الطفل الذي هَدَته فطرته إلى التفكير في توفير الفلوس القليلة التي تقع في يده ليشتري بها سكّيناً ينتقم به لأبيه (١). فهل هدتنا عقولنا إلى شراء السلاح لنثأر به للوطن المسلوب، والعرض المستباح، والدم المُهراق؟
لقد كنت أرانا نتلقّى بوجوهنا ضربات اليهود فلا نملك إلاّ أن نذهب إلى مجلس الأمن، كما يذهب الولد المدلَّل الناعم إلى المعلّم يقول: أستاذ هذا ضربني! ويكون المعلم مشغولاً عنه فيصرفه بحركة من يده ويقول له: اذهب أنا سأؤدبّه، وهوى المعلم مع الضارب لا مع المضروب.
نحن العرب، نحن المسلمين، نحن أبناءَ مَن فتح الدنيا، نحن سلائل الأبطال الأماجيد، يكون أقصى جهدنا أن نشكو إلى مجلس الأمن: يا مجلس الأمن أدركنا، إن اليهود اعتدوا علينا؟! ويبحث مجلس الأمن ويناقش، ثم إذا أدرنا ظهورنا وانصرفنا مدّوا ألسنتهم لنا ساخرين بنا.
كنت أحني رأسي حياء وأفتّش عن قبر أواري فيه وجهي، ثم أرتدّ حياء من رُفات الجدود أن تطّلع عليّ من جوانب القبر. وكنت أتحرّق وأقول: متى نذكر رجولتنا؟ متى نستعدّ للمعركة الحمراء بالحديد والنار؟ متى نُثبِت للدنيا أننا لا نزال أبناء المعامع وفرسان الحروب؟ متى نقف على أرجلنا ونعتمد بعد الله على أنفسنا، ونعلم أنه لا ينفعنا إلا السلاح؟
стр. 2382
لقد كنت أخاف أن أموت قبل أن أرى ذلك اليوم، فالحمد لله لقد رأيته. هذا اليوم السعيد، هذا العيد المجيد، عيد يقظة العرب.
اليوم استيقظ العرب حقاً وفارقت عيونَهم آخرُ بقية للنعاس، وإذا استيقظ العرب فقط استيقظ المسلمون. اليوم كتبنا السطر الأول من تاريخ أمجادنا الحديث. اليوم استبشر الكبير والصغير، والغني والفقير، والمالك والأجير، وأجمعت الأمة كلها برجالها ونسائها على تأييد أسبوع التسلّح.
إن في المصائب ما هو أكبر من مصيبتنا في فلسطين، وإن كان حديث مصيبتنا في فلسطين أشدّ صحائف تاريخ العدوان البشري سواداً. هل تعرفون ما هو؟ هو أن تجهلوا أقداركم وتحقروا نفوسكم، وألاّ تعرفوا تحت الشمس مكانكم.
* * *
والخطبة طويلة لا أريد أن أُعيد الآن روايتها، لكن أريد أن أذكر لكم شيئاً من أثرها. لقد كتبتُ عنه مقالة هي الآن أمامي قلت فيها (١):
أما والله لولا أنني أصف مشاهد لم يمرّ عليها أسبوع، ولا تزال في عيون الناس وأسماعهم، ولا يزال حديثها على ألسنتهم، ولا تزال روعتها في قلوبهم، لحسبوا أني أتخيّل ولقال القائلون
стр. 2383
منهم: نحن نستحبّ صور الخيال ولكن إن بلغَت في الغلو هذا المبلغ صارت من المُحال. ولو رُويَت لي ولم أكن رأيتها بعينَي رأسي لم أصدقها ولو كان راويها أصدق الناس!
لقد كنا في حفلة الافتتاح كالمساجين، لا نملك خروجاً من المدرَّج لأن الأبواب كلها قد سدّتها أجساد الناس، والطرق المُفضية إليها قد سدّتها أجساد الناس، كنا محبوسين من رئيس الجمهورية والعلماء والرؤساء والوزراء إلى آخر من كان حاضراً معنا فيها، وامتدّت الحفلة خمس ساعات متتاليات والناس يقاتلون ليدخلوا إليها.
كنت أعلم وأنا أخطب في بداية الحفلة أن هذا الشعب سيستجيب وأنه سيلبّي وأنه سيُقبِل على البذل والعطاء، ولكني كنت أقلّب النظر في وجوه الحاضرين فلا أرى من أهل المال إلاّ عشرين أو ثلاثين، فكان أقصى أملي أن يُعطي هؤلاء وحدهم ثم ينتهي الفصل ويُرخى الستار. فلم تكَد تنتهي الخطب ويبدأ العشرة الكبار من رجال المال بالتبرّع، وتُذكر عشرات الآلاف، بل تُذكر مئة الألف أحياناً، ويترقّب الناس أمثال هذه الأرقام الكبار، حتى كانت مفاجأة ما كان يتوقّعها أحد وما استطاع أن ينجو من دهشتها أحد: رجل عامّي يبدو عليه الفقر، يقوم من غمار الناس ليصل إلى لجنة الجمع، فيمنعه الشرطة فلا يمتنع، بل يغامر ويتقدم حتى رآه الرئيس فأشار إليهم أن يتركوه، فتركوه فوصل، فإذا هو يُقسِم أن بنته مريضة في الدار وأنه لا يملك إلا الليرات الخمس التي استقرضها ليشتري بها لبنته الدواء، فلما رأى الاجتماع دخل ومدّ يده به ليتبرّع بها ليوم التسلّح.
стр. 2384
ففتح بذلك الباب لهذه المكرمات التي زادت هذا الوطن شرفاً إلى شرفه، ورفعته في عيون أهله وعيون الناس فوق رفعته. وجاء جندي من جنود الدرك (الشرطة) مرتَّبه مئة وخمسون ليرة في الشهر كله، فوقف أمام الرئيس وضرب قدماً بقدم، وسلّم السلام العسكري، ثم قدم مئة ليرة. ويأتي طفل صغير بمطمورته التي يجمع فيها قروشه فيقدّمها كلها متبرّعاً بها! وأنا قاعد على المنصّة أرى هذا كله بعيني، ويتزاحم الناس على منصّة اللجنة ويتدافعون، والرابح من استطاع أن يصل إليها وأن يُعطي ما بيده، كأنه يحمل جمرة يريد أن يُسرِع بالتخلّص منها. وتتوالى مشاهد لم يرَ الناس ولم يسمعوا، ولم يقرؤوا في كتب التاريخ ما يماثلها أو يدانيها.
ولا أسجّل هذه المشاهد كلها. وأنّى؟ وليست عشراً ولا عشرين ولكنها بلغت المئات.
صدّقوني فإنني أكتب لكم بقلم المُخبِر الصادق لا بقلم الشاعر المبالغ. إنها مشاهد هؤلاء الذين لم يمنعهم المطر المنهمر في تلك الليلة كأفواه القِرَب، ولم تمنعهم الريح الباردة التي كانت تلسع الوجوه بأمثال السياط، من أن يزدحموا على الباب يبتغون الوصول. وقد حسبهم الشرطة قد جاؤوا للتفرّج فجعلوا يدفعونهم، لم يدروا (ولم يكن أحد ليدري) أنهم ما خرجوا من بيوتهم في هذا الليل البارد ولا وقفوا على الباب تحت المطر المنهمر ولا زاحموا إلاّ ليعطوا ويبذلوا.
لقد كان هذا الأسبوع امتحاناً لهذا الشعب وسلائقه واستعداده
стр. 2385
للتضحية والجهاد، فنجح كما ينجح -لو كان في مكانه- كل شعب عربي مسلم. نجح فقراؤه وأوساطه نجاحاً مُفرَداً ليس له نظير. لقد ضربوا -كما يقول الرياضيون- كل رقم قياسي وسبقوا كل سابق، حتى كان منهم من فعل مثل فعل الصحابة الأوّلين. نجح فقراؤه وأوساطه، أما الأغنياء فقد سقط أكثرهم في هذا الامتحان.
وهل يتصوّر إنسان أن يكون في روائع البذل والكرم أعجب مِن صُنع هذا الحمّال العجوز، الذي كدح حياته كلها يحمل الأثقال على ظهره والهموم في قلبه حتى جمع عشرة آلاف ليرة، جمعها في ستّين سنة فجاء يبذلها كلها للتسلّح.
صدقوني فإنني أدوّن وقائع لا أضرب في متاهات الخيال. لقد بذل راضياً في لحظة واحدة ثمرة تعب ستّين سنة.
وهاتان العجوزان اللتان لا تملكان من الدنيا إلاّ الدار التي تسكنان فيها، فلما سمعتا بالدعوة إلى البذل للتسلّح جاءتا بسند التمليك. بسند التمليك يا ناس! تبرّعتا بالدار التي لا تملكان غيرها.
أرجو أن تقفوا قليلاً لتتصوّروا مبلغ هذه التضحية. إنكم تعرفون أن النساء في العادة أكثر إمساكاً وأقبض يداً من الرجال، فإن كُنّ عجائز (والعفو من سيداتي القارئات العجائز) ازداد إمساكهن وحرصهن. وجرّب -إن شئتَ الدليل- أن تُقنع عجوزاً غنية أن تنزل لك عن مئة ليرة. إنك تجد صعوبة في إقناعها وربما عجزت عنه، فكيف جادت هاتان المرأتان بكل شيء؟ أيّ حماسة بالغة دفعَتهما إليه؟ إنه الإيمان يا سادة. إنهما ما بذلتا الدار،
стр. 2386
ولابذل الحمّال ثمرة جهد العمر، ولا أعطى كل من أعطى إلاّ ابتغاء ثواب الله. إنها لغة الدين، فإن خاطبتم المسلمين بغيرها لم يفهموا عنكم ولم تصلوا إلى ما تريدون منهم.
والعشرات من الفتيات. العشرات؟ بل المئات والله، اللواتي نزعن أساورهن من أيديهن وأقراطَهنّ من آذانهن وجُدْنَ بها.
ولقد رأيت بعيني ورأى أعضاء اللجنة بعض هذه المشاهد من الحاضرات في المدرَّج. وأنتم تعلمون أن المرأة قد تقطع الخبز عن فمها لتجعل الذهب في يدها، فكيف جادت به وبذلت راضية؟ إنها جادت به لتأخذه أضعافاً مضاعفة: سبعمئة ضعف، وربما زاد ما أخذت عن السبعمئة: ﴿كَمَثَلِ حَبّةٍ أنْبتَتْ سَبْعَ سَنابلَ، في كلِّ سُنْبُلةٍ مئةُ حبّةٍ، واللهُ يُضاعفُ لِمَنْ يشاءُ﴾. وهذه الفلسطينية التي جاءت يومئذ لاجئة لم تجد ما تجود به، فحملت قِدرها التي تطبخ بها وثلاثة أثواب لها وثلاثين ليرة لا تملك غيرها، ووضعت ذلك بين أيدي لجنة التبرّع.
وليست في ذلك وحدها؛ لقد أعطى كثيرون كل ما يملكون. هذا بائع النفط مرّ «الكشّافون» الذين يجمعون التبرّعات على عربته التي تجرّها دابّته، يبيع منها ليعشّي أهله وأولاده، فسألوه التبرّع، فأخرج درجه وفيه حصيلة يومه كله وصبّه بين أيديهم. لا تحسبوها خيالات شاعر ولا صناعة روائي أديب، إنها والله حقائق رأيت شيئاً منها ورأى المئاتُ سائرَها. أعطاهم كل ما كان في الدرج، كل ما كان يملك في الدنيا من مال. وهل لهذا البيّاع من مال إلاّ ما يجمع في يومه؟
стр. 2387
والموسيقيّ الفقير الذي لم يكن يملك من دنياه إلا قيثارته، يناجيها ويسارّها ويُلقي بصدره على صدرها يبثّها شكوى نفسه ويُفرِغ فيها أحزان فؤاده. جاء بها فوضعها على المنصّة (وأنا أرى) ومشى. وأحسستُ -من غير أن أكلّمه- أنه مشى كما يمشي المُحبّ الذي ينصرف من جنازة حبيبته بعدما واراها التراب! وبطل الدرّاجات الذي جاء بدرّاجته وهي له كالآلة للموسيقيّ، هي خليلته ونجيّته وشقيقة روحه، فتنازل عنها لأسبوع التسلّح.
وهذا المثل الرائع -في إنكار النفس والإخلاص لله وابتغاء ثوابه وحده- مَثَل ضربه تاجرٌ من دمشق، تبرّع بخمسين ألف ليرة وحلّف اللجنة الأَيْمان الغِلاظ ألاّ تبوح باسمه (فما باحت باسمه، وإن كنتُ عرفته من ذلك اليوم وامتثلت لرغبته فلم أذكره لأحد، أمّا الآن وقد مضى على الحادثة ثلاثون سنة يجوز فيها إعلان الأسرار وكشف المخبّآت -كما تصنع الآن بريطانيا بوثائقها- الآن أستطيع أن أبوح باسمه رحمة الله عليه؛ إنه الحاجّ مسلم دياب). تصوّروا هذا الرجل يسمع الثناء على هذا المتبرّع المجهول فيملك نفسه، لا تحرّكه الأثرة حتى يقول: أنا ذلك المجهول. ويجد آخرين ينتحلون هذه المزيّة لأنفسهم أو لأصحابهم فيُعلنون أن هذا المجهول هو فلان أو فلان، لناس ما دفعوا شيئاً، وهو الذي دفع خمسين ألفاً (كانت في تلك الأيام أكثر من خمسة ملايين في أيامنا)، كان يسمع ويسكت ولا يقول شيئاً، ويلقى من يلومه على أنه لم يُعطِ عطاء الكرام فلا يقول لهم: لقد أعطيت وأنا صاحب تلكم الخمسين.
(رحمة الله عليك يا أيها الحاجّ مسلم دياب، وما أكثر في
стр. 2388
عامّة هذه الأمة من لا يعرفه أحد من أمثالك وأشباهك).
ماذا أصف وماذا أعدّد، وهذه المواقف قد جلّت عن الحصر؟
هذا مشهد ما أظنّ أن في المشاهد ما هو أروع منه: رجل ضرير شحّاد جاء هو وابنه الطفل المشلول يتلمّس طريقه، يُرشِده هذا الولد المسكين الذي كان يجمع نفسه ثم يقفز على ساقَين نحيلتين مقوَّستين تحسبهما عَصَوَين (مثنّى عصا)، حتى إذا بلغ المنصّة وضع عليها سبع ليرات.
سبع ليرات فقط، ولكنها أعظم بسبع مرات، بسبعين مرة، من كل ما دفع الأغنياء وما أعطت المصارف والشركات. سبع ليرات هي طعامه ولباسه ودواؤه، هي حياته وحياة ولده جاد بها. لقد كانت جماهير الناس كلما شاهدت واحدة من هذه الروائع صفّقَت وهتفت حتى تحمرّ الأكُفّ من التصفيق وتُبَحّ الأصوات من الهتاف، ولكنها صمتت حيال هذا المشهد. صمتت حتى ليُسمَع في المكان الرحيب وَجيبُ القلوب، صمتت لأن الصمت هنا أدلّ على الإعجاب من كل هتاف.
وهذه أرملة لم يبقَ لها من زوجها الضابط في الجيش العثماني إلاّ سيفه العسكريّ، فلما كان أسبوع التسلّح جاءت به، فقطعت آخر ذكرى تربطها بمواضي أيامها، بعهد العزّ والغنى إذ الشمل مجتمع والدهر بسّام والعيش رغيد، وولّت مُدبرة تستقبل وحدها ليالي الفقر السوداء.
وهؤلاء المرضى الذين جاؤوا من أسرّتهم في مستشفى
стр. 2389
الجامعة إلى القاعة القريبة التي فيها الاجتماع وفيها منصة التبرّع، يحملون ما وصلت إليه أيديهم من مال أو متاع، لم تشغلهم أوجاعهم عن تلبية داعي الله لمّا دعاهم إلى الجهاد بالمال.
ومرضى مستشفى ابن النفيس (مستشفى السلّ) الذين تبرّعوا بثمن البيض مدة أسبوع التسلّح، ولم يستطع الطبيب أن يُقنِعهم بالاكتفاء بيوم واحد إلاّ بجفاف الريق وشقّ النفس. وأنتم تعرفون أن البيض هو حياة أولئك المسلولين شفاهم الله، هو حياتهم وقد جادوا بها. لا، لا أستطيع أن أعلّق على هذا الخبر. إني قد عجزت، وأنا مُقِرّ بعجزي، ولن أدّعي بعد اليوم أنني من فرسان الكلام وأنني من أرباب الأقلام.
لقد تكوّمَت على المنصة أكوام من ساعات اليد ومن الأقلام ومن الأساور، ولقد قُدّمت مئات من آلات التصوير والرّوَادّ (جمع رادّ أي راديو) والدرّاجات والمسدسات والأحذية وأنواع الثياب وكل ما في البيوت من غالٍ ورخيص حتى ملأت كل فراغ على المنصّة وحولها. لقد خلع كثيرون من الشباب أرديتهم لأنهم لم يجدوا ما يُعطونه غيرها وخرجوا يستقبلون برد الليل. وكان شيء لا يوصف، وإن وُصف لا يكاد يُصدَّق.
ومن أعجب ما رأينا في هذا الأسبوع (وكل ما رأينا عجب) ما صنع السجناء. نزلاء السجون لم تحُلْ الأسوار ولا الأبواب بينهم وبين المشاركة في هذا الواجب، ولم تدفعهم كراهة الجند الذين يسدّون عليهم منافذ الحرية من أن يُعطوا ما عندهم لمساعدة الجند على التسلّح. وماذا ترونهم أعطوا؟ أعطوا -والله- لُحُفهَم
стр. 2390
وأرديتهم لأنهم لا يملكون غيرها وناموا على أرض السجن بلا غطاء. اللهمّ إن هذا شيء يكبر عن التعليق. وما هم وحدهم، لقد قُدّمت مئات من الفُرُش واللحُف ومن ثياب العرس ومن خواتم الزواج.
وطالت حفلة الافتتاح ساعات، وكان المذياع يحمل إلى البيوت كل ما كان فيها من أصوات، وسرَت الحماسة من هذا البهو إلى أطراف دمشق كلها، فجفا الرجالُ والنساء والأطفال بيوتَهم في هذه الليلة الشاتية العاصفة وتسابقوا إلى منصة التبرّع، وسرت إلى البلاد البعيدة، فتعاقبَت الهواتف من مَرْجِعْيون ومن حلب تُؤذِن بتبرّع مَن فيها.
وأنا أحلف أن لو كان يُوزَّع عند هذه المنصّة المال يُعطى جزافاً لما كان الناسُ أسرعَ إليها وأزحمَ عليها ممّا كان في تلك الليلة. وكان يُسمع من المذياع صوت أعضاء اللجنة يرجون الناس أن ينتظروا دورهم ولا يتزاحموا فلا يستجيب أحد ولا ينتظر، فلما طالت صاح عريف الحفلة يرجو راحة خمس دقائق، خمس دقائق فقط ليستريح فيها أعضاء اللجنة من تعب الأخذ، لا ليستريح الناس من تعب البذل فما تعب من البذل أحد. ورُفض الرجاء وتتابعت التبرّعات، فهل سمع أحد بمثل هذا؟
أنا أعرَف الناس بطيب عنصر هذا الشعب، وأنا الذي يكتب من أكثر من ربع قرن (المقالة مكتوبة سنة ١٩٥٥) أمجّد سلائقه ومزاياه، وأنا الذي جعل هذا موضوع خطبته في حفلة افتتاح الأسبوع، ومع ذلك دُهشتُ. دُهشت واللهِ ممّا رأيت. فكيف كان
стр. 2391
هذا كله؟ كيف اندفع الناس إليه وما كانت الدعاية لهذا الأسبوع كافية؟ لا والله ولا كان ترهيب ولا إكراه، ولو كان إكراه لكان على الأغنياء الذين قصّروا، وقصّروا، وقصّروا ... أعيدها ثلاثاً للتوكيد.
ما كان هذا بفعل بشر ولكنه بدافع إلهيّ.
وأعجب الحوادث كلها (وما أدري أيها أعجب) أن غنياً معروفاً ضنّ إلاّ بالقليل، فقدم ثلاثة آلاف وهو يقدر أن يدفع ثلاثة ملايين، فقام موظف صغير من بين الناس فذهب إلى اللجنة وقال: إن مرتّبي في الشهر مئتان وخمسون ليرة فقط، وهاكم تنازلاً عنه لمدّة سنة، أتنازل عن ثلاثة آلاف هي موردي في العام كله أصبر عنها أنا وأهلي ولو عشنا على الخبز القفار، بشرط أن تردّوا على هذا الغني آلافه الثلاثة وأن ترموا بها في وجهه!
* * *
بيدي الآن قطعة من جريدة قد اصفرّت من القِدَم، أحسبها جريدة «الأيام»، على وجهها قطعة من خطبتي وعلى قفاها بيان من لجنة الأسبوع (وأظن أنه كان من أعضائها الصديق الأستاذ نصوح بابيل) فيه أن حصيلة حفلة الافتتاح مليون وسبعمئة ألف وستمئة وثلاثون ليرة، عدا الحليّ والساعات وأسناد التمليك ومختلف المتاع.
يا سقى الله الشام وتلك الأيام!
* * *
стр. 2392
-١٨٥ -
من أخبار العلم والعلماء في دمشق
قبل نصف قرن
أنا أغبط (ولا أحسد، فما الحسد من شأني)، أغبط الذين يرجعون في ذكرياتهم إلى مذكّرات مكتوبة (كما يفعل الأستاذ أكرم زعيتر، ويشير إلى ذلك في بعض مقالاته) أو إلى صحف مطبوعة (كما يفعل الأستاذ نصوح بابيل، إذ يرجع إلى جريدته ومجموعتها تحت يده)، وأتمنى لو كنت مثلهم ولم أُضطرّ إلى الاعتماد على الذاكرة وحدها. ولو رجعتُ إليها أيام قوّتها وحِدّتها لأسعفتني وما خذلتني، ولكن جئتها بعدما شابت وشاخت وكلّت وعجزت، كما كَلّ صاحبُها وعجز:
جاءَ الزّمانَ بنوهُ في شَبيبتِهِ ... فَسَرَّهُمْ وأتيناهُ على الكِبَرِ
من أجل هذا أفرح إن وجدت بطاقة أو كتاباً رسمياً أو قيداً لحادثة يفتح عليّ باباً للذكريات التي أُغلقت في وجهي أبوابُها وانقطعت في يدي أسبابها، وليس حولي مَن يُعينني عليها ويذكّرني بها. وقد وجدت اليوم كتابين كنت ربطتهما معاً، أنقلهما بما فيهما من عبارات، لا تؤاخذوني إن كان فيها ما يُشبِه المدح لي.
стр. 2393
الأول: "دار العلوم في بغداد رقم ٤٨٨، حضرة الأستاذ علي الطنطاوي مدرس تاريخ الأدب في دار العلوم. يُرجى تشريفكم دار العلوم مساء الأحد ٣١ كانون الثاني سنة ١٩٣٧ (٢٠ ذي القعدة سنة ١٣٥٥هـ) في الساعة الرابعة والنصف زوالي، لحضور مجلس المدرسين الذي سينعقد للنظر في لائحة النظام. الإمضاء: فهمي المدرس، مدير دار العلوم". والكتاب مكتوب بخطّ الأستاذ الكبير فهمي المدرس ﵀، وهو خطّ رقعيّ جميل. وكان يكتب رسائله كلها بخطه لا يُحيلها على الطابعة لتطبعها.
والكتاب الثاني: "الكلية الشرعية الإسلامية بدمشق، رقم ٣٧/ ٨، لفضيلة الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي. قرّرَت عمدة الكلية الشرعية إسناد درس الثقافة للصفّين الخامس والسادس لعهدتكم، فأرجو تشريفكم للكلية الشرعية يوم السبت الآتي الواقع ١ ربيع الثاني سنة ١٣٦٣هـ (٢٥ آذار سنة ١٩٤٤م) للمذاكرة مع حضرتكم لتعيين الوقت، ودمتم باحترام. الإمضاء: مدير الكلية الشرعية محمد حسن الشطي".
ولست أتكلم عن الكتاب الأول فقد سبق ذكره عندما سردتُ ذكرياتي في بغداد، لكنني أقف عند الكتاب الثاني الذي أجعله مدخلاً إلى حلقة اليوم. لقد فتح عليّ باباً لا أستطيع أن أدخله حتى أجوز دهليزاً طويلاً جداً، فسيروا معي فيه، ولا تقولوا خرجتَ عن الموضوع فكلها ذكريات، وفي كل ذكرى صورة من الماضي، وفي بعضها صفحة لم تُكتَب من التاريخ.
* * *
стр. 2394
كنا وأنا صغير نسكن في دار ما فيها إلاّ غرفتان علويتان تحتهما مجلس، وساحة صغيرة ليست كصحون الدور الكبيرة التي يغطّي أرضَها المرمرُ ويزيّن جدرانَها الرخامُ تعرش عليه الدوالي وأغصان الياسمين في وسطه البِركة يفور ماؤها ... لم يكن في دارنا شيء من ذلك، بل كانت داراً صغيرة من دور الفقراء هي من أوقاف جامع التوبة. سكنّاها ثلاثين سنة، وسكنها بعدنا لمّا انتقلنا منها الشيخ الكافي التونسي ثلاثين أخرى. كنت كلما نزلت صباحاً من الغرفة وجدت في مجلس أبي جماعة من المشايخ يحفّون به في أيديهم الكتب؛ يشرح هو ويستمعون هم. أذكر منهم الشيخ الفقيه الحنفي والقارئ المجوّد الشيخ عبد الوهاب الملقّب «دبس وزيت»، والشيخ الفقيه عبد الرزاق الحَفّار، وأخاه الأكبر الشيخ محمود الحفار، والشيخ محمود العَقّاد، والشيخ الداعية هاشم الخطيب، وأخاه الشيخ عبد الرحمن خطيب جامع بني أميّة، وإخواناً لهم ذهبوا كلهم إلى رحمة الله ولم يبقَ منهم إلاّ رجل في المدينة المنورة هتف بي من قريب ولم يُكتب لي لقاؤه، هو الشيخ عبد الحكيم عثمان، وأحسب أنه صاحب فندق في المدينة المنورة.
أقول إنني كلما صحوت وجدتهم، فأبكّر فأجدهم مهما بكرتُ حاضرين، لا أدري متى يجتمعون. فكنت أقول لنفسي: لعلّهم ينامون عندنا، يأتون بعد أن آوي إلى الفراش ويُمضون الليل كله، فإذا صحوت وجدتهم مجتمعين.
كانوا يقرؤون عليه هذا الدرس في الصباح، ثم يذهب طائفة منهم معه إلى جامع التوبة ويأتي آخرون ينضمّون إليهم، فيكون لهم درس آخر. ولست أحقّق الآن موضوع ذلك الدرس
стр. 2395
لأنني كنت أذهب إلى مدرستي فلا أحضره. وكان له درس آخر في جامع التوبة بين العشاءين يبدأ بعد صلاة المغرب وينتهي قبل صلاة العشاء.
ولم يكن ذلك شأن أبي وحده، فلقد عرفتُ -بعدُ- أن جملة من العلماء كانت لهم في منازلهم وفي مساجدهم مثل هذه الدروس. كانت مدارس، لكن ليس لمدرسيها رواتب يقبضونها ولا على طلابها أجور يدفعونها. منهم جارنا الشيخ أبو الخير الميداني، وهو شيخي ورفيق أبي في الطلب وزميله في القراءة على الشيخ سليم المسوتي (الألباني). وعندي للشيخ أبي الخير الميداني ولبعض مَن سأذكر في هذه الحلقة ذكريات تملأ حلقة أو حلقتين عن كل واحد منهم، ومنهم مَن أستطيع أن أُملي في سيرته وفي أخباره مما هو عالق بذهني ومرويّ عن الثقات الصادقين ما يملأ أربع صفحات إلى أربعين، ولعلّي -إن قدّر الله- أعود إليها فأكتبها أو أكتب بعضها.
ولمّا مات أبي ونزلنا من الصالحية على سفح قاسيون وعدنا إلى حارتنا هذه الأولى، قرأت على الشيخ الميداني الكتب التي كانوا يقرؤونها في النحو، وهي شرح الشيخ خالد الأزهري، والقَطْر، والشُّذور، وشرح ابن عقيل. أمضينا فيها سنوات طوالاً، وكانت للشيخ أبي الخير الميداني طريقة في تدريس النحو يُفهم بها الغبي ويُنطق العيِيّ، أحسب أني أشرتُ إليها.
ومن عيوبي في هذه الذكريات أنني أكتب الحلقة وليس أمامي صورة مما كتبت قبلها، لأن أوراقي مشوّشة مختلطة، فإن قمت أفتّش فيها حتى أصل سلسلة الكلام انقطعَت -كما يقولون-
стр. 2396
سلسلة الأفكار ونضب مني مَعين القول، ونسيت ما أعددت في ذهني. حتى إن القلم لينكسر في يدي (وأنا في العادة أكتب بقلم الرصاص) فإذا ذهبت أبريه أو أطلب قلماً غيره طار ما كان في رأسي!
وممن كانت لهم دروس من جيراننا (وما كان أكثر العلماء والمدرسين في حارتنا!) الشيخ محمود ياسين ﵀ ورحمهم جميعاً، وفي الطبعة التي ستصدرها قريباً دار المنارة في جدة من كتابي «رجال من التاريخ» كلام عنه. ومنهم شيخنا مفتي الشام وأستاذنا في كلية الحقوق، الطبيب المتخرج في كلية الطبّ، حمل شهادتها وتعلّم الفرنسية من أجلها على كبر، وهو شيخنا الشيخ أبو اليسر عابدين، الذي كان أبوه من قبله الشيخ أبو الخير عابدين مفتي الشام، وكان أبي أمينَ الفتوى (أو من أمناء الفتوى) عنده، وهو الذي أشرف على طبع «رسائل ابن عابدين»، وأحسب أنه كان عمَّ أبيه.
ولقد ظهر في هذه القرون الثلاثة علماء لا يُحصيهم العدّ، ألّفوا مؤلّفات لا يُحيط بها الحصر، ولم يكن في هؤلاء جميعاً -على أغلب الظنّ- من هو أوثق في الفقه وأنفذ فيه فكراً من ابن عابدين، الذي كتب الله لمؤلّفاته أن تكون أكثر الكتب ذيوعاً وأعمّها نفعاً، وأن تكون حاشيته المشهورة عمدةَ المُفتين في المذهب الحنفي من أكثر من مئة سنة، لا يضارعها في تحقيق مسائلها وفي إقبال الناس عليها كتابٌ من كتب الفقهاء المتأخرين في المذهب الحنفي، على بعض العُجمة في أسلوبها وبُعده عن الأسلوب العربي النيّر الذي تجدون مثاله في كتاب «المبسوط»
стр. 2397
للسَّرَخْسِيّ الحنفي أو في كتاب «الأم» للإمام الشافعي.
كان الشيخ أبو اليسر فقيهاً حنفياً متمكناً وكان نموذجاً كاملاً لعلماء القرن الماضي. وإن قلت «علماء القرن الماضي» عنيت أنهم في الغالب علماء رواية، يعرفون ما في الكتب فإن سألتَهم عن مسألة فيها دلّوك عليها لأنهم قتلوها بحثاً، وقد سمعتُ منه أنه قرأ الحاشية وأقرأها أكثر من ثلاثين مرة. والحاشية في خمس مجلّدات كبيرة (جمع مجلّدة). ووجدت مصداق ذلك لمّا كنت مستشاراً في محكمة النقض في سوريا ثم محكمة القاهرة أيام الوحدة؛ كنا في الجلسات التي تعقدها المحكمة في دمشق تعرض لنا مسألة فقهية، فأستأذن الرئيس بأن أهتف بالشيخ أبياليسر، وكان مفتي الشام، فإذا سألته عنها أجابني فوراً ودلّني على المرجع، أو استمهل مدة لم تكن تزيد أبداً عن ربع ساعة ودلّنا على الكتاب الذي نجدها فيه. فكان الرئيس والمستشارون يُدهَشون من ذلك ويُكبِرونه.
وكان للشيخ أبي اليسر مكتبة من نوادر المكتبات الخاصّة في الشام، فيها نُسَخ مُفرَدة لا ثاني لها من المخطوطات، منها ما استخرجه صديقنا بل أستاذنا الأستاذ عزّ الدين التنوخي من كتب في اللغة لأبي الطيّب اللغوي، نشرها -على ما أظن- المجمع العلمي في دمشق.
وكانت للشيخ أبي اليسر دروس لا تقلّ عن الأربعة أو الخمسة كل يوم: دروس في الصباح قبل الشمس في جامع الورد في سوق صاروجا، ودروس بين العشاءين، ودروس في الليل.
стр. 2398
وكان كثير التأليف؛ طبع له ولده (وهو عالِم فاضل، وهو الآن مدير دائرة الإفتاء في الشام) كتاباً واحداً منها هو «أغاليط المؤرّخين».
وعلى رأس من يُلقي هذه الدروس، ومن كان مجلسه مدرسة دائمة، شيخ دار الحديث وشيخ علماء الشام الشيخ بدر الدين الحسني. وعلى هذه الطريقة شيخُنا الشيخ محمد بهجة البيطار، الذي لم يكن يردّ سائلاً إذا سأله من ماله أو سأله من علمه. وكان يُلقي كل يوم دروساً في جامع الدقّاق، وهو المسجد الجامع لحيّ المَيدان، أحد الأحياء الكبيرة في الشام، وفي المسجد الصغير الذي يواجه داره. وقد سار في ذلك على طريقة شيخه عالِم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي. ومن فقهاء الحنفية الذين كانوا يُلقون أمثال هذه الدروس الشيخ نجيب كيوان، وكثيرون لست أستطيع الآن أن أجمع ذهني لإحصائهم.
ومن فقهاء الشافعية الذين كانوا يُقرئون التلاميذ ويُلقون الدروس الشيخ الجوبري، الذي كان يُعَدّ في عصره أفقه شافعي في الشام. ثم الشيخ العالِم العامل الواعي الشيخ صالح العقّاد، وهو عارف بأحوال الناس مطّلع على المعاملات المالية الجديدة كاطّلاع الشيخ عارف الجويجاتي، لأنه كان من التجار، وكان من الذين استغنوا عن رواتب الدولة.
وأعرف من هؤلاء جماعة أمثّل لهم بالشيخ عبد الحميد القنواتي قبل أن يترك التجارة ويتفرّغ للتدريس بالكلية الشرعية، والشيخ موسى الطويل، والشيخ أحمد القَشْلان، والشيخ شريف النّص، الذي كانت له مكتبة خاصّة تُعَدّ من أكبر المكتبات في
стр. 2399
دمشق أودت بها نيران الفرنسيين لمّا ضربوا الشام أيام الثورة السورية. وقد سمعت أنه جدّد ﵀ أكثرها. وولده شاعر سطع نجمه حيناً ثم انقطع عني خبره، وولده الأكبر من صدور التجار ومن طلبة العلم.
ومن فقهاء الشافعية الذين كانت لهم دروس منظَّمة ثم تحوّلت إلى مدرسة أنشأها هو، الشيخ حسن حَبَنّكة. وكان له تلاميذ عُني بأوائلهم أكثر العناية وعكف معهم على الجِدّ الذي ما بعده في العلم جدّ، فنبغ منهم جماعة أمثّل لهم ولا أعدّهم، منهم ولده الشيخ عبد الرحمن، والشيخ الدكتور مصطفى الخن، والشيخ القارئ الجامع حسين خطاب، ومن أنبغ مَن قرأ عليه الدكتور سعيد رمضان البوطي.
وممن كان لهم في الصحوة الإسلامية وفي النشاط العلمي في الشام أعظم الأثر الشيخ عبد الكريم الرّفاعي. وهو رجل مخلص متواضع منكر لذاته عامل لله، وهو الذي بدأ بما دُعي اليوم «إحياء رسالة المسجد». وأظنّ أني قد عرضتُ لخبره في بعض أحاديثي في الإذاعة أو في الرائي؛ ذلك أنه رأى يوماً واحداً من طلاّبه يُعين اثنين من تلامذة المدارس على استذكار دروسهما، فسُرّ به وأعجبه صنيعه وسأله: هل ترضى أن تُلقي مثل هذا الدرس على عدد أكبر من التلاميذ ابتغاء ثواب الله، بلا أجرة تأخذها مني ولا منهم؟ قال: نعم. قال له: فاجتهد أن تجعل موعد الصلاة منتصف الدرس، حتى إذا أذّن المؤذّن قمت أنت إلى الصلاة، فمَن كان منهم مواظباً عليها استعدّ لها وقام معك إليها، ومَن لم يقُم فلا تقُل له شيئاً، ولا تُجبِره على الصلاة إجباراً ربما فتح
стр. 2400
للشيطان سبيلاً إليه فنفّره منها. فإذا قمتم أنتم وبقي قاعداً ورأى الناس ينظرون إليه استحيا منهم ومن الله فصلّى.
وسأل طلاّبه (وكان كثير منهم من المدرّسين في المدارس المتوسطة والثانوية) هل يقبلون أن يُلقوا دروساً خاصّة مجّانية، والطلاب دائماً يرغبون فيها ومنهم من يعجز عن دفع أجرتها، فقالوا: نعم. فصار في المسجد مدرسة تُلقى فيه العلوم التي تُدرَّس في المتوسطات والثانويات، من بعد صلاة العصر إلى المغرب. وكان من ذلك أن أقبلوا كلهم على صلاة الجماعة، وأطالوا البقاء في المسجد فحضروا بعض الحلقات التي تُقام فيه، فتعلّموا علوم الدنيا وعلوم الدين ونشؤوا جميعاً من الصالحين المصلحين.
وممن كان له عمل في تعليم الدين ثم أنشأ مدرسة لها منهج وفيها طلاّب الشيخُ صالح فَرْفور، وقد مرّ ذكره لمّا وكّلتُه عني وأنا معلم في مدرسة سَقْبا الأولية في الغوطة وذهبتُ لأداء امتحان كلية الحقوق، ولمّا مرضت وأنا مدرس في الكلية الشرعية في بيروت فناب عني فيها.
وهو رجل عصامي كان على طريقة علماء السلف، يعمل بالنجارة ويتكسّب منها ولا يمدّ يده إلى رواتب الدولة ولا عينه إلى أموال الأغنياء. ولو راجعتم كتاب «صناعات الأشراف» لوجدتم له أمثالاً كُثراً كانوا مصابيح هداية لسالكي هذا الطريق الذي أتمنى أن يكثر سالكوه، فيستغنوا بكسب أيديهم من صناعاتهم أو تجاراتهم عن خزانة الدولة وعن أموال الأغنياء. ولولا حاجة العلماء لهذه الأموال ما زال ناس منهم عن أماكنهم ولا نزلوا عن منازلهم.
стр. 2401
وقد نبغ من تلاميذه جماعة منهم الشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ رمزي البزم الذي كان عندنا في المدرسة الأمينية الابتدائية تلميذاً ما كنا نرجو منه خيراً فكتب الله له الخير، وأرجو أن يكتبه الله لولده عبد اللطيف فيمشي على هذا الطريق السويّ، فيعتني بالجوهر قبل المظهر ولا يتسرّع بنيل المشيخة قبل أوانها.
والشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ حسن حبنكة وغيرهم كلّهم مِن غَرْس يد الشيخ علي الدقر، وكلهم من تلاميذه. ومنهم الفقيه الشافعي الشيخ البصروي والمؤرّخ الشيخ نايف. والشيخ علي من تلاميذ الشيخ بدر الدين شيخ علماء الشام ﵏ جميعاً.
أمّا فقه الحنابلة فمن تبع سِيَر علمائه وجد أن أربعة أخماسهم من ديار الشام، هم الذين نشروا المذهب وهم الذين وطّدوا أركانه وهم الذين ألّفوا كتبه، وعلى رأسهم آل قُدامة، ومنهم الشيخ الموفَّق صاحب «المغني».
انتهى فقه الحنابلة على أيامي إلى المشايخ من آل الشَّطّي، فكان أجلّهم الشيخ حسن الشطي، وهو الذي فتحتُ هذه الحلقة بكتابه إليّ لمّا كان مدير الكلية الشرعية في دمشق. وكان قبل ذلك قاضياً في النّبْك، ثم صار قاضياً لدوما، ثم صار قاضي الشام. وقد قلت لكم من قبل أن الله شرّفني بأن جعلني خلفاً له في هذه المحاكم الثلاث. ومنهم مفتي الحنابلة العالِم المخلص الجريء الأديب الشيخ جميل الشطي.
أما المذهب المالكي فكان فقهاؤه في الشام قلّة، وكان أوثقهم وأكثرهم عليه اطّلاعاً هو الشيخ الكافي التونسي، وإن
стр. 2402
كان يستعمل ذاكرته في نقل النص ولا يعمل عقله في الاستنباط منه، ﵀.
والأستاذ عبد الغني الباجِقْني، وكان مدير مدرسة ابتدائية ولكنه عالِم أديب لم أعرف إلاّ قلة من الناس -على كثرة مَن عرفت في البلدان التي مشيت إليها- يقاربونه في بيانه وفي فصاحة لسانه وفي سعة اطّلاعه وفي سرعة استحضاره. وهو ثاني إخوة سبعة كلهم كان معلّماً عاملاً، أبوهم من طرابلس الغرب، ليبيا (أو هي كما كانوا يدعونها «لوبيا»)، وكانت له حلقة درس في جامع الشيخ مُحيي الدين، كنت أحضرها أحياناً فأجد فيها فائدة ولكن لا أجد شيئاً جديداً.
وكان من العلماء من انقطع للقرآن قراءة وإقراء وكان مجلسه مدرسة للقرآن، على رأسهم الشيخ محمد الحلواني شيخ القرّاء. ولقد سمعت في الشام وفي مصر وفي الحجاز وفي البلاد التي مشيت إليها قرّاء للقرآن لا يُحصَون، فلم أكَد أجد فيهم من هو أصحّ مخارج للحروف وأضبط أداء وأعرَفَ بالأحكام من الشيخ الحلواني هذا. وكان له أولاد كلهم نشأ قارئاً مجوّداً، حتى إن منهم طبيباً كانت له عيادة ناجحة وكان يقرأ القرآن ويُقرئه. وما أجمل أن يجمع العالِم بين الطب والقراءة أو بين المنصب وبين التجويد. وقد عرفتُ هنا الشيخ حسن الشاعر، شيخ القرّاء في الحجاز، الذي أخذ عنه واقتبس منه أكثر مَن يقرؤون، وقد بلغني (ولست أدري ما مدى صحّة الخبر) أن ولده، وزير الإعلام، قارئ مجوّد تلقّى القراءة عن أبيه فأحسن التلقّي، وهذا مما يفتخر به ويحمد الله عليه.
стр. 2403
والشيخ الحلواني جمع القراءات على طريقة الشاطبية. كما جمعها الشيخ عبد الله المنجّد (والد صديقنا الأديب المؤلّف الدكتور صلاح الدين) على طريقة الطيّبة، وخلفه فيها تلميذه الشيخ عبده العربيلي.
* * *
هذا والله العمل، وهذا هو أساس بناء الأمة المسلمة؛ إنه البذرة التي تُلقى في الأرض الخصبة. والبذرةُ لا يبدو غصنها ولا يظهر ولا تُخرِج ورقها ولا تؤتي ثمرها من أول يوم، ولكن لا بد منها. فإذا أردتم أن تروا أمة مسلمة تنحو منحى الأجداد وتسلك سبيل المسلمين الأولين الأمجاد فعليكم بالصغار. لقّنوهم من صغرهم الإسلام، بلا ضجّة ولا إعلان ولا طبل ولا زمر. اهدوا الواحد والاثنين بلا خطب ولا دعاية، فلأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من كل ما في الدنيا. الواحد يجرّ الواحد فيصيران اثنين، والاثنان يأتيان باثنين. أليس هذا هو الطريق الذي سلكه رسول الله ﵊ لنشر الإسلام؟ فقد دعا إلى ما يشبه المحاضرة مرة واحدة يوم جمعهم عند الصفا، فردّ عليه أبو لهب بتلك الكلمة الفاجرة، فقمعه الله بسورة لا نزال نتلوها في صلاتنا ندعو بها عليه إلى يوم القيامة: ﴿تبَّتْ يدا أبي لهبٍ وتَبَّ﴾.
من الواحد والاثنين ينتشر الدين ويسود الخير. إن الذين يدعون إلى الله بلا ضجّة ولا إعلان هم المجاهدون، هم الجنود المجهولون، هم الذين بنوا هذا الصرح العلمي الذي ردّ عنا
стр. 2404
أمداً طويلاً هجمة الإلحاد والفساد. لقد كانوا يعملون وحدهم لا يريدون أن يراهم الناس ليهتفوا لهم، بل أن يراهم الله فيثيبهم ويُدخلهم الجنّة عرّفها لهم. إنهم لم يكونوا يعرفون الأساليب التي جدّت في الدراسة ليتبعوها ولا الغزوات الفكرية الأجنبية ليردّوها، ولكنهم عملوا كل ما قدروا عليه.
إن العلوم التي أخذناها منهم كانت عدّة لنا، لنا نحن الذين عرفوا هذه الأساليب فطبقناها عليها وهذه الغزوات فاستعملناها في ردّها. كانوا يعملون لله، فجزاهم الله في الدنيا رفعة ومجداً وجعل الناس يُقبِلون عليهم ويرجعون في أمورهم إليهم.
إن الأمة الخاملة صفّ من الأصفار. ما قيمة صفّ من الأصفار؟ ولكن إنْ بعث الله لها «واحداً» مؤمناً صادق الإيمان داعياً إلى الله خبيراً بأساليب هذه الدعوة، صار صفّ الأصفار مع الواحد مئة مليون، والتاريخ مليء بالشواهد على ما أقول.
لقد كان العاملون بالعلم من العلماء كثيرين، ولكنهم كانوا مختلفين لا يكادون يتّحدون. وحين عاد الشيخ كامل القصاب من منفاه سنة ١٩٣٧ (لمّا صدر العفو العامّ عنه وعن إخوانه) جمع العلماء ودعاهم إلى نبذ الاختلاف، فمشت معه الجمعيات الإسلامية والدعاة والمشايخ، ولكن شذّت عنه «الجمعية الغرّاء» وكان بينهم الخلاف.
هل تعرفون ما سبب هذا الخلاف؟ الشجرة يظهر ساقها وتبدو فروعها، ولكنها تُخفي في الأرض مثلَها جذوراً ممتدّة لولاها لما قام الساق ولا امتدّت الفروع. كذلك نجد للأحداث
стр. 2405
أسباباً بادية لعلّها تكون أحياناً تافهة، وأسباباً حقيقية خفية لولاها لما كان هذا الحدث. السبب الظاهر في الخلاف قضية تافهة لا تقدّم ولا تؤخر، تلك قضية الإطعامية في التكيّة السُّليمانية. والتكية السليمانية (التي تُعَدّ اليوم من أجمل الآثار في دمشق) بناها السلطان سليمان القانوني على أنقاض القصر الأبلق الذي كان للملك الظاهر بيبرس، أما التكية الصغرى المجاورة لها فقد بناها أبوه السلطان سليم، الذي دخل الشام ونقل الخلافة إلى الترك في إسطنبول.
وقف السلطان سليمان على التكية أوقافاً جليلة كان موردها أيام الرخص أكثر من ألف ليرة عثمانية من الذهب. أكتب هذا من حفظي، ولا تثقوا به كثيراً ولعلّ المبلغ كان أكثر من ذلك. والوقفية مصدَّقة أيام الفرنسيين من أعلى مرجع قضائي هو محكمة التمييز، ومن جملة هذا الوقف طعام (حساء) يُوزَّع على طلبة العلم، لا يسيغونه ولا يألفونه ويتعبون في الحصول عليه، ففكّر (١) في توزيع ثمنه بدلاً منه، فيأكل الطلاّب ما يشتهون يحصلون عليه بلا تعب ويوفّر على الدولة أجور إعداد الطعام ومتاعب توزيعه، وأبت الجمعية الغرّاء إلاّ التمسّك بحرفية الوقفية وتوزيع الطعام مطبوخاً.
هذا هو السبب الظاهر للخلاف، أما السبب الخفي الحقيقي ففي الحلقة الآتية إن شاء الله.
* * *
стр. 2406
-١٨٦ -
فتنة التجانية في الشام
السبب الحقيقي هو قضية التّجانية (١). بل إن هذه القضية ثمرةٌ لاختلاف العقليات كما يقولون في التعبير الحديث، عقلية الشيخ كامل القصاب وعقلية الشيخ علي الدقر.
الشيخ كامل سياسي، مارس السياسة وعرف ظواهرها وبواطنها، وخبر الحياة حلوها ومرّها، وعاش في مصر وفي فلسطين وفي الحجاز وخالط الناس، ثم إنه سلفي العقيدة واقعي التفكير، يقرأ كل كتاب ويطّلع على كل جريدة أو مجلة تصل إليه، وله مشاركة في الأدب ويحفظ كثيراً من الشعر.
والشيخ علي الدقر صوفي مثالي، لا يُكثِر مخالطة الناس ولا يكاد يعرف واقع حياتهم، يعيش في دائرة ضيّقة لا تجاوز
стр. 2407
بيته ومسجده وكتبه التي قرأها وأقرأَها لا ينظر ولا يحبّذ النظر في غيرها، بين أصحابه وتلاميذه الذين يستمعون منه ما يلقيه عليهم ولا يحدّثونه في غيره، إلاّ أن يسألهم فيجيبوه جواب التلميذ المؤدَّب الذي لا يُفيض في الحديث إلاّ فيما يُعجِب الشيخ. لايهتمّ بالأدب ولا يُقِرّ تلاميذه على الاهتمام به خشية أن يصرفهم عن الكتب العلمية التي يراها أنفع لهم، حتى إن ولده الأديب اللغوي الشيخ عبد الغني الدقر قرأ المعلَّقات وشرحها و «كامل» المبرّد كله على الأستاذ عزّ الدين التنوخي في سنين متعاقبة خفية عنه. ولمّا خبره ولده الأكبر الشيخ أحمد أن أخاه عبد الغني قد اشترى «النظرات» للمنفلوطي غضب عليه وعدّ ذلك انحرافاً منه عن الطريق السويّ! كان يخشى على تلاميذه كل جديد ويخاف عليهم المزالق ويودّ لو حصرهم معه في دائرته.
وكلا الشيخين: الشيخ علي الدقر والشيخ كامل القصاب، من العلماء الدعاة إلى الله ومن أركان التعليم والإرشاد في الشام رحمهما الله.
أما الطريقة التّجانية فقد عرفنا -بعد أن أطّلعنا على كتبها واستقرينا (ولا تقُل استقرأنا) أخبارها- أن موقعها من الفرنسيين في الشمال الإفريقي مثل موقع القاديانية في الهند من البريطانيين. كانوا أعواناً للاستعمار، والعهدة على الراوي. أما قصة التّجانية في الشام فأنا أروي منها ما رأيت وما سمعت.
الطلاب اليوم يفتتحون نهارهم في كثير من البلاد بتحية العلَم أو بنشيد الوطن، ولم يكن معروفاً في تلك الأيام أو كان معروفاً
стр. 2408
ولكنه لم يبلغ أن يكون عرفاً عاماً، لذلك كانت كل مدرسة تلقّن طلابها ما تختاره لهم ليجهروا به جماعة قبل الدخول إلى الصفوف (الفصول)، أو لا تلقّنهم شيئاً وتدعهم يدخلون غرف دروسهم صامتين.
وكان للجمعية الغرّاء مدارس يفتتح طلابها يومَهم بتلاوة وذكر ودعاء يحفظونه ويجهرون به جماعة، وكان من ذلك صلاة الفاتح، وهي «اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لِما أُغلِق، والخاتم لِما سبق، ناصر الحقّ بالحقّ والهادي إلى صراطك المستقيم». والذي أعرفه أنهم لم يكونوا يرون فيها إلاّ صيغة من صيغ الصلاة على الرسول، وكل هذه الصيغ جائزة ما لم يبلغ حدّ الإطراء المنهيّ عنه وما لم يكن فيه مخالفة لشرع الله، وإنْ كان أفضل هذه الصيغ بلا خلاف هي صيغة الصلاة الإبراهيمية، لأنها هي التي علّمها رسول الله ‘ أصحابَه لمّا سألوه: كيف نصلّي عليك؟ وغيرُها من الصيغ ممّا علمه المشايخ تلاميذَهم، ولا يعدل مسلم بالمأثور عن رسول الله ما أُثر عن غيره من الناس.
وكان أول من نبّه إلى ما يحفّ بهذه الصيغة (أعني صلاة الفاتح) وبيّن مصدرها وكشف خفاياها هو الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، الذي كان من قبلُ مفتي المدينة المنورة ثم نزل الأردن. وشنقيط التي خرّجت طائفة من العلماء وعُرف أهلها بالحفظ حتى نُقلت عنهم فيه وقائع تحسب من العجائب، شنقيط هذه هي التي يدعونها اليوم موريتانيا. وممن عرفنا من علمائها صاحب «أضواء البيان» ﵀، ومنهم الصديق الذي كان سفير الملكة الأردنية، ومنهم رجل سمعت عنه ولم أدركه وهو التركزي الشنقيطي الذي
стр. 2409
كان نادرة في حفظ الشعر، حتى لقد طُبعت دواوين كاملة مقابَلةً على ما تحويه ذاكرته العجيبة.
* * *
والرسائل التي كتبها الشنقيطي من الأردن يبيّن فيها حقيقة هذه الطريقة كان يطبعها ويوزّعها في الشام السيد كامل البني، وكان شاباً عالي الهمّة جمّ النشاط سريع الحركة، يدور بها على العلماء والمفتين ويحمل إليهم نسخاً من كتب الطريقة التجانية، ويستفتيهم فيها، وينشر فتاواهم في رسائل متتابعة كانت تُوزَّع مجّاناً في المدارس والمساجد ومجامع الناس وتُرسَل في البريد.
وليست هذه الرسائل تحت يدي الآن بل بقيَت في مكتبتي في الشام، ليس أمامي وأنا أكتب هذه الحلقة إلاّ الرسالة الخامسة منها. وقد كانت تُصدرها وتتولى الإنفاق عليها جماعة من الغُيُر (جمع غَيور) على الإسلام سمّوا أنفسهم «الهيئة الإدارية لنصرة الشريعة المحمدية».
وهذه الرسالة الخامسة مؤرَّخة في ٢١ ربيع الأول سنة ١٣٥٣هـ، فيها إشارات إلى الفتاوى التي اشتملت عليها الرسائل الأربع التي قبلها، ومنها فتوى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي، وقاضي شنقيط (أي موريتانيا)، والخطبة التي ألقاها شيخنا الشيخ بهجة البيطار والتي لخّصتها وعلّقَت عليها الصحف والمجلات الإسلامية، كـ «الفتح» للأستاذ محب الدين الخطيب و «المنار» للسيد رشيد رضا و «الجامعة الإسلامية» و «التقوى»، وروت أخبارها جريدة «النهار» ومجلة «كل شيء»
стр. 2410
التي كانت تُصدِرها دار الهلال. وفيها ذكر أن هذه الرسائل توقّفت شهراً ونصف الشهر أملاً في أن تعود «الجمعية الغرّاء» عن التّجانية بعدما نشرَت فتاوى المفتين في المحافظات السورية، ولكن الجمعية الغرّاء أصرّت عليها ولم ترجع عنها.
وجمع الأمير خالد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر، أقوالاً نقلها من الكتب المعتمَدة عند أصحاب هذه الطريقة، وسأل مفتي الجمهورية السورية (وكان شيخَنا الشيخ عطا الكسم ﵀ عن الحكم الشرعي فيها وفيمن يعتقدها.
وقبل أن أنقل لكم طرفاً من هذه الأقوال أروي لكم كلمة قيلت من قديم في كتب الجاحظ، وأحسب أن قائلها ابن العميد، هي "أن كتب الجاحظ تعلّم العقل أولاً والأدب ثانياً". وأنا أستعير اليوم هذه الكلمة لأقول إن هذه الأقوال وأمثالها التي تفيض بها الكتب المنسوبة إلى الصوفية (كـ «الطبقات الكبرى» للشعراني و «السلسل المعين في الطرائق الأربعين» للشيخ السنوسي الكبير و «الفتوحات المكّية» و «الفصوص» لابن عربي)، هذه الكتب تورث الجنون أولاً والكفر ثانياً.
من هذه الأقوال المنقولة من الكتب المعتمَدة عند التجانية والمعدودة من أُسُس طريقتهم كـ «جواهر المعاني» و «بغية المستفيد» و «الإفادة الأحمدية» (وهذه الكتب الثلاثة تُعتبر من المراجع الموثوق بها عند أصحاب هذه الطريقة). ففي «الجواهر» (صفحة ١٠٣) أن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعادل ستة آلاف مرة من كل ذكر وتسبيح وتهليل، ومن كل دعاء كبير أو صغير (كذا!) وقع في هذا الكون!
стр. 2411
والقرآن ذِكر، فإذا عدلَت المرة الواحدة من صلاة الفاتح ستّة آلاف ختمة كانت أفضل من خمسة آلاف وتسعمئة وتسع وتسعين! ويزعم أن الرسول ﵊ خبّره بذلك، كما ورد في صفحة ٤ أنه أخذ الطريقة منه ‘ من غير واسطة يَقَظة لا مناماً.
ألا يُذهِب هذا الكلام العقلَ والدين؟ كيف أخذه منه وقد مات النبي ‘؟ أم يدّعي بأنه لا يزال حياً كما يقول بعض الجهلة في خطب الجمعة، يزعمون أنه حيّ في قبره مثل حياته في هذه الدنيا وحياتنا نحن فيها، أي أنه يأكل ويشرب ويتنفس؟! أفلا يذهب هذا الكلام بالعقل والدين؟ وهل يحتاج إثبات وفاته ﵊ إلى دليل؟
وكيفَ يصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ ... إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ؟
وإذا لم يمُت فكيف غسّلوه وصلّوا عليه ودفنوه ونصبوا أبابكر خليفة له؟ هل يحتاج هذا إلى إثبات إلاّ عند المجانين؟
لقد كان بعض الصوفية يكذبون على رسول الله ﵊ بحجّة أنهم رووا عن الخضر (صاحب موسى) والخضر روى عنه، فجاء هذا التجاني فجاوز المدى وسبق هؤلاء الكذابين على رسول الله ﵊؛ ذلك أن دعوى حياة الخضر التي يعتمدون عليها كاذبة، والمحقَّق أن الخضر مات، والله يقول: ﴿وما جَعَلْنا لبشرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلدَ﴾. أفلم يكن الخضر بشراً؟ ولا تقولوا عيسى، فعيسى له شأن آخر. وفي الحديث الصحيح أنه
стр. 2412
لا يبقى على رأس مئة سنة ممن كان حياً يومئذ أحد، فكيف بقي الخضر؟
والرسول ﵊ بُعث إلى الإنس والجنّ، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعه، فلماذا لم يتبعه الخضر إن كان حياً؟ ولماذا لم يشهد معه المشاهد ولم ينصره على عدوه؟ كلاّ؛ إن الخضر قد مات كما يموت كل حيّ، ومن ادّعى أنه رآه وسمع منه وروى عنه فهو كاذب.
وفي «الإفادة» (صفحة ٨٠) أن صلاة الفاتح من كلام الله. فخبِّروني: أيقول هذا مسلم؟ وإن كانت من كلام الله فكيف وصلت إلى التجاني هذا؟ أوَحيٌ بعد رسول الله أم افتراء على الله؟
وفي «الإفادة» (صفحة ٦٣) هذه الكلمة الوقحة الآثمة، وهي قوله: قدماي هاتان على رقبة كل وليّ لله، من يوم أنشأ العالَم إلى يوم النفخ في الصور.
وأولياء الله هم بنصّ القرآن ﴿الذينَ آمنوا وكانوا يتّقونَ﴾، وفي أوائل صفوف الأولياء الرسل والأنبياء، فما حُكم من يقول هذه المقالة؟ ما مبلغه من الدين، ومن الأدب، ومن حسن الخلق، ومن الحياء من الله ومن الناس؟ وأشياء أخر من أمثال هذه جمعها الأمير خالد ورفعها إلى المفتي الشيخ عطا الكسم، فأجاب بأن كل ما في هذه الكتب وأي كتاب من هذا النوع باطل ومخالف للشرع، ولا تجوز قراءتها ولا تداولها.
* * *
стр. 2413
وهبّ العلماء والمفتون في محافظات سوريا كلها للردّ على هذه الأقوال التي لا شكّ أنها مخالفة للإسلام وأن معتقدها كافر. وجمع السيد كامل البنّي هذه الفتاوى ونشرها في الرسائل التي أشرتُ إليها، والتي كان يطبعها له أهل الخير ويوزّعها في الناس، حتى صارت هذه المسألة شاغلة للناس جميعاً وموضوع أحاديثهم في مجالسهم ولم يبقَ أحد لم يسمع بها، ولكن «الجمعية الغرّاء» بقيَت على حسن رأيها في الطريقة وصاحبها.
لمّا كثرَت الردود والمقالات نشرت الجمعية الغرّاء بياناً قالت فيه إن هذه الأقوال مدسوسة على الشيخ التجاني، قولاً بلا دليل، ولم يقُل مثله أحد من أتباع هذه الطريقة من لدن أولها إلى يوم صدور هذا البيان. وهذا يُشبِه ما ادّعى قوم من أن ما جاء في كتب ابن عربي مدسوس عليه، مع أن الجملة أو الفقرة المدسوسة كالرقعة في الثوب، تُعرف باختلاف قماشها ومنظرها وملمسها. ثم إن أقصى ما يمكن أن يُدَسّ في الكلام جملة أو جمل معدودة أو صفحة، أما أن يكون الكلام كله مؤتلفاً متشابه الأسلوب متماسك الأفكار متّحد الوجهة، ثم يُدّعى أنه دُسّ فيه وأُدخِلَ عليه ما ليس منه، فدعوى يصعب إثباتها.
لمّا قرأتُ هذه الأقوال ووثقت أنها من صلب الطريقة التجانية تمثّلت بالكلمة التي تُنسَب إلى أمير المؤمنين عليبن أبيطالب، ابن عم رسول الله ‘:
لمّا رأيتُ الأمرَ أمراً مُنكَراً ... أجّجتُ ناري ودعوتُ قَمْبَرا
ولم يكن عندي نار أؤجّجها ولا غلام مثل قَمبَر، مولى
стр. 2414
عليّ، أدعوه. ما عندي إلاّ هذه الأداة التي لا تُسيل دماً ولا تقتل عدواً ولا تحرق داراً، ولكنها تستطيع أن تصنع ما هو أكبر من ذلك وأعظم خطراً وأكبر نفعاً أو ضرراً، هذا القلم. فجرّدت القلم ودخلت المعركة بكلمة حامية تشتعل حروفها ناراً، فاطّلع عليها بعض إخواننا الناصحين، فرأوا بأنه أنفعُ للناس وأوصلُ إلى الغاية أن أكتبها بغير هذا القلم، فنبذتها وأعدت كتابتها بقلم ليّن سهل، وبعثتها إلى السيد كامل البني فنشرها في هذه الرسالة الخامسة، وجعل لها عنواناً من عنده هو: «الكلمة الحاسمة في الموضوع». قلت فيها:
لم تشغل مسألةٌ من المسائل الجمهورَ في دمشق -على اختلاف طبقاته وأفكاره- كما شغلَته مسألة التجانية هذه، ولم يُجمِع الرأي العامّ الإسلامي على مسألة من المسائل كما أجمع على البراءة من هذه الطريقة، وعلى تكفير مَن يعتقد هذه الأقوال المنسوبة إليها، وعلى لوم طائفة من خيار المسلمين في دمشق أحسنوا الظنّ بأصحابها واقتبسوا بعضاً من أذكارها. والمسلم لا يكلَّف (ولا يجوز أن يكلّف نفسه) إلاّ بما صحّ عن النبي ‘ أنه أمر به أو فعله أو أقرّه. وليس في الإسلام شارع بعد رسول الله لأن الدين قد كمل، وما بعد الكمال إلاّ النقص، وكل بدعة في الدين مردودة على من جاء بها.
لم أقُل في هذه المسألة كلمة واحدة على رغم هذه الضجّة التي قامت لها، ولا يزال دويّها يملأ المجالس والمجامع والأسواق وصداها يتردّد في القرى وفي المدن، لأني لم أتثبّت من صحّة نسبة هذه الأقوال إلى شيخ الطريقة المدعوّ أحمد
стр. 2415
التجاني، ولأن العلماء الكرام الذين وقّعوا المنشور الأخير قالوا إنها مدسوسة على الشيخ، أي أنها ليست في كتبه ولا في كتب طريقته المعتمَدة، حتى تفضّل الشيخ الشنقيطي فبعث إليّ كتب الطريقة التي يعتمدونها ويستندون إليها، فإذا كل هذا الكلام موجود فيها، وإذا هو من أُسُس طريقتهم. ولم يرتفع صوت واحد بإنكار نسبته إلى شيخهم وادّعاء براءته منه، بل هم معترفون به مُقرّون بما فيه، ولم ينكره ويرتفع بالشيخ عن أن يُنسَب إليه ويدّعِ أنه مدسوس عليه إلاّ هؤلاء العلماء الأجلاّء.
فعمدتُ بعد أن تثبّتُّ منها ووثقت بصحّة نسبتها إلى هذا التجاني، الذي لقّبه الأستاذ الشنقيطي بالتجاني الجاني، ووُفِّق في هذا اللقب لأن من أكبر الجنايات في الإسلام الكذب على رسول الله ﵊، ولأن أصحّ حديث على الإطلاق هو حديث «من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار». هذا فيمن كذب مرة، فما بالكم فيمن كذب عليه عشرين مرة وطبع هذا الكذب ونشره في الناس، ولقّنه تلاميذه حتى اعتقدوه وصدّقوه؟
على أن العجيب ليس هذا التجاني ولا هذه الأقوال السخيفة التي صدرت عنه، ففي الدنيا كثير من السخفاء ومن ذوي الأغراض ومن الأعداء في ثياب الأصدقاء، وفيها كثير من الكفار ومن الزنادقة ومن الذين آثروا اتباع الشيطان على اتباع سبيل الرحمن، ولكن العجيب فيمن يصدّقه ويعظّمه ويحسبه من أئمة الدين ومن علماء المسلمين.
الدين الإسلامي -يا إخوان- هو دين العقل والمنطق
стр. 2416
والمناظرة والدليل في ضوء كتاب الله وسنّة رسول الله، فإذا أخطأ واحد مهما جلّ قدره أو علت منزلته (كالشيخ علي الدقر أو الشيخ بدر الدين أو شيخ الأزهر) وكان يعرف الصوابَ واحدٌ مثلي أو أصغر مني، أو يعرفه طفل أو تعرفه امرأة، فإن على مَن عرف الصواب أن يبيّنه وأن يدلّ عليه، وعلى من أخطأ أن يعود إلى الحقّ. ولا شكّ أن عمر أفضل وأعلم بالدين من الشيخ علي الدقر وشيخ الأزهر والشيخ بدر الدين.
وهذا المبدأ الصوفي الذي يمنح الشيخ ما يُشبِه العصمة، ويمنع تلميذه أن يردّ عليه مهما سمع منه ومهما رأى من أعماله المخالفة للدين، هذا المبدأ يخالف الإسلام ويجانب ما كان عليه السلف الصالح والصحابة الكرام. والحُجّة في الإسلام لا تكون إلاّ في واحد من أربعة: الكتاب، والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع، والقياس. فإن كان لدى التجانيين ومن يتبعهم حجّة من هذه الحجج فليأتوا بها. فهل صحّ عن الرسول ﵊ ما يزعمونه؟ هل نزل به قرآن أو ورد به حديث صحيح، أو هو من الابتداع؟ والابتداع في الدين مردود كله. وهل في الدنيا مسلم واحد يزعم أن صلاة الفاتح تعدل القرآن؟ وهل في الدنيا مسلم واحد يصدّق أن وِرْد التجانية يُدخل قائلَه ووالديه وأزواجه وذريته الجنّة بلا حساب، كما جاء في بعض كتبهم؟
(إلى أن قلت في آخر المقالة):
أما بعد، فإما أن تقرعوا الحجّة بالحجّة وتردوا الدليل بالدليل، وإما أن تتوبوا إلى الله وترجعوا إليه، وإما أن تسكتوا
стр. 2417
وتُقِرّوا بالضعف والعجز. وأنا على قلة علمي أدعو التجانيين كلهم، من أكبر واحد فيهم إلى أصغر مَن ينتسب إليهم، أدعوهم إلى مناظرة عامة على ملأ من الناس، ليظهر هل الحقّ معهم أو مع جمهور المسلمين.
وبعد، فالكلمة الأخيرة في هذه التجانية أنها كُفرٌ وضلال، فاختاروا لأنفسكم: إما المناظرة المُعلَنة أو السكوت المخزي. واختاروا لأنفسكم: إما أن تكونوا تجانيين وإما أن تكونوا مسلمين!
* * *
والشيخ علي الدقر أحد المشايخ الكبار في الشام الذين كان لهم أكبر الأثر في نشر العلم، وكان أجلّ الشيخين اللذين قاما بما دُعي بنهضة العلماء سنة ١٣٤٣هـ، ولم ينسَ الناس ما صنع في حوران والبلقاء (شرقي الأردن) حين ردّهما الله به إلى الدين والعلم بعدما أوشكت أن تغرقَهما جاهليةٌ كالجاهلية الأولى. ولم ينسوا مَن تخرّج عنده من علماء ومدرسين وخطباء وما فتح من مدراس، وما كانت تصنع دروسه التي كان الناس يزدحمون عليها ويتسابقون إليها، فتخشع منها القلوب وتفيض العيون. فهل كان الشيخ علي -على علمه وتقواه وصلاحه- يعتقد هذه الأقوال التي لا يشكّ عالِم ولا طالب علم ولا عامّي من غمار الناس بأن اعتقادها كفر وضلال؟
إني لأفكر الآن في هذا فلا أستطيع أن أتصوّر أن الشيخ علي الدقر ﵀ كان يعتقدها. ولمّا أصدر البيان الذي أشرت إليه
стр. 2418
لم يدافع عنها، وإنما ادّعى (دعوى بلا دليل) إنها مدسوسة على الشيخ التجاني. فهو إذن لا يقول بها ولا يدافع عنها، وإنما ينازع في نسبتها إلى التجاني.
والله لا يسألنا عن التجاني ولا عن الشيخ ابن عربي ولا عن غيره؛ إنما يسألنا عمّا نقول وما نفعل. والذي نقوله أن هذه الأقوال كفر لا شكّ فيه، والله أعلم بحال من نُسبت إليه. فلماذا إذن أصرّ على موقفه ولم يتزحزح عنه؟ إنه «لغز» أعلن أنني عاجز عن حلّه. وأنا إنما أدون حادثاً مرّ عليه الآن أربع وخمسون سنة، والدول تنشر المطويّ من وثائقها وتُبدي المكنون من أسرارها بعد ثلاثين سنة فقط، كما تفعل بريطانيا الآن.
ثم إنه موقف واحد للشيخ علي ﵀، أنا أوقن أنه رجع عنه، ودليل ذلك أنه لمّا انطفأت هذه الفتنة لم نعُد نسمع منه ما يدلّ على انتسابه إلى التجانية أو دفاعه عنها، بل هو لم يعُد يذكرها.
* * *
إنما هي صفحات من التاريخ يُراد بها ذكر الماضي لا وصله بالحاضر. ولعلّنا نعتبر بها وبأمثالها فنعمل دائماً على جمع الشمل ونبذ الخلاف، وألاّ نجعل اختلافنا في الفروع مفرّقاً لنا بعد اتفاقنا على الأصول.
إن الشعوب الإسلامية لا تنقاد للزعيم السياسي مثلما تنقاد للعالِم الديّن، ولو أن العلماء جميعاً راقبوا الله وأخلصوا النية
стр. 2419
له وعملوا له وحده لما استطاع أحد أن ينازعهم القيادة أو أن يزاحمهم على الصدارة، ولبقي الأمر في أيديهم، ولما وثقت الشعوب إلاّ بهم وما سمعت إلاّ منهم، ولغدوا هم المرجع لهم، لا رأيَ لأحد مع رأيهم ولا منزلةَ لأحد فوق منزلتهم.
ولوْ أنّ أهلَ العلمِ صانُوهُ صانَهم ... ولوْ عظّموهُ في النفوسِ لعُظّما
ولكنْ أهانُوهُ فهانَ، ودنّسُوا ... مُحيّاهُ بالأطماعِ حتّى تَجَهّما
* * *
стр. 2420
-١٨٧ -
في الكلية الشرعية في دمشق
الآن وصلتُ إلى الباب الذي أدخله إلى الكلام عن الكلية الشرعية، التي افتتحتُ الفصل بكتاب مديرها الشيخ حسن الشطي ﵀. وقد اجتزت إليه هذا الدهليز الطويل لأبيّن لكم أن إنشاء هذه الكلية لم يكن بداية العناية بالعلوم الشرعية، وأنه كان قبلها علماء، دارُ كل واحد منهم ومسجدُه مدرسةٌ مفتّحةُ الأبواب حافلة بالطلاّب، يُقبِلون عليها لا يرجون منها شهادة ولا يطلبون بعد الشهادة وظيفة، بل يطلبون العلم لله، والمشايخ يعلّمونهم لله، يبتغون في ذلك سنّة السلف من هذه الأمة.
بل سنّة متأخّري السلف، حين صارت الحركة العلمية مثل النوافير الصناعية، تعلو كعمود من النور، يتدفّق ماؤها ظاهراً كأنه نوافير دمشق القديمة، وكأنه النافورة الأثرية المشهورة عند باب الأموي الشرقي التي سُمّي الحيّ باسمها، يجري ماؤها أبداً، لا يجري منها في الحقيقة ماء ولا يتبدّل، إنما هو محرّك وسطل ماء يدفعه المحرّك فيعلو ثم يدعه فيعود إلى مستقَرّه، يتردّد ولا يتجدّد. وكذلك كانت الحركة العلمية: وقَفَ الابتكار وكلّت الأذهان وضَعُفَ البيان، وعُدنا نجترّ ما غذّانا به الأولون