلغ سنّ التقاعد (أو أُحيلَ إلى المعاش كما يقولون في مصر) جاء المملكة فكان أستاذاً في الجامعة في المدينة المنوّرة. كان عصامياً، خاض لُجّة الحياة قبل أن يستكمل عُدّة خوضها، وجرّب الطيران صغيراً قبل أن ينبت ريش جناحَيه، فما زال يضرب بهما، يقوم ويقعد ويرتفع ويقع، حتى قوي الجناحان وامتدّت قوادمهما وقويَت خوافيهما، فَعَلا وحلّق. أصله من حارتنا من حيّ العقيبة، وكان أبوه وعمّه من «زكرتية» الحارة، الذين يُدعى أمثالهم في مصر بالفتوّات وفي لبنان «القبضايات» وفي العراق «أبو جاسم لر». و «لر» علامة الجمع في لغة الترك، وكانوا يعلّموننا على العهد العثماني في الشام اللغة التركية مكتوبة بالحرف العربي كما تكتب الأردية والفارسية، وكما كانت تُكتب لغة أندونيسيا قبل أن يبدّلوها. وأذكر أنه كان عندنا في كتاب القراءة «جوجقلِرْ مكتبه كِدِيور» أي «الأولاد يذهبون إلى المدرسة». وأنا أحفظ ممّا تعلّمناه من التركية في تلك الأيام شيئاً ليس بالكثير ولكنه باقٍ في ذهني إلى اليوم. وكانت أسرة الفتوّات في العقيبة هي أسرة كريّم، فذهب الدهر بالفتوّة منها وكاد يُنسى اسمها، ولم يبقَ فيما أعلم من رجالها إلاّ صديقنا الشيخ عبد الحميد كريم إمام جامع التوبة، وهو أبعد الناس عن النزال وعن القتال، من الذين قيل فيهم: «ليسوا

стр. 2104

مِنَ الشرّ في شيءٍ وإنْ هانا». وكان آل كريم لشهرتهم يُنسَب إليهم أسباطهم، أي أبناء بناتهم، حتى إن الشيخ كامل القصاب الذي يعرفه الناس هنا، والذي كان إماماً في التعليم وعَلَماً في الوطنية والنضال للاستقلال، كان يُدعى أول أمره الشيخ كامل الكريم. وكان آل فيصل، أسرة شكري، من أسباط بيت كريم، ولكنهم كانوا فتوّات حقيقة. وكان في صفحة وجه عمّ شكري أو في وجه أبيه (نسيت أنا) أثر ضربة سيف قد التأمت مع الأيام، وسألته يوماً عنها فقال: هوه، هوه! هذا أثر من معركة عظيمة خضناها يوماً. قلت: هل كانت من معارك الحرب العظمى التي ساقوكم جنوداً إليها؟ قال: لا، بل هي معركة بيننا وبين أهل العمارة (وحيّ العمارة معروف في دمشق) حتى تمّ لنا فيها احتلال مصلبة للعمارة (والمصلبة في الشام تقاطع شارعين). والناس الذين يحنّون إلى الأيام الماضية ينسون أننا رأينا بعدها شراً كثيراً كما رأينا خيراً كثيراً. ولو علمتم أن بين العُقيبة والعمارة أقلّ من مئتَي متر، البيوت فيها متصلة لا تفصل بينها ساحة حرب ولا ميدان قتال، ولو عرفتم أن أحياء الشام كانت ونحن صغار (وقبل ذلك) في نزاع وخصام وقتال، لرأيتم أننا صرنا الآن إلى خير ممّا كنا عليه. وكانت أم شكري أخت المربّي المصلح والمعلّم القديم الشيخ محمود ياسين الحمامي. وقد قضى الله أن يفترق الزوجان وشكري صغير، فكانت عليه من المصائب المبكّرات، ولكنها جرّت عليه خيراً كبيراً. وكذلك يقدّر الله بكرمه ما يسوء فيجعل معه

стр. 2105

ما يسرّ: ﴿وعَسَى أنْ تكرَهُوا شيئاً ويَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيراً كثيراً﴾. أما هذا الخير فهو أنه نشأ في كنف خاله الشيخ محمود وفي مكتبته الكبيرة. وأنا حين أذكر دمشق وأحنّ إليها، وتتراءى لي صور الأماكن المحبّبة إلى نفسي فيها، أذكر هذه المكتبة التي طالما كنت أحبّ زيارتها والقعود فيها مع الشيخ ومع تلاميذه: إخواننا الشيخ ياسين عرفة والشيخ محمود الحفّار والشيخ كامل القصّار، وصديقه وصديقنا الشيخ عبد القادر العاني، ﵀ ورحم من مات منهم. وقد قدر الله أن تمرّ الأيام وأن أشتري هذه المكتبة وأن أُودِعها الكلّية الشرعية في دمشق، وهي باقية فيها إلى الآن. ومن اطّلع على عقد البيع رأى عجباً؛ إذ أن الجهة التي باعت يمثّلها أنا لأنني كنت رئيس مجلس الأيتام، والجهة التي اشترت يمثلها أنا لأنني كنت رئيس مجلس الأوقاف! وكان شكري ﵀ يحضر مجالس خاله الشيخ محمود ودروسه في البيت ودروسه في جامع التوبة، ويصاحب هذه النخبة من الأفاضل، فألَمّ بشيء كثير من العلوم الإسلامية، كما أخذ الكثير من الثقافة الحديثة من الدراسة. ولكن هذا كله لم يُجدِ عليه مالاً، وكان خاله فقيراً كما كان أكثر مشايخ الشام، فاضطرّته الحياة إلى أن يعمل ويتكسّب مبكّراً كما عملت أنا، وكما عمل كثير من إخواني الذين بلغوا -من بعد- أعلى المراتب في الحياة وأسمى الدرجات في العلم، كالدكتور أحمد السمّان أستاذ الاقتصاد في كلية الحقوق ﵀. عمل في المكتبة العربية عند آل عبيد، الأستاذ أحمد وإخوانه، وثابر مع العمل على الدراسة حتى حصل على الدكتوراة

стр. 2106

في الأدب العربي من مصر سنة ١٩٥١ (على ما أظنّ)، ولم يحصل عليها قبله من الشام إلاّ أسعد طلس وزكي المحاسني. وفي تلك السنة حصل أخي عبد الغني على الدكتوراة في الرياضيات، وكان أوّل من حمل هذه الشهادة في بلاد الشام. وكان يرتقب أن يحصل عليها قبل ذلك بعشر سنين من «السوربون»، ولكن قامت الحرب سنة ١٩٣٩ فتعذّر رجوعه إلى فرنسا. لم أكن على صلة به في السنين الأخيرة. انقطع الاتصال، لكن لم ينقطع الودّ، حتى قرأت أنه تُوفّي في سويسرا وأنهم نقلوه بعد موته بثلاثة أيام إلى المدينة المنوّرة وصلّوا عليه في المسجد النبوي. وكنت أتمنّى أن يُدفَن حيث توفّاه الله، اخترت له الذي اخترته لبنتي بنان رحمها الله. وهذه أول مرّة أذكر فيها اسمها، أذكره والدمع يملأ عيني والخَفَقان يعصف بقلبي، أذكره أوّل مرّة بلساني، وما غاب عن ذهني لحظة ولا غابت صورتها عن جناني. لما قضى الله فيها ما قضى سألوني في نقلها، قلت: لا، بل توسّد حيث أراد الله لها أن تُستشهَد لأن نقل الميت لا يجوز، وما أحفظ أنه رُوي عن أحد من السلف. قالوا: فكيف إن مات المسلم في بلد ما فيه مقبرة إسلامية؟ قلت: كم هم الذين ماتوا في معارك الفتوح من الصحابة والتابعين ومَن تبعهم من خيار المسلمين؟ هل أخّروا دفنهم حتى يجدوا لهم مقبرة إسلامية أم واروهم الثرى حيث أدركهم الموت؟ هذا أبو أيوب الأنصاري الذي نزل الرسول ﵊ داره في المدينة حين هاجر إليها لأن ناقته التي كانت مأمورة وقفت على باب هذه

стр. 2107

الدار، لقد دُفن تحت أسوار القسطنطينية في أبعد مكان عن المدينة المنوّرة، فما زال قبره ينادي المسلمين حتى كتب الله فتحها على يد محمد الفاتح، فصارت «إسلام بول»، أي مدينة الإسلام، سَمّاها بذلك السلطان الفاتح كما سَمّوا الآن إسلام أباد في باكستان، و «بول» و «أباد» كلاهما بمعنى المدينة. * * * وقالَ: أتبكي كلَّ قَبرٍ رأيتَهُ ... لقبرٍ ثوى بينَ اللّوى والدَّكَادِكِ؟ فقُلتُ لهُ: إنّ الشَّجَى يبعَثُ الشّجى ... فدعني، فهذا كلُّهُ قبرُ مالكِ أفكان متمّم بن نويرة أشدّ حُباً لأخيه مالك من حُبّي لبنتي؟ وإذا كان يجد في كل قبر يمرّ به قبر مالك، أفتُنكِرون عليّ أن أجد في كل مأتم مأتمها وفي كل خبر وفاة وفاتها؟ وإذا كان كلّ شجى يُثير شجاه لأخيه، أفلا يُثير شجاي لبنتي؟ إن كل أب يحبّ أولاده، ولكن ما رأيت، لا والله ما رأيت من يحبّ بناته مثل حُبّي بناتي! ما صدّقت إلى الآن وقد مرّ على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة، وأنا لا أصدّق بعقلي الباطن أنها ماتت؛ إنني أغفل أحياناً فأظنّ إن رنّ جرس الهاتف أنها ستُعْلِمني -على عادتها- بأنها بخير لأطمئنّ عليها. تكلّمني مستعجلة ترصف ألفاظها رصفاً، مستعجلة دائماً كأنها تحسّ أن الردى لن يبطئ عنها وأن هذا المجرم، هذا النذل، هذا ... يا أسفي، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يُطلَق على مثله، ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون

стр. 2108

الشرف حتى عند الإجرام. إن في العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة وأمثالها، ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقَت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها، ثم اقتحم عليها، على امرأة وحيدة في دارها، فضربها ضرب الجبان. والجبان إذا ضرب أوجع! أطلق عليها خمس رصاصات تلقّتها في صدرها وفي وجهها، ما هربت حتى تقع في ظهرها، كأن فيها بقيّة من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون: ولسنا على الأعقابِ تَدْمى كُلومُنا ولكنْ على أقدامِنا تقطُرُ الدِّما ثم داس الـ ... لا أدري والله بِمَ أصفه؟ إن قلت «المجرم» فمِن المجرمين مَن فيه بقيّة من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدمَيه النجستين على التي قتلها ظلماً ليتوثّق من موتها، ربما كان في المجرم ذرّة من إنسانية تحجزه عن أن يخوض في هذه الدماء الطاهرة التي أراقها. ولكنه فعل ذلك كما أوصاه مَن بعث به لاغتيالها، دعس عليها برجليه ليتأكّد من نجاح مهمّته، قطع الله يديه ورجلَيه. لا، بل أدعه وأدع مَن بعث به لله، لعذابه، لانتقامه. ولَعذابُ الآخرة أشدّ من كل عذاب يخطر على قلوب البشر. لقد كلّمتها قبل الحادث بساعة واحدة، قلت: أين عصام؟ قالت: خبّروه بأن المجرمين يريدون اغتياله وأبعدوه عن البيت. قلت: فكيف تبقين وحدك؟ قالت: بابا لا تشغل بالك بي، أنا بخير. ثق والله يا بابا أنني بخير. إن الباب لا يُفتَح إلاّ إن فتحته أنا، ولا أفتح إلاّ إن عرفت من الطارق وسمعت صوته. إن هنا

стр. 2109

تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة، والمسلّم هو الله. ما خطر على بالها أن هذا الوحش، هذا الشيطان، سيهدّد جارتها بمسدسه حتى تكلّمها هي، فتطمئنّ فتفتح لها الباب. ومرّت الساعة فقُرع جرس الهاتف، وسمعت من يقول لي: كلّم وزارة الخارجية. قلت: نعم؟ فكلّمني رجل أحسست أنه يتلعثم ويتردّد، كأنه كُلّف بما تعجز عن الإدلاء به بُلَغاء الرجال، بأن يخبرني ... كيف يخبرني؟ وتردّد، ورأيته بعين خيالي كأنه يتلفّت يطلب منجى من هذا الموقف الذي وَقَفوه فيه، ثم قال: ما عندك أحد أكلّمه؟ وكان عندي أخي، فقلت لأخي: خذ اسمع ما يقول. وسمع ما يقول، ورأيته قد ارتاع ممّا سمع وحار ماذا يقول لي، وكأني أحسست أن المخابرة من ألمانيا وأنه سيُلقي عليّ خبراً لا يسرّني، وكنت أتوقّع أن ينال عصاماً مكروه، فسألتُه: هل أصاب عصاماً شيء؟ قال: لا، ولكن ... قلت: ولكن ماذا؟ عجّل يا عبدُه فإنك بهذا التردّد كمن يبتر اليد التي تَقَرّر بترُها بالتدريج، قطعة بعد قطعة، فيكون الألم مضاعَفاً أضعافاً. فقُل وخلّصني مهما كان سوء الخبر. قال: بنان. قلت: ما لها؟ قال، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبقَ في يده شيء. وفهمت وأحسست كأن سِكّيناً قد غُرس في قلبي، ولكني تجلّدتُ وقلت هادئاً هدوءاً ظاهرياً والنار تتضرّم في صدري: حدّثني بالتفصيل بكل ما سمعت. فحدّثَني. وثقوا أنني لاأستطيع -مهما أوتيت من طلاقة اللسان ومن نفاذ البيان- أن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعتُ.

стр. 2110

وانتشر في الناس الخبر، ولمست فيهم العطف والحبّ والمواساة، من الملك حفظه الله ووفّقه إلى الخير، ومن الأمراء، ومن الأدباء والعلماء، ومن سائر الناس. وقد جمعت بعض ما وصل إليّ منها، وتحت يدي الآن أكثر من مئتَي برقية تفضّل أصحابها فواسوني بها، وأمامي الآن جرائد ومجلاّت كتبَت عن الحادث كتابة صدق وكتابة عطف، وفيها تسلية لو كان مثلي يتسلّى بالمقالات عمّا فقد. حتى الجرائد الأجنبية، وهذه ترجمة مقالة نُشرت في جريدة لا أعرفها لأنني لا أقرأ الإنكليزية، جريدة الأوبزيرفر الأسبوعية بتاريخ ٢٢/ ٣/١٩٨١ بقلم الكاتب باتريك سيل. حتى الأجانب الذين لا يجمعني بهم دين ولا لسان عطفوا عليّ واهتمّوا بمُصابي وأنكروا هذا الحادث وقالوا فيه كلمة الحقّ، وممّن تربطني بهم روابط الدم واللسان مَن لم يأبهوا لِما كان، بل لقد صنعوه هم بأيديهم، إلى الله أشكوهم. وصلَت هذه البرقيات وجاءتني هذه الصحف، وإنها لَمِنّة ممّن بعث بها وممّن كتب يعجز لسان الشكر عن وفاء حقّها، ولكنني كنت في وادٍ آخر. ما قلّ إدراكي لهذا الفضل ولا تقديري لهذا النبل، ولكني سكتّ فلم أشكرها ولم أذكرها لأن المصيبة عقلت لساني وهدّت أركاني وأضاعت عليّ سبيل الفكر. فعذراً وشكراً للملك والأمراء جزاهم الله خيراً، ولكل من كتب إليّ، وأسأل الله ألاّ يبتلي أحداً منهم بمثل هذا الذي ابتلاني به. كنت أحسبني جَلداً صبوراً أَثبُت للأحداث وأواجه

стр. 2111

المصائب، فرأيت أني لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات. صحيح أنه: ولا بُدَّ مِن شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يُواسيكَ، أو يُسلِيكَ، أو يَتوجّعُ ولكنْ لا مواساة في الموت، والسلوّ مخدّر أثره سريع الزوال، والتوجّع يُشكَر ولكن لا ينفع شيئاً. وأغلقت عليّ بابي، وكلّما سألوا عني ابتغى أهلي المعاذير يصرفونهم عن المجيء. ومجيئهم فضل منهم، ولكني لم أكن أستطيع أن أتكلم في الموضوع؛ لم أُرِد أن تكون مصيبتي مضغة الأفواه ولا مجالاً لإظهار البيان. إنها مصيبتي وحدي فدعوني أتجرّعها وحدي على مهل. ثم فتحت بابي وجعلت أكلّم من جاءني. جاءني كثير ممّن أعرفه ويعرفني وممّن يعرفني ولا أعرفه، وجعلت أتكلم في كل موضوع إلاّ الموضوع الذي جاؤوا من أجله. استبقيت أحزاني لي وحدّثتهم كلّ حديث، حتى لقد أوردت نكتاً ونوادر. أتحسبون ذلك من شذوذ الأدباء أم من المخالفات التي يريد أصحابها أن يُعرَفوا بها؟ لا والله، ولكن الأمر ما قلت لكم. كنت أضحك وأُضحِك القوم، وقلبي وكل خليّة في جسدي تبكي. فما كلّ ضاحك مسرور: لا تحسَبُوا أنّ رقصي بينكمْ طرب ... فالطيرُ يرقصُ مذبوحاً منَ الألمِ كنت أريد أن أصف لكم ما بقلبي، ولكن هل ترك لي الشعراء مجالاً للحديث عن قلبي؟ هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ؟

стр. 2112

لقد جمعوا في الباطل، في الخيال، كل صورة للقلب تصنعها الأحزان المتخيَّلة، حتى لم يبقَ شيء لمفجوع صادق مثلي. قالوا: إن الحبيبة سرقَت قلبي، صدعَت قلبي، أخذَت قلبي، سكنَت قلبي، أبكَت قلبي ... حتى لقد جعل ذلك النحويّون مجالاً لإثبات قواعدهم فقالوا في شعرهم السخيف: يا ساكناً قلبِيَ المُعَنّى ... وما لهُ فيهِ قطُّ ثانِ لأيِّ معنىً كسرتَ قلبي ... وما التقى فيهِ ساكنانِ والشعراء الذين رثوا أولادهم، لقد وردوا النبع قبلي فاستقوا وملؤوا حياضهم ولم يدَعوا لي إلاّ الثمالة والعكر: ابن الرومي في رثائه ولده، والتهامي، والشاعرة التي لم يَقُل أحدٌ في وصف مصابه في ولد مثل الذي قالت في بنتها، عائشة التيمورية، أخت العالِم الباحث أحمد تيمور باشا. اقرؤوا قصيدتها فإنها -على ضعف أسلوبها- قد خرجت من القلب لتقع في القلب، وما أحسب أن امرأة استطاعت أن تصوغ عواطفها ألفاظاً وأحزانها كلماتٍ كما فعلَت عائشة (١). وابن الزيّات الوزير وما قال في ولده،

стр. 2113

والزيات الذي لم يكن وزيراً ولكنه كان أكبر من وزير لما رثى ولده رجاء. والدكتور حسين هيكل لما شغل نفسه عن حزنه بإنتاج كتاب «ولدي»، فاقرؤوا كتاب «ولدي» فإنه وإن لم يصف لكم مدى أحزانه فقد كان أثراً من آثار أحزانه. وما لي أضرب الأمثال وأنسى مصاب سيد الخلق وأحبّ العباد إلى الله، محمد ﵊ حين أُصيبَ بولده؟ إن في السيرة -يا أيها الإخوان- قصصاً كاملة فيها كل ما يشترط أهل القصص من العناصر الفنية، وفيها فوق ذلك الصدق وفيها العبرة، فاقرؤوا خبر ولد بنته ﵊ الذي مات أمامه، تُوفّي بين يديه فغسّله بدمعه! إن دمعة رسول الله ﵊ أغلى عندنا من كل ما اشتملت عليه هذه الأرض. * * * إني لأتصور الآن حياتها كلّها مرحلة مرحلة ويوماً يوماً، تمرّ أمامي متعاقبة كأنها شريط أراه بعيني. لقد ذكرت مولدها وكانت ثانية بناتي. ولقد كنت أتمنى أن يكون بكري ذكراً، وقد أعددت له أحلى الأسماء، ما خطر على بالي أن تكون أنثى. يقولون في أوربّا: «حُكّ جلد الروسي يظهرْ لك من تحته التتري». ونحن مهما صنعنا فإن فينا بقيّة من جاهليتنا الأولى، أخفاها الإسلام ولكن تُظهِر طرفاً منها مصائب الحياة. وكانوا في الجاهلية ﴿إذا بُشِّرَ أحدُهمْ بالأُنثَى ظَلَّ وجهُهُ مُسْوَدّاً وهُوَ كَظيمٌ، يتوارى مِنَ القَومِ مِنْ سوءِ ما بُشِّرَ بهِ: أيُمْسِكُهُ على هونٍ أم يَدُسُّهُ في التُّرابِ؟﴾. وأنا لم أبلغ أن أدسّ بنتي في التراب،

стр. 2114

ولكن أخفيت وجهي من الناس وكأنني أحدثت حدثاً أو اجترحت ذنباً! وسَمّيتها عنان، واحتفل بها الأصدقاء والإخوان، ولمّا بلغ عمرها أربعين يوماً أقنعني صديقي وأستاذي القديم حسني كنعان بأن أحتفل بها. وكان الموسيقيون جميعاً أصدقاءه وإخوانه، فاجتمع في دارنا الأصحاب والأقرباء ورجال «التخت العربي»، وعلى رأسهم علي الكردي، أبو عِزّة، الذي كان يحفظ كل أغنية لقدماء المغنّين في مصر وفي حلب وكل موشحة عرفها الناس، وجاوزَت سنّه الثمانين وصوتُه عذب طريّ ﵀. وتوفيق الصباغ الذي كان رفيق سامي الشوّا وأشدّ منه عبقرية في الفنّ، وإن كان سامي أكثر التزاماً لحدوده واتّباعاً لطريقه. والصبّاغ هو الذي جاء بالبدعة التي لا نزال نسمعها من بعض الإذاعات العربية، وهي أداء نغمة الأذان على القيثارة (الكمنجة). وموسيقيّ تركي عجوز اسمه تحسين بك ينفخ في الناي، يستمرّ الصوت خارجاً منها عشر دقائق لا ينقطع ولا يتوقف، لأنه يتنفس من غير أن يقطع نغمته، وهذه براعة لم أرَها في غيره. وفؤاد محفوظ، أستاذ العود. وأنا أرى الآن هذه الحفلة حماقة من حماقات الصّبا، ندمت علها ولا أنوي أن أعود يوماً إلى مثلها. وولدت بعدها بسنتين بنان، اللهم ارحمها. وهذه أول مرّة أو الثانية التي أقول فيها «اللهمّ ارحمها»، وإني لأرجو الرحمة لها ولكني لا أستطيع أن أتصور موتها! ولم أتألّم لأنها جاءت بنتاً كما تألّمت للبنت الأولى، لأنني رجعت لعقلي وذكرت بشارة رسول الله ﵊ لمن ربّى ثلاث بنات أو أخوات أو بنتين

стр. 2115

أو أختين فأحسن تربيتهما. وأنا قد ربّيت أختين وخمس بنات، وأسأل الله بكرمه أن يكون لي نصيب من هذه البشارة. وصرت -من بعد- أتوقع البنات لأني أيقنت أن الله جعلني من الصنف الأول. أتدرون ما الصنف الأول؟ إن للموظفين تصنيفاً ومراتب ودرجات، فلا يملك موظف أن يعلو على مرتبته أو أن يصعد درجة فوق درجته. وكذلك جعل الله الناس أصنافاً؛ فالصنف الأول مَن رُزق البنات، والثاني من رُزق البنين، والثالث من رُزق بنين وبنات، والرابع من كان عقيماً (١). فليرضَ كلٌّ بما قُسم له، فالله إن أعطى غيرك في هذا الباب أكثر ممّا أعطاك فإنه يدّخر لك العِوَض من باب آخر، ومَن لم يجد العوض في الدنيا وجده في الآخرة، والآخرة هي الأبقى. ولمّا صار عمرها أربعَ سنوات ونصف السنة أصرّت على أن تذهب إلى المدرسة مع أختها، فسعيت أن تُقبَل من غير أن تُسجَّل رسمياً. فلما كان يوم الامتحان ووُزّعت الصحف والأوراق جاءت بورقة الامتحان وقد كُتبَت لها ظاهرياً لتُسَرّ بها ولم تسجّل عليها. قلت: هيه؟ ماذا حدث؟ فقفزَت مبتهجة مسرورة، وقالت بلهجتها السريعة الكلمات المتلاحقة الألفاظ: بابا كلها أصفار، أصفار، أصفار ... تحسب الأصفار هي خير ما يُنال!

стр. 2116

وماذا يهمّ الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفاراً أم كانت عشرات (والدرجة الكاملة عندنا عشرة)؟ وماذا ينفع المسافر الذي ودّع بيته إلى غير عودة وخلف متاعه وأثاثه، ماذا ينفعه طراز فرش البيت ولونه وشكله؟ * * *

стр. 2117

-١٦٦ - على الطريق إلى أندونيسيا قلت لكم إن بين سنغافورة والملايا (ماليزيا) جسراً ممدوداً فوق البحر، فإذا قطعتم هذا الجسر وجُزتم الحدود والمكوس (الجمارك، التي تخلو منها الجزيرة) رأيتم تسع سلطنات فيها تسعة سلاطين، لم يأتِ بها اختلاف جنس ولا لسان ولا دين ولا جاءت بها إرادة الشعب، ولكن مصلحة المستعمر. وأقربها من سنغافورة سلطنة جوهور. وقد قلت لكم إنني ألقيت فيها خطبة هجمت فيها على الإنكليز هجمة الحقّ، وكان الناس بقلوبهم معي وكانوا معي بألسنتهم التي تهتف مؤيّدة لي مؤمنة بما أقول. وذهبنا بعد الحفلة إلى مسجد جوهور. وهو في بقعة لم أرَ -على كثرة ما رأيت من البلدان وزرت من الأقطار- بقعة أجمل منها ولا أهدأ؛ هضبة مستوية كأنها قبّة ضخمة فيها الأشجار الاستوائية البارعة الجمال المتعدّدة الأزهار التي لا نعرف أمثالها في بلادنا، تتخلّلها بقاع مكشوفة أرضها خضراء ليّنة زاهرة كأنها سجّادة فاخرة، في وسطها المسجد. وهو من الرخام الأبيض الناصع، نظيف نظافة قَلّ مثالها، والمكان هادئ حتى ليسمع فيه الإنسان صوت السكون، في عالَم تداخلت فيه الأصوات وامتزجت

стр. 2118

وتخالطَت: أصوات السيارات في الشارع، والآلات في المعمل، والناس في السوق، والأولاد في المدرسة ... ضوضاء تتحطم منها الأعصاب حتى ليتمنّى المرء مخلصاً منها. وأين المخلص وأين الهدوء؟ على أنه ليس كل ساكن هادئ مستحَبّ مطلوب، فالسجن الانفرادي فيه الهدوء كلّه ولكن ما فيه من السعادة ولا من الأُنس شيء، والصحراء هادئة ولكن لا راحة فيها ولا هناء لأنه لا ظِلّ فيها ولا ماء. فلما جئت هذا المكان وجدت الهدوء الجميل والسكون المؤنس وأمان النفس واطمئنان القلب، في بقعة جمعت جمال الطبيعة التي طبعها الله عليها، وجلال الدين الذي يعبّر عنه المسجد، وطيب الصحبة مع هؤلاء الإخوة الكرام. وقد صلّينا معهم فيه، ثم ذهبنا إلى دار المفتي السيد علوي بن طاهر الحدّاد، وهي على الهضبة وراء المسجد، وكان مجلس علم ومذاكرة ونكت ونوادر. والمفتي رجل حضرمي عالِم مطّلع حاضر النكتة عذب الحديث، أعلم مَن لقيت منذ خرجت من الهند متجوّلاً في جنوب آسيا إلى أن رجعت إليها. وكانت الهيئات الإسلامية هناك عاملة على تحقيق مشروع عظيم هو إنشاء كلية إسلامية، قُدِّر لبنائها يومئذ مليون دولار ملاوي (أي ماليزي، والدولار أو الروبية الملاوية لم تكن تزيد عن الليرة السورية إلاّ شيئاً قليلاً). وقد كان أول من سعى إلى إنشائها الشيخ عبد العليم الصديقي، الداعية الإسلامي المعروف بمحاربة المدارس التنصيرية الأجنبية، وقد بلغني أنه تم جمع المبلغ بعد سفري وافتُتحَت الكلّية.

стр. 2119

وكان قد سبقه مشروع آخر هو بناء مسجد كبير له مدرسة، فتبرّع سلطان برونَيْ يومئذ بخمسة ملايين روبية للجامع وبمليون لمدرسته، وهذا السلطان كان يملك من النفط (البترول) الذي ظهر في بلاده ثروة قالوا إنها لا تحدّها الأرقام. ورأيت المسلمين في الملايا من أكثر المسلمين يقظة وانتباهاً، يقومون بالدعوة إلى الإسلام، وقد رأيت في رئاسة الشؤون الدينية في جوهور دائرة خاصة للدخول في الإسلام، ورأيت الصينيين يزدحمون على بابها ليعلنوا دخولهم فيه. وهم مُقبلون على إنشاء المدارس والمساجد والكليات الإسلامية ويبذلون لذلك الأموال الوفيرة. ولمّا كنت في سنغافورة كانت هنالك معركة الحروف اللاتينية والعربية. واللغة الملاوية (الماليزية) كانت تُكتَب بحروف عربية كما قلت لكم، كاللغة الفارسية واللغة الأردية، فحوّلها الهولنديون في أندونيسيا إلى الحروف اللاتينية، فلم يبقَ مَن يكتبها بالحروف العربية إلاّ الكهول والشيوخ، وأراد الإنكليز أن يصنعوا مثل ذلك في الملايا فأباه المسلمون عليهم. هذا ما كان يوم زرتُها، ولست أدري الآن ما حالها (١). واللغة الشعبية في الملايا هي اللغة الملاوية (أي الماليزية)، وهي لغة أندونيسيا. وهي لغة عجيبة سهلٌ تعلّمها، يرى علماء اللغات أنها ستكون في الشرق كالإنكليزية في الغرب لسهولة

стр. 2120

تعلّمها كما يقول من يعرفها. وهي لغة ليس فيها تصريف وليس فيها ماضٍ ومضارع وأمر، بل يأخذون المصدر فيضمّون إليه الضمائر والظروف، فإذا أراد المرء أن يقول «أُعطي» مثلاً، يقول «أنا إعطاء»، وإن أراد أن يقول «أعطيتُ» يقول «أنا إعطاء أمس»، كما يقول «أنا إعطاء أنت أمس» مكان «أعطيتُك». والجمع يكون بتكرار اللفظ مرّتين، فكلمة «سوادارا» مثلاً معناها «أخ»، فإن قال الخطيب «سوادارا سوادارا» كان معنى ذلك «إخواني». والعدد يكون بالأرقام المُفرَدة، فإن أراد المرء أن يقول «مئة وسبعة وخمسون» قال «واحد سبعة خمسة»، ولفظ الأعداد من واحد إلى تسعة هو: ساتوا، دوا، سيغا، أنبات، ليما، أومان، توجو، دوليان، سانبيلان. كان في الملايا نحو ثلاثة ملايين من المسلمين، كان ذلك عددهم لما زرناهم من خمس وعشرين سنة، والعرب قِلّة وأكثرهم من الحضارمة. والحضارمة طبقات، منهم العلويون الذين يقولون إنهم سادة أشراف، ومنهم من ليس له مثل هذه الدعوى. مع أن قيمة الإنسان في دين الإسلام بعمله وتقواه لا بآبائه وجدوده، والكريم هو التقيّ، والشريف هو الذي يكون شريفاً في معاملته وفي سلوكه. ثم إن أكثر الأنساب التي يُدّعى فيها الاتصال بالرسول ﵊ ليس لها ما يُثبِتها ويؤكّدها إلاّ قول أصحابها، وأنا لا أتهم أحداً في نسبه ولكن أقرّر حقيقة ثابتة. وللعرب مدارس دينية، زُرت بعضاً منها فحسبتُني في مدرسة شرعية من مدارس دمشق التي عرفناها ونحن صغار، قبل أن تستحدث المدارس هذه الطرق في التدريس وهذه الأساليب

стр. 2121

في التعليم التي بُنيت على تجارِب طويلة. ورأيتهم يقرؤون فيها ما كان يُقرَأ في مدارسنا: النحو والصرف والفقه والتجويد والحديث والتفسير. الكتب هي هي، والأساليب هي هي، والأزياء هي هي؛ لا يختلف شيء منها عمّا في مدارس الشام وعن الذي عرفناه من مدارس مصر، لا المدارس الحديثة التي دخل إليها التطوّر ونالها التبديل بل المدارس التي كانت في أوائل هذا القرن الهجري. وليس ينقص هذه البلادَ إلاّ العلماء والدعاة إلى الله. ولو أن البلاد العربية قد أدّت أمانة تبليغ الإسلام في هذا العصر كما أدّتها من قبل حين خرج العرب من صحرائهم يحملون هذا النور، تحت رايات محمد ﵊، ينشرونه في الأرض ... لو أننا سلكنا اليوم سبيلهم ومشينا على سَنَنهم وبعثنا بالعلماء إلى أقطار الإسلام كلها لَعاد لنا مجد الماضي، ولرجعَت لنا عِزّة الجدود، ولكتبنا في التاريخ مرّة ثانية هاتيك الصفحات (١). * * * يسافر المرء من دمشق إلى حلب أو من القاهرة إلى أسيوط فيشكو بُعد الشقّة وطول السفر، ويقول: متى نحطّ الرحال وينتهي الترحال؟ فكيف بنا وقد سافرنا في رحلة واحدة من كراتشي في غربي القارة الهندية إلى جاكرتا في غربي جزيرة جاوة؟ رحلة لو كانت في أيام ابن بطّوطة لأكلَت من عمره سنة، ولو كانت

стр. 2122

من نصف قرن لاستغرقَت شهراً، قطعناها في أقلّ من عشرين ساعة، نرى الأرض تُطوى من تحتنا ونُبصِر البلاد كأنها في مصوَّر (خريطة) مجسّمة موضوعة على المكتب، ونحن مشدودون إلى المقاعد لا نمشي إلاّ هذه الأمتار المعدودة بين المقعد والحمّام. أكلنا ولبثنا بعد الأكل حتى جعنا، ثم أكلنا ولبثنا حتى جعنا، ونمنا حتى شبعنا من النوم، وأفقنا حتى نعسنا فنمنا، وتكلّمنا حتى مللنا فسكتنا، وسكتنا حتى مللنا السكوت فتكلّمنا ... والطيارة ماضية بنا. حتى إذا بلغ السأم منّا قالت المضيفة: اربطوا الأحزمة، هذه جاكرتا. فصحونا وجعلنا ننظر من نوافذ الطيارة كحالنا كلما وردنا بلداً جديداً. وأجمل ما في ركوب الطيارة منظر الأرض حين تدنو منها وتُسِفّ لتحطّ فيها، ننظر فإذا نحن نمشي على ظهور البيوت ونثب على المآذن والمداخن، كأننا نطير في المنام! ونظرنا، فرأينا البلدة بساتين واسعة فيها بيوت صغيرة ملوّنة، وجعلنا نبتدر النزول ونتسابق إليه. والمُسافر يصبر الطريق كلّه، فإذا قرب الوصول وبدا له المنزل ضاق صدره وتصرّم صبره، وهذه طبيعة الإنسان. وأشوَقُ ما يكونُ المرءُ يوماً ... إذا دنَتِ الخيامُ منَ الخيامِ ولمّا مسّت أقدامنا الأرض تشهّدنا وأقبلنا ننظر، فإذا في استقبالنا وجوه القوم: وكيل وزارة الخارجية جاء باسم الحكومة يستقبلنا ويدعونا ليُنزِلنا ضيوفاً عليها ما بقينا في بلدها، وسفير مصر (الذي رأيت من نُبله وفضله وتواضُعه ما لم أنسَهُ إلى الآن ولا أنساه أبداً) الأستاذ علي فهمي العمروسي، والقائم بأعمال

стр. 2123

المفوّضية السعودية، الرجل الفاضل الكريم الذي لم أرَه بعد تلك الرحلة الأستاذ عِزّة الكثبي، وهو أخ وفيّ وعربي نبيل. ولم يكن في جاكرتا من ممثّلي الدول العربية يومئذ غيرهما. وزعيم عرب أندونيسيا السيد علي سنكر، وآخرون إذا لم أذكر الآن أسماءهم فإني أذكر دائماً كرمهم وفضلهم. وكان العصر قد أذّن، وكان رفيقي في الرحلة، الشيخ أمجد الزهاوي رحمة الله عليه، إذا دخل وقت الصلاة لا يشتغل إلاّ بالصلاة، سواء لديه أين كان ومع مَن كان. ولقد كان على مائدة الملك حسين في عمّان يوم دعا أعضاء المؤتمر الإسلامي (وقد اعتذرت عنها أنا فلم أحضرها)، فسمع الأذان فترك الطعام وقام. ولا يصنع ذلك تظاهراً وتفاخراً ولا يخطر له التفاخر على بال، بل يفعله لأنه يراه الشيء الطبيعي (كلمة طبيعي فصيحة) لا يفكّر لِمَ يفعله. وإن كان الأفضل غير الذي فعل. فلما وصلنا إلى المستقبلين أقبلوا يسلّمون علينا، وهو يصافحهم مشغول الذهن حاضر كأنه غائب، يتلفّت يسألني: أفندي، أين نصلّي؟ فقلت له: إن الوقت متّسع وسنصل إلى الفندق فنصلّي. فغضب وتركني. وكان ﵀ سريع الغضب سريع الرضا. وسأل واحداً من المستقبِلين عن القبلة فدلّه عليها، فنزع جبّته فبسطها على أرض المطار وقال: «الله أكبر». وكان يقولها -كما قلت لكم من قبل (أو لم أقُل لكم فلست أدري والله) - يجمع نفسه ثم يُطلِقها كأنها قنبلة تُلقى في وجه إبليس، تخرج من أعماق قلب مؤمن، يستصغر الدنيا كلها حين ينطق بها فلا يَكبُر عليه شيء منها لأنه يقوم بين يدي الله، والله أكبر.

стр. 2124

وخشيت أن ينتقد الناس هذا الموقف منه، ولكن أثر الإيمان بدا واضحاً، فإذا وكيل الوزارة والسفير والقائم بالأعمال وأكثر المستقبلين يقفون معه، يصطفّون وراءه ليصلّوا بصلاته. وكانت ساعة خشوع، وكانت خيرَ فاتحة لأيامنا في أندونيسيا إذ ألقى الله محبّة الشيخ وإكباره في نفوسهم. ومَن أحبّ الله بامتثال أمره واتّباع شرعه حبّبه الله إلى الناس وأعلى منزلته فيهم. لقد بقينا في كراتشي أكثر من عشرين يوماً ننتظر سِمَة الدخول إلى أندونيسيا والسفارة هناك تؤجّل وتتعلّل بالعلل، وقد عرفنا الآن سبب ذلك التعلّل والتأجيل. كان السبب أزمة المساكن، فلم يكن في جاكرتا مكان لقادم ينزل فيه إن لم يكن قد حجزه من قبل، وما تأخّروا بإعطائنا سمة الدخول إلاّ ليهيّؤوا لنا مكاناً في الفندق، وقد أخذونا إليه الآن. ومشينا في الشوارع تظلّلها الأشجار الكبار (الكبار جداً) وتكتنفها البساتين، تُخفي البيوت الملوّنة، فتبدو من خلال الغصون والأوراق كأنها فكرة تلوح لكاتب أو صورة حلوة تتراءى من خلال الأحلام لشاعر. أمّا الفندق الذي أخذونا إليه فهو فندق الشركة الهولندية التي جئنا بطياراتها، شركة «ك ل م»، وكانت من أكبر شركات الطيران يومئذ وأقدمها، ولكن فندقها هذا عجب؛ إنه يشبه ثكنة أو شيئاً كالثكنة، ولم أرَ مثله إلاّ الفندق الأميركي الذي نزلنا فيه بعدُ في دهلي الجديدة (نيودلهي). وهو ساحة مربّعة حولها صفوف من الغرف، كل غرفة منها لها شرفة واسعة تُفضي إلى غرفة أخرى للنوم فيها حمّام. ووراء

стр. 2125

هذه الساحة ساحة أخرى، وما شئت من ساحات مربعة وغرف محيطة به، وكل ساحة تُفضي إلى الأخرى. فإذا دخلتها ضعت فيها، فكأنك في قصور الجِنّ في حكايات ألف ليلة. وكان علينا إذا أردنا الطعام أن نجتاز ستّ ساحات ونمشي مثل ما بين الحرم المكّي وأجياد! والعجيب أن جاوة أزحم بلاد الدنيا بالسكان، لا أعرف لها مثيلاً إلاّ باكستان الشرقية (التي صارت بنغلاديش)، وكان فيها يوم زرناها ثلاثة وخمسون مليوناً من الناس في جزيرة لا تعادل ثلثَي الجمهورية السورية. وكان فيها أزمة سكن لا شبيه لها، وبيوتها -مع ذلك- من طبقة واحدة أو طبقتين. وقد تفضّلَت علينا الحكومة الأندونيسية فأنزلَتنا ضيوفاً عليها، وربطَت بنا دليلاً موظفاً من وزارة الخارجية يتكلّم العربية كما نتكلمها نحن، لأنه درس في مصر ولأن زوجته مصرية، وجعلَت لنا سيارة. فأفسد هذا الدليل كل ما صنعَته وهدم كل الذي بَنَته؛ دعانا من أول يوم ليدوّرنا في البلد، ولم يكن الشيخ يمشي إلاّ إلى اجتماع فيه منفعة لقضية فلسطين التي جئنا من أجلها أو إلى عمل يفيدها، أما التفرج والتجوال والتمتّع والاطلاع فلا يباليه ولا يلتفت إليه. فذهبت مع الدليل وحدي فأراني البلدة كلها، وذهب بي إلى بنشة في طريق جبلي طويل بلغ الغاية في الجمال، وزاد عليها وأدخلني مطعماً لم أستطع أن آكل من طعامه شيئاً وأكل هو كلّ شيء. ولمّا كان الحساب حلفت أنا فدفعت أجرة السيارة وثمن الطعام، وصار ذلك قانوناً لنا: يأتي هو بالسيارة ويختار هو المطعم، وينتقي أغلى الطعام فيأكل هو وأنظر أنا، فإذا جاء الدفع

стр. 2126

دفعت أنا ونظر هو ... قسمة عادلة وشركة مشروعة! ومضَت على ذلك أيام، ثم علمت أن السيارة وضعَتها الحكومة قيد أمري أنا، وأنه يُقدّم حساباً لنفقاتي كلها فيأخذها من المالية، أي أنه يأكل على حسابي، ثم يزعم أني أنا الذي أكلت ويأخذ من الحكومة الثمن! والعجيب أن أمثال هذا الموظف في كل مكان من مشرق الأرض إلى مغربها ومن شماليها إلى جنوبيها. وكانت هذه مزيّة واحدة من مزاياه التي لا تُعَدّ ولا تُحصى، واسم هذا الموظف الصادق الأمين ... الذي اختاروه ليكون إعلاناً عن بلده وناطقاً بلسانها، اسمه تاج الدين يوسف. على أني أسارع فأشهد أنه لا يصلح مثالاً لإخواننا الأندونيسيين وأنهم أفضل وأجَلّ من أن يكون هذا مثالهم. ولقد رأينا -بعدُ- مَن محا بحسناته سيّئات هذا الرجل، وهو الأستاذ محمد صالح السعيدي، الذي صحبنا إلى شرقي جاوة مبعوثاً من وزارة الشؤون الدينية، فرأيت من استقامته وأمانته وعلمه ما كاد يُنسيني اعوجاج الأول وخيانته وجهله. * * *

стр. 2127

-١٦٧ - جاكرتا وفندقها الكبير (١) أنا لا أزال في جاكرتا عاصمة أندونيسيا، وكان اسمها قديماً «بتافيا»، فبدلّوه كما بُدِّلت أسماء كثيرة في آسيا وفي إفريقيا بعد أن استقلّ أصحابها وزال الاستعمار عنها. وكان قد ضاق صدري من الفندق الذي أخذونا إليه، فأفهمونا أنهم اختاروه لنا ريثما يفرغ الجناح الفخم الذي أعدّوه لنا في فندق الهند. وهم يلفظون الاسم على الهجاء اللاتيني فيقولون «هوتيل دس إندس». وهو فندق عظيم حقاً، رأينا الجناح الذي أعدّوه لنا فإذا هو منزل ملوك لا فندق واحد من أمثالي من عباد الله الفقراء. والفندق عمارات منفصلة بينها حدائق وبساتين، لا أدري لماذا شبّهته في منظره وفي روعته بالجامعة الأمريكية في بيروت، لولا أنه بعيد عن البحر بنحو ألف متر والجامعة على سِيف البحر. وكان نُزُلنا الذي أعدّوه لنا في أكبر عمارة في هذا الفندق، يُصعَد

стр. 2128

إليه على درَج عريض من الرخام مفروش بالسجّاد النفيس، وفيه غرفة نوم فيها سرير عرضه ثلاثة أمتار، يكفي لينام عليه العبد الفقير الذي هو أنا وأولاده جميعاً، ويبقى فيه متسَع لثلاثة من أولاد الجيران! وإلى جنبها بهو استقبال فيه الأرائك الفخمة المذهَّبة والأثاث المُلوكيّ (١)، وله شرفة لا تقلّ في السعة ولا في الفرش عنه، تطلّ على حديقة من أجمل ما رأيت من الحدائق، تظلّلها أغصان الدَّوْح الباسق المزهر دائماً زهراً ما رأيته إلاّ في تلك المناطق الاستوائية. وأبى الشيخ أن ينزل فيه لأن إدارته أجنبية، وأصرّ على الإباء، فأنزلوه في فندق صاحبه مسلم حضرمي. ليس فندقاً على التحقيق ولكنه دكاكين على الطريق، سَدّوا أبوابها المفضية إلى الطريق وفتحوا نوافذ وأبواباً فيما بينها، ووضعوا فيها مرحاضاً ومغسلة، وجاءها ساحر فقال لها: "يا دكاكين كوني فندقاً"، فكانت -كما زعموا- فندقاً! والذي يقرأ هذا الكلام ويرى أني نزلت في هذا الجناح العظيم وأني كنت ضيف الحكومة يحسب أني عشت فيه في النعيم المقيم، لا يدري أني كنت منه في جحيم؛ ذلك أن من طبعي العزلة والابتعاد عن الناس وأني لا أستريح إلاّ في حضرة النفر القليل من الإخوان والأصدقاء الذين أنطلق معهم على سجيّتي وأمضي على

стр. 2129

طبعي، هذا في بلدي وبين صحبي، فما بالك بالبلد الغريب بين قوم أنا فيهم كالأخرس لا أفهم عنهم ولا يفهمون عني؟ إنّ الغريبَ مُعذَّبٌ أبداً ... إنْ حَلَّ لم يَسعَدْ وإنْ ظَعَنا صدق خير الدين الزركلي: إن الغريب معذّب أبداً. وكان الدليل الفاضل يهرب بالسيارة من صباح كل يوم، يُركِب بها أهله وأصحابه ويُنفِق عليهم ما خصّصته الحكومة لي ولصاحبي، وأبقي وحدي، فإذا أردت أن أشكوه لم أستطع أن أُفهِمهم ماذا أريد، وجاؤوا بهذا الترجمان لينقل إليهم ما أقول، فكيف ينقل إليهم شكواي منه؟ وأذهب إلى الشيخ وبين فندقي وفندقه مسافة كيلين (أي كيلومترين)، فأجده يقرأ أو يسبّح، فأقعد عنده ساعة، ثم أمشي على غير هدى لا أكلّم أحداً ولا يكلّمني أحد، أمشي في الطرق القريبة من الفندق، ثم أوسّع الدائرة يوماً بعد يوم، حتى صرت أعرف طريقي في هذا الجانب من المدينة الكبيرة. وكان عملنا أن نقابل المسؤولين فنشرح لهم قضية فلسطين أو نخطب في الاجتماعات التي يعقدونها من أجلها، فإذا لم يكن عندنا مقابلة ولا محاضرة بقيت وحدي أمضي الليل كله مع هواجسي وأفكاري، أرى الأسر الهولندية من حولي، وهم يقيمون في الفنادق دائماً وحولهم أولادهم، وبيني وبين أولادي ربع محيط الأرض. ولبثت على ذلك شهراً كانت تمر عليّ فيه ليالٍ أكاد أحسّ فيها بالجنون.

стр. 2130

يا رحمةً للغريبِ في البلدِ النّـ ... ـازحِ ماذا بنفسِهِ صنعا فارقَ أحبابَهُ فما انتفعُوا ... بالعيشِ مِن بَعدِهِ وما انتفَعَا * * * لما قلت لكم من حلقتين إنني لا أعرف من يحبّ بناته كما أحبّ بناتي حسب قوم أني أبالغ وأدّعي. فهل تصدّقون إن قلت لكم أنني كنت في أندونيسيا أفكّر في بناتي، أخاف أن ينزلق اللحاف من فوق إحداهن فتتكشّف فتتعرّض للبرد؟ ولمّا كنت في دمشق كنت أفيق من نومي، أحسّ أن إحدى البنات قد أزيحَ عنها الغطاء في ليالي الشتاء، فأذهب إليها لأغطيها. ومضى عليّ عيد لم أجد فيه من يقول لي «السلام عليكم» إلاّ السفير العمروسي والسيد الكتبي جزاهما الله خيراً. ولطالما أمضيت أياماً وأنا بلا طعام، أشتري كعكاً آكله مع الشاي لأن الأجراس في الفندق معطّلة، أو أنهم ألغوها واستعاضوا عنها بالهاتف، فمن أراد شيئاً اتصل بالإدارة فكلّمها. فكيف ترونني أكلّمهم وأنا لا أعرف لسانهم ولا يعرفون لساني، وليسوا أمامي لأخاطبهم بلغة الإشارات كما تفعل القرود في الغابات؟ وإذا نزلت إلى المطعم (وهو سلسلة أبهاء يضلّ الداخل إليها من كثرتها وسعتها) آخذ قائمة الطعام فلا أميز فيها حلواً من حامض ولا حاراً من بارد، فأضع إصبعي كيفما جاءت وأشير إليه أن يأتيني بما تحتها ثم أرى حظي (١)، فربما جاء طعام يؤكَل (وهذا أندر

стр. 2131

من النادر) وربما جاء خليط عجيب لا يُساغ ولا يُبتلع، وهذا ما يكون دائماً. وما أذكر أنني فرحت بطعام في عمري كله كما فرحت يوم دعاني السيد الكتبي، القائم بأعمال المفوضية السعودية في جاكرتا تلك الأيام. وأنا في العادة لا أجيب دعوة إلى طعام، لأن الدعوات وإن كان يُقدَّم فيها طعام أجود وألذّ من طعامي المعتاد في بيتي إلاّ أنهم يأخذون مني أكثر ممّا أعطوني؛ يأخذون حرّيتي في اختيار نوع الطعام فيطعمونني في الولائم ما يريدون لا ما أريد، وحرّيتي في اختيار المؤاكلين فيُقعدونني مع من يريدون لا مع من أريد، وحرّيتي في اختيار وقت الطعام فيطعمونني حين يريدون لا حين أريد. أما هذه المرّة فإنني أجبت دعوة السيد الكتبي فرحاً مسرعاً، لأنها كانت قد مرّت عليّ أيام بلا طعام إلاّ الكعك والشاي وما أجد من الفواكه. فوجدت عنده فاصوليا كالتي نعرفها، ووجدت شيئاً رأيته أعجب وأغرب، شيئاً ظننتني لمّا أبصرته في حلم فخفت أن أصحو من حلمي فلا أجده: فولاً مدمّساً! فولاً حقيقياً في جاكرتا، جاءه بالعلب المختومة من مصر. إنكم لا تعرفون مبلغ نعمة الله عليكم إذ تستطيعون أن تلقوا

стр. 2132

من تكلمونه وأن تجدوا ما تأكلونه حتى تتغربوا مثلي، فتلبثوا سبعة أشهر لا تسيغون طعاماً ولا تملكون كلاماً. ولما عرف السفير المصري السيد فهمي العمروسي جزاه الله خيراً ما نحن فيه، فتح لنا بيته وأباح لنا مائدته، وأرادنا أن نجيء كل يوم، فكنا نؤم هذه الدار المباركة كلما ضاق بنا الصبر واشتدّ علينا الأمر. وأقام لنا -متفضّلاً- حفلة تعارف كبرى، استعدّ لها ودعا المئات من وجوه القوم ووكّل الدليل المحترم يوسف لتوزيع البطاقات، فأبقاها عنده وأهمل (من أمانته!) توزيعها، فلم يحضر أحد، وضاع التعب والمال كما ضاعت ذمّة الترجمان. وكيف يحضر الناس حفلة لم يُدعوا إليها ولم يسمعوا بها؟ * * * ولم يكن في حمّام الفندق مغتسَل (مغطس، أي بانيو)، ما فيه إلاّ رشّاش، بل هو حمّام حسبت نفسي لما دخلته في واحد من حمامات دمشق القديمة: غرفة رطبة أرضها من الرخام، فيها بحرة صغيرة عميقة تُملأ بالماء، ويغترف منه المستحمّ بالطاس التي يكون مثلها في حمّاماتنا ويُراق الماء على الجسد. وحمّامات الفنادق التي رأيتها في أندونيسيا كلها على هذا المثال، ولست أدري هل جاءهم من الهولنديين أم اتبعوا فيه عادات أهل البلاد؟ ولقد كنا رأينا العجب في الباكستان من تأخّر المواعيد، فلا تبدأ حفلة في موعد افتتاحها ولا يسافر قطار في موعد سيره ومن وعدك بالزيارة الساعة الثامنة جاءك في التاسعة، أما في أندونيسيا فكل ما رأيناه فيها مضبوط وكل شيء يجيء في وقته. ومن عجائب

стр. 2133

الضبط أن شاي العصر يأتيك به النادل (الجارسون) الساعة الرابعة تماماً، لا يتأخر دقيقة ولا يتقدم دقيقة. وهم يُلبِسون الإبريق (برّاد الشاي) غطاء كالسدارة العراقية مطرَّزاً منقوشاً، نعرفه عند بعض الأنيقات من ربات البيوت في دمشق، ولكنه يضع الشاي أمام غرفتك ويمضي، لا يؤذنك به ولا يقرع عليك الباب، ولعلك تكون نائماً قد امتدّت بك القيلولة فلم تحسّ به، ولعلك قد شُغلت عنه فلم تنتبه إليه، فتشربه بارداً. ومن عجائبهم أنك إن لم تصرّح أنك تريد الشاي محلّى بالسكّر جاؤوك به بلا سكّر، وإن لم تؤكّد لهم القول بأنك تريده حاراً حملوه إليك بعدما برد. * * * قلت لكم إن جاوة لا تبلغ في مساحتها مساحة الجمهورية السورية، وكان فيها -على ذلك- سنة ١٩٥٣ لمّا زرناها ثلاثة وخمسون مليوناً، وقالوا إنهم يزيدون كل سنة ثمانمئة ألف، والجزر الأخرى تكاد تكون خالية، فليس في سومطرة (ومساحتها أكثر من ثلاثة أضعاف جاوة) إلاّ اثنا عشر مليوناً، وكلامنتان (التي كانت تُسمّى بورنيو، ومساحتها نحو ضعف سومطرة) ليس فيها إلاّ ثلاثة ملايين. وهذا كان كله لما زرناها من ربع قرن، لذلك كانت الحكومة تعمل دائماً على ترغيب الجاويين بالهجرة إلى إحدى هذه الجزر: تعطيهم الأرض فيها مجّاناً، وتبني لهم قرى ومدناً على أسماء قراهم ومدنهم وتنقلهم إليها على حسابها، والناس يُعرِضون عن هذا كله ويتعلّقون بمساكنهم على شدّة أزمة المساكن في تلك البلاد. لهذا كنت أنصح من يفكّر أن يزورها ألاّ يتوجّه إليها حتى يضمن لنفسه غرفة ينام فيها وإلا نام في الشارع، وهل

стр. 2134

يدَعونه ينام في الشارع؟ وهذه نصيحة لم نبالِ بها لما قدّمها إلينا الوزير الأندونيسي المفوَّض في بغداد، ولكنا وجدناها لما جئنا حقاً وأكثر من الحق ... إن كان في الدنيا شيء أكثر من الحق. ولقد أعقبَت الحربَ العالمية الثانية أزمةُ مساكن في كل مكان، من نيويورك إلى أقصى الشرق، ولكن ليس في الدنيا بلد تمكّنت منه هذه الأزمة كجاكرتا، فإنه لم يكن فيها يومئذ -على سعتها وكثرة دورها وكبر فنادقها- مكان لنزيل جديد؛ ذلك أنه كان فيها إلى سنة ١٩٤١ ستمئة وثمانون ألفاً فقط، فلما صارت هي العاصمة وانتقلت الحكومة إليها بلغ سكانها سنة ١٩٤٩ مليوناً ونصف المليون، وسنة ١٩٥٢ مليونين وربعاً، ثم وصل سكانها لمّا زرناها إلى نحو ثلاثة ملايين. على أن القوم هناك في يقظة وعمل، فقد أُنشئت مدينة جديدة قرب جاكرتا هي كيبا يوران، مساكنها جديدة بعضها تنشئه الحكومة بمالها وموظفيها وبعضٌ ينشئه الناس بأموالهم، بُدئ بها في أواخر سنة ١٩٤٨، فلم تأتِ سنة ١٩٥١ حتى تم بناء ثلاثة آلاف وخمسمئة بيت ألف منها للحكومة، وكان البنيان لما زرناها مستمراً ولكن الأزمة لا تزال ممسكة بالخناق. والأرض رخيصة والفنادق واسعة، ولكن ليس فيها مكان لنزيل، بل إنك لا تلقى في كل مئة غرفة غرفةً واحدة فيها مسافر، وإنما هي أسر تقيم فيها تتخذها منازل لها، ونصفها تستأجره الحكومة لموظفيها. ولقد وجدنا نحن جناحاً فخماً لا ينقصه شيء، ولكن المصيبة في الطعام وفي الكلام. أما الطعام، فإني لما دخلت بغداد قلت: أين مني طعام الشام؟ ويا شوقي إليه!

стр. 2135

فلما جئنا كراتشي قلت: واشوقاه إلى طعام بغداد! فلما أوغلنا في الشرق وبلغنا جاكرتا تمنيت أن أجد مثل طعام كراتشي! ولما قعدت إلى العشاء أول يوم وصلت فيه إلى جاكرتا رأيت على طرف المائدة في الفندق طبقين صغيرين، طبقاً فيه زبد وطبقاً فيه شيء أحمر ما شككت في أنه مُربّى. وماذا يكون قد وُضع إلى جنب الزبد إن لم يكن فيه المُربّى؟ فأخذت بطرف السكين شيئاً من هنا وشيئاً من هناك ووضعته في فمي، وإذا بي أضع في فمي -والعياذ بالله- جمرة ملتهبة! وإذا هذا الشيء الأحمر نار حامية: نوع من الفلافل التي لم نسمع بها ولا نقدر على تصوّرها، وإذا القوم الذين يألفونها ويحبّونها يأخذون من هذا الشيء مثل رأس الدبوس بِعيدان دقيقة كالتي تخلّل بها الأسنان، وأنا أخذت منها ما أخذت، فماذا تظنونه فعل بي؟ لقد بقيت يوماً كاملاً لا أستطيع أن أُدخِل فمي شيئاً، وإن كنت قد أخرجت منه من مبتكَرات الشتائم ومن غرائب السباب ما نفّست به عن نفسي وأذهبت به غيظي، ولكنه ذهب كرصاصات تُطلَق في الهواء لا تصيب أحداً، لأنني قلته بالعربية وهم لا يفهمونها، فكانوا ينظرون إليّ وأنا أهدر بهذه الشتائم وأشير إلى فمي وأحرك بأصابعي حركة من يدلّ على أنها النار المحرقة، فكان المهذّب منهم يبتسم وغيره يضحك، لا يدرون ماذا حلّ بي. والعجيب أن الخبز مفقود، وإذا طلبت قطعة من الخبز في الفندق الكبير الذي يقدّم الطعام محسوباً ثمنه مع أجرة المنام فإنك تُضطرّ أن تدفع ثمن الخبز، لأنه ترف ولا يدخل في قائمة الطعام! وإنما يأكلون الرز المسلوق بلا ملح ولا سمن، هذا الرز

стр. 2136

الذي لازمنا ملازمة الظلّ حيث سرنا في باكستان والهند والملايا وسيام. وإذا تأنّق الأندونيسيون قدّموه لك في أكلة نسيت اسمها، أكلة وطنية عظيمة كالقوزي عندنا، أو الرز البخاري أو السليق هنا، وهذه الأكلة رز مطبوخ بدهن النارجيل، أي جوز الهند (وما أدري أطعمه أقبح أم ريحه؟ ثم تبيّنَت لي الحقيقة، وهي أن ريحه أقبح من طعمه وأن طعمه أقبح من ريحه) ومعه الفليفلة الحمراء مقطَّعة قطعاً يزيد عددها على عدد حبّات الرز، ومعه اللحم وأشياء أخرى لا أعرف ما هي. وفي أندونيسيا رقاق مثل الجَرادِق، يأكلونه بدل الخبز من الكوخ إلى القصر، طعمه طيّب، وقد حسبته نوعاً من الخبز وإذا هو -كما قالوا- سمك! تعجّبت منه لما رأيته، فلما جئت مكّة وجدته كثيراً فيها له أشكال وأنواع، ثم فقدته فلم أعُد أراه في هذه الأيام. وإذا أردتم أن تعرفوا مناخ بلد فانظروا إلى صحّة أهله. وأنا أشهد أني لم أجد حيثما ذهبت في أندونيسيا مهزولاً ولا أصفر الوجه معروقاً ولا عاجزاً، ولم أجد خلال شهر كامل جُزت فيه جاوة من غربها إلى شرقها إلاّ ستّة شحادين فقط، على حين ترى في الهند وباكستان كل عشرة أمتار شحّاداً. أما الثمار فغريبة عنّا، لا نكاد نعرف منها إلاّ البرتقال والعنب. وكان ثمن كيل (أي كيلو) العنب لما كنا في جاكرتا من ربع قرن ستين روبية، لأنهم يأتون به من أستراليا، مع أن أجرة المغنى (أي الفيلاّ) المتوسطة القدر ستون روبية في الشهر. وعندهم أنواع من البرتقال، منها شيء بحجم البطيخة الكبيرة جداً يوضع على المائدة منه حزّتان أو ثلاث، وعرض الحزّة الواحدة

стр. 2137

ثلاث أصابع وطولها شبر ونصف الشبر. وعندهم «البابّايا»، وهي كالبطيخ الأصفر المستطيل (وأنتم تعرفونها هنا في المملكة)، شجرها عال مثل النخل يرتفع عن الأرض نحواً من أربعة أمتار، موجود في كل مكان في الهند والملايا، وأنواع أخرى من الثمار لا أجد لها شبيهاً في ثمارنا. أما الموز فعندهم منه أكثر من ثلاثين نوعاً، منه ما يشوونه ويبيعونه مشوياً، ومن أنواعه ما يفضَّل أكله مطبوخاً، ومنها ما يُعقَد بالسكر كما يُعقد المشمش عندنا. ومن أحلى ثمارها الأناناس، وطعمه وهو طازج غير طعمه الذي تذوقته محفوظاً في العلب. وأشهر الثمار في جاوة النارجيل (جوز الهند)، وأشجاره في كل مكان، لا يختلف شكلها عن أشجار النخل إلاّ بأنها أعلى وأن جذعها أنعم ملمساً. وهم لا يأكلونه في أندونيسيا والهند أكلاً، وإنما يقوّر البائع رأس النارجيلة ويدفعها إليك تشرب ماءها، وتكون وهي رطبة ممتلئة بالماء. أما الذي نأكله منها هنا فإنه لا يتجمد إلاّ بعد أمد طويل، فإن كانت غضّة طازجة كان هشاً كالقشطة، ومن أحبّ أكله أعطاه البائع ملعقة صغيرة فاستخرجه بها وأكله. ولقد عشت هذا الشهر (كما عشت شهوراً قبل ذلك وبعده) لا آكل إلاّ الحليب وبعض الفواكه وقطعة من اللحم، لأن الطعام الإنكليزي لا أسيغه والطعام الوطني فيه هذه النار المحرقة، ولذلك كُتب عليّ أن أعيش بلا طعام. * * *

стр. 2138

-١٦٨ - سويسرا ليست في أورُبّا (١) لقد علّمونا في المدرسة أن سويسرا في أوربا، سويسرا التي يرونها مثال الجمال، سويسرا ذات الأودية والخمائل والظلال والبحيرات والغابات، فلما رحلت رحلة الشرق من ثلاثين سنة (سنة ١٩٥٤) وجدتها قد انتقلت إلى الجنوب الشرقي من آسيا، إلى أندونيسيا، إلى جاوة التي برأها الله يوم خلق السموات والأرض لتكون أجمل بلاد الله وأغناها: ربيع دائم، وخصب عميم، وخضرة لا بداية لها ولا نهاية، وجوّ مقبول، لا حرّ في الساحل ولا قرّ، ولا رطوبة ولا يبس، وعلى الجبال مصايف مالها في الدنيا نظير، وأرض من أغنى الأرض غِنى وأكرمها عطاء، فيها ألوان الذهب: فيها الذهب الأصفر، وفيها الألماس (وهو الذهب الأبيض)، وفيها النفط (وهو الذهب الأسود)، وفيها ما هو أثمن من الذهب وهو المطاط والكينا والسكّر والشاي، وفيها الأذهان المتوقدة والأيدي الصَّناع، وأهلُها أجرأ الناس على ركوب البحار وعلى اقتحام الأهوال، أثبتوا في معركة الاستقلال

стр. 2139

ومعركة ردّ الاستعمار الياباني أثناء الحرب الثانية أنهم أقوى الناس على مكافحة الطغاة، ولهم زهو بأوطانهم التي يحتاج إليها كل بلد في الدنيا ولا تحتاج -إن شاءت- إلى أحد. ولقد قلت لكم إن الطيارة لما حوّمت في سمائها لتهبط فيها رأيت شاطئاً متعرجاً تداخل فيه البحر والبرّ، فكان رؤوساً وجزراً صغاراً وخلجاناً وبحيرات وبِرَكاً، ورأيت مدينة واسعة بيوتها مُغطّاة بقباب خضر من ذُرى الأشجار لا تكاد تبين، فإذا وضحت المشاهد واقتربت الطيارة من الأرض لم ترَ فيها بناء ضخماً ولا عمارة عالية (وأنا أصف ما رأيت لمّا زرتها)، ولكنها جميعاً كالبيوت التي تُباع في مخازن لعب الأطفال، جدران من اللبِن والخيزران والخشب الملوّن، وسقوف من القرميد مستطيلات متعارضات مائلات من كل جانب على الأسلوب الهولندي. ذهبنا مرّة في رحلة حول جاكرتا، فأخذنا نعلو في سفوح متصلة وجبال شَجْراء، لا كما تعرفون من جبال لبنان مثلاً، حيث تتناثر أشجار الصنوبر كل عشرة أمتار شجرة، بل هي غابات كغابات إفريقيا التي ترونها في الأفلام، سقوف خضراء فوقها سقوف تحجب عين الشمس أن ترى المكنون من أسرارها؛ طبقات من الخضرة بعضها فوق بعض، كل واحدة بلون، ففي الأعالي أشجار النارجيل (جوز الهند) تكاد تمسّ برؤوسها ذيولَ السحاب، وهي كالنخيل تماماً لا يفرق بينها إلاّ بالثمر، ولكنها أطول. ولم نرَ القِرَدة التي تقول القصّة إنها لا تقطف إلاّ بأيديها، يضربها الناس كما زعموا بالحجارة فتضربهم بالنارجيل! ولم نرَ ما ادّعاه ابن بطوطة أنها شجر يثمر ثمراً كرؤوس بني آدم، ولعلّه

стр. 2140

رآه من تحت في ليلة ظلماء فحسبه رؤوس الناس. ومن تحت النارجيل أشجار المطّاط، كثيفة الورق كبيرة طويلة الجذوع كأنها -من بعيد- الصفصاف. وتحتها أشجار لها ألياف كالكتّان، وهي أجمل أشجار رأيتها، لها أغصان يابسة مكلَّلة بفروع دقيقة لها ورق ناعم، منتشرة كالمظلاّت (الشمسيّات) وتحتها أنواع وأنواع من الأشجار كالموز والببّايا، وهو شجر جذعه وشجره كالنخيل وأوراقه تشبه ورقة التين، ويحمل بطيخاً أصفر خلافاً لنظريّة جحا! ودُرنا بسفوح منبسطة مملوءة بنجم أخضر (أي بشُجَيرة خضراء) علوّها علوّ قامة الإنسان، لها ورق كأنه ورق الليمون بشكله لا بريحه. فقلت: ما هذا؟ قالوا: أشجار الشاي. فدهشت واستوقفت السيارة لأنزل فأراها، لأنني لم أرَ في عمري مثلها. وقطعت منها أوراقاً دقيقة، قالوا إنه يُصنع منها الشاي الأخضر الفاخر، وتركتها تجفّ في الفندق فلم تَصِر شاياً، ولكنْ شيئاً له طعم الملوخيّة والسبانخ! فعجبت، ولكني لمّا زرت مصانع الشاي -بعدُ- رأيت أنه يُعالَج معالجات طويلة قبل أن يصير شاياً، وكل أنواع الشاي الأحمر والأخضر من شجرة واحدة. ورأيت مئات ومئات من البنات في عنق كل واحدة كيس، تقطع من أوراق هذا الشجر وتلقيه في الكيس، تختار الورقة الناضجة. ونظرت فلم أستطع أن أميّز ورقة عن ورقة ولم أعرف ما علامة نضجها. ورأيت شيئاً تفرّدَت به مصايف جاوة، وهو انتشار المسابح الأنيقة البالغة العناية والجمال في رؤوس الجبال. حتى بلغنا قرية
следующие страницы →