← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الذي لازمنا ملازمة الظلّ حيث سرنا في باكستان والهند والملايا وسيام. وإذا تأنّق الأندونيسيون قدّموه لك في أكلة نسيت اسمها، أكلة وطنية عظيمة كالقوزي عندنا، أو الرز البخاري أو السليق هنا، وهذه الأكلة رز مطبوخ بدهن النارجيل، أي جوز الهند (وما أدري أطعمه أقبح أم ريحه؟ ثم تبيّنَت لي الحقيقة، وهي أن ريحه أقبح من طعمه وأن طعمه أقبح من ريحه) ومعه الفليفلة الحمراء مقطَّعة قطعاً يزيد عددها على عدد حبّات الرز، ومعه اللحم وأشياء أخرى لا أعرف ما هي. وفي أندونيسيا رقاق مثل الجَرادِق، يأكلونه بدل الخبز من الكوخ إلى القصر، طعمه طيّب، وقد حسبته نوعاً من الخبز وإذا هو -كما قالوا- سمك! تعجّبت منه لما رأيته، فلما جئت مكّة وجدته كثيراً فيها له أشكال وأنواع، ثم فقدته فلم أعُد أراه في هذه الأيام. وإذا أردتم أن تعرفوا مناخ بلد فانظروا إلى صحّة أهله. وأنا أشهد أني لم أجد حيثما ذهبت في أندونيسيا مهزولاً ولا أصفر الوجه معروقاً ولا عاجزاً، ولم أجد خلال شهر كامل جُزت فيه جاوة من غربها إلى شرقها إلاّ ستّة شحادين فقط، على حين ترى في الهند وباكستان كل عشرة أمتار شحّاداً. أما الثمار فغريبة عنّا، لا نكاد نعرف منها إلاّ البرتقال والعنب. وكان ثمن كيل (أي كيلو) العنب لما كنا في جاكرتا من ربع قرن ستين روبية، لأنهم يأتون به من أستراليا، مع أن أجرة المغنى (أي الفيلاّ) المتوسطة القدر ستون روبية في الشهر. وعندهم أنواع من البرتقال، منها شيء بحجم البطيخة الكبيرة جداً يوضع على المائدة منه حزّتان أو ثلاث، وعرض الحزّة الواحدة

стр. 2137

ثلاث أصابع وطولها شبر ونصف الشبر. وعندهم «البابّايا»، وهي كالبطيخ الأصفر المستطيل (وأنتم تعرفونها هنا في المملكة)، شجرها عال مثل النخل يرتفع عن الأرض نحواً من أربعة أمتار، موجود في كل مكان في الهند والملايا، وأنواع أخرى من الثمار لا أجد لها شبيهاً في ثمارنا. أما الموز فعندهم منه أكثر من ثلاثين نوعاً، منه ما يشوونه ويبيعونه مشوياً، ومن أنواعه ما يفضَّل أكله مطبوخاً، ومنها ما يُعقَد بالسكر كما يُعقد المشمش عندنا. ومن أحلى ثمارها الأناناس، وطعمه وهو طازج غير طعمه الذي تذوقته محفوظاً في العلب. وأشهر الثمار في جاوة النارجيل (جوز الهند)، وأشجاره في كل مكان، لا يختلف شكلها عن أشجار النخل إلاّ بأنها أعلى وأن جذعها أنعم ملمساً. وهم لا يأكلونه في أندونيسيا والهند أكلاً، وإنما يقوّر البائع رأس النارجيلة ويدفعها إليك تشرب ماءها، وتكون وهي رطبة ممتلئة بالماء. أما الذي نأكله منها هنا فإنه لا يتجمد إلاّ بعد أمد طويل، فإن كانت غضّة طازجة كان هشاً كالقشطة، ومن أحبّ أكله أعطاه البائع ملعقة صغيرة فاستخرجه بها وأكله. ولقد عشت هذا الشهر (كما عشت شهوراً قبل ذلك وبعده) لا آكل إلاّ الحليب وبعض الفواكه وقطعة من اللحم، لأن الطعام الإنكليزي لا أسيغه والطعام الوطني فيه هذه النار المحرقة، ولذلك كُتب عليّ أن أعيش بلا طعام. * * *

стр. 2138

-١٦٨ - سويسرا ليست في أورُبّا (١) لقد علّمونا في المدرسة أن سويسرا في أوربا، سويسرا التي يرونها مثال الجمال، سويسرا ذات الأودية والخمائل والظلال والبحيرات والغابات، فلما رحلت رحلة الشرق من ثلاثين سنة (سنة ١٩٥٤) وجدتها قد انتقلت إلى الجنوب الشرقي من آسيا، إلى أندونيسيا، إلى جاوة التي برأها الله يوم خلق السموات والأرض لتكون أجمل بلاد الله وأغناها: ربيع دائم، وخصب عميم، وخضرة لا بداية لها ولا نهاية، وجوّ مقبول، لا حرّ في الساحل ولا قرّ، ولا رطوبة ولا يبس، وعلى الجبال مصايف مالها في الدنيا نظير، وأرض من أغنى الأرض غِنى وأكرمها عطاء، فيها ألوان الذهب: فيها الذهب الأصفر، وفيها الألماس (وهو الذهب الأبيض)، وفيها النفط (وهو الذهب الأسود)، وفيها ما هو أثمن من الذهب وهو المطاط والكينا والسكّر والشاي، وفيها الأذهان المتوقدة والأيدي الصَّناع، وأهلُها أجرأ الناس على ركوب البحار وعلى اقتحام الأهوال، أثبتوا في معركة الاستقلال

стр. 2139

ومعركة ردّ الاستعمار الياباني أثناء الحرب الثانية أنهم أقوى الناس على مكافحة الطغاة، ولهم زهو بأوطانهم التي يحتاج إليها كل بلد في الدنيا ولا تحتاج -إن شاءت- إلى أحد. ولقد قلت لكم إن الطيارة لما حوّمت في سمائها لتهبط فيها رأيت شاطئاً متعرجاً تداخل فيه البحر والبرّ، فكان رؤوساً وجزراً صغاراً وخلجاناً وبحيرات وبِرَكاً، ورأيت مدينة واسعة بيوتها مُغطّاة بقباب خضر من ذُرى الأشجار لا تكاد تبين، فإذا وضحت المشاهد واقتربت الطيارة من الأرض لم ترَ فيها بناء ضخماً ولا عمارة عالية (وأنا أصف ما رأيت لمّا زرتها)، ولكنها جميعاً كالبيوت التي تُباع في مخازن لعب الأطفال، جدران من اللبِن والخيزران والخشب الملوّن، وسقوف من القرميد مستطيلات متعارضات مائلات من كل جانب على الأسلوب الهولندي. ذهبنا مرّة في رحلة حول جاكرتا، فأخذنا نعلو في سفوح متصلة وجبال شَجْراء، لا كما تعرفون من جبال لبنان مثلاً، حيث تتناثر أشجار الصنوبر كل عشرة أمتار شجرة، بل هي غابات كغابات إفريقيا التي ترونها في الأفلام، سقوف خضراء فوقها سقوف تحجب عين الشمس أن ترى المكنون من أسرارها؛ طبقات من الخضرة بعضها فوق بعض، كل واحدة بلون، ففي الأعالي أشجار النارجيل (جوز الهند) تكاد تمسّ برؤوسها ذيولَ السحاب، وهي كالنخيل تماماً لا يفرق بينها إلاّ بالثمر، ولكنها أطول. ولم نرَ القِرَدة التي تقول القصّة إنها لا تقطف إلاّ بأيديها، يضربها الناس كما زعموا بالحجارة فتضربهم بالنارجيل! ولم نرَ ما ادّعاه ابن بطوطة أنها شجر يثمر ثمراً كرؤوس بني آدم، ولعلّه

стр. 2140

رآه من تحت في ليلة ظلماء فحسبه رؤوس الناس. ومن تحت النارجيل أشجار المطّاط، كثيفة الورق كبيرة طويلة الجذوع كأنها -من بعيد- الصفصاف. وتحتها أشجار لها ألياف كالكتّان، وهي أجمل أشجار رأيتها، لها أغصان يابسة مكلَّلة بفروع دقيقة لها ورق ناعم، منتشرة كالمظلاّت (الشمسيّات) وتحتها أنواع وأنواع من الأشجار كالموز والببّايا، وهو شجر جذعه وشجره كالنخيل وأوراقه تشبه ورقة التين، ويحمل بطيخاً أصفر خلافاً لنظريّة جحا! ودُرنا بسفوح منبسطة مملوءة بنجم أخضر (أي بشُجَيرة خضراء) علوّها علوّ قامة الإنسان، لها ورق كأنه ورق الليمون بشكله لا بريحه. فقلت: ما هذا؟ قالوا: أشجار الشاي. فدهشت واستوقفت السيارة لأنزل فأراها، لأنني لم أرَ في عمري مثلها. وقطعت منها أوراقاً دقيقة، قالوا إنه يُصنع منها الشاي الأخضر الفاخر، وتركتها تجفّ في الفندق فلم تَصِر شاياً، ولكنْ شيئاً له طعم الملوخيّة والسبانخ! فعجبت، ولكني لمّا زرت مصانع الشاي -بعدُ- رأيت أنه يُعالَج معالجات طويلة قبل أن يصير شاياً، وكل أنواع الشاي الأحمر والأخضر من شجرة واحدة. ورأيت مئات ومئات من البنات في عنق كل واحدة كيس، تقطع من أوراق هذا الشجر وتلقيه في الكيس، تختار الورقة الناضجة. ونظرت فلم أستطع أن أميّز ورقة عن ورقة ولم أعرف ما علامة نضجها. ورأيت شيئاً تفرّدَت به مصايف جاوة، وهو انتشار المسابح الأنيقة البالغة العناية والجمال في رؤوس الجبال. حتى بلغنا قرية

стр. 2141

بنشة، وهي في لغتهم بمعنى «الذّروة». بنشة هذه مصيف من آنَق ما رأيت من المصايف، أجمل من لبنان بعشرين مرّة وأجمل من سويسرا بعشر مرات. وكنا في جاكرتا نكاد نشكو الحرّ، فارتجفنا فيها من البرد حتى اضطُررنا إلى الاحتماء بالسيارات. * * * وذهبنا مرة ثانية في رحلة أطول فرأينا في آخرها الجنّة، لست أعني جنّة الآخرة فإن دونها مصاعب وأهوالاً، وإن لم يتداركني ربي برحمته ومغفرته ما استحققت بعملي أن أريح ريحها، ولكن أعني جنّة الدنيا. وليست جنّة الدنيا الشام ولا لبنان، بل ولا سويسرا، ولكن جنّة الدنيا جاوة. جزيرة جاوة، من رآها فقد علم أني أقول حقاً، ومن لم يرَها لم يُغنِه عن مرآها البيان، وليس الخبر كالعيان. أمضيت في هذه السفرة يومين ما رأيت في حياتي يومين كانا أمتع لنفسي متعة وأحلى في عيني منظراً وأبقى في قلبي أثراً منهما. يومان قطعتُ فيهما الجزيرة (أعني جاوة) من مغربها إلى مشرقها بالقطار، من جاكرتا إلى سورابايا، في طريق ما رأيت ولا سمعت ولا أظن أني سأرى أو أسمع أن في الدنيا طريقاً أجمل منه؛ ركبنا القطار الكهربائي من محطّة جاكرتا، فنزح بنا عنها والليل ينزح عن البلد، يمشي متسلّلاً كخيوط النور التي تتسلّل من وراء الأفق الشرقي، فترفع ستار الظلام عن هذه المشاهد كما ترفع الخيوطُ ستارَ المسرح عن مناظر الرواية. والصباح فاتن دائماً، ولكنه يبدو أشدّ فتوناً حينما تراه وأنت مقبل على بلد جديد تتوقّع الكثير من سحره وجماله.

стр. 2142

ولمّا أضاء النهار وبدت عين الشمس تضحك للدنيا من نافذة الأفق فتضحك للقائها الدنيا كان القطار قد بَعُد بنا عن البلد، فرأينا عن يسارنا مزارع الأرزّ وعن أيماننا الجبال تلبس فروة خضراء، بادياً صفوها يتزاحم على سفوحها وذُراها عمالقة الأشجار، يمشي في موكبها وبين أرجلها آلاف من أنواع النبات، فمن دخل هذه الغابات لم ترَه عين الشمس ولم يرَ هو وجه السماء، لأنه يكون -كما قلت لكم- تحت سبعة سقوف من الأغصان والأوراق. ورأيت الزهر من خلال الأرز كالشقائق الحُمر خلال خضرة القمح في بلادنا، فلما دنا بنا من ذلك القطار رأينا ما حسبناه زهراً ليس بالزهر وما ظننّاه من النبات ليس من النبات، إنما هو البنات الحاصدات بأُزُرهنّ الملوّنة (أي الفُوَط) التي تحكي الزهرَ بنقشها ولونها، وعلى رؤوسهن قبعات الخوص الكبار كأنها المظلاّت المنقوشة. والقوم هناك يحصدون الأرزّ بالأيدي، ثم يجمعون عيدانه الطوال ويجعلونها كالأهرام (جمع هرم) ويعقدونها من فوق ويضعون لها صُرّة، فيكون منها منظر عجيب كأنها الأكواخ المسحورة في حكايات الجنّ. وليست مزارع الأرزّ سهولاً، فما في جزيرة جاوة سهول، ولكنها جميعاً غابات فيها النبات المثمر النافع كالمطّاط والنارجيل والخيزران والكتّان والموز وقصب السكّر. وما مزارع الأرز إلاّ قطع من الأرض جُرّدت من أشجارها وسُلبت من الغابة، فهي تحاول أن تتوارى مستحيِية كأنها الفتاة العذراء جرّدتَها من ثيابها وتركت المصون من جسدها نهب العيون، تحتمي بالغابة فيحميها دوحها، ويحفّ بها من كل جانب يسترها ويُخفيها، فترى على

стр. 2143

جوانب الحقل صفاً من الدَّوح (الأشجار الكبار) يقوم كطلائع الجيش، ومن بعده أشجار الغابات تتّابعُ صفوفها، فإن أنت تغلغلت ببصرك فيها أحسست كأنك تنظر إلى الماضي المجهول من وراء الأطلال. وكانت نافذة القطار كلوحة السينما، ففي كل لحظة منظر جديد لا يشبه الأول، منها مناظر تنقلك إلى الهند فكأنك فيها، ومناظر فيها النارجيل كأنه النخيل، فهي تحملك إلى البصرة، إلى طريق أبي الخصيب التي عدّها ياقوت إحدى متنزَّهات الدنيا الأربعة يوم كانت تُدعى الأُبُلّة، أو إلى بغداد عند الصليخ، ومناظر تجد نفسك إذ تراها في الشام، في العين الخضراء تارة وتارة في زحلة وتارة في صوفر أو بلودان. ثم توسّط بنا القطار «جرادان»، فلما جاوزناها ودخلنا في منطقة الجبال بدت لنا مشاهدُ إن قستَ بها ما كنا فيه من قبلُ فقد قستَ تلال الرمال بذُرى بلودان! ولتلال الرمال سحرها وجمالها، ولكن بلودان هي بلودان. وكنا نسير أحياناً في واد ضيّق كأنه وادي بردى في ضيقه، ثم يتّسع حتى يكون أرحب من وادي صوفر-حمّانا؛ ترى من تحتك جبالاً وأودية لا يُحصيها العدّ، كل جبل بلون وكل وادٍ على صورة، والأنهار تتلاحق نازلة من الذُّرى هادرة متكسّرة، يتدحرج ماؤها على أطراف الصخور هابطاً إلى قرارات الأودية. ولقد عددتُ في ساعة واحدة وأنا في القطار سبعة وعشرين نهراً، ثم مللت العدّ. وكان القطار الكهربائي يقطع في الساعة أكثر من ستين كيلاً، وقد قطعنا ثلاثمئة كيل وما انقطع العمران أبداً؛ فالقرى متّصلات،

стр. 2144

لا تعلم أين تنتهي القرية وأين تبدأ جارتها (١). والبيوت كلها كبيوت الخشب التي يلعب بها الأولاد: سقوف مائلة من القرميد الملوّن الزاهي على عمد من نوع من الخيزران يُدعى المانجو، وهو في جاوة في كل مكان، والجدران من الحصير الملوّن أو الخشب الرقيق المنقوش. بيوت أنيقة حلوة لا تكلّف إلاّ قليلاً. وما عجب أن يتصل في جاوة العمران، وهي وباكستان الشرقية (بنغلاديش) أزحم بلاد الله بالسكان، كان فيها يوم زرتُها ثلاثة وخمسون مليوناً. وكنا في ضيافة الحكومة الأندونيسية وهي التي أعدّت لنا هذه الرحلة، وكان معنا مرافقان يتكلّمان العربية كأهلها، واحد من وزارة الشؤون الدينية، عالِم فاضل أمين صادق، هو الأستاذ صالح السعيدي، والآخر من وزارة الخارجية، ليس صالحاً ولا سعيداً، رأينا الكثير من شرّه وضرّه، وتعلّمت منه أن الكذب والاحتيال بضاعة موجودة دائماً وأن الرجل الواحد ربما أساء بفعله إلى بلد بكامله. قضينا على الطريق ساعات، وكنا قد خرجنا بلا طعام فزقزقَت عصافير الجوع في بطوننا. والجَمال في الطبيعة وفي الإنسان مهما بلغ رواؤه وبهاؤه ومهما اشتدّ سحره وفتونه يملأ العين مسرّة والقلب بهجة، ولكنه لا يملأ المعدة الخالية الخاوية طعاماً. ولو أن المجنون وليلاه أو أن روميو وجولييت اجتمعا في أزهى الرياض في خلوة غاب عنها الرقيب ونأى العاذل ولم يأكلا، لكفرا بالحبّ ولعنا الغرام، ولآمنا بأن الرغيف الواحد أنفع لهما

стр. 2145

في تلك الساعة من كل ما قال شعراء الغزل في كل لغة ولسان. وكان الرفيق الطيّب إلى جنبي والآخر إلى جنب الشيخ، فقلت لصاحبي: أما جعتَ؟ قال: بلى والله. قلت: أما من طعام؟ قال: لا أدري. قلت: قم بنا ننظر في القطار، فلا بد أن يكون فيه ما يؤكل. وقمنا نقفز من حافلة إلى أخرى، نتخطّى الركاب، ومنهم من يقف عند الأبواب ومنهم من يضع صُرّته وحقيبته على الأرض ويقعد عليها. وكان قطاراً طويلاً، فلم نبلغ آخره حتى بلغَت أرواحنا التراقي، ولكنا اكتشفنا أخيراً عربة الطعام كما كشف كريستوف كولمبوس أميركا، وصحنا كما صاح أرخميدس: أوريكا! وقعدنا لنأكل. وكان الطعام في القطار هو الذي تلقاه في كل مكان في جزيرة جاوة لا يتبدّل ولا يتغيّر، وهو طيّب، ولكني لا أدري كيف لا يملّونه ولا تعافه نفوسهم وهم يأكلونه دائماً؟ ولو أنك أطعمت إنساناً أطيب أكلة يعرفها كل يوم ظهراً وعشيّاً شهراً كاملاً لملّها واجتواها واشتهى خبزاً وبصلاً، وهؤلاء يأكلون دائماً هذا الرز المسلوق المخلوط بالفلفل الأحمر، الذي يشتعل ناراً في الأنبوب الهضمي من الفم إلى المعدة إلى الأمعاء، إلى آخر الطريق، فيحرقها حرقاً، ومعه هذا السمك الذي يعملونه كجَرادق رمضان، والموز المشوي والمقلي والمطبوخ، والشاي البارد بلا سكّر! والمضحك المبكي أننا بعد أن قطعنا هذا الطريق الطويل من عربتنا الفاخرة إلى مطعم القطار، ودسنا على أرجل عشرين إنساناً وشيّعتنا النظرات المتسائلة والمسبّات المستترة، وكدنا نسقط أربع

стр. 2146

مرات تحت دواليب القطار فنروح ضحية أكلة رز مسلوق بالفلفل الأحمر ... بعد هذا كله قال لنا نادل المطعم (الجرسون) متعجباً: لماذا لم تقرعوا الجرس ليجيء لكم الطعام؟ ولما رجعنا وجدنا صاحبنا الشاطر (واذكروا أن الشاطر في اللغة هو الخبيث) يأكل وهو في مكانه، لأنه وضع أصبعه الكريمة على زر الجرس الذي لم يبصره صاحبي الطيب، فجاءه النادل بما يريد! وكانت السخرية الثانية بنا أن في القطار طعاماً إنكليزياً مقبولاً على كل حال، ليس فيه من هذه الفلافل التي ألهبت أجوافنا وأشعلتها ناراً، أكل منها صاحبنا الشاطر، وأنا وصاحبي الطيب لم ندرِ به فأكلنا -والعياذ بالله- هذه النار الحامية. ولمّا شبعت البطون من الطعام أحسسنا جوع النفوس إلى الجمال، فعدنا ننظر فإذا القطار الذي يحملنا قد صار في الأعالي يمشي على ذُرى الجبال، نرى من شقّ الوادي ما خلّفنا وراءنا من حقول الرز وغابات المطّاط، وهي أشجار كبار. ومن أعجب ما رأينا في القطار أنه كان يمرّ حيناً على جسر ممدود بين خطمَي جبلين عاليَين (١)، فكنا ننظر من النافذة منظراً يدور منه الرأس: ذُرى تحتها ذُرى، وسفوح تليها سفوح، وأودية لا يبلغ البصر إلى أعماقها، والطريق كله ممتلئ بالزارعين وبالأطفال العاملين. ولم نزل نصعد ونصعد حتى بلغنا الذروة، وجزنا بمنطقة «دار

стр. 2147

الإسلام» (وكانت يومئذ شبه حكومة مستقلّة أقامها ناس كانوا من الثوار، تُحكَم بشرع الله وتطبق أحكام الإسلام)، ثم أخذنا ننحدر. وما بعد الصعود إلاّ النزول: ما طارَ طيرٌ وارتفَعْ ... إلاّ كما طارَ وقَعْ والطريق على حاله: غابات متصلة وخضرة متسلسلة، حتى بلغنا المساء مدينة الجهاد، مدينة العلم وعاصمة البلاد الروحية: جوكجا. * * * وأنا واثق أن أكثر القُرّاء لم يسمعوا بها. وأنا قد عشت نحواً من خمسين سنة قبل أن أرحل تلك الرحلة وأنا لم أدرِ بها ولم يطرق سمعي اسمُها، بلدة في وسط جزيرة جاوة ليست في جِدّة جاكرتا وسعتها، ولا في كِبَر سورابايا وغناها، ولكنها تفضلهما بأنها كانت أعرق في المجد بالأمس وأنها أعرق بالعلم اليوم. كانت بالأمس عاصمة مملكة متارام التي حكمت البلاد قروناً طوالاً بدءاً من القرن العاشر الميلادي، وامتدّ سلطانها إلى شبه جزيرة الملايا (ماليزيا)، وساقت على هولندا يوماً جيشاً فيه مئة ألف. مملكة تسلسل المُلك في ملوكها وسلاطينها دهراً، من مؤسسها الأول إلى الملك الذي زرناه، وهو: همينكو بوانا (أي صاحب الدولة) السيد حامي ذمار الدين خليفة المسلمين سلطان ماترام السلطان عبد الرحمن العاشر. وهذه ألقابه الرسمية لم آتِ بها من عندي. كل هذه الألقاب له، ولكن ليس له حكم ولا تحت يده أرض يملكها!

стр. 2148

كان في مدينة جوكجا الجامعة الحكومية، وكانت تشتمل يوم زرناها على ستّ كلّيات: للطبّ، والحقوق، والإدارة، والعلوم، والهندسة، والزراعة. لا يقلّ طلاب كل واحدة منها عن ألف وخمسمئة، وفيها ما يبلغ ثلاثة آلاف. وفي جوكجا الجامعة الأهلية الإسلامية وتشتمل على ثلاث كلّيات: الحقوق، والاقتصاد، والتربية. وهي تُعنى بالعلوم الشرعية والسلوك الديني، والتعليم فيها مقتبَس عن الأسلوب الهولندي، وهو أسلوب حُرّ رأيته أشبه بأسلوب الأزهر القديم قبل أن تكون فيه صفوف وامتحانات. ولم أحضر الدروس فيها لأني جئتها في عطلة. والمدارس في أندونيسيا تعطل ثلاثة أيام في كل شهر، أما العطلة السنوية فمن آخر شعبان إلى ما بعد عيد الفطر، ولا يدور رمضان في الفصول كما يدور عندنا لأنه ليس في أندونيسيا شتاء ولا صيف، ولا يتعاقب فيها البرد ولا الحر، والسنة كلها فصل واحد لأنها بلاد استوائية. وجوكجا -فوق ذلك- دارة الجهاد ومثابة الأبطال. ولقد عملَت للاستقلال كل جزيرة من الجزر الأندونيسية (التي يبلغ المسكونُ منها ثلاثةَ آلاف جزيرة) وكل بلدة فيها وكل قرية، ولكن ليس فيها كلها ما عمل عمل جوكجا؛ لقد كان فيها قيادة الجهاد وكانت عاصمة البلاد، ولقد خرج مشايخها فيمن خرج، أطبقوا كتبهم وأغلقوا مدارسهم وحملوا السلاح، فخاضوا المعارك وأتوا بالعجائب. لقد كنت في جاكرتا أشكو الوحدة والخمول، تمرّ عليّ الأيام لا أكلّم فيها أحداً لأني لا أجد من أفهمه ويفهمني؛ كنت

стр. 2149

أخاطب الناس بالإشارة كأني أخرس، أو كأنما أنا إنسان الغابات الذي عاش قبل اختراع الألسُن واللغات (١)، ولطالما بقيتُ ليالي بلا عشاء لأني لا أحبّ ما يُقدَّم في الفندق ولا أستطيع أن أُفهِمهم ماذا أحبّ. ولطالما مرّت عليّ ساعات خشيتُ فيها -من الوحدة أو الضيق- على عقلي! فلما خرجنا في هذه الرحلة إلى داخل البلاد وضعوا لنا برنامجاً لم يتركوا لنا فيه لحظة انفراد أو دقيقة راحة، فانتقلنا من برد الصقيع إلى لهب النار! كنا نتمنى أن نلقى من نكلمه أو أن نجد ما نعمله، فصرنا نتمنى أن يكفّوا عنّا أو أن يدَعونا لأنفسنا ساعة من زمان. ولو أني وصفت لكم كل ما رأيت لزاغت من السرعة أبصاركم كما زاغ بصري ولم تَعُوا من حديثي شيئاً، فدعوني أقصر الحديث على ثلاثة مشاهد في جوكجا: المدينة القديمة، وزيارة الملك، ودار المعلّمين. جوكجا مدينة رحبة الجوانب واسعة الشوارع حديثة العمران، فيها عجائب الصناعات اليدوية، لا سيما الأدوات الفضّية التي لا يُتقِن أحدٌ نقشها والافتنان (٢) بها إتقان الجاويين إياها. ومن صناعاتهم نسج الأُزُر (الفُوَط) المنقوشة المزخرَفة، وهي اللباس الرسمي للرجال والنساء وطلبة المدارس وموظفي الدولة، وهي عادة قديمة وصفها ابن بطوطة ولا تزال باقية إلى اليوم. أما البلدة القديمة فهي مربعة، عليها سور قائم طول كل ضلع من أضلاعه نحو ألف متر، يكاد قصر الملك يحتلّ ربعها.

стр. 2150

وما هو بالبناء المشمَخِرّ العالي ولكنه دور صغيرة أنيقة، وله باب كبير، وأمامه ساحة واسعة فيها صفوف من عمالقة الأشجار تكاد تظلّلها على سعتها، وعلى جانبَي الباب بيتان من الحجر قالوا إنهما كانا مسكنَي الفيلَين الملكيّين، الفيل الأبيض وهو مركب الحفلات والمواكب، والفيل الأسمر وهو المركب العادي. وكان الفيل يومئذ كالسيارة في أيامنا. والباب يُفضي إلى حدائق فيها من عجائب الشجر ما لا يوصف، ومنازلها في غاية الأناقة ودقة النقش. دخلناها حتى انتهينا إلى قاعة العرش، وهي مشيدة على أسلوب من العمارة فريد، لها جدران سامقة وسقف عالٍ مُغطّى بالنقوش والصور، وفي وسطها سدّة مكشوفة الجوانب الأربعة لها أدراج من كل جانب من الرخام الذي يزري بالمرايا، وأعمدة دقيقة من خشب الساج المنقوش بالنقوش الدقيقة الملوّنة، وفوقه مئات (مئات حقاً) من القباب الصغيرة القائمة على أعمدة دِقاق تؤلّف سقفاً مثل الهرم الرباعي، يبدو للناظر كأنه تاج ملكيّ. هذه هي سدّة الملك التي طالما رأت في سالف الدهر من أبّهة السلطان وزهو النصر ومظاهر الجلال ما رأت، فانتهت ... أتدرون إلامَ انتهت؟ إلى ما هو أجلّ وأعظم من هذا كله؛ لقد أفاض عليها الملك الحالي مجداً وجلالاً لم تُفِضْ عليها مثلَه هاتيك الفتوح كلها وهاتيك الانتصارات، ذلك أنه قدّمها هي والقصر هبة منه للعلم، فصار قصر الملك كلّية الطبّ، وصار عرش الحُكم منبر العلم، وصارت مجالس الوزراء مقاعد الطلاّب، فازدادت بذلك فخراً وشرفاً. * * *

стр. 2151

-١٦٩ - جمال يعجز عن تصويره البيان قلت لكم إني سأقصر الحديث على ثلاثة مشاهد في جوكجا (جوكجاكرتا) وهي: المدينة القديمة، وزيارة الملك، ودار المعلمين. أما المدينة القديمة فقد جلوت لكم صورة مصغّرة لها. وأما زيارة الملك فقد كانت في يوم عطلة، ولكن السلطان تفضّل فنزل إلى مكتبه في ساعة الموعد لنتشرّف بلقائه، وكان المكان كله خالياً فانتظرْنا دقائق في غرفة الناموس (السكرتير)، ثم أخذونا إليه في دار واسعة كأنها إحدى الدور الشامية القديمة، فتلقّانا عندّ الباب شاب صغير السن أسمر اللون ببذلة بيضاء، وقادنا إلى كراسي مصفوفة في رحبة الدار، فقعدنا نتحدّث والمترجم يسفر بيننا. وقدم لنا الشاي فشربناه، وطال المجلس ومللنا الانتظار، فقلت للترجمان: ما هذا التعقيد في مراسم الاستقبال؟ ومتى ندخل على السلطان؟ فابتسم ولم يتكلّم، فاستفهمَه الشابّ، فقال له بعد تردّد كلاماً ضحك منه ضحكة مجلجلة وضحك الحاضرون. ولبثت أنا وصاحبي واجمَين لا ندري ما الحكاية، فأدرك ذلك الشابّ، فقال شيئاً لمّا فهمناه من المترجم عرفنا سرّ الضحك، قال: إنه يأسف

стр. 2152

لأنه لم يعرّفنا بنفسه ... وإذا هو السلطان بلحمه ودمه! وقد وقع لنا مثل هذا بالضبط لمّا زرنا سلطان بهاولبور في باكستان. وما ذنبنا نحن إذا كنا نرى صورة السلطان على الجدار وهو مُثقَل بالتاج المرصّع وعقود اللؤلؤ التي تملأ العنق والأوسمة التي تستر الصدر، ثم نرى أمامنا شاباً أسمر صغيراً لا يختلف في مظهره عن واحد منّا نحن عباد الله الصعاليك؟ وثقوا أني لم أدرِ من الخجل كيف أودّع هذا الملك العظيم حقاً، العظيم بإصلاحه ودينه وحبه للعلم. أما قلت لكم إنه أهدى قصره كله وفيه سدة ملكه هدية للعلم، لتكون فيه كلّية الطب؟ العظيم بأصله وتواضعه، هذا التواضع الذي دفعه أن يمشي معنا مودّعاً إلى الباب. أما المشهد الثالث فهو دار المعلّمين التابعة للجمعية المحمدية. هل قلت إنها مدرسة؟ إذن أعتذر، فما هي مدرسة بل هي حي كامل، وليست تابعة لوزارة المعارف بل هي مؤسسة خاصة، أنشأتها «الجمعية المحمدية» لتُخرج معلّمين لمدارسها. الجمعية المحمدية أسسها الحاج أحمد دحلان سنة ١٩١٢، وكانت يوم زرنا أندونيسيا أكبر جمعية تعليمية في الشرق كله، بل ربما كانت أكبر جمعية في العالَم للتعليم؛ كان أعضاؤها نحو مئتي ألف، وكان لها ألف وخمسمئة مدرسة وسبعمئة مستشفى وثلاثمئة دار للأيتام، ولها دار لتخريج المعلمين لمدارسها دهشت من سعتها وكثرة طلابها وضخامة بنائها. لقد عملت هذه الجمعية لنشر العلم ما لم تعمله جمعية في الدنيا، وهي تعلّم اللغة العربية، وخرّيجوها يُتقِنون العربية

стр. 2153

الفصحى قراءة وكتابة وفهماً، ويُحسِنونها كلاماً باللهجة الحضرمية. وللحضارمة فضل كبير في نشر العربية والإسلام في هذه البقاع. ولهذه المدرسة قصّة فيها قدوة للعاملين وعبرة للمقصّرين، بدأَت سنة ١٩٢٠ حين عزّ على الجمعية أن تجد ما تريد من المعلمين لمدارسها، ففكّرت في أن تأخذ نفراً من نابهي الطلاّب ونابغيهم فتُعِدّهم ليكونوا معلمين، وفرّغت لهم غرفة في مدرسة من مدارسها، فما زالت الغرفة تلد غرفة والغرف العشر تلد عشراً، حتى صار من ذلك دار معلمين قلّ نظيرها، بقينا فيها ثلاث ساعات نرى قاعاتها ومهاجعها ومكتبتها وملاعبها، ولولا العطلة لرأينا دروسها وطلابها. ولقد هُدمت هذه الدار بعد أن اكتملت، وذلك سنة ١٩٤٥ عند النكسة، حين خرّب المجاهدون الوطنيون كل بناء كبير لمّا انسحبوا لئلاّ يحتلّه الإنكليز والهولنديون ويتخذوه معقلاً وحصناً. فلما كان الاستقلال وكان الاستقرار أعادتها همم هؤلاء الرجال أعظم ممّا كانت. وزرنا مكتبة في جوكجا تضمّ أربعين ألف كتاب عربي، ومسجدها العظيم مسجد الشهداء الذي بنته أيدي أبناء مدينة جوكجا، مدينة الدين والعلم والأمجاد والبطولات، المدينة التي ملأ قلبي الإعجابُ بها وبملكها وبماضيها وبحاضرها. فعلى ذلك البلد الطيب، وعلى ملكه الشابّ المصلح المتواضع، وعلى أهله المجاهدين الأخيار، سلام الله وبركاته. * * *

стр. 2154

وكانت المدينة الثالثة الكبيرة التي زرناها في جاوة هي سورابايا. ركبنا القطار من جوكجا، فمرّ بنا على مشاهد ليست لها روعة المشاهد التي رأيناها بين جاكرتا وجوكجا، وجاز بنا نهر صولو، وهو أوسع نهر رأيته في جاوة، ومدينة صولو وكانت فيها دورة ثقافية من دورات «شركة إسلام» التي سيأتي الحديث عنها. و «شركة إسلام» (أي الجمعية الإسلامية) هي أم الجمعيات والأحزاب الإسلامية كلها في أندونيسيا؛ أنشأها سنة ١٩١٠ الأستاذ الأكبر الذي شقّ للناس هذا الطريق والذي قادهم إلى العمل، عمر سعيد شكرو أمينوتو. وصلنا سورابايا العشية، وبدأت سلسلة التعذيب، أعني البرنامج الرسمي الذي وضعوه لرحلتنا، جعلوا وقتنا كله أوزاعاً بين الحفلات والاجتماعات والزيارات والمحاضرات والمؤتمرات الصحفية. تجتمع بالناس وأنت تشتهي العزلة والانفراد، وتُدعى إلى الكلام وأنت تؤثر الصمت، وتبسم لأناس لم تعرفهم عمرك كله ولم ترَهم، وتأكل وأنت شبعان، وتسهر وأنت نعسان ... وأشياء من هذه البابَة (أي من هذا القبيل). فتصوّروا ماذا كانت حالي وأنا الذي عاش عمره بعيداً عن هذه الاجتماعيات كلها، قد حلّ عن نفسه قيودها وأسقط عنه تكاليفها، فلا يستقبل إلاّ من يسرّه استقباله ولا يزور إلاّ من يحبّ زيارته، ولا يجيب دعوة رسمية أبداً ولا يكاد يدعو إلى مثلها أحداً، ولا يأكل إلاّ إذا جاع ولا ينتظر بالطعام أحداً وهو جوعان.

стр. 2155

هذا ما عشت عليه، فحفظت به وقتي وأرحت نفسي. وأنا رجل أعرف ربع أهل بلدي ويعرفني نصفهم، فلو أني ألزمت نفسي تهنئة كل مسرور وتعزية كل مصاب، واستقبال كل قادم ووداع كل مسافر والتهنئة بكل عيد، لما بقي لي وقت أكتب فيه ولما كان لي شيء من هذه الكتب وهذه الخطب وهذه المحاضرات. وصار لي ذلك طبعاً لا تطبّعاً، فلما كانت هذه الرحلة واضطُررت إلى القيد بعد الانطلاق وصرت أُقاد بعد أن كنت أنا الذي يقود، أحسست أني في سجن! وصلنا سورابايا العشيّة. وكانت قد مرّت بي ليلتان لم أنَم فيهما كلتيهما خمس ساعات، وكان جسدي محطّماً من هزّ القطار وأثقال الغبار، وأعصابي مرهَقة من طول السفار، فلم أكن أشتهي إلاّ أن أستحمّ ثم أُترك لأنام، ولكن أين مني المنام؟ لقد كان علينا أن نحضر حفلة عشاء بعد ساعة واحدة، فمشينا إليها، وتكلّمت فيها، ثم قمت لأجيب على أسئلة السائلين عن قضية فلسطين التي جئنا من أجلها، ثم شيّعَنا قوم منهم إلى الفندق تكرمة لنا وعناية بنا، فما انصرفوا عنّا حتى كان قد مضى أكثر الليل. وأعيدت القصّة نفسها بفصولها الليلة التي بعدها، وخرجت من غرفتي فوقفت في حديقة الفندق الكبير أنتظر الشيخ، وكانت السيارة ومن فيها بانتظارنا، فوجدت في طرف الحديقة في بقعة مظلمة منها لا تُرى كرسياً مستطيلاً من الخيزران فاستلقيت عليه، وإذا هو قد جُعل على استواء ظهر الإنسان، كأنما قد فُصّل له قالب بالجبس على مقداره ثم صُبّ فيه هذا الكرسي، فله عند العنق مثل الوسادة وله بروز عند الصُّلب وانحناء عند العجيزة،

стр. 2156

يستريح عليه كل عضو من الأعضاء، فتمنيت أن أنام ساعتين أدفع ثمنهما ألفين، وكدت أُغفي من اللحظة التي لامس فيها رأسي وقلت: يفتّشون عني فلا يرونني فيمضون ويدعوني. ثم قلت لنفسي: لا يا ولد، اصبر وقم فإنك ما جئت من الشام إلى آخر جاوة، إلى سورابايا، لتنام بل لتعمل. وقمت كالمحكوم يُساق إلى التنفيذ، وطالت الأسئلة تلك الليلة، ومضى هزيع من الليل ولم يعُد في طاقتي القيام على قدمي فاعتذرت وذهبت، وإذا هم يعتبون ويتألمون. والقوم في أندونيسيا أرقّ الناس نفساً وأرهفهم حساً، لا يحتملون شدة ولا عنفاً. ولقد لُمتُ السائق مرّة على ذنب أذنبه ورفعت صوتي عليه فبقي أياماً حزيناً. وما سمعت في أندونيسيا ضجّة أبداً، فالشوارع تكاد تكون هادئة والكلام يكاد يكون همساً، وما رأيت فيها «خناقة». والخناقات في الشوارع مقياس أعصاب الأمم؛ ففي بغداد تبدأ الخناقة فيكون للسبّ والشتم عشرون ثانية فقط ثم يكون سلّ الخناجر، وفي دمشق يستغرق السب دقيقتين ثم يكون اللطم واللكم وضرب الكراسي، وفي القاهرة يستمرّ السبّ والتهديد نصف ساعة ثم لا يكون شيء، وفي أندونيسيا لا يكون سبّ أبداً، لأن لغتهم -كما بدا لي- خالية من ألفاظ السبّ! وجلنا في سورابايا ورأينا كل شيء فيها فإذا آثار التخريب في كل مكان، لا سيما في العمارات الكبيرة التي خّربها الوطنيّون بأيديهم لئلاّ يتخذها المستعمرون معاقل لهم في هجومهم. وقد كانت

стр. 2157

سورابايا إلى ما قبل الاستقلال أكبر مدن جاوة، فلما صارت جاكرتا (باتايا) العاصمة وثبت فجأة حتى صارت من مدن العالَم الكبار. والعرب في سورابايا كثيرون ولهم مدارس كثيرة، وفي سورابايا مساجد واسعة عامرة بالمصلّين، ولقد بلغَت المساجد في أندونيسيا قبل زيارتي إياها بسنتين، بالإحصاء الرسمي، مئة وخمسة وسبعين ألفاً ومئة وستة عشر مسجداً، وبلغت المعاهد الدينية أربعة عشر ألفاً وستمئة وستة وتسعين معهداً. * * * كانت أيامنا في سورابايا حركة دائمة كأننا في قطار سريع لا يقف ولا يتمهل. أخذونا يوماً نرى أطراف البلد وداروا بنا حتى دار بي رأسي، فتركتُهم مرّة يصعدون درباً صخرياً في جبل يزورون فيه مسجداً قديماً وتسللت إلى رحبة مكشوفة على جنب الطريق، وكانت أوائل الليل قد غطّت على تلك المشاهد الفواتن، فلم أكن أرى إلاّ ذُرى الأشجار من تحتي تبدو من خلالها سطوح القرية النائمة في حضن الجبل، ووجدت حجارة مصفوفة فقعدت على واحد منها. وكنا في أعقاب العيد، وكانت الرحلة قد امتدّت بي شهوراً طِوالاً، فذكرت بلدي وبناتي، وكان بيني وبين بناتي ربع محيط الأرض، فاستشعرتُ الوحدة والضيق. وتنبّهت فإذا هذه الحجارة التي قعدتُ على أحدها قبور وإذا أنا في مقبرة القرية، فازددت وحشة وضيقاً، وثَقُلَت عليّ هذه الغربة وهذه الوحدة وأحسست كأن قلبي يذوب من الشوق حتى لَيقطر دموعاً من عيني. وإني

стр. 2158

لفي هذه الغمرة وإذا بي أسمع الأذان، أذاناً عربياً فصيح اللهجة عذب الصوت، كأنه أذان دمشق، فشعرتُ به -أقسم بالله- يسري في نفسي سرَيان البُرْء في الأجساد المريضة والطرب في القلوب الوَلْهى، فيزيل الوحشة ويُذهِب الضيق. فجعلت أفكّر في هذا النداء كيف خرج من قلب وادٍ بعيد بعيد في زمن بعيد بعيد، فما زال يطوي الأرض ويخوض البحار ويخرق الجبال، حتى وصل من بطن مكّة إلى شرقي جاوة، وما زال يطوي الزمان ويجزع القرون حتى جاء من القرن الأول للهجرة إلى القرن الرابع عشر، ولا يزال غضاً طرياً كأنما نادى به بلال يوم أمس، لا يقف (١) مسيرَه حدٌّ على الأرض ولا بُعدٌ في الزمان، ولا تنال منه الشُّقّة ولا يحفّ به النسيان، فهو أبداً في كل مكان وفي كل زمان. فلا يكون المسلم غريباً في بلد يسمع فيه هذا النداء: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله». فرجعت إلى نفسي، وعاد إلى قلبي الاطمئنان واستشعرتُ الأمان، وقلت: هذا بلدي. وكل بلد يُسمَع فيه الأذان بلد كل مسلم. (٢). * * *

стр. 2159

هي قرية أخذونا إليها يسمّونها «كاراشيك»، انبثق منها نور الإسلام على البلاد، وقالوا إن الاسم محرَّف عن العربية وإن أصله «قرأ الشيخ»، قلت: لِمَ لا يكون أصله «مقر الشيخ»؟ قالوا: هذا أَولى. والقرية قديمة قائمة على تلّ عالٍ قرب سورابايا في أقصى الشرق من جاوة، والتلّ مغطّى كله بدَوْح الغاب. وما في جاوة أرض تخلو من النبات إلاّ أن تكون قد قُطعت أشجارها لتُتّخَذ مزارعَ للأرزّ. لقد أحسستُ حين دخلت القرية كأنني عُدت إلى بلدي وأنِسْتُ بأهلي. وكان أول ما زرناه منها المسجد، وهو نظيف جداً وهادئ جداً، فيه طبلان كبيران عليهما تاريخ صنعهما في سنة ١٦٤٧، أي قبل أكثر من ثلاثمئة سنة. ومن أغرب البدع في شرقي جاوة أن في كل مسجد طبلاً يقرعونه بعد الأذان، يَدْعون الناس به إلى الصلاة على نحو ما ينادون على أبواب المساجد في الشام أحياناً: "الصلاة يا مصلّون"، وهذا هو التثويب، ولم يكن في صدر الإسلام. وهذان الطبلان كالبرميلين العظيمَين منتفخَي الوسط، قُطر كل منهما من وجهه متر ونصف المتر وطوله متران ونصف المتر. ومنبر المسجد على هيئة كرسي مزخرَف قديم مصنوع من خشب الساج، والمسجد مبني سنة ١٦١٩، بناه بوسبونوغورو (وناغارا أو نوغورو كلمة معناها دولة، فصار معنى الجملة «زهر الدولة»).

стр. 2160

واحتشد أهل القرية في المسجد لرؤيتنا، واصطفّ الجند وتلاميذ المدارس وساروا أمامنا ووراءنا، فتركنا السيارات ومشينا معهم في موكب رسمي، ولحقتنا جموع الأهلين، فسلكنا طرقاً كطرق القرى الشامية الجبلية، حتى وصلنا إلى رحبة مسوَّرة فيها أشجار عالية وفي وسطها درابزين من حديد، فيها ثلاثة قبور من الحجر ليس عليها زُخرُف ولا نقش، أحدها قبر الشيخ إبراهيم المتوفّى سنة ١٤١٩ ميلادية، وهو الذي تَشرّف بحمل الإسلام إلى هذه البقاع. وسألت عن تاريخه وعن ترجمته فلم أجد علم ذلك عند أحد، وغاية ما قالوه أنه مغربي الأصل. وقد أخبرت بذلك السيد مكي الكتاني ﵀ لما رجعت إلى دمشق، فقال إن هذا الشيخ من آل الكتاني، وقرأت مثل ذلك للأستاذ المنتصر في مقال قديم في «الرسالة» وقال إنه سمعه من الناس، والله أعلم بالحقيقة. ثم ذهبنا إلى مدفن السلطان سنان كيري (أي عين اليقين)، وهو من خشب مزخرَف عليه نقش دقيق بارع. وهذا السلطان كان لقيطاً، وجدته امرأة اسمها ونصو، غنية تشتغل بالتجارة ولها سفن، فسلّمته إلى الشيخ إبراهيم فعلّمه وربّاه وجعله خليفته، فنبغ وكتب الله نصر الإسلام في شرقي جاوة على يديه، وكُرّمت المرأة التي وجدته ولُقّبت بالسيدة الواجدة، وقد نسيتُ لقبها بلسانهم. وأذّن الظهر فصلّينا بمسجد بجوار المدفن وصلّى معنا قائد الجنود والتلاميذ والناس، ثم دعونا إلى غرفة في المسجد فشربنا فيها الشاي وتحدّثنا، وفهمنا أن لكل فرقة من الجند ومن الشرطة إماماً وواعظاً، وهم يقيمون الصلاة ويحضرون جميعاً مجالس الوعظ.

стр. 2161

قلت: هذا ما كان عند زيارتنا أندونيسيا من ثلاثين سنة، فما هي حالها الآن؟ * * * إذا عددتُ الأيام التي مرت عليّ صفواً بلا كدَر كان من أول ما أعدّ منها يوم نزهة سورابايا، وهي نزهة أعدّتها لنا وأكرمتنا بها الحكومة الأندونيسية، وهاكم بعض خبرها: خرجنا من سورابايا، فما جاوزنا البيوت حتى رأينا على جوانب الطريق حقولاً مغرَقة بالمياه ممتدّة على سيف البحر (١)، مقطَّعة قطعاً محدّدة بسدود من التراب على هيئة الجدران، فعجبت منها وسألت عنها، فقالوا إنها أحواض لتفريخ الأسماك. وسلكنا بعدها طريق الجبال وأوغلنا فيها، تدرج بنا السيارات في طريق تحفّ به من جانبَيه الغابات وظلال أشجارها طبقات فوق طبقات، وعلى الطريق سقف من أغصانها المشتبكات يمنع الشمس أن تصل إلينا، إلاّ نظرات تختلسها اختلاساً من فُرَج الأغصان، وتسمح للنسيم أن يمسح وجوهنا بيد لينة معطّرة كأنها مسّ يدَي الحبيب عند غيبة الرقيب. وأخذنا نصعد والطريق يستدير ويلتوي والقرى المنثورة على السفوح تظهر ثم تختفي، كصبيّة تلاعب فتاها، يلحقها فتزوغ منه ويهمّ بأن يدعها فتتراءى له، فهي تُطمِعه ولا تُطعِمه وتُسخِطه ولا تُقنِطه. ثم غاب عنّا الجبل الأعظم، فسرنا على حافّة الوادي الضيق

стр. 2162

ندور بأكَمة مخضرّة محمرّة كأنها لوحة في بهو. وأين لوحات الأبْهاء ممّا صوّره بارئ الأرض والسماء؟ وأين الصورة الميتة من الحقيقة الحية؟ ولمّا وصلنا إلى قمة الأكَمة وجدنا قرية صغيرة، ذكّرتني بأعشاش الغرام التي نقرأ وصفها في القصص وما عرفناها في الحياة، بيوت ملوّنة أنيقة حولها إطار من غرائب الأوراد والأزهار، تتخلّلها مسارب كأنها مدارج الأحلام، في أعلاها عين ثرّة سُمّيت القرية بها فكان اسمُها بلسانهم «تري نيس» أي «العين الدفّاقة»، تنحدر المياه من كل جانب من جوانبها شلالات صغيرة فتّانة، ثم تتجمّع في ساقية أو جدول صغير يُفضي إلى المسبح. وإذا كانت سويسرا تنفرد ببحيراتها المتربعة في الأعالي المُشرِفة على الدنيا من شرف الجبال، فإن في أندونيسيا ما ليس مثله في سويسرا ولا لبنان ولا فيما عرفت من البلدان، هو المسابح الأنيقة القائمة في رؤوس الجبال، تنصبّ فيها المياه من الينابيع نظيفة ما وسّختها أيدي الناس، جارية دائماً لا تؤثّر فيها أجساد السابحين، تُطِلّ على مناظر لها من الجمال ما لا يصل إليه الخيال، والماء ينزل فيها في صناعة بارعة يتشكّل أشكالاً ويتفجّر نوافير. وفارقناها وتأبى قلوبنا لها فراقاً، وسرنا فمررنا على بساتين مسوَّرة فيها أشجار عالية شديدة الخضرة، فسألنا: ما هذه؟ قالوا: مقابر، وهذه هي أشجار الكَمبوديا ولا تُزرَع إلاّ في المقابر! وكانت المشاهد تمرّ بنا متعاقبة إذ نمرّ بها مسرعين، فننتقل

стр. 2163

من نشوة إلى نشوة ومن متعة إلى متعة، فلا أدري أيها أجمل في العين وأحلى في القلب؟ ولكل مشهد قصّة تدور بها الألسنة ويتناقلها الرواة، لو عالجها قلم الأديب لَجعل من كل قصّة منها قطعة من روائع الآداب. هذا جبل عالٍ ذاهب في الجوّ كأنه البرج المشيد، قالوا إن اسمه جبل الغرام (أنجاسمارا)، وقصته أن زوجة الملك اعتكفت فيه لمّا ذهب إلى القتال واعتزلت الناس، وامتنعت -من شوقها إليه- من الطعام والشراب، وظلّت تناجيه على البعد وتعانق خياله حتى زعموا أنها ماتت. وإن لم أرَ في حياتي من يموت من الغرام! ومررنا بتل عظيم قائم وحده كأنه الهرم يسمّونه لاوا (ومعناها الباب) وله قصّة. ومررنا بعده ببلدة قديمة كانت عاصمة جاوة الإسلامية يوماً، اسمها «سنغو ساري» (أي الأسد الشجاع)، ولها قصّة. وكنا نسير بين هضاب متجاورات كلها مكسوّ بالأشجار المثمرة، والبيوتُ قد تناثرت عليها بسقوفها المائلة الملوّنة كأنها بيوت الأطفال عند بيّاع اللعب، وكل منها له قصّة. والأنهار تجري خلالها صغيرة وكبيرة، مستقيمة وملتوية، رائقة وعكرة، هادئة وهادرة، قد اختلفت طبائعها وغاياتها فكأنها أصناف البشر إذ يمشون على طريق الحياة. ولكل وادٍ في العين منظر ولكل بقعة في النفس أثر. وكنت كالطفل المحروم دخل مخزن اللعب، كلّما رأى لعبة ظنّها تحفة التحف فقال: هذه التي أريد، فإن رأى غيرها وجدها أحلى منها فعدل إليها عنها. كنت كلما أبصرت مشهداً قلت: قف بي هنا، إن هذا هو أجمل المشاهد. ثم أجوز إلى غيره فأنسى لروعته الأول،

стр. 2164

وهم يقولون لنا: هذا كله ليس بشيء، فأقول: وما هو الشيء؟ فيقولون: أمامكم. ورأينا النساء في كل مكان من جاوة، إلاّ المدن الكبار، يحجبن الرأس بخمار أبيض أو ملوّن، فلا يُظهِرن إلاّ ما أذن الله بإظهاره وهو الوجه والكفان (وإن وجب سترهما إن كانت فتنة بهما). ثم انحدرنا كما صعدنا. وهذه سنّة الحياة؛ ما علا عالٍ إلاّ نزل ولا طار طائر إلاّ هبط. وسلكنا على سهل بين سلسلتين من الجبال: السلسلة التي كنا فيها والأخرى التي كنا نراها من أمامنا، في سهل كأنه سهل البقاع في بلاد الشام لولا أنه أوسع سَعة وأجمل جمالاً. وجزنا ببلدة كبيرة اسمها مدينة باتو (أي الحجر) جالسة على ذيل الجبل الذي نزلنا منه، ممتدّة شوارعها في السفح كأنها فتاة اقتعدت حافّة نهر ودلّت فيه ساقَيها. وفي وسط السهل مدينة مالان، وهي تعدل في سعتها وعدد سكّانها مدينة دمشق، وحولها البساتين فيها الأشجار المثمرة وفيها الرمّان الكثير بزهره الناريّ الأحمر (الجلّنار)، وحولها سور من الجبال الخضراء يطيف بها من بعيد، وهي في وسطه كأنها طفلة في حجر أمها. ورأينا بعدها صونغوريتي (أي النبع الحار)، وهي عيون من المياه المعدنية الحارّة تشبه في وضعها وفي البناء القائم عليها عين حلوان في ضاحية القاهرة. وكنا نمشي في يوم صحو وشمس، فما هي إلاّ لحظات حتى اربدّت السماء بالغيوم وتفتّحَت أبوابها بالمطر، بمطر لا نستطيع

стр. 2165

أن نتصور مبلغه، مطر البلاد الاستوائية الذي ينصبّ كأفواه القِرَب (حقيقة لا مجازاً). فرأينا لمّا نزل المطر عجباً، أسرع كل واحد من المارّة إلى أقرب شجرة موز (وأشجارُ الموز تملأ أطراف الغابات الماثلة على الجانبيَن) فتخيّر له ورقة بسعة المظلّة فنشرها على رأسه ومشى. أما الشيء الذي كانت فيه النزهة وكانت إليه الرحلة فهو قهوة أنيقة أمامها مسبح فخم، تنظر إليه من تحت فلا ترى شيئاً، لا ترى أمامك إلاّ جبلاً أخضر مستديراً، فإذا ركبت الطريق الذي يصعد إليه وجدت المسبح في حضنه، قد عطف عليه الجبل وأحاطه بيديه، فإذا احتواك ونظرت وراءك أبصرت مدرّجاً فيه من الشجر المزهر وفيه من غرائب الأوراد والأزهار وعجائب الألوان ما لا يحيط بوصفه قلم ولا لسان، وإذا نظرت أمامك رأيت من فُرجة الجبل السهلَ كله، والجبال حوله والمدن فيه، كأنك ترى الدنيا من كوّة الأحلام، والماء يتجمّع من عشرات العيون، ينبع من وراء صخرات الجبل ثم يسير في سواق صغيرة هدّارة تلفّ وتدور وتتكسر أمواهها في شعاع الشمس، ثم تجتمع في جدول كبير فتمر من شاذروان ينصبّ من علوّ عشرين متراً في البركة التي أُعدّت مسبحاً، وأنت أمامها مستقبلها والشمس تسطع عليها. فتصوّر هذا المنظر! ثم يمرّ هذا الماء إلى حيث يسبحون، وقد دُرّجت البركة وأجيد بناؤها وزُخرفت جدرانها ووُضعت لها السلالم والمعارج، والمقاعد مصفوفة على جانبَيها من فوقها. لا؛ لا أستطيع أن أصف للقراء ما رأيت فيها وما أحسستُ لأن ذلك شيء يجلّ عن الوصف، فاختاروا لكم يوماً من

стр. 2166

أيام عطلتكم فاذهبوا إلى ذلك المكان الذي لا يبعد عنكم إلاّ عشرة آلاف كيل (كيلومتر) لتروا بعيونكم ما عجزتُ عن وصفه بلساني. * * *

стр. 2167

-١٧٠ - لوحات حية من حياة أندونيسيا عيد سعدت فيه برغم البعد والوحدة والسفر الطويل وهل عيد أندونيسيا غير عيد المملكة؟ نعم، وغير عيد الشام وعيد مصر. وعيد الأطفال غير عيد الكبار؛ الأطفال عيدهم ثياب جديدة ولعب، ربما وجدهما الطفل موفورَين وربما عزّ عليه وجدانهما. وعيد الموظفين عطلة وراحة من عناء العمل وانطلاق من القيد، وعيد التلميذ بُعد عن مشقّة الدراسة ونظام المدرس، وعيد أكثر النساء مفاخرة ومكاثرة في اللباس وفي الزينة، بل وفي أثاث المنزل ومظاهر الحياة. وعيد كثير من الرجال نفقات تقصر عنها الطاقة وديون يثقل بها العاتق. وجمهورٌ من الناس عيدهم مجرد رقم في التقويم وتهنئات من طرف اللسان. هذا والعيد واحد وإن تعدّدت أشكاله وطعومه، وهذا من أسرار الله في الخلق، إذ يجعل المختلف من المؤتلف والمتعدّد من المتّحد، فلكل إنسان أنف وعينان وفم وأذنان، ولا تجد إنساناً يطابق في خَلْقه غيرَه من بني الإنسان. والسكّر عند أهل الكيمياء

стр. 2168

هو السكّر، ولكن طعمه في التفاح غير طعمه في العنب وغير طعمه في الموز والبطيخ. وكذلك الرائحة العطرة، أين رائحة الفل من رائحة الورد؟ وأين الياسمين من النسرين؟ والعيد الحقّ إنما يشعر به من يولي الإحسان، فيرى آثارَ إحسانه بَريقَ شكر في العيون، وبشاشة وانطلاقاً في الوجوه، وحمداً صادقاً على اللسان، ودعاء مخلصاً في الغيبة والحضور. * * * وصلنا جاكرتا في رمضان (١). ولرمضان في كل بلد إسلامي بهجة وجمال، لا تكاد تظهر بهجته ولا يبدو جماله في المدن الكبرى التي فتنها بريق الزجاج في حضارة الغرب عن حقيقة الألماس في دينها فأضاعت سجاياها بتقليدها، ولكن يظهر هذا الجمال في المدن الصغار، وفي القرى الأندونيسية حيث يصوم القوم النهار لا تجد فيهم مفطراً معلناً، فإذا كان العشاء أمّوا المساجد فصلّوا التراويح، ثم تجمّعوا للسهرات في بيوت الإخوان والأصدقاء، سهرات قد تطول حتى تصل الفطورَ بالسحور، يكون في بعضها المطالعة في الكتب والمذاكرة في العلم، ويكون في أكثرها البحث في شؤون التجارة وأحوال البلد، ويكون بعضها للتسلية واللهو، ولكنه لهو لا يصل غالباً إلى الحرام ولا يبلغ حدّ العبث.

стр. 2169

يقدَّم في هذه السهرات لونان لا تكاد تخلو منهما أو من أحدهما مائدة: الرز بالحليب، لا كما يُصنع في الشام إذ يفتنّ القوم في «تَرقيده» في الصّواني حتى يصير كأنه القشطة، بل يُصنع مخلوطاً بسمن النارجيل (جوز الهند) فيكون له طعم يقولون إنه طيب. أما أنا فلم أستطع أن أسيغ لقمة واحدة منه. والثاني هو «الأبام»، وهو شيء يشبه «القطائف» الشامية. وشتّان ما بين هذا وذاك، فما في الدنيا طعام مثل طعام الشام، وما أكَل الشامي في غير بلده طعاماً فاستطابه ولا أكل أحدٌ من طعام الشام إلاّ فضّله على كل طعام. وأدركَنا عيدُ الفطر ونحن في جاكرتا سنة ١٣٧٢هـ، وأنا أشهد أنه أنساني أني غريب وأني بعيد عن أهلي وولدي. والغريب لا يحسّ عادة بالعيد ولا بأفراحه لأن العيد لا يراه الإنسان إلاّ في بلده، فلا يمكن أن يوضع في الحقائب ولا أن يُنقل في الطيارات ولا في السيارات. ذكرت في عيد أندونيسيا العيد الذي عرفته في دمشق وأنا صغير من قديم ثم افتقدته ولم أعُد أجده أبداً. أول ما رأينا من مقدّمات العيد في أندونيسيا الاحتفال بليلة السابع عشر من رمضان، ويسمّونه عيد نزول القرآن. ومن أغرب ما وقع لي أني لمّا دنوت من بهو الاحتفال سمعت تلاوة صحيحة بصوت ناعم، كأنه صوت امرأة يقرأ القرآن قراءة صحيحة بنغمة مستحَبّة، فلما سألت علمت أنها زوجة سوكارنو تفتح الحفل بتلاوة عشر من القرآن (١). وكان عيد

стр. 2170

١٧ رمضان لمّا زرناها أكبر أعياد أندونيسيا. ذلك على ما كنا نأخذه على سوكارنو وحكمه، حتى رأينا ما بعده فإذا الحال كما قال: رُبّ يومٍ بكَيتُ فيهِ فلمّا ... صِرتُ في غيرِهِ بكيتُ عليهِ لما دنا العيد رأينا تباشيره تلوح؛ ففي الأسواق ضجّة وازدحام وفي البيوت حركة واستعداد. فما أهلّ وأصبح صباحه حتى خرج الناس بأبهى الثياب، وثيابهم هذه الأُزُر (الفُوَط) الملوّنة المبرقَشة التي يفتنّون في صنعها وفي تلوينها حتى تحكي ألوانَ الزهر في الروض الأريج. ولبسَت البنات كل زاهٍ من الألوان فاقع وازّيّنَ الأولاد وانتشروا في ساحات جاكرتا كأنهم طاقات من الورد يخطرون في الحدائق إلى جانب الورد، وعُرضت الألاعيب وعلَت في الجوّ طيارات الورق. ولهم فيها صنعة عجيبة، وهي تعلو حتى لتُرى كأنها طيارة حقيقية. وأَمّ الرجال كلهم المصلّى. كان ذلك قبل أن يُفتح الباب لشياطين الإنس، لجماعة المكفّرين الذين يُسمّون بالمبشرين، وما هم إلاّ من المبشّرين بالعذاب الأليم الذين جعلوا همّهم أن يُخرِجوا المسلم من النور إلى الظلمات ومن الإيمان إلى الكفر، نبّهنا الله إلى الاحتراس من شرّهم ودفع عنّا كيدهم. حضر صلاةَ العيد في جاكرتا قومٌ يزيدون على مئات الألوف، يكبّرون معاً، ويركعون معاً، ويسجدون معاً. مشهد عظيم عظيم عظيم، أكرّرها ثلاث مرات لتأكيدها وتثبيتها. مشهد لا يرى الإنسان مثله إلا في بلد عاد إلى هذه السنّة (المتبَعة هنا في المملكة) في صلاة العيد في المصلَّيات. وراح الناس يهنئ بعضهم

стр. 2171

بعضاً. وأنا لا أفهم من لسانهم إلاّ الألفاظ العربية الباقية فيه، وهي كثيرة. منها ما هو لأسماء البلدان، فعندهم المدينة المنورة والكوفة والبصرة وخور سليمان (والخور كلمة عربية)، ومنها ما هو من أسماء الناس، فعندهم محمد وأحمد ويوسف وداود وعيسى وناصر وفؤاد وعبد الله وزين العابدين وتاج الدين وسراج الدين وعبد الحكيم ... وربما أضيف الاسم الأندونيسي إلى الاسم العربي، كأحمد سوكارنو وزوجته عائشة ونائبه محمد حتا وزوجته رحمى رحيم، وأحمد سوبارجو وزير الخارجية يومئذ، ومحمد روم وبرهان الدين هاراهاب وشمس الدين سوتن معمور وعلي ساستو ... ومنها ما هو مستعمَل بلفظه ولكن بتحريف لمعناه كلفظ «الشركة» بمعنى الجمعية، و «سؤال» بمعنى قضية، وفائدة وحاصل وأخلاق وعناصر ومسألة وسياسة ... وربما حُرّف اللفظ العربي فقالوا في كلمة ظاهر «لاهر» و «أكال» أي عقل و «نسكه» أي نسخة و «خلاياك» أي خلائق و «سابار» أي صبر. ومن أعجب ما عندهم أنهم يحرّفون لفظ الشعر إلى الشعير، فيشترك فيه إخواننا الشعراء مع إخواننا الحمير! وهذا مشهد رأيته في جاكرتا أيام العيد، وقد أخذونا إلى دار واسعة فيها غرف مصفوفة حول حديقة فسيحة وممرّات تُطيف بها، سمعت لمّا اقتربتُ منها ضجّة أولاد وبكاء أطفال فقدّرت أنها مدرسة للصغار، فلمّا دخلتها لم أجد التلاميذ الذين يتعلمون، بل وجدت أطفالاً منهم من يزحف -لصغره- على الأرض ومنهم من يدرج يقوم ويقعد، ومنهم الكبير ومنهم الصبيان ومنهم البنات. أولاد بالعشرات، في كل غرفة أولاد، وفي الحديقة أولاد،

стр. 2172

وحيثما سرت أولاد. أولاد في الأسرّة نائمون، وأولاد أكبر منهم يخدمونهم أو يطعمونهم أو ينظفونهم، والهيئات مختلفات والألوان متباينات، فمن بيض ومن سمر ومن سود، ومَن لهم هيئات صينية أو سمات عربية أو ملامح هولندية، فقلت: ما هذا؟ مستشفى؟ قالوا: لا. قلت: روضة أطفال؟ قالوا: لا. قلت ما هؤلاء؟ قالوا: أُسرة واحدة، لهم أب واحد وأم واحدة. قلت: لكلّ هؤلاء أم واحدة وأب واحد؟ قالوا: نعم ولا. قلت: ما هذه الأحاجي والمعميات؟ قالوا: هاك من يخبرك الخبر اليقين. ونظرت فإذا امرأة أندونيسية في نحو الخمسين أو تزيد ورجل شيخ أندونيسي فوق الستين قد أقبلا علينا، وعرّفوهما بنا فإذا هما صاحبا الدار، وإذا خبرهم العجيب، العجيب حقاً، أن هذه المرأة ورثت من أبيها مالاً كثيراً، وكان قد توفّي وهي صغيرة فربّاها خالها (والخال في أندونيسيا هو الذي يتولّى أمر بنات أخته قبل العَصَبات من أهليهم). فلمّا كبرَت خطبها هذا الرجل وكان من الأغنياء، ووفّق الله بينهما وألقى بينهما المودّة والرحمة فعاشا سعيدَين. اجتمع لهما المال الذي يملأ اليدين والحب الذي يملأ القلبين، ولكنهما اشتهيا الولد فما جاءهما الولد. كانا من الصنف الرابع؛ وقد صنّف الله الناس أصنافاً، فالصنف الأول من يَهَب له البنات، والثاني من يهب له الذكور، والثالث من يزوّجهم ذُكراناً وإناثاً، والرابع من يجعله عقيماً. فكان هذان الزوجان من الصنف الرابع: اشتهيا الولد فما جاءهما الولد، وما نفعهما طِبّ طبيب ولا وصفة مجرّب ولا سحر ساحر ولا شعوذة دجّال. وتفطّر قلبها وكرهت حياتها وضاقت بها، وضيّقت على الرجل حياته وكرّهتها

стр. 2173

إليه، وأوشكَت الحال أن تصل بهما إلى أن تُجَنّ هي أو تجنّن الزوج أو أن تُختَم فصول الرواية بالطلاق، لولا أن كانت مصادفة بدّلت حياتهما، كما تبدّل موجةٌ صغيرة مسيرَ الزورق من الشرق إلى الغرب أو تحول لحظةٌ عارضة وجهةَ إنسان من طريق النار إلى طريق الجنان. ذلك أنهما وجدا يوماً ازدحاماً أمام مخفر الشرطة، فسألت: ما الخبر؟ فقالوا: إنه لقيط، ابن حرام، وهو طفل مولَّد. والمولَّد عندهم الذي يجيء من أب جاوي وأم هولندية. فدفعتها غريزة الأمومة المتوثّبة بين جوانحها إلى رؤية الولد، فإذا هي طفلة جميلة فتّانة جمعَت حلاوة أهل جاوة وجمال نساء هولندا. وكان الناس بين مُشفِق على الطفلة، ولاعِن لها غاضب من والدَيها. فلم تتمالك أن أمسكت بها فضمّتها إلى صدرها، فأحسّت كأنها قد ضمّت يديها على كنوز الدنيا. وكان زوجها معها، فلمعت فكرة في ذهن الزوجين معاً، هي أن يأخذا الطفلة فيربّياها، ففعلا وأحسنا القيام عليها وتجدّدت بها حياتهما، وعادت النضارة إلى وجه المرأة ورجعت المسرّة إلى قلبها، ودخلت عليهما السعادة مذ دخلت هذه البنت، وأقاما عليها يُغدقان عليها الخيرات ويلفّانها بالحنان، وكبرت فكانت فتنة الأنظار فزوّجاها. وما فارقتهما حتى أحسّت المرأة كأن شُعبة انشعبَت من قلبها، وكادت ترجع إليها عوارض المرض في نفسها، فوجدت لها بنتاً غيرها. ومرّت الأيام، وانتهى بهما الأمر إلى أن عرف الناس جميعاً خبرهما، فكلّما وجد أحدٌ لقيطاً حمله إليهما، ففتحا

стр. 2174

هذه الدار ووقفا عليها رَيعَ أموالهما، وفاضت عليهما العطايا والتبرّعات. ولمّا زرت الدار سنة ١٩٥٤ (١٣٧٣هـ) اطّلعتُ على دفاترها فوجدتُهما قد ربّيا إلى تلك السنة مئتين وخمسة وثلاثين ولداً، وكان عندهما لما زرتها ستة وأربعون ولداً، من كل أمّة وجنس ومن كل لون ولسان، يربّيانهم جميعاً على دين الإسلام وعلى حبّ الوطن وعلى الخلق والفضيلة، فنشأ عندهم محامون وأطباء وعلماء وصنّاع وتجّار، وكلهم بقي يتردّد على الدار ويرى في هذا المرأة أماً له وفي هذا الرجل أباً. لقد حُرما ولداً أو ولدين فاتخذا مئات من الأولاد، واتخذا مع ذلك الثواب في الآخرة والمجد في الدنيا، وعلوّ المنزلة وبقاء الذكر. لقد صبرا على ما لا يصبر عليه أحد. وأنا لم أستطع أن أكمل الدورة في غرف هذه الدار إلاّ بصعوبة؛ لقد أحسستُ أن أعصابي قد شُدّت وتوتّرت من بكاء الأطفال وضجيج الأولاد، وسددتُ أنفي وغضضت بصري مرّات لئلاّ أشمّ أو أرى ما يؤذي، وهما يصبران على ذلك كله ويعيشان في هذا البيت مع هؤلاء الأولاد. إن الواحد منّا يكون في بيته خمسة أطفال أو ستة من دمه ولحمه، فلا يطيق القعود معهم ويهرب منهم. فقدّروا مبلغ ما يكابد هذان الإنسانان الكريمان. ولقد سألتهما عن مبلغ وفاء هؤلاء لهما، ففهمت أن منهم قليلاً أنكر الفضل وجحد المعروف، ولكن ذلك لا يزيد على ثلاثة في المئة (ولا عجب، فإن من الناس من يبلغ به اللؤم أن ينكر فضل أمه التي حملته وسط أحشائها وأرضعته من لبن ثديَيها)، والباقون كانوا لهما أبرَّ من أولاد الأصلاب. وسألتهما

стр. 2175

إلى متى يقومان على هذه الدار ولِم لا يسلّمانها إلى جمعية أو مؤسسة؟ قالت: لمّا ضممت تلك البنت الأولى إلى صدري كان عمري إحدى وعشرين سنة، وقد نيفت الآن على الخمسين، ولكني لن أدَع هذا العمل حتى يُقعِدني الكبر أو يقطعني الموت، إلاّ أن يملّ فلان (وأشارت إلى زوجها). فنظر إليها نظرة يقطر منها الحب وقال لها: أنا معك حتى الموت. * * * جاءني العيد (١) وأنا ضيف الحكومة الأندونيسية؛ أنزلتني في فندق الهند، أكبر فنادق الشرق، في جناح فخم أبهى وأوسع من منازل السادة الكبراء. وكان عندي كل ما يشتهي امرؤ أن يكون له: المال في جيبي والسيارة على بابي والمُرافق قيد أمري، ولكن شيئاً واحداً لم يكن عندي هو بهجة النفس. كنت وحدي، أرى الأسر الهولندية من حولي وشملها جميع وأهلها حاضرون، وأنا بعيد عن أهلي وبناتي، بيني وبينهن -كما قلت لكم- ربع محيط كرة الأرض. كان الناس في عيد وأنا في كرْب، لا أجد من أكلّمه كلمة أو أفهم عنه أو يفهم عني، إلاّ الإخوة الكرام سفير مصر والقائم بالأعمال السعودي وبعض الأصدقاء، فإذا انصرفوا عني بقيت وحيداً مع همومي وضيق صدري واكتئابي. وما العيد إن لم يكن
следующие страницы →