(١) أن يكون الحكم شورياً انتخابياً مقيَّداً بأحكام الشرع.
(٢) وأن يُعتبر الانتخاب واجباً شرعياً، ولا يجوز انتخاب غير المسلم.
قلت: لأن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فلا يجوز لغير المسلم أن يضع قوانين تُطبَّق على المسلمين وتقيد حرّياتهم وتتحكّم فيهم. وهذه الحقيقة -على ظهورها وبيانها- غفل عنها أو تغافل علماء المسلمين. وأنا أحمد الله على أنني كنت من نحو أكثر من ربع قرن أولَ من جهر بها على منابر المساجد والجمعيات والنوادي، قلت ذلك تصريحاً وتوضيحاً، وعرضت له في إذاعة دمشق تلويحاً وتلميحاً.
* * *
هذا ما رأيته وسمعته في رحلتي إلى أندونيسيا. أما الذي انتهت إليه الدعوة الإسلامية الآن، وأما حال الإسلام والمسلمين فيها في هذه الأيام فلست أعرف عنه إلاّ القليل الذي يُنشر في الصحف أو يُشار إليه في الإذاعات. ولكن العجيب والله الذي ما ينقضي منه العجب أن من كان معه الحقّ ينام عن حقّه وصاحب الباطل يجدّ لنصرة باطله؛ الذي يقول إن الواحد يساوي واحداً (وتلك حقيقة الحقائق) لا يدعو لها ولا ينصح الناس بها، والذي يزعم أن الثلاثة تساوي واحداً (وذلك باطل الأباطيل) يحشد الرجال ويجمع الأموال لإقناع الناس بهذا المحال، وهو أن الثلاثة الريالات تعدل الريال الواحد! والذي معه كتاب يدّعي أنه من عند الله وليس في الوجود دليل واحد يثبت مدّعاه يعمل على
стр. 2242
نشره ودعوة الناس إليه، والذي معه كتاب الله الذي يقوم كل دليل في الوجود على أنه من عند الله، ما نقص منه حرف ولا زيد عليه حرف ولا تبدّل فيه حرف، يقعد عن دعوة الناس إليه.
لقد أفلس هؤلاء المكفّرون المنصّرون الذين يقولون إنهم المبشّرون، يبشرون بالعذاب الأليم، أفلسوا في أوربا وافترق عنهم عقلاء الناس. ولقد رأيت بعيني كثيراً من الكنائس في أوربا الغربية قد أقفرَت من روّادها، ومنها التي أغلقت أبوابها، ومنها ما عُرض للإيجار أو البيع بالمزاد! بل لقد شهدت في ألمانيا مسجداً صغيراً له متوضّأ يتطهّر فيه الناس في زاوية من الكنيسة، فلما سألت علمت أنهم فضّلوا أن يدخلها الناس ولو من غير دينهم، على أن تبقى خلاء ما فيها إلاّ الهواء!
أفلسوا في بلادهم فجاؤوا إلينا. وإذا كان الذي يسرق مالك من كيسك ومتاعك من دارك يُسمّى لصاً، فماذا يُسمى الذي يسرق عقيدتك من قلبك؟ والعقيدةُ أثمن من أموال الدنيا. لكن الحكومات تحمي الناس من لصوص الأموال والمحاكم تعاقب السارقين والسجون مأوى اللصوص والمجرمين، وهؤلاء المساكين غدوا في تلك البلاد كقطيع بلا راعٍ، قد سُلّط عليهم عدوّ يملك المال ويملك الحيلة ويملك القوّة، ولو كان عند جمهورهم من العلم بالإسلام مثل الذي عندهم من الحماسة للإسلام لردّوا عدوهم.
الإسلام عقيدة وعلم وعمل، ومسلمو أندونيسيا جاءهم الإسلام حينما جاءهم الاستعمار البرتغالي. ما حمله إليهم علماء
стр. 2243
يعلّمونهم ولا فقهاء يفقّهونهم، بل حمله تجار كانوا صادقين في دعوتهم فدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا. فيا أيها المسلمون، كيف تتركون مئة وخمسين مليوناً من إخوانكم لهؤلاء المكفّرين المنصّرين الذي تؤيّدهم قوى الشرّ كلها، وكثير من هؤلاء الإخوان فقراء وأكثرهم ليسوا علماء، فإذا تركتموهم وحدهم أمام هذه الحملة القوية الظالمة صارت أندونيسيا -لا سمح الله- أندلساً أخرى، وصرتم تقرعون الأكُفّ ندماً وتَنْظمون القصائد أسفاً وتُريقون الدموع عبثاً على أنكم أضعتم بقعودكم عن نصرتهم وعن الذود عن دينكم ودينهم، أضعتم أكبر دولة إسلامية.
ولن يكون هذا إن شاء الله أبداً، لأن للباطل دولة ثم يضمحل، ولا يكسب الجولة الأخيرة إلاّ الحقّ ولا يكون الظفر إلاّ للحقّ.
إن بلاء أندونيسيا بمن يُسمَّون بالمبشّرين قديم؛ فالهولنديون عملوا على تأييدهم وسخّروا لذلك مناهج المدارس وأعدّوا لتلقّيه الصغار. وهذا ما تَنبّه إليه أعداؤنا وغفلنا نحن عنه، هو الاهتمام بالأطفال. الأطفال هم أمّة المستقبل، نفوسهم صفحة بيضاء تنقش عليها ما تشاء، وقلوبهم عجينة طرية، إنهم كالأرض الخلاء تُقيم عليها البناء بلا تعب ولا عناء. والكبار كالبيت القديم، عليك -إذا أردت تجديده- أن تهدمه وأن تنقل أنقاضه وأن تُخلي أرضه ثم تقيم البناء الجديد عليه.
فتداركوا أطفالكم، انظروا المربّين والمربّيات الذين تسلّمونهم إياهم، انظروا المدارس التي تبعثون إليها بهم، انظروا
стр. 2244
المعلّمين الذين تُقعِدونهم بين أيديهم ... تَنبّهوا فإن كل كلمة تُلقى في أذن الطفل وكل بذرة عقيدة تُغرس في قلبه سيكون لها أثر ظاهر في مُقبل أيامه، في دينه وفي خلقه وفي سلوكه. لقد طالما قلت وأعدت وكرّرت القول: إن بذور الخير والشرّ والإيمان والكفر تُغرَس في نفوس الأطفال في السنوات الخمس أو الست الأولى من أعمارهم، فاللهَ اللهَ في أطفالكم، واللهَ اللهَ في إخوانكم في أندونيسيا، فإن مَن نجا منهم من حملة التنصير والتكفير (التي تُسمّى كذباً دعوة التبشير) وقع في «البنغاسيلا» التي أوحى بها إلى أوليائه الشيطانُ، زخرف القول غروراً، لتجرّ عليهم هلكة وثبوراً.
أتدرون ما «بنغاسيلا» التي يتخذها بعض المسلمين ديناً بدلاً من دين الله؟ «بنغا» كلمة فارسية الأصل معناها خمسة، يستعملها الذين يلعبون النرد، و «سيلا» بمعنى ركن أو دعامة؛ فالبنغاسيلا هي «الأركان الخمسة».
بُني الإسلام على خمس، وهم يدعون إلى دين جديد يُبنى على خمس بدلاً من الخمس التي بُني عليها الإسلام. خَمسُنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت. وخَمسُهم الإيمان بالله الواحد الأحد، والإنسانية العادلة المتحضرة، ووحدة أندونيسيا القومية، وسيادة الشعب، والعدالة الاجتماعية.
كلام إن فهمه المؤمن بالإسلام يستطيع أن يفسّره تفسيراً لا اعتراض عليه، ولكن الذين وضعوه والذين سمعوه ففهموه يفسّرونه على وجوه تناقض الإسلام. خذوا قولهم «سيادة الشعب». أيّ شعب في أندونيسيا إلاّ الشعب المسلم الذي تبلغ نسبته في
стр. 2245
السكان خمسة وتسعين في كل مئة منهم؟ أفيرضى المسلم بغير ما جاء به الإسلام؟
في أندونيسيا ثلاثة عشر ألف جزيرة المسكون منها ثلاثة آلاف، يُنادى فيها كل يوم خمس مرات: «أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة»، فأين الإيمان بمحمد في «بنغاسيلا» هذه التي ابتدعوها؟ وأين فيها الصلاة؟ وما الإيمان إن لم يكن معه عمل؟ والله ما ذكر الذين آمنوا إلاّ وصفهم بالذين عملوا الصالحات.
لقد أقرّت هذه «البنغاسيلا» لجنةُ استقلال أندونيسيا يوم ١٨ آب (أغسطس) سنة ١٩٤٥، ولكن المبادئ التي بُني عليها الإسلام ما أقرّتها لجنة من البشر، بل أنزلها الله الذي أنزل القرآن، حين هبط به مقدّم الملائكة جبريل على مقدّم البشر محمد، صلّى الله على محمد وعلى جبريل، ليكون هو الدين الباقي إلى يوم القيامة. فمَن يُنزِل غير ما أنزل الله؟ كلاّ، لا بنغاسيلا، ولا تبشير بالكفر، ولا نترك شعيرة من شعائر الإسلام، ولا ندع شيئاً منه إلى غيره، مهما زيّنه لنا جمهور المنصّرين من أعوان الشياطين.
﴿لا جَرَمَ أنّ ما تَدْعونَني إليهِ ليْسَ لهُ دَعْوَةٌ في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ، وأنّ مَرَدَّنا إلى الله، وأنّ المُسْرِفينَ هُمْ أصْحَابُ النّارِ. فَسَتَذْكرونَ ما أقولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أمري إلى اللهِ إنّ اللهَ بَصيرٌ بِالعِبَاد﴾.
* * *
стр. 2246
-١٧٥ -
خواطر وصور عن التربية والمدارس والتعليم
لمّا كنا ندرُس الفلسفة سنة ١٣٤٧هـ قرأت لهنري بوان كاره، العالِم الرياضي الفرنسي، وصفاً لمراحل تكوّن الفكرة في رأس العالِم أو القطعة الأدبية في ذهن الأديب، فقال إنه يتصوّر أولاً صورة مبهَمة يسمّيها هو «شيما» ثم يحاول أن يُظهرها في نظرية علمية أو قصّة أو قصيدة.
وأنا لمّا اقترحوا عليّ كتابة هذه الذكريات لم يكن لها في ذهني صورة، ولم يكن تحت يدي أوراق مكتوبة أعتمد عليها، وكنت أغبط من يكتب ذكرياته ويرجع إلى مذكرات كتبها في حينها، لذلك جاءت ذكرياتي غريبة عن كل أسلوب تبعه كتّاب الذكريات؛ فلا هي مرتَّبة على السنين تمشي مع التاريخ ككتاب «حياتي» لأحمد أمين، ولا هي سرد قصصي لوقائع الحياة ككتاب «الأيام» لطه حسين، ولا هي أفكار يربطها رباط قصصي كالذي كتب العقاد. فما هي إذن؟
هي ما ترون وتقرؤون. وأنا أشكر لكم أن صبرتم عليها فقرأتموها، وأشكر لكما يا أخوَيّ الكريمَين الأستاذَين هشام ومحمد علي حافظ أن نشرتماها.
стр. 2247
أكتب والله الحلقة ولا أكاد أذكر ما قلت قبلها، ولا أدري شيئاً عمّا سأكتب بعدها. وكلما جاء يوم السبت تلفّتُّ حولي لعلّي أجد مهرباً منها أو عذراً أعتذر به عنها، كالتلميذ الخائف أو المعلّم الكسول الذي يحاول أن يفرّ من المدرسة بأوهى الأسباب. ولكن ما يبدو لي من حرص الناشرَين الكريمَين عليها (ولعلّ هذا الحرص مجاملة لي وحياء مني أن يقولا لي: لقد طوّلتَها وعرّضتها، فخلِّصنا منها وكُفّ أذى قلمك عنّا) وما أسمع من القُرّاء وعنهم من الاستراحة إليها والمسرّة بها، هذا كله يدفعني إلى المضيّ فيها.
وأنا أعترف أني بدأت ذكر أحداث لم أكملها بل انتقلت إلى غيرها، وأعترف أني أستطردُ وأتبع مناسبات المعاني، كما يتبع الراعي بغنمه مساقط القطر ومنابت الكلأ، فيضلّ السبيل ويضيع عن القصد.
وكثيراً ما بدّلَت طريقي رسالةٌ وردت إليّ أو اقتراحٌ طُرح عليّ، فحوّل مسيري من اليمين إلى اليسار ومن الشرق إلى الغرب. وهذه رسالة كريمة جاءتني من يومين، من مرسل يبدو أنه أستاذ كريم، يقول لي فيها: لقد اشتغلتَ بالتربية والتعليم -كما علمنا منك وسمعنا عنك- من زمن طويل، ولقد عرضتَ بعض ذكرياتك في التعليم، أفليس عندك ذكريات في علم التربية؟ ويا ليتك تعرّف من لا يعرف بهذا العلم وبتجارِبك بتطبيقاته، فتكتب حلقات إن لم يجئ فيها علم ينفع صغار المربّين فلا بدّ أن يكون فيها أدب وفنّ يُمتع جمهور القارئين.
стр. 2248
هذا خلاصة ما جاء في الرسالة، كتبتُها بقلمي وعرضتها بأسلوبي.
أما الكلام في معنى العلم والتربية فليس ذكرى من ذكرياتي التي لا يعرفها غيري لأنها جزء من حياتي فيحقّ بذلك لي وحدي الكلام فيها، بل هي قدْر مشترَك بين كل المفكّرين، ومن قرّاء الجريدة من هو أقدر عليه وأعرَف به مني.
وأنا لم أدرس التربية كما يدرسها المختصّون فيها المنقطعون إليها، وليس في يدي شهادة من أساتذتها على أني من أهلها، ولكني شاركت في تربية إخوتي، وربّيت بناتي، وأشرفت على تربية أحفادي وحفيداتي. وقد بلغ عدد مَن ذكرت إلى الآن واحداً وأربعين، أفلا تكفيني هذه التجارِب وتكون شهادة لي على أن لي معرفة ببعض طرائق التربية؟ وقد بدأت التعليم من إحدى وستين سنة، من سنة ١٣٤٥، وقرأت من كتب التربية كل ما وصلت إليه يدي، ولا أدّعي مع ذلك أني صرت من كبار المربّين ولا أني من صغارهم.
أما تعريف التربية، كما أرى، تعريفاً قريباً من الأفهام بعيداً عمّا أودعَته في الكتب الأقلام، التعريف المنبثق من فكري أنا لا المنقول من الكتب التي ألّفها مؤلّفوها فهو: إن سلوك الإنسان مجموعة عادات، وإن كل عمل جديد هو بداية عادة جديدة، إما أن يستمر فيها وإما أن يرجع عنها. فالتربية هي غرس العادات النافعة والصرف عن العادات الضارّة.
أما العلم فلا أعرّفه لأن توضيح الواضحات من أشكل
стр. 2249
المشكلات. العلم كما يعرف الناس جميعاً هو نفي الجهل. وليس هذا من قبيل تفسير الماء بالماء، كالذي زعموا أن رجلاً ادّعى الشعر، فامتحنوه أن يصف مجلسهم عند الغدير فقال:
فكأنّنا والماءُ مِن حَولِنا ... قومٌ جُلوسٌ حَولَهم ماءُ
فقالوا: فسّرَ الماء بالماء! ...
إن ما قلت هو المعنى الذي يُسرِع إلى الذهن إن ذُكرت كلمة العلم، فمَن عرف قضية كان يجهلها صار عالِماً بها. لكن للعلم معنى غير هذا؛ ذلك هو الذي يقابل الشكّ ثم الظنّ، أي أنه يأتي بمعنى اليقين، فالشكّ خمسون بالمئة نعم وخمسون لا، والظنّ ستون بالمئة نعم، وغلبة الظن سبعون بالمئة، والعلم مئة على مئة.
ومن أراد تفصيل هذا الإجمال وجده في أول كتابي «تعريف عامّ بدين الإسلام»، الذي صدر الجزء الأول منه من سنوات طوال يعرض العقيدة بشكل جديد، ثم لم يوفّق الله إلى إتمامه، مع أن المعلومات كلها في ذهني والقلم في يدي، ولكن الهمّة ليست عندي.
فالعلم -إذن- قد يأتي بمعنى اليقين. فإن قلنا «عين اليقين» أردنا ما تيقّنه الإنسان عن طريق العين والحواسّ، و «حقّ اليقين» ما جاء بالدليل القطعي الذي يكاد يصل إلى حدّ البديهيات.
وعندنا العلم الذي يقابل الفنّ. وقد سبق مني القول فيه مراراً، وبيانه أن مطامح البشر تقف عند ثلاث هي: الحقّ والخير
стр. 2250
والجمال. تلك هي المُثُل العليا للبشر، فما كانت غايته الحقّ وسبيله الفكر وأداته المحاكمة فهو «العلم»، وما كانت غايته الجمال وسبيله الشعور وأداته الذوق فهو «الفنّ».
أما العلم (بمعنى science) كعلم الطبّ والفيزياء فله عند علمائنا الأولين تعريفات كثيرة جداً، ولكن أجود تعريف سمعت به وأقربه إلى الوضوح ما قاله سارطون، ولا يضرّنا أن نأخذه منه فإن الحكمة ضالّة المؤمن (أي أنها مُلك له ضاع منه وندّ عنه) فهو يلتقطها حيث وجدها.
قال سارطون: «العلم مجموعة معارف محقَّقة ومرتَّبة».
لمّا قال «معارف» أخرج المشاعر، ولمّا قال «محقّقة» أبعد النظريات، ولمّا قال «مرتّبة» نفى الحقائق المفرَدة المنثورة التي تبدأ بها العلوم عادة قبل استكمال تكوينها.
* * *
أما التعليم، فليس كل من عَلِم شيئاً استطاع أن يعلّمه وما كل عالِم يصير معلّماً؛ فالتعليم أن تختار الأسلوب الذي توصل به هذه المعارف إلى أذهان المتعلمين. وذلك يقتضي معرفة بمدى إدراك الطالب فلا تكلّفه بما هو فوق إدراكه، وبمدى قبوله ما تلقيه عليه وإلا أغلق ذهنه دونك فقرعت باباً لا يُفتَح أبداً، وأن تزيح من طريقه العوائق التي تُعيق فهمه عنك وينشغل بها عمّا تقول، ومن هذه العوائق ما يكون فيك أنت أيها المدرس: فلا ينبغي أن يكون في هيئتك ولا في لهجتك ولا في أسلوب معاملتك شيء غريب يقف فكره عنده فلا تستطيع أن توصل إليه ما عندك.
стр. 2251
وأنا أحمد الله على أني كنت معلّماً ناجحاً. لا أقول ذلك عن نفسي وحدي، بل يشهد به تلاميذي على مدى إحدى وستين سنة، منذ بدأت التعليم. علّمت في المدارس الأولية في القرى والابتدائية في المدن، والمتوسطة والثانوية، وعلّمت في الجامعات، وفي أقسام الدراسات العليا فيها، وعلّمت شباناً وعلمت في مدارس البنات (وإن كنت أستغفر الله ممّا فعلت ولا أُجيز مثله)، وعلّمت في مدارس المشايخ كما علّمت في مدارس الشباب. وكان من أسباب توفيقي ثلاث، أوصي بها من أراد أن يكون معلّماً ناجحاً:
أولها: استيعاب المادّة التي يدرّسها والإحاطة بها، والرجوع إلى كلّ كتاب يصل إليه من كتبها، لا يقتصر على الكتاب المقرَّر. أما في الجامعة فلا يجوز أبداً أن يُقرَّر للطلاب كتاب بعينه لا يرجعون إلاّ إليه ولا يأخذون إلاّ منه، ومن يفعل ذلك من الأساتذة يكن معلّم مدرسة ابتدائية لا أستاذاً في جامعة.
الثاني: أن يسلك إلى إفهام الطلاّب كل سبيل، فإن ساق المسألة بعبارة لم يفهموها بدّل العبارات حتى يصل إلى العبارة التي يستطيعون أن يفهموها، وما دامت مسائل العلم في ذهنه وكلمات اللغة بين يديه سَهُلَ ذلك عليه.
لمّا جاءتنا هذه الرياضيات الحديثة نقل بعضُ الأساتذة منّا ما قاله فيها غيرنا، فما فهمنا عنهم وما أحسب أنهم هم فهموا ما نقلوا، فجاء أخي الدكتور عبد الغني فشرحها في كتابه الذي وضعه لطلابه في جامعة دمشق من أكثر من عشرين سنة، فإذا هي
стр. 2252
مفهومة واضحة.
أحسب أني بَعُدتُ عن موضوع الذكريات، وهذا دائي؛ أذهب يميناً وشمالاً، ولكن آتيكم حيثما ذهبت بما ينفعكم أو يُمتِعكم.
* * *
أمّا الشرط الثالث فهو أن يكون طبيعياً، فإن لم يعرف المسألة قال للطلاب: إني لا أعرفها، وإن أخطأ قال لهم: إني أخطأت فيها.
لمّا جئت مكّة أدرّس في كلّية التربية سنة ١٣٨٤هـ جاء ذكر مسألة فقهية ذكرتُ فيها الحكم في مذهب الإمام أحمد، فقام أحد الطلاّب يردّ علي بأدب بأن المذهب ليس على هذا وأن المسألة ليست كما ذكرتُ. فأطَلتُ لساني عليه وقلت له: لقد درستَ اثنتي عشرة سنة حتى وصلت الجامعة وأنت لا تعرف الحكم في المذهب الذي يمشي عليه أكثر الناس في هذه البلاد ... وكلاماً من أمثال هذا، ما كان لي حقّ فيه وما كان بيدي مسوّغ له، وهو ساكت لا يُجيب.
فلما رجعت إلى الدار فتحت كتب الفقه الحنبلي، فإذا المسألة كما قال الطالب لا كما قلت أنا. أفتدرون ماذا صنعت؟ جئت في الغد فقلت للطالب: أنا أعتذر إليك، لقد كنت أنا المخطئ وأنت المصيب، وأعتذر إليك مرّة أخرى لأنك كنت مهذّباً ولأنني لم أكن في التهذيب على ما يُطلَب من العلماء، فسامحني.
стр. 2253
هل تظنون أن هذا الموقف نقص احترام الطلاّب لي أو تقديرهم إياي؟ لا؛ بل أؤكد لكم أنهم زادوني تقديراً وأنهم استفادوا منه درساً لعلّه أكبر من الدروس التي تُستفاد من الكتب.
وممّا وقع لي أنني كنت في أواخر الأربعينيات من هذا القرن الميلادي أدرّس -مع اشتغالي بالقضاء- في ثانوية البنات الأولى في دمشق، فكلّفت الطالبات في درس الإنشاء الذي يَدْعونه الآن «التعبير» الكتابة في موضوع يخترنه بأنفسهن لا أفرضه عليهن. وكانت عندي بنت أحسبها شركسية الأصل، صارت الآن كاتبة معروفة في سوريا اسمها نادية خوست، فقالت: أتسمح أن أكتب عنك؟ قلت: نعم. فقالت بمكر ظاهر: ولو كتبت عنك ما لا يُرضيك؟ قلت: اكتبي ما شئت، لكن التزمي الصدق وحدود الأدب.
فكتبت قطعة لا تزال عندي بخطها، وقد مرّ عليها الآن أكثر من ثلث قرن، تصفني فيها وصفاً يُضحِك عليّ كل من قرأه، تسخر مني وتهزأ بزيّي وشكلي وحركاتي، ولكن القطعة مكتوبة كتابة جيدة. فماذا صنعت بها؟ أعطيتُها الدرجة العالية على أسلوبها لأنه كان في الحقّ أسلوباً أدبياً ممتازاً، وأحلتُها على لجنة التأديب في المدرسة. فاحتجّت، فقلت لها: إنك تحسنين الكتابة، لذلك أعطيتك العلامة الكاملة كما يُعطى الذي يصيب الهدف في مباراة الرماية، لكن مَن يحسن الرماية لا يجوز له أن يرمي الأبرياء وأن يعتدي على الناس.
ولمّا أوقعوا عليها العقوبة عفوت عنها. وما كان في نفسي شيء منها لأنني من تلك الأيام، بل من أطول منها، قد تعوّدت
стр. 2254
النقد وألِفت الهجاء، فلو كتب الآن عني كاتب ورماني بكل موبقة ومزّق أديمي كل ممزَّق ونسب إليّ كل رزيّة ما حرّك ذلك من جسمي شعرة واحدة، وقرأت ما كتب كما أقرأ هجاء جرير أو بشار أو ابن الرومي، أقرؤه على أنه أدب مجرد.
* * *
والصدق أقرب طريق، لا سيما مع الأطفال، إلى بلوغ المرام وكسب الاحترام. وقد وقعت لي حوادث كثيرة لي فيها كتابات متناثرة في كتبي، لو جُمعت لجاءت منها رسالة كبيرة فيها تجارِب في التربية تنفع من يقرؤها؛ من ذلك أن صفوان ابن أخي ناجي، وكان صغيراً، وهو اليوم فوق الأربعين وله قلم بليغ، أرادوا أن يُسقوه دواء كريهاً فأبى أن يشربه، فأحاطوا به يقولون له: إنه طيّب وإنه لذيذ فذُقه، ذُق منه قليلاً، إنه طيّب ... وهو يأبى ويبكي. فقلت لهم: دعوني معه.
فأخذته جانباً فكلّمته بحيث لا يسمعون، قلت: يا صفوان، هذا الدواء واللهِ كريه جداً وطعمه لا يُحتمَل ولا تستطيع أن تشربه، ولكنني إذا مرضت مثل مرضك شربتُه وأنا كاره له. فتعجب وقال: كيف تشربه إذا كان كريهاً؟ فضحكت وقلت: لأنني كبير، والكبير يقدّر المنفعة، فإذا كان الدواء على سوء طعمه نافعاً شرِبَه ولو كان كارهاً، أما أنت فلا تشربه لأنك صغير. قال: بل أنا كبير. قلت: ياابني أنت صغير لا تستطيع أن تشربه، وأنا لمّا كنت صغيراً مثلك كنت أرفض الدواء مثل رفضك، أو أصنع شيئاً لم تصنعه أنت لأنك أحسن مني. ففتح عينيه وقال: ماذا كنت تصنع؟ قلت: كنت
стр. 2255
آخذ كأس الدواء وألقيه وراء المخدّة (وكنا نقعد على وسائد على الأرض ونستند إلى مخدات وراء ظهورنا). فضحك وقال: أنت تفعل هذا؟ قلت: نعم، وأمّا الآن فأنا أشربه لأنني كبير. قال: وأنا كبير. قلت: لا، أنت لست كبيراً.
وتركته وهممت بالانصراف، قال: يا عمو أنا كبير، أشربُه. فالتفتّ إليه وقلت له: إنك لا تستطيع أن تشربه، الله يرضى عليك، الصغار لا يشربون الدواء الكريه. قال: أنا لست صغيراً، أشربه، انظر شوف كيف أشربه. والتفتّ ببعض جسدي فرأيته قد شرب الدواء.
فالصدق مع الصغار خير من أن نكذب عليهم وأن نوهمهم ما يكذّبه الواقع. جاءني مرّة أحد أحفادي وهو يكره المدرسة لا رغبة له فيها. فقلت له: الحقّ معك إذا كرهت المدرسة ولم تحبّها، فأنا أيضاً لم أكن أحبها وكنت أحاول الابتعاد عنها، وإذا كانت عطلة أو غاب المدرس، ولو في غير يوم العطلة، كنت أفرح لغيابه. فتعجب وقال: لماذا لم تكن تحب المدرسة؟ قلت ما معناه: إنها قصّة قديمة جداً، وأقول لكم يا أيها القُرّاء: إنها عقدة نفسية عمرها أكثر من خمس وسبعين سنة، أُصِبت بها وأنا صغير ولكني كبرت ولم أستطع الخلاص منها.
كان ذلك سنة ١٣٣٢هـ قبل إعلان الحرب العامّة الأولى، وكان جدي يأخذني معه إلى جامع التوبة في أكثر الصلوات، فذهبت معه يوماً إلى صلاة الفجر، فلما قُضيَت أدخلني باباً يقابل المسجد، فوجدت ضجّة ودوياً ورائحة ليست مستحَبّة، وكان
стр. 2256
المكان مظلماً وأنا داخل إليه من الشارع المشرق، فلم أرَ شيئاً، فأمسكتُ من الخوف بيد جدي حتى ألفَت عيناي الظلمة، فرأيت غرفة واسعة جداً نصفها عليه دكة واطية من ألواح الخشب وتحتها فراغ وسخ، كما يكون في كثير من بيوت البلد في تلك الأيام، وهذا الفراغ تملؤه أمم من الحشرات والهوام، يقعد عليه صِبية قد اصطفّوا صفوفاً بأيديهم «الصبرة» (أي كتاب التهجية) وإن كانوا أكبر حملوا جزء عمّ، وهم يهتزّون مع كل كلمة ولهم صخب يُصِمّ الآذان، وأمام هذه الدكّة عشرات من الأحذية والقباقيب يركب بعضها بعضاً، وفي وسط الصفوف شيخ على كرسيّ عالٍ أمامه عِصيّ، عصا قصيرة وعصا طويلة وعصا أطول منها، فمن رآه قصر في الهزّ أو وقف عن القراءة أو عن الضجيج خفقه بالعصا القصيرة إن كان قريباً منه، أو بالمتوسطة إن كان وسط القاعة، وبالطويلة إن كان في آخرها.
فلما رأى الشيخ جدي، وكان مهيباً موقَّراً، نهض إليه فاستقبله وأشار إليه ليجلس، فبقي جدي واقفاً وكلّمه وهو يشير إليّ، ثم تركني وحدي مشدوهاً وذهب.
لقد كتبت في وصف هذا الموقف كثيراً وحدّثت به بالإذاعة كثيراً وجعلته مدار قصص كتبتها، ولم أوفِّه حقّه، ولم أستطع أن أعبّر فيما كتبت وما حدّثت عن مبلغ ما أحسست به يومئذ من الذعر والألم. مرّ عليه الآن ثلاثة أرباع القرن ولا أزال كلما ذكرته أذكر ذلك الرعب والخوف والذعر، وأشياء أخرى أفظع ممّا ذكرت لم أكن أعرف لها اسماً ولا أجد لها اليوم وصفاً.
كان هذا الكتّاب بداية عهدي بالمدرسة. فهل تنتظرون مني
стр. 2257
أن أحبها وكانت هذه بدايتها؟
لقد قرأتم في هذه الذكريات ما مرّ بي بعدها في المدرسة الكبيرة التي كان أبي مديرها العامّ، وكنت ابنه الوحيد المدلَّل. وعرفتم أني لم أكن فيها أحسن حالاً ولا أروَح بالاً. أين هذا الذي كان في أيامنا ممّا يجده الأطفال اليوم في رياض الأطفال وفي أكثر المدارس الابتدائية؟
في سنة ١٩٥٩ (١٣٧٨هـ) كانت لي أحاديث مستمرّة في إذاعة دمشق كالذي تسمعونه لي اليوم من إذاعة الرياض، وقلت في حديث منها (١):
نويت أن أجعل هذا الحديث ليوم الطفل، فصحّت النية ولكن لم يتمّ المراد. أردت أن أتكلم فيه عن مشكلات الطفولة اليوم فكان الحديث عن ذكريات الطفولة لي أنا بالأمس، وأردته موعظة وعبرة فجاء قصّة وذكرى. والقلم قد يجمح بيد الكاتب أحياناً كما يجمح الفرس بالفارس، فيمشي حيث يريد هو لا حيث يريد صاحبه.
ذلك أنني قعدت لأُعدّ هذا الحديث (وكنت يومئذ أكتب أحاديثي) وأنا لم أهيّئ أفكاره لأن الوقت قد ضاق بي وأعجلني الموعد، فشرعت وما ركّزت أُسُس الفكرة ولا تبيّنتُ مسالك القول، وأخذت القلم أنتظر ما يفتح به علي، فما فُتح عليّ باب القول، ولكن فُتح باب الغرفة ودخل مؤمن الصغير، ابن بنتي
стр. 2258
(وهو اليوم طبيب في مستشفى الملك فهد في جدة) دخل وهو محمرّ العين سائل الدمع على الخدّين ينشج نشيجاً مؤلماً، فظننت أنْ قد أصابه شيء ووثبت أسأله: ما لك؟ هل وقعت؟ فهزّ رأسه. قلت: هل ضربوك؟ فهزّ رأسه. قلت: ما لك؟ فقال بصوت مختنق بالبكاء تقطّعه الزفرات، قال: إدّو، إدّو (أي جدّو)! قلت: نعم؟ قال: لوح ... قلت: لوح؟ لوح شُكَلاطة؟ قال: لوح دسِهْ أمان.
فلم أفهم. فجاءت خالته الصغيرة يمان (وهي اليوم أم لأربعة أولاد) تترجم عنه، قالت بلسانها الناقص: بدّو لوح دسة مع أمان. قلت للمدرسة مع أمان؟ فأشرق وجهه وسكت، وقال: لوح دسة أمان. قلت: وتبكي من أجل المدرسة؟ أقعد هنا أحسن بلا مدرسة. فلما سمع ذلك صرخ من كلمتي وعاد يبكي ويعول، فهدّأته ووعدته حتى سكت.
وجعلت أعجب منه إذ يبكي شوقاً إلى المدرسة، وأذكر كيف كنا نبكي نحن خوفاً منها، وكرهاً لها.
وكرّت بي الذكرى إلى أول خطب من خطوب الدهر نزل بي؛ لست أعني الحرب العامّة، فلم تكن الحرب قد أُعلنت وما كنت يومئذ لأفقه لها معنى أو أبالي بها، ولكن أعني ما هو أشدّ وأفظع، أشدّ عليّ أنا، ذلك هو أول دخولي المدرسة. لقد كان يوماً أسود لا تُمحى من نفسي ذكراه، ولا أزال إلى اليوم كلما ذكرته أتصور روعه وشدّته. لقد كرّه إليّ المدرسة وترك في نفسي من بغضها ذخيرة لا تنفد، ولقد صرت من بعدُ معلّماً في الابتدائية ومدرساً في الثانوية وأستاذاً في الجامعة، وما ذهب من نفسي
стр. 2259
الضيق بالمدرسة والفرح بالخلاص منها، والأنس بيوم الخميس واستثقال يوم السبت، وما ذهبت إلى المدرسة أو إلى الجامعة مرّة إلاّ تمنيت أن أجدها مغلَقة أو أجد الطلاّب قد انصرفوا منها والدروس معطلة فيها!
(إلى أن قلت): لقد كان التلاميذ يبقون في هذا الكتّاب الذي أخذني جدي إليه من بُعَيد مطلع الشمس إلى قُبَيل الغروب، قاعدين لا يتكلمون ولا يستريحون ولا يلعبون، ولا يكفّون عن القراءة والاهتزاز، يحملون أكلهم معهم فيأكلون وهم قاعدون، وإذا عطشوا قاموا إلى البِركة فوضعوا أفواههم في مائها الملوّث وعبّوا مثلما تعبّ الجمال، وإذا كانت لهم حاجة ذهبوا إلى مراحيض المسجد.
والكتّاب مغلَق دائماً مظلم دائماً، لا يُفتَح له باب ولا نافذة ولا يُجدَّد له هواء، ولا يمضي على الولد فيه يوم لا تصيبه من الشيخ بليّة: خفقة بالعصا على رأسه من بعيد أو ضربات على رجلَيه بالفلق من قريب، أو «مونولوج» كامل من أقذع الهجاء يقرع أذنيه.
ولقد كان من المناظر المألوفة كل صباح منظر الولد العاصي (العَصْيان) وأهله يجرّونه، والمارّة وأولاد الطريق يعاونونهم عليه، وهو يتمسّك بكل شيء يجده ويلتبط بالأرض ويتمرّغ بالوحل، وبكاؤه يقرح عينيه وصياحه يجرح حنجرته، والضربات تنزل على رأسه، يُساق كأنه مُجرم عاتٍ، يرى نفسه مظلوماً ويرى الناس كلهم عليه حتى أبوَيه. فتصوروا أثر ذلك في نفسه في مقبل أيامه.
стр. 2260
فلا عجب -يا أولادي- أن تبكوا رغبة في المدرسة وقد صارت لكم جنّات، وما عجب أن نبكي منها وقد كانت علينا جحيماً. هي لكم مائدة عليها الطعام اللذيذ الخفيف في أجمل الأواني، وحولها الزهر والورد ومن ورائها الموسيقى والنغم، وقد كانت لنا طعاماً دسماً ثقيلاً في أوسخ آنية وأقذع منظر.
ولكن مَن استطاع منّا أن يأكل أكثر وأن يهضم ما أكل وأن ينتفع به؟ أنتم على كل هذه المشهّيات، أم نحن على كل تلك المنفّرات؟ أنتم تلبسون للمدرسة أبهى الثياب، ونحن كنا نجيء واللهِ بثوب النوم (السّركس) الذي لا يصل لأكثر من نصف الساق وفوقه رداء (جاكيت) الأب الذي رثّ وبلي فحوّلَته الأم وصيّرته لنا، وفي الأرجل القبقاب أو الكندرة المصنوعة في المناخلية. ولقد صرت في الثانوية وما عرفت دكّان الخياط، إنما ألبس ما تخيط أمي رحمها الله، وما كان فينا من اتخذ عقدة (كرافتة) حتى بلغنا البكالوريا فأين هذه العناية التي تلقونها ممّا كنا فيه؟
* * *
стр. 2261
-١٧٦ -
ما الذي يجعل تعليم الأمس
أكثر رسوخاً رغم مساوئه ؟
أُتِمّ اليومَ الذي بدأتُه في الحلقة الماضية. ذكريات ممّا مرّ بي في تربية الأولاد، ليست بحثاً جامعياً (أكاديمياً) وليس فيها جديد لا يعرفه القرّاء ولم آتِ فيها بما عجزَت عنه الأوائل، لم أصل إلى قبر توت عنخ آمون ولا كشفت البنسلين، وإنما هي وقائع يقع مثلها لكل أب، ينتفع منها من شاء الانتفاع وربما استمتع بها من أراد الاستمتاع، ومن لم يُرِدهما أو لم يجدهما أضاع ربع ساعة من عمره الذي يحرص أكثرنا على إضاعته فيما لا نفع فيه ولا جدوى منه، كأن أعمارنا -وهي رأس مالنا- عبء على عواتقنا علينا أن نتخفّف منه ما استطعنا!
وبعد، فهل استطعتُ بهذه المقدمة أن أقي نفسي نقد الناقدين، الذين سيقولون إذا قرؤوا ما كتبت: ما له يعلّمنا ما نَعْلمه، ويذكّرنا بما لم ننسَه، ويضيع أوقاتنا في كلام مُعاد مكرور؟
* * *
قلت لكم إن التربية كما أفهمها هي غرس العادات الحسنة،
стр. 2262
وإن العادة تثبت بمرّة واحدة كما يقول بعض الفقهاء: فمن لم يدخل في عمره ملهى يصعب عليه دخوله، وإن قدّرنا هذه الصعوبة بالرقم وقلنا بأنها مئة مثلاً، فإن دخله مرّة كانت صعوبة الثانية عشرين بالمئة فقط، وإذا دخل المرّة الثانية قعد في المكان الذي اقتعده أول مرّة.
من تجارِبي أنني كنت أحاول تصحيح عادات بنتي من الصغر، فكان الأهل يعجبون مني حين أقول للطفلة التي لم تكمل الأربع: لا تفتحي فمك عند المضغ، وأحرّك فكّي أمامها كأني آكل وفمي مُغلَق أو آكل أمامها فعلاً من غير أن أفتح فمي. أعلّمها بالقول وبالفعل، وهذه هي سنّة رسول الله ﵊، المعلّم الأعظم، حين علّم المسلمين أحكام الصلاة ثم صلّى أمامهم وقال «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، وحجّ معهم أو حجّوا معه، وقال لهم بعد أن لقّنهم أحكام الحجّ: «خُذوا عني مناسكَكم». وأعلّم البنت كيف تغسل يدها بالصابون، فما كانت تعرف كيف تمسكها وكلما أمسكَت بها أفلتت منها، فقلت لها: أمسكيها باليمين وحرّكي أصابعك قليلاً، ثم انقليها إلى الشمال فحرّكي أصابعك، وكرّري ذلك. فتعلّمَت كيف تغسل يدها بالصابون.
وكنت من حين تظهر أسنان الطفلة آتيها بفرشاة صغيرة وأعلّمها كيف تستعملها من فوق لتحت ومن تحت لفوق، لا أشرح ذلك باللسان فأجعل منه معادلة كيمائية أو قاعدة نحوية لا نفع منها ولا داعي إليها، بل أصنعه أمامها وأقول لها: اعملي مثلي. وخيرٌ من ذلك أن أعمله من غير أن آمرها صراحة بعمله، بل أجعلها هي تقلّدني فيه. ثم لمّا كبرَت قليلاً علّمتُها كيف تستعمل
стр. 2263
الشوكة والسكين، لا حباً بالعادات الإفرنجية بل تدريباً لها على ما سيواجهها في حياتها، حتى إذا اضطُرّت يوماً إليها كانت قادرة عليها. وليس في هذا مخالفة للسنّة كما قد يتوهم بعض القارئين، فالرسول ‘ استعمل السكين لقطع اللحم، ودينُنا لا يمنعنا من أن نأخذ كل ما فيه مصلحة لنا من عادات غيرنا إن لم يكن قد نهانا عنها ربنا ولم تكن مخالفة لشرعنا.
ونحن في حياتنا اليوم أقرب إلى طرائق الحياة الأجنبية منّا إلى ما كان عليه أجدادنا قبل مئة سنة، في طعامنا وشرابنا وفرش بيوتنا ووسائل انتقالنا وأوضاع مدارسنا ووسائل دفاعنا، يستوي في ذلك إمام المسجد وشيخ القبيلة ومن درس من أولادنا في أوربا وأميركا. لقد داخلَتنا مظاهر هذه الحضارة وغلبت علينا، شئنا أم أبينا. فإذا فتحنا أعيُننا وحكّمنا عقولنا وأخذنا الصالح منها باختيارنا وتركنا السيئ بإرادتنا، خيرٌ لنا من أن نصنع مثل الذي صنعنا يوم واجهَتنا ودخلَت فجأة علينا في أعقاب الحرب الأولى، لمّا كنت أنا في آخر مرحلة من الدراسة الابتدائية، فحاول فريق من مشايخنا نبذها كلها والإعراض عنها ومحاربتها، فما استطاعوا، وفريق من مجدّدينا ومقلّدينا أراد أخذها كلها بخيرها وشرّها، فما أفلحوا.
* * *
وكنت -مع هذه العناية بأكل بنتي وسلوكها ونظافتها- أهتمّ بما هو أولى من ذلك كله وأسمى، وهو غرس بذور الإيمان في قلبها. ولي تجرِبة مع بناتي ذكرتها في الرائي وفي الإذاعة مرات، ولعلكم سمعتموها. وأنا أعلم أن أثقل الكلام الحديث المُعاد،
стр. 2264
ولكن عذري إذا أعدت الكلام في الجريدة أو في الرائي أو في الإذاعة أن القارئين والمشاهدين ليسوا نفراً محدودين، ولست أتكلّم في مجلس مغلَق ولكنني أخاطب أقواماً يتبدّلون، يذهب منهم ناس ويأتي ناس.
وكنت أظن أني لم أُسبَق إلى هذه التجرِبة حتى عرفت الصديق النبيل فعلاً، السيد عبد الحميد الخطيب رحمة الله عليه، وعندي عنه ذكريات كثيرة ربما جمعتُها في فصل أكتبه، عرفته في المفوضية السعودية في كراتشي (ولم تكن قد صارت سفارة)، وعرفته في قصره في دُمّر في أوائل الوادي، دمر التي تبعد عن دمشق سبعة أكيال فقط. هذا الرجل الذي جمع الله له الأمرين اللذين بيّن ﵊ أنه لا حسد (أي لا غبطة) إلاّ فيهما: علم يُنتفَع به وينفع به الناس، فهو يكتب ويؤلّف ويوزع كتبه توزيعاً، ومال ينفق منه على ما يُرضي مَن منحه هذا المال.
سمعت منه أن أباه الشيخ أحمد الخطيب كان يقول له بعضاً ممّا كنت أقوله لبناتي، وكنت أظنّ أني لم أُسبَق إليه. وأقول -بالمناسبة- إنني لمّا كنت أكتب عن أندونيسيا بقيَت عندي بقايا، منها فصل عن الرجال المصلحين الذين ظهروا فيها، ومنهم الشيخ أحمد الخطيب العالِم الأندونيسي الجليل الذي قدم مكّة فاتخذها له موطناً، وأقبل التلاميذ عليه وسعوا إليه وأخذوا من علمه (١).
стр. 2265
فهل الشيخ أحمد هذا هو والد السيد عبد الحميد؟ لست أدري.
كنت أجيء بنتي ببعض الحلوى أو بعض اللُّعَب فأقول لها: "شوفي شو بعث لك الله، الله بعث لك هذا". فلا تنتبه إليّ، يشغلها فرحها بما جئتها به عن التفكير بما أقول لها، حتى إذا كثر ذلك مني ومنها سألَتني يوماً: الله عنده لعب كثير؟ فقلت لها: عنده كثير كثير، عنده أشياء ما لها آخر. عنده لعب وعنده حلوى وعنده كل شيء، فإذا طلبت منه فإنه يعطيك. قالت: أين هو؟ قلت: إنك لا يمكن أن تريه بعينك، ولكنه يسمع كلامك إذا طلبتِ منه، فقولي: يا الله ابعث لي كذا فإنه يبعث لك.
وصرت كلما سمعتها تدعو تطلب شيئاً جئتها به، ففاجأتني يوماً فقالت: بابا، لقد طلبت من الله لعبة فما جاءتني! فقلت لها: الله يعطي الأولاد الذين يحبّهم، والله يحبّ البنت التي تُطيع أمها والتي لا تكذب والتي تكون نظيفة ... (وعددت لها بعضاً من الصفات التي تقدر على مثلها) فإذا طلبتِ شيئاً فلم يُعطِك فمعنى ذلك أنك عملت عملاً لا يحبه الله.
وانتقلتُ بها وبأخواتها من بعدها خطوة خطوة، فكنت إذا أحسنَت الواحدة منهن لا أقول لها: أنا سآتيك بشيء جميل أو أجلب لك لعبة ظريفة، بل أقول لها: إن الله سيُدخِلك الجنّة. وإذا عملَت عملاً سيئاً لا أهدّدها بالضرب أو العقوبة مني، بل أقول لها إن الذي يعمل مثل هذا ربنا يحرقه بالنار.
وسألَتني يوماً: ما هي الجنّة؟ قلت لها: الجنّة دار كبيرة جداً وحولها حديقة عظيمة فيها أنواع من اللعب ومن الأُكول الطيّبة
стр. 2266
ومن كل شيء تريدينه، وكله بلا ثمن، تأخذين ما شئت، فالأولاد الذين يسمعون كلام أمهاتهم وآبائهم ولا يكذبون ولا يعملون الأعمال القبيحة يُدخِلهم ربنا الجنّة، والكفار الذين لا يعبدون الله ولا يصلّون ولا يصومون يُدخِلهم النار.
ومشيتُ مع الأولاد على هذا الطريق، وكنت أُلقي عليهم النصائح أو المواعظ في كلمة عارضة؛ كنت إذا سمعتها تقول كلاماً سيئاً أقول لها لمّا كبرَت قليلاً: رحم الله امرءاً قال خيراً فغنم أو سكت عن شرّ فسلم. فإذا أمرتها بشيء أقرنه بثواب الله الذي يُعطيه لمن يعمل مثل هذا الشيء الحسن، فنشأَت من الصغر على خوف الله وعلى مراقبته. ولقد قبستُ هذا عن شيخنا الشيخ عيد السفرجلاني ﵀، الذي مرّ خبره في هذه الذكريات وكان مدير مدرسة ابتدائية تخرّج فيها أكثر من نعرف من مشايخنا ومعلّمينا، هذا الرجل الذي لبث سبعين سنة وهو يعلّم، كان يلقي علينا الموعظة بكلمة عابرة تدخل آذاننا فتستقرّ في قلوبنا ولا تخرج منها. وأنا إلى الآن أحفظ كثيراً من الحكم والأحكام التي أخذتها منه، حتى وهو يؤدّبنا بالضرب.
وإذا رأت البنت في دار إحدى صديقات الأسرة عندما تزورها مع أمها، إذا رأت امرأة سافرة مثلاً أقول لها: لا تعملي مثلها، هذه لا تسمع كلام الله؛ الله خلقها وأعطاها كل ما تريد وقال لها لا تكشفي جسمك أمام الرجال الأجانب فعصت. فتقول البنت: لماذا لا يعاقبها الله؟ فأقول لها: متى ترتقين يابنتي بالمدرسة من صف إلى صف؟ تقول: بعد الامتحان. أقول لها: نعم، عند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان، وهذا الامتحان في المدرسة امتحان صغير،
стр. 2267
التي ترسب في صفها تتألّم أياماً وتُفتضَح أمام أهلها ورفيقاتها، ولكن أمامنا الامتحان الأكبر، امتحان يدخل فيه الناس كلهم تلاميذ، الصغار والكبار والمعلّم والمتعلّم والحاكم والمحكوم، كل مَن مات ودُفن من عهد آدم إلى آخر البشر، فيُحييهم ربهم ويجمعهم في مكان واحد وتُوزَن أعمالهم: فمَن عمل خيراً ومات مؤمناً ذهب إلى الجنّة، ومن كان كافراً أو عمل سيئاً يُعاقَب بالنار، وهنالك الفضيحة تكون أمام البشر كلهم لا أمام الرفاق والأهل فقط، إلخ.
كذلك كنت أُلقي على البنات أصول العقائد وأغرس في قلوبهم بذور الإيمان، بكلمات عارضة تأتي خلال الكلام وبأسلوب يفهمه الصغار، فما كلّ كلام يفهمه الصغار، وأكثر الأحاديث التي تُلقى في الإذاعة على أنها أحاديث أطفال وأكثر الكتب التي تُؤلَّف للأطفال لا يفهمها الأطفال. ذهب حفيدي عمرو مرّة مع أبيه إلى الشركة، وكان صغيراً، فلما رجع سألته: ماذا يعمل أبوك في الشركة؟ قال: عنده ثلاجة كبيرة يضع فيها الأوراق. ثلاجة يضع فيها الأوراق؟! ما هي هذه الثلاجة؟ هي صندوق الحديد.
صندوق الحديد كلمة ليست داخلة في معجم الطفل، لذلك حوّلها إلى ما يعرف. فإذا أردتم أن تكتبوا للأطفال فاجمعوا من أولادكم وأولاد الجيران والأقرباء جماعة منهم، وليتكلّم مَن يريد أن يحدّث الأطفال، فإن تركوا ما هم فيه وانصرفوا عمّا يشغلهم وأقبلوا عليه يستمعون منه يكون قد نجح في حديثه، وإذا تركوه يتكلّم وأقبلوا على ما هم فيه يكون محدّثاً خائباً. والدليل على
стр. 2268
ذلك أن أحاديث الأطفال التي تُعرض في الرائي، إذا نظرتَ إليهم وجدتهم بين غافل عن الحديث أو منشغل بغيره أو متحدث مع رفيقه، ذلك لأنهم لا يفهمون ما يُلقى عليهم وما يُقال لهم.
* * *
ولي تجارِب صغيرة أسرد طائفة منها، لعلّ في سردها ما ينفع الآباء أو صغار المربّين.
لقد بكّرتُ في تعليم الأولاد حمل التبعات، فلما كانت بنتي الأولى تدرج، أي تتعلّم المشي ولا تُحسِنه، وكنا نأكل في صحن الدار، أخذتُ طبقاً فيه بقية طعام وقلت لها: لقد صرتِ كبيرة فاحملي هذا إلى المطبخ. فصاحوا جميعاً: إنها تكسره، فقلت: إنها كبيرة. ووضعتُه في يدها ووضعت الثقة في نفسها، فحملَته ومشت وعيني عليها، وكنت متأهّباً، حتى إذا رأيتها مالت إلى السقوط وثبتُ إليها فأمسكت بها.
وكانت هذه البنت تحب السهر، فلا تستطيع أن تأوي إلى فراشها حتى يدخل كل من في الدار في فراشه، ولا تقدر أن تُغمِض عينيها وفي المنزل واحد مفتوحة عيناه. وقد جرّبنا فيها الأساليب وبلونا معها الحيل، فلم ينفع معها ترغيب ولا ترهيب، حتى أخذ السهر من لون خدّيها ومن بريق عينيها ونال من صحّتها. وسألت إخواني فوجدت أكثرهم يلقى من أولادهم من كرههم للنوم وحبهم للسهر مثل الذي ألقى منها، ولم أجد عندهم دواء لهذا الداء. ففكّرت، فخطر لي خاطر.
فقلت لأم البنت: أنا أستطيع أن أحبّب إلى بنتك المنام وأكرّه
стр. 2269
إليها السهر، ولكن الدواء مرّ، فهل تعدينني أن لا تأخذك بها رأفة إذا أنا جرّعتها هذا الدواء؟ قالت: نعم. فقلت: عنان! قالت: نعم؟ قلت: سنسهر الليلة، فهل تحبين أن تسهري معنا؟ ففرحت وأشرق وجهها وجعلَت تقفر من الابتهاج وتقول: إي، إي يا بابا. قلت: ولا تتأخرين في القيام إلى المدرسة صباحاً؟ قالت: لا، لا، لا والله، جرّبني. قلت: أسمح لك بالسهر ولكن بشرط واحد. فجزعَت قليلاً وقالت: ما هو؟ قلت: أن لا تنامي حتى أنام أنا. فعاودها الفرح لِما تتصور من مسرّات السهر ومباهجه وقالت: قبلت.
وامتدّت السهرة، وتعمّدت أن أحشد فيها كل ما تحبه البنت من قصص حلوة وألاعيب وأنقال (١)، حتى نعسَت وكادت تنام في مكانها، ثم نامت. فقالت أمها: لقد نامت، أفأحملها إلى سريرها؟ قلت: هيهات، الآن بدأ العلاج، فشدي أعصابك.
وعمدتُ إلى البنت وهززتها حتى أيقظتها، فاستيقظَت مُكرَهة. ومرّت ربع ساعة فعادت إلى المنام، وعُدت إلى إيقاظها. وتكرّر ذلك حتى صارت تتوسل إلي وتقبّل يدي أن أدعها تنام، وأنا أقول لها بدم بارد: لا، السهر أحلى. ألا تحبين السهر؟ حتى قالت: لا، لا أحبه، بدّي أنام ... وانطلقت تبكي.
وبرئت من علّة السهر من تلك الليلة.
تجرِبة أخرى: كنت أطالع يوماً في غرفتي فسمعت حواراً بين ابنتي الصغرى بيان (وهي الآن محاضِرة في الجامعة بجدّة،
стр. 2270
وكان عمرها أربع سنوات) وبين أمها. قالت البنت: ماما، في غرفة بابا ضبع. قالت لها أمها: ضبع؟! قالت: إي والله تحت كومة المجلاّت. قالت: حرام الكذب يا بنت. قالت: والله، والله، في غرفة باب ضبع. قالت بَسْ (كلمة «بَسْ» فصيحة) يا بنت، لا تكذبي. فبكت البنت وهُرعت إليّ تستشهدني، فضحكت وقلت لأمها: اسأليها ما هو حجم الضبع الذي رأته وما لونه؟ قالت: هو أسود بقدر الأصبع. فغضبَت الأم وقالت لي: كيف تقول إن الأطفال لا يكذبون وهذه البنت تكذب وتُصرّ على الكذب؟ قلت: إنها لم تكذب، فتعالي حتى أريك هذا الضبع. وذهبنا فإذا هو صرصور، فقلت لها: الأولاد مفطورون على الصدق، فإذا كذب الطفل فإنما يكذب لسوء التقدير كما قدّرَت أن الصرصور ضبع، ذلك أنها تسمع أن الضبع حيوان مخيف قبيح ولا تعرف ما هو، فلما رأت الصرصور فخافت منه واستقبحته ظنّته هو الضبع.
أو يكذب الأطفال (وذلك هو الغالب) خوفاً من عقوبة الآباء والأمهات، فلينتبه المربّون والأهلون الذين يقسون على أولادهم: إنهم يدفعونهم إلى الكذب. أما الولد بفطرته فلا يكون إلاّ صادقاً، وما قاله المتنبي:
والظّلمُ مِن شِيَمِ النفوسِ فإنْ تَجِدْ ... ذا عفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ
هذا الذي قاله كذب، لأن من شيم النفوس العدل لا الظلم، والخير لا الشر، والإيمان لا الكفر؛ هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ورُبّ بيت قاله الشاعر أفسد به أخلاق أمة؛ هذا أبوفراس، أما أفسد الناس حين قال: «إذا بِتُّ ظَمآناً فلا نزلَ
стр. 2271
القَطرُ»؟ أليست هذه هي الأثَرة، أو ما يسمّونه الأنانية؟ أين هذا من قول المعري:
فلا هَطلَتْ عَليَّ ولا بأرضي ... سَحَائِبُ ليسَ تَنْتَظِمُ البلادا
أوَ لم يُفسِد أبو فراس بقوله: «لنا الصّدرُ دونَ العالَمينَ أوِ القبرُ»؟ إما أن يأخذ الطالب في الامتحان مئة على مئة أو الصفر؟ إما أن ينجح بدرجة ممتاز أو أن يختار الرسوب؟! أليس بين الصدر والقبر منزلة يمكن أن نأوي إليها وأن نُقبِل عليها؟ والذي قال: «وداوِني بالّتي كانَت هيَ الدّاءُ»، هل كان صادقاً؟ ومتى كان الداء دواءً؟ لقد كذب الفاسق أبو نواس فما يكون الداء دواء أبداً.
* * *
ومن تجارِبي مع بناتي أن إحداهن كانت تخشى الخروج إلى الحديقة ليلاً، وكنا نسكن في سفح قاسيون. وأين مني الآن قاسيون؟ حرم الله الجنّةَ ونعيمَها مَن حرمني من جواره، حتى إنني لأخشى أن أموت قبل أن تكتحل عيناي برؤية قاسيون.
كنا نسكن في دار لها حديقة، فإذا جنّ الظلام وأظلمَت خافت البنت أن تخرج إليها. فأعطيتها مرّة كشّافاً كهربائياً، وخرجتُ بها إلى الحديقة وهي ممسكة بيدي وبيدها الأخرى الكشّاف، فلما توسطنا الحديقة قلت لها: أضيئي نور الكشاف. فأضاءت، وقلت لها: ألا ترين؟ هذه هي الشجرة التي كنا نراها في النهار، وهذه البِركة الصغيرة؛ ما تغيّر شيء، كل شيء في
стр. 2272
مكانه. فلماذا تخافين الخروج؟ ألا تخرجين في النهار؟ قالت: نعم. قلت: ما الذي تغيّر؟
والخوف إن كان له سبب معقول كان طبيعياً، فمن كان له طفل يخاف من الظلام وأمثاله فدواؤه أنه يهجم به على ما يخاف منه، فإذا اطمأنّ إليه زال خوفه. أما الخوف الذي هو انحراف سلوكيّ قد يحتاج إلى طبيب نفسي وإذا ازداد صار مرضاً نفسياً، فهو الخوف بلا سبب معقول، ذلك الذي يجب أن نهتمّ به وأن نحرص على مداواته.
* * *
أعود إلى تجارِبي في المدرسة.
وقفتُ بكم في الحلقة الماضية عند مقابلة ما كنا عليه نحن تلاميذ الأمس بما عليه تلاميذ اليوم، فقلت لكم إننا كنا نجيء المدرسة بثوب البيت، ومن تقدّمَت سِنّه ووصل إلى الصفوف العالية جاء ببذلة فصّلَتها له أمه من قديم ثياب أبيه. لم نكن نعرف هذه الثياب الجاهزة، ولم يكن أكثرنا يتردّد على الخيّاطين ولا يعرف تطوّر الأزياء. وكنا نمشي إلى المدرسة في حارات البلد، ولم أقُل في شوارعها لأنه لم يكن في دمشق ونحن صغار إلاّ شارع واحد، هو الذي فتحه جمال باشا سنة ١٩١٦. كنا نخوض غبار الصيف ووحل الشتاء، يتناثر من أعقابنا على ذيول ثيابنا حتى يصل إلى رُبع الثوب ممّا يلي الأرض، والمطر يهطل فوق رؤوسنا وميازيب الماء (أي المزاريب) التي كانت تنزل على الطريق ينصبّ ماؤها علينا. كانت تلك حالنا أو حال أمثالنا من أوساط الناس
стр. 2273
وفقرائهم، أما الأغنياء، وهم أولاد البشوات والأكابر، فكان يوصلهم الخدم على الدواب، وأحياناً بالعربات. وهؤلاء قِلّة قليلة وحالتهم نادرة، والنادر لا حُكمَ له.
فكيف يأتي التلاميذ اليوم إلى المدارس؟ سلوا السيارات التي تسدّ الطريق عند أبوابها. وماذا يلبسون للمدارس؟ سلوا باعة الثياب وخيّاطيها. وانظروا حال الشوارع المزفَّتة (ولا تقُل المسفلَتة) التي لم يعرف مجتازوها ما معنى الوحل الذي كنا نغوص فيه.
وفي المدرسة من كان أرفه عيشاً ومن يجد معاملة ألطف وعطفاً أكثر، نحن أم أنتم؟ هل من أبناء اليوم من يعرف ما هو «الفلق» (أي الفلقة) الذي كانت تُربط به أرجلنا، وينقع بعض القساة من المعلّمين (وأكثرهم كانوا قساة جبارين) ينقعون قضبان الرمّان بالماء حتى يشدّها الماء ويَزيد منها البلاء، أو يأتون بأعواد الخيزران، فيضربون بذلك الأولاد حتى تحمرّ الأرجل وتتورّم، وربما انبثق منها الدم! يضرب بعضهم ضرب موتور منتقم لا ضرب مربٍّ رحيم.
والسجن في أقبية المدارس أو في غرفة منها مظلمة؟ والأب يُعين المعلّم على هذا الظلم، يحسب أنه طريق التربية والتهذيب، يقول للمعلم: هذا ولدي استلمه، اللحم لك والعظم لي!
هذه كانت حالنا، وهذه حالكم يا تلاميذ اليوم. ولكن أعود فأسأل مرّة ثانية: مَن منّا كان أكثر جِداً وإقبالاً على الدرس واستفادة من العلم؟
стр. 2274
لقد تقدّم اليومَ العلم وارتقى الفكر، وقطعت البشريّة في طريق الحضارة في هذه السنين الخمسين، منذ أكملتُ دراستي إلى الآن، أكثر ممّا قطعَت في الخمسمئة سنة التي سبقَتها، في الفكر، في فروع العلم، في الفيزياء، في الطب، في علوم الفضاء ... ولكن ما درسناه (أو ما درسته أنا إذا قصرتُ الكلام على نفسي) في الثانوية التي خرجت منها سنة ١٣٤٧هـ، ما درسته لا أزال أحفظ أكثره، لا في علوم الدين والعربية وحدهما، بل في علوم الطبيعة وفي الجغرافيا وفي علوم كنا ندرسها فأعرض الناس عنها: المحاسبة (وكنا نسمّيها مسك الدفاتر) والموسيقى العربية بمقاماتها والإفرنجية بسلّمها وعلاماتها وشاراتها، والطوبوغرافيا، وتحسين الخطّ بأنواعه: الرقعة والفارسيّ والثلُث والنسخي والكوفي، وعلوم أخرى، لماذا تُركت وأُهملت ولطالما أفادت ونفعَت؟
لا أقول -كما يقول الشيوخ من أمثالي- أن زماننا كان خيراً من هذا الزمان ولا أن أهله كانوا أحسن من أهله، ولا أن العلم في أيامنا أرقى من العلم في هذه الأيام ولا أن المدرّسين كانوا في الجملة أكثر علماً وأوسع اطّلاعاً ... بل أقول إن الشواغل التي ازدحمَت على الطالب اليوم والمُلهيات التي حفّت به، من الرائي والسينما وكرة القدم وأنواع الفنون، وأمثال هذا ممّا لم يكن على عهدنا منه شيء أو كان منه شيء لا يكاد يُعَدّ شيئاً، هذا الذي جعلنا أحرص على دروسنا وأوعى لها.
علّمت -كما قلت لكم- من ستين سنة، وشهدت مسيرة القافلة وعرفت طريقها، ورأيت ما فيه من هضبات تعلو بسالكها
стр. 2275
وأودية تهبط بمن يمرّ بها، وكذلك الدنيا صعود وهبوط. وأنا أؤكّد بعد هذا أن تلاميذ الأمس ليسوا في الجملة أذكى من تلاميذ اليوم، وأؤكّد أن أساليب التدريس اليوم أحسن منها بالأمس، وأن أكثر الأساتذة يعلمون من فروع العلوم الكونية والعقلية ما لم يكن يعرفه معلّمونا، ولكن التلاميذ -على هذا كله- صاروا أضعف.
خذوا كتبنا المدرسية وكتب الطلاّب في هذه الأيام: في كتبهم من العلم ما لم يكن في كتبنا مثله، بل إن فيها ما لم يكن يعرفه على عهدنا العلماء الكبار فضلاً عن التلاميذ الصغار. نعم، وهذه حقيقة لا يُنكِرها أحد، بل إنها لم تكن على أيامنا كتب وكنا نخطّ المقرَّر بأيدينا. ولكن هل يقرأ تلاميذ اليوم كل ما في هذه الكتب؟ وإذا قرؤوه فهل يفهمونه كله؟ وإذا فهموه فهل يهضمونه حتى تستقرّ خلاصته في أذهانهم، كما يتمثّل الجسمُ الطعامَ المهضوم حتى يمشي في دمه ويكون منه بناء جسده؟
أمامي هنا بعض الكتب التي كنت أقرأ فيها سنة ١٣٣٨هـ وأنا في الصف الخامس الابتدائي، فهل يحتفظ التلاميذ اليوم بكتب المدرسة، أم يُفرغون ما فيها في رؤوسهم لتحفظها إلى يوم الامتحان، فإذا خرجوا منه ضربوا عنها صفحاً، كأن في هذه الكُرات المركَّبة بين أكتافهم شرائط تسجيل لا عقولاً واعية وأدمغة مفكّرة؟
لقد طالما سألتُ طلاب الجامعة عن بعض ما درسوه في الثانوية أو المتوسطة، فلا أجد عندهم منه ذكراً. ولو كان السؤال في التاريخ أو الجغرافية لعذرتهم؛ إن الطالب يستطيع أن
стр. 2276
يقرأ تاريخ العباسيّين وهو لا يعرف تاريخ الأمويّين، أو أن يقرأ جغرافية آسيا وهو لم يقرأ جغرافية أوربا، لأن ذلك مستقلّ بعضه عن بعض. أما اللغات والرياضيات فلا يمكن أن تفصل بعضها عن بعض؛ التاريخ والجغرافية كدارات (فيلاّت) صغار في أرض واسعة، أمّا اللغات والرياضيات فطبقات من بناء واحد تقوم كل طبقة منها على الطبقة التي تحتها، فإن انهدمَت انهدم ما فوقها.
* * *
стр. 2277
-١٧٧ -
من ذكرياتي في تعليم التلاميذ
وتربية البنات
هذه حلقة أنا أعلم أنه سيضيق بأولها ويستثقلها أكثر القراء لأن فيها كلاماً عن النحو. والنحو ثقيل على قلوب التلاميذ، وقد لبثتُ سنين من عمري أدرّسه، فوجدت الجهد المبذول فيه كثيراً والثمرة المحصَّلة منه قليلة، فذهبتُ أقلب النظر وأُجهِد الفكر لتحديد أسباب ذلك، فوجدته بكتب النحو وفي طريقة تدريسه. وإن كنت أشهد أن يد الإصلاح قد امتدّت إليها، وأنها قد ظهرت كتب جديدة كثيرة خلت من بعض العيوب القديمة.
وما عيب النحو؟ عيبه أنه يُبعد عن الملَكة ويشغل بالوسيلة عن الغاية.
كان الطفل العربي قبل فساد اللغة يتلقّاها بالتقليد والمحاكاة، فينشأ بليغ القول فصيح اللسان بعيداً عن اللحن، لأن أبويه من أهل البلاغة والفصاحة ولأن اللسان الذي يتكلمون به قريب من لسان الكتابة ولسان الأدب. فصرنا نعلّم (أو صار أكثرنا يعلّم) قواعد اللغة العربية باللغة العامّية، كما كان معلّمنا التركي على
стр. 2278
عهد العثمانيين يوم كنت صغيراً في المدرسة الابتدائية أيام الحرب الأولى يسألنا: فاعل ندر؟ أي: ما هو الفاعل؟
لا أستطيع أن أُحصي الأمثلة ولكن أعرض واحداً منها. لما كنت أعلم في الابتدائية كان الكتاب المقرَّر يُعرّف الاسم بأنه «اللفظ الدالّ على معنى مستقلّ بالذهن وليس الزمن جزءاً منه»، وكان عليّ أن أُفهِم هذا التعريف تلاميذ السنة الرابعة الابتدائية وكان عليهم أن يحفظوه. فناشدتكم الله: أهذا ممّا يعقله عاقل يقدّر مدى إدراك التلاميذ ويعرف حدود ما يمكن أن يفهموه؟ ولماذا أُفهِمهم هذا التعريف ولماذا أُلزِمهم بحفظه؟
إن البلاد العربية كلها تشكو من الضعف في العربية، ولعلّ من أسباب هذا الضعف طريقة تدريس النحو، ولعلّ من أسوأ ما في هذه الطريقة التعريفات. لماذا التعريفات من أصلها؟ إن العرب الأولين الذين أخذنا قواعد العربية عنهم ما كانوا يَعْرفونها. ولقد نقل أحمد بن فارس في كتاب «الصاحبي» (وهو من أوائل الكتب التي وقعت في يدي وأنا صغير، فقرأته وكدت أحفظ كل ما فيه، وكان من أوائل ما انتفعتُ به من الكتب)، نقل أحمد بن فارس عن أعرابي أنه سُئل: أتجرّ فلسطين؟ فلم يفهم من معنى الجرّ إلاّ السحب، وعجب كيف يسحب فلسطين وقال متعجّباً: إني إذن لقويّ!
وأنا لا أذهب مذهب مَن يدعو إلى تسهيل النحو ليُفسد بذلك اللغة، لست كهذا العدوّ الذي يأتي بثياب صديق، ولا أدعو إلى إهمال القواعد ولا إلى ترك الإعراب وتسكين أواخر الكلمات،
стр. 2279
فإذا قلتَ: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ من غير تحريك أواخر الكلم ربما رفعتَ لفظ الجلالة فوقعت في الكفر حين تجعل الله يخشى العلماء! والله لا يخشى أحداً وإنما يخشاه الجميع.
في النحو أمور ينبغي أن نصلحها؛ لا أبدّل لسان العرب ولا آتي ببدع جديدة منكَرة تقطع ما بيننا وما بين كتاب الله، ولكن أقترح أموراً لا تجاوز المظهر ولا تصل إلى الجوهر.
أمثّل لها بـ «أن» الناصبة المضمَرة بعد «أو» و «حتى» ولام الجحود. إنها مضمَرة وجوباً، أي أنه ما رآها أحدٌ أبداً وإنما قدّر النحاة وجودها. والنحو إنما هو وسيلة لإقامة اللسان في الكلام واجتناب اللحن فيه، فعلينا أن نُفهِم التلميذ أن الفعل يُنصَب إذا جاءت قبله «حتى» أو جاءت قبله لام الجحود. فلماذا لا نقول إنها هي الناصبة وندع هذه الأحجية (الفزّورة) التي تزعم أن «أن» مُضمَرة بعدها، وأن هذا الإضمار مستمرّ دائماً فلا تظهر «أن» أبداً ولا يراها أحد؟ لماذا لا نعلّم الطالب أن ينصب الفعل كلما اقترن بلام الجحود، وكفى الله المؤمنين القتال وكسْرَ أدمغة الأطفال بهذا الذي يُشبِه المحال؟
المهمّ أن يأتي الفعل هنا منصوباً، أمّا العامل في نصبه فلا أثر له في صحة الكلام، فسواء لدينا أكان عامل النصب لام الجحود نفسها أم «أن» التي قالوا إنها مُضمَرة بعدها.
ومثال آخر: الاسم الذي يأتي بعد «إذا» في مثل قوله تعالى: ﴿إذا السّماءُ انْشَقّتْ﴾. لماذا نعلّم الطلاّب أن كلمة «السماء» فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور؟ فيكون تقدير الكلام عندهم: "إذا
стр. 2280
انشقّت السماءُ انشقّت". أفهذا الكلام من لغة العرب أم هو من كلام الأعاجم؟ وهل سمعتم عربياً يقول مثله؟ إن كلام العرب مبنيّ على الإيجاز، فما كان يُفهَم من غير تلفُّظ به ما لفظوه أبداً، لذلك ستروا ضمير المتكلم «أنا» في قولك "أقوم وأقعد" لأنه لا يُتصوَّر أن تقول "أقوم" وتقصد أن الذي يقوم هو جارك أو ابن عمّك. فلماذا لا نُعرب السماء في قوله تعالى ﴿إذا السّماءُ انشقّت﴾ مبتدأ وجملة "انشقّت" هي الخبر؟
يقولون في الجواب إن «إذا» لا تدخل على الاسم. وجعلوا ذلك قاعدة قعّدوها، ثم جاؤوا فبنوا عليها واستندوا إليها. لكني أسأل: من أين جاءت قواعد النحو؟ إنها جاءت من استقراء كلام العرب وتتبُّع ما أُثِر عن بلغائهم، فما نطقوا به فهو الصحيح وما جانبوه وأبَوه فهو الغلط. وأول ما يُعتمَد عليه في لغة العرب هو كلام الله، القرآن الذي أنزله الله والذي هو كتاب العربية يُرجَع فيها إليه، وكتاب الإسلام يُعتمَد فيه عليه. حتى إن غير المؤمنين بأن القرآن من عند الله لم ينكروا أن ما في المصحف الذي هو بين أيدينا، والذي نقرؤه في صلواتنا، هو الذي كان يقرؤه محمد ﵊ وأصحابه، فهو -باعتباره نصاً عربياً يُحتَجّ به- أوثق من كل ما يُنقَل من الشعر الجاهلي والإسلامي. وما جاء في القرآن لا يمكن أن يكون غير عربي أو غير فصيح، وفي القرآن ﴿إذا السماءُ انشقّت﴾ و ﴿إذا السماء انفطرَت﴾ وفيه من ذلك الكثير، وفي شعر العرب في جاهليتهم أمثال ذلك: «إذا القَومُ قالوا: مَن فتىً؟ خِلْتُ أنّني ...» وكثير من أمثال ذلك في أشعار الجاهليين من أصحاب المعلقات وغيرهم، فمَن الذي قال لكم