Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
يقرأ تاريخ العباسيّين وهو لا يعرف تاريخ الأمويّين، أو أن يقرأ جغرافية آسيا وهو لم يقرأ جغرافية أوربا، لأن ذلك مستقلّ بعضه عن بعض. أما اللغات والرياضيات فلا يمكن أن تفصل بعضها عن بعض؛ التاريخ والجغرافية كدارات (فيلاّت) صغار في أرض واسعة، أمّا اللغات والرياضيات فطبقات من بناء واحد تقوم كل طبقة منها على الطبقة التي تحتها، فإن انهدمَت انهدم ما فوقها.
* * *
стр. 2277
-١٧٧ -
من ذكرياتي في تعليم التلاميذ
وتربية البنات
هذه حلقة أنا أعلم أنه سيضيق بأولها ويستثقلها أكثر القراء لأن فيها كلاماً عن النحو. والنحو ثقيل على قلوب التلاميذ، وقد لبثتُ سنين من عمري أدرّسه، فوجدت الجهد المبذول فيه كثيراً والثمرة المحصَّلة منه قليلة، فذهبتُ أقلب النظر وأُجهِد الفكر لتحديد أسباب ذلك، فوجدته بكتب النحو وفي طريقة تدريسه. وإن كنت أشهد أن يد الإصلاح قد امتدّت إليها، وأنها قد ظهرت كتب جديدة كثيرة خلت من بعض العيوب القديمة.
وما عيب النحو؟ عيبه أنه يُبعد عن الملَكة ويشغل بالوسيلة عن الغاية.
كان الطفل العربي قبل فساد اللغة يتلقّاها بالتقليد والمحاكاة، فينشأ بليغ القول فصيح اللسان بعيداً عن اللحن، لأن أبويه من أهل البلاغة والفصاحة ولأن اللسان الذي يتكلمون به قريب من لسان الكتابة ولسان الأدب. فصرنا نعلّم (أو صار أكثرنا يعلّم) قواعد اللغة العربية باللغة العامّية، كما كان معلّمنا التركي على
стр. 2278
عهد العثمانيين يوم كنت صغيراً في المدرسة الابتدائية أيام الحرب الأولى يسألنا: فاعل ندر؟ أي: ما هو الفاعل؟
لا أستطيع أن أُحصي الأمثلة ولكن أعرض واحداً منها. لما كنت أعلم في الابتدائية كان الكتاب المقرَّر يُعرّف الاسم بأنه «اللفظ الدالّ على معنى مستقلّ بالذهن وليس الزمن جزءاً منه»، وكان عليّ أن أُفهِم هذا التعريف تلاميذ السنة الرابعة الابتدائية وكان عليهم أن يحفظوه. فناشدتكم الله: أهذا ممّا يعقله عاقل يقدّر مدى إدراك التلاميذ ويعرف حدود ما يمكن أن يفهموه؟ ولماذا أُفهِمهم هذا التعريف ولماذا أُلزِمهم بحفظه؟
إن البلاد العربية كلها تشكو من الضعف في العربية، ولعلّ من أسباب هذا الضعف طريقة تدريس النحو، ولعلّ من أسوأ ما في هذه الطريقة التعريفات. لماذا التعريفات من أصلها؟ إن العرب الأولين الذين أخذنا قواعد العربية عنهم ما كانوا يَعْرفونها. ولقد نقل أحمد بن فارس في كتاب «الصاحبي» (وهو من أوائل الكتب التي وقعت في يدي وأنا صغير، فقرأته وكدت أحفظ كل ما فيه، وكان من أوائل ما انتفعتُ به من الكتب)، نقل أحمد بن فارس عن أعرابي أنه سُئل: أتجرّ فلسطين؟ فلم يفهم من معنى الجرّ إلاّ السحب، وعجب كيف يسحب فلسطين وقال متعجّباً: إني إذن لقويّ!
وأنا لا أذهب مذهب مَن يدعو إلى تسهيل النحو ليُفسد بذلك اللغة، لست كهذا العدوّ الذي يأتي بثياب صديق، ولا أدعو إلى إهمال القواعد ولا إلى ترك الإعراب وتسكين أواخر الكلمات،
стр. 2279
فإذا قلتَ: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ من غير تحريك أواخر الكلم ربما رفعتَ لفظ الجلالة فوقعت في الكفر حين تجعل الله يخشى العلماء! والله لا يخشى أحداً وإنما يخشاه الجميع.
في النحو أمور ينبغي أن نصلحها؛ لا أبدّل لسان العرب ولا آتي ببدع جديدة منكَرة تقطع ما بيننا وما بين كتاب الله، ولكن أقترح أموراً لا تجاوز المظهر ولا تصل إلى الجوهر.
أمثّل لها بـ «أن» الناصبة المضمَرة بعد «أو» و «حتى» ولام الجحود. إنها مضمَرة وجوباً، أي أنه ما رآها أحدٌ أبداً وإنما قدّر النحاة وجودها. والنحو إنما هو وسيلة لإقامة اللسان في الكلام واجتناب اللحن فيه، فعلينا أن نُفهِم التلميذ أن الفعل يُنصَب إذا جاءت قبله «حتى» أو جاءت قبله لام الجحود. فلماذا لا نقول إنها هي الناصبة وندع هذه الأحجية (الفزّورة) التي تزعم أن «أن» مُضمَرة بعدها، وأن هذا الإضمار مستمرّ دائماً فلا تظهر «أن» أبداً ولا يراها أحد؟ لماذا لا نعلّم الطالب أن ينصب الفعل كلما اقترن بلام الجحود، وكفى الله المؤمنين القتال وكسْرَ أدمغة الأطفال بهذا الذي يُشبِه المحال؟
المهمّ أن يأتي الفعل هنا منصوباً، أمّا العامل في نصبه فلا أثر له في صحة الكلام، فسواء لدينا أكان عامل النصب لام الجحود نفسها أم «أن» التي قالوا إنها مُضمَرة بعدها.
ومثال آخر: الاسم الذي يأتي بعد «إذا» في مثل قوله تعالى: ﴿إذا السّماءُ انْشَقّتْ﴾. لماذا نعلّم الطلاّب أن كلمة «السماء» فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور؟ فيكون تقدير الكلام عندهم: "إذا
стр. 2280
انشقّت السماءُ انشقّت". أفهذا الكلام من لغة العرب أم هو من كلام الأعاجم؟ وهل سمعتم عربياً يقول مثله؟ إن كلام العرب مبنيّ على الإيجاز، فما كان يُفهَم من غير تلفُّظ به ما لفظوه أبداً، لذلك ستروا ضمير المتكلم «أنا» في قولك "أقوم وأقعد" لأنه لا يُتصوَّر أن تقول "أقوم" وتقصد أن الذي يقوم هو جارك أو ابن عمّك. فلماذا لا نُعرب السماء في قوله تعالى ﴿إذا السّماءُ انشقّت﴾ مبتدأ وجملة "انشقّت" هي الخبر؟
يقولون في الجواب إن «إذا» لا تدخل على الاسم. وجعلوا ذلك قاعدة قعّدوها، ثم جاؤوا فبنوا عليها واستندوا إليها. لكني أسأل: من أين جاءت قواعد النحو؟ إنها جاءت من استقراء كلام العرب وتتبُّع ما أُثِر عن بلغائهم، فما نطقوا به فهو الصحيح وما جانبوه وأبَوه فهو الغلط. وأول ما يُعتمَد عليه في لغة العرب هو كلام الله، القرآن الذي أنزله الله والذي هو كتاب العربية يُرجَع فيها إليه، وكتاب الإسلام يُعتمَد فيه عليه. حتى إن غير المؤمنين بأن القرآن من عند الله لم ينكروا أن ما في المصحف الذي هو بين أيدينا، والذي نقرؤه في صلواتنا، هو الذي كان يقرؤه محمد ﵊ وأصحابه، فهو -باعتباره نصاً عربياً يُحتَجّ به- أوثق من كل ما يُنقَل من الشعر الجاهلي والإسلامي. وما جاء في القرآن لا يمكن أن يكون غير عربي أو غير فصيح، وفي القرآن ﴿إذا السماءُ انشقّت﴾ و ﴿إذا السماء انفطرَت﴾ وفيه من ذلك الكثير، وفي شعر العرب في جاهليتهم أمثال ذلك: «إذا القَومُ قالوا: مَن فتىً؟ خِلْتُ أنّني ...» وكثير من أمثال ذلك في أشعار الجاهليين من أصحاب المعلقات وغيرهم، فمَن الذي قال لكم
стр. 2281
إن كلمة «إذا» لا تدخل على الاسم وقد دخلَت عليه في كتاب الله وفي كلام بلغاء العرب؟
* * *
أنا لا أدعو إلى نبذ النحو ولا إلى تبديله، ولكن أدعو إلى اعتباره وسيلة لا غاية؛ فالنحو إنما وُضع -من يوم وُضع- لإقامة اللسان وتجنُّب اللحن، وأقصرُ طريق يوصل إلى هذه الغاية يكون هو الطريق الصحيح.
ولي تجرِبة مع إخوان لي من رفاق المدرسة ذهب أكثرهم إلى رحمة الله، بلغوا مراتب عالية في مناصب الدولة وفي مراتب العلماء، منهم الدكتور صبري القباني الطبيب المعروف، ومنهم الأستاذ سامي الحكيم الذي صار النائب العامّ في سوريا، وجماعة من أمثالهم من إخواننا، خرجوا من المدرسة ولم يتمكّنوا من قواعد اللغة العربية، فأحبوا أن نجتمع على أن نُعيد دراسة النحو، فسرتُ معهم على طريق جديد: أخذتُ كتاب «رنّات المثالث والمثاني في روايات الأغاني» وجعلت كل واحد منهم يقرأ منه فقرة، فإذا قرأ قراءة صحيحة لم أعرض له، وإذا لحن لحنة قوّمتها له وشرحت شرحاً موجَزاً (هو أشبه بالإيماء والإشارة) القاعدةَ التي يعتمد التصحيح عليها. وكنا في كل مجلس نعمد إلى باب من أبواب النحو لا نجاوزه، واستمررنا على ذلك نحواً من سنة، قالوا إنهم استفادوا فيها أكثر ممّا استفادوا في السنين الماضيات.
واتفقت مرّة مع صديق لنا كان أقوى مَن عرفت من الطلاّب في اللغة الفرنسية، حتى إنه يدرّس أو كان يدرّس إلى عهد قريب
стр. 2282
(ولست أعرف هل مات أم هو حيّ) الأدب الفرنسي في إحدى جامعات فرنسا، وأحسبها جامعة ليون، هو الدكتور أنور حاتم الذي صار يوماً الأمين العامّ لرئاسة الجمهورية. اتفقنا على أن أعلّمه العربية وأن يعلمني الفرنسية، فكنا نأخذ من كل لغة أسهلَ الطرق إلى الوصول إلى الصواب فيها.
واتبعت ذلك فيما بعد، فإذا أردت أن أُرشِد التلاميذ إلى معرفة الفاعل أقول لهم: من فعل؟ فالجواب هو الفاعل. فإذا قلنا: "أحبّ زيد عَمْراً" أقول: من الذي أحبّ؟ فيقولون: زيد، فأقول: إن زيداً هو الفاعل، ثم أسأل: من الذي أحبه زيد؟ فيكون الجواب: عمرو، فيكون لفظ عمرو هو المفعول به. ولو أن هذه الطريقة عُمّمت واستفدنا ممّا وصلَت إليه الأمم من غيرنا في تدريس لغاتها وطبّقناه على تدريس لغتنا لكان من ذلك نفع كبير.
ثم إنني لمّا اتخذت التعليم مهنة لي وأحببتها وسرت بها كان يعترض طريقي فيها منغّصات، منها ما أحيد عنه وأفرّ منه ومنها ما يفرضه عليّ مَن بيدهم أمر التعليم، يُلزِمونني به ويمنعوني من الخروج عليه، وأشدّه هذه المختارات الأدبية التي نضعها أمام أنظار الطلاّب لتكون لهم نماذج في البلاغة يحذون حذوها ويحاولون أن يأتوا بمثلها.
لقد كان معلّمونا يختارون لنا دُرر الكلام ممّا أنتجت الألسنة البليغة والأقلام، فانظروا إلى أين هبطنا وماذا نختار اليوم لتلاميذنا من الآثار الأدبية ليكون لهم قدوة وإماماً.
جاءنا الأستاذ الجندي ﵀ مرّة بقصيدة المتنبي
стр. 2283
«وا حَرَّ قلباه» التي يودّع بها سيف الدولة، فشرحها لنا وألزمَنا حفظها. فلمّا جئنا في الحصة التي بعدها وقد حفظناها قال لنا: دعوها واضربوا صفحاً عنها، فإن المتنبي شاعر مولَّد لا يُحتَجّ بشعره، وسألزمكم بما هو صحيح من أشعار العرب وما يُحتجّ به ويُقاس عليه. وحفّظنا المعلَّقات وأشهر قصائد الجاهلية وقصائد الشعراء الإسلاميين. وأنا لا أزال إلى الآن أحفظ قصائد كاملة من ذلك كله، من شعر الجاهلية وصدر الإسلام وممّن جاء بعدهم من عباقرة البيان وملوك الكلام، كما أحفظ بعض ما هو خير من ذلك كله وما لا يقاس به شيء منها، لأنه في الثريا وهذا كله في الثرى، هو كتاب الله.
تلك كانت هي المختارات التي نحفظها، فانظروا كيف صارت كتب المحفوظات اليوم وما فيها من المختارات. لا أقول لكم ماذا صارت، فخذوها من أيدي أبنائكم وانظروا ماذا فيها.
أحفظ من كلام المنفلوطي في نظراته (التي كنا نعكف عليها ونستفيد منها) أن أحد العلماء سأل ابنه من هو مثله الأعلى الذي يأمل أن يكون مثله، قال الولد: أنت. قال الأب: يا مسكين، لقد كان مثلي الأعلى أن أكون مثل أحد الصحابة أو الأئمة الكبار، فبلغتُ ما ترى.
وذلك حقّ، فمَن أعدّ عدّته وهيّأ نفسه ليمشي إلى عرفات فإنه يبلغ مِنى، ومن كان أقصى همّه مِنى لم يكَد يبلغ الحُجون!
ومن أشدّ الذكريات التي لا أزال كلما خطرت على بالي أحس أنها تحزّ في قلبي، أنني اضطُررت في آخر عهدي بالتدريس
стр. 2284
أن أشرح للطلاب بعض المختارات من الشعر العربي المعاصر، بل الذي يسمّونه شعراً وما هو بالشعر. وكنت أحسّ كأنني أحتقر نفسي حين أهبط إلى هذا الحضيض فأُضطرّ إلى العناية به وشرحه، وأني أخدع الطلاّب حين أُوهِمهم أن هذا من بليغ القول وفصيح الكلام وأنه أدب رفيع، وما هو إلاّ هذيان وضيع وهذر أحمق رقيع، وأصحابه كالثعلب الذي أراد أن يقطف عنقود العنب فوثب إليه فما استطاع أن يصل، فعزّى نفسه قائلاً لها: إنه حصرم حامض، وذهب يذمّه.
هذا مثال دعاة الشعر الجديد: المنثور منه والمشعور والمحطَّم المكسور. ومثله ما دُعي الآن بشعر الحداثة. ولست أدري لماذا لا يُساق أصحابه إلى إصلاحيات الأحداث التي تعالج جنايات الحداثة! ولست أدري: متى يجاوزونها ويبلغون سنّ الرشد؟
* * *
وفي نفسي كلام كثير منبثق عن ألم كبير من ذكرياتي في تعليم العربية، قواعدها وأدبها، أمسك القلم عن الإفاضة فيه، ولا بدّ بإذن الله أن أعود إليه وأبيّن الحقّ الذي عندي فيه، ومَن شاء بعده فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وأقول -بالمناسبة- قبل أن أنتقل إلى الشقّ الثاني من حلقة اليوم، أقول كلمة عن مناهج الدين وعن كتب الدين. إن في بعض البلاد الإسلامية خمس ساعات في الأسبوع لتدريس القرآن وعلوم الدين، ولكن هذه الساعات يذهب أكثرها هدراً فلا يُستفاد منه
стр. 2285
ولانصل إلى الثمرة المقصودة؛ ذلك أن التلميذ يأخذ كتاب التاريخ وكتاب الجغرافية وكتاب العلوم فيجد لغة سهلة واضحة مفهومة، ثم يأخذ كتاب الدين المقرَّر فيجد كلاماً بعيداً عمّا يألف وعمّا يعرف. ذلك أننا ننقل من كتبٍ مؤلَّفة قبل مئات من السنين فنُثبِت ما فيها في كتب المدارس. وأنا أعلم أن حقائق الدين لا تتبدّل وأن تبديلها كفر بها وخروج عليها، فلا يفهم أحدٌ أنني أدعو إلى تغيير أحكام الدين وحقائقه. إنّ الذي أدعو إليه هو تجديد الأسلوب وأن تكون كتب الدين مكتوبة بلغة العصر، فإنّ لكل عصر لغة يفهم بها أبناؤه: ﴿ومَا أرْسَلْنا مِن رَسولٍ إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لهُم﴾.
ومن مقتضى ما أطلبه من تبديل الأسلوب أن نبدّل المقاييس مثلاً، فلا نقيس بالقلّتين لأنه لم يعُد يعرف أحدٌ ما هي «القُلّة»، حتى ولا أهل هَجَر التي يقولون إنهم يعتمدون فيها على قِلال هجر. بل لم يعُد يعرف أكثر الناس أين هجر: أهي القطيف أم هي البحرين؟ والناس يقيسون المسافات بالأكيال لا بالفرسخ ولا بالبُرد، فلماذا نعلّم الطلاّب مسافة السفر الذي تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم إن شاء بهذه المقاييس القديمة؟ والناس إنما يزِنون بالكيل (الكيلو، وهي كلمة يونانية معناها ألف) والغرام، ونحن نزن بالقيراط وبالمثقال وبحبّة الشعير. ومَن من الناس يعرف ما هو «الوسق» ويعرف ما مقدار الخمسة الأوسُق؟!
وأن تراعى في الكتب حالة التلاميذ الذين توضع لهم. جاءتني مرّة بنت صغيرة في الصف الرابع الابتدائي وسألتني: ما هي الحشفة؟ فقلت: لا أدري، فمن أين سمعتِ بها؟ قالت: هي في كتابنا. فأخذت الكتاب فإذ فهي بيان موجِبات الغسل وأن منها
стр. 2286
«أن تتوارى الحشفة في الفرج». فناشدتُكم الله مرّة ثانية: أهذا ممّا يُكتَب في كتاب للبنات الصغيرات؟ فلو أنهن كُنّ كبيرات بالغات وعلّمناهن مثل هذا فلا يُنكِره أحد لأنه دين ينبغي أن يُعرف، وإن كان علينا أن نعرّف به بأيسر عبارة تُفيد المقصود ولا توقع فيما هو محذور.
والبنات الكبيرات: ما لنا نعلمهن تفصيلات مسائل البيع والشراء وهنّ مقصورات في البيوت لا يبعن ولا يشترين؟ أنا أعلم أنها من أحكام الدين، لكن كل امرئ يُعلَّم ما يحتاج إليه. وفي كتب التلاميذ أنواع من البيع ما بقي في الدنيا من يتعامل بها، بل من يعرفها، كبيع المُنابذة وبيع الملامسة وأمثال ذلك من البيوع التي تركها الناس وانصرفوا عنها، حتى إنك لو ذكرت أسماءها أمام التجار الكبار لما عرفوها.
* * *
وبعد، فهذه طائفة من ذكرياتي في التعليم، لعلّ من القرّاء من ضاق بها أو مَن ملّ من سردها، وعندي منها الكثير، ينتفع به بعض المدرّسين إذا عُدت يوماً إلى سرد بعضه. فهل تسمحون لي الآن أن أعود إلى تربية الأولاد؟ وإذا غلبَت الأفكار التي أوردها على الحوادث التي أسردها فسامحوني.
لقد قلت من قديم إن الإسلام اليوم أمام هجوم ما عرفه أهله أيام حملات الصليبيين ولا هجمات المغول والتتر، وهو أشدّ من الاستعمار الذي طالما قاسينا منه وبذلنا من مُهَجنا وأرواحنا، وأرقنا من دمائنا، وحملنا من تخريب بلادنا وخسران خيراتنا
стр. 2287
الكثيرَ الكثير لندفع شرّه عنّا. فهذا الاستعمار العسكري انتهى، ولكن بُلينا باستعمار شرّ منه هو الاستعمار الفكري والاجتماعي؛ إن أعداءنا يدخلون علينا من بابين: باب يأتي منه مرض يقتل وهو الكفر، ولكنه مرض بطيء الانتشار ضعيف العدوى، ومرض دونه خطراً وهو أقلّ منه ضرراً، ولكن عدواه سريعة وانتشاره عاجل. الأول هو مرض الشُّبُهات والثاني مرض الشّهَوات.
وأول ما يتمثّل المرض الثاني في هتك حجاب المسلمات، واختلاط البنين بالبنات، وتمهيد طريق الفاحشة للشبّان والشابّات. وقد سُخّرت له قوى هائلة لا طاقة لنا اليوم بدفعها مجتمعة، إلاّ أن يحفظ كلُّ أب منّا بنتَه، وكل زوج زوجتَه، وكل أخ أختَه.
أنا أقيم في مكّة، وصيف مكّة أتون متّقد الحرارة فيه قد تقارب الخمسين، فماذا أعمل؟ هل أستطيع أن أنصب على جبل «أبيقُبَيس» مكيّفاً (كونديشن) ضخماً وعلى قُعَيْقِعان (جبل الهندي) مثله لأبرّد جوّ مكّة؟ وإن جاء البرد في جبال الشام ولبنان فهل أضع في ذُراها مدافئ كبيرة تدفع البرد وتعدّل الجوّ؟ أم آتي في الصيف بمكيّف صغير أضعه في بيتي وأغلق بابه عليّ، وأضع مدفأة في داري في الجبل فأدفئ بيتي؟ علينا أن نحفظ أنفسنا وأن نحفظ من استرعانا الله أمره من أهلنا وأولادنا.
فكيف أعمل على تعليم بناتي الحجاب؟ أنا لا أريد أن أُجبِر بنتي عليه إجباراً، فتتخذه وهي كارهة له ضائقة به حتى إذا استطاعت نبذه نبذَته، بل أريد أن تتخذه مقتنعة به مطمئنّة إليه محبّة له. ففكّرتُ وطلبت العون من الله لمّا جاوزَت بنتي الأولى
стр. 2288
التاسعة ومشت في طريق العاشرة، أو قبل ذلك بقليل، لقد نسيتُ الآن. قلت لأمها: اذهبي فاشتري لها خماراً (إيشارب) غالياً نفيساً. وكان الخمار العادي يُباع بليرتين اثنتين وإن ارتفع ثمنه فبثلاث، قالت: إنها صغيرة تسخر منها رفيقاتها إن غطّت شعرها ويهزأن منها. قلت: لقد قدّرتُ هذا وفكّرت فيه، فاشتري لها أغلى خمار تجدينه في السوق مهما بلغ ثمنه.
فكلّمتني بالهاتف من السوق وقالت: لقد وجدت خماراً نفيساً جداً من الحرير الخالص ولكن ثمنه أربعون ليرة. وكان هذا المبلغ يعدل يومئذ أكثر من ثلث راتبي في الشهر كله، فقلت لها: اشتريه. فتعجّبَت وحاولت أن تثنيني عن شرائه فأصررت، فلمّا جاءت به ولبسَته البنت وذهبَت به إلى المدرسة كان إعجاب التلميذات به أكثر من عجبهن منها بارتدائه، وجعلن يثنين عليه، وقد حسدها أكثرهن على امتلاكه. فاقترن اتخاذها الحجاب وهي صغيرة بهذا الإعجاب وهذا الذي رأته من الرفيقات، وذهب بعضهن في اليوم التالي فاشترين ما يقدرن عليه من أمثاله، وإن لم تشترِ واحدة منهنّ خماراً في مثل نفاسته وارتفاع سعره.
بدأَت اتخاذ الحجاب فخورة به محبّة له، لم تُكرَه عليه ولم تلبسه جبراً. وإذا كان العامّة يقولون «الشيء الغالي ثمنه فيه» فإن هذا الخمار بقي على بهائه وعلى جِدّته حتى لبسه بعدها بعض أخواتها وهو لا يزال جديداً، فنشأن جميعاً بحمد الله متمسّكات بالحجاب تمسُّك اقتناع به وحرص عليه. حتى إن بنتي الشهيدة السعيدة إن شاء الله، التي قتلها أعداء الله غدراً فكسروا قلبي كسراً لا أظنّ أنه سيُجبَر بعده في الدنيا أبداً، وإن كان الإيمان يخفّف
стр. 2289
الحزن ويهوّن الألم، عاشت هي وبنتها في أوربا سنين طوالاً جداً، فما بدّلَت حجابها ولا غيّرت ثيابها. بل إن بنتها هادية وكانت في مدرسة ألمانية (وهي آخر مدرسة في ألمانيا بقيَت -بفضل مديرة متمسكة عجوز- خالية من الاختلاط ومقصورة على البنات) فدخلَت المعلمة الفصل فوجدت حفيدتي في نقاش مع رفيقاتها، وعلَت أصواتهن يتناقشن في أمر الحجاب الذي تتخذه، فسألَت المعلمة ما الخبر، فقلن لها إنهن يتناقشن في الحجاب، فقالت لهادية: إنني أعطيك عشر دقائق لتقومي فتشرحي للطالبات سبب اتخاذك هذا الحجاب. وكانت تُحسِن النطق بالألمانية، حتى إنها أخذت فيها الدرجة الأولى وسبقت بنات الألمان أنفسهن، فشرحت ما تعرف من أمر الحجاب، وبيّنت حكمه في الإسلام وفوائده وما يدفع عن البنت من ضرر، حتى اقتنعنَ وسكتنَ ولم تعُد واحدةٌ منهن بعد ذلك إلى التعرّض لها.
وقدمَت بنتي في إحدى الإجازات إلى عمان، وكنا فيها، فاجتمعَت عند طبيب أسنان في غرفة الانتظار بجماعة من النساء المتكشّفات السافرات، اللواتي يحسبن التقدّم والرقيّ بتقليد الأجانب عنهن واتباعهن في سلوكهن. فلما رأينها متحجبة أحببن أن يسخرن منها فقُلن لها: من أي قرية جاءت الستّ؟ فقالت: من قرية تُدعى جنيف. وكانت تُقيم فيها يومئذ مع زوجها وأولادها، وحدّثَتهن عن حياتها فيها فخجلن من أنفسهن وسكتن عنها وأكبرنها. وكانت لطول بقائها في تلك الديار تُحسن الألمانية وتكاد تُحسن الفرنسية وتعرف كثيراً من الإنكليزية، فكان ذلك درساً لهؤلاء المقلّدات المتحذلقات.
стр. 2290
وعندي من هذه التجارِب شيء كثير ربما عُدت إليه يوماً. ولن أستمرّ الآن فيه لأنني أريد أن أعود بكم إلى حيث قطعت الكلام عند انتقالي إلى محكمة الشام، فأسرد عليكم بعض ذكريات القضاء وذهابي إلى مصر ووضع قانون الأحوال الشخصية ودخول انتخابات سنة ١٩٤٧ التي أشار إليها صديقنا الأستاذ نصوح بابيل، وكان قد دخلها أيضاً، فإلى اللقاء في تلك الأحاديث إن شاء الله.
* * *
стр. 2291
-١٧٨ -
ملاحظات عن المحاماة والمحامين
والقضاء والقضاة (١)
يقول المعري:
أمسِ الذي مرَّ، على قُربِهِ ... يَعجِزُ أهلُ الأرضِ عن ردِّهِ
فكيف أردّ أيامي في محكمة دمشق لأكمل -كما وعدتكم- حديثي عنها؟ كيف وقد مرّ عليها أكثر من أربعين سنة، وما كان فيها من أحداث مضى ولن يعود، ومن كان فيها من ناس ذهب أكثرهم ولا يرجعون، بل إن صورها مُحيَت من الذاكرة إلاّ أقلّها؟
لبثتُ في محكمة دمشق عشر سنين، من يوم جئتها منتدَباً إليها وأنا قاضٍ في دوما في سنة ١٩٤٣ إلى أن فارقتها صاعداً منها إلى محكمة النقض سنة ١٩٥٣. وما كانت هذه الأيام خالصة لها وحدها، بل كنت أعمل معها أعمالاً سيعجب مني الآن من سيقرأ الذي سأكتبه (صادقاً) عنها ويقول: كيف كان يتسع وقتي لها وتقوى طاقتي عليها؟
стр. 2292
كان عندي كل يوم ثلاثون قضية (أي دعوى)، أسمع مرافعاتها وأحكم فيها، وأُشرِف على مجالس التحكيم، وأعمل رئيساً لثلاثة مجالس: مجلس الأوقاف، ومجلس الأيتام، والمجلس الأعلى للكليّات الشرعية في سوريا التي تتبع وزارة الأوقاف. وأُلقي دروساً في الكلّية الشرعية في دمشق، وفي الثانوية الأولى للبنين والثانوية الأولى للبنات، وأخطب الجمعة في جامع المرابط أو في مسجد الجامعة، وأحاضر في النوادي والجمعيات، وأحدّث من إذاعة دمشق (وأنا أقدَم محدّث يسمعه الناس، مرّ عليّ الآن أكثر من خمسين سنة وأنا أحدّث ما انقطعتُ عن الحديث)، وأكتب كل يوم كلمة صغيرة في جريدة «النصر» أولاً ثم في جريدة «الأيام» عند الصديق نصوح بابيل. كلمة صغيرة ولكنها كصغر القنبلة اليدوية، لها مثل دويّها ومثل أثرها في تدمير الباطل.
كنت أصنع هذا كله، ثم أجد وقتاً أجلس فيه في المكتبة العربية عند الأستاذ الصديق الشاعر أحمد عبيد، أو في المدرسة الأمينية عند الشيخ شريف الخطيب، أو في البيوت التي أعتادها وأواظب على زيارتها، كدار شيخنا الشيخ بهجة البيطار ودور أساتذتنا وإخواننا: محمد كرد علي وفارس الخوري وعزّ الدين التّنوخي والدكتور حمدي الخيّاط والشيخ عبد القادر العاني والشيخ ياسين عَرَفة والشيخ عبد القادر المبارك والشيخ عبدالقادر المغربي، وبيوت أمثالهم.
وهذه كلها من مواطن ذكرياتي التي طالما شهدَت مجالسنا ووعَت أحاديثنا ورأت أطوار حياتنا، فهي محطّات دائمة في
стр. 2293
طريق العمر، وقفتُ عليها شاباً في مطلع الشباب وكهلاً في وسط الكهولة وشيخاً في أوائل الشيخوخة، ثم حِيل بيني وبينها فلم أعُد أراها، وذهب أصحابها إلاّ أفراداً منهم، منهم مَن سمّيتُ، ومنه آخرون ما ذهبَت ذكراهم في قلبي ولكن غابت أسماؤهم الآن عن خاطري. ولي في بغداد وفي بيروت وفي القاهرة مواطن مثلها لذكرياتي، لو جمعتُ ذهني لكتبت عن كل واحد منها فصولاً لا فصلاً واحداً، ومنها ما أستطيع أن أكتب عنه كتاباً. ولكن ما الجدوى وقد بقي المكان وذهب السكان؟ ولئن ذهبت إلى الشام أو إلى العراق أو إلى مصر فمَن سألقى من هؤلاء؟ لو ذهبت إلى الشام التي نِيطَت عليّ فيها تمائمي وفيها نشأت وعلى ثراها درجت، والتي أهلها أهلي، هل أجد الشام التي فارقتها؟ هيهات! فلا الدنيا هي الدنيا ولا الناس هم الناس، وسأبدو غريباً في وطني. وما أقسى أن يكون المرء غريباً في وطنه!
ولطالما لقيتُ في هذه المجالس أفاضل الناس، قلت لهم وسمعت منهم وأخذت منهم وأعطيتهم، وكان فيها منفعة أو كان فيها متعة لي ولهم، ثم قطع الدهر (أو قطعت أنا لا الدهر) ما بيني وبين الناس، فلا أزور اليوم ولا أُزار، وانتهت بي الحال إلى عزلة كاملة، ربما ضقت بها حيناً ولم أعُد أحتملها ولكن لا أُطيق الخلاص منها، كحمار السانية (التي يسمّونها في مصر «الساقية») يُربط بذراعها فيدور مضطراً معها، فإذا أطلقتَه عاد يدور طليقاً كما كان يدور مربوطاً.
وعفوكم إذا ضربت المثل بالحمار، فإنما شبّهت به نفسي وأنا حرّ في نفسي!
стр. 2294
وكنت -مع ذلك- أقرأ كل يوم مئتين أو ثلاثمئة صفحة، وأنا مستمرّ على ذلك من يوم تعلّمت القراءة وأنا صغير، أي من نحو سبعين سنة إلاّ قليلاً؛ أصرف فضل وقتي كله في القراءة، لأنني ما كنت ألعب مع الأولاد في الشارع ولا أذهب مع الشباب إلى ملهى، ولست امرءاً اجتماعياً يُضيع وقته في استقبال القادمين ووداع المسافرين وتهنئة الفرِحين وتعزية المصابين، ولا أجيب دعوة، لا سيما إن كانت إلى طعام. وأستغفر الله من ذلك إن كان فيه مخالفة لِما هو أكمل في نظر الإسلام، ولا أدعو أحداً إلى أن يفعل مثلي. ولا أستقبل زائراً إلاّ عن موعد سابق ولا أزور أحداً إلاّ في الحالات النادرة، فحفظت بذلك وقتي وأرحت نفسي.
تقولون: كيف قدرت على هذا كله وكيف اتسع له وقتك؟ والجواب أنني لم أكن أقسم نفسي ولكن أقسم وقتي، وهذا ما يُسمّى عند الفقهاء «المُهايَأة». هل سمعتم بالمُهايأة؟ إذا كان للدار مالكان لا تتّسع لهما ولا يمكن أن تُقسَّم بينهما فإنهما يقسمان الوقت، فيستعملها كل واحد منهما شهراً أو سنة، ويستعملها الآخر مثل ذلك.
وأنا حين أكون في المحكمة أوليها انتباهي كله ولا أفكر في الجريدة ولا في المدرسة، وإن كتبت أكتب للجريدة أُبعِد ذهني عن المحكمة، وحين أكون في المدرسة لا أفكّر في غير دروس المدرسة. ثم إن ذلك كان على عهد الشباب. «روائحُ الجنّةِ في الشبابِ» كما قال أبو العتاهية، ولو أن الشبّان من قراء هذا الفصل أنفقوا قواهم وصرفوا وقتهم في الجِدّ وفي المنتج النافع لصنعوا أكثر ممّا صنعت.
стр. 2295
بل إن الشيوخ يقدرون على مثل ذلك؛ أنا الآن في الثمانين أكتب هذه الذكريات من ذهني لا أرجع فيها إلى شيء مكتوب، ولي برنامج يوميّ في الإذاعة وبرنامج أسبوعي في الرائي (التلفزيون) يرد فيهما في الشهر ما بين خمسمئة إلى تسعمئة رسالة، وأُسأل كل يوم في الهاتف أربعين أو خمسين سؤالاً أو أكثر من ذلك فأجيب على ما أقدر على جوابه منها، وأجد وقتاً وأجد -بحمد الله- طاقة على أكثر من ذلك.
* * *
كنت أحاول في المحكمة أن أتحرى الحقّ وأسلك طريق العدل، على مقدار ضعفي وعجزي، وكنت أرجو رضا الله. ولكني شعرت في هذا اليوم الذي أُعدّ فيه هذه الحلقة بالخوف من عواقب دخول القضاء وتمنيت لو أني لم أكن دخلته؛ ذلك أن بنتي المحاضرة في الجامعة في جدة خبّرتني اليوم أن إحدى الطالبات راجعتها تقول إنها تستحقّ درجة أعلى ممّا قدّرَت لها، فعادت إلى أوراقها فرأت أنها قد أخطأت في الحساب، وخشيَت أن تكون قد أخطأت مع غيرها من الطالبات، فسهرَت ليلها كلّه لم تنَم تعيد الجمع والتقسيم. وتسألني: ماذا تعمل؟ فأجبتها، ثم رجعتُ إلى نفسي فساءلتُها فقلت: ويحك يا نفس، ماذا تصنعين إذا كنتِ قد أخطأت الصواب في بعض ما أصدرت من أحكام؟
وطار النوم من عيني أنا أيضاً وخفت الله حقاً، وفهمت لماذا كان أكابر العلماء يفرّون من القضاء. لقد فر أبو حنيفة ومالك وسفيان الثوري، وكثير من أمثالهم ومَن هو قريب منهم،
стр. 2296
إذا رجعتم إلى كتاب «تاريخ قضاة الأندلس» لوجدتم طائفة من أخبارهم. فكيف أقدمت أنا عليه؟ هؤلاء بحور العلم وأنا بِركة صغيرة قليلة الماء، فكيف وسعَت بركة صغيرة ما ضاقت عنه البحور والمحيطات؟ لقد حكمتُ في أكثر من خمسين ألف قضية، فإن أخطأتُ في واحد من الألف منها لَتعلّق خمسون مسلماً بعنقي يوم القيامة يريدون أن يأخذوا من حسناتي، وما أقلّ ما أدخرت لذلك اليوم من حسنات!
لذلك تمنيت لو أني ما دخلت القضاء ولا ذبحت نفسي بغير سكّين. فاللهمّ تدارَكْني بعفوك ورحمتك، وإن أكن أخطأت فظلمت أحداً فأرضِه يا ربي عني بفضلك، فإنك تعلم أني ما تعمّدت ظلم أحد.
* * *
لو أردت أن أجمع ذكرياتي في المحكمة (ولا أستطيع) لضاقت عنها حلقات كثيرة، لا سيما عن أخباري مع المحامين. ولقد كنت مرّة في مقابلة إذاعية مع أحد رجال الإعلام (وكلمة «الإعلام» وضعها صديقنا الدكتور مصطفى البارودي لمّا كان وزيراً في الشام) فسألني: ما رأيك في المحاماة والمحامين؟ قلت: بل سل ما رأي المحامي في القُضاة، كما تسأل عن رأي القاضي في المحامين.
أنا اشتغلت في المحاماة مدّة قصيرة لم تتجاوز ستة أشهر، وفي القضاء مدّة طويلة تزيد على ربع قرن، وأستطيع أن أجيب على السؤالين ولكن بجوابين مختلفَين؛ ذلك أن حُكمك على
стр. 2297
الشيء يختلف باختلاف زاوية نظرك إليه. خذ قطعة من الورق وانظر إليها من الأمام، ترَ مستطيلاً واسعاً، فإن أبصرتها من طرفها رأيت خطاً دقيقاً. وذلك شيء مُشاهَد. هل ينظر الطلاّب إلى المدرّس والمستمعون إلى المحاضر كما ينظر هو إليهم؟
لمّا كنت محامياً كان يُغيظني القاضي الذي أُلقي بين يديه مرافعة تعبتُ في إعدادها وحشدت الأدلة الشرعية والقانونية عليها، أو أقدّمها إليه مكتوبة، فيسمعها إن سمعها بطرف أذنه، ويقرؤها إن قرأها بزاوية عينه، ثم إذا صدر الحكم تبيّنتُ أنه لم يدقّقها أو لم يُحِط بها. وأشدُّ منه القاضي الذي يميل عن الحقّ ويلتزم جانب الخصم، فيردّ عليّ كأنه هو خصمي أو كأنه المحامي عن خصمي.
أمّا حكمي على المحامين وأنا قاضٍ من فوق قوس المحكمة فإني وجدت أن الدعوى التي لا محامي فيها ينطق فيها الخصمان غالباً بما هو الحقّ، فإن حادوا عنه رددتهم إليه بأيسر جهد، لأن سواد الناس تغلب عليهم الفطرة ويسود قلوبَهم الصفاء، فإن مكروا فمكرهم غير عميق، وتُفصل الدعوى بعد جلستين أو ثلاث. فإن دخل المحاميان طوّلا الطريق ووعّرا السهل، هذا يُقيم صخرة يسدّ بها السبيل على خصمه وذاك يزيحها فيضعها حيث يسلك الخصم، فيطول أمد المحاكمة، وربما أضاع أحدهما الحقّ فخلطه بالباطل أو جعل الباطل حقاً والحقّ باطلاً.
وليس هذا حكماً على المحامين جميعاً، فإن التعميم يلازمه الخطأ، وإن من المحامين من أعرفه لا يقبل الوكالة في دعوى حتى يتحقّق من صحّتها ومن صدق من يريد توكيله فيها. كان
стр. 2298
على ذلك جماعة في الشام منهم الأستاذ بدر الصفدي رحمة الله عليه. ومنهم من يعاون القاضي على تحقيق العدل بدراسة الأوراق وتمحيص الأدلّة، كما يفعل (أو يُفترَض أن يفعل) القاضي، لكن الفارق بينهما أن المحامي ينظر بعين واحدة هي عين موكّله فقط، والقاضي ينظر بعينين إلى الخصمين، نظرة لا تميز أحدهما عن صاحبه.
والمحاماة ليست حِمىً مستباحاً ولا عمارة مفتَّحة الأبواب ما لها بوّاب فمن رغب فيها دخل إليها، بل هي الأخت الصغرى للقضاء، ولا بدّ فيها من علم تؤيّده شهادة جامعية وتدريب تعترف به نقابة المحاماة.
وما كل من حمل الشهادة ورشّحَته للمهنة النقابةُ صار محامياً ناجحاً؛ فالدعاوى شتى وموضوعاتها وأشكالها كثيرة، ورُبّ دعوى تسمُّم مثلاً لا بدّ للمحامي فيها من معرفة شيء من الكيمياء، ودعوى تحتاج إلى العلم بشيء من الطب، ودعوى تحتاج إلى اطلاع على علم النفس. ولا أعني أن يكون المحامي عالماً بهذا كله، بل أن يُلمّ به بعض الإلمام ويعرف كيف يرجع إلى كتبه أو يستعين بعلمائه، وأن يكون -مع ذلك كله- حاضر البديهة بليغ اللسان، عارفاً بأحوال القضاة (أو المحلّفين في البلاد التي تأخذ بأسلوب المحلّفين، وبأحوال المجتمع الذين هم صورة مصغّرة له وعلى علم بأعرافه ومواضعاته، وإن كان الإسلام يأبى الأخذ بأسلوب المحلّفين).
والمحاماة علم وفنّ: علم بالفقه وبالقانون، وفنّ في حسن العرض وبراعة الأسلوب. فإن خلا من العلم كان إناء ثميناً جميلاً
стр. 2299
لكنه فارغ، وهل يُشبِع الجائعَ إناء فارغ؟ وإن كان الطعام لذيذاً طيباً ولكنه قُدِّم في طبق صدئ وسخ عافته النفس وانصرف عنه الجائعون.
وأكثر ما تظهر براعة المحامي وبلاغته في الدعاوى الجنائية التي تشغل الناس، يتابعون مراحلها وينتظرون الحكم فيها، لا سيما ما كان منها متصلاً بسياسة البلد والرأي العام، كقضية مقتل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في الشام، التي ألّف لها الفرنسيون مجلساً عدلياً واستعاروا قاعة المجلس النيابي، ورافع فيها محامون كبار من الشام ومن لبنان (وإن كانت المحكمة وكان المترافعون ينطقون الفرنسية لا العربية)، وقضية مقتل أنور السادات، والقضية التي تشغل الآن الناس وتملأ أخبارها الجرائد، قضية الجندي الذي ثأر لدير ياسين وتلّ الزعتر، ولكل من عدا عليه خنازير الشرّ وحثالة الناس، اليهود، فقتل سبعة منهم، فسمّاه القانون مجرماً ودعته الصحف ودعاه الناس بطلاً.
وأعاظم المحامين الذين قرأت لهم أو عنهم وعرفت أخبارهم كانوا من الفرنسيين، وفي البلاد العربية من المصريين. لقد ظهر في مصر محامون عظام، كما أن فيها وفي غيرها من البلاد العربية قضاة عظاماً. ولقد كنت قلت كلمة من قديم عُلّقت عليها تعليقات كثيرة بأقلام أدباء كبار، منهم من أيّدها ومنهم من ضعّفها ورد عليها، هي أن أبلغ الألسن واللغات لغة العرب، فهي في الدرجة الأولى، والثانية والثالثة شاغر مكانها، وفي الرابعة اللغة الفرنسية والفارسية والأرديّة، أما الإنكليزية فلا يحقّ لي أن أقول فيها شيئاً لأنني لا أعرف منها إلاّ ثلاث كلمات: إذا أردتَ أن ترجو أحداً
стр. 2300
قلت «بليس»، لعنة الله على إبليس، وإذا أردت أن ترحّب به قلت له «ويلكم» بدلاً من قولك أهلاً وسهلاً، وإذا سألت بيّاعاً عن ثمن شيء قلت له: «هَمج»؟
وفهمت أنها لغة سماعية، لا تكاد تضبطها قاعدة ولا يمسكها قياس، ففيها حروف تُكتَب ولا تُقرأ وحروف تُقرَأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرأ تارة على صورة وتُقرأ هي نفسها تارة أخرى على صورة غيرها؛ أي أن الناس كلهم يتعلمون الكتابة ليقرؤوا قراءة صحيحة، والإنكليز يتعلمون القراءة الصحيحة ليعرفوا كيف يكتبون! وهذا هو «الدور والتسلسل» الذي عدّه العقلاء من باب المُحال:
لولا مَشيبي ما جَفَا ... لولا جَفاهُ لم أَشِبْ
ومع ذلك فقد فرض الإنكليز هذه اللغة العرجاء على سدس أهل الأرض ينطقون بها، وأضعنا نحن لغتنا وأهملناها حتى كدنا، نحن أبناءها، نصير من الجاهلين بها، وأضعنا في تعلم الإنكليزية خمس ساعات من دروس أبنائنا ثم لا يكادون يخرجون منها بطائل.
* * *
وربما سحر المحامي ببيانه القضاة والحاضرين فأوهمهم ما لا يمكن أن يقع، فإذا انتهت الجلسة وبطُل السحر ومضى الساحر صحوا حين لا يفيدهم صحو، لأن الحكم قد صدر والمحامي قد وصل إلى ما يريد.
كان أحد المحامين (وكنت أعرف اسمه وقد نسيته الآن)
стр. 2301
يدافع عن رجل قتل زوجته، فوصف حبهما حتى جعلهما قيساً وليلى أو روميو وجولييت، وصفاً شعرياً مؤثّراً، وبيّن اتفاق مشاعرهما حتى كأنهما روح واحدة نُفخت في جسدين، وأنه لم يكن يعدل بها أحداً ولا ترضى عنه بديلاً، وقال إنهما من حبهما وخشية أن تفرّق الأيام بينهما وليبقيا دائماً معاً اتفقا على الموت، بأن يقتل نفسه ثم يقتلها، وكانت ساعة وداع صبّا فيها رحيقَ حبهما، فلما جاءا ينفّذان الاتفاق بدأ فقتلها وقلبه معها وفكره فيها، ولكن من سمع طلقة المسدس هجم عليه وأمسك به فلم يستطع أن يقتل نفسه.
وبلغ من براعة وصفه وبلاغة دفاعه أن استمطر الدمع من عيون القضاة قبل الحاضرين، وصدر الحكم ببراءته. فلما خرجوا عادت إليهم عقولهم: كيف يقتل نفسه ثم يقتلها؟
ولا تعجبوا أن يدفع العاشقَ حبُّه المعشوقَ إلى قتله، فلقد صنع هذا ديك الجنّ، الشاعر المعروف الذي مات سنة ٢٣٥هـ. ولعلّ ذلك نوع من «الساديّة» (نسبة إلى الماركيز دوساد) التي لا يبلغ أصحابها لذّتهم إلاّ بتعذيب مَن معهم تعذيباً يصل إلى حدّ الجريمة، وضدّها «المازوخيّة» (أو المازوكية، نسبة إلى المؤلف الألماني ساشر مازوخ الذي أكثر من وصف المُصابين بها) ولعلّ منهم جان جاك روسو كما أقرّ على نفسه في اعترافاته المشهورة. فالمازوخي لا يحسّ المتعة إلاّ بأن يُعذَّب ويُهان. تقولون: هل هؤلاء مجانين؟ وأقول: وهل في الدنيا عاشق غير مجنون؟
* * *
стр. 2302
-١٧٩ -
ملاحظات عن المحاماة والمحامين
والقضاء والقضاة (٢)
ختمتُ الحلقة الماضية بخبر المحامي الذي دافع عن قاتل زوجته فزعم للمحكمة أنهما اتفقا على أن يقتل نفسه ثم يقتلها، وسحرهم بيانه وبلاغة لسانه فلم ينتبهوا إلى أن ذلك مستحيل، وقلت بأنني نسيت اسمه. لقد ذكرت اسمه الآن، وهو هنري روبير، وهو أحد المحامين العظام في فرنسا، وهو تلميذ المحامي لاشو الذي كان يقول عن نفسه «أنا الدفاع»، والذي أنصح كل راغب في المحاماة يريد الصورة الكاملة للمحامي الناجح أن يقرأ وصفه الذي كتبه المحامي السياسي الخطيب غامبتا.
ولكن روبير لم يكن يتبع أسلوب لاشو الذي كان دفاعه شيئاً بين التمثيل المسرحي والتقرير القضائي، فيه المنطق ومعه الدليل، ولكنه يأتي به في ثوب من العبارات الطنّانة والجمل المدوّية، يتصرف بصوته فيشدّه حتى يصير كأنه مناجاة الأحبّة ومناغاة العُشّاق. أما روبير فكان يعرض الحقيقة عارية بلا أثواب، يُلقي دفاعه إلقاء سريعاً متتابع الجمل متلاحق الألفاظ، كأنه يخشى ألاّ
стр. 2303
يتسع له وقته فهو يتدارك أكثر القول بأقلّ الزمان. ولاشو تلميذ هوغو، فكتور هوغو الذي قال عنه شاعر النيل حافظ إبراهيم:
أعجميٌّ كادَ يعلو نجمُه ... في سماءِ الشّعرِ نجمَ العَرَبِ
ولم يكن هوغو محامياً له مكتب محاماة وعلى باب مكتبه لوحة تدلّ عليه وتُرشِد إليه، ولا كان اسمه مسجَّلاً في نقابة المحامين، ولكن له -على ذلك- مرافعات تصعد حتى تقف على ذروة البلاغة، كدفاعه عن ولده شارل أمام محكمة الجنايات.
ولقد خطر لي وأنا أكتب هذه الذكريات أن أعود إلى هذا الدفاع فأقرأه من جديد، فوجدتُه في الصفحة ٤٣٩ من كتابه «قبل المنفى»، واستنجدتُ بما بقي عندي من المعرفة باللغة الفرنسية، فوجدتُ ما بقي قليلاً، لأنني لم أفتح كتاباً فرنسياً منذ نلت البكالوريا سنة ١٩٢٧، بعد أن درسنا تلك اللغة قواعدها وأدبها كدراسة أبنائها، وعرفنا من أدبها، من أخبار كتّابها وشعرائها، مثل الذي كانوا يعرفون. ولكنّ مرّ الأيام وكرّ الليالي يُنسي المرءَ ما كان يحفظه.
وجدتها مرافعة رائعة وإن لم أكن معه في موضوعها، لأن موضوعها طلب إلغاء عقوبة القتل (التي يدعوها الناس «الإعدام»، مع أن الإعدام هو الفقر). والدول التي ألغت هذه العقوبة عادت فأقرّتها، أو هي تعمل على إقرارها، لأن «القتل أنفى للقتل»، ﴿وَلَكُم في القِصَاصِ حَياةٌ يا أولي الألْبابِ﴾. وأين أولو الألباب؟
стр. 2304
وتمنّيت أن يأتي من يترجم هذه المرافعات العظيمة (كما نُقلت معاني تأبين فولتير للمنفلوطي فكتبها بقلمه، فكانت قطعة أدبية فيها نموذج كامل للأسلوب الخطابي)، كمرافعات برييه الذي يكاد يكون أكبر محامٍ في تاريخ القضاء الفرنسي، وهو الذي دافع عن شاتوبريان ضدّ الملك لويس فيليب، وهو الذي أنقذ من الموت لويس نابليون الذي صار من بعدُ نابليون الثالث، ثم دفن مجده على يد بسمارك في حرب السبعين.
ومرافعات باربو ولابوري الذي دافع عن الكاتب الفرنسي إميل زولا في قصّة اليهودي دريغوس، القضية التي شغلت فرنسا يومئذ مدّة من الزمان، ذلك لمّا كتب زولا مقاله المشهور «أنا أتّهم». ومرافعات والدكروسو وتوريز وشارل شني، والمحامين الذين وصلوا إلى كرسي رئاسة الجمهورية مثل بوانكاره وفيفاني.
وأن يسمع مرافعات المحامين العظام في مصر، وكان منهم يوماً مكرم عبيد وعبد العزيز فهمي ولطفي جمعة، ومنهم المحامي الكبير الهلباوي، وإن لم تستطع أمجاده الكثيرة أن تمحو اللطخة التي تركتها في صحيفته «دنشواي»، كما أن قضية دنشواي نفسها لطخة عار في التاريخ البريطاني.
* * *
وأنا لو دخلت باب الكلام عن المحاماة وأهلها لم أستطع الخروج منه ولا العودة إلى ذكرياتي. فلماذا إذن قلت ما قلت، وما أنا من المحامين ولا كنت قاضياً في محكمة جنائية ولا في دعوى سياسية أسمع فيها مرافعات هؤلاء المحامين؟ لماذا صنعت ذلك؟
стр. 2305
صنعته لأمرين: الأول أني كنت أتمنّى أن أكون محامياً في إحدى تلك القضايا، إذن لَجئتُ بالعجب العجاب ولتركت فيها قطعاً من الآداب الخوالد، لأني أملك بحمد الله كل أسباب النجاح فيها. ولا تعجبوا مني ولا تلوموني إن أشرتُ إليها، فإنما أذكرها تحدّثاً بنعم الله لا تعالياً على عباد الله، وإني لأملك بحمد الله سرعة البادرة والجواب الحاضر، وصوتاً قوياً مؤثراً أستطيع أن أتصرف به، وكل ذلك من شروط النجاح في المحاماة. على أنها أمنيّة من الأماني، وقد تختلط الأمنيات بالذكريات.
والثاني أن يكون فيما أكتب درس نافع للمحامين المبتدئين، لأن المحاماة إن كانت دفاعاً عن محقّ وردعاً لمُبطِل واقترنت بنية الثواب كانت من صالح الأعمال.
وأنا أُقرّ آسفاً أني اختصمت مع طائفة من المحامين لمّا كنت قاضياً في محكمة دمشق. من ذلك أنه كان عندنا محام معروف، شيخ أنيق الثياب قويّ جداً في المادة الفقهية والقانونية، ثقيل جداً على قلوب القضاة، لا يرعى لهم حرمتهم بل ربما ردّ عليهم رداً غير كريم، هو «خ. ق.»، ثم يُملي هذا الردّ على كاتب الضبط فيسجّله في صفحاته! وكان الذي جرأه على ذلك أن بعض مَن كان يقف أمامهم من القضاة كانوا ضعافاً في نفوسهم وفي اطّلاعهم، وكان هو على اطّلاع واسع، وكان يدرس قضاياه درساً حسناً ويُعدّ دفاعه إعداداً جيداً. ولقد عرفتُ خبره قبل أن أقابله فحاربته بمثل سلاحه؛ فدرست الدعوى التي يرافع فيها دراسة شاملة كاملة، حتى إنني لم أدَع فيها ورقة لم أنظر فيها. وأعددتُ قراراتي وأيّدتها بالنصوص القانونية والنقول الشرعية، فلما سمع أول واحد منها
стр. 2306
لم يستطع أن يقول شيئاً، وأراد حفظاً لمكانته واتّباعاً لعادته أن يُملي على كاتب الضبط شيئاً، فقلت له: لا، إن ضبط المحاكمة ملك للقاضي لا يدوَّن فيه إلاّ ما يمليه هو أو يأذن بتدوينه، فإن كان عندك شيء فقله شفاهاً أو اكتبه كتابة.
وواضح أن هذا كله في غير القرار النهائي، لأن القرار النهائي الذي يفصل في الدعوى لا يستطيع أحد من الخصوم أن يردّ عليه بل يرفع الدعوى إلى محكمة أعلى.
ومحامٍ آخر هو «ف. م.»، وكان سليط اللسان غير مهذّب اللفظ، وكان أحد اثنين في مجلس النوّاب أقامهما الحزب الوطني ليردّا بسفاهتهما وبذاءة منطقهما وصفاقة وجهيهما الهجوم عليه. جاء يقف أمامي، وشرع يجرّب أسلوبه معي يريد أن يُخيفني، وفتح الحاضرون آذانهم ينتظرون نتائج هذه المعركة بينه وبيني. فقلت في نفسي: إن كان سفيهاً فأنا أحفظ نصف أهاجي الشعراء، فإن كانت مباراة بالسباب فأنا أقدَر عليها منه، وإن كانت مناقشة قانونية فأنا أعرَف بالقانون منه، وإن كان يعتزّ بأنصاره من شباب الحزب فأنا عندي من بقايا الشباب الذين كانوا يعملون معي لمّا كنت رئيس اللجنة العليا للطلاب من يأكلهم بلا ملح، ولي بحمد الله من الشعبية ومن نصرة كبار المشايخ والعلماء ما يقوّيني عليه. وإن قابلته في المكان المنقطع كنت أقوى منه جسداً واستطعت أن أدفع أذاه عني، فعلامَ أدعه يجرب فيّ سفاهته؟ وكان لي معه موقف لم أخالف به القانون ولم أخرج به عن حدود الأدب، ولكن أرَيتُه كيف يكون تأديب السفهاء وصغّرتُ إليه نفسه حتى صار هو يخجل بها، ولم يعُد بعدها إلى شيء ممّا يُنكِره عليه غيري.
стр. 2307
وجاءنا لمّا سقطَت فلسطين سنة ١٩٤٨ محامٍ فلسطيني قوي اسمه «س. ع.» يمشي على طريق المحامي الأول الذي حدّثتكم عنه. حضر في دعوى لامرأة من دمشق متزوجة بأفغاني في كابول، وكلّفته أثناء المحاكمة أن يأتي بشهود، فأبرز قائمة بأربعة شهود وطلب استنابة قُضاة بلادهم لسماع شهاداتهم: واحد في كابول في الأفغان وآخر في البرازيل والثالث في بومباي بالهند والرابع في اليمن. فأحسست ببوادر الغضب، ولكنني فكرت: ماذا أستفيد أو تستفيد المدّعية إن أغلظتُ له القول أو أسمعته ما يكره؟ إنه يقصد المماطلة والتطويل لأن وصول الاستنابة إلى البرازيل والأفغان والهند وعودة الجواب منها تستغرق شهراً. وكنت في المواقف الصعبة أتجه بقلبي إلى الله أن يساعدني وأن يُعينني، وجاء العون من الله، فهدَأ الثائرُ من أعصابي واستراحت نفسي، واتخذتُ هذا القرار: لمّا كانت الشهادة لا تكون إلاّ بحضور المشهود عليه وكانت نفقات السفر على طالب الشهادة فقد تَقرّر سؤال المحامي: هل موكِّله مستعدّ لدفع النفقات؟
فقال: إذا وافقَت الجهة المدّعية على السفر فنحن مستعدّون لدفعها. فقررتُ سؤال وكيل المدّعية عن ذلك، وخفت أن يقول لا، وجعلت أفكّر ماذا أفعل إن قالها؟ ففهم عني وقال: نعم، نحن مستعدّون. فقررتُ سؤال غرفة التجارة عن أجور السفر إلى تلك البلاد والإقامة فيها في فندق متوسط المدّةَ التي تستلزمها الشهادة، وتأجيل المحاكمة حتى يَرِد الجواب.
وجاء جواب غرفة التجارة فأعلنته في الجلسة التي بعدها، وإذا هو مبلغ كبير جداً، فكلّفت هذا المحامي إيداعه في صندوق
стр. 2308
المحكمة ورفعتُ الجلسة. فجاءني بغير الوجه الذي كان يلقاني به في المحكمة، جاء خاضعاً متذلّلاً يطلب أن أخلّصه من هذه الورطة لأن موكّله حمّله التبعة، فعرضتُ عليه أن يُرضي المدّعية وأن تؤدّى إليها حقوقها وأن يضمن لها ألاّ يعود إلى إيذائها. وكان ذلك، وخرج الخصمان متّفقَين. وهذا ممّا يُحمَد الله عليه.
* * *
وكنت أحرص على النظام وعلى ظهور هيبة القضاء، ولا أدع أحداً مهما علَت منزلته أن يقطع النظام، فاتفق مرّة أن اثنين من أكبر المحامين، كلاهما اسمه سعيد وكلاهما علَم من الأعلام في ديار الشام، الأول كان أستاذاً لنا في كلية الحقوق وكان مرّة وزيراً، وهو أقدر محام مدني في بلادنا ولولا حبسة في لسانه لَما قام له أحد، والثاني صار وزيراً مرات كثيرة وصار رئيساً للوزراء، وكان حسن الهيئة حلو اللسان، ولكنه على استعداد ليمشي مع كل إنسان أو ليمشي ضدّ أي إنسان! فكان من مزاياه أنه يترك الوزارة أو تتركه هي، فيعود في اليوم التالي إلى مكانه في المحكمة محامياً من المحامين كأنه لم يكن أمس وزيراً أو رئيساً للوزراء.
رأيتهما يتهامسان ويضحكان، فقرعتُ خشب القوس أمامي وقلت لهما: هل نسيتما القراءة؟ فتعجّبا، فقلت: هل كتبنا على باب العمارة «القصر العدلي» أم «قهوة الكمال»؟
وتجرّأ مرّة محام فلسطيني أصله من الشام اسمه «ب. س.» وقال كلاماً لا يليق، فأمرتُه بالسكوت، فزاد في صفاقته وفي جرأته وفي استطالته على المحكمة، فرفعت الجلسة وأمرته
стр. 2309
بالخروج فأبى. ورأيت أن الموقف لم يعُد يتحمّل، فلا هو يكفّ عن بذاءته ولا أنا أستطيع أن أُسكِته. وأعترف الآن أن الغضب تملّكني، وإذا غضب القاضي حاد عن طريق الصواب، فأمرت الآذن (الفرّاش) أن يُمسِكه من ربطة عنقه وأن يجرّه جراً حتى يلقيه خارج الباب.
ووجم المحامون، وانتشر الخبر وكبرَت المسألة، وقرّرَت نقابة المحامين (أو كادت تقرّر، نسيت الآن) مقاطعة المحكمة ما دمت أنا فيها. واهتمّت الوزارة واستدعاني الوزير بحضور الأمين العامّ، أي وكيل الوزارة، وهو القاضي الكبير العادل الأستاذ عبد الرؤوف سلطان الذي كنا نسهر عنده ليلة الأربعاء من كل أسبوع. وكان الوزير هو الزعيم الوطني الأستاذ زكي الخطيب، فقال لي بعد كلام طويل: هل ترضى أن أكون أنا الحكَم؟ فقلت له: يا سيدي، إن زكي بك الخطيب هو وزير العدل، وزكي بك الخطيب هو محام واسمه مسجَّل في سجلّ النقابة، وخصومتي أنا مع المحامين. وزكي بك الخطيب هو زعيمنا وأحد قادتنا الذين كنا نمشي وراءهم ونأتمر بأمرهم، وزكي بك الخطيب هو ابن عمّ أمي (لحّاً)، فأيهم الذي يريد أن يكون حكَماً؟ إذا كان القريب أو الزعيم فله أن يأمر وعليّ أن أطيع، وإذا كان الوزير فله كلّ حقّ يمنحه القانون وعليّ كل واجب يُلزِمني به القانون، وإن كان المحامي فليسمح لي أن أقول إن خصومتي مع نقابة المحاماة، أي مع المحامين وهو واحد منهم، فكيف يكون خصماً ويكون حكَماً؟
ولا أريد أن أسرد بقية القصّة، بل يكفي أن أقول إنها انتهت
стр. 2310
باعتذار منه وتراجع مني ومصالحة بيني وبين النقابة، وعادت المياه -كما يقولون- إلى مجاريها.
وكانوا يأخذون عليّ أنني لا أدع الخصوم يقولون كل ما يريدون. وعذري أني أسمع كل ما يقال ثم ألخّصه بكلمات، وأصنع مثل ذلك مع المحامين: أثبت بالضبط ما يُفيد الدعوى وأدع ما عداه. فإن ادّعت امرأة مثلاً أنه طلّقها أسأله، فيبدأ قصّة ربما تستمرّ -لو تركتُه- عشر دقائق، يقول: كنا يا سيدي في الدار، وقد تعشّينا رزاً بالفول واللحم وشربنا الشاي، وكان في زيارة دارنا أبو، أبو ... أبو إيش؟ الله يلعن الشيطان، نسيت، هذا الذي كان ولده يعمل في وزارة المالية وكانت له دكان في سوق الحميدية ...
وأمثال هذا الكلام، يُبدئ فيه ويُعيد وهو لا ينفع ولا يُفيد، فأصرخ به: أجب على السؤال فقط: هل طلّقتَ كما تدّعي أم لا؟ ذلك أنه إن قال «نعم» فقد أقرّ وانتهت الدعوى، وإن قال «لا» كلّفتها أن تُثبِت دعواها، وهذا الكلام كله الذي يريد أن يقوله لا أثر له في الدعوى إلاّ أنه يُضيع وقت المحكمة ويؤخّر رؤية الدعاوى.
* * *
وكنا أحياناً نقرّر انتقال المحكمة إلى موضع الخلاف، للكشف على المسكن أو لتقدير القيمة في القضايا الوقفية. وكانت العادة المتّبَعة أن يُعِدّ طالب الكشف طعاماً كثيراً، وأن يجمع وجوهَ القرية إذا كان الكشف في إحدى القرى أو وجوهَ الحيّ إذا كان في
стр. 2311
البلد، ويجعلها وليمة للقاضي ولمن معه. فأبطلتُ هذه العادة، وكنت إذا أردت الخروج من المدينة وقفتُ السيارة عند أحد الأفران فأخذت رغيفاً سخناً وقلت لمن معي: لن نأكل شيئاً حتى نرجع ولن نحضر دعوة ولن ندخل داراً لطعام، فمَن خاف منكم الجوع فليصنع مثلي. وآكل الرغيف، ثم أقف على أحد السبل المبثوثة في أرجاء البلد (من أيام الوالي التركي ناظم باشا ﵀، يأتي ماؤها من نبع «الفيجة» بارداً ناعشاً كأنه الماء المثلَّج، أو كأنه الثلج المموَّه، ولم أجد مثل ذلك في مدينة من المدن التي مشيت إليها في شرقي الأرض وغربيها) فأشرب منه بكفّي.
وإذا كان بعض المحامين يريد حضور الوليمة فإنني أدَعه وأعود بالسيارة. أما الأجرة المقرَّرة قانوناً على هذا الكشف فكانت أربع ليرات سورية في البلد وعشراً خارجها، والعَشر تعدل بأسعار هذه الأيام ثلاثة ريالات ونصف الريال؛ هذا ما يأخذه القاضي عندما يخرج للكشف.
ولقد وقعَت لي في هذه الكشوف حوادث طريفة فيها تسلية للقارئ، منها أننا ذهبنا يوماً إلى كشف على مسكن في طرف دمشق، وكان معي في السيارة كاتب المحكمة والزوجة وزوجها. فلما وصلنا جاء عسكري قريب للزوجة فأراد أن يتدخّل فمنعته، وكان للعسكري أيام الفرنسيين بعض الرهبة في قلوب الناس، فلما ابتعدنا راجعين قال الزوج: أنا سكتُّ عنه إكراماً لكَ (أي لي أنا) ولولاك لَمصعتُ رقبته. فقلت للسائق: قف. فوقف، وقلت للزوج: أنا لم أرَ في عمري رجلاً «يَمْصع» رقبة آخر وأحب أن أرى هذا المشهد، ولا يضرّني أن أنتظر، فسأدعوه لك حتى
стр. 2312
تصنع به ما تريد. وفتحتُ نافذة السيارة ومددتُ رأسي فناديت العسكري.
هنالك تبخّرَت حماسة هذا الرجل، وضاعت جرأته وهربَت شجاعته وجعل يقول: أرجوك أرجوك يا سيدي، أقبّل يدك سامحني، لا توقِعني معه. وأنا ساكت لا أقول شيئاً حتى وصل العسكري، وصار لون وجه الرجل بلون قشرة الليمون، فقلت: يبدو عليك أنك رجل خير ومَن يعمل خيراً يكافئه الله، فاذهب فحاول أن تصلح بينهما، أو الحقنا إلى المحكمة لعلك توفَّق بإقناع قريبتك وزوجها بإزالة الخلاف بينهما.
ولحقَنا وتم الصلح بينهما. أمّا الرجل فما صدّق أنه خلص من هذه الورطة، وأحسب أنه لم يعُد بعدها إلى هذه العنترية الفارغة. والعوامّ عندنا في الشام يقولون إن من يهدّد لا يفعل، والذي يفعل حقيقة لا يهدّد.
وقد وقعت لي أخرى مثلها؛ كنا ذاهبين إلى كشف فاعترضنا سائق «كميون»، والكميون في لغة أهل الشام عربة طويلة لها ستّة دواليب تحمل عليها وتجرّها ثلاثة من البغال القوية، ويسوقها غالباً ناس لهم ألسنة طويلة لا يتحاشون فاحش القول. فسدّ الطريقَ على سيارتنا، فقلت للسائق: «زَمِّرْ له»، فالتفت إلينا وبدأ معزوفة (مونولوج) له أول ما له آخر ضمّنه من أنواع الشتائم كل مبتكَر وكل بذيء، والسائق ساكت، حتى إذا بلغ الماء حافة الكأس ولم يعُد للصبر مكان نزل إليه فأمره بأن يسكت، فعاد يسبّ ويشتم، فلكمه تحت فكه لكمة ألقته كومة واحدة على الأرض، فقام
стр. 2313
متخاذلاً متذلّلاً وساق أصحابه الثلاثة البغال ومشى من طريقنا.
ومن أعجب ما لقيت أن عندنا قريتين عُرف أهلهما بالقوة والشدة، قرية رَنْكوس التابعة لدوما وقرية سَرْغايا التي تتبع الزَّبَداني، في الأولى أسرة آل سرسق وفي الثانية أسرة الشمّاط. وليس العجب أن يكون في هذه الأسر رجال أقوياء أو أبطال شجعان، ولكن العجب أنها كانت تأتينا امرأة كاشفة الوجه على عادة تلك القرى، ما أظنها قد جاوزت الخامسة والثلاثين، بارعة الجمال، وهي زعيمة فرقة من هذه الفرق والدعاوى بينها وبين خصومها مستمرّة، وهي تحمل السلاح وتستعمله، فكنا نعجب منها.
فجاءتنا يوماً ابنة أخ لها ما جاوزت العشرين أجمل منها جمالاً وأشجع شجاعة، فذهب معها قاضي الصلح (وكان صديقنا وابن شيخنا الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي) فلما بلغا الموضع وقع النزاع وبدأ إطلاق الرصاص، فاختبأ هو ﵀ تحت السيارة وبرزَت هذه البنت التي لم تُكمِل العشرين وسلاحها بيدها تخوض المعركة، تطلب النزال ومواجهة الرجال، وكانت هي الظافرة بهم الغالبة عليهم!
وطرائف أخرى وقعت لنا لا أريد أن أفيض الآن بذكرها، ولعلّ المناسبة تأتي بها يوماً من الأيام.
* * *
стр. 2314
-١٨٠ -
أخبار غير قضائية في محكمة دمشق
جاءتني يوماً معاملة لحصر الإرث، من أصحابها شيخ عجوز كبير السنّ محنيّ الظهر، ترتجف يداه من الكبَر يسيل ريقه من فمه من المرض، فرأفت به وقلت لهم: لماذا كلّفتموه المجيء؟ أنا كنت أذهب إليه. قالوا: ما معنا أجرة السيارة ولا بد من الكشف. قلت: سبحان الله، هل سمعتم من أحد أني أكلّف الناس ما لا يطيقون. إنني أذهب إليكم كما أذهب إلى كثير من أمثالكم لا أرزؤكم شيئاً، وأدفع أجرة السيارة من جيبي.
وأقعدتُه وسألته عن اسمه فقال: مسـ ... مسـ ... مسلم. قلت: لا أسألك عن دينك بل عن اسمك. فنطق بحروف مقطعة جاء منها اسم «مسلم وردة». فدُهشت وقلت: مسلم وردة؟! قال: نعم؛ مسـ ... مسـ ... مسلم وردة. قلت: أنت الذي كان ... واستحييت أن أكمل الجملة. قال: نعم، أنا الذي كان. فقلت في نفسي: لا إله إلا الله.
إنكم لم تعرفوا إلى الآن لماذا دهشت ولماذا تشهّدت. أنا أقول لكم، ليعتبر المغترّ بقوّته المعتزّ بسطوته، وليعلم أنه لا يدوم
стр. 2315
في هذه الدنيا غِنى ولا فقر ولا تبقى قوة ولا ضعف، وأنها تُذِلّ العزيز وتُعِزّ الذليل، وتُفقِر الغني وتُغني الفقير، وتُنزِل العالي وتعلو بالذي نزل.
مسلم وردة -يا أيها القراء- اسم كان أهلونا ونحن صغار يخوّفوننا به، فنكفّ عن الحركة ونقف عن الضجيج ونفعل ما نؤمر. كان أحدَ العصاة أيام الأتراك، يعتصم برؤوس الجبال: جبل قاسيون، ومن خلفه جبال مَعْرَبة والتلّ ومن أمامه جبال المِزّة ودُمّر، فيبعثون إليه بالفرقة من الجند فيكسرها وحده ويردّها على أعقابها، وكان يفرض الإتاوة على الأغنياء فلا يملكون منه امتناعاً. انتهت به الحال إلى ما قرأتم.
ولقد أبصرت مرة في الرائي رجلاً ضخم الجسم مُقعَداً على كرسي ذي دواليب، لا يستطيع أن يقف على قدميه ولا يمشي برجليه، قالوا: إنه «طرزان». طرزان الأصلي الذي كان يراه الناس في الأفلام، يعيش في الغابات مع الوحش يصارع السبع بسكّينه فيغلب السبع، يتخذ حبلاً طويلاً يعلّقه بهَام الأشجار، فيمسك به ثم ينتقل من شجرة إلى شجرة، انتهى به الأمر أن يُربَط بكرسي ذي دواليب!
فمَن لم يعتبر بغيره صار هو العبرةَ لغيره.
* * *
ومن الأخبار غير القضائية أنه كان عندنا في المحكمة دركيّ حمويّ قوي (والدّرَك بين الشرطة ورجال الجيش)، شجاع أمين
следующие страницы →