← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

البلد، ويجعلها وليمة للقاضي ولمن معه. فأبطلتُ هذه العادة، وكنت إذا أردت الخروج من المدينة وقفتُ السيارة عند أحد الأفران فأخذت رغيفاً سخناً وقلت لمن معي: لن نأكل شيئاً حتى نرجع ولن نحضر دعوة ولن ندخل داراً لطعام، فمَن خاف منكم الجوع فليصنع مثلي. وآكل الرغيف، ثم أقف على أحد السبل المبثوثة في أرجاء البلد (من أيام الوالي التركي ناظم باشا ﵀، يأتي ماؤها من نبع «الفيجة» بارداً ناعشاً كأنه الماء المثلَّج، أو كأنه الثلج المموَّه، ولم أجد مثل ذلك في مدينة من المدن التي مشيت إليها في شرقي الأرض وغربيها) فأشرب منه بكفّي. وإذا كان بعض المحامين يريد حضور الوليمة فإنني أدَعه وأعود بالسيارة. أما الأجرة المقرَّرة قانوناً على هذا الكشف فكانت أربع ليرات سورية في البلد وعشراً خارجها، والعَشر تعدل بأسعار هذه الأيام ثلاثة ريالات ونصف الريال؛ هذا ما يأخذه القاضي عندما يخرج للكشف. ولقد وقعَت لي في هذه الكشوف حوادث طريفة فيها تسلية للقارئ، منها أننا ذهبنا يوماً إلى كشف على مسكن في طرف دمشق، وكان معي في السيارة كاتب المحكمة والزوجة وزوجها. فلما وصلنا جاء عسكري قريب للزوجة فأراد أن يتدخّل فمنعته، وكان للعسكري أيام الفرنسيين بعض الرهبة في قلوب الناس، فلما ابتعدنا راجعين قال الزوج: أنا سكتُّ عنه إكراماً لكَ (أي لي أنا) ولولاك لَمصعتُ رقبته. فقلت للسائق: قف. فوقف، وقلت للزوج: أنا لم أرَ في عمري رجلاً «يَمْصع» رقبة آخر وأحب أن أرى هذا المشهد، ولا يضرّني أن أنتظر، فسأدعوه لك حتى

стр. 2312

تصنع به ما تريد. وفتحتُ نافذة السيارة ومددتُ رأسي فناديت العسكري. هنالك تبخّرَت حماسة هذا الرجل، وضاعت جرأته وهربَت شجاعته وجعل يقول: أرجوك أرجوك يا سيدي، أقبّل يدك سامحني، لا توقِعني معه. وأنا ساكت لا أقول شيئاً حتى وصل العسكري، وصار لون وجه الرجل بلون قشرة الليمون، فقلت: يبدو عليك أنك رجل خير ومَن يعمل خيراً يكافئه الله، فاذهب فحاول أن تصلح بينهما، أو الحقنا إلى المحكمة لعلك توفَّق بإقناع قريبتك وزوجها بإزالة الخلاف بينهما. ولحقَنا وتم الصلح بينهما. أمّا الرجل فما صدّق أنه خلص من هذه الورطة، وأحسب أنه لم يعُد بعدها إلى هذه العنترية الفارغة. والعوامّ عندنا في الشام يقولون إن من يهدّد لا يفعل، والذي يفعل حقيقة لا يهدّد. وقد وقعت لي أخرى مثلها؛ كنا ذاهبين إلى كشف فاعترضنا سائق «كميون»، والكميون في لغة أهل الشام عربة طويلة لها ستّة دواليب تحمل عليها وتجرّها ثلاثة من البغال القوية، ويسوقها غالباً ناس لهم ألسنة طويلة لا يتحاشون فاحش القول. فسدّ الطريقَ على سيارتنا، فقلت للسائق: «زَمِّرْ له»، فالتفت إلينا وبدأ معزوفة (مونولوج) له أول ما له آخر ضمّنه من أنواع الشتائم كل مبتكَر وكل بذيء، والسائق ساكت، حتى إذا بلغ الماء حافة الكأس ولم يعُد للصبر مكان نزل إليه فأمره بأن يسكت، فعاد يسبّ ويشتم، فلكمه تحت فكه لكمة ألقته كومة واحدة على الأرض، فقام

стр. 2313

متخاذلاً متذلّلاً وساق أصحابه الثلاثة البغال ومشى من طريقنا. ومن أعجب ما لقيت أن عندنا قريتين عُرف أهلهما بالقوة والشدة، قرية رَنْكوس التابعة لدوما وقرية سَرْغايا التي تتبع الزَّبَداني، في الأولى أسرة آل سرسق وفي الثانية أسرة الشمّاط. وليس العجب أن يكون في هذه الأسر رجال أقوياء أو أبطال شجعان، ولكن العجب أنها كانت تأتينا امرأة كاشفة الوجه على عادة تلك القرى، ما أظنها قد جاوزت الخامسة والثلاثين، بارعة الجمال، وهي زعيمة فرقة من هذه الفرق والدعاوى بينها وبين خصومها مستمرّة، وهي تحمل السلاح وتستعمله، فكنا نعجب منها. فجاءتنا يوماً ابنة أخ لها ما جاوزت العشرين أجمل منها جمالاً وأشجع شجاعة، فذهب معها قاضي الصلح (وكان صديقنا وابن شيخنا الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي) فلما بلغا الموضع وقع النزاع وبدأ إطلاق الرصاص، فاختبأ هو ﵀ تحت السيارة وبرزَت هذه البنت التي لم تُكمِل العشرين وسلاحها بيدها تخوض المعركة، تطلب النزال ومواجهة الرجال، وكانت هي الظافرة بهم الغالبة عليهم! وطرائف أخرى وقعت لنا لا أريد أن أفيض الآن بذكرها، ولعلّ المناسبة تأتي بها يوماً من الأيام. * * *

стр. 2314

-١٨٠ - أخبار غير قضائية في محكمة دمشق جاءتني يوماً معاملة لحصر الإرث، من أصحابها شيخ عجوز كبير السنّ محنيّ الظهر، ترتجف يداه من الكبَر يسيل ريقه من فمه من المرض، فرأفت به وقلت لهم: لماذا كلّفتموه المجيء؟ أنا كنت أذهب إليه. قالوا: ما معنا أجرة السيارة ولا بد من الكشف. قلت: سبحان الله، هل سمعتم من أحد أني أكلّف الناس ما لا يطيقون. إنني أذهب إليكم كما أذهب إلى كثير من أمثالكم لا أرزؤكم شيئاً، وأدفع أجرة السيارة من جيبي. وأقعدتُه وسألته عن اسمه فقال: مسـ ... مسـ ... مسلم. قلت: لا أسألك عن دينك بل عن اسمك. فنطق بحروف مقطعة جاء منها اسم «مسلم وردة». فدُهشت وقلت: مسلم وردة؟! قال: نعم؛ مسـ ... مسـ ... مسلم وردة. قلت: أنت الذي كان ... واستحييت أن أكمل الجملة. قال: نعم، أنا الذي كان. فقلت في نفسي: لا إله إلا الله. إنكم لم تعرفوا إلى الآن لماذا دهشت ولماذا تشهّدت. أنا أقول لكم، ليعتبر المغترّ بقوّته المعتزّ بسطوته، وليعلم أنه لا يدوم

стр. 2315

في هذه الدنيا غِنى ولا فقر ولا تبقى قوة ولا ضعف، وأنها تُذِلّ العزيز وتُعِزّ الذليل، وتُفقِر الغني وتُغني الفقير، وتُنزِل العالي وتعلو بالذي نزل. مسلم وردة -يا أيها القراء- اسم كان أهلونا ونحن صغار يخوّفوننا به، فنكفّ عن الحركة ونقف عن الضجيج ونفعل ما نؤمر. كان أحدَ العصاة أيام الأتراك، يعتصم برؤوس الجبال: جبل قاسيون، ومن خلفه جبال مَعْرَبة والتلّ ومن أمامه جبال المِزّة ودُمّر، فيبعثون إليه بالفرقة من الجند فيكسرها وحده ويردّها على أعقابها، وكان يفرض الإتاوة على الأغنياء فلا يملكون منه امتناعاً. انتهت به الحال إلى ما قرأتم. ولقد أبصرت مرة في الرائي رجلاً ضخم الجسم مُقعَداً على كرسي ذي دواليب، لا يستطيع أن يقف على قدميه ولا يمشي برجليه، قالوا: إنه «طرزان». طرزان الأصلي الذي كان يراه الناس في الأفلام، يعيش في الغابات مع الوحش يصارع السبع بسكّينه فيغلب السبع، يتخذ حبلاً طويلاً يعلّقه بهَام الأشجار، فيمسك به ثم ينتقل من شجرة إلى شجرة، انتهى به الأمر أن يُربَط بكرسي ذي دواليب! فمَن لم يعتبر بغيره صار هو العبرةَ لغيره. * * * ومن الأخبار غير القضائية أنه كان عندنا في المحكمة دركيّ حمويّ قوي (والدّرَك بين الشرطة ورجال الجيش)، شجاع أمين

стр. 2316

متديّن. كان يأتي كل عَشيّة فينام في المحكمة يحرسها ويذهب حين يذهب الليل. جاءني مرة يطلب نقله من المحكمة، فقلت: لماذا؟ قال: يا سيدي أعفِني من ذكر السبب، إني أطلب النقل. قلت: لا بد لهذا الطلب من سبب، فإذا كنتُ أسأت إليك أنا أو أساء إليك أحدٌ بالمحكمة فخبّرني. قال: ما أساء إليّ أحد. قلت: إذن تبقى. قال: لا أستطيع. وما زلت به أحاوره وأداوره، أفتله بالذروة والغارب كما كان يقول الأولون، حتى أخبرني أنه لا يستطيع البقاء في هذه الدار لأنها «مسكونة». ومعنى أنها «مسكونة» في اصطلاح أهل الشام أن الجنّ تسكنها. قلت: خبّرني، ما الذي رأيته؟ قال: كلما مشيت في الليل أو صعدت درجاً أو نزلت أسمع جرساً يقرع من خلفي. فضحكت وقلت: يا أبا فلان، ما هو عيب عليك، وأنت أنت بطولك وعرضك وشجاعتك المعروفة تقول هذا؟ فانصرف يرحمك الله ودع عنك هذه الأوهام. وكانت دار المحكمة -كما عرفتم- من أكبر الدور الشامية القديمة، فيها صحن واسع يُفضي إلى صحن، ومداخل ومخارج ومصاعد وأدراج وممرات مستقيمة وملتوية. وكنت أتغدى في المحكمة لأن داري بعيدة، فقد كنت أسكن في الجبل، فإذا انصرف الموظفون بقيت وحدي، وربما اضطجعت على الأريكة بعد الغداء ساعة أو بعض ساعة، وربما بقيت حتى يؤذّن المغرب فأصلّي وأنصرف. لبثت يوماً حتى أظلم الليل وتأخّر وصول الدركي الحارس،

стр. 2317

فسمعت ورائي جرساً، وفي نفسي أنه وهم صوّره لي حديث الدركي. ونزلت الدرَج فسمعت الجرس، وتنبّهت وفتحت أذني فإذا هو جرس حقيقة يُقرَع من خلفي ليس وهماً. فخفت قليلاً، ثم شجّعت نفسي وثبَتّ، ووقفت مكاني ساكناً لا أتحرّك، وجعلت أنظر ورائي فلا أرى شيئاً، فقلت أبقى واقفاً حتى أعرف ما الحكاية. وطال وقوفي، فسمعت الجرس من مكان قريب، فتتبّعت الصوت، وإذا ... وإذا ماذا؟ هل تحزرون؟ وإذا هي قطة صغيرة لجيران المحكمة في عنقها جرس صغير، تشمّ بقايا الطعام من أثر المراجعين الذين يدخلون المحكمة كل يوم بالمئات، فإذا أحسّت بي هربت وتوارت فلم أعُد أراها. هذه هي قصة الجنّي الذي أفزع الدركي! وكنا أيام الأتراك نسمّي الدرك «الجِنْدِرْمَة»، وهي محرَّفة عن الكلمة الفرنسية «جان دارم» أي رجال السلاح. فهل رأيتم كيف أفزعت قطة صغيرة رجلَ السلاح فخاف منها وسلاحه معه؟ * * * وتأخّرتُ يوماً فقعدت أمام البِركة، وكانت لها نافورة ضخمة يتفجر منها الماء عموداً من البلّور، تتكسر عليه أشعة الشمس حتى كأن فيه -كما قلت من قبل- عشرة آلاف قطعة من الألماس (ولا تقُل: من الماس) تنكسر مياهه وتتمايل، ويكون له خرير شجيّ أحلى في الآذان من المعازف والألحان. فاشتهيت أن تمتلئ البِركة وأن تفيض، فما كانت لتمتلئ، فقمت أنظر أين يذهب هذا الماء

стр. 2318

كله، فإذا «الهارب» مفتوح. والهارب كلمة شامية معناها مصرف الماء من البِركة. وكنت أكتب «كل يوم كلمة صغيرة»، فجعلت هذا المشهد موضوع كلمة الغد، وكتبت أقول إنها ليست العبرة بكثرة ما يَرِد عليك بل بقلّة ما يخرج منك؛ فمَن كان مورده عشرة آلاف وهو ينفق مثلها لم يبقَ معه شيء، وإن أنفق خمسة بقي معه خمسة، وإن أنفق أحد عشر ألفاً خرج مَديناً بألف. وقد قرأنا في كتاب المطالعة ونحن صغار هذه الحكمة: «لاتشترِ ما لا تحتاج إليه مهما رَخُص، ولا تدَع ما أنت بحاجة إليه ولو غلا». * * * ووُفّقت مرة إلى صنع شيء ما أظنّ أنه صنعه قبلي أحد، ولعلّه لا يصنعه أحد بعدي. ذلك أن الشكوى قد كَثُرَت من قلة القضاة الشرعيين ومن ضَعف بعضهم، وأن حملة شهادة الحقوق يُعرِضون عن القضاء الشرعي ولا يُقبِلون عليه. فقلت للوزير (وكان صديقاً لي): أنا أضمن لك قضاة أولي علم ونزاهة ودين وخلق، بشرط. قال ضاحكاً: وما هو هذا الشرط؟ قلت: أن تدع لي اختيارهم وأن يُعيَّن مَن أختار بلا مسابقة ولا تعقيد. قال: هذا يحتاج إلى قانون. قلت: يا سيدي هذا عملك. ولم يمضِ وقت طويل حتى استدعاني ودفع إليّ تكليفاً

стр. 2319

رسمياً باختيار قضاة للشرع على ما طلبتُ وشرطت. وذهبت أسأل وأستقري (ولا تقُل «أستقرئ» بالهمزة). وذكرتُ أنه كان عندي في الثانوية لمّا كنت أدرّس فيها أخوان من آل سلطان، أخوهما الكبير رفيقي الشاعر جميل سلطان ﵀، هما نشأة وعبد القادر، كلاهما يصلح للقضاء. فعرضته عليهما، فاستجاب عبد القادر وأبى أخوه. وذهبت وفتّشت عن أمثالهم، أدقّ عليهم أبوابهم دقاً وأعرض عليهم المنصب عرضاً، أسعى إليهم بدلاً من أن يسعوا هم إليّ، حتى جمعت طائفة صالحة، لا أذكر منهم الآن إلاّ الأستاذ عبد القادر سلطان الذي صار مستشاراً في محكمة النقض والأستاذ هشام الخُجَة الذي سمعت أنه صار عضواً في المحكمة العليا. نجحوا جميعا، لأني عملت على اختيارهم باذلاً جهدي كله لا أبتغي إلاّ ثواب الله، وعملوا هم جادّين مخلصين لا يريدون إلاّ رضا الله، فكتب الله لهم التوفيق. * * * لقد عملت في القضاء أكثر من ربع قرن، فما تدخّل يوماً في قضائي رئيسٌ ولا وزير ولا نائب من النوّاب، ولا فتحت لصديق أو قريب باب التدخّل فيه. وقد وقع لي مرة واحدة على عهد رياسة الشيشكلي أن هتف بي (هتف بي: أي كلّمني بالهاتف، أي التلفون) أخوه يوماً يوصيني برجل له دعوى عندي، فحاولت إفهامه بالحسنى أني لا أقبل وساطة ولا تدخّلاً في دعوى من غير طرفَيها أو المحاميَين فيها. فحسب لطفي ضعفاً وجرّب تخويفي بالرئيس الذي هو أخوه، فثار بي الغضب فأغلظت له القول وأغلقت

стр. 2320

الهاتف من غير سلام. وذهبت من فوري إلى الوزارة فأعلنت لهم أني مستقيل وأني سأعلن أسباب استقالتي على الناس. وكان الأمين العامّ للوزارة، أي وكيلها، صديقاً للشيشكلي، فلم أكَد أعود إلى المحكمة حتى فتح عليّ أخو الرئيس مرة أخرى، فهممت أن أقطع المخابرة، وإذا هو يبادرني بالاعتذار ويطلب أن أعتبر الأمر كأن لم يكن. وفهمت من بعدُ أن الأمين العامّ، أي وكيل الوزارة، رفع الأمر فوراً إلى الشيشكلي. وكان الشيشكلي رجلاً عاقلاً، عرفتُه من قرب وقابلته مرات، وكان يملك أعصابه ويحكّم عقله ولا يريد أن يُثير عليه رجلاً له قلم وله لسان، فلام أخاه لوماً شديداً وألزمه أن يعتذر إليّ فوراً. ورُفعَت إليّ قبل ذلك دعوى لأخت الرئيس شكري بك القوّتلي، أيام كان في ذروة عزّه وقمّة سلطانه، وجاء المدّعى عليه، وهو رجل من آل العطّار، ووجهه منتفخ مُزرَقّ وأثر التعذيب ظاهر عليه والشرطة تحيط به. فقرّرتُ أولاً إخراج الشرطة من قاعة المحاكمة، وطَمْأنتُه إلى أن المحكمة لن تفرّق بين هذه الدعوى وبين غيرها من الدعاوى وأنه لن يجد منها إن شاء الله إلاّ العدالة والمساواة بين الخصمين. وكان ذلك، وسرت فيها كما أسير في الدعاوى كلها، واستعنت بالله فلم أميز دعوى أخت الرئيس عن دعوى أضعف امرأة قروية، فما نظرت فيها إلاّ في موعدها ولا جعلت لها فضلاً على غيرها، وعيّنت لها (وكانت دعوى تفريق) حكمين اثنين من وجهاء البلد ومن علماء التجار (أو من التجار العلماء) لهما منزلة عند الناس، يثق الجميع بهما ويُثنُون عليهما، هما الشيخ موسى الطويل، وسيأتي إن شاء الله كلام كثير عنه،

стр. 2321

والشيخ عبد الحميد القَنَواتي، الأستاذ بالكلية الشرعية والعالِم النحوي المعروف. وانتهت الدعوى كما ينتهي غيرها. * * * وكنت أمنع النساء السافرات من دخول المحكمة، فوجدت يوماً في مقاعد المحامين امرأة سافرة مكشوفة الشعر بادية النحر وأعالي الصدر، فقلت لها: أما يكفيك أنك خالفت الشرع فتكشّفتِ، وأمرَ المحكمة ألاّ تدخلي فدخلتِ، ثم لم يسَعْك إلاّ أن قعدت في مقاعد المحامين؟ قالت: إنني محامية. وأبرزت بطاقتها، فلما قرأت اسمها وجدت أنها شقيقة أحد أصدقائي القدماء، من الأدباء المعروفين والوزراء الذين ولوا الوزارة مرات كثيرة، جاءت للوكالة عن أخت زميل قديم لنا، كنا معاً ندرس في مدرسة واحدة فاختلف طريقانا، فسلك هو طريقاً غير طريقي وأسّس حزباً كبر ونما حتى صار له الحكم في الشام وفي العراق. ولا أريد أن أزيد في وصفه عما قلت فأكون قد سمّيته، وأنا لا أريد تسميته. ففتحتُ الجلسة وأثبتّ بالضبط حضورَها بالنيابة عن المدّعية، ثم قرّرتُ هذا القرار: لمّا كان للمحكمة حرمة، وكان من الإخلال بحرمتها أن يأتيها المتقاضون أو وكلاؤهم بثياب يُنكِرها العرف ويراها منافية للآداب العامّة، كأن يجيء المحامي بالتُّبّان (أو بسراويل السباحة) وكأنْ تتكشف المحامية المسلمة، وإبداؤها ما أمر الله بستره أشد من حضور المحامي بالتبان، لذلك تَقرّر إفهامُ الأستاذة المحامية (فلانة) لزومَ حضورها الجلسةَ القادمة

стр. 2322

بثياب ساترة يرتضيها الإسلام، وتَقرّر رفع الجلسة وتأجيلها إلى يوم كذا. فذهبَت ولم تعُد. * * * وكنت إذا رأيت بين الحاضرين من تبدو عليه علائم الشرّ أو يُخشى منه الشغب أمرت شرطي المحكمة أن يكون قريباً. فجاءتني يوماً امرأتان مدّعيتان ملفوفتان بالملاءة، صغيرتا الحجم قصيرتا القامة طويلتا اللسان، إحداهما المدّعية والأخرى أمها جاءت معها. وكان زوج المدّعية رجلاً ضخماً تبدو القوة من وجهه ومن عضلاته ومن شواربه المبرومة القائمة كسارية المركب ومن طربوشه المائل زهواً واعتزازاً، فأشرت للشرطي أن يكون قريباً منه. وشرعت في المحاكمة، فسألت المدّعية الأسئلة المعتادة، ثم تلفّتُّ إليه أسأله عن اسمه فأجاب، فكلّفته أن يُبرِز بطاقته الشخصية، فقال: معها. قلت: وكيف تكون معها وهي بطاقتك؟ قال: شوف يا سيدي. ورفع كمّه عن ساعد ضخم لو لوى به قضيباً من الحديد لالتوى، وإذا عليه أثر ظاهر لعَضّة! قلت: من فعل بك هذا؟ قال: هي وأمها، ضربتني وعضّتني وأخذت مني البطاقة. فقلت لها: لماذا فعلت ذلك؟ فانفتح فمها عن سيل من الشتائم القذرة المنتنة ملأت رائحتها المكان كله واشمأز منها الحاضرون. وإذا هي امرأة سليطة اللسان بذيئة القول عالية الصوت،

стр. 2323

وإذا شيء ما رأيت في عمري مثله. فأشرت للشرطي أن يقف إلى جانبها هي لأن الخطر منها لا منه. ومضيت في المحاكمة حتى انتهت الجلسة، وخرجَت هي وأمها وبقي هو واقفاً، فلم أمنعه لأن المحاكمة علنيّة لمن شاء من الناس أن يدخل فيقف ويستمع، حتى إذا انتهت القضايا كلها ولم يبقَ عندنا شيء وهممت بالقيام قلت له: ماذا تريد؟ قال: لا أريد شيئاً. قلت: لماذا لا تذهب إذن؟ قال: يا سيدي، إنها تربط لي هي وأمها تحت القنطرة. وكانت المحكمة في حيّ القنوات، ومن بعدها جسر قصير يمرّ فوق النهر وينزل الماشون تحته دركات (أي درجات) ثم يصعدون من الطرف الآخر. وهو يخاف أن يخرج فتهجم عليه المرأتان تحت الجسر فتبطشا به. فضحكت في سرّي ولم أظهر له، وأمرت الشرطي أن يمشي معه حتى يكفّ أذى المرأتين عنه. وجعلت أعجب من هذا المشهد الذي ما رأيت مثله، لأن المعروف أن النساء ضعيفات وأن الرجل هو القوي وأنهن يَحتَجْنَ إلى حمايته، فإذا أنا أرى رجلاً بطوله وعرضه وعمقه وارتفاعه وعضلاته وشنباته يفزع من امرأتين ضئيلتين! * * * وكانت سوريا كلما جاء موسم الحجّ اهتمّ الناس به، وكتبت صحفها عن قضية نقل الحجّاج، وبحثت الحكومة عن ماخرة (بالميم) صالحة لنقلهم وعن متعهد أمين يضمن راحتهم في السفر. وكان لقاضي دمشق الممتاز الرأي الأول في اختيار الباخرة (أو الماخرة) وانتقاء المتعهد. فلما كان الموسم الذي كنت فيه

стр. 2324

القاضي الممتاز في دمشق رجع الحجّاج يشكون شكاوى كثيرة من المتعهدين وسوء معاملتهم وإخلالهم بشروط الاتفاق بينهم وبين الحكومة. وكان من هذه الشروط أنه يرجع عند الاختلاف إلى مجلس تحكيم مؤلَّف من خمسة أعضاء رئيسهم قاضي دمشق، ينتخب المتعهدون اثنين. فاختاروا اثنين من دُهاة الرجال وممن له منزلة وشأن، وهما الشيخ أحمد القاسمي مدير الأوقاف، والمحامي سعيد الغزي الذي ولي -كما قلت- الوزارة مراراً وصار رئيسها مرة أو مرتين، لم أعُد أدري. ففكّرت مَن أختار أنا وأين أجد اثنين من وزنهما ليقفا أمامهما، فهداني الله إلى اختيار اثنين من مستشاري محكمة النقض، قاضيَين من أنزه القُضاة الثقة بهما عامّة، هما الأستاذ عبد الوهاب الطيب والأستاذ منير المالح، وقد ذهبا إلى رحمة الله. ووكّل المتعهّدون عنهم أبرع محامٍ في دمشق في الأمور المدنية، وهو أستاذنا في كلية الحقوق وهو شارح «المجلة» يوم كانت هي القانون المدني في الشام قبل أن يقوم حسني الزعيم بانقلابه المشؤوم وأن يستبدل بالمجلة المستنبطة من شريعة الله القانونَ المدني الذي وضعه عباد الله، لم يستندوا فيه إلى كتاب منزَل ولا إلى سنّة نبي مرسَل. وعقد مجلس التحكيم سبع عشرة جلسة كل منها في ساعتين أو ثلاث ساعات، سمعنا فيها عشرات من الشهود ممن ذهبوا في تلك السنة إلى الحج وركبوا السفينة، منهم مشايخ وعلماء ومنهم تجار ووجهاء ومنهم جماعة من عامّة الناس، ثم أعلنّا ختام الجلسات وانتظار صدور الحكم.

стр. 2325

وقد ظهر لنا كما ظهر لمن كان معنا من جهة المتعهد، أن المخالفة ظاهرة وإن التقصير بَيّن. فلم يكن من العضوين في المجلس اللذين جاء بهما المتعهدون (وهما الأستاذان القاسمي والغزي) إلا أن ينسحبا، ظناً منهما أن انسحابهما يعطّل التحكيم ويمنع صدور الحكم. فقرّرنا القرار الآتي: لمّا كانت الجلسة قد فُتحت بصورة قانونية، وكان انسحاب العضوين بعد انتهاء المحاكمة وسماع الشهود لا يؤثّر في إصدار الحكم، وكان صدور الحكم بالأكثرية كافياً لسريانه بمقتضى الاتفاق بين الحكومة وبين المتعهدين، فقد قرّرنا السير في المحاكمة وإصدار الحكم. وصدر القرار بإلزام المتعهدين بما ثبت عليهم. وكان مبلغاً كبيراً بحساب تلك الأيام، وخفنا أن يتهربوا من دفعه فأبلغنا صورة القرار لوزارة المالية، ووزارة المالية لا تردّ مالاً يدخل إلى الخزينة ولا تُخرِج مالاً منها إلا بمستند قانوني صحيح. فحُصّل منهم المبلغ ولم يقدروا بعون الله على شيء. * * * وطلبني مرة في الهاتف وأنا في المحكمة الوزير البريطاني المفوَّض في دمشق، وكلّمني رجل بالعربية يطلب مني باسم الوزير موعداً ليزورني هو أو الملحق الثقافي نيابة عنه. فقلت لمن يكلّمني: إن المحكمة ليست لها صلة رسمية بالوزير البريطاني، فإن كان له شيء فليرجع إلى وزارة الخارجية. فقال: إنه لا يريد أن يجيء لأمر رسمي بل زيارة خاصّة ليسألني بعض الأسئلة الدينية. فلم أجد بداً من الموافقة، فحدّدتُ له موعداً يزورني فيه.

стр. 2326

وقال لي إخواني في المحكمة: عليك أن تقدّم له مع شراب الليمون مثلاً قطعة من الشكلاطة. وسحروني بقولهم فغرّموني ثمن علبة منها دلّوني على نوعها، أذكر أن اسمها «بلاك ماجيك»، ولم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل. وفهمتُ أن معنى الكلمة «السحر الأسود»، أي أن سحرهم إياي كان أسود والعياذ بالله لأنني دفعت فيها ثمناً كان ثقيلاً على كيسي لذلك اليوم. وجاء في الموعد رجل إنجليزي ومعه ترجمان له، لأني لا أفهم عنه ولا يفهم عني. فسلّم وسلّمت، ثم تكلّم فشرّق في الحديث وغرّب، وأنا أستمع إليه على حذر أحاول أن أدرك ما الذي يريد أن يصل إليه، وإذا هو يريد أن يسألني عن حكم الإسلام في الشيوعية، ففهمت عندئذ ماذا يريد. وكان قد صدر قبل ذلك فتوى من بعض علماء الأزهر بأن الشيوعية مخالفة للإسلام، وكتبت في «الرسالة» أعلّق عليها وأقول إنها فتوى صحيحة، ولكن محاربة الشيوعية لا تكون بإصدار الفتاوى بل بتحقيق العدالة الاجتماعية الإسلامية التي تسدّ الطريق على الشيوعية وعلى غيرها (١). فقلت له إن الشيوعية والرأسمالية والروس والإنكليز والأمريكان كلهم عدو للإسلام. وترجم له الترجمان هذا الكلام، وختمت الجلسة فانصرف غير مسرور. وكلمني بعد ذلك بيوم واحد رجل كنت أعرفه في العراق

стр. 2327

معلّم رسم، فقال لي إن الملحق الثقافي الروسي يريد هو الآخر أن يزورني. فأخبرته أنه لا شأن لي به ولا بالآخرين وأنهم كلهم عدو، فانصرف عني غير مسرور. وجعلت أفكر في هذا الحال التي لا يمكن أن تصل إلى أسوأ منها أمة ذات كرامة واستقلال، فجعلت موضع كلمتي الصغيرة في اليوم التالي هذه القصة، ذكرت فيها ما قصصته عليكم ثم قلت: أين الحكومة لتفتح عينيها لترى ما يصنع هؤلاء الناس وكيف يتصلون برجال منا؟ يزورني أحدهم أول مرة فيكون التعارف، ثم يدعوني فتكون المودة، ثم يتصل الود فتكون الصداقة، ثم أصير جاسوساً وأنا لا أشعر. وإلاّ فما هو الجاسوس وماذا يصنع أكثر من هذا؟ وهؤلاء الوسطاء، أليسوا منا؟ ألا يُعَدّ عملهم هذا خيانة لنا وعوناً لعدونا علينا؟ ألا تمتدّ إليهم يد القانون. لقد تخلّصت أنا من الرجلين بأني قد تعوّدتُ أن أقول ما يجب أن يُقال ولو خالفت هذه الآداب المايعة التي يسمّونها آداب المجاملة، ولأن الناس قد عرفوا ذلك عني فصاروا يقبلونه مني، ولكن ما كل واحد يستطيع أن يصنع ما صنعت. فأين الحكومة والعلماء؟ ألا يشعرون أن عليهم واجباً ثقيلاً هو أن يُفهِموا الشباب أن النظام الشيوعي والنظام الرأسمالي ليسا هما كل شيء، ولا يجب حتماً أن نتبع واحداً منهما وأن نكون مطايا لأصحابه، وأن لنا طريقاً مستقلاً، نظاماً كاملاً شاملاً يحلّ مشكلاتنا كلها على طريقتنا نحن، وهو الإسلام. لقد قام من عهد

стр. 2328

قريب جداً مسلم فصرح بهذه الحقيقة وسط الكونغرس الأمريكي، هو لياقت علي خان، قبل أن يقوم العلماء المسلمون فيصرّحوا بها في المساجد. فأين العلماء؟ ومتى نشعر بكرامتنا فلا يطمع فيها كل راغب ولا يستامُنا كل طالب؟ ومتى نعرف ثروتنا فلا نمدّ أيدينا لنشحد (١) المبادئ الاجتماعية ونشحد الأساليب الأدبية كما نشحد الموضات وأدوات الزينة؟ متى نكون رجالاً نأخذ النافع ونرفض الضارّ، ونرى الحقّ حقاً ولو كان مصدره الشرق ونرى الباطل باطلاً ولو كان عليه دمغة أوربا وأميركا؟ متى نعرف قيمة أنفسنا، فلا نذوب ونُمحى إذا وقفنا أمام «المسيو» ولا تنعقد ألسنتنا إذا قال لنا «المستر»، بل نواجههم مواجهة الرجال نأخذ منهم ونردّ عليهم؟ ومتى تتنبّه الحكومة فتمنع الدبلوماسيين الأجانب ووسطاءهم من الوصول إلى قُضاتها وإلى موظفيها، ومتى تُلزِمهم الاتصال بها من الباب المفتوح وهو وزارة الخارجية، لا الدخول من النوافذ على الموظفين وعلى القضاة وعلى العلماء؟ (إلى آخر الكلمة). * * *

стр. 2329

-١٨١ - صور ومشاهد من ساحات القضاء إن أشدّ ما يلقى المتقاضون من المحاكم هو التسويف والتأجيل وطول أمد المحاكمة، حتى إن دعوى كانت بين أسرتنا وبين آل الصلاحي، أعني الشيخ عبد الوهاب وأباه وجدّهم ﵏ لا آل الصلاحي الذين منهم الأستاذ عادل. لبثَت هذه الدعوى في المحاكم على عهد العثمانيين ثلاثاً وثمانين سنة، ذهب من أقام الدعوى وأولاده من بعده وبقيَت هي حتى نشأنا نحن، وكنت وأنا صغير أتجرّأ بالمزاح على عمّي (أعني خال أبي، وكنت أدعوه عمّي) العالِم الفلكي المعروف الشيخ عبدالقادر الطنطاوي، فأقول له: انتظر يا عمي حتى أكبر أنا وأدرس الحقوق وأصير محامياً وأرافع فيها. فكان يضحك ويسبّني ويقول الكلمة العامية: «فال الله ولا فالك»، أتريد أن تبقى في المحاكم حتى تصير محامياً؟ ولقد بقيَت فعلاً، وكبرتُ وصرت محامياً ثم صرت قاضياً والدعوى لم يُفصَل فيها، وكدنا نربحها مرة وكانت في الاستئناف فتبدّل المستشارون وجاء غيرهم، وكانت الدعوى قد زادت صفحات ضبطها على ثلاثة آلاف، ففصلوا فيها لمصلحة

стр. 2330

خصومنا. وما أدري هل درسوها أم حكموا فيها من غير أن يستوفوا دراستها، لكن الذي أدريه أني لم أحزن لخسارتها كثيراً، ولا أظنّ أن خصومنا فرحوا كثيراً لربحها، لأنهم كانوا كالذي تدعوه إلى الإفطار في رمضان فتؤخّر الطعام حتى يأكل من جوعه خبزاً وزيتوناً، فإذا ملأ بذلك بطنه دعوته إلى المائدة عليها من كل ما لذّ وطاب، من الحارّ والبارد والحلو والحامض ... مائدة حافلة، ولكن ما الفائدة منها وقد امتلأت معدته وذهبت شهوته؟ لقد كانت هذه القضية دائماً في ذهني وكانت قِيدَ بصري (١) فلم أكن أجعل للتطويل والتأجيل مجالاً في الدعاوى التي تُعرَض عليّ. إن كانت الدعوى بين المتقاضين أنفسهم لم أؤجّلها إلاّ إلى الغد، فإن طال التأجيل فإلى ما بعد الغد. وإن كانت بين المحامين جعلتُ أقصى حدّ للتأجيل خمسة أيام، والحدّ الذي لا حدّ بعده أسبوع. فإن احتجّ المحامي أن لديه دعاوى في محاكم أخرى قلت له: اطلب من تلك المحاكم أن تؤجّل النظر في دعاواك لأن من طبيعة قضايا الأحوال الشخصية أنها لا تحتمل طول التأجيل. وكثيراً ما كان أحد الطرفين يدّعي المرض ويبعث من يُبرِز تقريراً طبياً بما يدّعيه، فشكوت ذلك إلى الدكتور جَودة الكيال الذي كان أستاذنا في مكتب عنبر، فتعهّد أن يذهب كلما دعوتُه إلى دار المريض أو المتمارض، فيفحص عن أمره ويرى ما به، ولا يأخذ على ذلك أجراً لا مني ولا من أصحاب القضية، بل يطلب الأجر من الله. وقد مضى الآن للقاء الله، وسيجد ما عمل

стр. 2331

من خير مُحضَراً قد سبقه على الدار الآخرة، لأن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً. وإن تبيّن لي أن ادّعاء المرض كان باطلاً وأن التقرير أُعطيَ زوراً أحلتُ الطبيب الذي وقّعه على النيابة العامّة، فلقي عندها جزاءه في الدنيا عاجلاً، ولَعقاب الآخرة أشدّ وأبقى. * * * ومن طرائف أخباري في القضاء أنه كان من رفاقنا في المدرسة الابتدائية سنة ١٩١٨ تلميذ اسمه عبد الحكيم مراد، أبوه الشيخ سعيد مراد الذي كان أستاذاً في كلية الحقوق في دمشق. وكنا أصغر تلميذين في الفصل، نتكلم العربية الفصحى، فيضحك رفاقنا منا وربما أساؤوا إلينا، ورأى ذلك أبي فكان السبب في نقلي إلى مدرسة أهلية هي المدرسة الجقمقية التي سبق الكلام عليها. ومرّت الأيام وصار الأستاذ عبد الحكيم محامياً وصار شاعراً أديباً، ولكنه يكتب بأسلوب عجيب. ألّف كتاباً كبيراً سمّاه «جبر القيمة» كنا نمضي سهرات في قراءته، أنا ورفاقي سعيد الأفغاني وأنور العطار وحسني كنعان ومَن كان معنا يومئذ من الإخوان، نقرؤه فلا نفهم منه شيئاً، ونتخذه وسيلة إلى التسلية وملء الوقت الفارغ، ونعمل من فقراته نوادر نتفكّه بروايتها. جاءني مرة محامياً في دعوى فأبرز دفاعاً مكتوباً، أقول لكم الحقّ: لقد قرأته فما فهمت منه شيئاً، فقرأته جاهراً به بعض الجهر ليسمعه من كان حولي، ثم سألته أن يوضح ما فيه بدفاع شفهي فقال كلاماً طويلاً أعقد مما جاء في الدفاع المكتوب.

стр. 2332

ونظرت في وجوه الحاضرين من المحامين والمتداعين، فإذا هم يغالبون الضحك يحبسونه ولا يُطيقون حبسه، فكتبتُ في ضبط المحاكمة هذه الجملة: أبرز الأستاذ محامي المدّعية دفاعاً مكتوباً ضُمّ إلى أوراق الدعوى وأعقبه ببيان شفهي لم تفهم المحكمة منهما شيئاً. وقد رشح نفسه مرة للمجلس النيابي ونشر -على عادة المرشَّحين- بياناً مطبوعاً كان أعجوبة البيانات، وصار الناس يتخطّفونه ومنهم من اشتراه بالمال؛ بياناً ما كُتِب قبله مثلُه من يوم بدأ البشر يرشّحون أنفسهم في الانتخابات، فكأنه هذا الشعر الحديث أو الجديد أو ما لست أدري ما اسمه الذي لا يفهمه ولا يتذوقه إلاّ صاحبه وجلساؤه في مقهاه أو زملاؤه في ناديه ... والأستاذ أكرم زعيتر يحاول كل يوم أن يضع له اسماً جديداً فيجد أصحابَ هذا الشعر قد ارتكبوا به إثماً جديداً! * * * ومن أخبار المحكمة أننا ذهبنا مرة للكشف على مسكن، فوجدته مناسباً في موقعه وفي فرشه لا ينقصه شيء، ولكني رأيت الرجل فتحه بالمفتاح لمّا دخل وأغلقه على المرأة لمّا خرج. قلت: ما هذا؟ قال: زوجتي، عِرضي، أخاف عليها. قلت: ما تظنها تفعل والباب مغلَق عليها إن انفجر موقد الغاز، أو شبّ في الدار حريق، أو خرجت عليها حية، أو أُغمي عليها واستنجدت بالجيران ... من أين يدخل عليها مِن النساء مَن يريد إسعافها؟ لا، لا أقبل هذا المسكن ولا أوافق عليه؛ المسكن حصن للمرأة وهذا

стр. 2333

سجن لها، ولم تكن دار رسول الله ‘ مغلَقة على نسائه بالمفتاح ولا دور الصحابة ولا التابعين، ولقد أمرنا ﵊ أن نستوصي بالنساء خيراً، ما قال لنا احكموا عليهنّ بالسجن الدائم، وما هن بالمجرمات ولا نحن بالقضاة. وكنت مرة أنظر في دعوى، الزوج فيها من كبار الموسرين والزوجة أبوها من أغنياء الحرب الذين أثْرَوا منها ثراء فاحشاً. فأعدّ الزوج داراً جديدة واسعة في حي محترَم، فيها كل ما يُحتاج إليه من الفرش ومن الأثاث ومن أدوات المطبخ والحمّام. فاعترض محامي الزوجة بأنه ليس مسكن أمثالها من أخواتها وبنات عمّها ولا يليق بالزوج الذي يملك الملايين، فاتخذت هذا القرار: قلت: لمّا كانت مطالب الإنسان منها ما هو ضروري لا يُعاش إلا به، ومنها ما هو كماليّ لتمام الراحة ومسرّة النفس ورفاه العيش ولم يكن فيه محرَّم، ومنها ما لا يُحتاج إليه أبداً وما هو إلا للمكاثرة والمفاخرة. ولمّا كان ذلك يدخل في باب التبذير وكان التبذير مما يأباه شرع الله الذي جعل المبذّرين إخوان الشياطين، وكان التسابق فيه لا يقف عند حدّ، لذلك تقرّر اعتبار هذا المسكن وأمثالَه صالحاً ولو كان أبو الزوجة أو كان الزوج من أصحاب الملايين. وكانت لديّ مرة دعوى على رجل غني جداً ولكنه بخيل جداً، فأعدّ لزوجته المدّعية مسكناً لا يسكنه إلا الفقراء: بساط على الأرض وطبق من القشّ يوضع عليه الطعام وفراش يُبسَط في الليل ويُطوى في النهار. فقلت: ما هذا؟ قال: أهي خير من عائشة أم المؤمنين؟ ألم يكن مسكن عائشة مثل هذا أو أقلّ منه؟ قلت: لا والله ما هي خير منها ولا هي مثلها، ولكن خبّرني: أكان

стр. 2334

رسول الله ﵊ يكنز المال في الصناديق أو يضعه في المصارف أو يشتري به الأسهم، ثم يبخل به على السيدة عائشة فلا يُعِدّ لها إلاّ هذا المسكن؟ حينما تقتدي أنت برسول الله وتقف موقفه من المال طالبها أن تكون مثل عائشة. ورفضتُ المسكن. * * * لقد قلت في مقدّمة هذه الذكريات إنها قد تأتي مناسبةُ ذِكر حادثة فأنسى أن أضعها موضعها، فإذا ذكرتُها أثبتّها حيث ذكرتها. لقد هممت الآن أن أسرد حوادث وقعت لي في محكمة دمشق تتجلّى فيها عواقب انحراف الشباب وسلوكهم في تلبية نداء الغريزة غير الطريق القويم، ثم ذكرت حادثة رأيتها في محكمة النبك نسيت أن أضعها في موضعها تصلح مثالاً لما هممت بسرده. ذلك أن عندنا سكان منطقتين عُرف نساؤهما بالجمال: منطقة القَلَمون (أي النَّبْك ويَبْرود) ومنطقة الجولان فكّ الله إسارها، لا سيما القرى المنثورة على سفوح جبل الشيخ. ونساء المنطقتين كنساء البدو عندنا، وأكثر الفلاّحات لا يسترن وجوههن، مع أن كشف الوجه إن جرّ إلى فتنة بالمرأة أو عليها فقد وجب عليها ستره. فجاءتني مرة بنتٌ لم تبلغ العشرين تدّعي على زوجها. لمّا دخلَت المحكمة ثبتَت عليها أنظار الحاضرين من محامين ومتقاضين، وتركوا كلهم ما كان بأيديهم من الأوراق وعلقت عيونهم بها فلم يستطيعوا أن يرفعوها عنها، جمال ينضج صحّة

стр. 2335

وطهراً وينشر حوله كهرباء وسحراً، لو أن صاحبته هبطَت إلى الدرك الأدنى الذي فيه مسابقات الجمال (أعاذها الله وأعاذ نساء المسلمين منها)، لو فعلت لانتُخبت ملكة جمال العالَم بالإجماع. وكان معها زوجها، وهو شابّ بادي القوة مستكمل الشباب، إن جمعت هي الجمال الأنثوي فقد أوتي كل جمال الرجال. فلما سألتها عن دعواها تردّدَت واستحيَت، فقرّرتُ جعل المحاكمة سرّية ولم أُبقِ في القاعة إلا الطرفين والشهود والمحامين. وأعدت سؤالها، فأجابت بصوت خافت على استحياء بهذه العبارة النظيفة الألفاظ المهذّبة الحواشي، قالت إنها متزوجة من أربعة أشهر وزوجها لم يرفع لها ذيل ثوب! فذكّرني أدبها بالتي جاءت رسول الله ﵊ تشتكي مثل شكواها بكناية مثل كنايتها، قالت: يا رسول الله إن الذي معه كهدبة الثوب. ونحن في مثل هذه الدعاوى نُحيل الأمر على الطبيب الشرعي. وكان رئيس مؤسسة الطب الشرعي يومئذ صديقنا الدكتور عارف الطّرَقْجي الذي كان أستاذاً في كلية الطب، وهو الوحيد الذي جمع بين شهادتَي الدكتوراة في الطب والدكتوراة في الحقوق، وله كتاب في الطب الشرعي في خمسة مجلدات. فكانت نتيجة خبرته أن الرجل لا يصلح للنساء، لا لضعف فيه بل لأنه في مطلع بلوغه كان في الحقل، وكان «يقارب» ما يجد أمامه من الحيوانات، فألِفَت ذلك نفسُه، وصارت أنثى الدوابّ تثيره وهذه البنت التي كادت تفتن كل من في المحكمة لا تحرّك منه ساكناً! وانتهت الدعوى بالتفريق بينهما. * * *

стр. 2336

وجاءت مرة امرأة تدّعي على رجل أنه زوجها وأبو ولدها وتطلب منه نفقتها ونفقة ابنه منها، فسألتُه فأنكر الدعوى وادّعى بأنه لا يعرفها وأنه لم يرَها إلاّ الآن. فسألتها عن بيّنتها على دعواها، فظهر أن الزواج قد عُقد خارج المحكمة، زوّجها منه أبوها وشهد شاهدان على زواجها، وكان زواجاً شرعياً كاملاً ولكن لم تُكتب به وثيقة، ومات أحد الشاهدين فلا تستطيع إثبات دعواها بالشهادة. وشممتُ رائحة الصدق في كل كلمة قالتها، وللصدق رائحة لا تُشَمّ بالأنوف ولكن تُحَسّ بالقلوب. فحاولتُ أن أنبّه ضميره فما انتبه، وأن أرقّق قلبه فما رقّ، وأن أخوّفه اللهَ وعقابَه فما خاف. ولم يبقَ إلاّ أن أحلّفه إن طلبت اليمين، وبدا لي من حاله أنه سيُقدِم على حلف اليمين الكاذبة من غير أن تهتزّ عضلة واحدة في جسده. فماذا أعمل؟ أرى الحقّ يضيع أمامي ولا أملك لصاحبته شيئاً؟ وكنت في مثل هذه الحالة ألجأ بقلبي إلى الله أستمدّ منه العون، ففعلتُ، وسرعان ما جاء عون الله، وكان مشهد من أعجب المشاهد التي رأتها ساحات القضاء. ذلك أننا سمعنا من خارج المحكمة صوت امرأة كبيرة تزجر صبياً، والصبي يرفع صوته لا يبالي بها كأنه يطلب منها شيئاً وهي لا تُعطيه ما يطلب، فلما ضايقها صاحت به بصوت سمعه كل من في المحكمة: اذهب عني، هل أنا مكلَّفة بك؟ هذا أبوك وهذه أمك فاذهب إليهما قبّحك الله وقبّحهما. ولطمَته على وجهه، فعلا صوته ونادى من خلال نشيجه ودموعه: بابا تيتا ضربتني ... واقتحم الباب يدفع الناس بيديه الصغيرتين ينادي: بابا، ماما، وينك يا بابا؟

стр. 2337

وإذا بالمرأة تُسرع إليه، والرجل ينسى ما كان يقوله ويتلقّاه بذراعيه، ويلتقي من حوله الذراعان ذراع أمه وأبيه، ويتقاربان ويتلامسان، وأسمعها تقول له معاتبة: هيك يا فلان؟ تُنكِر أني زوجتك؟ وتغلبهما العاطفة فيدعان الولد بين أرجلهما وكانا جالسَين من حوله، ويقفان متعانقَين قد نسيا القاضي ومَن معه والمحكمة ومن فيها. ويتأثر الناس وتنسكب مدامعهم، وأتصنّع الغضب فأقول: ما هذا يا قليل الأدب؟ تعانق امرأة أجنبية عنك علناً وفي المحكمة؟ فيقول: أجنبية؟ إنها زوجتي! فأقول: فلماذا كنت تنكرها؟ قال: ساعة غضب، الله يلعن الشيطان. كله من أمها، ومن طول لسانها هي؛ فكُفّ يا سيدي أذى أمها عنا وانصحها بأن تكون مطيعة مهذّبة الألفاظ وعرّفها بحقوق زوجها عليها. هذه قصة واقعة أستطيع أن أجعل منها قصة أدبية أضمّها إلى كتابي «قصص من الحياة»، ويستطيع غيري أن يجعل منها فلماً يُعرَض في الرائي، وأنا أضمن أنه يكون فِلماً (١) ناجحاً. * * * كانت المحاكم ودوائر القضاء في دمشق منثورة نثراً في

стр. 2338

أرجاء البلد؛ بعضها في العَدْليّة، وهي بناء من الخشب واللبِن من طبقتين مما بناه العثمانيون كانت في المرجة التي سُمّيَت بعدُ ساحة الشهداء، يعنون بالشهداء الذين شنقهم جمال باشا أيام الحرب الأولى، وقليل منهم كانوا بُرآء (١) ما جنوا ذنباً، صالحين مظلومين، وأكثرهم ثبت من الأوراق التي ضُبطت في القنصلية الإنكليزية والقنصلية الفرنسية أنهم كانوا جواسيس على حكومتهم العثمانية. وبعض هذه الدوائر في بناية العابد التي بناها أحمد عِزّة باشا العابد، الذي كان أعلى عربي مرتبة وأمضاهم نفوذاً وأوسعهم سلطة أيام السلطان عبد الحميد، ولا تزال إلى الآن أضخم بناء حجري في دمشق، وقد أُنشئت عمارات عالية من الإسمنت والحديد وبقيَت لها مكانتها. وكانت المحكمة الشرعية في سوق الخيّاطين ثم انتقلت إلى القَنَوات. وكانت محاكم أخرى، فكان المحامون والمراجعون يجدون مشقّة ويلقون عَنَتاً في التنقل بينها، ففكّروا بإقامة بناء يجمعها كلها، وتَردّد الرأي بين أن يُقام في صدر شارع بغداد عند «البحرات السبع» أو في موضع المُشيريّة في رأس سوق الحميدية في لبّ البلد. ولا بد من توضيح ما ذكرت لمن لم يَزُر دمشق توضيحاً موجزاً يكون فيه زيادة وصف لمن شاء الوصف وتاريخاً لمن أراد معرفة التاريخ. كان الحكم في الشام أيام العثمانيين مردّه إلى اثنين: الوالي

стр. 2339

والمشير؛ أما المشير فللأمور العسكرية، وأما الوالي فلغيرها من الأمور المدنية. وكان مقر المشير عمارة من الخشب كبيرة جميلة، لمّا فتح جمال باشا أولَ شارع في دمشق سنة ١٩١٦ (على ما أذكر، وقد كنت يومئذ صغيراً في المدرسة الابتدائية) وقعَت في أوله. وكان لأهل الشام فيه يوم من أيامهم المعدودة، ذلك هو يوم العيد، إذ يجتمع في «المشيرية» الجند، ثم يقومون بعرض ضخم بشاراتهم وراياتهم وطبلهم وزمرهم، وكان أحدَ مشهدين يحتشد لهما الناس، هذا ويومُ خروج المَحْمِل إلى الحجّ. ولمّا جاء الفرنسيون يحكمون الشام واغلين غاصبين، لا يستندون إلى عدل ولا قانون ولا دين، وإنما هو عدوان القوي على الضعيف وقاطع الطريق على المسافر، كانت حالنا يومئذ كحال فلسطين وكشمير وأرتيريا في هذه الأيام، وأمثالهن في الأرض كثير. أقول إنه لمّا جاء الفرنسيون جعلوها مقرّ مندوب المفوض السامي، أي وكيله أو نائبه في دمشق، فسُمّيت «المندوبية». وأمّا الوالي فكان مقرّه في «سراي» المرجة. وهي بناء جميل يشبه القصور الصغيرة في أوربا في أواخر القرون الوسطى، لا يزال إلى الآن معدوداً من مظاهر العمران. أمّا شارع بغداد الذي اقترح كثيرون (وأنا منهم) إنشاء القصر العدلي فيه فقد كان ثاني شارع في دمشق، فتحه الفرنسيون أيام الثورة الكبرى سنة ١٩٢٦ بعد شارع النصر بعشر سنين. ما فتحوه رغبة بعمارة البلد ولا حباً بأهلها. كيف وهم أعداؤها الذين أحرقوها وخربوها وتركوا ربوعها أطلالاً؟ إنما فتحوه ليسهل عليهم

стр. 2340

نقل جنودهم ودباباتهم إلى الغوطة، لمحاربة أهل البلد وأصحاب الأرض الذين ثاروا كما يثور ربّ الدار على الحرامي، يدافع عن عياله ويحامي عن ماله، وكما يصنع الفلسطينيون اليوم في فلسطين والسود في جنوب إفريقيا والمجاهدون في الأفغان. وكانت مناقشات ومجادلات في اختيار المكان للقصر العدلي. وكنت أكتب وأخطب، فكتبت مقالات في إقامة القصر في شارع بغداد لأن المكان فسيح، إذا ضاق البناء بمن فيه وجدوا أرضاً لتوسعته، وزدت فاقترحت بأن يُسمّى «دار العدل» لا القصر العدلي، إحياء لمنقبة نور الدين زنكي لمّا أنشأ دار العدل في دمشق، وقصّته معروفة وهي في كتابي «رجال من التاريخ» (١). وغلب الرأي الآخر، وأقيم البناء في موضع المشيرية (أو المندوبية كما سُمّيت من بعد)؛ أنشؤوه من ثلاث طبقات من الأمام واثنتين من الخلف، لكل طبقة سقف عالٍ يقرب من سقوف المساجد، لا كسقوف البيوت الجديدة التي يقف الرجل الطويل فيمدّ يده فيبلغ بيده سقفها، وجعلوا لها قوساً يكاد (يكاد أو تكاد كلاهما صحيح، فالقوس مؤنثة ولكنها تُذكَّر) يقارب بعلوّه سقف البناء كله، وجعلوه على شكل الأقواس الأندلسية وهي غالباً ثلثا دائرة، بينما نجد الأقواس التركية نصف دائرة، ومن الأقواس ما هو أقلّ من نصفها. ومن شاء أن يرى الأقواس وأشكالها في الأبنية الأثرية وجد علم ذلك في كتب كثيرة فيها صورها وتاريخها، وليس هذا مجال الكلام عنها. وجعلوا للقصر واجهة من الخلف

стр. 2341

من جهة الجنوب فيها قوس أصغر، وجعلوا طبقتها العليا لوزارة العدل. وكنت -كما عرفتم- وثيق الصلة يومئذ بالقائمين على الوزارة، وهم سامي العظم وكيلها ورشدي الحكيم رئيس ديوانها، وهما من أصدقاء أبي وخالي مُحِبّ الدين ومن رفاقه في صحبة الشيخ طاهر الجزائري. وعارف النكدي، المفتّش العامّ الذي عملت معه لمّا كان رئيس تحرير «الأيام» وكانت صلتي به صلة التلميذ بأستاذه، وقد شرّفني فوقها بصداقته مع صديقه أستاذنا عزّ الدين التنوخي. ومحاسب الوزارة زيوار بك الجابي. فاستطعت بذلك أن أختار المكان الذي أريده في القصر العدلي، فاخترت الجناح الأرضي في الواجهة الجنوبية، أي ما تحت الوزارة، ونقلت المحكمة إليها، فكانت المحكمة الشرعية أول محكمة تدخل القصر. وكان للمحكمة الشرعية لمّا كانت في سوق الخياطين مسجد إمامُه الرسميّ الشيخ صادق أبو قورة، وفي المشيرية حتى لمّا صارت المندوبية أيام الفرنسيين مسجدٌ إمامُه الرسمي الشيخ يحيى المكتبي، وكلاهما من تلاميذ الشيخ بدر الدين ومن الذين يتولون خدمته. وكان الشيخ يحيى أقربَ الناس إليه، كان وكيله في أعماله ورسوله إلى الوزراء والرؤساء في حاجات البلد التي يرفعونها للشيخ، وأشهد أنْ طالما أنقذ الشيخ يحيى ناساً من الثوار وغيرهم من أيدي الفرنسيين، نجّاهم -بعون الله ثم بجاه الشيخ بدر الدين وبسعيه هو- من القتل. أما الشيخ صادق فهو رجل يغلب عليه صفاء القلب، يقول

стр. 2342

أحياناً كلاماً مغطّى عجيباً لا يكاد يُفهم. ومن العجائب ما أخبرني به أخي أنور العطار ﵀ ورحم الشيخ صادقاً، أن للشيخ صادق أخوين أحدهما اسمه الشيخ عمر المسالخي والثاني اسمه الشيخ علي المستوي! (١) * * *

стр. 2343

-١٨٢ - يوم أغرّ من أيام دمشق كلما قلت: كلما انفتح الطريق ونويت أن أمشي في ذكرياتي كما يمشي الناس، يسوقونها متسلسلة متصلة، عرض لي في مسيرتي ما يصرفني عن وجهتي. وكان العارض هذه المرة رسالة. كنت على عادتي أكتب رؤوس المسائل التي أريد أن أضمّنها حلقة اليوم، فورد عليّ البريد، وجعلت أفتح ظروفه فوجدت رسالة لم يكتب مرسلُها اسمَه في ذيلها، ولكن كل كلمة منها تدلّ على أنه يعرفني وأنه شاركني في بعض ذكرياتي وصحبني في مرحلة من طريق حياتي، فهو يذكّرني بأشياء لا يعرفها إلاّ من كان معي. فسرّني برسالته، ولكن أتعبني بمحاولة معرفته وأضاع عليّ في هذه المحاولة ساعات، كنت أشتغل فيها عنها ثم أعود إليها لأن ذهني قد تعلّق بها. فما الذي كان عليه لو أنه أتمّ لي فرحتي بذكر اسمه؟ إنه يسألني فيها عن بعض الأيام الغُرّ في تاريخ الشام الحديث، لماذا لم أتحدث عن دوري فيها؟ عن يوم التسلّح الذي

стр. 2344

الذي عشته بكل جوارحي وحفظت ذكراه بين جوانحي، عمّا صنعَت فيه دمشق وأهلها. ويقول لي: اسأل صديقك الأستاذ نصوح بابيل إن كنتَ نسيت أنباء بلدك، يذكّرك بها، بمقالتك «إلى بلدي الحبيب» التي قرأتُها وأنا في المدرسة الابتدائية من أكثر من أربعين سنة في كتاب المطالعة، ونقشتها على ظهر قلبي مع الكثير من كتاباتك التي لم يكن يخلو منها كتاب من كتب المطالعة المدرسية وكتب المختارات. أنا نسيت؟ كيف أنسى بلدي وصورتُه أبداً أمام عيني وحبُّه في فؤادي؟ ألم أبذل له قوّتي وأقِفْ عليه لساني وقلمي؟ هل قصّرتُ في بِرّه حتى يأتي من يتّهمني بعقوقه وقد كنت به أبرّ الأولاد؟ ألم أكتب في وصف جماله وفي عصف نضاله مقالات حملَتها الصحف والمجلات وأعلنَتها المنابر والإذاعات فسارت مسير الشمس إلى كل مكان، يوم لم يكن قد وُلد إلاّ واحد من كل ألف من أهل الشام الآن؟ ألم أعرّف الناسَ ببلاد الشام وأغرس حبَّها في كل نفس وصلَت إليها مقالاتي عنها، ممن لم يكن يعرفها، عرّفته بمجتمعها وجامعها، وربوتها ومزتها، وغوطتها وواديها، بقاسيونها وشاذروانها ... وتلك أسماء أماكن مَن عرفها عرف مستقرّ الجمال في هذه الدنيا، ومن لم يعرفها فقد فاته اجتلاء أحلى مشاهد هذا الوجود. لقد جعلت كل قارئ لها يهيم قلبه على البعد بحبها، ويعشقها على السماع لوصفها، ويتوق لرؤيتها توق المحب

стр. 2345

إلى وصال المحبوب. ولكن سلوا بلدي ما الذي صنعه بي. ماذا صنعتَ بي يا بلدي الحبيب؟ أنا لا أشكوك بعد الله إلاّ إليك، وإن كان الأمل بإنصافك أبعد من النجوم. لقد جفوتني وما جفوتُك، وأنأيتني عنك ومُناي كلها القرب منك، ورميتني بالرصاص يخترق صدري حين اخترق ظلماً وغدراً صدر أحب الناس إليّ: بنتي؛ ما رحمت طُهرها ولا رعيت غربتها ولا تورّعت عن مبارزتها في وحدتها، رميتني بالرصاص وأنا لم أسمح لنفسي أن ترميك بزرّ ورد لئلاّ يجرح الورد خدّيك. أقول هذا ولو كان مشتعلاً بنار الألم لأنفّس به عن نفسي كما يتنفس البركان بإلقاء الحمم. ولكن لماذا أقوله الآن؟ وما نفع الشكوى لقويّ لا يرحم أو لضعيف لا يُعين؟ الشكوى لله، فلماذا أبثّ غيره شكواي؟ وهل فقدتُ إيماني فحسبت الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون؟ إنه ﴿إنّمَا يُؤخِّرُهُم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيهِ الأَبْصارُ﴾. * * * لا يا مرسل الرسالة، لم أنسَ موطني ولن أنساه. بلادي وإنْ جارَتْ عليَّ عزيزةٌ ... وأهلي وإنْ ضَنّوا عَلَيّ كِرامُ لم أنسَ أسبوع التسلّح ولكن كنت أُرجئ الحديث عنه حتى أصل إليه، فلقد كان تاريخه سنة خمس وخمسين وأنا لا أزال في ذكرياتي في عشر الأربعين. ولكن رسالتك عجّلت بموعد الكلام، فعفوكم يا أيها القراء الكرام. ولست أكتب الآن صفحة من تاريخ

стр. 2346

البلد، بل أدوّن قطعة من ذكرياتي أنا، أذكر القليل الذي قمت به وأدع للمؤرّخين بيان الكثير الذي قام به غيري. كان الجيش على عهد الفرنسيين في الشام علينا لا لنا، وكانت قيادته بيد عدوّنا غاصب أرضنا، فلم يكن يدخل فيه أحد من أولادنا. فلما كان الاستقلال وتمّ جلاء المستعمرين عن بلادنا اشتجرت الآراء: هل نأخذ هذا الجيش فنستفيد من تدريبه وننظّفه من أدرانه ونُصلِح من شأنه ونجعله جيشاً وطنياً، أم نسرّح جنده وننشئ جيشاً جديداً؟ وكنت في سنة ١٩٤٣ اقترحت على الصديق الكبير جميل بك الدهان مدير الأوقاف العامّ (ولم تكن الأوقاف قد صارت وزارة) أن يدع هذا الاحتفال الذي يُقام في الجامع الأموي يوم المولد، فيُتلى فيه كلام مكذوب على رسول الله ﵊ وتُنشَد فيه أناشيد أيسر ما فيها الغزَل بالرسول ووصف جماله وذكر وصاله، وأشياء من هذه البَابَة كلها سوء أدب مع الرسول وقلّة حياء، لا يُقال مثلها لشيخ الضيعة فما بالك بسيد البشر وأفضل ولد آدم؟ وفيها ما هو أشدّ من هذا، وهو الشرك الظاهر من دعاء الرسول وإطرائه حتى نَصِفه بما لا يُوصَف به إلاّ الله! وكل ذلك بحضور كبار الفرنسيين، الذين يصعدون السلّم الدوّار ويقعدون في السدة العليا من الجامع ويسمعون هذا كله، ثم يرون هجوم الناس على قراطيس الفستق (الملبّس)، يتخاطفونها ويتزاحمون عليها، في منظر لا يستطيع أعدى عدوّ لنا أن يهجونا هجاءً عمَلياً بأكثر من وصفه، وهم يصوّرون ما يرون.

стр. 2347

فأخذت صديقي أنور العطار ﵀ (وكان يمشي معي حيثما مشيت) وذهبنا إلى جميل بك رحمة الله عليه، فقلت له: أتحبّ أن تعمل عملاً يرضى به عنك الله ويحمدك به الناس؟ قال: نعم. وكنت أعرفه من قديم عن طريق خالي مُحِبّ الدين الخطيب لمّا كان متصرفاً (أي محافظاً) لمنطقة حمص، أعرفه مسلماً متمسكاً بإسلامه. فلما قال نعم قلت: تُبطِل هذا كله، وتأتي بشيخ القرّاء يفتتح الاحتفال بآيات من كتاب الله، ثم أُلقي أنا كلمة وأنور قصيدة، فيكون من ذلك احتفالٌ خالٍ من تلك المنكَرات. قال: إن الناس لا يرضون بغير قراءة المولد. وأنا أريد الإصلاح ولكن لا أستطيع أن أثير الناس وأن أُغضِب الرئيس. قلت: فليقرأ الشيخ الكزبري التعطيرة الأخيرة من المولد المعتاد، ثم يُنشِد السيد توفيق المنجّد قصيدة نختارها نحن له في مدح الرسول ﵊ لا يكون فيها شيء يخالف الإسلام. ولست أريد الآن أن أتكلم عن هذه الحفلة وما كان فيها، ولعلّي أعود إليها فأتكلم عنها. وقلت في آخر خطبتي في هذه الحفلة (وقد نُشرَت في الرسالة): لقد بدا لنا النور ودنَت الأماني، ولاحت أعلام الوحدة ودُقّت طبولها. وقد طالما هجعنا ومرّت بنا ليالٍ حوالك طِوال فترت فيها الهمم وخَبَت العقول، ولكن وقت النوم انقضى وأذّن مؤذّن النهضة: حي على الفلاح، فنفضنا عن أنفسنا غبار الأحلام ونهضنا.

стр. 2348

لقد كُتب على المسلمين أن يذلّوا، ولكنها مرة واحدة، وقد مرّت ولن تعود إن شاء الله. لقد انبلج الفجر وانتهى الليل، وبدا نور النهضة، نور الاستقلال والوحدة؛ فأقسموا في هذا البيت الأطهر في هذا اليوم الأنور أنكم لن تناموا ولن تضعفوا، فما ينال المجدَ نائمٌ ولا وانٍ ولا ضعيف. إن محمداً، صلّى الله على محمد، علّمنا معنى العزة والكرامة، وعرّفنا قيمة العقل والعلم، وشرع لنا شرعة الإيمان والعدل والإحسان؛ فلنعُد إلى ما شرع الله لنا على لسان محمد نبيّنا، لنفتح في التاريخ صفحة مجد وسموّ ونبل كالتي كتبها أجدادنا. فيا أيها الرئيس (وهنا رأيت الرئيس -وكان في السدة الصغيرة- يرفع رأسه وينظر إليّ) يا أيها الرئيس، ارفع راية القرآن، ثم ادعُنا إلى العمل شيوخاً لهم عزيمة الشباب وشباباً لهم حكمة الشيوخ، تُجِبْك من جنود الحقّ جحافل تصل يوم القادسية ويوم اليرموك بأيام الغوطة ونابلس التي فيها جبل النار. اعمل للوحدة الكبرى فإنها حياتنا لا حياة لنا إلاّ بها، أقِمْها على صخرة الإسلام، فلا تعبث بها الزعازع ولا تزلزلها الأعاصير. إنك القائد الحكيم، ولكنها ضجّت في العروق الدماءُ وتلوَّتْ في الأغماد السيوفُ، فانشر اللواء وسُق الجيش، ليعلم الإنس والجنّ أنه لا يزال في عروقنا ذلك الدم الذي نضح الأرض من بواتيه في فرنسا إلى أبواب الصين، وفي قلوبنا ذلك النور الذي أضاء الدنيا من المشرق إلى المغرب، وفي سواعدنا ذلك العزم الذي هدّ بروج الطغيان وتهاوت له التيجان، وفي أفواهنا ذلك النشيد الذي علا في كل مكان، فكانت تخشع له

стр. 2349

الرواسي وتطأطئ الشامخات: لا إله إلاّ الله والله أكبر. * * * وكنت قبل ذلك نشرت سلسلة من المقالات كان عنوانها «إلى السلاح يا عرب»، قلت في أول مقالة منها (١): يا أيها القرّاء، إني ما جئت أصبّ في أعصابكم قوة ليست فيها ولكن جئت أوقظ القوة التي نامت في أعصابكم، وما جئت لأجعلكم خيراً مما أنتم عليه ولكن جئت لأُفهمكم أنكم خيرٌ مما أنتم عليه؛ جئت أضرم جمرة الحماسة التي غطّاها في نفوسكم رماد الكسل، فأعينوني عليها باستعادة الثقة بالله، ثم الثقة بها وبسلائق العروبة التي ورثتها وبعزة الإسلام التي كانت لها. واعلموا أنكم إن فقدتم عزّتكم وأضعتم سلائقكم وابتعدتم عن دينكم لم تكونوا جديرين بمحمد، ولم يكن لكم الحقّ في الاجتماع هنا في يوم مولد محمد، صلّى الله على محمد وعلى آل محمد. يا سادة، إن الأمم كالأفراد؛ ألا يكون الرجل منكم رائحاً من عمله خائر الجسم واني العزم، كل أمانيه أن يصل إلى الدار فيُلقي بنفسه على أول مقعد يلقاه قبل أن يستنفد الجهد قواه، فيجد في الدار إشارة بأنه رُفع درجة أو نال جائزة أو هبط عليه إرث ضخم من قريب منسيّ، فيحسّ أنه انتفض كما ينتفض العصفور بلّله

стр. 2350

القطر، وانتعش كما ينتعش النبات أرواه الماء، ونشط كما ينشط الجمل أُطلِق من عقال؟ ألا يكون أحدكم مرخيّ الأعصاب خامل الجسد، قد خدّره النعاس حتى ما يقدر أن يفتح عينيه، فيعدو عليه عادٍ أو يطرقه لصّ، أو يحقره إنسان فيشعل الغضب في دمه ناراً ويشدّ من أعصابه أوتاراً، فيثب يريد أن يعلو الجدار أو أن يخوض النار؟ ألا يكون أحدكم تعبان كسلان، يجرّ قدميه من الوَنَى جرّاً يظنّ أنه سيسقط على الأرض، فيلحقه عدوّ فاجر أو يطارده وحش كاسر، فإذا هو ينطلق انطلاق القذيفة من فم المدفع ويعدو عدوَ الغزال المروَّع؟ هذه -يا أيها الناس- القوّةُ المدّخَرة في أعصاب الإنسان، يُظهِرها الأمل ويُبديها الغضب ويبعثها الخوف. وفي الأمم قوة كهذه القوة، وما الأمة إلاّ الأفراد. أفلا تحسّ إن غضبتَ أو فرحت أو جزعت أن نبضك يسرع، وقلبك يخفق، ووجهك يحمرّ أو يصفرّ، وجسدك كله يتبدّل ويتغيّر؟ فكذلك الأمم: تكون الأمّة نائمة آمنة قد غلب عليها الخمول وشملها الاسترخاء، فما هي إلا أن يبعث الله لها القائد العبقري، يصرخ فيها ينذرها خطراً أو يحذّرها عدواً أو يَعِدها نصراً مؤزّراً، حتى تثب كما يثب الجندي المستريح إلى سلاحه، فتعمل العجائب وتصنع المعجزات، وتدع التاريخ حائراً من فعلها مشدوهاً. وهذه هي الأمثلة تملأ العصور وتُترِع صفحات التاريخ، الأمثلة من الشرق والغرب، من القديم والحديث، حيثما تلفّتّم وجدتم مثالاً.
следующие страницы →