عرَضاً في أسطر معدودة. ولم أسمِّها ولم أبيّن كيف تزوّج أبي بها. وتسألني: هل أنا على عادة الشيوخ من أهل بلدي، أحسب أن من المروءة ألاّ أصرح بأسماء النساء، لذلك يقول الواحد منهم «الأهل» و «العائلة» و «أم الأولاد»، يرى عيباً أن يقول «زوجتي» فضلاً عن أن يقول «فلانة» باسمها ... إلى آخر ما جاء في كتابها.
وجوابي أن لا. لست في هذا على عادة شيوخ بلدي. ومَن ظن أن التصريح باسم زوجته عيب أو حسب أنه مُخِلٌّ بالمروءة فإني أخشى عليه الكفر، لأنه يكون قد نسب العيب والإخلال بالمروءة إلى أكمل البشر وأفضلهم، محمد ‘؛ فقد ورد في الصحيح أنه صرّح باسم عائشة وفاطمة وأمها خديجة، ولم يرَ في ذلك عيباً.
واسم أمي رئيفة بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب شقيقة الأستاذ محب الدين الخطيب. أمّا كيف تزوج بها فأنا أمتنع عن ذكره. لماذا؟ لأنني لا أدريه! لا تعجبوا إذا قلت لكم إن الغرباء دُعوا إلى حضور العقد وأنا، ولدها، لم أُدعَ إليه. إي والله، لم أُدعَ إليه ... ولم أعلم به إلاّ بعد إتمامه بزمن طويل.
الزوج له الحقّ في أن يختار زوجته، مع أنه يستطيع إذا لم يَرضَها أن يفارقها ويتزوج غيرها. وأمي لا سبيل لي إن لم تعجبني أن أتبرأ منها وأتخذ لي أماً غيرها، فكيف إذن لم يؤخَذ رأيي فيها؟ أليس لي أن أبدي موافقتي على المرأة التي ستكون أمي؟!
لكن لا تحسبوا أني لم أَرضَها أو أني أنكرت اختيار أبي إياها، أو أنني لو كنت معه لما فكّر في خطبتها (أو خطبها أبوه له، فما كان الرجل يخطب المرأة بنفسه). لو كنت معه وسألني
стр. 247
عنها لما رضيت غيرها، ﵀ ورحمها؛ فلقد عهدتها -لمّا عرفتها- امرأة صالحة. كانت مثلاً عالياً للمرأة المسلمة الراضية عن الله الصابرة على ما قضاه، جمعت بين الخُلُق وبين النسب. أمّا الجمال فبعينه وحده لا بعيني أنا يكون الحكم عليه. الزوج يميز جمال امرأته من قبحها، أما الولد فلا يرى أمه إلاّ جميلة، ولو كانت أَمةً سوداء ولو كانت عجوزاً وجهُها أخاديد وحفر، وهذا يؤكّد مذهب طاغور في الجمال وأنه ليس ببهاء الطلعة ولا بتناسق الأعضاء ولا بسحر العيون ونضارة الوجه ... كل هذا من شروط الجمال، لا أنازع فيه، ولكنْ أسأل: لماذا ترى الممثلة في المسلسلة أو الفِلم جميلة بارعة الجمال وترى ممثلة أخرى دونها جمالاً، فتقوم الأولى بدور الكذب والمكر والثانية تمثّل الصدق والطهر، فلا ينقضي الفِلم حتى تصير الأولى قبيحة في نظرك تتمنى لو أطبقت بأصابعك على عنقها فخنقتها، وتصير الثانية ملكة الجمال؟
أليس معنى هذا أن سر الجمال -كما يقول طاغور- هو الإخلاص؟
أما أسرة أمي فهي إحدى الأسر العلمية في الشام. حدّثني خالي محبّ الدين الخطيب (ثم نشر ما حدثني به) أن أصلها من بغداد، ثم نزلت حماة، ونزح فرع منها إلى قرية عذراء (عدرا) التي ذكرها ياقوت في معجم البلدان فقال: "إذا انحدرت من ثنيّة العقاب وأشرفت على الغوطة رأيتَها أول قرية تلي الجبل". وثنية العقاب هي التي تُدعى اليوم «الثنايا» (التنايا) تمرّ بها حين تعلو في الجبل (جبل لبنان الشرقي) متوجهاً إلى حمص. وإلى جنب
стр. 248
عذراء تقع «الضُّمَير» التي ذكرها المتنبي في قصيدته التي ودّع بها سيف الدولة (١).
والذي انتقل منهم إلى دمشق هو الشيخ عبد الرحيم بن محمد الخطيب المدفون في مقبرة الدحداح سنة ١١٩٩، وقد بلغَت ذريّته اليوم (أي بعد مئتَي سنة من انتقاله إليها) الآلاف، وغدت من أكبر الأسر الدمشقية. وقد سخّر الله عبقرياً من أبناء هذه الأسرة، وكان رسّاماً فنّاناً، فأحصى أفرادها وجعل لهم سجلاًّ مثل سجلاّت النفوس الرسمية في دائرة الأحوال المدنية، لكل منهم صفحة فيها اسمه واسم أبويه وولادته وزواجه وطلاقه وأسماء أولاده، وجعل للسجلّ فهرساً، ثم صنع للأسرة شجرة رسمها بالزيت على القماش المشمّع وجعل لها فروعاً، فجعل للولد ورقة وللبنت ثمرة، وجعلها بطناً بعد بطن حتى زادت في حياته ﵀ على تسعة بطون. وطول لوحة الشجرة أكثر من ستة أمتار وعرضها نحو الأربعة، وقد اشترتها منه الحكومة السورية، وهي معروضة في متحف الفنون الشعبية في قصر العظم في البُزوريّة. وهذا الرجل هو ابن خالتي الشيخ سهيل الخطيب، وربما عدت إليه فتكلمت عنه.
كان الشيخ عبد القادر الخطيب حفيد الشيخ عبد الرحيم من علماء دمشق، أخذ عن أبيه وعن الشيخ عبد الرحمن الكزبري وعن الشيخ سعيد الحلبي، وكان له أربعة من الولد كلهم علماء:
стр. 249
أبو الفرج وأبو الخير وأبو النصر وأبو الفتح. والشيخ أبو الفرج هو والد الشيخ عبد القادر (خطيب جامع بني أمية والمدير العام للأوقاف يوم لم تكُن لها وزارة فكان هو المرجع الأعلى فيها) والأستاذ صلاحالدين الخطيب عضو محكمة التمييز (أي محكمة النقض)، وهو والد زوجتي. والشيخ أبو الخير هو والد الزعيم الوطني الوزير زكي الخطيب، والشيخ أبو النصر هو خطيب الجامع الأموي القاضي العادل الجريء صاحب النوادر.
والشيخ أبو الفتح هو أبو أمي. قال في الأعلام أنه "وُلّي أمانة دار الكتب الظاهرية والتدريس والوعظ في الجامع الأموي، وكان يميل إلى التقشّف ويكره معاشرة الحكّام، له مختصَر تاريخ دمشق لابن عساكر، مخطوط في خمسة مجلّدات، وهو في الخزانة التيمورية في مصر بخطّه، مولده بدمشق سنة ١٢٥٠ ووفاته فيها سنة ١٣١٥، وهو والد السيد محبّ الدين الخطيب صاحب مجلّتَي الفتح والزهراء". قال: "وله ترجمة في منتخبات التواريخ ٧٠٦، وفي الأعلام الشرقية ٢: ٦٧".
* * *
والأسر العلمية في دمشق كثيرة، أذكر ما يخطر منها على بالي. وربما ذكرت أسرة جليلة ونسيت أجلّ منها، وربما قدّمت بالذكر من يتقدّمه بالمنزلة من أخرت، فلا تؤاخذوني. هذا يومَ كانت الشام كما كانت أكثرُ بلدان الإسلام، يتعارف أهلها يعرف بعضهم بعضاً، يقدّمون أهل الفضل لا ينكرون عليهم فضلهم، لم يكُن قد اختلط الحابل بالنابل والأصيل بالدخيل.
стр. 250
فمن الأسر العلمية آل العِمادي، وقد استمرّ فيهم منصب الفتوى أمداً طويلاً. ومن أشهرهم الشيخ حامد العمادي، وله «الفتاوى الحامدية» التي نقّحها الشيخ ابن عابدين صاحب الحاشية. وقد انتزع منصبَ الإفتاء منهم الشيخ إسماعيل الحايك في قصّة طريفة سمعتها من أستاذنا محمد كرد علي وذكرتها في مقالة عنوانها «التشجيع» نُشرت في «الرسالة» في أواسط الثلاثينيات (١)، وهي في كتابي «فِكَر ومباحث».
ومنهم آل الحمزاوي، وهم أقدم الأسر الشامية، ومن أشهرهم مفتي الشام محمود أفندي الحمزاوي. وآل الكزبري نسبة إلى جدهم الشيخ علي كزبر، وأجلّهم الشيخ عبد الرحمن الكزبري. وآل الغزي، وكان إفتاء الشافعية (غالباً) فيهم، وآل العطار وأصلهم من حمص، من أشهرهم الشيخ حامد العطار وأبوه الشيخ أحمد الذي ندب الناس لدفع نابليون لمّا حاصر عكّا، وكان عصريَّ الشيخ عبد الرحمن الكزبري ونظيرَه في العلم، وثالثهما الشيخ عبد الرحمن الطيبي. وكان للشيخ حامد خمسة من الولد كلهم عالم معروف، منهم الشيخ بكري العطار وهو أشهرهم، وياسين وهو والد الشيخ سليم المشهور، والشيخ إبراهيم وهو والد الشيخ رضا القاضي في المحكمة الشرعية، وهو أبو الأستاذ عصام زوج بنتي رحمها الله.
وآل الشطي وهم فقهاء حنابلة فرَضيون، أصلهم من بغداد ومن أجلّهم الشيخ حسن الكبير المتوفّى سنة ١٢٧٤، أخذ عن
стр. 251
المشايخ مصطفى السيوطي وغنام النجدي وعبد الرحمن الكزبري وعبد الرحمن الطيبي، وولده الشيخ أحمد الشطي مفتي الحنابلة في دمشق المتوفّى سنة ١٣٠٧، وهو والد صديقنا بل أستاذنا الشيخ حسن الشطي، قاضي النبك وقاضي دوما وقاضي دمشق، وقد خلفتُه في المحاكم الثلاث. والشيخ عمر، وهو أخو الشيخ أحمد والد صديقنا الشيخ جميل الشطي، مفتي الحنابلة في دمشق ومؤلف كتاب «أعيان دمشق» (١).
وآل السيوطي، ومنهم الشيخ مصطفى مؤلف كتاب «مطالب أُولي النهي»، وأصلهم من قرية الرحيبة بجوار القَطيفة، على جانب الطريق من دمشق إلى حمص. وهو شرح كتاب «غاية المنتهى» للشيخ مرعي الكرمي، نسبة إلى بلدة طوركرم (طولكرم) (٢) المتوفّى سنة ١٢٤٣. وآل الخاني وأشهرهم الشيخ محمد الخاني الكبير، وأصلهم من «خان شيخون» بين حلب وحماة. وآل البيطار وأشهرهم شيخنا العالم النظار السلفي الشيخ محمد بهجة، مدير المعهد العلمي في مكة ثم كان المؤسّس والمدير للمعهد السعودي، ومن العجائب أن أباه كان صوفياً من غلاة الصوفية.
وآل القاسمي وعلَمهم الشيخ جمال الدين، صاحب المصنفات الكثيرة وكان عالِم الشام. وآل الأيوبي، وممّن صحبت
стр. 252
منهم العالِم المربّي الشيخ توفيق الأيوبي، مدير أول مدرسة شرعية فتحتها الأوقاف في الشام، وكانت في المدرسة السميساطية على الباب الشمالي للجامع الأموي، وكانت فيها قديماً دار عمربن عبد العزيز. وأكثر رجالها من أرباب الوجاهة والمناصب، أظهرهم عطا بك الأيوبي الذي ولي رئاسة الوزارة مراراً. وآل المحاسني، ومن أقدمهم موسى وكان خطيب الأموي، وقام بالخطابة بعده ابنه أسعد، ومنهم أستاذنا في معهد (أي كلية) الحقوق المحامي العالِم الأستاذ سعيد، وبعده رفيقنا الوزير المحامي الأستاذ أسعد، وصديقنا الشاعر الذي كان معنا في مكتب عنبر ثم كان معنا مدرّساً في مكة زكي المحاسني.
وكان التدريس تحت القبة للشيخ عبد الرحمن الكزبري، ثم لولده الشيخ مسلم، ثم انتهى إلى الشيخ بدر الدين الحسني وهو جدّ زوجتي لأمها. وكانت نقابة الأشراف للشيخ أحمد العجلاني، ثم للشيخ مسلم الكزبري، ثم للشيخ أحمد منجك العجلاني، ثم للشيخ صالح تقيّ الدين، ثم لولده الشيخ أديب مؤلف كتاب «منتخبات التواريخ». ثم عُطّلت زمناً، ثم وليها السيد محمد سعيد الحمزاوي فجدّد لها بعض مجدها، ثم أُلغيَت الوظيفة.
وآل الأسطواني (وكلمة الأسطواني تقابل كلمة العمودي هنا أو في حضرموت). وأجلّ من عرفت منهم الشيخ عبد المحسن الأسطواني رئيس محكمة التمييز الشرعية، المعمَّر الذي عاش مئة وثماني عشرة سنة وما فقد شيئاً من علمه ولا من ذاكرته، وسأعود إلى الحديث عنه. والفقيه الشيخ محمد شكري مفتي دمشق، والقاضي الأستاذ وجيه الأسطواني رئيس المحكمة
стр. 253
العليا، وخطيب الجامع الأموي الشيخ حسن، وحفيده زميلي في القضاء الذي تُوفّي شاباً الشيخ عبد الرؤوف، وسَلَفي في القضاء الشيخ عبد الفتاح.
وآل الباني، نسبة إلى قضيب البان، اشتهر منهم الشيخ عبدالرحمن، ثم ولده (أستاذنا) الشيخ سعيد الباني، وهو عالِم محقّق له كتابان: «عمدة التحقيق» المطبوع سنة ١٣٤١ وكتاب في الذهب والحرير، وهو مفكّر يحقّق النص ويُعمِل فيه عقله ويجعل منه شيئاً جديداً، وإن لم يخالف القديم. ومن آل الباني الأستاذ عبد الرحمن (الحفيد)، وهو عالِم ديّن كان مفتش العلوم الإسلامية في وزارة المعارف السورية، فأدّى في الوظيفة حقّ الله ووفّى الأمانة وأفاد ناشئة المسلمين.
ومنهم آل الحسيني، وكانت فيهم نقابة الأشراف آخر القرن الثالث عشر وأول تاليه. وآل المنيني وأصلهم من طرابلس الشام، وكان فيهم الإفتاء وتدريس القبة أوائل القرن الرابع عشر. وآل المنير، من شيوخهم الشيخ أسعد المتوفّى ١٢٤٢، ومنهم اليوم أمين الفتوى الشيخ عبد الحكيم. وآل المرادي، وأصلهم من بخارى. وآل السفرجلاني. وآل الجندي، وأصلهم من المعرة، ومنهم مفتي دمشق الشيخ أمين الجندي، وسميّه الشاعر العَلَم، وأستاذنا سليم الجندي. وآل المالكي. وآل الحلبي، وكان منهم الشيخ سعيد شيخ علماء الشام وولده الشيخ عبد الله. وآل السويدي، وأصلهم من العراق، أعرف منهم الشيخ أمين سويد (السويدي) الذي كان مدرّساً في مدارس الفلاح، جاء به مؤسسها الرجل الذي يستحقّ أن تؤلَّف في سيرته كتب لا كتاب: محمد
стр. 254
علي زينل، عرفته في جدة من نصف قرن وفي بومباي من ربع قرن. وآل قَزّيها، كان منهم الشيخ مصطفى أمين الفتوى تُوفّي سنة ١٢٥٧.
ومن القرّاء الشيخ أحمد دهمان، والشيخ محمد الحلواني وقد جوّدت قراءتي عليه، والشيخ عبد الرحيم دبس وزيت وولده الشيخ عبد الوهاب وقد قرأت عليهما، والشيخ عبد الله المُنَجّد وهو أول من جمع في دمشق بين طريقتَي الشاطبية والطيّبة. وكان أستاذه في الطيبة حافظ باشا المشير العثماني، فماذا يقول الذين يدْعون الحكم العثماني استعماراً ويقرنونه باستعمار الكفار؟ وهو والد الصديق الدكتور صلاح الدين المنجّد، صاحب المؤلفات الكثيرة وآخر ما صدر له «معجم ما أُلِّفَ عن رسول الله ‘»، وهو كتاب جليل.
وعندنا في الشام مجموعة أسر نجدية، كان أهلها غالباً أدلاّء في طريق الحج، يدعوهم الناس «العقيل»، منهم آل الروّاف، وآل البسّام، وآل الشبل. ومن كرام الأسر الشامية: آل القوّتلي، آل العظم، آل العظمة، آل البكري، آل الشمعة، آل المهايني، آل حتاحت، آل الطبّاع، آل الجلاّد، آل العاني، آل العابد، آل شورى، القدسي، الركابي، السقطي، الحنبلي، الدرا، القنواني، القطب، النحلاوي، سكر. ومن الأسر الشامية: آل البرهان، وآل القضماني، وآل البارودي، وآل شمدين، والألشي، والدردري، والموقع، وبدير، وشيخ الأرض، والخجة، وأبو الشامات.
وقد نسيت أن أعد في الأسر العلمية آل عابدين، ومنهم
стр. 255
أعظم فقيه حنفي ظهر في القرنين الأخيرين، وهو صاحب الحاشية التي هي عمدة المفتي على المذهب الحنفي، ومنهم المفتي الشيخ أبو الخير الذي كان أبي أمينَ الفتوى عنده، وولده المفتي الطبيب آخر العلماء شيخنا الشيخ أبو اليسر.
رحم الله من مات وثبّت من بقي على ما يرضيه، وغفر لنا ما نسينا أو أخطأنا.
* * *
стр. 256
-٢٦ -
الثورة على الفرنسيين
لقد كنت كتبت عن الثورة السورية كتابات كثيرة لا أستطيع (ولا أريد) أن أجمعها هنا، ولا أقدر الآن على كتابة مثلها، من سنة ١٣٤٧هـ حين كنت في مصر وكتبت في «الزهراء» (١) قصة «شهيد الغار» الأمير عزّ الدين الجزائري، ووضعتها في كتابي «الهيثميات» المطبوع سنة ١٩٣٠. وفي تلك السنة بدأت أكتب في مجلة «الناقد» (٢) قصة طويلة عن «حسن الخرّاط» فوقَفها الفرنسيون بعد نشر الفصول الأولى منها، وفي كتابي «دمشق» قصة عنوانها «في خرائب الدرويشية»، وفي كتابي «هتاف المجد» الكثير عن الثورة والنضال وعن قضية فلسطين والجزائر.
وقد يسأل قارئ: ومَن حسن الخراط؟ وحقّ له أن يسأل، فما في الألف من القرّاء واحد يعرف من هو أو سمع باسمه، وما فيهم واحد في الألف لم يسمع باسم غيفارا أو كارلوس الإرهابي،
стр. 257
أفليس هذا عجيباً؟ نجهل أسماء أبطالنا المجاهدين ونحفظ أسماء المجرمين المفسدين، فهل كان ذنب حسن الخراط أن ظهر في أمّة لا تقدّر أبطالها ولا تنصف رجالها؟
حسن الخراط حارس ليلي، خفير من خفراء البلد كان عمله أن يحرس بيوتها من اللصوص، فلما رأى لصوصاً أخطر وشرهم أكبر قد سرقوا البلد كله نهض مع مَن نهض من الثوار يحمي الذمار ويمحو العار.
وقف مع إخوانه الذين باعوا نفوسهم لله لمّا أعلن أنه اشتراها من المؤمنين. وقف في وجه فرنسا يوم كانت فرنسا تملك أقوى جيش برّي في العالَم، يوم خرجت من الحرب ظافرة على هامتها غارُ النصر، يوم اقتسمت هي وزميلتها إنكلترا، عفواً بل بريطانيا العظمى التي لم تكُن تغيب عن أملاكها الشمس في القارات الخمس، فانكمشت وتضاءلت ورجعت إلى حقيقتها وانزوت في ركن من جزيرتها، فلم تعُد تطلع عليها الشمس إلاّ بضعة أيام على طوال العام. اقتسمتا بلاد الله على كُره أهلها، فأخذت فرنسا جانبَين من جوانب البحر الذي كان يُقال له يوماً بحر العرب، وكان العرب بل كان المسلمون يملكون جوانبه كلها إلاّ الأقل منها.
أخذت المغرب والجزائر وتونس، والشام (ولبنان من الشام)، وأخذ الإنكليز مصر وجنوبي الشام، أي فلسطين (وفلسطين من الشام). ولم تبقَ في ديار المسلمين بقعة لم يصل إليها الاستعمار إلاّ هذه الجزيرة، فقد حام حولها ولم يَلِجها ومد أصابعه إليها ولم يرفع علمه عليها.
стр. 258
وكذلك الدنيا؛ الناس فيها كفِرَق متسلّقي الجبال، يصعدون حتى يبلغوا الذروة التي لا مصعد بعدها، فيهبطون حتى يبلغوا القرارة التي لا مهبط بعدها، فيصعدون.
يولد الإنسان ضعيفاً لا ينطق ولا يمشي، فإذا كبر قوي حتى يغدو الخطيبَ الذي يسوق الجموع بكلمة من فمه أو الشاعرَ الذي يغوص في أعماق النفس أو يطير في سماء الخيال، يرصف الكَلِم درراً وجواهر، وأين الجواهر والدرر من عبقري المقال؟ ويمشي على الأرض بخيول من مركبات الحديد تسابق الريح في مهبّها فتصل قبلها، ثم يعلو في الجِواء على نسور من المعدن فيجاري الأصوات، ويكون أسرع منها فيسبقها. ويصل إلى القمر فيفجع الشعراء والعشّاق بحلم عاشوا عليه دهراً، ويحوّل القمر الذي طالما تغنوا بجماله وسحره إلى حجارة وتراب يطؤونها بأقدامهم! وبعد أن كان لا يفرّق بين الجمرة والتمرة ولا يدري كيف يشرب الماء من الكوب، قَوِي حتى كشف بعقله خفايا الوجود مما كان يظنه الأقدمون غيباً وماهو بالغيب. إن ما جعله الله غيباً يستحيل أن يطّلع عليه بشر، وما يطّلع عليه البشر لا يكون من الغيب: ﴿ولا يُحيطونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ إلاّ بما شاءَ﴾. حتى إذا بلغ أشدّه واستوى على قمة القوة بدأ الضعف: ﴿اللهُ الذي خَلقَكم من ضَعفٍ، ثمّ جعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٍ قوّةً، ثُمّ جعَلَ من بعدِ قوّةٍ ضَعفاً وشَيْبةً﴾.
وكذلك الدول: كنا نحن أعزّ وأكرم وكنا الأعلم، فوقفنا وساروا، فصاروا لمّا ساروا أقوى منا وغدَوا هم العلماء من دوننا.
стр. 259
هبطنا من يفاعنا وأضعنا ملكنا، ونمنا وطال نومنا فطمع الطامعون فينا. كنا كالأسد في غابِهِ، لمّا ساد الغابَ وتوارت منه الذئابُ ولم يصمد له منها ظفر ولا ناب اطمأنّ وسكن، واسترخى فأدركه النعاس وغلبه الوسَن. فلما استغرقه المنام استيقظت الذئاب وطمعت فيه الثعالب.
ولكن الأسد يبقى أسداً ولو نام، والجوهر لا يصير زجاجاً ولو رميته في الوحل، والزجاج لا يغدو ألماساً ولو وضعته في صناديق الحديد. يرسب الذهب إذا أُلقيَ في الماء وينزل إلى قعر الإناء، ويطفو التبن والبعر، ولكن هذا لا يُغلي التبن ولا يرخص التبر:
وإنْ تكُنِ الأيّامُ فينا تبدّلَتْ ... بنُعمَى وبُؤسَى والحوادثُ تفعَلُ
فما ليّنَتْ منّا قناةً صَليبةً ... ولا ذلّلَتنا للّتي ليس تَجمُلُ
* * *
لقد أخذ الأسد يستيقظ، إنه يمدّ يديه ثم يسترخي فيعاود المنام. لقد بدأت حركات النضال؛ فمن انتفاضة سنة ١٩١٩ في مصر وما كان فيها من أحداث، إلى أحداث الرّميثة في العراق، إلى ثورة الريف المغربي التي قادها الأمير محمد عبد الكريم الخطابي فحارب فرنسا وإسبانيا معاً. ولقد لقيته في مصر سنة ١٩٤٧ بعد عودته من المنفى فوجدت فيه عالماً تقياً عابداً في ثوب قائد، ﵀ فلقد كان مجاهداً مؤمناً (١).
стр. 260
ثم كانت الثورة السورية وامتدّت ثمانية عشر شهراً، كانت تمتلئ بأخبارها البرقيات وأعمدة الصحف وتتصدر أكبر جريدتين يومئذٍ: التايمس والطان (أي الزمان). لقد قهروا جيش فرنسا، وأنا أقول الحقّ لا أنظم قصائد الفخر ولا أسجل أحلام اليقظة ولا المنام. كانت تخرج الحملة (والكلمة من تعبيرات الثورة) فيها الدبابات والمصفحات يقودها جنرال أو كولونيل وفيها الألوف من الجنود، فيردها عشرات (وإن كثروا فمئات) من الثوّار، سلاحهم البنادق والسيوف، وسلاح آخر أقوى من السيوف والبنادق هو الإيمان.
لا يسخرْ أحدٌ من هذا الكلام، فإن البندقية مع الإيمان أقوى من المدفع بيد غير المؤمن، والحجارة في أيدي شباب فلسطين اليوم وأطفالها تفلّ الحديد وتغلب البارود في أيدي كلاب، لا بل خنازير يهود، ما يبلغون أن يُدعَوا كلاباً فللكلاب وفاء، ويهود الغدرُ من طبائعهم والمراء. الإيمان ولو كان بالجبت والطاغوت قوة لا تكاد تُغلَب، والمثَل فيتنام. أما أتعبت بل أعجزت فيتنامُ أقوى دول الأرض، وهي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يرجو قتيلُها جنةً ولا يرقب ثواباً؟
هذا هو المثل الواطي القريب، أما المثل الأعلى لما يصنع الإيمان من عجائب فهو المسلمون الأولون، الذين مشوا لإعلاء كلمة الله شرقاً إلى تركستان وأطراف الصين ومشوا غرباً حتى اقتحم عُقْبة بفرسه ماء البحر بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) وقال: اللهم لولا هذا البحر لمضيت مجاهداً في سبيلك حتى أفتح الأرض لنور الحق أو أموت.
стр. 261
المسلمون الذين فتحوا بالإسلام وللإسلام ما بين قلب فرنسا وقلب الهند، ولولا أننا خالفنا عن أمر ربنا فجعلنا لشارل مارتل (١) سبيلاً إلى كسب المعركة في بواتيه (٢) لوصلنا القسطنطينية وطوّقنا عنق أوربا بأغلى عقد تزدان به الأعناق.
إنك إن استثنيت معركة حُنين مع هوازن وعَشراً أُخَر من عشرات الآلاف من المعارك التي خضناها لم تجد المسلمين إلاّ أقلّ من عدوهم عدداً، وأضعف عُدَداً، وأقلّ عتاداً ومَدداً. فَبِمَ انتصروا؟ لقد كان قُوّاد الروم والفرس ممّن درس فنون الحرب وتاريخ المعارك وسِيَر الأبطال، ففي أي كلية عسكرية درس ذلك خالد بطل اليرموك، وسعد بطل القادسية، وابن العاص، وعقبة، وموسى، وطارق، والمهلَّب؟
لقد فتح قُتيبة من الأرض أوسعَ ممّا فتح نابليون، ولكنّ ما فتحه نابليون عاد إلى أهله وما فتحه قواد الإسلام بالإسلام وللإسلام بقي للإسلام. أين الذين غُلبوا في معارك الفتوح في الشام ومصر والعراق وفارس والهند وإفريقية، أين هم؟ إنهم هم الذين يسكنون اليوم هذه البلاد، لكنْ ليس منهم مغلوب وليس فيهم غالب؛ الإسلام جعلهم إخوة، إخوة لا إخواناً ولا أصدقاء،
стр. 262
بل إن رابطة الإسلام أقوى من رابطة الأخوّة بين الأشقّاء الذين ولدتهم أم واحدة من أب واحد.
* * *
لو كنتم معي أيام الثورة لقرأتم كل يوم اسم «جسر تورا» في البرقيات يبعثها المراسلون وفي أعمدة الصحف، ولم أذكر الإذاعات لأنها لم تكُن يومئذٍ إذاعات. فهل يعرف أحد منكم ما جسر تورا؟
«تورا» أحد أبناء بردى، نهر (أو ترعة بالاصطلاح المصري) عرضه لا يبلغ خمسة أمتار، عليه جسر صغير كانت تمر عليه الحملة فلا تكاد تجوزه حتى تُرَدّ عنه. من يردّها؟ جيش نظامي كجيش المارشال جوفر عند المارن (١) في الحرب الأولى؟ أم قوة مثل قوة الروس في ستالينغراد (٢) في الحرب الثانية؟ لا، بل أفراد من الثوّار ما لهم خنادق كالتي يعرفها الجند ولا حصون كحصونهم ولا سلاح كسلاحهم، ما معهم إلاّ البنادق وقليل من العتاد وما يحميهم إلاّ «الدكوك». و «الدكّ» جدار البستان، وهو تراب يُدَكّ دَكاً ويُكبَس كبساً، فإذا جفّ صار كالحجر.
стр. 263
وكانت تخرج الطيارات فيرميها الثوار برصاص البندقية، وقد يُسقطونها. ما كانت كطائرات هذه الأيام، بل كانت صغيرة ما فيها إلاّ جنديان اثنان ظاهران، لها جناحان قصيران أحدهما فوق الآخر ومروحة صغيرة من أمامها، لقد رأيتموها في فِلْم «عمر المختار».
وقفت فرنسا بجيشها وجنرالاتها وجبروتها أمام جسر تورا، لم تقدر أن تتخطاه إلاّ مرات معدودات. ثم كان ما هو أعجب؛ لقد استطاع الحارس الليلي حسن الخراط أن يدخل دمشق، دخلها على رغم هذه القوى كلها، واحتلها الثوّار ثلاثة أيام لم يبقَ فيها في البلد فرنسي واحد.
وكان الفرنسيون أصحاب الثورة الكبرى التي يدّعون أنها قامت لنشر العدالة والمساواة والحرية، الفرنسيون قوم روسو وهوغو ولامارتين، الذين صنعوا تمثال الحرية وأهدوه إلى أميركا فأقامته عند بابها الشرقي يُطِلّ على فرنسا شاكراً من وراء البحر الأطلسي. فرنسا أم الحرية ذبحت الحرية في الشام، أقامت القلاع على جبل قاسيون في دمشق وعلى جبال المزّة، لا لردّ العدو عنها بل لردّ أهلها عن استرداد حريتهم ممّن عدا عليها. والذي عدا عليها أمها ... أم الحرية فرنسا!
ولمّا عجزت عن مواجهة الحارس الدمشقي في ميدان القتال حاربت البيوت، فهدمت الجدران ودكّت الأركان وأزالت العمران. أعادت قصّة دون كيشوت مع الطواحين!
لقد أساءت فرنسا يومئذٍ إلى تاريخها ولطخت الصفحات
стр. 264
البيض من أدب أدبائها بالطين. أين آداب الفروسية؟ إن الفارس الشريف يكفّ عن المبارزة إذا سقط السيف من يد خصمه فبقي بلا سلاح لأن المسلّح الذي ينازل أعزل لا يكون فارساً شريفاً، فكيف ضربت فرنسا يومئذٍ دمشق بمدافعها؟ كيف خرّبَت وأحرقت أجمل أحيائها، ما بين سوق الحميدية وسوق مدحت باشا، حيث كانت أبهى وأغلى بيوت دمشق؟ اقرؤوا كتابي «هتاف المجد» إن أردتم تفصيل هذا الإجمال وكتابي «دمشق» (١).
لقد بقي هذا الحي أطلالاً سنين وسنين، ولمّا أعادوا بناءه أخيراً بقي اسمه إلى اليوم «حيّ الحريقة». وأحرقوا طرفاً من «الميدان»، حي الأشاوس من كرام أهل الشام.
واسترد الفرنسيون قلب البلد (دمشق)، وبقيت أطرافها بأيدي الثوار أكثر من سنة. كنا نرى «الاستحكامات» (أي أكياس الرمل) وراءها الرشاشات في «الجسر الأبيض»، وهو مجمع الطرق إلى أحياء السفح، إلى المهاجرين والصالحية وحيّ الأكراد (ركن الدين)، وكلها خارج حدود البلد، وفي باب الجابية والميدان كله وباب سريجة، وقصر حجاج خارج حدود البلد، وداخل الباب الشرقي قرب مكتب عنبر وما بعده خارج حدود البلد، وفي وسط العقيبة أمام جامع التوبة وما بعده خارج حدود البلد، والغوطة كلها خارج حدود البلد، أي في أيدي الثوار.
стр. 265
ومن أطرف ما كان ما ذكرته في خطبتي في حفلة الجزائر في أواخر الخمسينيات: كان في الاستحكام في العقيبة (حيث كنت أسكن أيام الثورة) ضابط باريزي أشقر ناعم، كأن رجولته خطأ مطبعي في سجلّ الحياة أو كأنه أنثى متخفية في ثوب رجل. أَحَبّ أن يرى صورة حسن الخرّاط، فجاءه أحد ظرفاء الحيّ بصورة عنتر التي تُعلَّق في المقاهي، فلما نظر إليها ورأى سواداً كالليل وعينين تتّقدان كعينَي الصقر وشاربَين كساريتَي مركب، انخرط بطنه وأصابه الزُّحار (الدوسانطريا) فحُمل من فوره إلى المستشفى.
بقينا على هذا سنة وبعض السنة، الفرنسيون في داخل البلد والثوار في أطرافها وفي الغوطة مِن حولها. ننام على انطلاق الرصاص ونصحو على تفجّر القنابل، نهدأ ساعات من الليل قد تطول وقد تقصر، ثم تفجَؤنا (١) الهزّات والرجّات، حتى صرنا نميز طلقات بنادق الثوار من رشاشات الجند، تلك تقول: «ون ن ن ن» وهذه تقول: «طق طق طق»، وطلقات مدافع الدبابات: «دج دج».
يهجم الثوار فيرد الجند من «الاستحكامات»، ثم تخرج الحملة، ثم ترجع مكسورة. ما أضعف الثورةَ إلاّ الذين خُدعوا من أبناء الشركس الذين تطوعوا للقتال وجنود السنغال الذين أُجبِروا عليه، ويوم القيامة يُبعثون على نيّاتهم ويؤاخَذون هم وغيرهم بأعمالهم، وفي رحمة الله متّسَع لكل من مات على الإيمان. اللهم
стр. 266
رحمتك لنا وللمسلمين.
* * *
كُتب عن الثورة الكثير لكنها لم تؤرّخ كما ينبغي، ولم أكُن فيها لأكتب عنها من داخلها لذلك وصفت ما يراه مثلي من الظاهر. ما كنت مَن خاض غمارها؛ كنت شاباً تقصر سنّي عن خوضها، وإن كان كثير من أقراني قد شاركوا فيها وأبلوا أحسن البلاء.
لمّا أُحرقَت دمشق كنت أرى النار من بعيد، أرى لسانها ممتداً يلحس الدور والقصور، فيمحو الحياة منها كما يُمحى لوح التلميذ إذ يلحسه بلسانه، فأُحِسّ قلبي يحترق أسىً مثلما تحترق دمشق. وعندما كانت تخرج الحملات معها الدبابات والمصفّحات، فتواجهها البنادق القديمة فتردّها مكسورة، كنت أسمع الأنباء من بعيد فأشعر بالفخر وأجد الرضا، فأحمد الله أنْ نصر المجاهدين، وآمُل أن تعود الحرية ويرجع الخير إلى دمشق ويعمّ بلادَ المسلمين.
* * *
стр. 267
-٢٧ -
كيف انطلقت الثورة
كان عهد ما بين الحربين عهدَ نضال للاستقلال. وكانت قمّة هذا النضال وكانت ذروة أمجاده ورأسَ مفاخره الثورة السورية.
ولئن طهّر الله الجزيرة العربية من أوضار الاستعمار المباشر فلقد منّ على الشام أن كانت أولَ قُطر عربي حظي بالاستقلال التامّ والجلاء الكامل لجيوش الواغلين عليه المتسلطين على شعبه. ولئن كانت مكة أم الإسلام والمدينةُ الظئرَ التي أرضعته طفلاً، فدمشق هي الحاضنة التي حضنته صبياً. وما قوي الإسلام بها ولكنها هي قويت به، وما احتاج إليها وشرف بها ولا بغيرها، بل هو الذي شرّفها وشرّف غيرها. ولئن كانت الجزيرة دار العروبة فالشام البستان الذي يطيف بالدار، والذخر الذي لا يفنى لأهل الدار. ولئن كانت المدينةُ عاصمةَ الدولة الإسلامية الأولى فدمشق عاصمة الدولة الثانية.
على أن الإسلام دولة واحدة، ولو تعدّدت العواصم واختلف الحكّام، دولة واحدة: ربها واحد، ونبيها واحد، ودستورها واحد، وكل أبنائها إخوة في الإيمان؛ نصّ على هذا
стр. 268
الدستور الخالد الذي هو القرآن.
* * *
إن الثورة لم تخرج من جبل الدروز كما شاع في الناس حتى أخذوه حقيقة مسلَّمة، وما هو بالحقيقة المسلّمة، بل خرجت الثورة من غوطة دمشق. ولقد كان الممهّد لها المظاهرات التي بعثتها زيارة كراين الذي جاء صديقاً، وبلفور الذي كان أول المسؤولين عن سرقة فلسطين.
أما السبب المباشر فهو جولة الشيخ بدر الدين في مدن سوريا، أي أنها متصلة بنهضة المشايخ التي لم تلقَ من المؤرّخين ولا من الباحثين الاجتماعيين العناية التي تستحقّها. ولقد كانت بحسناتها وبعيوبها «حادثاً» ينبغي أن يُدرَس، ومن يدرسه فسيرى أنه لم يكُن أثراً (أو ردّ فعل كما يقولون) لدخول الفرنسيين الشام بمقدار ما كان أثراً ونتيجة للمواجهة الكاملة بيننا وبين هذه الحضارة الجديدة (١) التي كانت قبل الحرب ترانا ونراها من شقّ الباب ومن طاقة الجدار، فدخلَت علينا هذه المرة الدار كما يدخل الزوّار.
لقد أخلّت لما دخلت بموازيننا وبدّلت مقاييسنا وغيّرت أساليب تفكيرنا ومعيشتنا، فكنا معها أصنافاً ثلاثة: قليل من شبابنا قبلوها بكل ما جاءت به حتى المفاسد والشرور، وكثير من مشايخنا رفضوها بكل ما جاءت به حتى الحقائق العلمية كدوران
стр. 269
الأرض حول الشمس، والجمهور منا ما أحسّ بها وبقي يعيش بعد دخولها كما كان يعيش قبله. ولكن الجمهور عندنا كان يسير دائماً وراء المشايخ حيثما ساروا، يأتمر بأمرهم ويسمع منهم.
الشبان حجّتهم أن أصحاب هذه الحضارة أقوى منا وأرقى، فكل ما عندهم إذن خير ممّا عندنا. والمشايخ حجّتهم أنهم كفرة لا يدينون دين الحق، والكفر شرّ فكل ما يأتي من عندهم إذن شر. وكلا القولين خطأ وما لأحد منهما حجّة فيما احتجّ به؛ فما يُقاس الحُسن والقبح بمصدره الذي صدر عنه، ولا يُعرف الخير من الشرّ بمنبعه الذي جاء منه، بل يُعرف حُسنه وقبحه وخيره وشرّه من ذاته ومن صفاته، فقد نرث عن آبائنا رأياً أو عادة ويكون فيها الضرر، وقد نستورد رأياً أو عادة من عند غيرنا ويكون فيها النفع.
فكيف -إذن- نميّز الحسن من القبح والخير من الشر؟
الجواب: نميز بما أودعه الله فينا من عقول، فإن أخطأت العقول الطريقَ نفتّش عن النور الذي يدلّها عليه ويسيّرها فيه، ويكفل لها بلوغ الغاية فلا تضلّ عنها. وهذا النور هو الشرع. فالميزان هو العقل المهتدي بهدي الشرع.
* * *
الشيخ بدر الدين الحسني كان شيخ العلماء وكان يُدعى المحدّث الأكبر، كتبت عنه في «الرسالة» حين وفاته (سنة ١٩٣٥) وكتبت عنه بعد ذلك (في مجلة رابطة العالَم الإسلامي سنة ١٩٦٥)، فلن أفيض الآن في الكلام عنه، لكن أقول: إن دنياه
стр. 270
كلها كانت داره والجامع الأموي ودار الحديث التي انتهت إليه مشيختها، وما كان من أصحاب الحركة والتجوال. فلما قام الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب بما دُعي بنهضة المشايخ، ورأى إقبال الناس عليهما وانتفاعهم بهما، لا سيما أهل حوران والبلقاء (في شرقي الأردن) سرّه ذلك منهما وشجّعهما، فسألاه أن يجول معهما في مدن سوريا يعظون الناس، يدلّون على الله، يأمرون بالمعروف، ينهون عن المنكر. فمشى معهم، وكانوا إذا شارفوا البلد خرج الناس لاستقبالهم وساروا وراءهم، فيبدؤون بالمسجد فيعظون ويعلّمون ويحثّون على الجهاد، يبيّنون أحكامه وحالات وجوبه.
وكانت هذه الجولة هي الشرارة التي أشعلت الثورة. لا أقول هذا من عندي ولا نقلاً عن الثقات العارفين من مشايخي وصحبي، كلهم يعرف هذا ويعرفه كل من أدرك تلك الأيام، ولكن أنقله عن تقرير رسمي لمندوب المفوّض السامي الفرنسي، نشرته جريدة «الأحرار» في بيروت العدد ٦٧٨ الصادر في الثاني من شعبان سنة ١٣٥٤ هجرية.
وهذه المذكّرات التي بين يدي كتبها بطلب منّي الشيخ محمد إسماعيل الخطيب، وكان مع نفر من إخوانه أولَ من خرج إلى الغوطة. وكان عزمي على تنقيحها لأنها مكتوبة بلغة عامية لا يكاد يفهمها إلاّ الشامي، ثم نشرها. وأحببت أن أتحقّق منها قبل النشر، فاتصلت بأكثر من استطعت الاتصال بهم ممّن ذُكر اسمه فيها، وسألته عما جاء من خبره في هذه المذكّرات، فما اختلف قول واحد منهم. فوثقت من صدقها، ولكني لم أنشرها؛ بسبب
стр. 271
لغتها أولاً، فقد قلت إنه لا يفهمها إلاّ الشامي، لا بل إن الشامي اليوم لا يكاد يفهمها لأنها بعامية الشام قبل خمسين سنة. ثم إنها ممتلئة بأسماء رجال لا يعرفهم اليوم أحد منهم من ذمّ فعاله، فإذا أعلنت الذمّ آذيت ذريته وآله.
لذلك ألخّص منها ما يناسب المقام، مترجَماً إلى لغتي مكتوباً بأسلوبي.
* * *
يذكر ﵀ زيارة كراين الأميركي الذي حضر للوقوف على رغبات السوريين (أو لتقصّي الحقائق على التعبير الجديد)، وكان الحزب الوحيد هو «حزب الشعب» فاجتمع برجاله وبغيرهم من الزعماء، اجتمع بالدكتور عبد الرحمن شهبندر والأستاذ حسن الحكيم (الذي لا يزال حياً وقد قارب المئة، قوّاه الله وجنبه الأمراض) وزكي الخطيب وسعيد حيدر. وهؤلاء الأربعة من أنظف الوطنيين يداً وأقومهم سبيلاً، وحدثت أحداث كانت عاقبتها أن نفى الفرنسيون هؤلاء جميعاً وكثيراً من غيرهم إلى جزيرة أَرْواد، مقابل الساحل السوري، فحبسوهم فيها.
وكان ذلك في السنة الأولى لدخول الفرنسيين، والمظاهرات التي قامت نتيجة ذلك هي أول المظاهرات في عهد الانتداب، وقد كنت نسيتها لما تكلمت عن تظاهرة الناس يوم زيارة بلفور.
ويقول ﵀ إن نفيهم كان يوم الأربعاء، وكانت الأحداث كلها والتظاهرات تبدأ من الجامع الأموي بعد صلاة
стр. 272
الجمعة، فلما كانت الجمعة وقُضيَت الصلاة قام الدكتور خالد الخطيب فخطب مطالباً بالاستقلال وإطلاق المعتقَلين، وخطب غيره، وخرج المصلّون متظاهرين فقابلهم رجال الشرطة، ثم جاء الدّرَك، ثم جاءت «السباهيّة» من جنود المغاربة والجزائريين الذين ساقوهم إلى نزالنا مرغَمين، ونصبوا مضخّات الحرائق على كتف بردى وواجهوا الناس بالماء من خراطيمها، فأقدم الناس فقطعوا خراطيم الماء وألقوا بالمضخات ومَن معها في النهر، عندئذٍ أطلق الجند الرصاص فأردَوا خمسة من الشباب، وكان هؤلاء أول فوج من الشهداء بعد ميسلون.
قال الشيخ محمد في مذكّراته (وقد وضعت كلامه كما كتبه بين قوسين): "وصار تشكيل جماعات جماعات لأجل أن تقوم البلاد بمساعدة بعضها البعض على الفرنسيين، وأنا العبد الفقير كانت وظيفتي أن أحمل مصحف وخنجر ونحلّف الناس، والله حلّفت مقدار أربعة آلاف من صنف الزكرتيّة والرجال المشهورة، مثل ديب الشيخ وأبو شاكر القلعجي من «العِمارة»، ومن «الشاغور» حسن الخراط وأبو حامد الفحل وأبو عنتر وأبو محمد سلوم وأبو فارس الحرش، إلخ. ومن «الميدان» أبو كمال عرار وأبو سليمان المهايني وصادق الرجّال وأولاد سكر وأولاد رحمون، إلخ. ومن «سوق ساروجة» (صاروجا) عبد الوهاب الرجلة والأغواني، إلخ. ومن «حارة الأكراد» أبو داود الشيخاني وأبو عمر ديبو، إلخ".
وهؤلاء الذين سمّاهم وأمثالهم هم فتوّات الأحياء كما يُقال في مصر، أو القبضايات، وندعوهم نحن «الزكرتية». والأولون
стр. 273
منهم كانت لهم مزايا الفرسان، يُنجِدون الضعيف ويمنعون الظلم ويحمون أعراض النساء، ثم خَلَف من بعدهم خَلْف ليسوا مثلهم، ولا أحب الآن الكلام عنهم.
* * *
عاد الشيخ وصاحباه من رحلة الشمال، وكان قد اقترب يوم المولد. وكان أهل الشام (كغيرهم في أكثر البلاد) يجتمعون لقراءة قصة المولد وتوزيع قراطيس السكر الملبّس. ولا أعرض للمسألة التي شغلوا بها الآن الأذهانَ وجعلوها قضية الإسلام الأولى، وهي حكم الاحتفال بالمولد، فأنا أدوّن ها هنا تاريخاً لا أصدر فتاوى، وإن كنت قلت وكتبت من أيام شبابي منبّهاً إلى أن هذه الموالد التي يقرؤونها أكثرها فيه ما لا تصحّ نسبته إلى رسول الله عليه صلاة الله (١).
فجدّ جديدٌ تلك السنة؛ هو أن الاحتفال بالمولد تحوّل من اجتماع على قراءة قصة المولد وإنشاد الأناشيد وأكل السكاكر، إلى مهرجان وطنيّ شعبي، إلى مباراة بين أحياء دمشق في نصب أقواس النصر وتغطيتها بفروع شجر الغوطة، وتزيينها بالورد والزهر وصور عنتر وأبي زيد الهلالي وأبطال القصص الشعبية، ورفع الأعلام عليها واللوحات الداعية إلى النضال التي تمجد
стр. 274
الاستقلال وتنكر الاحتلال. ما كانوا يرفعون العلم الرسمي بل العلم العربي المربع الألوان، وكانت مسابقة إلى إقامة الحفلات الوطنية، كل يوم من الأيام لحيّ من الأحياء، يقيم أهل الحيّ العراضات ويهزجون بالأهازيج، ثم يحضر موكب الوطنيين فيخطب الدكتور عبد الرحمن شهبندر، وهو من أقدر من سمعت من الخطباء، وزكي الخطيب وخالد الخطيب، وتشتد الحماسة، وربما مشوا بمظاهرة فاصطدموا بقوى الحكومة. وكانت الحكومة حكومتين: المحلية وأعضاؤها كدُمى مسرح العرائس، لا يتحركون حتى تحركهم أيدٍ لا نراها، والحكومة المنتدِبة، أي الفرنسيين.
هنا خرج كاتب المذكرات وصحبه إلى الغوطة. قال: "وفي منتصف الليل خرجنا من عند بستان عرنوس وحطينا عنده (أي وضعنا) لفّاتنا (أي عمائمنا) وقَنابزنا (أثوابنا)، ولبسنا لباس الثورة وخرجنا مع إخواننا عبد الرحمن الرهوان وحريص المرجة وأبو رشيد الخباز، وهؤلاء من قرية عربين، ومن دمشق العبدلله محمد إسماعيل الخطيب وعبد الوهاب الرجلة وشفيق السكري وعبد الوهاب الدوجي ونديم شهاب. وحين وصلنا جسر تورا اعترضَنا اثنان من الفرنسيين فقتلنا الواحد وشلّحنا الثاني، وقعدنا في الزور عند جسر الغيضة".
والزور موضع من الغوطة كالغابة، كثيف الشجر متقارب الأغصان، وهو قرب سقبا (وكنت معلم مدرستها سنة ١٩٣١) وجسرين وكفر بطنا. قال: "بقينا أربعة أيام، وما كان أحد يطلع من الشام ممن حلّفناهم، فصرنا في حيرة و ... "، ففكروا بخطة
стр. 275
عجيبة. كتبوا كتاباً للفرنسيين بأن الذي قتل الجنديّ عند جسر تورا هم فلان وفلان، ممن حلفوا اليمين وما خرجوا للجهاد، ومنهم ممّن لم أسمِّ أبو شكري الطباع وأبو شكري فيصل (١)، وسعود اللحام وأبو صلاح العرجا، إلخ.
وأرسلوا إليهم صورة منه مع نديم شهاب ليخبرهم أن الكتاب أُرسل إلى الفرنسيين بالبريد، فإما أن يخرجوا إلى ميدان الجهاد وإما أن يسلموا رؤوسهم إلى الجلاد (٢) ... فخرج أكثرهم وابتدأت الثورة.
* * *
أما أحداث الجبل التي ابتدأت قبل ذلك بقليل فكانت حدثاً فردياً: جاء لبناني اسمه أدهم خنجر، محكوم عليه بالإعدام، يستجير بسلطان الأطرش، فلم يجده فلجأ إلى داره.
وحقّ الجوار باقٍ عندنا من أيام العرب الأولى، يحمي السيد جاره ولو مات في سبيله، وما كانت حرب البسوس إلاّ بسبب الجوار. وقانون الجوار وسجيّة الكرم اضطرهم إليها أنهم يعيشون في صحراء ليس فيها حكومة تحمي الضعيف ولا فندق يؤوي الغريب.
وعلم الفرنسيون بمجيئه فقبضوا عليه، فلما قدم سلطان
стр. 276
غلى في رأسه الدم وجمع بعض بني عمّه من الطرشان (وكان بعض منهم مع الحكومة) وهجم على المخفر، وبدأ الصدام وخرجت الحملات. فلما وصل الخبر إلى دمشق عُقد اجتماع عاجل لحزب الشعب وبعثوا زكي الدروبي، أوصله إليهم وحماه في طريقه سعود اللحام من الشام. وتحوّلَت حركة الجبل إلى ثورة رسمية، أُعلنَ عنها ونُصّبَ سلطان الأطرش قائداً عاماً لها وانضوى الثوار تحت لوائها، وإن كانت هذه القيادة اسميّة رسمية وكان كل رئيس جماعة يعمل وحده.
والحديث طويل وذيوله كثيرة، ولا أستطيع إن فتحته أن أغلقه. فحسبي ما ذكرت، والعفو إن أجملت أو أبهمت أو قصّرت.
* * *
стр. 277
-٢٨ -
شعر الثورة في مكتب عنبر
تحدّثت عمّن أثّروا في فكري وفي سلوكي من أساتذة مكتب عنبر، ومن معلمي المدارس الابتدائية قبلهم، وعن بعض المشايخ الذين قرأت عليهم أو صحبتهم خارج المدرسة، وبقي بعضٌ سيأتي -إن شاء الله- الكلام عنهم.
وقلت لكم إن أساتذة مكتب عنبر كان أكثرهم من الضباط والقادة في الجيش العثماني: انهارت الدولة وانحلّ الجيش، فجاؤوا يعلّمون. وكان منهم ضابط صغير هو بالنسبة إليهم شابّ، ملازم اسمه «عِزّة الرفاعي» جعلوه مراقباً للطلاب. وكان المراقب الأول عاصم البخاري، وهو أخو نصوحي بك البخاري الذي وُلّي وزارة المعارف غير مرة، وأبوهما العالِم السلفي الذي جعلوه رئيس العلماء الشيخ سليم البخاري. والغريب أن الطلاب كانوا يسمّونهما عاصم بك وعزة أفندي.
الأستاذ عزة الرفاعي لم يدخل علينا مدرّساً ولم يُلقِ يوماً علينا درساً، ولكنه من أوائل مَن تركوا في نفسي أعمق الآثار وأبقاها. كان مراقباً للطلاب، يصفّهم، يُدخلهم ويُخرجهم. ثم
стр. 278
جعلوه مدرّس رياضة، فأسّس فيها أسساً وخرّج الله به أبطالاً. ولهذا حديث آخر، والكلام عنه اليوم في أمر يتصل بي ويتصل بالثورة التي كان الكلام في الحلقتين السابقتين عنها.
أمضيت ست سنين في «مكتب عنبر» منفرداً، لا أخالط الطلاب ولا أشاركهم في جِدّ ولا لعب. فما الذي جعل الأستاذ الرفاعي يدعوني يوماً، وكانت الثورة في عنفوانها، وفي يده مجلة مصرية فيها «قصيدة شوقي»، فيسألني: هل أنا مستعد لإلقائها على الطلاب؟
مَن قال له أني أحسن إلقاء الشعر؟ من عرّفه بي وأنا ما كنت أعرف ذلك من نفسي معرفة يقين؟ وقلت: نعم. قال: خذها فاحفظها وغداً تلقيها.
وكان الغد فجمع الطلاّبَ وجاء بعض الأساتذة، ووقفت أتلوها:
سلامٌ من صَبا بردى أرقُّ ... ودمعٌ لا يُكفكَفُ يا دمشقُ
ومضيت فيها، وأخذتني الحماسة فنسيت أن المدرسة حكومية وأن فيها مدرّسين فرنسيين، وأن الثورة قائمة وأننا نسمع أصوات الرصاص والرشّاشات ونحن في الفصول. وجهرت بها وأطلقت صوتي كله، وكنت (وأظن أنني لا أزال) أُسمِع الجامع الأموي كله بلا مكبّر.
وحضر المدير وهو أستاذنا جودة بك الهاشمي، وكانت له في نفوسنا هيبة تبلغ حدّ الرهبة، فأحسّ كأني تردّدت لمّا أبصرته فأشار إليّ أن أكمل، فأكملت القصيدة. وكان الطلاب، بل كان
стр. 279
المدرّسون أيضاً، يصفّقون عند كل بيت ويستعيدونه ويهتفون، صفّقوا حتى احمرّت الأكفّ وهتفوا حتى بُحّت الحناجر. لا إعجاباً بإلقائي بل بشعر شوقي، بل إعجاباً بالموضوع العظيم الذي نظم فيه شوقي قصيدته، وهو الثورة السورية.
ثم وصلت بعد أسبوع قصيدة خير الدين الزركلي فأمرني بإلقائها، وتكرّر الاجتماع والحماسة مني والتصفيق والهتاف منهم.
وأنا لا أزال -إلى اليوم، بعد خمس وخمسين سنة- أحفظ أكثر أبيات القصيدتين. لقد كان شوقي «لسان العرب» الذي يُعرِب عن آلامها وآمالها ويصوّر أفراحها وأتراحها، فما مرّ بالعرب، بل بالمسلمين، حدث إلاّ كانت لشوقي قصيدة فيه، لذلك كان شعره ديوان العرب في هذا العصر.
* * *
هذه القصيدة ليست من أجود ما نظم شوقي وقافيتها من أصعب القوافي. وأنا أعرف ظروف نظمها، فقد نظمها على عجل، ولكن شاعريته محت آثار عجلته فجاءت فيها أبيات سارت في الناس مسير الأمثال، وخلدت خلود أبيات المتنبّي، وصارت مدداً لكل خطيب يخطب أو زعيم يقود. حوت معاني تبقى جديدة ولو مرّت عليها السنون:
فُتُوق المُلْكِ تَحدُثُ ثمّ تَمْضي ... ولا يَمْضي لِمختلفين فَتْقُ
فإن كنا متفقين رتقنا كلّ فَتْق وسددنا كل ثغر، أما إذا اختلفنا وتنازعنا فإنها تذهب ريحنا ويكون فشلنا. ولا تقولوا: ما له ينصحنا
стр. 280
وما هو من أهل دارنا؟ فإن هموم الشرق تجمعنا:
نَصحْتُ ونحنُ مختلفون داراً ... ولكنْ كُلّنا في الهمِّ شَرْقُ
ويجمَعُنا إذا اختلفَتْ بلادٌ ... بَيانٌ غيرُ مختلفٍ ونُطْقُ
على أن البيان لا يجمع ما لم يكُن معه الإيمان؛ فقد كان العرب قبل الإسلام أهلَ فصاحة وبيان وكان يجمعهم النسب واللسان، وما جعلهم أمة واحدة حتى نزل القرآن. ومن أبياتها السائرة:
وقَفتم بين موتٍ أو حياةٍ ... فإن رُمتُمْ نعيمَ الدهرِ فاشقوا
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ ... يدٌ سلَفَتْ ودَيْنٌ مُستحقُّ
ومَنْ يُسقى ويَشربُ بالمنايا ... إذا الأحرارُ لمْ يُسقَوا ويَسقُوا؟
ولا يبني الممالِكَ كالضحايا ... ولا يُدني الحقوقَ ولا يُحِقُّ
ففي القتلى لأجيالٍ حياةٌ ... وفي الأسرى فدىً لَهُمُ وعِتقُ
ثم جاء البيت الذي صار -على ضَعف تأليفه- بيتَ القصيد في هذه الأبيات التي تصلح أن تكون نشيد النضال:
وللحرّيةِ الحمراءِ بابٌ ... بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يُدَقُّ
وقديماً قالوا إن «براعة الاستهلال» من محسّنات المقال. وقد حيّا شوقي في مطلع القصيدة دمشق ووصف رقة نسيمها وصباها، ودمعه على ما حلّ بحماها. ولكن له مطالع أجود، كمطلع قصيدته في «الأزهر» الذي أنطقَ فيه أكبرَ ناطق وهو الدنيا، وأسمعَ أعظمَ سامع وهو الزمان:
стр. 281
قُمْ في فَمِ الدّنيا وحيِّ الأزهرا ... وانثُرْ على سَمعِ الزّمانِ الجَوْهرا
ومطلع الشامية الأخرى:
قُمْ ناجِ جِلّقَ وانشُدْ رسمَ مَن بانوا ... مشَتْ على الرّسْمِ أحداثٌ وأزمانُ
ولقد أحسّ بهذا فقال:
ومعذرةُ اليراعةِ والقوافي ... جلالُ الرُّزءِ عن وَصفٍ يَدِقُّ
وما قصّر مع ذلك في الوصف، فلقد وصف نكبة دمشق التي لم يصدّق خبرها لهول ما سمع عنها:
رِباعُ الخُلدِ ويحك ما دهاها؟ ... أحقٌّ أنها درَسَتْ، أحَقُّ؟
وأينَ دُمى المَقاصرِ من حِجالٍ ... مهتَّكةٍ وأستارٍ تُشَقُّ
ثم يصف الحور التي كانت مقصورات في الحِجال حين هُدمَت عليهن الدار وهُتّكت الأستار، فخرجن ومِن حولهن النار، التي أضرمتها حضارة المتحضرين الذين انتدبوهم ليدلّونا على طريق المدنية ... وأولادهن تحوطهم الأخطار، ولا يدرين أيّ طريق يسلكن للفرار:
بَرزْنَ وفي نواحي الأَيْكِ نارٌ ... وخلفَ الأَيكِ أفراخٌ تَزُقُّ
إذا رُمنَ السّلامةَ من طريقٍ ... أتَتْ من دونِهِ للموتِ طُرْقُ
بِلَيلٍ للقذائفِ والمَنايا ... وراءَ سمائه خَطْفٌ وصَعْقُ
إذا عصَفَ الحديدُ احمرَّ أُفْقٌ ... على جَنباتِهِ واسودَّ أُفْقُ
سلي مَن راعَ غيدَك بعدَ وهنٍ (١) ... أبينَ فؤادِهِ والصّخرِ فرقُ؟
стр. 282
ثم جاء بيت فيه حقيقة ننساها دائماً، وكان علينا أن نتذكّرها دائماً:
وللمستعمِرينَ وإنْ ألانوا ... قلوبٌ كالحِجارةِ لا تَرِقُّ
رحمك الله يا شوقي، لَهُمْ والله قلوب كالحجارة، ولكنهم يُلبِسون الحجارةَ ثوباً من ناعم الحرير فتخدعنا نعومة ظاهرها عن قسوة ما فيها.
* * *
أمّا صديقنا، بل أستاذنا خير الدين الزركلي، فليس من رجال شوقي ولا من طبقته، ولا أسلوبه من أسلوبه، على الرغم من أن شوقي آذاني بهذه القافية التي أحسّ كلما تلوت القصيدة كأنها مطارق تنزل على رأسي: دقّوا، دقّوا، دقّوا. ﵀، ما الذي جعله يختار حرف القاف من بين سائر الحروف؟
على أنه أحمد شوقي شاعر العرب، الذي لم يأتِ بعد أحمد المتنبي شاعر أشعر منه، ولا أحمد شيخ المعرّة صاحب اللزوميات. ولكني أفضّل هنا قصيدة الزركلي على قصيدته، لا أفضّل الزركلي ولا غيره عليه هو. الزركلي ابن الشام، ومهما كان البعيد فإنه لا يشعر بمأساة البلد شعور ابن البلد. وأسلوب الزركلي هنا أسلس وأليَن، وإن كان أسلوب شوقي أقوى وأمتن، وقافية شوقي كأنها الطريق الوعر فيه الحجارة والصخر، وقافية الزركلي كالسلسال الجاري والجادة المعبَّدة السهلة. والزركلي كان حيناً أشعر شعراء دمشق الأربعة، وإن كان قد انقطع عن الشعر من نصف قرن وانصرف إلى التأليف، فترك كتاباً من أعظم
стр. 283
ما أُلِّف في هذا العصر وهو «الأعلام».
مطلع قصيدة الزركلي:
الأهْلُ أهلي والدّيارُ دياري ... وشِعارُ وادي النَّيْرَبينِ شعاري (١)
ما كان مِن ألمٍ بجِلّقَ نازِلٍ ... وارى الزّنادَ فزَندُهُ بي واري
إنّ الدّمَ المُهراقَ في جَنَباتِها ... لَدمي، وإنّ شِفارَها لَشِفاري
دَمعي لِما مُنيَتْ به جارٍ هُنا ... ودمي هناكَ على ثَراها جاري
كان الشاعر في مصر، فرّ إليها وأقام بها لمّا حكم عليه الفرنسيون بعد ميسلون، كما فرّ إليها الدكتور شهبندر والأستاذ محبّ الدين الخطيب، وفرّ إلى فلسطين الشيخ كامل القصاب.
والمدرّسون يعلّمون الطلاب أن الأسلوبَ العلمي يعتمد على الأفكار والأسلوبَ الأدبي على الصور، وأن الفكرة توصف بأنها صحيحة أو غير صحيحة أما الصورة فتوصف بأنها جميلة أو غير جميلة. وقصيدة الزركلي مملوءة بالصور، ولكنها ليست كالصورة في القصيدة العاطفية المَدار فيها على الجمال وحده، بل على الجمال والحقيقة، لأن هذه القصيدة وأمثالها تاريخ فنّيّ، أو فنّ تاريخي. أريد أن أقول إنها لا تكمل إلاّ إن جمعت بين الصدق وبين الجمال. الصدق لأنها تاريخ ليست خيالاً، والجمال لأنها أدب ليست مجرد وثيقة. وقد جمع الزركلي فيها الحسنتين: خبر موثوق في أسلوب جميل:
стр. 284
يا وامضَ البَرقِ (١) اطمئنَّ وناجِني ... إنْ كُنتَ مطّلِعاً على الأسرارِ
ماذا هناكَ؟ فإنّ صوتاً راعَني ... والصوتُ فيهِ جفوةُ الأذْعارِ
وجاءه الجواب يبيّن ماذا هناك:
النارُ مُحدِقةٌ بجِلّقَ بعدَما ... تركَت «حماةَ» على شفيرٍ هاري
الطفلُ في يدِ أمّهِ غرَضُ الأذى ... يُرمى وليسَ بخائضٍ لِغِمارِ
والشيخُ متّكئاً على عكّازِهِ ... يُرمى وما للشيخِ من أوزارِ
لَهفي على المتخلّفينَ برَحبِها ... كيفَ القرارُ ولاتَ حينَ قرارِ
كيف يَقَرّون وهم يرون الظالمين يرصدونهم، يُعِدّون لهم كأس الموت وعدّة الهلاك، إنهم:
يترقّبونَ الموتَ في غَدَواتِهمْ ... وإذا نجَوا فالموتُ في الأسحارِ
والظلمُ منطلقُ اليدَينِ محكَّمٌ ... يا ليتَ كلَّ الخَطْبِ خَطْبُ النّارِ
ثم انطلق يرثي دمشق وحماة، وكل ما دمّر الآثمون وما قتلوا وما شرّدوا، يسائل الديارَ عن أهلها والقصورَ عن سكّانها والرياضَ عن قُطّانها:
أُمَّ القصورَ نواعماً ربّاتُها ... ما للقصورِ دواثرَ الآثارِ؟
أُمَّ الجِنانَ الكاسياتِ رياضَها ... حُللُ السّنا ما للرّياضِ عَواري؟
أُمَّ الحياةَ ولِلحياةِ نَعيمُها ... هل في ديارِكِ بَعدُ مِن دَيّارِ؟
زهوُ الحضارةِ أنتِ مطلَعُ شمسِهِ ... أفتغتدينَ وأنتِ دارُ بوارِ؟
стр. 285
أكُلّ هذا يُرتكَب باسم الحضارة؟
ويحَ الحضارةِ كيفَ يَمتهنُ اسمَها ... متكالبونَ على الضِّعافِ ضواري
ولكن الضيم لا يدوم وربما ثار المظلوم، والإحراج يسبّب الإخراج، واللوم يومئذٍ على الظالمين:
هُم أحرجوكِ فأخرجوكِ مَهيجةً ... فصرختِ فيهِمْ صرخةَ الجبّارِ
وإذا الظّلامُ عتا تبلّجَ فجرُهُ ... ظُلمُ الحوادثِ مَطلَعُ الأنوارِ
فلا تيأسي إنْ دُمّرتِ، فإنّ ما هُدِم يُبنى وما ذهب يُعوَّض:
ما دمّروكِ هُمُ ولكنْ دمّروا ... ما كانَ فيكِ لهُمْ من استعمارِ
* * *
لقد رأيت في هذا القرن الذي عشت ثلاثة أرباعه مواقف كانت أسواقاً للشعر وميادين سباق للبلغاء، لا يبقى شاعر لا ينظم فيها قصيدة فتكون معارض للبيان. يوم مات سعد مثلاً، ويوم بويع شوقي بإمارة الشعر، ويوم مات شاعرا العربية شوقي وحافظ ... ومِن هذه المواسم الأدبية الثورة السورية.
لقد عرضت هذه المختارات من قصيدتَي شوقي والزركلي لأني ألقيتهما وحفظتهما، وعندي (في ذهني وتحت يدي) قصائد أُخَر مِمّا قيل في الثورة، أكثرها ضاع ولم يبقَ مِمّن يحفظه إلاّ القليل. فهل ترون أن أجعل حلقة أخرى من هذه الذكريات للإشارة إليها وإيراد مختارات منها؟