← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

حكومة هولندية باسم «جمهورية بتافيا» بقيَت إلى سنة ١٨٠٦، أذاقت الأندونيسيين ألوان الأذى وسخّرتهم وأرضَهم لمصالح تجارها. وفي سنة ١٨١١ سيطرَت على البلاد شركة الهند الشرقية البريطانية، وكان بطل الموقف القائد الإنكليزي الشهير رفلس الذي ذكرتُه لمّا تكلمت عن سنغافورة، فأصلح في الإدارة وكان حُكمه أخفّ أذى. ولمّا هُزم نابليون عادت البلاد إلى هولندا، فأصدرَت قانون الزراعة الذي غصبت فيه خيرات البلاد كلها (كما تصنع الآن إسرائيل في فلسطين) لتعوّض ما فقدَته من أموال في حروب نابليون، وكانت مجاعات مات في إحداها مئة ألف في سيمارنج فقط ما بين تشرين الأول (أكتوبر) ١٨٤٩ وآذار (مارس) ١٨٥٠. * * * مرّ الاستعمار الهولندي في أندونيسيا بأربع مراحل: فمرحلة امتدّت مئتَي سنة، من ١٦٠٠ إلى ١٨١٦، كان الهولنديون فيها تجاراً مغامرين، يتوسلون بالحيلة أحياناً والقوّة حيناً إلى امتلاك أطراف البلاد والسيطرة على ملوكها بالمعاهدات واستلام خيراتها، وهم يتقدمون خلال ذلك إلى الأمام، كل يوم يدخل عليهم يزيدهم تمكّناً ونفاذاً، حتى ملكوا أكثر جاوة وأطراف سومطرة وكثيراً من الجزر الصغار. ومرحلة من ١٨٥٠ إلى ١٩٠٤ كانت مرحلة تأسيس وتوطيد، وجمع المال من كل طريق، والإيقاع بين الملوك والتزلّف بالحيلة إلى قويّهم والسيطرة بالقوة على ضعيفهم.

стр. 2207

ومرحلة من ١٩٠٤ إلى الحرب الأولى، كانت مرحلة تغلّب وظفر، فقد تمّت السيطرة على أكثر الملوك والحكومات، فمنهم من استسلم فبقي له اسم بلا حكم وكيان بلا سلطان، ومنهم من حارب وحده فغُلب. وكان الذي مكّن للمستعمرين أمورٌ فيها عبرة لنا جميعاً، عبرة لمن يريد أن يعتبر بغيره، أولها: هذا التفرّق والانقسام؛ لقد كان في كلّ جزيرة دولة لها علَم ولها جيش، مع أن اللسان واحد والدين واحد والأرض واحدة، وما من داعٍ لهذا التعدّد إلاّ خوف الحاكمين على سلطانهم. والثاني: أن الأرض كان أكثرها ملكاً للزعماء والناسُ يعملون كالدوابّ فيها، تَشبع الدواب وهم لا يكادون يشبعون، فلما استمال المستعمرون هؤلاء الزعماء اتخذوهم سَوطاً فضربوا به الناس، حتى إذا أمنوا الناس عادوا إليهم فضربوهم هم بسوطهم. والثالث: هذه الحرب الاقتصادية المنظَّمة التي لم تكن تعرفها تلك النفوس الطيّبة التي لا تزال على الفطرة. أضرب عليها مثالاً واحداً: لمّا ازدهرت صناعة الدخائن (السجائر) الوطنية سنة ١٩٣٣ وأقبل الناس عليها، جاءت الشركات الأجنبية فاشترت كل ما أنتجته المصانع الأندونيسية فوضعوه في مخازن أعدّوها له، وأمرّوا عليه غازات كيميائية تُفسِد طعمه ولا تبدّل شكله، ثم عرضوه في الأسواق. فلما أخذه الناس أصابهم منه السعال والمرض فضاعت ثقتهم بالمصنوعات الوطنية وأعرضوا عنها حتى ماتت وأغلقت معاملها.

стр. 2208

والرابع: المستشرقون، أو واحد منهم على التخصيص هو أسنوك هورغرونيه، الذي أعلن أن سرّ قوّة هذه الأمّة هو الإسلام وأنه لا يمكن قهرها إلاّ بمعرفة هذا السرّ. وقد حقّق بنفسه ما أعلنه فادّعى الإسلام وتعلّم العربية، ودرس في الأزهر وذهب فجاور في مكّة حتى صار من العلماء في الإسلام والعربية، ثم دخل مملكة أبتشيه عالِماً مسلماً وعاش فيها يدرّس ويعلّم ويخطب ويؤم الناس، وعينه تلحظ كل شيء وقلمه يسجّل، حتى أخرج للناس هذه الكتب التي تُعَدّ المورد الأقرب لكل من يكتب عن هاتيك البلاد والتي كانت لهولندا أكثر من جيش، لأنها صنعت ما لم تصنعه الجيوش حين جعلت منها ومن صاحبها دليلاً في حرب المسلمين في أندونيسيا. والخامس: فتح الباب للمهاجرين الأجانب من هولنديين وصينيين وسيطرتهم على مرافق البلاد وامتلاكهم موارد خيراتها. وهم قوم مستثمرون لا يهمّهم إلاّ الكسب، فهم بذلك عون لأن الاستثمار حلف الاستعمار. وقد بلغت رؤوس أموال الشركات الأجنبية في أندونيسيا سنة ١٩٣٧ ثلاثمئة وسبعين مليون جنيه، منها مئتان وخمسون مليوناً للهولنديين. ولمّا زرت أندونيسيا سنة ١٩٥٤ كان أكثر مرافق البلاد من مطّاط وسكّر وغيرهما لا تزال في يد هذه الشركات. * * * على أنه ليس في الدنيا خير محض ولا شرّ محض، وما من مصيبة لا تجرّ نفعاً. ولقد كان من منافع الاستعمار (وهو شر وضرّ)

стр. 2209

أن أدخل في البلاد زراعات جديدة وصناعات، وأنه وحّدها بعد أن كانت متفرّقة، ولقّنها دروساً أحسنَت الاستفادة منها، وأطلعها على سرّ الحضارة الأوربية فذهبَت جِدّتها وبطل سحرها لمّا عُرفت حقيقتها. ولم يهدأ الأندونيسيون سنة واحدة خلال هذا العهد الطويل، ولم يستنيموا إلى الضيم ولم يستريحوا إلى المذلّة، بل كانوا يهبّون أبداً ثائرين في وجه الغاصب مدافعين عن حريتهم مجاهدين في سبيل ربهم ودينهم، ولكنها كانت ثورات فردية، كل يثور وحده ويقاتل وحده والآخرون ينظرون. ولو ثاروا جميعاً وقاتلوا جميعاً كما فعلوا أخيراً لتمّ لهم هذا الظفر بالاستقلال من عهد بعيد. وهذه من عِلَلنا المزمنة: باب مغلق يأتي كل منّا يدفعه فلا ينفتح، فيدعه ويقعد، ويأتي غيره فيجرّب وحده، ولو دفعناه جميعاً دفعة واحدة لانفتح لنا. ثورات وحروب لا أستطيع أن أحصيها، ولكن أذكر منها على سبيل المثال حروب حكومة بنتام من سنة ١٦١٩ إلى سنة ١٦٢٨. هذه الحروب التي كاد أن يُكتب لها النجاح وطرد الواغلين في البلاد لولا تلك العِلّة، العلة ذاتها؛ فإنها لمّا قامت حكومة متارام القوية سنة ١٦٢٨ تحارب هولندا لم يكن من بنتام إلاّ أن تركَت حرب المستعمرين ووقفت معهم على أختها في الدين والوطن متارام، مخافة أن تقضي عليها وتغلبها على أرضها! ومع ذلك فقد عادت متارام بالجيش الجرّار الذي يُعَدّ مئة ألف والذي لا تقف في وجهه هولندا ولا بنتام، ولكن الهولنديين لمّا

стр. 2210

رأوا عجزهم عن حرب السيف عمدوا إلى حرب الغدر والمكر، فأحرقوا مخازن الرز وعنابر المؤن وتركوا هذا الجيش يهلك جوعاً ومرضاً. وفي سنة ١٨٢٥ كانت الثورة الرائعة، ثورة العالِم المجاهد الصابر الأمير ديبانيكارا، وهو ابن همنوكوبوانا الثالث ملك متارام. وُلد في بلاطه سنة ١٧٨٥، ولكنه اتصل من مطلع شبابه بشيخ ضاع مني اسمه الآن (لأني كتبته في ورقة فلم أجدها وأنا أكتب هذا الفصل)، فنشّأه على العلم والعبادة، ثم كرّه إليه حياة الفجور فتركها وذهب إلى دار له منعزلة فاعتكف فيها مقبلاً على القراءة والدرس، فحفظ القرآن ونظر في التفسير وقرأ التحفة لابن حجر وكُتُب الغزالي، وأقبل على النظر في التواريخ، فأخذ نفسه بإنكار المنكَر وإزالته بيده، فاعترضه أبوه، فأنكر على أبيه ما كان عليه من المنكَرات وألزمه باتباع سبيل الهدى، ولمّا خلا العرش بوفاة أبيه وأرادوه عليه أباه لأنه لم يرَ نفسه أهلاً لحمل أعباء الحكم. وهذه منقبة لا أعرفها لغيره، ولا أعرف في تاريخ أولياء العهود جميعاً رجلاً آخر رفض عرشاً لأنه لم يرَ نفسه أهلاً له إلاّ معاوية ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ولمّا اشتدّ عسف الهولنديين وظلمهم لأبناء البلاد الذين كانوا يدعونهم الأقزام رأى الجهادَ واجباً عليه، فنشر رايته ودعا إليه، وكان ابن أربعين سنة. وبدأت المعارك بينه وبين الهولنديين في ٢٠ تموز (يوليو) سنة ١٨٢٤ واستمرّت خمس سنوات، وكان النصر له في جميعها، وكان قائداً بارعاً وفارساً لا يُشَقّ له غبار. وقتل من الأعداء خمسة عشر ألفاً ثمانية آلاف منهم

стр. 2211

من الهولنديين، وعجزت عنه جيوش هولندا في المستعمرات فاستنجدوا بأوربا، فأنجدتهم بقوّة هائلة كسرها كلها، فأثاروا عليه الناس وجعلوا لمن جاء به حياً أو ميتاً مكافأة ضخمة، فما نفعهم ذلك شيئاً لالتفاف الناس حوله وتعلّقهم به، برغم أن أكثر الزعماء كانوا مع المستعمر. فلما ضاقت بهم السبل عمدوا إلى الغدر، فأعلنوا الرغبة في الاستجابة لمطالب الأمير ودعوه إلى المفاوضة، فلما جاء في شهر رمضان (٨ شباط ١٨٣٠) قبضوا عليه وأسروه. ولم يكونوا كراماً في أسرهم ولا نبلاء في ظفرهم، وأي نبل من غادر؟ فلم يرضوا منه بما عرضه عليهم من الانقطاع للعلم والتعليم، ونفوه إلى أقصى الجزر فبقي فيها سجيناً منفياً إلى ٨ شباط ١٨٥٥، أي ربع قرن كامل لا ينقص يوماً ولا يزيد يوماً. وكان في شبابه وفي كهولته وفي مُلكه وفي سجنه مثلاً كاملاً للعالِم العامل والمسلم الكامل، وكان يبدأ بنفسه وأهله في كل خير يدعو إليه؛ لمّا خرج إلى الجهاد قال لزوجته: اذهبي على بركة الله وفرّقي كل ما نملك في أسر المجاهدين. فأطاعت المرأة الوفية الديّنة أمر زوجها، وبدأت بحليّها فقسمتها في زوجات المجاهدين. ولمّا خرج أحرق الهولنديون داره، فرآها من بعيد تتوهج نارُها تأكل ماله وفرشه وكتبه، فقال لعمّه: انظر يا عمّ، إن منزلنا يحترق. لم يبقَ لنا على ظهر الأرض منزل، فلنتّخذ منزلاً في الجنّة.

стр. 2212

ومشى يدفع دمه ثمناً لذلك المنزل. كانت ثورة هذا الأمير في أواسط جاوة، على حين كانت في سومطرة الغربية ثورة أخرى، ثورة لله وللإسلام وللحرّية أضرم نارها «قوم بدري» (أي «الجمعية الغرّاء»، لأن «بدري» معناها الأغرّ أو الأبيض باللسان الملاوي (الماليزي)، وقوم أي «جماعة»)، وهم جماعة من طلبة العلم كانوا يتّخذون الثياب البيض فعُرفوا بها، اجتمعوا على إنكار المنكَر والأمر بالمعروف، حتى إذا استجاب لهم الناس ألّفوا «اتحاد الثمانية»، وهم ثمانية علماء من أرباب السطوة والنفوذ. وأعلنوا الجهاد، وكان قائدهم الشيخ مصطفى سحابو يُعرف باسم إمام يونجول، وحاربوا الهولنديين حرباً متصلة ستّ عشرة سنة، من سنة ١٨٣١ إلى سنة ١٨٣٧، لم تنطفئ نارها حتى أُسر هذا الشيخ المجاهد بحيلة احتالوا عليه بها ونُفي إلى أقصى الأرض، وبقي في الأسر سبعاً وعشرين سنة حتى توفّي سنة ١٨٦٤. أما الحروب الهائلة التي كلفت الهولنديين ملايين الروبيّات وعشرات من آلاف الرجال فهي حرب حكومة أبتشيه العظيمة التي سمعتم خبرها، فقد اتصلَت معاركها الحمر ووقائعها الغرّ واحداً وثلاثين عاماً، من سنة ١٨٧٣ إلى سنة ١٩٠٤. أما التشكيلات الحديثة، منذ ألّف الحاجّ عمر سعيد جوكرو آمينوتو أولَ حزب إسلامي، وهو «شركة إسلام»، وما كان من أمر الاحتلال الياباني والجهاد والاستقلال فسيأتي خبره إن شاء الله في الحلقتين التاليتين. * * *

стр. 2213

-١٧٣ - أندونيسيا بين عسف اليابانيين ونكث البريطانيين بعثتُ بالحلقة الماضية إلى الجريدة على خجل واستحياء لأنها ليست من الذكريات بل صفحة من التاريخ، فبدا لي بعد نشرها أنها لقيَت بحمد الله من قَبول القُرّاء أكثر ممّا كانت تلقى الذكريات؛ ذلك لأنها تنشر تاريخاً مطويّاً تذكّر به من نسيه من الناس، وأكثر المسلمين قد نسوا تاريخهم أو هم لم يعرفوه. أرسل إليّ كثير وهتف بي كثير، يطلبون أن أسرد عليهم كل الذي أعرف من تاريخ المسلمين في تلك البلاد، ليكون المسلمون على بينة من تاريخ إخوانهم، وليستعين بما أكتب مدرّسو التاريخ والمتكلّمون في حاضر العالَم الإسلامي. * * * وجدت كلاماً عن الإسلام في أندونيسيا سابقاً لِما جاء في رحلة ابن بطوطة، هو ما ذكره الرحّالة الإيطالي ماركو بولو الذي زار شمالي سومطرة سنة ١٢٩٢م، إذ قال إن سكان هذه المملكة مسلمون.

стр. 2214

وقد اكتُشف حجر في مقاطعة ترنشانو بشبه جزيرة الملايو (وهي تُكتب الملايا تارة والملايو تارة، لأنهم يلفظونها بين الألف والواو)، وعلى هذا الحجر كتابة باللغة الملاوية وبالرسم العربي فيها أن حاكم هذه المقاطعة قد أمر رعاياه باتباع الإسلام، وفيه ذكر لبعض أحكام الإسلام بالاختصار، وتاريخ هذا الحجر «يوم الجمعة ... شهر رجب سنة السرطان بعد عصر الرسول ‘ بسبعمئة واثنين ...» غير أنه لم يُعرف ما هو العدد المكتوب بعد رقم اثنين لأن الجزء الباقي من الحجر مفقود. أي أن تاريخ دخول الإسلام إلى أندونيسيا كان بين أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الميلادي. وممّا وجدت عن بداية دخول الإسلام إلى أندونيسيا أن السلطان محمد سلطان ملابار، إحدى الولايات على الساحل الغربي الجنوبي من الهند، تنازل عن العرش لابنه الأكبر ولبس ثياب الزهادة والتصوّف وأبحر على ظهر سفينة إلى ميناء سيمودرا على الشاطئ الشرقي الشمالي من جزيرة سومطرة، فقابل أميرها وعرض عليه الإسلام، فأسلم ونودي به ملكاً عليها باسم «الملك الصالح». هذا الملك، واسمه ميراسيلو، كان أول من نطق بالشهادتين من ملوك تلك البلاد، وبقي إلى أن توفّي سنة ١٢٩٧م والإسلام لم يتجاوز بعدُ حدود مملكته. وفي الكتب الجاوية أن سلطاناً مسلماً بجاوة هو السلطان عبد الفتاح، كان من خبره أن الملك براويجايا الخامس، آخر ملوك ماجاباهيت، كانت له جارية حملت منه، فخشي أن يُفتضَح أمره فبعث بها إلى ابنه حاكم فيلمبانغ وأهداها إليه، فلما وصلت

стр. 2215

الجارية تزوّجها ابنه حاكم فيلمبانغ بعد أن ولدت مولوداً للملك. وترعرع الصبي في كنف هذا الأمير، حتى إذا بلغ أشده أفضى إليه بالسرّ وأن أباه هو ملك ماجاباهيت الجاوي البوذي، وأوصى له بالمُلك بعد وفاته وحفظ الوصية عند أمه، فلما كبر أطلعَته عليها. وقدم البلادَ أحدُ الدعاة السابقين إلى الإسلام في طريقه إلى جاوة، وهو علي بن إبراهيم (الذي عُرف أخيراً باسم سونان أنبيل) فاستقبله أميرها وأكرمه وأسلم على يديه، وأسلم ذلك الشابّ ابن ملك ماجاباهيت، وسمّاه الداعية «عبد الفتاح» راجياً أن يكون الفتح على يديه. وكان الداعية علي بن إبراهيم يمتّ بقرابة إلى ملك ماجاباهيت لأن الملك تزوّج إحدى أميرات كمبوديا (كمبوتشيه) بالهند الصينية، وهي خالته، فأخذ عبدَ الفتاح معه إلى ملك ماجاباهيت فاستقبله استقبالاً حسناً وأكرمه إكراماً عظيماً. وبدأ ينشر الدين فأسلمَت خالته، أي زوجة الملك. وجمع الملك كبار رجال الدين فشاورهم في أمر هذا القادم ودينه الجديد، فقرّروا أن يباحثوه فيما جاء به، وكانت مناظرة هادئة استجاب له بعدها من استجاب وأصرّ على دينه القديم من أصرّ. واهتمّ الملك بالداعية علي بن إبراهيم فولاّه على بلدة أنبيل بسورابايا، فسُمّي بعد ذلك «سونان أنبيل»، وولى الملك ابنه عبد الفتاح على بلدة بنتارة التي أطلق عليها اسم ديمك، بعد أن صارت عاصمة الدولة الإسلامية الأولى في جزيرة جاوة. فكان

стр. 2216

عبد الفتاح هذا أولَ ملك مسلم في جاوة، وكان ذلك في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وأُسّست في مَلَقة (مَلاقاة) دولة إسلامية كان أول سلطان من سلاطينها هو راجاكنشيل، الذي أسلم وعُرف بعد إسلامه بالسلطان محمد شاه، وهو الذي أسّس الدولة المَلَقية الإسلامية سنة ١٤٠٩م، وفي عهده كثر مجيء تجار المسلمين من الهنود والعرب والفرس إلى مَلَقة، وبقي إلى أن مات سنة ١٤١١ فتولّى ابنه الأمير قاسم الحكم ولُقّب بالسلطان المظفّر شاه الأول، وكان دائب العمل على مصالح شعبه. وبعد وفاته خَلَفه ابنه المشهور السلطان منصور شاه، الذي اتّسعَت حدود الدولة الإسلامية في عهده حتى وصلت إلى بروناي شمال بورنْيو (التي دُعيَت الآن باسمها القديم كَلامَنْتان). وازداد انتشار الإسلام في البلاد لأن السلطان رغم انشغاله بالفتوحات الحربية لم يهمل نشر الإسلام والدعاية له، وكان مشغوفاً بتعلّم أصول الدين والتشريع الإسلامي، وتوُفّي عام ١٤٧٧ وتولّى الحكمَ بعده السلطان حسين الذي لُقّب بالسلطان علي الدين رعيت شاه الأول (١). * * *

стр. 2217

أما الحركة الإسلامية الجديدة فقد جمعتُ أخبارها من أفواه الرجال ومن أحاديث المجالس، وممّن لقيت من أركان الدعوة الإسلامية في أندونيسيا لمّا زرتها من ثلاثين سنة. قلت لكم إن الفضل كله فيها لرجل واحد، هو الذي شقّ للناس هذا الطريق وهو الذي قادهم إلى العمل، وهو الأستاذ الأكبر عمر سعيد شكرو أمينوتو، الذي أسس أول حزب إسلامي في أندونيسيا سنة ١٩١٠ وهو «شركة إسلام». وكانت بدايتها بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب اليابانية الروسية في مطلع هذا القرن الميلادي، إذ أسس الشبان المثقّفون أول اتحاد سياسي هو بودي أوتوهمو، وبعد ذلك تأسست جمعية الشركة الإسلامية التجارية، ثم أصبحَت حزباً بعنوان «شركة إسلام»، وقد عرفتم أن كلمة «شركة» في اللغة الأندونيسية بمعنى «جمعية». كان هذا الحزب هو الساق الذي تفرّعت عنه الأحزاب والجمعيات كلها، وكان موجوداً لا يزال لمّا زُرت أندونيسيا. وكان مؤسسه شكرو أمينوتو شعلة حماسة وكنز إخلاص ومنارة هداية، بذل الهولنديون المستعمرون كل شيء ليصرفوه عن غايته: المناصب والأموال والمتع، فوجدوه جبلاً لا يتزحزح. وكان في جزيرة جاوة رجل صالح مُصلِح هو الشيخ أحمد دحلان، فأسّس «الجمعية المحمدية» سنة ١٩١٢، وكانت لمّا زرت أندونيسيا أكبر جمعية تعليمية في الشرق، وربما كانت أكبر جمعية في العالَم للتعليم، أعضاؤها نحو من مئتي ألف ولها ألف وخمسمئة مدرسة ثانوية وسبعمئة مستشفى وثلاثمئة دار

стр. 2218

أيتام، ولها دار لتخريج معلّمي مدارسها. وقد زرت هذه الدار وعرضتُ عليكم طرفاً من أخبارها لما كنت في مدينة جوكجا (جوكجاكرتا). وفي هذه السنة، سنة ١٩١٢، أسّس أحمد السكرتي الأنصاري (وهو سوداني الأصل) جمعية الإرشاد، وكان لها لمّا زرت أندونيسيا نحو خمسة آلاف مدرسة والتدريس فيها كلها باللغة العربية، ومدرستها الكبرى في سورابايا، فوجدتُ شيئاً عظيماً. وفي سنة ١٩١٤ أسّس الشيخ هاشم الأشعري جمعية نهضة العلماء، وهي جمعية سياسية تعليمية، وزرت من مدارسها معهد القرآن في كرافياك قرب جوكجا، وهو مدرسة عربية سلفية. وفي سنة ١٩٣٠ أسّس كياي عبد الرحمن شهاب جمعيته، وكان لها في كل بلدة وكل قرية من سومطرة مدرسة. وكلمة «كياي» و «الكيا» بمعنى شيخ، وبه سُمّي الكِيَا الهرّاسي، من فقهاء الشافعية المعروفين. وفي سنة ١٩٣٠ أُسّسَت جمعية وحدة العلماء في أبتشيه في أقصى الشمال من سومطرة، في أعرق منطقة في الإسلام في أندونيسيا وهي التي مرّ بها ابن بطوطة. وفي سنة ١٩٣٥ انفصل الدكتور سوكيمان بجماعته عن «شركة إسلام» وأسّس الحزب الإسلامي الأندونيسي. وفي سنة ١٩٣٦ انفصل الحاجّ أوغست سالم وأسّس حزب التنوير الإسلامي وجمعية الشبان المسلمين. وهذه عِلّة من عللنا المزمنة لا نزال نذوق عقابيلها إلى اليوم، هي أنها كلما قامت جماعة ونجحت وسارت في طريقها

стр. 2219

انفصلت عنها طائفة منها فألّفت جماعة أخرى مستقلّة عنها. هذا الداء الذي لم نعرف طريق الخلاص منه، مع أن الإسلام إنما دعانا إلى الوفاق لا إلى الفراق، وإلى الاجتماع لا إلى التشتّت المؤدّي إلى الضياع. والحاجّ سالم ﵀ عالِم سياسي، كان وزيراً للخارجية، زُرتُه في داره في جاكرتا العاصمة فوجدته قوي الشخصية خفيف الروح، فقيهاً مطّلعاً على التاريخ، يتكلّم الفرنسية والإنكليزية. وسألتُه عن اسم أوغست: من أين جاءه؟ فضحك وقال: هو غريب دخل عليّ، ولذلك حبستُه بين اسمَين إسلاميّين (يعني الحاجّ وسالم). * * * ثم جاء الاحتلال الياباني لأندونيسيا والملايا خلال الحرب العالمية الثانية، فكان بلاء هان معه بلاء الاستعمار الهولندي، وخسرت به اليابان من طيب الذكر وما كان معلقاً عليها من كبير الأمل. ولقد سمعتُ في مدن جاوة وفي الملايا العجائب من أعمال اليابانيين. ولكن الاحتلال الياباني كان له فضل واحد، فضل غير مقصود، هو أنهم درّبوا الناس تدريباً عسكرياً وألّفوا منهم فِرَقاً للدفاع الوطني، أرادوا أن تكون عوناً لهم على الحلفاء لتثبيت احتلالهم، فكان منهم العون على الاستقلال. وكان قائد هذه الفرق الجنرال سوديرمان، وهو في الأصل من العلماء، وأكثر ضبّاطه من الجمعية المحمدية. ولم يرضَ أكثر المسلمين مع ذلك عن هذه

стр. 2220

الفرق لاتصالها باليابان، وألّفوا «حزب الله» بقيادة زين العابدين، من جمعية نهضة العلماء. ودرّب اليابانيون هذه الفِرَق أيضاً. وكان من نتيجة عسف اليابان أن الشعب الأندونيسي، وهو من أعزّ الشعوب، أبى احتمال المذلّة، فكانت ثورة سنغابارة (ومعناها بلسانهم «الأسد الباسل») في جاوة الغربية بقيادة أحد المشايخ من مدرّسي الفقه، وثورة ريتا في جاوة الوسطى، ثم ثارت فِرَق الدفاع الوطنيّ نفسها وأوقعوا باليابان الوقعة المشهورة في نونيتانا في كلامنتان (بورنيو). وأيام حكم اليابان اجتمعت الجمعيات وكوّنت منها اتحاداً أوثق وأقوى هو مجلس الشورى الإسلامي (ماشومي)، الذي حلّ محلّ المجلس الإسلامي الأعلى (١). * * * كانت اليابان ظالمة فوجدت أظلم منها (٢)، وهم الأمريكيون الذين لبسوا يوماً جلود الشياطين ونسوا الإنسانية والخُلق والدين، وارتكبوا أكبر جريمة منذ جريمة قابيل إلى الآن. أكبر جريمة بلا استثناء، حين ألقوا على هيروشيما وناغازاكي القنبلتين الذرّيتين اللتين دمّرتا مدينتين كاملتين، فسلّمت بذلك اليابان وألقت سلاحها.

стр. 2221

إن المحاكم إنما أقيمت لتعاقب المجرم السافل الذي يزهق حياة نفس واحدة بريئة، فكم طفلاً وامرأة وشيخاً، وناسكاً متعبداً وعالِماً مفكّراً وأدبياً عبقرياً، أزهقَت أميركا لمّا ألقت قنبلتَيها على هيروشيما وناغازاكي؟ وما أدافع عن اليابان، فاليابان كانت ظالمة فوجدت أظلم منها، ذلك أن الاحتلال الياباني كان أشدّ وأقسى من احتلال الهولنديين، وكانوا هم (أي اليابانيون) أظلم وأطغى. وكان يوم ١٧ آب (أغسطس) سنة ١٩٤٥ واليابانيون لا يزالون يحتلّون أندونيسيا، فطلب الشعب الإذن له للاجتماع في ساحة كامبير في بتافيا (التي سُمّيت اليوم جاكرتا ودُعيت ساحتُها هذه بميدان مرديكا، أي «الاستقلال»)، فأبى المستعمرون اليابانيون. وأصرّ الناس فأقام اليابانيون المتاريس ونصبوا الرشاشات، ولم يكن للشعب من سلاح إلاّ الحِراب التي كانوا يتخذونها من نوع القصب، يشبه الأقلام التي كنا نكتب بها ونحن صغار ولكنه ضخم قويّ تُبنى منه البيوت وقشرته أحدُّ من شفرة السيف. فبرى الشعب حِرابه وواجه بها رشاشات المستعمرين، واقتحم الميدانَ يطأ على أجساد قتلاه ويخوض في دمائهم، حتى اجتمع في الميدان ما يزيد على نصف مليون إنسان. ثم أقبلَت سيارة تحمل علَماً غريباً هو الذي يستظلّ بظله اليوم مئة وخمسون مليوناً من الأندونيسيين، فيه اللون الأبيض رمز السلام واللون الأحمر لون الدم، كأنه يقول: "إنا نريد السلام، ولكننا لا نخشى الحرب". وحول الراية الشبّان المسلّحون، وفيها أحمد سوكارنو ورفيقه محمد حتا. وأقيم منبر على عجل وصعد سوكارنو. وسوكارنو -على ما نُنكِر منه من انحراف عن الإسلام- كان

стр. 2222

من أخطب خطباء الدنيا، ولكنه لم يخطب يومئذ خطبة بل سأل سؤالاً؛ قال للناس: هل تريدون الاستقلال؟ فأجابه هزيم الرعد من نصف مليون حنجرة أن نعم، قال: فبماذا تحمونه؟ قالوا: بأرواحنا، قال: إن قُوى العدوّ كبيرة. فقالوا: الله أكبر. «الله أكبر»، خرجت من خمسمئة ألف فم، فارتجّت لها الأرض، ثم خشعت وأصغت الأفلاك ثم صغَت (أي مالت) وأحسّ كل واحد من هؤلاء الناس أنه صار بها وحده جيشاً كاملاً. وكذلك يصنع الإيمان وتصنع «الله أكبر». عند ذلك كتب مسوَّدة الوثيقة الهائلة التي أخرجَت للدنيا دولة مسلمة، كان فيها يومئذ ثمانون مليوناً فصار فيها اليوم نحو من مئة وخمسين مليوناً. ولا تزال المسوَّدة ذاتها محفوظة. ثم تلاها على الناس وأعلن استقلال أندونيسيا بهذه الجملة الواحدة: باسم الله وباسم الشعب الأندونيسي أعلن أنا سوكارنو ورفيقي حتا استقلال أندونيسيا. إلى هنا وكل ما كان مألوف معروف. كلام حلو يُلقى في نوبة حماسة على جمهور ثائر، ثم لا يزيد أثره عن كونه كلاماً. ولكن ما ألقاه سوكارنو في ذلك اليوم لم يكن كلاماً عارضاً يذهب هزّات في الهواء، بل كان بداية عمل في الحياة يستقرّ في الأرض. لقد انتشر هذا الإعلان وقفز من جزيرة إلى جزيرة من جزر أندونيسيا التي يزيد المسكون منها على ثلاثة آلاف، ومشى مشي اللهب في القشّ حتى عمّ البلاد التي يزيد ما بين طرفيها عمّا بين لندن وإسطنبول، فاشتعلَت الثورة فيها كلها.

стр. 2223

ولست أستطيع أن أسرد عليكم أخبار القتال، فاكتفوا مني بهذه الحادثة الواحدة، حادثة واحدة فقط سيطر فيها المجاهدون على مطار كامل فيه الجند والمدافع والرشاشات وما معهم إلاّ هذه الحراب المقطوعة من قصب الغاب. عمدوا إلى مكبرات الصوت فأنذروا فيها جند المطار من كل جانب، واستمرّوا في ذلك ليلة كاملة حتى أرهقوا أعصاب الجند، ثم هجموا في الظلمة صفوفاً من الناس وراء صفوف، وكلما سقط صف حلّ محلّه أخوه لا يبالون النار ولا البارود، حتى احتلّوا المطار وأسروا كل من كان فيه وملكوا عتاده. كانت هذه الحراب سلاحهم، أما البنادق فكانت قليلة فكانت تكلّفهم ثمناً غالياً. ماذا؟ أظننتم أنهم يشترون الواحدة منها بمئة دينار مثلاً؟ لا؛ بل كل بندقية تكلف حياة مجاهد، ينتزعها من ياباني فيموت في سبيلها حتى يوصلها إلى يد أندونيسية مسلمة تدافع بها عن حقّها وإسلامها. وأقيمت الجمهورية وأُلّفت الحكومة الوطنية، وذاقت البلاد لأول مرّة بعد ثلاثمئة سنة لذّة السعادة والحرّية. ولكن النعمة لم تستمرّ؛ لقد جاء البلاء، أقبل أبالسة البشر. ألا تعرفونهم؟ ألا تعرفون الذين كانوا سبب كل مصيبة نزلت بنا؟ ألا تعرفون قوم بلفور ووعد بلفور؟ جاؤوا -كما قالوا أولاً- لتجريد اليابان من سلاحهم، وأعطوا عهودهم المكتوبة على أنهم لا يكونون حرباً على الجمهورية ولا عوناً للهولنديين، فما إن وطئوا أرض جاكرتا حتى حنثوا.

стр. 2224

وقد يكون للفرد منهم قولة شرف يصدُق بها، أمّا سياسيّوهم فقد أيقن التاريخ من زمان بعيد أن كلمتهم هي الكذبة الحمراء وأن وعودهم وعود عرقوب. اللهم إلاّ وعداً واحداً وفوا به لأنه وعد شيطاني، هو وعد بلفور. وجاؤوا بقواهم الكبرى، القوّة التي حاربت اليابان، أسطول بحري وأسطول جوي وجيش كامل، ووقفوا أمام مدينة سورابايا شرقي جاوة. وكانت سورابايا أجمل مدن الشرق الأقصى وأكبرها، وبعثوا بالإنذار المشهور بأن يسلّم الشعب سلاحه كله ويفتح بلاده للهولنديين ليعودوا إليها، أو يرى التدمير الشامل. شعب كان فيه ثمانون مليوناً يملك أغنى بلاد الدنيا بالثروة الطبيعية، يسلّم نفسه وأرضه لشعب فيه ثمانية ملايين فقط، جاء من بعيد، ليس له في هذه الأرض أصل من الأصول ولا حقّ من الحقوق؟ ونسوا كل ما كانوا يتشدّقون به أيام الحرب من حقوق الإنسان وحرّيات الشعوب. وتردّد الشعب لحظة ودُهش، ثم عاد إلى نفسه فقال: لا. وابتدأت الحرب، الحرب بين الذئب قوي الأنياب وبين الحمَل الوديع. ودُمّرت سورابايا كلها في ساعات معدودة، ولكن الحمَل الوديع انقلب بالإيمان أسداً. لقد صنع الأندونيسيون العجائب؛ لقد عملوا ما لم يُسمَع بمثله إلاّ من المجاهدين الأوّلين من المسلمين: قاتل الرجال جميعاً حتى الشيوخ والمرضى. قاتل الأطفال وأُلّف منهم فِرَق سميت «جيش النمل»، وقاتل النساء. تقولون: وماذا يصنع الأطفال؟ لقد جمع الأطفال الحصى

стр. 2225

والحجارة وقِطَع الحديد، ثم هجموا على الدبّابات وهي تسير وتطلق النار فوضعوا ذلك خلال سلاسلها وآلاتها ليمنعوا سيرها ويعطّلوها، وكان الواحد منهم يدوس على بقايا أخيه وهي تسبح في الدم ويقدم لا يبالي. وخرّبوا الطرق وأفسدوها، ومات منهم آلاف وآلاف وآلاف، فما فزّع الموت من أحد ولا أخافت وسائله أطفال أندونيسيا (كما أنها لم تُخِف من قبلُ أطفال دمشق، وقد مرّ بكم الخبر). أما النساء في أندونيسيا فلو كان يجوز لي أن أحني رأسي الذي ما انحنى قط لغير الله لأحنيته إكباراً لنساء أندونيسيا. إنني لا أستطيع أن أذكر لكم ما صنعن دون أن يثب قلبي إلى حلقي حتى يسيل دموعاً من عيني. إن الذي صنعنه شيء يجلّ عن الوصف ويكبر عن التصديق، وإذا أنتم شككتم فيه ولم تصدّقوه فلكم العذر. كانت القنابل التي وصل إليها المجاهدون قليلة وكانت صغيرة لا تدمّر الدبابة إن أُلقيَت عليها، فكانت الفتاة الأندونيسية التي تشبه الوردة اليانعة تأخذ عدداً من القنابل فتربطه حول جسدها، ثم تودّع أمها وأباها وأهلها، ثم تلقي بنفسها على الأرض أمام الدبابة فتتفجر القنابل، فتطير هي والدبابة معاً. هذا ما كان فعلاً. فهل سمعتم أو قرأتم في أخبار الأمم كلها قديمها وحديثها مثل هذا الخبر؟ إنه مشهد يخرس لسان أبلغ شاعر بشري عن وصفه. إنني مرّة ثانية أحاول أن أحني رأسي لنساء أندونيسيا. كان هذا هو الدرس الأول الذي تلقّته نساء لبنان الآن، فيما يصنعن أمام قوى الشرّ التي جاءت من إسرائيل.

стр. 2226

لقد مشى الغاصبون تحميهم نيرانهم ويحميهم حديدهم، ولكنهم كانوا يخوضون الدم ويمشون على الجثث، كل خطوة يخطوها جنديّ منهم بنفس زكيّة يجود بها مجاهد منّا. وكانت الحرب المقدَّسة وكان الجهاد في سبيل الله، وترك العلماء كتبهم ومساجدهم ومشوا على رؤوس المجاهدين، وكان منهم أبطال كبار، وحسبُكم أن تعرفوا أن سوديرمان القائد العامّ لقوّات المجاهدين كلها كان من المشايخ المدرّسين في مدارس الجمعية المحمدية. لقد مرض وأُجريَت له عملية جراحية بُترت فيها إحدى رئتيه وحُمل بعدها على المحفّة، ولكن لا إلى بيته ولا إلى مصيف هادئ يستريح فيه حتى ينقه، لا بل إلى ساحة الجهاد ليعاود القتال! وكانت كل هجمة تبدأ بـ «الله أكبر» وكان كل بيان يُذاع يُشرع فيه بـ «الله أكبر». واستمرّ الجهاد سنين، وبلغ عدد المصابين من قتلى وجرحى ومفقودين أكثر من مئتَي ألف، واعتُقل سوكارنو وحتا ورجال الحكومة بعدما احتُلّت أكثر المدن، فأُقيمت الحكومة مؤقتاً وسط الغابات وثابرت على القتال. وكانت تظهر كل يوم بطولات تحيّر العقول: حوصرَت فرقة من المجاهدين وانقطعت عنها النجدات، ولم يكن بينها وبين مركز الجهاد من سبيل إلاّ بخوض نهر فيه تماسيح مفترسة، فتطوّع قوم ليُلقوا بأنفسهم فيه لتفترسهم التماسيح فتشتغل بهم فيمرّ غيرهم ويأتي بالنجدة! وكذلك كان. لم يعُد للحياة قيمة، وصارت الشهادة هي الأمنيّة الكبرى

стр. 2227

التي يستبق إليها الرجال والنساء والأطفال على السواء. ولم يعُد النساء يقبلن المال مهراً، فصارت مهور العرائس رؤوس الإنكليز والهولنديين، فمن كانت أبهى جمالاً وأعزّ نفراً كان مهرها عدداً أكبر من الرؤوس. ورأوا أن الإنكليز يستفيدون من العمارات الكبار فأحرقوا بأيديهم كل عمارة كبيرة، ولقد رأيت بعيني آثار هذا الخراب في سورابايا ومالان. حتى باندونغ، باريس الشرق، أحرقوها وهجروها وهم يغنّون هذه الأغنية التي يمتزج فيها دمع العاطفة بدم البطولة، والتي اشتهرت في أندونيسيا شهرة المارسيلييز في فرنسا: «هلو هلو ... باندونغ»، يخاطبونها فيها كما يخاطب العاشق حبيبته، يَعِدونها أنهم سيعودون حتماً إلى أحضانها. وقد عادوا، عادوا ظافرين. لقد بذلوا الشهداء في أرض الوطن وسقوها الدم الأحمر القاني، فأنبتَت، أنبتت الحرّية والظفر والاستقلال: «مارديكا». * * * كان هذا الجهاد كله لله، فلن تكون الثمرة لأعداء الله. كان للإسلام الخالد الباقي الذي حفظه الله بحفظه، فلن تكون الغنائم لـ «بنغاسيلا» ولا لشريعة أخرى أوحى بها إلى أوليائه إبليس، ولا للملحدين ولا للمكفّرين المنصّرين وإن سمّوا أنفسهم بالمبشّرين. إن الإسلام ما دخل بلداً فخالط قلوب أهله، فعاشوا به وعاشوا له، ثم خرج من هذا البلد. وسيبقى الإسلام في أندونيسيا وتبقى أندونيسيا للإسلام إلى يوم القيامة.

стр. 2228

فيا أيها الإخوان الأندونيسيون، يا إخواننا في الله، في الكعبة، في القرآن، في «الله أكبر»: هذه يدي عن بَني العُرْب تصافحكم، وإنها لشمال صافحت يمينها. ويا أيها المستعمرون، اعلموا أن الشيخ العاجز الذي يمشي على العكاكيز ليس كالشابّ الأيّد القوي. لقد صارت دُولكم دولاً هرمة عاجزة فقدت أطرافها وخرّفَت وضيّعت عقلها، فلا تغترّوا ببقايا القوّة، فأنتم في ضياء ولكنه كضياء الأصيل ما بعده إلاّ الليل، ونحن في سَدفة ولكنها كغَبشة السّحَر، والنهار أمامنا. * * *

стр. 2229

-١٧٤ - بدأت أندونيسيا إسلامية، فمن أين يأتيها البلاء ؟ إلى الأستاذ الذي تلطّف فكتب إليّ معلّقاً على ذكرياتي: يادكتور، أشكر لك ثناءك عليّ ثناء لا أستحقه، وتشجيعك إياي على عرض ما أعرف من تاريخ أندونيسيا. أما ما تقول من جهلك وأنت أستاذ التاريخ بتاريخ المسلمين في الشرق الأقصى فشيء -كما قلتَ- معيب حقاً، ولكن العيب ليس فيك وحدك، كلّنا فيه سواء. وأنا قبل أن أرحل من ثلاثين سنة هذه الرحلة التي أحدّثكم الآن بعض حديثها لم أكن أعرف من ذلك شيئاً، بل لم أكن أدري إلاّ أقلّ من القليل عن الدول الإسلامية التي قامت في الهند واستمرّت أكثر من ثمانمئة سنة، ولم أكن أدري شيئاً عن الإسلام في روسيا إلاّ ما عرض ابن بطوطة، حتى نشر المجمع العلمي في دمشق «رحلة ابن فضلان». وكم من دول إسلامية قامت في بقاع الأرض لا يكاد يعرف عنها المسلمون شيئاً. أمّا الإفاضة بسرد أخبار الدول الإسلامية في الشرق الأقصى فما منعني منه إلاّ أنني أكتب ذكريات، خشيت

стр. 2230

أن أخرج عن جادتها أو أتعدّى حدودها فأجعل ما أكتب تاريخاً محضاً. أما وهذه رغبتك، ورغبة مثلِك لا يمكن أن يُعرَض عنها. أما وقد جاءتني رسائل وسألني إخوان، ثم خبّرني الأستاذ عادل صلاحي أن الجريدة تفضّل أن أتوسّع في عرض هذه الصفحات من التاريخ ... أمَا وقد كان ذلك كله فإنني أعود إلى ما قطعتُ الكلام فيه. ضعوا الخريطة أمامكم: هذه جزيرة جاوة، وإلى يسارك وأنت تراها إلى الغرب منها جزيرة أكبر منها تزيد أضعافاً عليها، هي سومطرة، التي كانت مهد الإسلام في تلك الأقطار وكان منها شروق أنواره عليها. وإلى الشمال منها شبه جزيرة الملايا، وفي آخرها سنغافورة، بينهما مضيق مستطيل هو مضيق مَلَقة، وإلى الشمال من جاوة جزيرة من أكبر جزائر الدنيا هي كَلامَنْتان (التي كانت تُسمّى بورنيو). إلى يميننا، أي إلى الشرق منها أرخبيل فيه جزر كثيرة، تأتي بعدها جزيرة إيريان التي كانت تُدعى من قبل غينيا الجديدة، وإلى الشمال من ذلك كله أرخبيل الفلبين. الفلبين التي أغرقت البلاد ببناتها ممرّضات وخادمات، وبأبنائها خادمين وعاملين، وجُناة أحياناً مجرمين، وقد عرضوا عليكم هنا في الرائي (التلفزيون) بعض خبرهم منذ حين. وفي جنوب أرخبيل الفلبين جزيرة كبيرة هي جزيرة مَنْدَناو التي يسكنها مسلمون، يقاتَلون في دينهم ويُجنى عليهم ويضايَقون لأنهم مسلمون، ولأن من يضايقهم من الحكّام نصارى صليبيون. * * *

стр. 2231

من سومطرة سطع نور الإسلام على هاتيك البلاد، ولعلّ سَبْقها إليه لأنها على الطريق التجاري بين الهند وفارس وجزيرة العرب من جهة الغرب، وبين الصين وما وراءها من جهة الشرق. ما حمل الإسلامَ إليها جيشٌ مقاتل ولا قائد فاتح، بل حمله -كما سبق القول- تجّار، ما دعوا إليه بخطبهم ومحاضراتهم بل بأخلاقهم وحسن معاملاتهم. ولبث الإسلام يمشي خطوة خطوة ونوره يتسرب شعاعاً بعد شعاع كما يتنفس الصبح عن نهار يمحو سواد الليل، فما أهلّ القرن الخامس عشر الميلادي حتى صارت له قوّة وصار لأهله منعة وسلطان. وقد عرفتم خبر الملك الذي ترك أبّهة المُلك في الهند ولبس مسوح الزهّاد وسمّى نفسه الفقير محمد، والذي أسلم على يديه ذلك الأمير ولُقِّب «الملك الصالح»، وتزوّج بأميرة ولاية برلاك وخلّف منها الظاهر والمنصور، وأنشأ مدينة فاسي، وأقام مملكة انتشر الإسلام منها إلى جميع جزر أندونيسيا، ومات ﵀ سنة ١٢٩٧م. وعرفتم أن مَلقة لمّا دخل الإسلام إليها تأسّس فيها (أي في الملايا) دولة إسلامية سنة ١٤٠٩، وكان ملكها ملكاً صالحاً استمرّ المُلك بعده، حتى ولي السلطان عليّ الدين رعيت شاه الأول (ملك الرعية) وكان صالحاً مصلحاً، أقام حدود الله وعبّد الطرق وبنى في مفارقها دوراً كاملة يأوي إليها المسافرون، وأقام من يحفظ ما يُعثَر عليه من المتاع المسروق أو المفقود حتى يُوصَّل إلى أصحابه، فساد الأمن ربوع البلاد وعظم شأن مدينة ملقة حتى أمّها الأمراء والتجّار من جميع أنحاء البلاد.

стр. 2232

وقامت في سومطرة الدولة العظيمة التي عاشت طويلاً وناضلَت البرتغاليين المستعمرين طويلاً، وتوالى عليها الملوك، حتى تسنّمَت ذروة مجدها وقمّة قوتها سنة ١٦٠٦ لمّا تولّى عرشَها إسكندر موده، وهو رجل مسلم وإن كان اسمه إسكندر. وكان قوياً نشيطاً طَموحاً عمل على توسيع مملكته فامتدّ نفوذها إلى شبه جزيرة الملايا، وفي سنة ١٦١٣ أعدّ حملة حربية لمحاربة البرتغاليين وطردهم من ملقة، ولكن هذه الحملة لم تستطع التغلّب على قوات البرتغاليين، فأدركها داء المسلمين المتأخّرين وهو الانقسام وأن يقاتل بعضهم بعضاً، وهم إخوة في الدين آخى بينهم ربّ العالَمين! فتحوّلت هذه الجيوش إلى جوهور فحاربتها واستولت عليها، وأسرت سلطانها المسلم عليّ الدين رعيت شاه الثالث وأخاه الأمير عبد الله وبعض رجال القصر، ونُقلوا إلى أبتشيه. ولكنه كان مؤمناً، والمؤمنون إذا مسّهم طائف من الشيطان وانحرفوا وعصوا تذكّروا فإذا هم مبصرون وإذا هم تائبون، فلما صحا وذكر أخوّة الإسلام أكرم ملك جوهور فزوّج أخاه الأمير عبد الله بأخته. وفي ٢٥ آب (أغسطس) سنة ١٦١٤ أعاد السلطان عليّ الدين إلى جوهور، ولكنها بقيَت بحكم التابعة لمملكة أبتشيه، إلى أن وَلِي مُلكَها السلطان عبد الجليل الثالث سنة ١٦٣٧، فأحسّ بالضعف قد تسرب إلى دولة أبتشيه فانتهز الفرصة وأعلن استقلال جوهور. وهذه أيضاً عِلّة أخرى من عِلل المسلمين. وتعاقب عليها الملوك حتى جاء السلطان محمود شاه الثالث، فعقد (أو أُجبر على عقد) معاهدة مع الهولنديين. واستمرت إلى سنة ١٨١٩،

стр. 2233

إلى أن جاء القائد الإنكليزي رفلس إلى مدينة ريو وسأل سلطان جوهور منحه جزيرة سنغافورة ليجعلها ميناء تجارياً، وقد مرّ بكم الخبر. من ذلك التاريخ بدأ الإنكليز يتدخلون في جوهور عن طريق السلطان حسين الذي نصبوه سلطاناً وهو عميل لهم، كما أقام الهولنديون السلطان عبد الرحمن وهو يعمل لمصلحتهم، فكان مقرّ الأول مدينة سنغافورة ومقرّ الثاني مدينة ريو. استمرّ ذلك إلى سنة ١٨٦٢ التي تولّى فيها الملك السلطان أبو بكر، فدبّت في جوهور حياة جديدة شملت المرافق كلها، فأُنشئت المدارس والمستشفيات وبُنيت المساجد وأُصلحت طرق المواصلات، وعمل على تحسين حال الزراعة في البلاد. وفي أواخر حياته سنة ١٨٩٥ أقرّ الدستور وجعل الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للبلاد. وكان هذا السلطان بعيد النظر بارع السياسة عالي الهمّة، عمل على تحسين صلاته بالدول المجاورة له، ثم ساح في بلاد الله، فذهب في آذار (مارس) سنة ١٨٦٦ إلى أوربا وقابل الملكة فكتوريا ودرس الحياة الإنكليزية والأنظمة القائمة فيها، ثم سافر في شباط (فبراير) سنة ١٨٩٣ إلى أوربا مرّة أخرى وطاف بإنكلترا وألمانيا وإيطاليا ودول البلقان، وزار تركيا وقابل السلطان عبدالحميد فأكرمه وأنعم عليه بوشاح من الدرجة الأولى. وكان قد سافر قبل ذلك سنة ١٨٨٣ إلى الشرق لزيارة الصين واليابان، وقابل «الميكادو» إمبراطور اليابان، وأسلم على يديه في هذه الرحلة خمسة من وجوه اليابانيين.

стр. 2234

كما قامت في جاوة دول إسلامية أولاها الدولة الدمكية لمّا قُتل إمبراطور الإمبراطورية الكبيرة ماجاباهيت. وكانت ولاية دمك من الولايات التي استقلّت، وتمكّن ملكها سنة ١٥١٥ من إسقاط إمبراطورية ماجاباهيت ونقل شعارها إلى دمك عاصمة الدولة الإسلامية. ثم قامت (كما مرّ بكم) دولة بنتام سنة ١٥٦٨، ثم قامت دولة ماتارام سنة ١٥٧٩ حين تجمّعت جيوش الدولة البوذية في جاوة وانضمّت إليها الدولة البوذية في جزيرة بالي، وهي جزيرة صغيرة شرقي جاوة، يقصدها السياح ليروا نساءها المجوسيات اللواتي كنّ يخرجن (إلى الوقت الذي زرت فيه أندونيسيا) عاريات الصدور، وهي بلد الرقص فيها من أشكاله وأنواعه ما يُعَدّ بالعشرات وبلد المتعة واللهو، ولم يبقَ بيننا وبينها إلاّ مسيرة ساعتين بالسيارة، ولم أمشِ إليها ولم أرَ شيئاً منها. هذه الجيوش التي تجمّعَت أغارت على الدولة الإسلامية بقُوى هائلة وأنزلَت بها خسائر فادحة، ولكن المسلمين ثبتوا ثبات الإيمان أمام الهجمات فأمدّهم الله بالنصر، وما النصر إلاّ من عند الله (١). * * * حاولت أن أجلو لكم صورة مُجمَلة عن الدول الإسلامية التي قامت في هذه المناطق البعيدة من الشرق الأقصى، فكتبتُ

стр. 2235

خلاصات، رؤوس أقلام كما يقولون. فجاءت هذه الخلاصات في بضع صفحات، إن شُرحَت وفُصّلَت (ولا بدّ لها من شرح وتفصيل) كان منها منهج سنة كاملة في الجامعة. فحاولتُ أن ألخّصها وأن أوجزها، فكان هذا الموجز قائمة أسماء وتواريخ جافة تصدّع رأس القارئ ولا يكاد يستفيد منها إلاّ القليل. وسجّلتها -على عادتي- في شريط أرسله إلى الجريدة، فيطبعه ولدي الكريم السيد طاهر أبو بكر (وهو أمهر من عرفت ممّن يعمل على الطابعة، أي الآلة الكاتبة) ونِمتُ بعد موهن من الليل (أي بعد نصف الليل) وأنا مطمئنّ إلى أن الشريط مُعَدّ جاهز. فلما أصبحتُ أدرته فلم يَدُر، واستنطقتُه فلم ينطق، فإذا هو قد انقطع وتجمّع في داخل العلبة (أي الكاسيت)، فصنعتُ ما صنع القرد الذي قلّد النجار في كتاب «كليلة ودمنة» فعلق ذنَبه في شقّ الخشبة؛ ذلك أني حاولت فتح العلبة، فظهر الشريط وانفلت، وإذا هو شريط طويل جداً لم أستطع أن أعيد لفّه، ولو أعدتُه لم أقدر أن أرجعه إلى مكانه. فكنت كالذي زعموا أنه أخرج العفاريت من القمقم وأراد أن يُعيدها فما عادت (١)! فصُدمت والله كأني كنت أعدو فلطمني جذع شجرة على وجهي، فشجّ جبيني وكسر حماستي وقطع جريي. وقعدتُ متألماً

стр. 2236

منزعجاً، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: الحمد لله، لعلّ الذي كان هو الخير، فالأمر أكثر من أن تتّسع له حلقة من ذكريات، ولا ينفع فيه إلاّ أن يتطوع أستاذ من أساتذة التاريخ (كالذي كتب إليّ وافتتحتُ بكتابه هذه الحلقة) فيجمع الأخبار ويستقصي المصادر، وأكثرها مكتوب بغير اللغة العربية، وينشئ من ذلك كتاباً في تاريخ المسلمين في الشرق الأقصى. وخير من ذلك هو أن تجعل الجامعات أو إحداها كرسياً لهذا التاريخ، ليعرف أبناء المسلمين أخبار إخوانهم، فإن من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم. * * * أتمّ الكلام على الحقبة الإسلامية الجديدة. قلت لكم إن الجمعيات والأحزاب الإسلامية كوّنت منها بين الحربين شبه اتحاد باسم المجلس الإسلامي الأعلى، وعقد هذا المجلس مؤتمرات عامّة واشتغل بمسألة الخلافة، وأسّس «جمعية الخلافة في الهند الشرقية» (وكلمة «الهند الشرقية» هي الترجمة العربية لكلمة أندونيسيا). وكانت هذه الجمعية فرعاً لجمعية الخلافة في الهند، وكان من أعمالها أن أوفدَت وفداً إلى الملك عبد العزيز ﵀، من رئيس شركة إسلام وسلطان منصور عن الجمعية المحمدية. واهتمّ هذا المجلس بقضايا العرب في فلسطين وبرقة وعمل على مقاطعة إيطاليا. وكذلك ترون أن المسلمين في كل بقعة من الأرض يجعلون قضية فلسطين قضيتهم، ونحن العرب نجعلها

стр. 2237

قضية عربية، فكأننا نُبعِدهم عنها ونأبى معاونتهم فيها! وأنشأ هذا المجلس فرعاً للصحافة يردّ مفترَيات المجلاّت الأوربية والصينية، ولا سيما الحملة التي أثارها المبشّر جاندير والمجلاّت الإلحادية مثل «صوت العموم»، وجاهد جهاداً رائعاً لإبطال القوانين الاستعمارية، ومنها قانون الزواج المدني المخالف للإسلام، وقانون التدريس الديني، وقانون تمليك الأراضي جبراً للشركات الأجنبية بحُجّة النفع العامّ (كما تصنع إسرائيل في فلسطين). ثم قلت لكم إنها اجتمعت مرّة أخرى أيام حُكم اليابان وكوّنت اتحاداً أوثق وأقوى هو مجلس الشورى الإسلامي الذي يُدعى اختصاراً باسم «ماشومي». ولمّا كان الاستقلال وصارت فرق الدفاع الوطني هي الجيش بقي حزب الله معتزلاً، وألّف شبه حكومة داخلية باسم «دار الإسلام»، ولمّا زرت جاوة الزيارة التي أحدّثكم حديثها كانت هذه الحكومة موجودة في بقعة جبلية تضمّ ملايين من السكان وتقيم حكم الله. ولمّا كنت في رحلتي من غربي جاوة إلى شرقيها ووصل بنا القطار إلى أعالي الجبال، وكنا نسير في شبه نفق بين أشجار الغابات الكثيفة من الجهتين كأننا نمشي منهما بين جبلين، رأينا الجند قد احتلّوا عربات القطار كلها ووضعوا فيها الرشاشات ووجّهوها إلى النوافذ، فسألت فإذا نحن في منطقة «دار الإسلام». وكان فيها -كما قلت لكم- حكومة في حكومة، وعاصمتها يدعوها أصحابها «المدينة المنورة»، وسمعت أنه كان لها يومئذ

стр. 2238

جيش فيه عشرة آلاف، وهي تحكم منطقة جبلية واسعة (١). وقصة هذه الحكومة أنه لمّا ثار الشيوعيون في ماريون سنة ١٩٤٨ وأضعفوا الجمهورية رجع الهولنديون فاغتنموا هذه الفرصة -كما عرفتم- وهجموا على جوكجا واعتقلوا سوكارنو وحتا وسالم ونفوهم وعادوا لاحتلال البلاد، فتألّفت حكومة وطنية في سومطرة، وأشعلوها حرباً على الهولنديين سرعان ما امتدّت نيرانها إلى كل مكان، فقرّروا مواصلة الجهاد باتباع أسلوب حرب العصابات وسلّموا قيادتها إلى كارتو سويريو، وعاهدوه على أن تُقام بعد الظفر حكومة إسلامية تحكم بما أنزل الله، تُحِلّ الحلال وتحرّم الحرام وتُقيم الحدود وتنفّذ أحكام الإسلام كلها. وأبلى كارتو سويريو في الجهاد أعظم بلاء وكان له الأثر الكبير في طرد المستعمرين وتحقيق الاستقلال، فلمّا استقلّت البلاد لم يفوا له بما وعدوه، فاعتزل بجنوده ومن تبعه واعتصم في هذه المنطقة الجبلية وأقام فيها حكومة إسلامية، وضع لها دستوراً مستمَداً من أحكام الشرع وسمّى عاصمتها «المدينة المنورة». وهذا الذي أصفه هو ما رأيته أيام زيارتي لأندونيسيا سنة ١٩٥٤، ولست أدري ما حالها اليوم لأن القوم لا يتحدّثون عنها ولا يُحبّون الكلام فيها، والأخبار العامّة لا تشير إليها. * * * وعقدَت الأحزاب الإسلامية والجمعيات الإسلامية مؤتمراً

стр. 2239

جمعها كلها (١)، وقرّر توحيد الصفوف بحزب ماشومي وانتخب لرياسته أول الأمر سوكيمان، وكان السكرتير الأول (أي الناموس) آبي كوشنو، وهو أخو شكري أمينوتو (ولعلّ هذا الاسم محرف عن شكري أمين) والثاني كارتو سويريو الذي كنت أتكلم عنه، والسكرتير العامّ ولي الفتاح. ثم عاودَتنا علّة الانقسامات والانفصالات، ففي منتصف عام ١٩٤٧ انشقّت جماعة «شركة إسلام» وأعادوا تشكيل حزبهم القديم ودخلوا الوزارة يومئذٍ، ثم انشقّت بعدهم «التربية الإسلامية» سنة ١٩٤٩ وكوّنت حزباً مستقلاًّ رئيسه سراج الدين عباس. ثم كان مؤتمر جوكجا في ٢٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٤٩ ودام خمسة أيام بلياليها، وكان أعظم مؤتمر إسلامي في تلك البلاد، شهده سبعمئة مندوب وكان من مقرراته: (١) تثبيت ماشومي وتكوين مكتب تنفيذي له، واعتبار جميع الأحزاب والجمعيات أعضاء فيه. (٢) أن يكون للحزب أقسام: للدعاية والنشر، وللنساء، والاقتصاد والتربية والثقافة. (٣) تأليف جبهة تضمّ جمعيات الشباب كلها باسم جبهة الشباب الأندونيسي. (٤) تأليف لجنة دائمة للحَجّ.

стр. 2240

(٥) توحيد الصحافة الإسلامية في أندونيسيا. (٦) إعداد لجنة من العلماء لوضع الدستور الإسلامي. (٧) المطالبة بحلّ الخلاف مع «دار الإسلام» حلاًّ سلمياً. (٨) تأييد فلسطين وتونس والجزائر ومرّاكش عملياً ومالياً (لأنها لم تكن يومئذ قد نالت استقلالها). (٩) إنشاء وقف بخمسين مليون روبية لافتتاح مدارس إسلامية. ولكن هذا الاتحاد لم يدُم وعاد إلى الانقسامات، وانشقّت جمعية نهضة العلماء، وعقدت هي وشركة إسلام والتربية الإسلامية مؤتمراً في فلمبان في سومطرة الجنوبية وأعلنت انفصالها عن ماشومي، وشكّلت حزباً واحداً منها هو «مسلم ليغ» (أي الجماعة الإسلامية) وقرّرت اعتبار الخلاف بينها وبين ماشومي خلافاً شكلياً، خلافاً في الطريقة فقط لا في المبدأ ولا في الغاية، وانتخب الكياي دحلان رئيساً لها. فصار في أندونيسيا جبهتان إسلاميتان: ماشومي ورئيسها محمد ناصر الذي رأس مؤتمر القدس في دورته الثانية في دمشق، وهو رجل عالِم فاضل متواضع يحبّه ويحترمه كل من يلقاه، وكان يقدَّر عدد المنتسبين إلى ماشومي لمّا كنت في تلك البلاد بأكثر من أحد عشر مليوناً. و «مسلم ليغ» ورئيسه دحلان. كما أن فيها «دار الإسلام» ورئيسها كارتو سويريو. وفي نيسان (أبريل) سنة ١٩٥٣ عُقد مؤتمر العلماء في ميدان عاصمة سومطرة، حضره ستمئة عالِم وقرّروا مقرَّرات منها:

стр. 2241

(١) أن يكون الحكم شورياً انتخابياً مقيَّداً بأحكام الشرع. (٢) وأن يُعتبر الانتخاب واجباً شرعياً، ولا يجوز انتخاب غير المسلم. قلت: لأن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فلا يجوز لغير المسلم أن يضع قوانين تُطبَّق على المسلمين وتقيد حرّياتهم وتتحكّم فيهم. وهذه الحقيقة -على ظهورها وبيانها- غفل عنها أو تغافل علماء المسلمين. وأنا أحمد الله على أنني كنت من نحو أكثر من ربع قرن أولَ من جهر بها على منابر المساجد والجمعيات والنوادي، قلت ذلك تصريحاً وتوضيحاً، وعرضت له في إذاعة دمشق تلويحاً وتلميحاً. * * * هذا ما رأيته وسمعته في رحلتي إلى أندونيسيا. أما الذي انتهت إليه الدعوة الإسلامية الآن، وأما حال الإسلام والمسلمين فيها في هذه الأيام فلست أعرف عنه إلاّ القليل الذي يُنشر في الصحف أو يُشار إليه في الإذاعات. ولكن العجيب والله الذي ما ينقضي منه العجب أن من كان معه الحقّ ينام عن حقّه وصاحب الباطل يجدّ لنصرة باطله؛ الذي يقول إن الواحد يساوي واحداً (وتلك حقيقة الحقائق) لا يدعو لها ولا ينصح الناس بها، والذي يزعم أن الثلاثة تساوي واحداً (وذلك باطل الأباطيل) يحشد الرجال ويجمع الأموال لإقناع الناس بهذا المحال، وهو أن الثلاثة الريالات تعدل الريال الواحد! والذي معه كتاب يدّعي أنه من عند الله وليس في الوجود دليل واحد يثبت مدّعاه يعمل على

стр. 2242

نشره ودعوة الناس إليه، والذي معه كتاب الله الذي يقوم كل دليل في الوجود على أنه من عند الله، ما نقص منه حرف ولا زيد عليه حرف ولا تبدّل فيه حرف، يقعد عن دعوة الناس إليه. لقد أفلس هؤلاء المكفّرون المنصّرون الذين يقولون إنهم المبشّرون، يبشرون بالعذاب الأليم، أفلسوا في أوربا وافترق عنهم عقلاء الناس. ولقد رأيت بعيني كثيراً من الكنائس في أوربا الغربية قد أقفرَت من روّادها، ومنها التي أغلقت أبوابها، ومنها ما عُرض للإيجار أو البيع بالمزاد! بل لقد شهدت في ألمانيا مسجداً صغيراً له متوضّأ يتطهّر فيه الناس في زاوية من الكنيسة، فلما سألت علمت أنهم فضّلوا أن يدخلها الناس ولو من غير دينهم، على أن تبقى خلاء ما فيها إلاّ الهواء! أفلسوا في بلادهم فجاؤوا إلينا. وإذا كان الذي يسرق مالك من كيسك ومتاعك من دارك يُسمّى لصاً، فماذا يُسمى الذي يسرق عقيدتك من قلبك؟ والعقيدةُ أثمن من أموال الدنيا. لكن الحكومات تحمي الناس من لصوص الأموال والمحاكم تعاقب السارقين والسجون مأوى اللصوص والمجرمين، وهؤلاء المساكين غدوا في تلك البلاد كقطيع بلا راعٍ، قد سُلّط عليهم عدوّ يملك المال ويملك الحيلة ويملك القوّة، ولو كان عند جمهورهم من العلم بالإسلام مثل الذي عندهم من الحماسة للإسلام لردّوا عدوهم. الإسلام عقيدة وعلم وعمل، ومسلمو أندونيسيا جاءهم الإسلام حينما جاءهم الاستعمار البرتغالي. ما حمله إليهم علماء

стр. 2243

يعلّمونهم ولا فقهاء يفقّهونهم، بل حمله تجار كانوا صادقين في دعوتهم فدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا. فيا أيها المسلمون، كيف تتركون مئة وخمسين مليوناً من إخوانكم لهؤلاء المكفّرين المنصّرين الذي تؤيّدهم قوى الشرّ كلها، وكثير من هؤلاء الإخوان فقراء وأكثرهم ليسوا علماء، فإذا تركتموهم وحدهم أمام هذه الحملة القوية الظالمة صارت أندونيسيا -لا سمح الله- أندلساً أخرى، وصرتم تقرعون الأكُفّ ندماً وتَنْظمون القصائد أسفاً وتُريقون الدموع عبثاً على أنكم أضعتم بقعودكم عن نصرتهم وعن الذود عن دينكم ودينهم، أضعتم أكبر دولة إسلامية. ولن يكون هذا إن شاء الله أبداً، لأن للباطل دولة ثم يضمحل، ولا يكسب الجولة الأخيرة إلاّ الحقّ ولا يكون الظفر إلاّ للحقّ. إن بلاء أندونيسيا بمن يُسمَّون بالمبشّرين قديم؛ فالهولنديون عملوا على تأييدهم وسخّروا لذلك مناهج المدارس وأعدّوا لتلقّيه الصغار. وهذا ما تَنبّه إليه أعداؤنا وغفلنا نحن عنه، هو الاهتمام بالأطفال. الأطفال هم أمّة المستقبل، نفوسهم صفحة بيضاء تنقش عليها ما تشاء، وقلوبهم عجينة طرية، إنهم كالأرض الخلاء تُقيم عليها البناء بلا تعب ولا عناء. والكبار كالبيت القديم، عليك -إذا أردت تجديده- أن تهدمه وأن تنقل أنقاضه وأن تُخلي أرضه ثم تقيم البناء الجديد عليه. فتداركوا أطفالكم، انظروا المربّين والمربّيات الذين تسلّمونهم إياهم، انظروا المدارس التي تبعثون إليها بهم، انظروا

стр. 2244

المعلّمين الذين تُقعِدونهم بين أيديهم ... تَنبّهوا فإن كل كلمة تُلقى في أذن الطفل وكل بذرة عقيدة تُغرس في قلبه سيكون لها أثر ظاهر في مُقبل أيامه، في دينه وفي خلقه وفي سلوكه. لقد طالما قلت وأعدت وكرّرت القول: إن بذور الخير والشرّ والإيمان والكفر تُغرَس في نفوس الأطفال في السنوات الخمس أو الست الأولى من أعمارهم، فاللهَ اللهَ في أطفالكم، واللهَ اللهَ في إخوانكم في أندونيسيا، فإن مَن نجا منهم من حملة التنصير والتكفير (التي تُسمّى كذباً دعوة التبشير) وقع في «البنغاسيلا» التي أوحى بها إلى أوليائه الشيطانُ، زخرف القول غروراً، لتجرّ عليهم هلكة وثبوراً. أتدرون ما «بنغاسيلا» التي يتخذها بعض المسلمين ديناً بدلاً من دين الله؟ «بنغا» كلمة فارسية الأصل معناها خمسة، يستعملها الذين يلعبون النرد، و «سيلا» بمعنى ركن أو دعامة؛ فالبنغاسيلا هي «الأركان الخمسة». بُني الإسلام على خمس، وهم يدعون إلى دين جديد يُبنى على خمس بدلاً من الخمس التي بُني عليها الإسلام. خَمسُنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت. وخَمسُهم الإيمان بالله الواحد الأحد، والإنسانية العادلة المتحضرة، ووحدة أندونيسيا القومية، وسيادة الشعب، والعدالة الاجتماعية. كلام إن فهمه المؤمن بالإسلام يستطيع أن يفسّره تفسيراً لا اعتراض عليه، ولكن الذين وضعوه والذين سمعوه ففهموه يفسّرونه على وجوه تناقض الإسلام. خذوا قولهم «سيادة الشعب». أيّ شعب في أندونيسيا إلاّ الشعب المسلم الذي تبلغ نسبته في

стр. 2245

السكان خمسة وتسعين في كل مئة منهم؟ أفيرضى المسلم بغير ما جاء به الإسلام؟ في أندونيسيا ثلاثة عشر ألف جزيرة المسكون منها ثلاثة آلاف، يُنادى فيها كل يوم خمس مرات: «أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة»، فأين الإيمان بمحمد في «بنغاسيلا» هذه التي ابتدعوها؟ وأين فيها الصلاة؟ وما الإيمان إن لم يكن معه عمل؟ والله ما ذكر الذين آمنوا إلاّ وصفهم بالذين عملوا الصالحات. لقد أقرّت هذه «البنغاسيلا» لجنةُ استقلال أندونيسيا يوم ١٨ آب (أغسطس) سنة ١٩٤٥، ولكن المبادئ التي بُني عليها الإسلام ما أقرّتها لجنة من البشر، بل أنزلها الله الذي أنزل القرآن، حين هبط به مقدّم الملائكة جبريل على مقدّم البشر محمد، صلّى الله على محمد وعلى جبريل، ليكون هو الدين الباقي إلى يوم القيامة. فمَن يُنزِل غير ما أنزل الله؟ كلاّ، لا بنغاسيلا، ولا تبشير بالكفر، ولا نترك شعيرة من شعائر الإسلام، ولا ندع شيئاً منه إلى غيره، مهما زيّنه لنا جمهور المنصّرين من أعوان الشياطين. ﴿لا جَرَمَ أنّ ما تَدْعونَني إليهِ ليْسَ لهُ دَعْوَةٌ في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ، وأنّ مَرَدَّنا إلى الله، وأنّ المُسْرِفينَ هُمْ أصْحَابُ النّارِ. فَسَتَذْكرونَ ما أقولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أمري إلى اللهِ إنّ اللهَ بَصيرٌ بِالعِبَاد﴾. * * *
следующие страницы →