بعضاً. وأنا لا أفهم من لسانهم إلاّ الألفاظ العربية الباقية فيه، وهي كثيرة. منها ما هو لأسماء البلدان، فعندهم المدينة المنورة والكوفة والبصرة وخور سليمان (والخور كلمة عربية)، ومنها ما هو من أسماء الناس، فعندهم محمد وأحمد ويوسف وداود وعيسى وناصر وفؤاد وعبد الله وزين العابدين وتاج الدين وسراج الدين وعبد الحكيم ... وربما أضيف الاسم الأندونيسي إلى الاسم العربي، كأحمد سوكارنو وزوجته عائشة ونائبه محمد حتا وزوجته رحمى رحيم، وأحمد سوبارجو وزير الخارجية يومئذ، ومحمد روم وبرهان الدين هاراهاب وشمس الدين سوتن معمور وعلي ساستو ... ومنها ما هو مستعمَل بلفظه ولكن بتحريف لمعناه كلفظ «الشركة» بمعنى الجمعية، و «سؤال» بمعنى قضية، وفائدة وحاصل وأخلاق وعناصر ومسألة وسياسة ... وربما حُرّف اللفظ العربي فقالوا في كلمة ظاهر «لاهر» و «أكال» أي عقل و «نسكه» أي نسخة و «خلاياك» أي خلائق و «سابار» أي صبر. ومن أعجب ما عندهم أنهم يحرّفون لفظ الشعر إلى الشعير، فيشترك فيه إخواننا الشعراء مع إخواننا الحمير!
وهذا مشهد رأيته في جاكرتا أيام العيد، وقد أخذونا إلى دار واسعة فيها غرف مصفوفة حول حديقة فسيحة وممرّات تُطيف بها، سمعت لمّا اقتربتُ منها ضجّة أولاد وبكاء أطفال فقدّرت أنها مدرسة للصغار، فلمّا دخلتها لم أجد التلاميذ الذين يتعلمون، بل وجدت أطفالاً منهم من يزحف -لصغره- على الأرض ومنهم من يدرج يقوم ويقعد، ومنهم الكبير ومنهم الصبيان ومنهم البنات. أولاد بالعشرات، في كل غرفة أولاد، وفي الحديقة أولاد،
стр. 2172
وحيثما سرت أولاد. أولاد في الأسرّة نائمون، وأولاد أكبر منهم يخدمونهم أو يطعمونهم أو ينظفونهم، والهيئات مختلفات والألوان متباينات، فمن بيض ومن سمر ومن سود، ومَن لهم هيئات صينية أو سمات عربية أو ملامح هولندية، فقلت: ما هذا؟ مستشفى؟ قالوا: لا. قلت: روضة أطفال؟ قالوا: لا. قلت ما هؤلاء؟ قالوا: أُسرة واحدة، لهم أب واحد وأم واحدة. قلت: لكلّ هؤلاء أم واحدة وأب واحد؟ قالوا: نعم ولا. قلت: ما هذه الأحاجي والمعميات؟ قالوا: هاك من يخبرك الخبر اليقين.
ونظرت فإذا امرأة أندونيسية في نحو الخمسين أو تزيد ورجل شيخ أندونيسي فوق الستين قد أقبلا علينا، وعرّفوهما بنا فإذا هما صاحبا الدار، وإذا خبرهم العجيب، العجيب حقاً، أن هذه المرأة ورثت من أبيها مالاً كثيراً، وكان قد توفّي وهي صغيرة فربّاها خالها (والخال في أندونيسيا هو الذي يتولّى أمر بنات أخته قبل العَصَبات من أهليهم). فلمّا كبرَت خطبها هذا الرجل وكان من الأغنياء، ووفّق الله بينهما وألقى بينهما المودّة والرحمة فعاشا سعيدَين. اجتمع لهما المال الذي يملأ اليدين والحب الذي يملأ القلبين، ولكنهما اشتهيا الولد فما جاءهما الولد. كانا من الصنف الرابع؛ وقد صنّف الله الناس أصنافاً، فالصنف الأول من يَهَب له البنات، والثاني من يهب له الذكور، والثالث من يزوّجهم ذُكراناً وإناثاً، والرابع من يجعله عقيماً. فكان هذان الزوجان من الصنف الرابع: اشتهيا الولد فما جاءهما الولد، وما نفعهما طِبّ طبيب ولا وصفة مجرّب ولا سحر ساحر ولا شعوذة دجّال. وتفطّر قلبها وكرهت حياتها وضاقت بها، وضيّقت على الرجل حياته وكرّهتها
стр. 2173
إليه، وأوشكَت الحال أن تصل بهما إلى أن تُجَنّ هي أو تجنّن الزوج أو أن تُختَم فصول الرواية بالطلاق، لولا أن كانت مصادفة بدّلت حياتهما، كما تبدّل موجةٌ صغيرة مسيرَ الزورق من الشرق إلى الغرب أو تحول لحظةٌ عارضة وجهةَ إنسان من طريق النار إلى طريق الجنان.
ذلك أنهما وجدا يوماً ازدحاماً أمام مخفر الشرطة، فسألت: ما الخبر؟ فقالوا: إنه لقيط، ابن حرام، وهو طفل مولَّد. والمولَّد عندهم الذي يجيء من أب جاوي وأم هولندية. فدفعتها غريزة الأمومة المتوثّبة بين جوانحها إلى رؤية الولد، فإذا هي طفلة جميلة فتّانة جمعَت حلاوة أهل جاوة وجمال نساء هولندا.
وكان الناس بين مُشفِق على الطفلة، ولاعِن لها غاضب من والدَيها. فلم تتمالك أن أمسكت بها فضمّتها إلى صدرها، فأحسّت كأنها قد ضمّت يديها على كنوز الدنيا. وكان زوجها معها، فلمعت فكرة في ذهن الزوجين معاً، هي أن يأخذا الطفلة فيربّياها، ففعلا وأحسنا القيام عليها وتجدّدت بها حياتهما، وعادت النضارة إلى وجه المرأة ورجعت المسرّة إلى قلبها، ودخلت عليهما السعادة مذ دخلت هذه البنت، وأقاما عليها يُغدقان عليها الخيرات ويلفّانها بالحنان، وكبرت فكانت فتنة الأنظار فزوّجاها.
وما فارقتهما حتى أحسّت المرأة كأن شُعبة انشعبَت من قلبها، وكادت ترجع إليها عوارض المرض في نفسها، فوجدت لها بنتاً غيرها. ومرّت الأيام، وانتهى بهما الأمر إلى أن عرف الناس جميعاً خبرهما، فكلّما وجد أحدٌ لقيطاً حمله إليهما، ففتحا
стр. 2174
هذه الدار ووقفا عليها رَيعَ أموالهما، وفاضت عليهما العطايا والتبرّعات. ولمّا زرت الدار سنة ١٩٥٤ (١٣٧٣هـ) اطّلعتُ على دفاترها فوجدتُهما قد ربّيا إلى تلك السنة مئتين وخمسة وثلاثين ولداً، وكان عندهما لما زرتها ستة وأربعون ولداً، من كل أمّة وجنس ومن كل لون ولسان، يربّيانهم جميعاً على دين الإسلام وعلى حبّ الوطن وعلى الخلق والفضيلة، فنشأ عندهم محامون وأطباء وعلماء وصنّاع وتجّار، وكلهم بقي يتردّد على الدار ويرى في هذا المرأة أماً له وفي هذا الرجل أباً.
لقد حُرما ولداً أو ولدين فاتخذا مئات من الأولاد، واتخذا مع ذلك الثواب في الآخرة والمجد في الدنيا، وعلوّ المنزلة وبقاء الذكر. لقد صبرا على ما لا يصبر عليه أحد. وأنا لم أستطع أن أكمل الدورة في غرف هذه الدار إلاّ بصعوبة؛ لقد أحسستُ أن أعصابي قد شُدّت وتوتّرت من بكاء الأطفال وضجيج الأولاد، وسددتُ أنفي وغضضت بصري مرّات لئلاّ أشمّ أو أرى ما يؤذي، وهما يصبران على ذلك كله ويعيشان في هذا البيت مع هؤلاء الأولاد. إن الواحد منّا يكون في بيته خمسة أطفال أو ستة من دمه ولحمه، فلا يطيق القعود معهم ويهرب منهم. فقدّروا مبلغ ما يكابد هذان الإنسانان الكريمان.
ولقد سألتهما عن مبلغ وفاء هؤلاء لهما، ففهمت أن منهم قليلاً أنكر الفضل وجحد المعروف، ولكن ذلك لا يزيد على ثلاثة في المئة (ولا عجب، فإن من الناس من يبلغ به اللؤم أن ينكر فضل أمه التي حملته وسط أحشائها وأرضعته من لبن ثديَيها)، والباقون كانوا لهما أبرَّ من أولاد الأصلاب. وسألتهما
стр. 2175
إلى متى يقومان على هذه الدار ولِم لا يسلّمانها إلى جمعية أو مؤسسة؟ قالت: لمّا ضممت تلك البنت الأولى إلى صدري كان عمري إحدى وعشرين سنة، وقد نيفت الآن على الخمسين، ولكني لن أدَع هذا العمل حتى يُقعِدني الكبر أو يقطعني الموت، إلاّ أن يملّ فلان (وأشارت إلى زوجها). فنظر إليها نظرة يقطر منها الحب وقال لها: أنا معك حتى الموت.
* * *
جاءني العيد (١) وأنا ضيف الحكومة الأندونيسية؛ أنزلتني في فندق الهند، أكبر فنادق الشرق، في جناح فخم أبهى وأوسع من منازل السادة الكبراء. وكان عندي كل ما يشتهي امرؤ أن يكون له: المال في جيبي والسيارة على بابي والمُرافق قيد أمري، ولكن شيئاً واحداً لم يكن عندي هو بهجة النفس.
كنت وحدي، أرى الأسر الهولندية من حولي وشملها جميع وأهلها حاضرون، وأنا بعيد عن أهلي وبناتي، بيني وبينهن -كما قلت لكم- ربع محيط كرة الأرض.
كان الناس في عيد وأنا في كرْب، لا أجد من أكلّمه كلمة أو أفهم عنه أو يفهم عني، إلاّ الإخوة الكرام سفير مصر والقائم بالأعمال السعودي وبعض الأصدقاء، فإذا انصرفوا عني بقيت وحيداً مع همومي وضيق صدري واكتئابي. وما العيد إن لم يكن
стр. 2176
معه الأنس ببلدك وأهلك وأصدقائك؟ وما العيد إن لم يكن فيه للنفس متعة وللقلب راحة؟
وذهبت أهيم على وجهي أمشي على غير هدى حتى بلغت ساحة كامبير (أي الاستقلال). وكانت قد نبتت فيها عشرون ألف زهرة ملوّنة في ليلة واحدة، لا أعني زهرات الحقل ولكن زهرات البيوت. كان البنات، بنات جاوة (الحلوات لا الجميلات!) وأطفالهن يختلن في الثياب العجيبة الملوّنة بمثل زهر البستان، وكان لهن أفانين من التسليات والألاعيب. ولكني كنت عن ذلك كله في غفلة، كنت أمشي بلا قلب لأن قلبي بعيد بعيد، بعيد في المكان والزمان؛ إنه يهيم في أودية الماضي ويسرح على تلك السفوح الحبيبة من قاسيون، التي حُرمت الآن منها وأُبعدت عنها، وأخشى أن يحين أجلي قبل أن أعود إليها فأراها.
مشيت حتى بلغت حديقة لحظت أنها مرتع أطفال الأغنياء لِما يبدو عليهم من آثار الترف والسرف. وكان على باب الحديقة عجوز ظهر عليها الكبر (رغم أن نساء جاوة لا يكدن يَشِخْنَ أبداً!)، عجوز أثقل ظهرَها حمل السنين، وفي يدها بنت كأنها الفلة المتفتحة جمالاً وطهراً، في ثياب قديمة لكنها نظيفة. وكانت تنظر إلى هذا العالَم كأنه غريب عنها، وكأن الله خلقها هي وجدّتها من الطين وخلق أولاد الأغنياء هؤلاء من الزبد والحليب. وكانوا يمرّون بها لا يلتفتون إليها ولا يرونها، ولو كانت هرّة صغيرة أو كانت كلباً في البلاد التي تأنس بالكلاب لوجدَت من يمسح شعرها ويبسم لها.
стр. 2177
وكان الأولاد يشترون أكفّ الشُّكَلاطة من بيّاع هناك، وكانت الطفلة تنظر إليهم وهم يمزّقون أوراقها ويأكلونها، تنظر بعيون يلمع فيها بريق الرغبة المحرقة يعقبها خمود اليأس المرير. ثم غلبها الطمع فلكزَت جدتها بمرفقها على استحياء، حتى إذا التفتت إليها أشارت بغمزة من عينيها وحركة سريعة من يديها إلى الشُّكلاطة، فتبسّمَت الجدّة بعينيها ولكن مقلتيها كانتا تبكيان بلا دموع، وقلبت كفّيها إشارة العجز والفقر.
هنالك عرضَت لي فكرة حمدتُ الله عليها وأسرعت إلى تحقيقها، هي أنني اشتريت أكبر كفّ من الشُّكَلاطة، وذهبتُ به فوضعته في حِجرها هو وما كان في جيبي من مال. فنظرَت إليه نظرة المشدوه، ثم حوّلت بصرها إلى جدّتها كأنها تستنجد بها، تستشيرها: ماذا تعمل؟ فأشرق وجه العجوز إشراقة سريعة كأنها بريق الشمس يسطع لحظة من خلال الغمام، وأقبلَت عليّ تقول كلاماً طويلاً باللغة الأندونيسية لم أفهم منه إلاّ «تريما كاسي، بنجاوم عمر»، أي: أشكرك، الله يطوّل عمرك. وقامت البنت تجرّ جدتها، تهرب كما تهرب الهرّة أعطيتَها قطعة لحم، تسرع خوفاً أن تندم عليها فتعود فتنزعها منها، حتى عجزَت خطوات الجدّة عن اللحاق بها، وهي تتلفّت إليّ: هل ندمتُ فلحقت بها أستردّ ما أعطيت؟ حتى غابت عن عيني.
لقد خسرت مبلغاً لا يجاوز ما أُنفِقه أجرة نزهة في سيارة أو ساعة أقعدها في مقهى، لكني ربحت من اللذّة ما لا أجده في مئة نزهة ولا مئة مقهى. أحسست كأن ما كان في قلبي من الضيق قد انفرج وما كنت فيه من الكرب قد زال، وأن نار الشوق إلى أهلي
стр. 2178
قد خمدت، والمنظار الأسود رُفع عن عيني فرأيت بهاء الكون وبياض النهار، ووجدت العيد.
لقد تعلّمتُ أن السعادة ليست بالأموال ولا بالقصور ولا بالخدم والحشم، ولكنها بسعادة القلب، وأنّ أقرب طريق إلى سعادة القلب أن تُدخِل السعادة على قلوب الناس، وأن أكبر لذّات الدنيا هي لذّة الإحسان؛ لا أقصد الريال الذي تُلقونه للسائل، ترمونه إليه وأيديكم عالية ووجوهكم مقطّبة ولسان حالكم يقول: انظر هوانَك وعِزَّنا وفقرَك وغنانا، بل إن الإحسان أن تُعطوا من قلوبكم لا من أيديكم وحدها، فيكون المال في اليد، والبسمة على الشفاه، والكلمة الطيبة المواسية على اللسان. إنكم تُرجعون بذلك إلى الفقير كرامته التي أضاعها وإنسانيته التي افتقدها، وتردّون عليه روحه. والروح أثمن من الجسد، والكرامةُ والإنسانية أفضل من أموال الدنيا كلها (١).
* * *
стр. 2179
-١٧١ -
معركة أدبية
كانت نتيجتها دعوى قضائية
بعد سنتين أكون قد أكملت ستين سنة وأنا في الميدان أجاري الفرسان وأقارع الأقران وما ألقيت سلاحي، وما سلاحي إلاّ قلمي ولساني، ولا نزعت لأمتي. بدأتُ من أول يوم أصدرت فيه «رسائل الإصلاح» سنة ١٣٤٨هـ بخوض المعارك الأدبية، ثم استمررت عليها. ما خضت غمارها ولا صَلِيت نارها غراماً بها واطمئناناً إليها، ولكن أُكرِهت عليها. كنت كما كان فارس النعامة حين قال في حرب البسوس: "لم أكن من جُناتها علم الله".
وكان قليل من هذه المعارك لحظّ نفسي ودوافع حب وبغض مني، وأكثرها كان دفاعاً عن الحقّ وذبّاً عن الدين، أرجو أن يُكتب لي ثوابه. وقد جمعت ما قدرت عليه منها (وقد تفرّق وضاع أكثرها) فكان من ذلك كتابٌ أصوله تحت يدي، ربما بلغ أربعمئة صفحة، ولكني لا أنوي نشره.
كان عصرنا عصر معارك أدبية. وقد كنت في ميعة الشباب لمّا كانت معركة طه حسين مع جمهرة كتّاب العرب الكبار من
стр. 2180
أجل كتابه «الشعر الجاهلي»، وحضرتُ بعدها معارك كثيرة كنت أشاهدها ولا أدخل فيها، لأن فرسانها كانوا أكبر مني ولم يكن لي فيها مجال، ثم جاءت معارك كنت أنا طرفاً فيها وكنت أحمل لواء بعضها.
كان أسلوب الكتّاب في هذه المعارك على ضربَين: قليل منهم كان يعرض الفكرة، يبيّن عيوبها ونقائصها ويُقيم الدليل على ما يقوله فيها، وكان أكثره همزاً ولمزاً وهجاء للكاتب وهُزءاً وسخرية به. وكان على هذا الأسلوب كبار الكتّاب كشيخنا الرافعي والأستاذ العقاد، وقد بلغ ذروته (أقصد أنه نزل إلى حضيضه) في كتاب «على السَّفّود»، وفي هذا الكتاب نقد أدبي كثير وفيه حقائق جمّة وفيه فنّ، ولكن هذا كله قد ضاع في غمرة هذا الأسلوب الذي لا أستطيع -على حبي للرافعي- أن أقول إنه أسلوب نظيف أو مقبول. ولكني، مع الأسف، نشأت عليه وبرعت فيه، وإن كنت الآن لا أحبّه ولا أرتضيه.
والمعارك التي خضتُها اضطُررت إليها ولم أختَرْها، ولم يدفعني إليها دافع شخصي لأن أكثر مَن قارعتُه فيها ونازلتُه لم يكن بيني وبينه من صِلات الدنيا ما يستدعي حباً ولا بغضاً. من ذلك أني كنت سنة ١٩٤٧ أُشرف على تحرير مجلّة «الرسالة» بتفويض من أخي الأكبر وأستاذي الزيات رحمة الله عليه، لمرض كان فيه (أو تمارُض كان منه). وكان في «الرسالة» أبواب ثابتة منها باب «الأدب والفنّ في أسبوع»، فنشر محرّره في عدد يوم الاثنين ٣٠ شوال سنة ١٣٦٦هـ خبراً عنوانه «جدل في الجامعة» قال فيه:
стр. 2181
كان الأستاذ محمد أحمد خلف الله، المعيد بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (وكذلك كانت تُسمّى جامعة القاهرة في تلك الأيام) قدّم رسالة للحصول على الدكتوراة موضوعها «القصص في القرآن»، وقد أعدّها بإشراف الأستاذ أمين الخولي ومعاونته، وألِّفت لجنة من الأستاذين الشايب وأحمد أمين للنظر في صلاحية الرسالة للمناقشة. وكتب كل من الأستاذين تقريره عنها، أمّا الأستاذ أحمد أمين فقال بأنها لا تصلح لضعف منهجها العلمي، وأما الأستاذ الشايب فرأى أن فيها ما يمسّ الناحية الدينية لأن صاحبها يقول إن القصص القرآني لم يُراعِ الحقيقة التاريخية وإن المقصود منه غرض فني، فلسنا مُلزَمين بتصديق حقائق هذا القصص وإنما نقدّر فيه الغاية الفنية، ويقول إن هذا القصص مستمَدّ من مصادر أخرى غير عربية كالتوراة والأدب اليوناني والأدب الفارسي، وإن فيه أساطير لا أساس لها ... لذلك رأى الأستاذ الشايب أنه لا يجوز أن تُعرَض رسالة تتضمّن هذه الآراء للمناقشة في لجنة الدكتوراة. وعلم الأستاذ الخولي بفحوى تقرير الأستاذ الشايب فردّ عليه بتقرير قال فيه إنه متضامن مع مقدّم الرسالة في كل حرف منها وإنه لا ينبغي الوقوف أمام حرّية الفكر. وهذه التقارير كلها لدى العميد تنتظر اجتماع مجلس الكلية، وتتحدّث الهيئات الجامعية في هذه المسألة، وأقوَم ما يقال فيها أن الدكتوراة إجازة من إجازات الدولة التي دينها الإسلام، فكيف تُمنح لمن يرى هذه الآراء في القرآن؟
* * *
لم أكن أعلم قبل أن أقرأ هذا الكلام بشيء عن الرسالة ومقدّمها، ولا يجمعني جامعٌ من صداقة أو عداوة أو صلة من
стр. 2182
الصلات الاجتماعية بمقدّم الرسالة وأستاذه المشرف عليها، ولكنني رأيت شيئاً هالني وأثار غضبي لله. وتتبّعتُ الخبر فعلمت أن المسألة أخطر من أن تكون جدلاً في الجامعة، وأنه يومٌ كيوم طه حسين في الشعر الجاهلي. ولكن صاحب هذه الرسالة لم يكن له ذكاء طه حسين ولا اطّلاع طه حسين، وإنما أراد -كما يبدو- أن يبتغي الشهرة من أقرب طرقها.
وكنت أقرأ قبل هذا للأستاذ أمين الخولي فأجد عنده اطّلاعاً، ولكنني أنكر منه أشياء يأباها الإسلام. وهذه خلّة في كثير من المشايخ الذين يسلكون طريق التجديد، لذلك نرى أن جلّ مَن خرجوا عن الجادة وجاؤوا بما يُنكِره الإسلام كانوا في الأصل من المشايخ، ولا أستقصيهم ولكن أمثّل لهم بطه حسين وعلي عبد الرزاق، وبعض مَن انحرف ثم عاد إلى الجادة وصار من أهل الخير والصلاح، وهو يكتب الآن في جريدة «الشرق الأوسط».
فكتبتُ مقالة في العدد الذي يليه (عدد ٧ ذي القعدة ١٣٦٦) عنوانها: «تعليق مختصَر على خبر»، قلت فيها: هذا الخبر الذي جاء فيه أن معيداً في كلية الآداب أعدّ أطروحة (ونحن في الشام نسمي رسالة الدكتوراة «الأطروحة») ينال بها لقب «دكتور»، فلم يجد لها موضوعاً إلاّ القصص في القرآن، ولم يجد فيه إلاّ أنه أساطيرُ الأوّلين وأنه كذب مفترى وأنه مستمَدّ من التوراة ومن أدب فارس ويونان، وأن الأستاذين الأحمدين الفاضلَين حكما بردّ الأطروحة وإسقاطها واختلفا في تعليل الحكم، فكانت العلّة عند الأستاذ الأمين الجهل وعند الأستاذ الشايب الكفر، وعندنا أنهما معاً، لأن هذا لا يجيء إلاّ من ذاك.
стр. 2183
وفي الخبر أن الذي أشرف على إعداد الأطروحة وأعان عليها شيخٌ بعمامة بيضاء من أساتذة الكلية، وأن هذا الشيخ عزّ عليه إسقاط الأطروحة فغضب (والغضب لله وللحقّ من الفضائل!) وقال إنه متضامن مع مقدّم الرسالة في كل حرف منها وإنه لا ينبغي الوقوف أمام حرّية الفكر.
ولو انتهت القصّة عند ردّ الأحمدَين ولم يكن صاحب الأطروحة مدرّساً، ولم يُدخِل نفسه فيها هذا الشيخ لينصر الكفرَ ويدفع عن الإلحاد ويؤيّد الجهل، لقلنا: شابّ تعجّل الشهرة قبل أوانها ورأى طريق العلم والتحقيق طويلاً فسلك طريق جهنّم وأراد اجتياز الصراط فسقط، وسكتنا ومرّت الحادثة كما مرّت أحداثٌ أمثالها وشرّ منها ظنّ مُحدِثوها أنهم هدموا الإسلام ونسفوه نسفاً وصرفوا عنه الناس صرفاً، والإسلامُ لم يشعر بها ولم يحسّ بوقعها ولم يزدَد عليها إلاّ قوّة وانتشاراً. ولكن دخول هذا الشيخ في المجادلة على صدق القرآن وكذبه، وكون طالب الأطروحة موظفاً رسمياً ومعيداً في الكلية، أمر لا يُسكَت عنه.
وهذا الذي نقوله اليوم أول الغيث.
مقالنا اليوم تذكير لهذا الشيخ بأنه ليس من أصحاب العقول الكبيرة والبحث العلمي ليزعم أنه يكفر إذا كفر عن بيّنة، وما له إلاّ أنه رأى أديباً زلّ من عشرين سنة (المقصود طه حسين)، وأي أديب لا يزلّ؟ فقال كلاماً مثل هذا الكلام فملأ اسمه الدنيا وشغل الناس، فأحبّ أن يكون مثله، وشتّان ما بين الرجلين.
وإلاّ فهل ثبت له بعد البحث والتحقيق أن قصص القرآن
стр. 2184
مأخوذ من التوراة ومن الأدب الفارسي واليوناني وأن فيه أساطير لا أساس لها؟ وهل وقعَت له النسخة المخطوطة بخطّ مؤلف القرآن الذي هو الله -إذا كان فضيلة الشيخ لا يزال يعتقد أن القرآن من عند الله- فعضّ عليها بالنواجذ ليفضح المؤلّف ويكشف عن سرقاته ويشفي غيظه منه؟ أستغفر الله كثيراً، وتعالى عمّا يقوله الكافرون علواً كبيراً.
ولتدع الكلام في الدين ما دمتَ -يا مولانا الشيخ- تحسب أن الخروج عليه مدنية وتقدُّم وأن الأخذ به رجعية وتأخُّر، وأنك أعلنت الكفر وجهرت به واخترته والعياذ بالله لنفسك، ولنأخذ هذا العلم والمنطق والتاريخ. فهل في العلم والتاريخ شيء يؤيّد ما جاء في الخبر أن الأطروحة اشتملت عليه وما أعلنتَ أنك مع المؤلف في كل حرف منه؟ وبأي دليل من أدلّة العلم، وفي أي كتاب من كتب التاريخ ثبت لك ولصاحب الأطروحة أن الله قد قبس قرآنه من أدب فارس ويونان ومن هذه الأساطير؟ أستغفر الله، وتعالى عمّا يقول الكافرون علوّاً كبيراً.
وإذا لم يكن القرآن كتابَ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا من جهة فارس ولا من جهة يونان، وكان من تصنيف محمد، وكان قد اقتبسه من آداب الأمم ومن أساطيرها، فكيف خفي ذلك على أسلافك من أنصار حرّية الفكر، أعني حرّية الكفر، من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة وكل عدوّ للإسلام خصيم للقرآن، فلم يؤلّف فيه أحد ولم يُثبِته، حتى جاء تلميذك هذا فكتبه لتكافئه الدولة على كفره بدينها الرسمي وطعنه بقرآنها بإعطائه شهادة الدكتوراة، وتسليمه أبناءَ المسلمين
стр. 2185
ليلقّنهم هذه الآراء على أنها علم وفضل، وأن الذي لا يحفظها ويُعيدها يوم الامتحان يرسب في صفّه إن طفا الطلاّب (طفا ضد رسب)؟
وحرّية الفكر ... ما حرّية الفكر يا هذا؟ كيف تفهمها؟ أكلما طاف برأسك طائف من هوى أثبتّه على الورق وخرجت به مزهوّاً على الناس، وقلتَ هذه حرية الفكر؟ أما إنه ليجيء في فكري أنا الآن كلام عنك، لولا أني لم أعرض هذه المقالة على الأستاذ الزيات وأني أخاف أن يغضب إن حططتُ بثقلي عليك لقلته، فما تركتك تستطيع أن تمشي في الجامعة أو تتراءى للطلاب. فارتقبه، فكل شيء له أوان، وما أنت بمعجز الله في الجامعة وقد أهلك فرعون وهامان وأبا جهل.
وما لك تكره أن أسبك بعلم وتسبّ أنت الله عَدْواً بغير علم؟ ولا تحبّ أن أقول في كتابك الذي ألّفتَه كلمة الحق وتقول أنت في كتاب الله كلمة الباطل؟ وما لك لا تجرؤ أن تقول لواحد من هؤلاء الكتّاب أخرجَ كتاباً تلقّاه الناس بالقبول: إنك تكذب، وتنسب الكذب إلى الله المنتقم الجبّار؟ أغرّك -ويلك- حلمه عنك وأنه مدّ لك حتى صرت تُعطي الدكتوراة وأنت لم تأخذها، وتمنح العلم وأنت لا تملكه، وتؤلّف في البلاغة وما أنت منها في شيء، ولا أُثر عنك بيان غطّى على بيان الجاحظ وأبي حيان ولا الرافعي والزيات، ولا أنت صاحب شعر ولا نثر، وقصارى أمرك أنك أُدخِلتَ على طلاب لا يفهمون من البلاغة شيئاً فمَخْرَقتَ عليهم وزعمت لهم أنك إمامها وأنك مؤذّنها وخطيبها وأنك بوّاب جامعها، ورأيتَ أنهم صدّقوا قولك فادّعيت أنك باني
стр. 2186
مسجدها ورافع منارتها؟ ولو أنت ادّعيت النبوّة فيهم ما وجدت منهم من يكذّبك أو يكفر بك ما داموا يأخذون منك الدرجات في الامتحان، ثم يخرجون كما دخلوا، لا أنت علّمتهم ولا هم تعلّموا منك.
وكيف يتعلّمون وقد جعلتَ دروس البلاغة عيّاً والفصاحة عامّية، وكانت دروسك ذلك الخزي الذي نشره في «الرسالة» الأستاذُ علي العماري فكان تسلية لقرّاء «الرسالة» وفكاهة، ضحكوا عليك به شهراً؟ لقد كان كفراً مبتكَراً منك حين زعمتَ في تلك الدروس أن الله قال لمحمد: «يا أخي»، فكيف قعدَت بك القريحة اليوم فلم تأتِ إلاّ بكفر عتيق قيل في مصر من عشرين سنة، وقيل في مكّة قبل الهجرة، فكان سخرية الأولين والآخرين؟ ولقد بعثتَ يومئذ مَن يدافع عنك في «الرسالة»، فلم يبلغ به دينه وأدبه مع الله ولا علمه ولا بلاغته ولا معرفته بتصريف الكلام إلاّ أن يحتجّ على جواز زعمك أن الله قال لمحمد «يا أخي» بقول الحمّار لحماره «يا أخي»، ولم أردّ عليه لأني لم أكن أعرف قبل أن أسمع ردّه هذا شيئاً من لغة الحمير والحمّارين ولا قواعد المناظرة في لغاتهم.
وبعد، فما أريد اليوم الردّ على هذين الرجلين ولا تأديبهما؛ إنما أردتُ تنبيه رجال المعارف في المملكة (كانت جمهورية مصر مملكة) التي دينها الرسميّ الإسلام وعميد الكلية فيها العربي المسلم الذي اسمه الدكتور عبد الوهاب عزّام، إلى هذين المدرّسَين يُعلِنان الكفر بالله، والطعن في القرآن، والإهانة لكل مسلم يرى في مصر دار الأزهر ومثابة العلم، وهما يأخذان
стр. 2187
أموال الأمّة ليلقّنا أبناء مصر وأبناء الشام والعراق والحجاز واليمن والمغرب وكل بلد يبعث بأبنائه إلى هذه الجامعة مثلَ هذه الكُفريّات التي يعتقدانها، ويكتبانها ويُصرّان عليها ولا يخافان فيها الله ولا الحكومة، ولا العلماء ولا العامّة.
وأنا أرقب ما تصنع وزارة الأوقاف وما يصنع الأزهر وعلماؤه، لأستخير الله فيما أصنع أنا بعدُ، وما يصنعه هذا القلم الضعيفُ في نفسه القويُّ بالله وبدينه وبقرآنه. وما بسيفي أضرب، ولكن بسيف محمد.
* * *
أنا أخجل أن أقول (وإن كان الذي أقوله حقيقة يعرفها كل من عاش في مصر في تلك الأيام وكان يهتمّ بالأدب والأدباء) أخجل أن أقول إن هذه المقالة كان لها دويّ عظيم وأثر بالغ، حتى إن الناس كانوا يفتّشون على عدد «الرسالة» ويدفع طالبه فيه عشرة أضعاف ثمنه فلا يلقاه. وقد تبيّن للناس أن أهل مصر تنطوي قلوبهم على الإسلام وأنهم يغضبون لله ولرسوله، ولا سيما في جامع الأزهر، في مدرّسيه وتلاميذه.
وصدر عدد «الرسالة» يوم ١٤ ذي القعدة ١٣٦٦ وفيه مقالة للأستاذ علي العمّاري يعلّق فيها على مقالة لي عنوانها «مستقبل الأدب» تناولتُ فيها بشيء من الحسرة والألم ضَعف الطلاّب في العربية، والمقالة تتصل بهذا الموضوع. ثم كتب الأستاذ خلف الله نفسه مقالة أرادها دفاعاً عن نفسه فجاءت توريطاً لها وجاءت ذنباً جديداً يؤاخَذ عليه، وردّ عليه مشرف فصل «الأدب والفنّ في
стр. 2188
أسبوع» في عدد ٢١ ذي القعدة. وسعيت حتى وصلت إلى نص التقرير الذي قرّره الأستاذ أحمد أمين في رسالة القصص الفني في القرآن فنشرتُه في «الرسالة»، وهو:
حضرة صاحب العزّة عميد كلية الآداب، تحيّة واحتراماً.
قرأتُ الرسالة المقدَّمة من محمد أفندي خلف الله لنيل الدكتوراة وموضوعها «الفنّ القصصي في القرآن»، والتي تفضّلتم فأحلتموها عليّ لقراءتها وإبداء الرأي فيها. وقد وجدتُها رسالة ليست عاديّة بل هي رسالة خطيرة، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفنّ من خلق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ والواقع، وأن محمداً فنان بهذا المعنى. وعلى هذا الأساس كُتِبت كل الرسالة من أولها إلى آخرها. وأرى أن من الواجب أن أسوق بعض الأمثلة التي توضّح مرامي كاتب الرسالة وكيفية بنائها.
يرى أن القصّة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي وإنما تتجه كما يتجه الأدب في تصوير الحادثة تصويراً فنياً، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد مثل أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم أو لامرأته. بل قد تكون القصّة مخلوقة مثل ﴿إذْ قالَ اللهُ يا عيسى بنَ مريمَ أأنتَ قُلتَ للنّاس﴾ ... (الصفحة ١٤ وما بعدها)، الإجابة على هذه الأسئلة التي كان يوجّهها المشركون للنبي ‘ ليست تاريخية ولا واقعية، وإنما هي تصوير لواقع نفسي عن أحداث مضَت أو أغرقَت في القدم، سواء كان ذلك الواقع النفسي متفقاً مع الحقّ والواقع أم مخالفاً له (ص ٢٨)، والقرآن
стр. 2189
يقرّر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لمّا تقدّم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئاً (ص ٢٩) والمفسّرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجدّ (ص ٣٠)، إلخ.
وقد سرد الأستاذ أحمد أمين نماذج من هذه الرسالة كلها تفصّل هذا الإجمال الذي أجمله، وتنفي الصدق والأمانة عن القصص القرآني.
وعاد صاحب الأطروحة فكتب في «الرسالة» (عدد ٢٨ ذي القعدة ١٣٦٦) مقالاً يؤكّد فيه ما ذهب إليه وما قاله في أطروحته، فعلّقتُ عليها في باب البريد الأدبي من هذا العدد بكلمة عنوانها: «إلى خلف الله العامري» وقلت في الحاشية: واسمه الربيع الذي قال فيه الشاعر:
شهِدتُ بأنَّ اللهَ حقٌّ تُقاؤُهُ ... وأنّ الربيعَ العامريَّ رقيعُ
ووضعتُ مكان كلمة «رقيع» كلمة «فهيم»، قلت فيها:
يا «أستاذ ... !»، لقد أغمدتُ سيفي ولويت وجهي عن الميدان، لأنك أصبحتَ أعزّ عليّ من أن أجرّد في وجهك سيفاً أو أثير عليك حرباً، وكيف وأنت رجل خيّر فاضل «لستَ منَ الشرِّ في شيءٍ وإنْ هانا»، وأنت تُنصِف من نفسك وتنال منها ما لا يناله منك الخصم العنيد، وتكتب عنها بقلمك ما لا يكتبه العدوّ اللدود. وقد تعلمتُ منك أشياء كنت أجهلها.
تعلّمت منك كيف يكون العذر أقبح من الذنب حين قرأتُ لك ما كتبتَ تعتذر له من ذنبك، وتعلّمت كيف يفهم بعض
стр. 2190
«العلماء!» من الكلام ما لا تدلّ عليه ألفاظه ولا يفيده نَظْمه ولا يمكن أن يخطر على بال كاتبه، وكيف تبلغ الفطنة (...) ببعض «الأذكياء» أن يريد أحدهم الشيء فينطق بضدّه ويعمد إلى تبرئة نفسه فيوبقها.
قلتَ، فضّ الله فمك: "والآن نستطيع أن ننتقل إلى الجوّ القرآني لنبحث ما في قصصه من أشياء تاريخية. وقبل البدء ننظر في اعتراض قد يُستثار، ذلك أن ما قرّرناه من صلة بين التاريخ والقصّة يعتمد على ظاهرات في القصص لُوحظَت حديثاً وقُرّرت على أنها بعض التقاليد الأدبية. الملاحظات للظواهر وهذه المقررات للتقاليد. على أنها لو كانت قديمة لا تلزم القرآن في شيء، إذ لكل قاصّ مذهبه وطريقته ولكل خالق حريته في الخلق والابتكار، ولن يقرّر ما في القرآن من قيم إلاّ واقعٌ أدبي التزمه القرآن نفسه، أو على أقلّ تقدير حرص عليه. وهو قول له وجاهته فيما نعتقد، ثم هو يُلزِمنا أن نبحث طريقة القرآن من واقعه العملي".
انتهى بنصّه وفصّه وألفاظه وحروفه. وأحلف لقد قرأته خمس مرات متتاليات فلم أفهم المراد منه، لأنه أرفع من أن يصل إليه فهمي أو يطوله علمي! ولقد كنا في الكفر بالدين وحده فصرنا الآن في الكفر بالدين والكفر بالعربية! أفبمثل هذا الأسلوب تريد أن تكتب عن القرآن؟ أم هذه هي البلاغة الجديدة التي هبط بها الروح «الأمين» على قلب أستاذك نبي البيان في آخر الزمان؟
هذا كلامك لا يفهمه الناس، فهل تفهم أنت كلامهم؟ لنرَه:
стр. 2191
نقلت من تفسير «المنار» قولَه إن الله أنزل القرآن هدى وموعظة وجعل قصص الرسل فيه عبرة وتذكرة، لا تاريخ شعوب ومدائن ولا تحقيق وقائع ومواقع. فلم تفهم من ذلك إلاّ أن القرآن ليس بكتاب تاريخ، وإذا كان يروي أخبار الماضين ولم يكن تاريخاً فما هو إلاّ قصّة كقصص إسكندر دوماس وتوفيق الحكيم، ودوماس لا يؤخذ من قصصه التاريخ لأنه لم يكتبها له ولم يحرص فيها على حقائق، فقصص القرآن كذلك.
أرأيت؟ فلماذا تُتعِب نفسك فيما لم تُخلَق له؟ وهل تظنّ أنك تفهم كلام الله وأنت لم تفهم كلام عبدِه (أي الشيخ محمد عبده)؟
ثم قلت: "على أن هذه المسألة (أي مسألة كون قصص القرآن صحيحاً أو أسطورة) قديمة، ومن أجلها عدّ الأصوليون القصص القرآني من المتشابه. وقد نتج عن ذلك طريقتان في التفسير: طريقة السلف وطريقة الخلف. أمّا الأولون فيذهبون إلى أن كل ما ورد في القصص القرآني من أحداث قد وقعت، وأما الآخرون فلا يلتزمون هذا (أي لا يقولون أن كل ما ورد في القصص القرآني قد وقع) وعلى طريقتهم جرى الأستاذ الإمام".
مسكين أنت يا أيها الأستاذ الإمام! لقد صرتَ عند هذا العامري إماماً في تكذيب القرآن وفي الكفر بالرحمن. ومساكين أنتم أيها الأصوليون.
وكل شيء إلاّ الأصول من فضلك! ما لك وللأصول؟ ولماذا تهرف بما لا تعرف حتى تُطلِق الألسنة بغيبتك؟ ومن قال
стр. 2192
لك إن الأصوليين يَعُدّون القصص من المتشابه؟ وهبهم قالوه، أفتدري أنت ما المتشابه؟ وفي أي كتاب رأيت هذا؟ ومن أي عالِم سمعته؟ أما كان خيراً لك لو اشتغلت فيما تُحسِن وتركتَ لغيرك التدليل على أن قصص القرآن أساطير كأساطير هوميروس وروايات كروايات دوماس، ما دام غرضك -كما تقول- غرضاً دينياً، وهو تخليص القرآن من مطاعن الملاحدة والمستشرقين؟
لا والله ما غرضك إلاّ الشهرة، ولن أكون عوناً لك عليها بعد اليوم.
* * *
وامتدّت القضية حتى انتقلت إلى جبهة علماء الأزهر، التي رفعَت مذكرة إلى الملك ورجال دولته وقّع عليها رئيس الجبهة الشيخ محمد الشربيني والأمين العامّ لها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني. وقد جاء فيها أنه مضى على نشر نبأ هذه الرسالة وقت يسمح بتكذيبه لو كان كاذباً، لكن أحداً لم يكذّبه، لا المؤلف ولا المشرف عليه ولا عمادة كلية الآداب التي جاء في الخبر أنها تنتظر حتى ينعقد مجلس الكلية. وذلك يدلّنا على أن الأمر خطير يجب الإسراع بعلاجه، لأنه وباء جديد أشدّ فتكاً وأفزع فتكاً من وباء الكوليرا في هذه الأيام ... (إلى أن قال): وقد أرسل مقدّم الرسالة إلى صحيفة «الإخوان المسلمون» يقول إنه مستعدّ لأن يُشعِل النار بيديه في رسالته على مشهد من الأساتذة والطلاّب إن ثبت أن فيها ما يخالف الدين الذي استمدّت أصوله من القرآن، إلخ.
وأرسل السكرتير العامّ للجامع الأزهر والمعاهد الدينية كتاباً
стр. 2193
رسمياً إلى سعادة عميد كلية الآداب يسأل فيه عما تم في مسألة رسالة القصص الفني في القرآن، ويقول فيه: وإنه ليهمّني أن أقف على حقيقة هذا الموضوع، لأن من أخطر الأمور أن تتعرض قداسة القرآن وكرامة العقائد لمثل هذه التخرصات.
وكتب الأستاذ عبد الرحمن بدوي مقالات قيّمة في هذا الموضوع منشورة في «الرسالة»، وكتب غيره كثير. ثم كتبتُ بعنوان «الكلمة الأخيرة» في «الرسالة» (عدد ٣٠ ذي الحجة ١٣٦٦)، وهذه هي الكلمة:
كتب سكرتير الأزهر إلى عميد كلية الآداب الدكتور عزام يسأله عن حقيقة ما قيل عن رسالة القصص الفني في القرآن، فأجاب العميد بكتاب نُشر في الصحف وأذيع في الناس قال فيه: وحقيقة الأمر أن طالباً قدّم رسالة عن القصص الفني في القرآن لينال درجة دكتور، ردّتها لجنة الفحص، فهي رسالة بين طالب وأساتذته عرض عليهم رأيه فعرّفوه خطأه ... (إلى أن قال): وكاتب الرسالة -فيما أعرف عنه وكما يبدو من كتابته- شابّ مسلم قصد أن يدفع عن القرآن بعض شُبَه الملاحدة أو رجال الأديان الأخرى، فجاز رأيه عن القصد وحاد به اجتهاده عن سواء السبيل ... (إلى أن قال): وأرى الأمر لا يعدو أن يكون غلطة تلميذ اجتهد وأحسن النية، فرُدّ عليه رأيه ولم يؤذَن له أن ينشر هذا الرأي أو يتقدّم بهذا الكتاب إلى الامتحان.
قلت: جزى الله صديقنا الجليل الدكتور عزام خيراً، فقد هوّن الخطب علينا حين عرفنا أن صاحب الرسالة ليس إلاّ تلميذاً
стр. 2194
مخطئاً، وكنا سمعنا من قبل أنه مدرّس في الكلية، فكبر علينا أن يكون في الجامعة التي نرسل إليها أبناءنا، يقطعون البرّ والبحر ليَرِدوا مَعين علمها، مدرّس غاية جهده مثل هذه الرسالة.
ولكني أريد أن أسأل الدكتور عن قوله: "وكاتب الرسالة فيما أعرف عنه وكما يبدو من كتابته شابّ مسلم". هل قرأ كتابته في رسالته فرآه يبدو منها شاباً مسلماً؟ أمّا أنا فقد قرأت الرسالة، وصلَت إليّ كما وصل إليّ تقرير الأستاذ أحمد أمين الذي نشرتُه في «الرسالة» ونقلتُ منها صفحات بحروفها. وأنا أؤكد القول أن ما نقلته منها لو قاله معتقِداً به أبو بكر وعمر لكفر به أبو بكر وعمر وصارا به أبا لهب وأبا جهل. وأنا قاضٍ شرعي أدري إذا تكلّمتُ عن الكفر والإيمان ماذا أقول وأُثبِته بالدلائل وأؤيّده بالنصوص، وأناظر فيه من شاء من أهل العلم أن يناظرني، لست كالأستاذ توفيق الحكيم الذي لبس الجبّة فجأة ولاث العمامة وتصدّر للفتوى في «أخبار اليوم» وما هو منها في شيء.
ثم قلت ما خلاصته إني سألت الشيخين الجليلَين عبدالمجيد سليم ومحمود شلتوت عن صحّة ما نُسب إليهما في «أخبار اليوم» عن تبرئة الرسالة وصاحبها من الكفر فبيّنا لي أن ما نُشر عنهما غير صحيح، وقال الشيخ الأكبر الشيخ عبد المجيد إن الأقوال التي عزاها الأستاذ أحمد أمين في تقريره عن الرسالة كفر وإنّ معتقدها كافر، وأذن لي أن أنشر ذلك.
* * *
والقصة طويلة جداً، وقد اشتركَت فيها أقلام كثيرة وملأت
стр. 2195
أعداداً متتالية من «الرسالة» تكاد تعدل ربع أعداد سنة سبع وأربعين. ثم انتهى الأمر أمام المحكمة، إذ رفعه إليها الشيخ أمين الخولي مشتكياً مني مدّعياً عليّ.
وجئتُ فوجدت على باب المحكمة محامياً ينتظرني، بعث به إليّ الصديق الجليل مرشد الجيل، الشيخ حسن البنا رحمة الله عليه. فشكرت المحامي وقلت له: أنا قاضٍ وعملي في المحكمة، وأستطيع أن أدافع عن نفسي، فلك الشكر وللأستاذ البنا جزاكما الله خيراً.
وكانت ثلاث جلسات ازدحم عليها الناس كما يزدحمون على مسرحية من المسرحيات، ذلك أنها تحوّلَت إلى مثل «المِرْبَد» في البصرة الذي كان يجتمع فيه الشعراء يتهاجون. والشيخ أمين الخولي واسع الاطلاع كثير المحفوظ يعرف من أين يهجم على خصمه، وأنا -ولا فخر- لا أقِلّ عنه حفظاً وطول لسان واستحضاراً للشواهد والأمثال ... فلم تكن محاكمة ولكن كانت سوقاً أدبية، فيها أشعار تُلقى ونوادر وأمثال. وكان الناس يضحكون فيكفّهم القاضي وهو يستر وجهه بيديه، لأنه لا يملك أن يمسك ضحكه! وانتهت كما ينتهي أمثالها بأن ألزمني الحاكم بأن أنشر بياناً أُصلِح به ما أفسدت وأبرّئ به الشيخ ممّا اتهمتُه به، فكتبت في «الرسالة» (عدد ٦ ذي الحجة ١٣٦٦) هذه الكلمة وعنوانها «بيان»، قلت فيها:
"قد يكره الكاتب رجلاً فيستغلّ المناسبات لهجوه والتسميع به، وقد يُنكِر الكاتب رأياً فيكتب في ردّه وينال بالضرورة من
стр. 2196
صاحبه؛ أي أن من النقد ما يُراد به هجاء شخص بعينه، ومنه ما يراد به رفع فرية في العلم وردّ أذىً عن الناس.
وأنا ما كتبت الذي كتبته لأنال من الشيخ أمين الخولي، الأستاذ في كلية الآداب، وما بيني وبينه صلة ولا معرفة ولم أرَ وجهه إلاّ مرّة واحدة منذ أسبوع، فلا يُعقل أن يكون قصدي تحقيره هو بذاته أو ذمّه والقدح به، فإذا فهم أحدٌ من الذي كتبتُه أنني أرمي إلى هذا فأرجو أن يصحّح فهمه، وأن يعلم أني لا أبخس عالِماً قدرَه ولا أجحد فاضلاً فضله.
ولكن قصدي ممّا كتبت الدفاع عن الدين والعلم، قد وقفتُ على هذا قلمي ولساني. وإن كان في الدنيا مَن يخطر على باله أنه يستطيع أن يكفّني عنه أو يمنعني منه، بشكوى أو بدعوى أو بترغيب أو بترهيب أو باستبراء أو بعِداء، فإنه يمنّي نفسَه المُحال".
وهكذا انتهت إحدى المعارك الأدبية التي خضتها في حياتي من أربعين سنة كاملة، وما كان أكثرها.
* * *
стр. 2197
-١٧٢ -
أندونيسيا والإسلام
هذه الحلقة ليست من صلب الذكريات، ولكنها تجيء معها تأتي على هامشها، ولعلها أنفع للقرّاء وأجدى عليهم ممّا أسرده من ذكرياتي. أكتبها جواباً على أسئلة وردت عليّ لمّا قرأ الناس وصفي لأندونيسيا، أسئلة يقول مرسلوها: متى دخل الإسلام إلى أندونيسيا وما تاريخه فيها؟ وأنا أقول لكم الحقّ: لقد عشت ما عشت من عمري قبل أن أذهب إلى أندونيسيا وأنا لا أعرف شيئاً عن ذلك، لأن المستعمرين أوقعوا الفرقة بيننا حتى صار مَن في شرقيّ الأرض من المسلمين لا يكاد يعرف عمّن في غربيّها، والواجب عليهم أن يكونوا أسرة واحدة، إخوة متعارفين.
ولقد جاءني مثل هذا السؤال لما عُدت من أندونيسيا، فأجبت عليه من إذاعة دمشق في حديث أذيعَ قبل أكثر من ثلاثين سنة. ولقد كنت أكتب يومئذ أحاديثي في الإذاعة فصرتُ ألقيها في الإذاعة وفي الرائي ارتجالاً، لا أُعدّها ولا أكتبها. قلت في مطلع ذلك الحديث (١):
стр. 2198
أحبّ اليوم أن تُولُوني المزيد من انتباهكم، فإن هذا الحديث صعب. حاولتُ أن ألخّص فيه حوادث ثلاثمئة سنة في خمس عشرة دقيقة، فما تسمعونه مني في الدقيقة الواحدة صرّم الدهرُ في تأليفه عشرين سنة.
ولئن كان صعباً عليكم سماعه وتتبُّعه لقد كانت كتابته أصعبَ عليّ، لأني قرأت أكثر من ألف صفحة وسألت رجالاً كثيرين في تلك البلاد حتى قدرت على كتابة هذه الصفحات العشر. لا أقولها منّاً عليكم، فلكم المنّة إن استمعتم أمثال هذا الحديث وتركتم ما يُطرِب ويسلّي ممّا تذيع الروادّ، ولكن لتعرفوا قدر ما بذلته فيه.
هذا الحديث عن دخول الإسلام ودخول الاستعمار إلى أندونيسيا، يتلوه حديثان من جنسه: حديث عن جهاد الأندونيسيين واستقلالهم، وحديث عن الأحزاب والجمعيات في أندونيسيا. على أني لا أستطيع أن أعرض عليكم من هذا كله إلاّ إشارات، لأن التفصيل في الكلام عن أندونيسيا يحتاج إلى كرسي مستقلّ في الجامعة وسنة كاملة ينقطع إليه فيها المدرّس والطلاّب.
ويا ليت الجامعات في البلاد الإسلامية تجعل من موادّها تدريس اللسان الأندونيسي الذي يتكلم به أكثر من مئة وخمسين مليوناً من المسلمين في أندونيسيا وفي الملايا (ماليزيا)، واللسان الأردي الذي يتكلم به أكثر من ثمانمئة مليون في الباكستان والهند منهم مئة وخمسون مليوناً من المسلمين.
وبعد، فكيف دخل الإسلام إلى هذه الجزر النائية حتى صار منها اليوم أكبرُ دولة إسلامية في الدنيا، وأكثرها ناساً، وأغناها
стр. 2199
أرضاً؟ من أين وصل الإسلام إليها؟ ومتى دخلها؟ وكيف انتشر فيها؟ ما كنت أعرف ذلك ولا عرفت من يعرفه، ولقد نظرت في الكتب التي وصلَت إليها يدي فلم أجد فيها عن ذلك الخبر اليقين.
ولمّا كنت في أندونيسيا عرضت على الدكتور سوبارجو، مستشار الخارجية الذي كان وزيرها سابقاً، أن يُمدّني بالمصادر الكافية للكتابة عن أندونيسيا، فنسي أن يفعل. وسألت السفارة الأندونيسية في مصر فلم تُجِب، مع أن هذه الدعاية التي قمت بها مجاناً من إذاعة دمشق قبل ثلاثين سنة وفي «الشرق الأوسط» اليوم تُشترى عادة بالأموال الطائلة، ولا أدري ما حُجّة القوم في هذا الإعراض.
أقدم نصّ عربي وجدته هو ما كتبه الرحّالة المغربي ابن بطوطة، فقد وصل إلى سومطرة وسمّاها جاوة، جاءها من الهند بعد رحلة في البحر استمرّت أربعين يوماً. ويظهر أن اسم «جاوة» كان يُطلَق على مجموعة من الجزر، لأنه بعد أن تبيّن أنه وصل إلى جاوة صرّح بأن اسم المدينة التي دخلها سومطرة، ويبدو من كلامه أنها كانت في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (أي نحو سنة ١٣٥٠ ميلادية) عريقة في الإسلام؛ فالملك مسلم اسمه السلطان الملك الظاهر، وهو شافعيّ المذهب متفقّه، والعلماء كثيرون، والشعائر الإسلامية مُعلَنة، واللسان العربي منتشر ومفهوم، والشعب كله شافعي المذهب مقيم للصلاة متمسّك بالإسلام.
стр. 2200
وقد وصف -على عادته- كيف قابل الملك ووصف ثياب القوم وأنها هذا الإزار (الفوطة) التي نراها اليوم، ووصف العادات والمُواضَعات وأنواع النبات، ولكنه لم يذكر شيئاً عن جغرافية البلاد وتاريخها واسم هذه المملكة وحدودها وصِلاتها بجيرانها.
والذي يغلب على ظني أن الإسلام قد دخل إلى هذه الجزائر قبل أن يصل إليها ابن بطوطة بأكثر من قرن ونصف القرن، حمله إليها التجّار المسلمون من طريقَين: من بلاد العرب، ولا سيما من حضرموت (والحضارمة فينيقيّو العصور الحديثة، يضربون في كل لُجّ ويخوضون كل بحر ويوغلون في البلاد، ولا تزال جالياتهم تملأ أندونيسيا والملايا، أي ماليزيا)، ومن بلاد الهند، ولا سيما من كُجُرات على الشاطئ الغربي.
بدأ الناس في شمالي سومطرة يدخلون في الإسلام أفراداً، ثم صاروا يدخلون فيه أفواجاً، ثم ألّفوا حكومة قوية هي مملكة أبتشيه التي زارها ابن بطوطة، والتي لبثَت تجاهد المستعمرين البرتغاليين أولاً ثم الهولنديين حتى قُضي عليها سنة ١٩٠٤، أي بعد زيارة ابن بطوطة بأكثر من خمسمئة وخمسين سنة.
واستمرّ هؤلاء التجار يحملون مبادئ الإسلام مع سلعهم وبضائعهم إلى كل مكان يصلون إليه، ثم قفزوا به قفزة واحدة من سومطرة إلى شرق جاوة، وكان الفضل في هذه النقلة لرجل اسمه إبراهيم (وقد مرّ الكلام عنه في هذه الذكريات لمّا زرت قرية كاراشيك) ومنها دخل سورابايا، ثم امتدّ إلى أطراف جزيرة جاوة؛ أي أنه مشى من الطرف البعيد عنّا إلى الطرف القريب منّا.
стр. 2201
إن الإسلام كالنبع الصافي؛ كلّما ابتعدتَ عنه مياهه تعكّرَت وتلوّثَت، وقد وصل الإسلام إلى هذه الديار بعد أن ابتعد عن النبع، ابتعد في الزمان وفي المكان، وقد حمله تجّار لم يكونوا قطّ علماء منقطعين إلى العلم ولم يكونوا دُعاة متفرّغين للدعوة، ولم يكن همّهم نشر الإسلام إنّما كان همّهم الكسب والتجارة، ومع ذلك فقد انتشر الإسلام على أيديهم مثل انتشار النار في أكوام القش أو انتشار النور بين طيّات الظلام، حتى عمّ هذه الجزرَ فصار فيها اليوم أكثر من مئة وخمسين مليون مسلم، كانوا -لولا ما حاق بهم- من أكثر المسلمين حماسة للإسلام وحباً له وإقبالاً عليه، ولو كان علمهم بحقائقه كممارستهم له لكانوا خيار مسلمي الأرض.
وكان من دواعي انتشار الإسلام إقبال هؤلاء التجّار على الزواج بالجاويّات. وهُنّ من أحلى النساء حلاوة وإن لم يكنّ من أجملهن جمالاً، حلوات كعرائس المولد في مصر التي تُصنَع من السكّر الهشّ الطري! لا تكاد تعمل فيهن الأيام، وهُن ذوات رقّة وطاعة للزوج وإخلاص للعشير، فوُلد من هذا الزواج جيل جديد ما عرف إلاّ الإسلام لأنه وُلد فيه ونشأ عليه، جيل يجمع مزايا الأبوين وسجايا الجنسين، هؤلاء التجّار المغامرين والنساء من أهل البلاد.
وفي سنة ١٤٥٠ ميلادية كان حادث غريب؛ فقد أحبّ الملك كرتا ويجايا، ملك جاوة الوسطى، الأميرةَ المسلمة أتشمبا، وسألها الزواج فأبَت حتى يُسلِم، فأسلم. وكان إسلامه فاتحة عهد جديد انتشر فيه الإسلام في جاوة الوسطى، ونشأت
стр. 2202
إمارات إسلامية صغيرة، ثم اتحدت سنة ١٥١١ وأعلنت الانفصال عن إمبراطورية ماجافاهيت، وتوالى عليها الملوك حتى جاء الملك فاني أونس القائد البارع، فقضى على هذه الإمبراطورية العظيمة سنة ١٥٢٦ ميلادية.
وفي السنة التي أسلم فيها ذلك الملك ليتزوج بالأميرة المسلمة نزل البرتغاليون تلك الجزر. جاؤوا تجاراً مُحاسنين، ثم طمعوا في البلاد فتدخّلوا في سياستها، ثم عمدوا إلى المخاشنة بعد المحاسنة. وبدأ عصر الجهاد، وكانت مملكة أبتشيه في قوّتها وعظمتها فلم تدعهم ينالون إلاّ أطراف السواحل والجزائر المُفرَدة البعيدة.
ووصل الإسلام إلى جاوة الغربية التي فيها جاكرتا، وانتشر فيها وعمّ أهلَها. وأقام السلطان حسن مملكة بنتام الإسلامية، فصار في سومطرة وجاوة أربع دول مسلمة: أبتشيه في شمال سومطرة، وكراتشيه في شرق جاوة، ومَتارام في وسطها، وبنتام في غربها. وقامت بعد ذلك عشرات من الإمارات المسلمة في هذه الجزر المتباعدة التي يُعَدّ المسكون منها ثلاثة آلاف جزيرة.
وما زال الإسلام يمشي إلى أطراف البلاد بلا دعوة داعٍ ولا سيف مجاهد، يمشي على قدميه بقوّته ومزاياه لا يحمله أحد، حتى قامت حكومة متارام، فنشرت راية الجهاد وسلّت السيف وأرادت نشر الإسلام في أطراف البلاد التي لم يكن وصل إليها، فكانت حروب متصلة وغزوات.
ولم يكَد ينصرم القرن السادس عشر الميلادي حتى صارت
стр. 2203
جاوة كلها مسلمة. بعد ذلك التاريخ -يا سادة- وصلت طلائع الهولنديين، وصلوا والبلاد كلها مسلمة وفيها حكومات قوية، والحروب والمنازعات متصلة بينها وبين البرتغاليين الذين مرّ على وصولهم إلى هذه البلاد نحو من قرن ونصف. وكانت الحرب قائمة في أوربّا بين هولندا وإسبانيا والبرتغال، فرحّب بهم أهل البلاد لمّا أعلنوا أنهم يريدون إنقاذها من المستعمرين البرتغاليين. ولم يعلموا أن الاستعمار كله نار، وأن الذي يفرّ من النار إلى النار لا ينجو من الحريق.
نزل الهولنديون ضيوفاً يعتمدون على كرم الشرقي، يبسمون له لا ليسرّوه بل ليسحروه، ويصافحونه لا ليؤكدوا الودّ بل ليختبروا قوّة اليد، ويسألونه لا ليطمئنوا لحسن أخباره بل ليعرفوا المكنون من أسراره ... وهذه مقدّمة كتاب الاستعمار. ثم جاؤوهم بالسلع الأوربية، وما كانوا يحتاجون إليها ولا تقوم حياتهم عليها، ويأخذون ثمنها ثروات أرضهم وخيرات بلادهم ... وهذه هي تَتِمّة المقدّمة.
فلما فرغوا منها فتحوا الكتاب، كتاب الاستعمار، وتلوا منه أول باب وهو باب المعاهدات. فعقدوا المعاهدة الأولى سنة ١٦٠٠، فتعهّدوا لأهل البلاد بتحصين جزيرة أميونيا ودفع المستعمرين البرتغاليين عنها، إيماناً واحتساباً لا يريدون على ذلك جزاء ولا شكوراً، ما يدفعهم إلى ذلك إلاّ الحب للبلاد والرغبة في حفظ استقلالها وإنقاذها من المستعمرين البرتغاليين أعداء الجميع! ثم إنهم -خدمة لأهل البلاد- يَقبلون أن يحملوا على عواتقهم تصريف منتجاتها وشراء حاصلاتها، ينفردون بذلك
стр. 2204
وحدهم لئلاّ يشاركهم أحدٌ هذا الشرف العظيم ... وهذا هو نفاق المستعمرين.
وتتالت بعد ذلك المعاهدات كما تتالى الحلقات وتترابط، فيكون منها سلسلة طويلة هي قيد الحرّية ورباط الاستعمار. وجرّت الأرباح الطائلة الهائلةُ الشركاتِ الهولنديةَ فتنازعت مثلما تتنازع الضباع على الفريسة، وخاف العقلاء منهم أن يفوتها كلها الربح، وألّفوا منها جميعاً «شركة الهند الشرقية الهولندية»، فسارت على نهج شركة الهند الإنكليزية، وكانت حكومة وسط حكومة. وبدأت فصول جديدة في كتاب الاستعمار.
وأعادت الشركة حكاية المعاهدات وحماية البلاد من البرتغاليين: ذئب يحمي النعجة من الذئب ليكون لحمها له وحده دون أخيه في الذئبية! ولكن البلاد لم تصِر في ذلك العهد نعجة بعدُ، بل هي غابة آساد ولكنها متفرقة متنازعة، ثم إن أكثرها نائم يحلم وسط الغاب، وهذه هي علّة العلل في الشرق: النوم والغفلة والانقسام والتنازع، ولولاها ما ملك أجنبيٌّ من أرض الإسلام شبراً واحداً.
ومشى الاستعمار في طريقه مرحلة أخرى، فاستأذنَت الشركة أن تقيم على السواحل مخازن لتجارتها لتحميها من المستعمرين البرتغاليين (دائماً الحُجّة هي دفع المستعمرين البرتغاليين). وأذنَت بذلك الممالك الأندونيسية، فامتلأت السواحل بحصون هولندية قوية، فيها الجند والعتاد ولكن اسمها الرسمي مخازن الشركة، وليس فيها رسمياً إلاّ البضائع المعَدّة للشحن.
стр. 2205
ومشى الاستعمار مرحلة أخرى، بل مراحل كثيرة في شوط واحد، حين جاء بالقائد الصلب القاسي والسياسي الذكي البارع «كون»، الذي حفر للاستعمار الهولندي في أندونيسيا الأساس وأرسى الدعائم ورفع الأركان، وسار به شوطاً كبيراً لم يصله مَن كان قبله. فقد كان للشركة الفروع الكثيرة والمخازن التي أنشأتها وجعلتها قلاعاً، فاستأذن حكومة بنتام في إقامة مركز عامّ للشركة، فأذنت له ولم تدرِ أن هذا المركز سيكون عاصمة البلاد ومقرّ الاستعمار، ومبعث النار التي تأكل الحرّية والاستقلال.
وفي احتفال ضخم أطلق على مدينة جاكترا (جاكرتا اليوم) اسم «بتافيا» الهولندي وفتح للهولنديين باب الهجرة إليها، وأرضى أصحاب الأراضي من الزعماء واستغلّ عمل العمال بما يشبه السخرة المجّانية. وجاء الإنكليز البلد لمّا رأوا هذه الخيرات ينازعون كون هذا، وغلبوه عليه، فعاد بعد شهور واستردّ ما أُخذ منه وطرد الإنكليز.
ثم سفرت هولندا عن وجهها وخلعت هاتيك البراقع التي كانت تغطيه والتي رسمَت عليها البسمات الكاذبة، وأقبلت مستعمِرة فأسّست سنة ١٦١٧ أول مدرسة هولندية، وفي سنة ١٦٢٤ أول كنيسة هولندية: تستغلّ العِلم والدين للاستعمار. ووضعَت للبلاد دستوراً غريباً عن معتقداتها وعاداتها هو دستور بتافيا، وبدأ النزاع وقامت الثورات والحروب.
وكان ميزان الاستعمار يرجح تارة ويطيش تارة، تبعاً للحالة السياسية في أوربا. فلما احتلّ نابليون هولندا سنة ١٧٩٥ تألفت
стр. 2206
حكومة هولندية باسم «جمهورية بتافيا» بقيَت إلى سنة ١٨٠٦، أذاقت الأندونيسيين ألوان الأذى وسخّرتهم وأرضَهم لمصالح تجارها. وفي سنة ١٨١١ سيطرَت على البلاد شركة الهند الشرقية البريطانية، وكان بطل الموقف القائد الإنكليزي الشهير رفلس الذي ذكرتُه لمّا تكلمت عن سنغافورة، فأصلح في الإدارة وكان حُكمه أخفّ أذى. ولمّا هُزم نابليون عادت البلاد إلى هولندا، فأصدرَت قانون الزراعة الذي غصبت فيه خيرات البلاد كلها (كما تصنع الآن إسرائيل في فلسطين) لتعوّض ما فقدَته من أموال في حروب نابليون، وكانت مجاعات مات في إحداها مئة ألف في سيمارنج فقط ما بين تشرين الأول (أكتوبر) ١٨٤٩ وآذار (مارس) ١٨٥٠.
* * *
مرّ الاستعمار الهولندي في أندونيسيا بأربع مراحل:
فمرحلة امتدّت مئتَي سنة، من ١٦٠٠ إلى ١٨١٦، كان الهولنديون فيها تجاراً مغامرين، يتوسلون بالحيلة أحياناً والقوّة حيناً إلى امتلاك أطراف البلاد والسيطرة على ملوكها بالمعاهدات واستلام خيراتها، وهم يتقدمون خلال ذلك إلى الأمام، كل يوم يدخل عليهم يزيدهم تمكّناً ونفاذاً، حتى ملكوا أكثر جاوة وأطراف سومطرة وكثيراً من الجزر الصغار.
ومرحلة من ١٨٥٠ إلى ١٩٠٤ كانت مرحلة تأسيس وتوطيد، وجمع المال من كل طريق، والإيقاع بين الملوك والتزلّف بالحيلة إلى قويّهم والسيطرة بالقوة على ضعيفهم.
стр. 2207
ومرحلة من ١٩٠٤ إلى الحرب الأولى، كانت مرحلة تغلّب وظفر، فقد تمّت السيطرة على أكثر الملوك والحكومات، فمنهم من استسلم فبقي له اسم بلا حكم وكيان بلا سلطان، ومنهم من حارب وحده فغُلب.
وكان الذي مكّن للمستعمرين أمورٌ فيها عبرة لنا جميعاً، عبرة لمن يريد أن يعتبر بغيره، أولها: هذا التفرّق والانقسام؛ لقد كان في كلّ جزيرة دولة لها علَم ولها جيش، مع أن اللسان واحد والدين واحد والأرض واحدة، وما من داعٍ لهذا التعدّد إلاّ خوف الحاكمين على سلطانهم.
والثاني: أن الأرض كان أكثرها ملكاً للزعماء والناسُ يعملون كالدوابّ فيها، تَشبع الدواب وهم لا يكادون يشبعون، فلما استمال المستعمرون هؤلاء الزعماء اتخذوهم سَوطاً فضربوا به الناس، حتى إذا أمنوا الناس عادوا إليهم فضربوهم هم بسوطهم.
والثالث: هذه الحرب الاقتصادية المنظَّمة التي لم تكن تعرفها تلك النفوس الطيّبة التي لا تزال على الفطرة. أضرب عليها مثالاً واحداً: لمّا ازدهرت صناعة الدخائن (السجائر) الوطنية سنة ١٩٣٣ وأقبل الناس عليها، جاءت الشركات الأجنبية فاشترت كل ما أنتجته المصانع الأندونيسية فوضعوه في مخازن أعدّوها له، وأمرّوا عليه غازات كيميائية تُفسِد طعمه ولا تبدّل شكله، ثم عرضوه في الأسواق. فلما أخذه الناس أصابهم منه السعال والمرض فضاعت ثقتهم بالمصنوعات الوطنية وأعرضوا عنها حتى ماتت وأغلقت معاملها.
стр. 2208
والرابع: المستشرقون، أو واحد منهم على التخصيص هو أسنوك هورغرونيه، الذي أعلن أن سرّ قوّة هذه الأمّة هو الإسلام وأنه لا يمكن قهرها إلاّ بمعرفة هذا السرّ. وقد حقّق بنفسه ما أعلنه فادّعى الإسلام وتعلّم العربية، ودرس في الأزهر وذهب فجاور في مكّة حتى صار من العلماء في الإسلام والعربية، ثم دخل مملكة أبتشيه عالِماً مسلماً وعاش فيها يدرّس ويعلّم ويخطب ويؤم الناس، وعينه تلحظ كل شيء وقلمه يسجّل، حتى أخرج للناس هذه الكتب التي تُعَدّ المورد الأقرب لكل من يكتب عن هاتيك البلاد والتي كانت لهولندا أكثر من جيش، لأنها صنعت ما لم تصنعه الجيوش حين جعلت منها ومن صاحبها دليلاً في حرب المسلمين في أندونيسيا.
والخامس: فتح الباب للمهاجرين الأجانب من هولنديين وصينيين وسيطرتهم على مرافق البلاد وامتلاكهم موارد خيراتها. وهم قوم مستثمرون لا يهمّهم إلاّ الكسب، فهم بذلك عون لأن الاستثمار حلف الاستعمار. وقد بلغت رؤوس أموال الشركات الأجنبية في أندونيسيا سنة ١٩٣٧ ثلاثمئة وسبعين مليون جنيه، منها مئتان وخمسون مليوناً للهولنديين. ولمّا زرت أندونيسيا سنة ١٩٥٤ كان أكثر مرافق البلاد من مطّاط وسكّر وغيرهما لا تزال في يد هذه الشركات.
* * *
على أنه ليس في الدنيا خير محض ولا شرّ محض، وما من مصيبة لا تجرّ نفعاً. ولقد كان من منافع الاستعمار (وهو شر وضرّ)
стр. 2209
أن أدخل في البلاد زراعات جديدة وصناعات، وأنه وحّدها بعد أن كانت متفرّقة، ولقّنها دروساً أحسنَت الاستفادة منها، وأطلعها على سرّ الحضارة الأوربية فذهبَت جِدّتها وبطل سحرها لمّا عُرفت حقيقتها.
ولم يهدأ الأندونيسيون سنة واحدة خلال هذا العهد الطويل، ولم يستنيموا إلى الضيم ولم يستريحوا إلى المذلّة، بل كانوا يهبّون أبداً ثائرين في وجه الغاصب مدافعين عن حريتهم مجاهدين في سبيل ربهم ودينهم، ولكنها كانت ثورات فردية، كل يثور وحده ويقاتل وحده والآخرون ينظرون. ولو ثاروا جميعاً وقاتلوا جميعاً كما فعلوا أخيراً لتمّ لهم هذا الظفر بالاستقلال من عهد بعيد.
وهذه من عِلَلنا المزمنة: باب مغلق يأتي كل منّا يدفعه فلا ينفتح، فيدعه ويقعد، ويأتي غيره فيجرّب وحده، ولو دفعناه جميعاً دفعة واحدة لانفتح لنا.
ثورات وحروب لا أستطيع أن أحصيها، ولكن أذكر منها على سبيل المثال حروب حكومة بنتام من سنة ١٦١٩ إلى سنة ١٦٢٨. هذه الحروب التي كاد أن يُكتب لها النجاح وطرد الواغلين في البلاد لولا تلك العِلّة، العلة ذاتها؛ فإنها لمّا قامت حكومة متارام القوية سنة ١٦٢٨ تحارب هولندا لم يكن من بنتام إلاّ أن تركَت حرب المستعمرين ووقفت معهم على أختها في الدين والوطن متارام، مخافة أن تقضي عليها وتغلبها على أرضها! ومع ذلك فقد عادت متارام بالجيش الجرّار الذي يُعَدّ مئة ألف والذي لا تقف في وجهه هولندا ولا بنتام، ولكن الهولنديين لمّا
стр. 2210
رأوا عجزهم عن حرب السيف عمدوا إلى حرب الغدر والمكر، فأحرقوا مخازن الرز وعنابر المؤن وتركوا هذا الجيش يهلك جوعاً ومرضاً.
وفي سنة ١٨٢٥ كانت الثورة الرائعة، ثورة العالِم المجاهد الصابر الأمير ديبانيكارا، وهو ابن همنوكوبوانا الثالث ملك متارام. وُلد في بلاطه سنة ١٧٨٥، ولكنه اتصل من مطلع شبابه بشيخ ضاع مني اسمه الآن (لأني كتبته في ورقة فلم أجدها وأنا أكتب هذا الفصل)، فنشّأه على العلم والعبادة، ثم كرّه إليه حياة الفجور فتركها وذهب إلى دار له منعزلة فاعتكف فيها مقبلاً على القراءة والدرس، فحفظ القرآن ونظر في التفسير وقرأ التحفة لابن حجر وكُتُب الغزالي، وأقبل على النظر في التواريخ، فأخذ نفسه بإنكار المنكَر وإزالته بيده، فاعترضه أبوه، فأنكر على أبيه ما كان عليه من المنكَرات وألزمه باتباع سبيل الهدى، ولمّا خلا العرش بوفاة أبيه وأرادوه عليه أباه لأنه لم يرَ نفسه أهلاً لحمل أعباء الحكم. وهذه منقبة لا أعرفها لغيره، ولا أعرف في تاريخ أولياء العهود جميعاً رجلاً آخر رفض عرشاً لأنه لم يرَ نفسه أهلاً له إلاّ معاوية ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
ولمّا اشتدّ عسف الهولنديين وظلمهم لأبناء البلاد الذين كانوا يدعونهم الأقزام رأى الجهادَ واجباً عليه، فنشر رايته ودعا إليه، وكان ابن أربعين سنة. وبدأت المعارك بينه وبين الهولنديين في ٢٠ تموز (يوليو) سنة ١٨٢٤ واستمرّت خمس سنوات، وكان النصر له في جميعها، وكان قائداً بارعاً وفارساً لا يُشَقّ له غبار. وقتل من الأعداء خمسة عشر ألفاً ثمانية آلاف منهم