← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

البلد، بل أدوّن قطعة من ذكرياتي أنا، أذكر القليل الذي قمت به وأدع للمؤرّخين بيان الكثير الذي قام به غيري. كان الجيش على عهد الفرنسيين في الشام علينا لا لنا، وكانت قيادته بيد عدوّنا غاصب أرضنا، فلم يكن يدخل فيه أحد من أولادنا. فلما كان الاستقلال وتمّ جلاء المستعمرين عن بلادنا اشتجرت الآراء: هل نأخذ هذا الجيش فنستفيد من تدريبه وننظّفه من أدرانه ونُصلِح من شأنه ونجعله جيشاً وطنياً، أم نسرّح جنده وننشئ جيشاً جديداً؟ وكنت في سنة ١٩٤٣ اقترحت على الصديق الكبير جميل بك الدهان مدير الأوقاف العامّ (ولم تكن الأوقاف قد صارت وزارة) أن يدع هذا الاحتفال الذي يُقام في الجامع الأموي يوم المولد، فيُتلى فيه كلام مكذوب على رسول الله ﵊ وتُنشَد فيه أناشيد أيسر ما فيها الغزَل بالرسول ووصف جماله وذكر وصاله، وأشياء من هذه البَابَة كلها سوء أدب مع الرسول وقلّة حياء، لا يُقال مثلها لشيخ الضيعة فما بالك بسيد البشر وأفضل ولد آدم؟ وفيها ما هو أشدّ من هذا، وهو الشرك الظاهر من دعاء الرسول وإطرائه حتى نَصِفه بما لا يُوصَف به إلاّ الله! وكل ذلك بحضور كبار الفرنسيين، الذين يصعدون السلّم الدوّار ويقعدون في السدة العليا من الجامع ويسمعون هذا كله، ثم يرون هجوم الناس على قراطيس الفستق (الملبّس)، يتخاطفونها ويتزاحمون عليها، في منظر لا يستطيع أعدى عدوّ لنا أن يهجونا هجاءً عمَلياً بأكثر من وصفه، وهم يصوّرون ما يرون.

стр. 2347

فأخذت صديقي أنور العطار ﵀ (وكان يمشي معي حيثما مشيت) وذهبنا إلى جميل بك رحمة الله عليه، فقلت له: أتحبّ أن تعمل عملاً يرضى به عنك الله ويحمدك به الناس؟ قال: نعم. وكنت أعرفه من قديم عن طريق خالي مُحِبّ الدين الخطيب لمّا كان متصرفاً (أي محافظاً) لمنطقة حمص، أعرفه مسلماً متمسكاً بإسلامه. فلما قال نعم قلت: تُبطِل هذا كله، وتأتي بشيخ القرّاء يفتتح الاحتفال بآيات من كتاب الله، ثم أُلقي أنا كلمة وأنور قصيدة، فيكون من ذلك احتفالٌ خالٍ من تلك المنكَرات. قال: إن الناس لا يرضون بغير قراءة المولد. وأنا أريد الإصلاح ولكن لا أستطيع أن أثير الناس وأن أُغضِب الرئيس. قلت: فليقرأ الشيخ الكزبري التعطيرة الأخيرة من المولد المعتاد، ثم يُنشِد السيد توفيق المنجّد قصيدة نختارها نحن له في مدح الرسول ﵊ لا يكون فيها شيء يخالف الإسلام. ولست أريد الآن أن أتكلم عن هذه الحفلة وما كان فيها، ولعلّي أعود إليها فأتكلم عنها. وقلت في آخر خطبتي في هذه الحفلة (وقد نُشرَت في الرسالة): لقد بدا لنا النور ودنَت الأماني، ولاحت أعلام الوحدة ودُقّت طبولها. وقد طالما هجعنا ومرّت بنا ليالٍ حوالك طِوال فترت فيها الهمم وخَبَت العقول، ولكن وقت النوم انقضى وأذّن مؤذّن النهضة: حي على الفلاح، فنفضنا عن أنفسنا غبار الأحلام ونهضنا.

стр. 2348

لقد كُتب على المسلمين أن يذلّوا، ولكنها مرة واحدة، وقد مرّت ولن تعود إن شاء الله. لقد انبلج الفجر وانتهى الليل، وبدا نور النهضة، نور الاستقلال والوحدة؛ فأقسموا في هذا البيت الأطهر في هذا اليوم الأنور أنكم لن تناموا ولن تضعفوا، فما ينال المجدَ نائمٌ ولا وانٍ ولا ضعيف. إن محمداً، صلّى الله على محمد، علّمنا معنى العزة والكرامة، وعرّفنا قيمة العقل والعلم، وشرع لنا شرعة الإيمان والعدل والإحسان؛ فلنعُد إلى ما شرع الله لنا على لسان محمد نبيّنا، لنفتح في التاريخ صفحة مجد وسموّ ونبل كالتي كتبها أجدادنا. فيا أيها الرئيس (وهنا رأيت الرئيس -وكان في السدة الصغيرة- يرفع رأسه وينظر إليّ) يا أيها الرئيس، ارفع راية القرآن، ثم ادعُنا إلى العمل شيوخاً لهم عزيمة الشباب وشباباً لهم حكمة الشيوخ، تُجِبْك من جنود الحقّ جحافل تصل يوم القادسية ويوم اليرموك بأيام الغوطة ونابلس التي فيها جبل النار. اعمل للوحدة الكبرى فإنها حياتنا لا حياة لنا إلاّ بها، أقِمْها على صخرة الإسلام، فلا تعبث بها الزعازع ولا تزلزلها الأعاصير. إنك القائد الحكيم، ولكنها ضجّت في العروق الدماءُ وتلوَّتْ في الأغماد السيوفُ، فانشر اللواء وسُق الجيش، ليعلم الإنس والجنّ أنه لا يزال في عروقنا ذلك الدم الذي نضح الأرض من بواتيه في فرنسا إلى أبواب الصين، وفي قلوبنا ذلك النور الذي أضاء الدنيا من المشرق إلى المغرب، وفي سواعدنا ذلك العزم الذي هدّ بروج الطغيان وتهاوت له التيجان، وفي أفواهنا ذلك النشيد الذي علا في كل مكان، فكانت تخشع له

стр. 2349

الرواسي وتطأطئ الشامخات: لا إله إلاّ الله والله أكبر. * * * وكنت قبل ذلك نشرت سلسلة من المقالات كان عنوانها «إلى السلاح يا عرب»، قلت في أول مقالة منها (١): يا أيها القرّاء، إني ما جئت أصبّ في أعصابكم قوة ليست فيها ولكن جئت أوقظ القوة التي نامت في أعصابكم، وما جئت لأجعلكم خيراً مما أنتم عليه ولكن جئت لأُفهمكم أنكم خيرٌ مما أنتم عليه؛ جئت أضرم جمرة الحماسة التي غطّاها في نفوسكم رماد الكسل، فأعينوني عليها باستعادة الثقة بالله، ثم الثقة بها وبسلائق العروبة التي ورثتها وبعزة الإسلام التي كانت لها. واعلموا أنكم إن فقدتم عزّتكم وأضعتم سلائقكم وابتعدتم عن دينكم لم تكونوا جديرين بمحمد، ولم يكن لكم الحقّ في الاجتماع هنا في يوم مولد محمد، صلّى الله على محمد وعلى آل محمد. يا سادة، إن الأمم كالأفراد؛ ألا يكون الرجل منكم رائحاً من عمله خائر الجسم واني العزم، كل أمانيه أن يصل إلى الدار فيُلقي بنفسه على أول مقعد يلقاه قبل أن يستنفد الجهد قواه، فيجد في الدار إشارة بأنه رُفع درجة أو نال جائزة أو هبط عليه إرث ضخم من قريب منسيّ، فيحسّ أنه انتفض كما ينتفض العصفور بلّله

стр. 2350

القطر، وانتعش كما ينتعش النبات أرواه الماء، ونشط كما ينشط الجمل أُطلِق من عقال؟ ألا يكون أحدكم مرخيّ الأعصاب خامل الجسد، قد خدّره النعاس حتى ما يقدر أن يفتح عينيه، فيعدو عليه عادٍ أو يطرقه لصّ، أو يحقره إنسان فيشعل الغضب في دمه ناراً ويشدّ من أعصابه أوتاراً، فيثب يريد أن يعلو الجدار أو أن يخوض النار؟ ألا يكون أحدكم تعبان كسلان، يجرّ قدميه من الوَنَى جرّاً يظنّ أنه سيسقط على الأرض، فيلحقه عدوّ فاجر أو يطارده وحش كاسر، فإذا هو ينطلق انطلاق القذيفة من فم المدفع ويعدو عدوَ الغزال المروَّع؟ هذه -يا أيها الناس- القوّةُ المدّخَرة في أعصاب الإنسان، يُظهِرها الأمل ويُبديها الغضب ويبعثها الخوف. وفي الأمم قوة كهذه القوة، وما الأمة إلاّ الأفراد. أفلا تحسّ إن غضبتَ أو فرحت أو جزعت أن نبضك يسرع، وقلبك يخفق، ووجهك يحمرّ أو يصفرّ، وجسدك كله يتبدّل ويتغيّر؟ فكذلك الأمم: تكون الأمّة نائمة آمنة قد غلب عليها الخمول وشملها الاسترخاء، فما هي إلا أن يبعث الله لها القائد العبقري، يصرخ فيها ينذرها خطراً أو يحذّرها عدواً أو يَعِدها نصراً مؤزّراً، حتى تثب كما يثب الجندي المستريح إلى سلاحه، فتعمل العجائب وتصنع المعجزات، وتدع التاريخ حائراً من فعلها مشدوهاً. وهذه هي الأمثلة تملأ العصور وتُترِع صفحات التاريخ، الأمثلة من الشرق والغرب، من القديم والحديث، حيثما تلفّتّم وجدتم مثالاً.

стр. 2351

وهذا هو المثل الأغرّ الذي لا تدانيه الأمثلة ولا تضارعه في سموه النهضات؛ هذه القرية التي كانت متمددة وراء الرمال، نائمة في ظلمات من الجهل والجدب فوق ظلمات، لا تدري بها المدن الكبار ولم يسمع بها التاريخ، فلما هزّها بيمينه سيد العبقريين وأعظم العظماء، ومن كان في الأرض سفير السماء وكان إمام الرسل وأفضل الأنبياء، محمد ‘، صارت «المدينة المنورة» التي غدت يوماً عاصمة الأرض. هزّها فإذا هذه الرمال المحرقة التي لا تعيش فيها الحياة تُنبت السهولَ الخِصاب والرياض والجنّات في الشام والعراق، وإذا هذه القرية الضائعة تلد المدن العظام: الكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والقيروان، وإذا هذه القبائل المتفرقة تُخرِج الجيشَ الذي فتح الشرق والغرب وملك ثلث العالَم المتمدّن في ثلث قرن، وإذا هذه الأمّة الجاهلة تُنجِب الأساتذة الذين علّموا الدنيا وأرشدوا أهلها وأقاموا أعظم حضارة عرفها البشر: حضارة الخير والحقّ والجمال، لا حضارة القتل والتدمير والمصائب واليهود والبارود (والإيدز) والقنبلة الذرية! إنه لا ينقصنا لنعزّ ونسود ونسير على سنن الجدود إلاّ حرب تنبّه أو زعيم عبقري يقود. إننا لا نريد إلاّ أن يتحمّس العرب أو أن يغضب العرب أو أن يخاف العرب، فتوقظهم الحماسة أو يثيرهم الغضب أو يحرّكهم الخوف، فيرجعوا إلى ما كان سببَ عزّهم وسيادتهم وسعادتهم وصدارتهم بين الأمم، وهو القرآن. * * *

стр. 2352

والمقالة طويلة. وكتبت بعدها بهذا العنوان فقلت: «إلى السلاح يا عرب». هل تذكرون يوم ناديتكم من هذا المذياع (أعني إذاعة دمشق) وهتفت بكم: إلى السلاح يا عرب؟ لقد نقد كلامي يومئذ أقوام لأنه جاء في غير أوانه فكان صرخة في وادٍ مقفر. وكان الحقّ مع هؤلاء الناقدين؛ كان الحقّ معهم لأنني يوم ناديت هذا النداء (وكان ذلك من ثلاث سنوات) لم يكن قد طلع هذا الفجر، ولم يكن قد أشرق الأفق بالنور، وكنا لا نزال في بقية من سواد الليل، نتخبّط على غير هُدى ونمشي على غير الطريق. كنا نظنّ أن الطريق إلى المجد والظفر وإلى غسل الهزيمة ومحو العار هو طريق مجلس الأمن وهيئة الأمم، ذلك الطريق الطويل الملتوي الذي يكمن في جنباته قُطّاع الطرق واللصوص من اليهود. وقد عصينا الشيخ دُرَيداً (أعني دريدبن الصِّمّة) لمّا نصحنا فقال: أمرتُهمو أمري بمُنْعَرجِ اللَّوى ... فلم يَستبينوا النّصحَ إلاّ ضُحى الغَدِ وكان دريد العصر هو فارس الخوري، الذي رأى الجادة حين ضلّ عنها السارون فقال لنا: إن قضية فلسطين لا تُحَلّ في أروقة هيئة الأمم، ولكن تُحَلّ على سفوح الكرمل وشواطئ يافا وهضاب القدس، ولا تُحَلّ بالخطب والأشعار ولكن بالحديد والنار. وأشهد للحقّ وللتاريخ أنه قد قالها قبله رجل أعظم منه، قالها قبله عبقري العصر الذي بنى لأمته من الأمجاد ما لم يَبنِ

стр. 2353

مثلَه لأمته عظيمٌ في هذه العصور، هو عبد العزيزبن عبد الرحمن الفيصل آل سعود. إن من الحقّ أن أسجّل أنه كان أول من عرف الطريق، الطريق الذي رأيناه الآن جميعاً. الطريق الذي يوصل وحده إلى استعادة الحقّ المسلوب والنصر الضائع؛ طريق المعركة الحمراء التي لا يظفر فيها إلاّ من حمل سلاحين: سلاح الإيمان في قلبه وسلاح البارود في يده. لذلك أعود اليوم لأنادي مرة ثانية: «إلى السلاح يا عرب». أنادي أمة لم تعُد تحتاج إلى ندائي لأنه لم يبقَ فيها نائم فأوقظه، ولا ذاهل فأنبهه، ولا ناسٍ فأذكّره، ولا شحيح يضنّ بالقليل من ماله على أمّته وشرفه ودينه حتى أسخّيه وأرغّبه في البذل والعطاء. أنادي شعباً دعاه ربّه وهتف به قلبه، فلبّى قبل أن يسمع ندائي، فعلامَ إذن أعود فأصيح: إلى السلاح يا عرب؟ (إلى أن قلت): إن اليهود لديهم سلاح، ولكن اليهودي يقاتل حينما يكون في قلعة حصينة أو دبابة متينة، يستر جُبنَه بالحجارة والحديد. ولقد نبّهنا إلى هذه الظاهرة التي رآها كل من شهد معارك فلسطين قائدٌ كبير، وأفاض فيها وافتخر بأنه أول من انتبه لها، وهو طه باشا الهاشمي، وكان الحديث في فندق شط العرب في البصرة، فقلنا له (أنا والأستاذ الصواف): إنك يا باشا لم تكشف شيئاً مستوراً؛ إنها ظاهرة في اليهود، ظاهرة معروفة من قديم من نحو ألف وأربعمئة سنة، حين أنزل الله في كتابه قوله: ﴿لا يُقاتِلونكُم جَميعاً إلاّ في قُرىً مُحَصَّنةٍ أو مِنْ وَراءِ جُدُرٍ، بأسُهُم بينَهم شديدٌ﴾. فدُهش وقال: آمنت بالله، لقد نسيت هذه الآية من كتاب الله.

стр. 2354

ولو كان يتسع الوقت أو كان يجوز لي الكلام لعرضتُ عليكم من وقائع الحوادث ما تمتلئون منه عجباً مما يجري في هذه الأيام، لا في أيام الحرب، ولكنني مع الأسف لا أستطيع. ومع ذلك سأغامر وأروي لكم حادثة واحدة رأيناها في القرى الأمامية: رأينا (أنا والشيخ الصواف وفريق من أعضاء مؤتمر القدس سنة ١٩٥٣) رأينا عربياً محبوساً في مخفر عند ضابط إنكليزي، فسألناه ما شأنه؟ قال: إنه شوهد يجرّ بقرة عند الحدود، فسألوه من أين جاء بها، فتردّد وتلعثم، ثم تبيّن أنه جاء بها من الجزء الذي تحتلّه إسرائيل من فلسطين (ولا تنسوا أنني أتكلم في هذه المقالة عن فلسطين قبل ثلاثين سنة) فعجبوا منه وقال له الضابط الإنكليزي: هل تستطيع أن تأتي بغيرها؟ قال: نعم، وإن أعطيتني هذا المسدس جئت بالحارس اليهودي. فأعطاه المسدس، وغاب الرجل ساعات وحسبوه قد فرّ به، فإذا هو يطلع عليهم وأمامه بقرتان وأمامه الحارس اليهودي مكتوفاً. (وأقول الآن: إذا شككتم في هذه الحادثة التي أرويها لكم -ولديّ من أمثالها كثير- فاسألوا الأستاذ الصواف عنها وعمّن كان حاضراً هذا الحديث من أعضاء المؤتمر الإسلامي، فإنني قد شخت وصرت أنسى الأسماء، والصواف لا ينسى اسماً أبداً. أعود إلى ما قلته في هذه المقالة، قلت فيها): يجب أن تعرفوا وأن تؤمنوا أنه لم يغلبنا اليهود على فلسطين. ومتى كان اليهود يغلبون المسلمين؟ ولكن غلبتنا الدول القوية التي تحمي اليهود، الدول التي أكرهتنا على الهدنة ولم نكن نريدها. لم ننهزم نحن، وهل حاربنا حتى ننهزم؟ إنما انهزمَت فينا الأخلاق

стр. 2355

التي استوردناها من بلاد غيرنا وتركنا لأجلها سلائق عروبتنا وأخلاق ديننا. ولولا الهدنة لقذفنا بإسرائيل إلى البحر. ونحن قادرون على ذلك بعون الله، قادرون إن جدّدنا إيماننا وصدقنا إرادتنا وعدنا إلى وحدتنا واستظللنا براية قرآننا وتسلّحنا؛ فإلى السلاح يا عرب. إلى السلاح، فإن كل استقلال لا يحميه السلاح قلعة مبنية على تلّ من الملح في مجرى السيل. إلى السلاح، فإن كل حقّ لا يؤيّده فم المدفع حقّ معرَّض للاغتصاب. إلى السلاح لتحموا به إيمانكم وأوطانكم، وتدافعوا به عن أرضكم وعن عرضكم، ولتذودوا به عن أجداث أجدادكم وآثار أمجادكم. لقد كنا من عشرين سنة (ولا تنسوا أن المقالة مكتوبة من ثلاثين سنة) إذا دعونا إلى السلاح ألقت بنا الحكومة في السجن، وكان في الشام وفي لبنان وفي الساحل حكومات يتنزّل عليها الوحي من قصر الصنوبر في بيروت، وكان في كل وزارة مستشار فرنسي، والمستشار هو الوزير والوزير كاتب عند المستشار، وعلى كل رابية قلعة فيها جنود أعدّوا بنادقهم ليُفرِغوا رصاصها في صدور كل من يهتف بالاستقلال، وفي كل قلعة مدافع موجهة إلى بلدنا تترقّب همسة بالحرّية لترمي بلدنا بصواعق من بارود فتهدمه على رؤوسنا. فاحمدوا الله على أن فيها اليوم حكومات منا وإلينا إذا نادت وجدَت أبداً ملبّياً منا، وأن هذه القلاع صارت لنا بعدما كانت علينا، وأن الرجل الذي كان قائد الشعب في معركة الاستقلال في الشوارع وفي الساحات وفي المضايق والأودية أيام الثورة وكنت

стр. 2356

يوماً على رأس جماعة الطلاب نأتمر بأمره ونمشي وراءه هو رئيس جمهوريتنا اليوم (أعني شكري بك القوّتلي ﵀. فكيف كان هذا كله؟ كيف ذهبت فرنسا من هذه الديار وما كنا نظنّ أنها ستذهب؟ كيف جاءنا هذا الاستقلال؟ كلاّ، لم يكن هدية جادت بها علينا إنكلترا؛ ولكن نحن زرعناه في روابي ميسلون، وفي جنات الغوطة، وفي شعاب الجبل، وفي سهول حماة، وعلى ضفاف الفرات، وفي سفوح حلب، زرعناه بأيدينا وسقيناه بالماء الأحمر من دمائنا، وغذّيناه بمهج إخواننا وأبنائنا وأحبائنا وأجساد الآلاف من شهدائنا. وإلاّ فهل تظنونه جاء سهلاً سائغاً بلا كدّ ولا تعب؟ فأين إذن ثوراتنا، وأين صَبْرُنا عن الكسب والعمل وإضرابنا ستين يوماً متتاليات (وكان ذلك سنة ١٩٣٦ وقد سبق الكلام عنه) وأين تلك البطولات في مدن الشام كله؟ أنسيتم مقالتي «أطفال دمشق» التي تناقلَتها سنة ١٩٣٦ أربع وعشرون جريدة، وتُرجمَت إلى الفرنسية والإنكليزية فعجب مما فيها الإنكليز والفرنسيون (١)، المقالة التي لم أُبدِع فيها ولم أسمُ إلى سماء الخيال لآتي بالصور الأدبية، ولكنْ وصفتُ مشهداً كان على الأرض من بطولة أطفال دمشق، مشهد الطفل الذي هجم بالمسطرة على الدبابة وتسلّقها وهي تُطلِق النار، المشهد الذي بلغ من روعته أن الوحش الفرنسي الذي كان في الدبابة -يسوقها ليقتل بها أهل البلد ويهدم بها دورهم على رؤوسهم- تأثّر به حتى اضطُرّ أن يذكر إنسانيته التي نسيها ويفتح

стр. 2357

برجه ويقبّل الصبي ويقدّم له قطعة شكلاطة (١)؟ فهل تظنّون أن أمةً هؤلاء أطفالُها تعجز عن أن تنال استقلالها بأيديها، أو تظنّون أنها بعدما نالت استقلالها من فرنسا تعجز عن قتال هذه الحفنة من كلاب الأرض: اليهود؟ أتعجز عنهم وقد حاربنا فرنسا لمّا كانت أقوى دولة برّية في العالَم، ولم تستطع فرنسا أن تجتاز النهر الذي كان عرضه أربعة أمتار، نهر تورا، إلا بعد ثمانية عشر شهراً؟ لقد غلبنا فرنسا في معارك استمرّت سنتين، فهل نجزع من حرب اليهود؟ يا أيها الناس، إننا لم ننهزم أمام اليهود في فلسطين، ولكن انهزمَت أخلاقنا المستعارة لا أخلاقنا الأصيلة؛ انهزمنا أمام ضغط الأقوياء الذين يحمون ظهور اليهود ويمدّون بالمال وبالقوة اليهود، فإلى السلاح يا عرب؛ إلى السلاح، ابذلوا في سبيله الغالي والرخيص، إلى السلاح، بيعوا الصحن والكرسي واشتروا السلاح، وامنعوا عن أفواهكم وابذلوا للسلاح، فإنه إن كان معكم السلاح استرجعتم كل ما بذلتم، وإن لم يكن معكم سلاح لن ينفعكم كل ما ادّخرتموه. إلى السلاح، اشتروه من الشرق والغرب، اطلبوه من الإنس والجنّ. إلى السلاح يا عرب، سلاح الحديد في أيديكم، وسلاح الإيمان في قلوبكم، وسلاح الأخلاق والعلم والمال، والله معكم: إن تنصروا الله بأموالكم وأنفسكم ينصركم ويثبّت أقدامكم. * * *

стр. 2358

-١٨٣ - أسبوع التسلّح في الشام إلى الأستاذ «س. ق. م.»: نعم، لقد كانت لي صلات بالرئيس شكري بك القوتلي ﵀؛ كنت أزوره في داره، على موعد غالباً، وأحياناً أذهب إليه بلا موعد إن دعا إلى ذلك داعٍ. وكنت قد عرفته في جريدة «الأيام» لمّا أنشأَتها الكتلة الوطنية وكان شكري بك من أعضائها الظاهرين. ولمّا عدت من دير الزور سنة ١٩٤٠ متحمّساً أريد أن أعمل، وكانت لجنة الطلاب التي كنت رئيسها سنة ١٩٣١ قد تفرّقَت وتبدّلت حالها، لم أجد في الساحة من الوطنيين العاملين من رجال الكتلة إلاّ شكري بك، ولقد كتبت خبر ذلك فيما مرّ من هذه الذكريات. عرفتُه مناضلاً، وعرفته وزيراً، وعرفته رئيساً، فما تغيّر عليّ قليلاً ولا كثيراً، وإن كان غيره من زعماء الكتلة قد غيّرتهم المناصب. وكانت لي صلات قبله بالرئيس محمد علي بك العابد، والرئيس هاشم بك الأتاسي، والرئيس الشيخ تاج الدين الحسني، وجماعة من رؤساء الوزارات ومن الوزراء لا أستطيع أن أحصيهم. وكثير من الوزراء، بل ومن بعض رؤساء الوزارات، كان من إخواني أو من تلاميذي، ولعلّي أجمع ذكرياتي عنهم في حلقة أو حلقات من هذه الذكريات.

стр. 2359

فما وجه العجب في هذا؟ وهل تصدّق أنني عجبت من عجبك، ثم ذكرت أن الحالة في مصر غيرها في الشام وفي السعودية. وأقطار العرب كلها أخوات، ومصر أختنا الكبرى، ولكن الطباع تختلف بين الأشقاء، ومصر تُغلِق غالباً على الحاكم الأبواب وتُقيم دونه الحُجّاب فلا يوصل إليه إلاّ بمشقة أو بكتاب، وأبواب رؤسائنا في الشام كانت مفتوحة، ولا تزال أبواب الملوك والأمراء في المملكة هنا مفتوحة لكل داخل. لقد كنا نزور الرئيس وربما زارنا، ونكلّمه ويكلّمنا، فإذا جاءت الرسميات وقفنا معه عند حدّ القانون والأعراف. وكانت في دارنا لوحة مكتوبة بخطّ فارسيّ جميل لها إطار ثمين، فيها حكمة حفظتُها وأنا صغير ولا أزال دائماً أراها أمامي، هي: «أحسِنْ إلى مَن شئتَ تكن أميرَه، واحتَجْ إلى مَن شئتَ تكن أسيرَه، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره». فإذا كنت في غير حاجة إلى الرئيس وإلى الاستفادة من منصبه فأنت مثله. ولقد كنت أرى في زيارتي الأولى للمملكة من ثلاث وخمسين سنة (١)، أرى البدوي القادم من باديته يدخل على الملك المؤسّس العظيم عبد العزيز، فيقعد بين يديه يكلّمه كما يكلّم صديقه ويطلب منه حاجته، بل يناديه باسمه يقول له: يا عبدالعزيز! ولقد مشى على ذلك أبناؤه جميعاً، فإذا جاء موعد الطعام بُسطت الموائد ووُضعت الأطباق، وقعدوا مع الملك يأكلون معه مما يأكل منه.

стр. 2360

وهذا الملك فهد على سنّة أبيه وإخوته يلبس مثل ما يلبس الناس، واتخذ العقال الأسود الذي يتخذه الناس، وزاد على أبيه وإخوته ﵏ فاستحدث شيئاً جديداً هو هذه اللقاءات مع طلاّب الجامعات، يكلّمهم كما يكلّم الأب أولاده ويجاوبهم كما يجاوب المعلّم تلاميذه، يخاطبهم مخاطبة عفوية فيها اطّلاع وفيها نكتة وفيها فائدة ومتعة. يا أيها الأستاذ الذي كتب إليّ: أما تعلم أن قلمي ولساني مريضان، وأن مرضي هو الاستطراد؟ فلماذا فتحتَ لي الباب حتى خرجتُ عن الموضوع؟ عندي كلام كثير كثير عن الرئيس شكري بك وعن الرؤساء من قبله، ولكنني ما أنشأت هذا الفصل للقول فيه، بل للكلام عن أسبوع التسلّح الذي أبعدتَني برسالتك عنه. وسيرى قرّاء الجريدة من خبر هذا الأسبوع ما يملؤهم دهشة ويدنو بهم من غرابته إلى حد إنكار ما يقرؤون، ولكن إياكم أن تُنكِروا شيئاً منه، فإنه حقّ وصدق ما زدت فيه على ما وقع، بل نقصت منه. إن الذي صنعه الناس في هذا الأسبوع من البذل في شراء السلاح ما رأيت مثله ولا سمعته ولا قرأته، وإنه لَيخطر على بالي الآن سؤال عجيب: لو كشف الله لهؤلاء المتبرّعين طرف الستار عن المستقبَل المحجوب، ورأوا أين سيذهب هذا السلاح وأيّ يد ستحمله وإلى أيّ صدر توجّهه، أفكانوا يتسابقون إلى العطاء ويتزاحمون على البذل كما يتزاحم على الأخذ الناس؟ ولكن لماذا أقول هذا الكلام وأنا أعلم أن الأعمال بالنيات

стр. 2361

وأن لكل امرئ ما نوى؟ وهم ما نووا إلاّ أخيراً فلن يجدوا عند الله إلاّ الخير، والله عنده الميزان الحسّاس الذي تتحرّك إبرته بمثقال ذرّة تقع عليه، لا يضيع عنه شيء. لا أعني الذرّة كما فسّرها الأولون بالنملة الصغيرة أو بالهباءة التي تراها في الهواء عندما يدخل شعاع الشمس من الطاقة إلى الغرفة المظلمة، بل أعني الذرة بالمعنى العلمي (الأتوم)، بل أجزاء الذرّة من الكهارب (الإلكترونات)، وما هو أقل منها إن وصل إلى علمنا وجود شيء هو أقل منها. * * * أعود إلى الموضوع الذي قطعتني رسالتك عنه. لمّا تتالت الطلبات وتعالت الأصوات تطلب تقوية الجيش وتسليحه، وكان ذلك هو مقصد الرئيس شكري بك ومُناه، وكان في تلك الأيام رجلَ الساعة، وجد أن الخزانة تكاد تكون فارغة ليس فيها ما يفي بثمن السلاح، والميزانية ضعيفة لا تتحمل أثقال التسليح. وكان باب شراء السلاح مفتوحاً، وكان الدكتور معروف الدواليبي أول من كسر احتكار الغرب بيعَه (١) وجعلنا نهدّد أولاً بأننا سنشتريه من كل مكان ثم نحقّق ما هدّدنا به. عندئذ فكّر الرئيس بهذا الشعب الكريم، الكريم النفس واليد. لا أعني الشعب الشامي وحده بل الشعب العربي في كل بلد من بلدان العروبة، وأخصّ منهم المسلمين الذين يعلمون أن من يُنفِق واحداً سيأخذ بدله -إن أخلص النية وصدق الإيمان- سبعمئة. كان الرئيس يعلم

стр. 2362

أن هذا الشعب يُنجِده إذا استنجده، ويُمِدّه إن استمدّه، ويكون معه أبناؤه جميعاً حين يدعوهم: لا يسألونَ أخاهم حينَ يندُبُهم ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا لقد جرّبنا ذلك منهم مرات فكانت التجرِبة ناجحة دائماً، وأحسبكم لم تنسوا حديث يوم الفقير أيام الرئيس تاج الدين الحسني الذي أوردتُ عليكم خبره، وما فعلت فيه لمّا كنت قاضي النبك سنة ١٩٤٢. أعود إلى الحديث عن شكري بك وعن أسبوع التسلّح. لقد دعانا يومئذ في جملة من العاملين الذين أقاموا من أنفسهم جنوداً لهذا الوطن، يأتمرون بأمر شكري بك لا لأنه رئيس الجمهورية بل لأنه الزعيم المناضل. فبدأتُ أذيع سلسلة من الأحاديث من إذاعة دمشق، وكان لي فيها حديث دائم بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع. وعندي بحمد الله صورة مكتوبة من هذا الحديث لأنني كنت أكتب أحاديثي، وقد أدركت لمّا وجدت هذه الصورة مبلغ الخسارة بترك الكتابة وارتجال الأحاديث. ولكن ما فائدة الأسف؟ إن لي في المملكة الآن إحدى وعشرين سنة (١)، أحدّث فيها كل يوم من الإذاعة وكل أسبوع من الرائي، وأُلقي خلال ذلك محاضرات وخطباً، فكم مجلَّداً يخرج منها لو أنها كُتبت؟ وأنبّه قبل أن تقرؤوا هذا الحديث أنه أُذيع قبل أن تذهب

стр. 2363

منا بقية فلسطين، التي أعنّا اليهود على طمس اسمها فدعوناها «الضفّة». ما الضفّة يا أيها العرب؟ قولوا: «فلسطين»، وأرغموا آناف اليهود بـ «الاسم» حتى يقدّركم الله على إرغامهم بـ «الفعل». * * * وهذا نصّ الحديث الأول من الأحاديث التي أُذيعت تمهيداً لأسبوع التسلّح، أختار منه ولا أعرضه كله (١). قلت: الحديث اليوم عن أسبوع التسلّح، ولست أحدّثكم فيه استرضاء للّجنة العليا (وأذكر أنه كان من أعضائها صديقنا الأستاذ نصوح بابيل فلعلّه يكتب عنها) ولا لأن الموجّه له المعنيّ به فخامةُ الرئيس، بل لأني معتقد بأن العمل له والمشاركة فيه واجب شرعيّ وعقليّ ووطنيّ. يدعو الديّنَ إلى ذلك دينُه، والعاقلَ عقلُه، والوطنيَّ وطنيتُه، ولولا ذلك ما قلت فيه كلمة، وأنتم تعرفونني وتسمعون لي من أكثر من خمس وعشرين سنة وتقرؤون لي من ثلاثين سنة، فهل وجدتموني بعت قلمي يوماً لأحد، أو دفعَتني منفعة أرجوها أو مضرّة أخشاها إلى أن أقول بلساني ما لا يؤمن به قلبي؟ ولست أقول هذا تمدّحاً وفخراً، بل لأحملكم على تصديق ما أقوله اليوم لكم. وماذا أقول لكم؟ وهل ترونني أحتاج إلى أن أوضّح الواضحات، وأقنعكم بوجود الشمس في رابعة النهار، وأثبت لكم أن العمل على التسلّح ضرورة لازب؟

стр. 2364

وهل في هذا البلد كله، وهل في بلاد العرب، وهل في ديار المسلمين جميعاً رجل واحد يشكّ في هذه الحقيقة الظاهرة التي يراها كل من في وجهه عينان، وهي أن سلاح الخطب والتصريحات والبيانات والشكاوى لم يعُد يُفيد ولا يُجدي، وأن اللغة الوحيدة التي تفهم بها إسرائيل هي لغة المدفع، وأننا عرفنا الآن كيف نكلّم إسرائيل بهذا اللسان؟ هذا يا أيها السامعون أول قرار ستتخذه الحكومة (أعني قرار التسلّح)، فيقول لها الشعب صدقت، ونحن معك. هذا هو القرار الذي يترجم عن أفكار الناس جميعاً ويعبّر عن آرائهم جميعاً، من رجل السوق إلى موظف الديوان، إلى تلميذ المدرسة، إلى عامل المعمل وفلاح الحقل. لقد استطعت الآن أن أرفع رأسي الذي طالما أحناه الخجل في هذه السنين السبع الماضيات، الخجل من ديننا الذي يأمرنا أن نُعِدّ للعدوّ ما نستطيع من القوة من الحديد والبارود والطيارات والدبابات، فأعددنا كلاماً حرّكنا به المنابر وزلزلنا به الصحف وهززنا به أسلاك البرق! الخجل من سلائق العروبة أن تدنّسها بالعار أخلاق الهزيمة، الخجل من الله أن يرانا نبتعد نحن المسلمين عن قتال كلاب يهود بعدما قاتل أجدادنا الإمبراطوريتين اللتين ورثتا العالَم: فارس والروم. لا نقاتلهم ونحن في قلب بلادنا مدافعين عنها وقد قاتل أجدادنا فاتحين في أقصى الأرض! قصّرنا وأهملنا فكانت النتيجة هي التي ترونها في القدس وفي القرى الأمامية.

стр. 2365

هل تدرون ما حديث القرى الأمامية (وأقول لكم بأسف إن حديث القرى الأمامية صار الآن تاريخاً يُروى)؟ لقد وقفتُ في قَلْقيليَة فإذا البلدة على صخرة مقفرة، وبساتينها أمامها يضحك فيها النبت وترقص الأشجار وتغنّي السواقي. أمّا البلدة فبقيَت للعرب، وأمّا البساتين فأُعطيَت لليهود (وأقول مرة ثانية إن البساتين أيضاً أُعطيت لليهود ولا أقول أخذها اليهود). ولقد كان أهل قلقيلية يقفون معنا لمّا كنا في المؤتمر سنة ١٩٥٣ وذهبنا نزورها، كانوا يشيرون بأيديهم إلى الشجرة يقولون: أترون هذه الشجرة؟ لقد زرعتها بيدي في أرضي وتعهّدتها وسقيتها، فلما كبرَت وأثمرَت أكل ثمرَها اليهود! أترون هذه الساقية؟ لقد شققتها وأجريتها، فلما سال ماؤها عذباً سائغاً شربه اليهود! وبيوتنا التي عمّرناها بأيدينا أقام فيها اليهود، وفُرُشنا التي فرشها لنا نساؤنا نام عليها اليهود. وفي كل شبر من فلسطين بقعة حمراء من أثر الدم الزكي، دم الشهداء الذين سقطوا صرعى دفاعاً عن بيوتهم وقريتهم وعن شرفهم وعن دينهم، ودم النساء والأطفال الذين ذبحهم اليهود. لقد وقفنا في قَبْيَة على أنقاض المدرسة التي ضربها اليهود بالقنابل من سنتين فمات المعلّم والتلاميذ، ونبشنا الأنقاض، ورأينا هيكل طفل صغير يشير بيد من عظم قد فني من حوله اللحم، يفتش في الأرض عن عربي من الثمانين مليوناً، عن مسلم من الستمئة مليون (صاروا اليوم ألف مليون) ينقذه من هذه الحفنة من شُذّاذ الآفاق من اليهود، فلم يجد.

стр. 2366

لم يوجد يومئذ ولكن أرجو أن يكون قد وُجد الآن، وُجد من ينتقم لتلميذ مدرسة قبية، من يثأر للحبالى اللاتي بقر بطونَهن خنازيرُ البشر اليهود، للنساء اللائي قطع أثداءهن اليهود، للأطفال الذين ذبحهم اليهود على أعيُن أمهاتهم، لقبية ودير ياسين (ولم تكن جريمة صبرا وشاتيلا قد وقعت)، للمسجد الأقصى الذي ضربه اليهود بالبارود وأراقوا على ثراه دم الأبرياء من المصلّين، للكرامة العربية، ولعزّة الإسلام. فهل في السامعين من يشكّ أو يتردّد أو يحتاج إلى أن أرغّبه في البذل لأسبوع التسلّح؟ هل فيهم من يحتاج إلى أن أُثير في نفسه الحماسة أو أوقظ فيها الإيمان؟ هل فيهم من يُعوِزه أن أبيّن له أن ما يدفعه الآن هو الذي يبقى له يوم القيامة، وأنه بهذا العطاء سيكون من المجاهدين لأن الجهاد درجات: جهاد باللسان، وجهاد بالمال، وجهاد بالنفس؟ هل أحتاج أن أقول لكم إن الأمّة التي تكون مثلنا مهدَّدة بالعدو الغادر الجاثم على أبوابها، ولا تبذل من مالها الشيء القليل للتسلّح وللاستعداد، تذهب بذلك القليل والكثير؟ فأعطوا من أرباحكم قبل أن يذهب الربح ورأس المال. أعطوا من أجور أملاككم قبل أن تخرج من أيديكم هذه الأملاك. أعطوا من ثمرات أرضكم قبل أن تخسروا الأرض والثمرات. أعطوا من رواتبكم قبل أن تبقوا بلا رواتب. أعطوا من وفر ما تتخلّون عنه من الكماليات، فإن من لا يستغني عن الكماليات في مثل هذا المقام يُضطرّ يوماً أن يستغني مُكرَهاً عن الضروريات. من كان عنده عرس فليدع ثمن علب السكاكر ونفقات العرس التي

стр. 2367

لاداعي إليها للجان التسلّح ويُعلِن ذلك للمدعوّين، يشكره الناس ويكن قدوةً لهم في الخير. ومن كان له مأتم فليترك الآس والحنّاء وحفلات الثلاثة الأيام والأربعين وهاتيك البدع التي لا يرضاها الشرع ولا يقرّها الدين، وليدفع تكاليف ذلك للجان التسلّح، وليُعلِن ذلك للناس. ومن كان يريد أن يشتري ثوباً جديداً يمكن أن يستغني عنه أو تحفة أو لوحة فليدعها وليدفع ذلك للجنة التسلّح، وليجعل للإيصال إطاراً يعلّقه في غرفة الاستقبال مكان الصورة، وليثق أنه يكون أجمل من كل صورة فنّية. ومن كان يذهب إلى السينما ثلاث مرات في الأسبوع فليذهب مرتين وليدفع أجرة الثالثة إلى لجان التسلّح، أو فليرجع إلى عقله ودينه ويدع السينما ويَتُب منها ويجعل نفقاتها لأسبوع التسلّح. وكل ما يمكن الاستغناء عنه فلنستغنِ عنه لنجعل ثمنه سلاحاً ندافع به عن بلادنا، ونسترجع به أرضنا من عدوّنا، ونُخلِص النية فنُرضي بذلك ربنا. ويستمرّ ذلك دائماً، لا أسبوعاً واحداً، لأن الكماليات لا مكان لها في بلد مهدَّد بالعدوّ الجاثم على الأبواب. إن من حقّ الرجل أن يستريح في بيت ويستمتع بعد انتهاء عمله ويستلقي ويأخذ جريدته وقهوته، ولكن إن شبّت النار في الدار لا يبقى للمتعة والراحة مجال؛ كلاّ، ولا للطعام ولا للمنام. إن الطعام والماء من الضروريات، ولكن في حالة الخطر نترك الضروريات فكيف بالكماليات؟ إن أهل فلسطين اضطُرّوا إلى الدفاع عن أنفسهم، كل يدافع بسلاحه عن بيته وعن حريمه وعن أولاده، فاحمدوا الله أنتم على أن لكم جيشاً يدافع عنكم ولا يدع العدو يصل إلى أبواب بيوتكم، وادعوا الله أن يجعل هذا الجيش

стр. 2368

بأيدي من هو منكم مخلص لكم، لئلا يُضطرّ كل واحد منكم أن يدافع عن بيته بنفسه أو أن يهرب منه تاركاً ماله وأثاثه فيه. لا يريد منكم هذا الجيش إلاّ قليلاً من المال، قليلاً لا يزعجكم ولا يبقيكم دفعه بلا طعام. فإذا شحّت نفوسكم وغلب عليكم حبّ المال -وحبُّ المال فطرة في النفوس- فاذكروا إخوانكم من أهل فلسطين؛ مَن كان أكثر مالاً فخرج على وجهه لا يملك شيئاً. أفليس خيراً لكم أن تُعطوا قليلا ليبقى لكم الكثير، من أن لا تعطوا شيئاً ولا يبقى لكم شيء؟ وانووا عند العطاء رضا الله لا التفاخر ولا التظاهر، ولا رضا الحُكّام ولا ثناء الناس. قولوا: هذا ندفعه يا رب ابتغاء وجهك، فاخلفه علينا واكتبنا به مع المجاهدين بأموالهم في سبيلك. يا أيها السامعون والسامعات من أهل الشام: إن أرواح الشهداء تناديكم من كل بقعة في فلسطين، والدماء تصرخ بكم، وصخرة الأقصى وأمجاد الماضي والعروبة والإسلام والقرآن، كل ذلك يهتف اليوم بكم: ﴿ها أنتُمْ هؤلاءِ تُدْعَونَ لتُنفِقوا في سبيلِ اللهِ، فمنكمْ مَن يَبخَلُ، ومَنْ يبخَلْ فإنّما يبخَلُ عَنْ نفسِهِ، واللهُ الغنيُّ وأنتمُ الفقراءُ، وإن تتولَّوا يَستبدلْ قوماً غيرَكمْ ثم لا يكونوا أمثالَكُم﴾. * * * وفي يوم السبت ١٠/ ١٢/١٩٥٥ كان الاجتماع الكبير في مدرَّج الجامعة السورية (جامعة دمشق الآن)، فامتلأت مقاعدها والممرات بين المقاعد، واحتشد الناس من حولها، وسُدّت الشوارع المفضية إليها، وكان يوم كأنه يوم المحشر، وحضر

стр. 2369

شكري بك والعلماء والوجهاء ورجال الحكومة ولجنة الأسبوع، حتى كأنه لم يبقَ في الشام أحد لم يحضر حفلة الافتتاح. وأخجل أن أقول (وإن كان الذي أقوله حقاً) إن خطبتي كانت هي عماد هذه الحفلة. والخطبة مكتوبة عندي، لا أنقلها كلها إلى هذه الحلقة من الذكريات لأنها طويلة، ولكن أنقل منها ما يتسع لنقله المكان (١). قلت: أنا أمتطي صهوات هذه المنابر وأقارع الفرسان في حلبات البيان من ثلاثين سنة إلى الآن، فلم تحرن عليّ هذه الأعواد ولم تتعسّر عليّ الخطب إلاّ هذه العشيّة؛ لا لأن الأحاديث الأربعة التي ألقيتها في التسلّح (وقد نقلت إليكم واحداً منها) قد استنفدَت كل ما لديّ من صور وأفكار، بل لأن سلاح الخطيب الحماسة التي يهزّ بها أوتار القلوب والعاطفة التي يستدرّ بها دموع العيون، وأنا أنزل الليلة إلى الميدان بلا سلاح. والخطيب يُسكِر السامعين بخمرة البلاغة ويجيئهم وقد أذهب السكْر قُواهم فيُدعَون فيلبّون، وأنا أواجه الليلة سامعين صاحين لم تلعب بألبابهم نشوة البيان. وما لي وللخيال؟ ما لي وللشعر وعندي من الحقائق الواقعة ما يُغني عن حيك الأساطير؟ ذهبتُ سنة ستّ وأربعين إلى مصر، وكان الطريق على فلسطين فأقمت فيها عشرة أيام، وكان لي فيها أصدقاء من الوطنيين العاملين، فلُمتُهم على قعودهم وقيام اليهود، على قعودهم

стр. 2370

وإهمالهم جمعَ المال وشراء السلاح، فقالوا إن الأيدي منقبضة والنفوس شحيحة. قلت: لا، بل أنتم المقصّرون. قالوا: هذا تاجر من أغنى التجار، فهلمّ بنا إليه تنظر ماذا نأخذ منه. وذهبت معهم إليه في مخزن كبير حافل بالشارين، وحوله ولدان له شابّان يتفجّران صحّة ورجولة وجمالاً. وكلّمناه، وحشدتُ له كل ما أقدر عليه من شواهد الدين وأدلّة المنطق ومثيرات الشعور، فإذا كل ما قلته كنفخة وانية على صخرة راسية، ما أحسّت بها فضلاً عن أن ترتجّ منها. وقال: أنا لا أقصّر، أعرف واجبي وأدفع كل مرة الذي أقدر عليه. قلت: وهل أعطيت مثل الذي يعطي تجار اليهود؟ قال: وهل تمثّلني بتجار اليهود؟ قلت: وهل أعطيت مرة مالك كله؟ فشُده وفتح عينيه، وظنّ أن الذي يخاطبه مجنون وقال: مالي كله؟! ولماذا أعطي مالي كله؟ قلت: إن أبا بكر لمّا سُئل التبرّع للتسلّح أعطى ماله كله. قال: ذاك أبو بكر، وهل أنا مثل أبي بكر؟ قلت: عمر أعطى نصف ماله، وعثمان جهّز ألفاً ... فلم يدَعْني أكمل وقال: يا أخي، أولئك صحابة رسول الله، الله يرضى عنهم. أين نحن منهم؟ قلت: ألا ترى أن البلاد في خطر وأننا إذا لم نُعطِ القليل ذهب القليل والكثير؟ قال: يا أخي الله يرضى عليك اتركني بحالي. أنا رجل بيّاع شرّاء لا أفهم في السياسة وليس لي بها صلة، وهذا مالي حصّلته بعرق جبيني وكدّ يميني، ما سرقته سرقة، فهل تريد أن أدفعه وأبقى أنا وأولادي وأحفادي بلا شيء؟ قلت: ما نطلب مالك كله ولكن نطلب عُشره.

стр. 2371

قال: دفعت ما عليّ، ما قصّرت. وأعرضَ عنا وأقبل على عمله. يا سادة، هذه حادثة أرويها لكم كما وقعَت، ولو كان يجوز لي لعيّنتُ البلد والتاجر، ولولا أني قرأت في جريدة من الجرائد إشارة إلى قصة مثلها ما عرضت لها. ومرّت سبع سنوات، وذهبت من سنتين (أي سنة ١٩٥٣) إلى المؤتمر الإسلامي في القدس، ومررنا في الطريق بمخيَّم اللاجئين وأقبل الناس يسلّمون علينا، وإذا أنا بشيخ أبيض اللحية محنيّ الظهر غائر الصدغين رثّ الثياب، أحسستُ لمّا التقت العينان كأن قد برقَت عيناه برقة خاطفة وكاد يفتح فمه بالتحية، ثم تماسك وأغضى وارتبك كأنه يريد الفرار. فلما انتهى السلام راغ مني ودخل في غمار الناس. ولبثت أفكّر فيه من هو وأين قابلته، فما لبثت أن ذكرته، وتكشّف لي المنسيّ فجأة كأني كنت في غرفة مظلمة سطع فيها النور. إنه هو، هو يا سادة. وكلّمته فتجاهلني، فلما ألححتُ عليه اعترف. ولم أشمت به، ومعاذ الله أن يراني أنحدر إلى هذه الدرك. ولم أُزعِجه بلوم أو عتاب، ولكن كان في نظرتي ما يوحي بالكلام، لذلك استبقني فقال: لا تقُل شيئاً، هذا هو القدَر، ولو كان لله إرادة لألهمني وألهم إخواني التجار النزول عن نصف ما كنا نملك. قلت: أوَلم يبقَ لك شيء؟ فابتسم ابتسامة حزينة يقطر من حواشيها الدمع وقال: بلى، بقي الكثير؛ بقيَت الصحّة والثقة في الله، وبقي هؤلاء. وأشار إلى امرأة عجوز وطفل صغير. قلت: لا تيأس من رحمة الله. قال: الحمد لله أن جعلنا عبرة،

стр. 2372

ولكن أرجو أن يكون إخواننا في الشام ومصر والأردن قد اعتبروا بنا. ونظرت إلى الطفل فسمعت العجوز تقول له: قبّل يد عمّك. فجاء وجسده المحمارّ من البرد يبدو من ثقوب الثوب كزرّ من الورد أخذَت تتفتّح عنه الأكمام. كان بثوب رقيق ممزَّق، وأنا في المعطف الثقيل والعباءة من فوقي وأُحِسّ البرد يقرص عظامي! وأحسست بقلبي يتمزّق كتمزّق هذه الأسمال، ولم يكن معي ما أساعده به إلاّ أن نزعت العباءة فلففته بها، وقلت لنفسي: فليُسعَدِ النطقُ إن لم يسعَدِ الحالُ. ورحت أكلّمه فلم أجد إلاّ أن قلت له: أتحبّ بابا؟ أحسب أن الشيخ أبوه، فقالت العجوز للولد: قول له: بابا في الجنة. قال: بابا في الجنة. أعادها بلهجته كأنه ببغاء ليس يدري ما يقول، فسكتُّ حائراً ملتاعاً. ثم أردتُ أن أقطع حبل الصمت بأيّ كلام فقلت: فماذا تصنع الآن؟ قال: إنني أوفّر لأشتري السكّين لأذبح اليهود كما ذبحوا بابا. وسكت اللسان ونطقَت العيون؛ لقد بكيت وبكى الحاضرون جميعاً، ومشيت وأنا لا أبصر من الدموع طريقي. * * * وقبل أن أختم هذه الحلقة لأكملها في التي تليها أسارع فأقول إن هذا التاجر لا يمثّل الفلسطينيين، وإنما هو البقعة السوداء في الثوب الأبيض، كان هو الشاذّ بينهم وليس هو القاعدة لهم. وأشهد أن لقد بذل الفلسطينيون (إلاّ قليلاً منهم) من دمائهم ومن أموالهم ما لا يبذل أكثرَ منه قومٌ مثلهم. * * *

стр. 2373

إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com

стр. 2374

المحتويات الحلقة (١٥٦) كيف قابلت عبد الحميد السراج بعد الخطبة التي هزّت دمشق ... ٥ الحلقة (١٥٧) صلاة الاستسقاء المشهودة في الشام ... ١٩ الحلقة (١٥٨) خرجنا للاستسقاء فاستجاب ربّ السماء ... ٣٣ الحلقة (١٥٩) تعليق على مقالة وجواب على رسالة ... ٤٣ الحلقة (١٦٠) قصّة الوحدة والانفصال ... ٥٧ الحلقة (١٦١) نظرة في أسباب الانفصال ... ٧٣ الحلقة (١٦٢) عندما زعمت الصحافة الناصرية أني ذُبِحت ... ٩١ الحلقة (١٦٣) التفاصيل التي حبكت بها الصحف الناصرية روايتها عن قتلي ... ١٠٧ الحلقة (١٦٤) عودة إلى رحلة الشرق ... ١٢٣ الحلقة (١٦٥) إن الشجى يبعث الشجى. لماذا أتحدث عن بنان وأنا أرثي شكري فيصل؟ ... ١٣٥ الحلقة (١٦٦) على الطريق إلى أندونيسيا ... ١٥١ الحلقة (١٦٧) جاكرتا وفندقها الكبير ... ١٦١ الحلقة (١٦٨) سويسرا ليست في أورُبّا ... ١٧٣ الحلقة (١٦٩) جمال يعجز عن تصويره البيان ... ١٨٧ الحلقة (١٧٠) لوحات حية من حياة أندونيسيا ... ٢٠٣

стр. 2375

الحلقة (١٧١) معركة أدبية كانت نتيجتها دعوى قضائية ... ٢١٥ الحلقة (١٧٢) أندونيسيا والإسلام ... ٢٣٣ الحلقة (١٧٣) أندونيسيا بين عسف اليابانيين ونكث البريطانيين ... ٢٤٩ الحلقة (١٧٤) بدأت أندونيسيا إسلامية، فمن أين يأتيها البلاء؟ ... ٢٦٥ الحلقة (١٧٥) خواطر وصور عن التربية والمدارس ... ٢٨٣ الحلقة (١٧٦) ما الذي يجعل تعليم الأمس أكثر رسوخاً رغم مساوئه؟ ... ٢٩٩ الحلقة (١٧٧) من ذكرياتي في التعليم وتربية البنات ... ٣١٥ الحلقة (١٧٨) ملاحظات عن المحاماة والمحامين والقضاء والقضاة (١) ... ٣٢٩ الحلقة (١٧٩) ملاحظات عن المحاماة والمحامين والقضاء والقضاة (٢) ... ٣٤١ الحلقة (١٨٠) أخبار غير قضائية في محكمة دمشق ... ٣٥٣ الحلقة (١٨١) صور ومشاهد من ساحات القضاء ... ٣٦٩ الحلقة (١٨٢) يوم أغرّ من أيام دمشق ... ٣٨٣ الحلقة (١٨٣) أسبوع التسلّح في الشام ... ٣٩٩

стр. 2376

ذكريات علي الطنطاوي الجزء السابع طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزريع

стр. 2377

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الخامسة ٢٠٠٦ دار المنارة للنشر والتوزريع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 2378

-١٨٤ - افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق يوم ٢/ ٤/ ١٣٧٥هـ مرّ على هذا اليوم ثلاثمئة وخمسة وسبعون شهراً، ولكنه ماثل أمام ناظري أراه الآن كما رأيته يوم كان؛ لا لأن لي ذاكرة قوية لا تنسى، بل لأنه كان يوماً عظيماً لا يُنسى. والذي ميّزه أمران: الأول أنه واحد من الأيام التي ظهر فيها الجوهر الثمين المكنون في صدور هذه الأمّة، أمّة محمد ‘. والثاني: أنه كان في عهد (قصير) من العهود القليلة التي كان فيها الشعب والحكومة يمشيان في طريق واحد إلى غاية واحدة، أو كانا -كما يقولون في هذه الأيام- في خندق واحد. وبيان ذلك أنني (وقد أكملتُ من أيام التاسعة والسبعين من عمري) (١) لم أكَد أجد في بلدي إلاّ حكومات لا يراها أهل البلد منه، بل يعدّونها بعيدة عنه عدوّة له، متربّصة به تكيد له، من عهد الاتحاديّين الأتراك: جمال وأنور وطلعت ووزير المالية اليهودي دافيد الذي سمّى نفسه جاويد، وأصولهم من الدونمة من اليهود

стр. 2379

الذين أظهروا الإسلام. ثم جاء غورو وخلفاؤه من المفوّضين الفرنسيين الذين حكموا بلادنا وهم غرباء عنا، لا دينهم من ديننا ولا لسانهم من لساننا ولا نحن منهم ولا هم منا. ثم جاءت عهود بكينا في أكثرها منها، ثم بكينا بعدها عليها لمّا ابتُلينا بما هو أشدّ منها. لم أشعر بأن الحكومة حكومتنا إلاّ في أيام معدودات، منها أيام الشريف فيصلبن الحسين في الشام (وإن كان لي وكان للإسلام في ثورة أبيه الحسين كلام)، ومنها هذا العهد مِن حُكم شكري بك القوتلي، العهد الذي كان فيه أسبوع التسلّح. وأنا هنا أمثّل ولا أستقصي. والثانية: أني كتبت من قديم أقول (ولست أحفظ الألفاظ ولكن أسوق المعاني): إن لكل أمة يوماً تنشط فيه روحها وتظهر فيه شمائلها وتبدو عظمتها، ولكن هذا اليوم يستفرغ طاقتها ويستنفد ذخيرتها، فلا ترى بعده مثله: مقدونيا لمّا قادها الإسكندر المقدوني، القائد العظيم الذي يُخطئ ناسٌ فيحسبونه ذا القرنين الذي شرّفه فذكره القرآن. الإسكندر الذي مشى بجيشه إلى أقصى الشرق فاتحاً، وامتدّ ظلّ رايته على هذا الركن من الدنيا قروناً، ثم لم يُذكَر اسم مقدونيا في تاريخ المعالي والأمجاد بعده كما لم يُذكَر قبله. وكذلك اليونان، ملكت يوماً زمام الفكر البشري ثم فقدته ولم تمسكه مرة أخرى. حتى روما التي أقامت مُلكاً قلّ ما يسامقه من الممالك، لم يعُد لها مثل ذلك الملك ولم يعُد يظهر فيها أولئك القُوّاد العظام: يوليوس وأوغسطوس. وعدوّة روما التي

стр. 2380

نازلتها وكانت يوماً قريعتها وأوشكت أن تظفر بها، وما هي إلاّ مستعمَرة فينيقية صغيرة قادها القائد البطل «هاني بعل» فجعلها تنازل روما، هي قرطاجة التي تقع اليوم في أرض تونس، برق لها بارق مجد ثم اختفى. ونابليون وهتلر، ومن قبلهما شارلمان وشارلكان، ومن بعدهما الإمبراطورية النمساوية، وبريطانيا العظمى التي لم تعُد عظمى والتي غابت عنها الشمس وما كانت تغيب من قبلُ عن أملاكها، وما ترون الآن من سلطان الروس والأمريكان ... لكلّ أمّة يوم تنهض فيه، تكون قبله نائمة وترجع بعده إلى المنام، إلاّ أمّة محمد ‘؛ فإن البطولة سجيّة فيها، تجري في عروقها، تخالط روحها، فكلما أدركها ليلٌ وظنّ الناس أنها قد انتهت أرجعها صفاءُ الليل إلى نفسها فحاسبَتها، وسدّت الثلمات في قلعتها، وجدّدَت من عتادها، وأصلحت ما بينها وبين ربها، فطلع عليها بعد الليل فجرُ نهار جديد. وهذا الذي ورد من أن الله يبعث لهذه الأمة كلما طال عليها الأمد وقسَت منها القلوب مَن يجدّد لها دينها، لا يأتيها بدين جديد فإن محمداً ‘ خاتم الرسل ودينه آخر الأديان، ولكن يُزيل عنه ما علق به من البدع والأدران، فيعود جديداً كما يعود الثوب الوسخ إن مسّته يد الغسّال ومشت عليه كف الكوّاء. * * * أعود الآن لأصل ما قطعتُ في الحلقة الماضية، ولن أروي لكم خطبتي كلها بل أنقل فقرات أخرى منها. حدّثتكم حديث

стр. 2381

الطفل الذي هَدَته فطرته إلى التفكير في توفير الفلوس القليلة التي تقع في يده ليشتري بها سكّيناً ينتقم به لأبيه (١). فهل هدتنا عقولنا إلى شراء السلاح لنثأر به للوطن المسلوب، والعرض المستباح، والدم المُهراق؟ لقد كنت أرانا نتلقّى بوجوهنا ضربات اليهود فلا نملك إلاّ أن نذهب إلى مجلس الأمن، كما يذهب الولد المدلَّل الناعم إلى المعلّم يقول: أستاذ هذا ضربني! ويكون المعلم مشغولاً عنه فيصرفه بحركة من يده ويقول له: اذهب أنا سأؤدبّه، وهوى المعلم مع الضارب لا مع المضروب. نحن العرب، نحن المسلمين، نحن أبناءَ مَن فتح الدنيا، نحن سلائل الأبطال الأماجيد، يكون أقصى جهدنا أن نشكو إلى مجلس الأمن: يا مجلس الأمن أدركنا، إن اليهود اعتدوا علينا؟! ويبحث مجلس الأمن ويناقش، ثم إذا أدرنا ظهورنا وانصرفنا مدّوا ألسنتهم لنا ساخرين بنا. كنت أحني رأسي حياء وأفتّش عن قبر أواري فيه وجهي، ثم أرتدّ حياء من رُفات الجدود أن تطّلع عليّ من جوانب القبر. وكنت أتحرّق وأقول: متى نذكر رجولتنا؟ متى نستعدّ للمعركة الحمراء بالحديد والنار؟ متى نُثبِت للدنيا أننا لا نزال أبناء المعامع وفرسان الحروب؟ متى نقف على أرجلنا ونعتمد بعد الله على أنفسنا، ونعلم أنه لا ينفعنا إلا السلاح؟

стр. 2382

لقد كنت أخاف أن أموت قبل أن أرى ذلك اليوم، فالحمد لله لقد رأيته. هذا اليوم السعيد، هذا العيد المجيد، عيد يقظة العرب. اليوم استيقظ العرب حقاً وفارقت عيونَهم آخرُ بقية للنعاس، وإذا استيقظ العرب فقط استيقظ المسلمون. اليوم كتبنا السطر الأول من تاريخ أمجادنا الحديث. اليوم استبشر الكبير والصغير، والغني والفقير، والمالك والأجير، وأجمعت الأمة كلها برجالها ونسائها على تأييد أسبوع التسلّح. إن في المصائب ما هو أكبر من مصيبتنا في فلسطين، وإن كان حديث مصيبتنا في فلسطين أشدّ صحائف تاريخ العدوان البشري سواداً. هل تعرفون ما هو؟ هو أن تجهلوا أقداركم وتحقروا نفوسكم، وألاّ تعرفوا تحت الشمس مكانكم. * * * والخطبة طويلة لا أريد أن أُعيد الآن روايتها، لكن أريد أن أذكر لكم شيئاً من أثرها. لقد كتبتُ عنه مقالة هي الآن أمامي قلت فيها (١): أما والله لولا أنني أصف مشاهد لم يمرّ عليها أسبوع، ولا تزال في عيون الناس وأسماعهم، ولا يزال حديثها على ألسنتهم، ولا تزال روعتها في قلوبهم، لحسبوا أني أتخيّل ولقال القائلون

стр. 2383

منهم: نحن نستحبّ صور الخيال ولكن إن بلغَت في الغلو هذا المبلغ صارت من المُحال. ولو رُويَت لي ولم أكن رأيتها بعينَي رأسي لم أصدقها ولو كان راويها أصدق الناس! لقد كنا في حفلة الافتتاح كالمساجين، لا نملك خروجاً من المدرَّج لأن الأبواب كلها قد سدّتها أجساد الناس، والطرق المُفضية إليها قد سدّتها أجساد الناس، كنا محبوسين من رئيس الجمهورية والعلماء والرؤساء والوزراء إلى آخر من كان حاضراً معنا فيها، وامتدّت الحفلة خمس ساعات متتاليات والناس يقاتلون ليدخلوا إليها. كنت أعلم وأنا أخطب في بداية الحفلة أن هذا الشعب سيستجيب وأنه سيلبّي وأنه سيُقبِل على البذل والعطاء، ولكني كنت أقلّب النظر في وجوه الحاضرين فلا أرى من أهل المال إلاّ عشرين أو ثلاثين، فكان أقصى أملي أن يُعطي هؤلاء وحدهم ثم ينتهي الفصل ويُرخى الستار. فلم تكَد تنتهي الخطب ويبدأ العشرة الكبار من رجال المال بالتبرّع، وتُذكر عشرات الآلاف، بل تُذكر مئة الألف أحياناً، ويترقّب الناس أمثال هذه الأرقام الكبار، حتى كانت مفاجأة ما كان يتوقّعها أحد وما استطاع أن ينجو من دهشتها أحد: رجل عامّي يبدو عليه الفقر، يقوم من غمار الناس ليصل إلى لجنة الجمع، فيمنعه الشرطة فلا يمتنع، بل يغامر ويتقدم حتى رآه الرئيس فأشار إليهم أن يتركوه، فتركوه فوصل، فإذا هو يُقسِم أن بنته مريضة في الدار وأنه لا يملك إلا الليرات الخمس التي استقرضها ليشتري بها لبنته الدواء، فلما رأى الاجتماع دخل ومدّ يده به ليتبرّع بها ليوم التسلّح.

стр. 2384

ففتح بذلك الباب لهذه المكرمات التي زادت هذا الوطن شرفاً إلى شرفه، ورفعته في عيون أهله وعيون الناس فوق رفعته. وجاء جندي من جنود الدرك (الشرطة) مرتَّبه مئة وخمسون ليرة في الشهر كله، فوقف أمام الرئيس وضرب قدماً بقدم، وسلّم السلام العسكري، ثم قدم مئة ليرة. ويأتي طفل صغير بمطمورته التي يجمع فيها قروشه فيقدّمها كلها متبرّعاً بها! وأنا قاعد على المنصّة أرى هذا كله بعيني، ويتزاحم الناس على منصّة اللجنة ويتدافعون، والرابح من استطاع أن يصل إليها وأن يُعطي ما بيده، كأنه يحمل جمرة يريد أن يُسرِع بالتخلّص منها. وتتوالى مشاهد لم يرَ الناس ولم يسمعوا، ولم يقرؤوا في كتب التاريخ ما يماثلها أو يدانيها. ولا أسجّل هذه المشاهد كلها. وأنّى؟ وليست عشراً ولا عشرين ولكنها بلغت المئات. صدّقوني فإنني أكتب لكم بقلم المُخبِر الصادق لا بقلم الشاعر المبالغ. إنها مشاهد هؤلاء الذين لم يمنعهم المطر المنهمر في تلك الليلة كأفواه القِرَب، ولم تمنعهم الريح الباردة التي كانت تلسع الوجوه بأمثال السياط، من أن يزدحموا على الباب يبتغون الوصول. وقد حسبهم الشرطة قد جاؤوا للتفرّج فجعلوا يدفعونهم، لم يدروا (ولم يكن أحد ليدري) أنهم ما خرجوا من بيوتهم في هذا الليل البارد ولا وقفوا على الباب تحت المطر المنهمر ولا زاحموا إلاّ ليعطوا ويبذلوا. لقد كان هذا الأسبوع امتحاناً لهذا الشعب وسلائقه واستعداده

стр. 2385

للتضحية والجهاد، فنجح كما ينجح -لو كان في مكانه- كل شعب عربي مسلم. نجح فقراؤه وأوساطه نجاحاً مُفرَداً ليس له نظير. لقد ضربوا -كما يقول الرياضيون- كل رقم قياسي وسبقوا كل سابق، حتى كان منهم من فعل مثل فعل الصحابة الأوّلين. نجح فقراؤه وأوساطه، أما الأغنياء فقد سقط أكثرهم في هذا الامتحان. وهل يتصوّر إنسان أن يكون في روائع البذل والكرم أعجب مِن صُنع هذا الحمّال العجوز، الذي كدح حياته كلها يحمل الأثقال على ظهره والهموم في قلبه حتى جمع عشرة آلاف ليرة، جمعها في ستّين سنة فجاء يبذلها كلها للتسلّح. صدقوني فإنني أدوّن وقائع لا أضرب في متاهات الخيال. لقد بذل راضياً في لحظة واحدة ثمرة تعب ستّين سنة. وهاتان العجوزان اللتان لا تملكان من الدنيا إلاّ الدار التي تسكنان فيها، فلما سمعتا بالدعوة إلى البذل للتسلّح جاءتا بسند التمليك. بسند التمليك يا ناس! تبرّعتا بالدار التي لا تملكان غيرها. أرجو أن تقفوا قليلاً لتتصوّروا مبلغ هذه التضحية. إنكم تعرفون أن النساء في العادة أكثر إمساكاً وأقبض يداً من الرجال، فإن كُنّ عجائز (والعفو من سيداتي القارئات العجائز) ازداد إمساكهن وحرصهن. وجرّب -إن شئتَ الدليل- أن تُقنع عجوزاً غنية أن تنزل لك عن مئة ليرة. إنك تجد صعوبة في إقناعها وربما عجزت عنه، فكيف جادت هاتان المرأتان بكل شيء؟ أيّ حماسة بالغة دفعَتهما إليه؟ إنه الإيمان يا سادة. إنهما ما بذلتا الدار،
следующие страницы →