والمناظرة والدليل في ضوء كتاب الله وسنّة رسول الله، فإذا أخطأ واحد مهما جلّ قدره أو علت منزلته (كالشيخ علي الدقر أو الشيخ بدر الدين أو شيخ الأزهر) وكان يعرف الصوابَ واحدٌ مثلي أو أصغر مني، أو يعرفه طفل أو تعرفه امرأة، فإن على مَن عرف الصواب أن يبيّنه وأن يدلّ عليه، وعلى من أخطأ أن يعود إلى الحقّ. ولا شكّ أن عمر أفضل وأعلم بالدين من الشيخ علي الدقر وشيخ الأزهر والشيخ بدر الدين.
وهذا المبدأ الصوفي الذي يمنح الشيخ ما يُشبِه العصمة، ويمنع تلميذه أن يردّ عليه مهما سمع منه ومهما رأى من أعماله المخالفة للدين، هذا المبدأ يخالف الإسلام ويجانب ما كان عليه السلف الصالح والصحابة الكرام. والحُجّة في الإسلام لا تكون إلاّ في واحد من أربعة: الكتاب، والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع، والقياس. فإن كان لدى التجانيين ومن يتبعهم حجّة من هذه الحجج فليأتوا بها. فهل صحّ عن الرسول ﵊ ما يزعمونه؟ هل نزل به قرآن أو ورد به حديث صحيح، أو هو من الابتداع؟ والابتداع في الدين مردود كله. وهل في الدنيا مسلم واحد يزعم أن صلاة الفاتح تعدل القرآن؟ وهل في الدنيا مسلم واحد يصدّق أن وِرْد التجانية يُدخل قائلَه ووالديه وأزواجه وذريته الجنّة بلا حساب، كما جاء في بعض كتبهم؟
(إلى أن قلت في آخر المقالة):
أما بعد، فإما أن تقرعوا الحجّة بالحجّة وتردوا الدليل بالدليل، وإما أن تتوبوا إلى الله وترجعوا إليه، وإما أن تسكتوا
стр. 2417
وتُقِرّوا بالضعف والعجز. وأنا على قلة علمي أدعو التجانيين كلهم، من أكبر واحد فيهم إلى أصغر مَن ينتسب إليهم، أدعوهم إلى مناظرة عامة على ملأ من الناس، ليظهر هل الحقّ معهم أو مع جمهور المسلمين.
وبعد، فالكلمة الأخيرة في هذه التجانية أنها كُفرٌ وضلال، فاختاروا لأنفسكم: إما المناظرة المُعلَنة أو السكوت المخزي. واختاروا لأنفسكم: إما أن تكونوا تجانيين وإما أن تكونوا مسلمين!
* * *
والشيخ علي الدقر أحد المشايخ الكبار في الشام الذين كان لهم أكبر الأثر في نشر العلم، وكان أجلّ الشيخين اللذين قاما بما دُعي بنهضة العلماء سنة ١٣٤٣هـ، ولم ينسَ الناس ما صنع في حوران والبلقاء (شرقي الأردن) حين ردّهما الله به إلى الدين والعلم بعدما أوشكت أن تغرقَهما جاهليةٌ كالجاهلية الأولى. ولم ينسوا مَن تخرّج عنده من علماء ومدرسين وخطباء وما فتح من مدراس، وما كانت تصنع دروسه التي كان الناس يزدحمون عليها ويتسابقون إليها، فتخشع منها القلوب وتفيض العيون. فهل كان الشيخ علي -على علمه وتقواه وصلاحه- يعتقد هذه الأقوال التي لا يشكّ عالِم ولا طالب علم ولا عامّي من غمار الناس بأن اعتقادها كفر وضلال؟
إني لأفكر الآن في هذا فلا أستطيع أن أتصوّر أن الشيخ علي الدقر ﵀ كان يعتقدها. ولمّا أصدر البيان الذي أشرت إليه
стр. 2418
لم يدافع عنها، وإنما ادّعى (دعوى بلا دليل) إنها مدسوسة على الشيخ التجاني. فهو إذن لا يقول بها ولا يدافع عنها، وإنما ينازع في نسبتها إلى التجاني.
والله لا يسألنا عن التجاني ولا عن الشيخ ابن عربي ولا عن غيره؛ إنما يسألنا عمّا نقول وما نفعل. والذي نقوله أن هذه الأقوال كفر لا شكّ فيه، والله أعلم بحال من نُسبت إليه. فلماذا إذن أصرّ على موقفه ولم يتزحزح عنه؟ إنه «لغز» أعلن أنني عاجز عن حلّه. وأنا إنما أدون حادثاً مرّ عليه الآن أربع وخمسون سنة، والدول تنشر المطويّ من وثائقها وتُبدي المكنون من أسرارها بعد ثلاثين سنة فقط، كما تفعل بريطانيا الآن.
ثم إنه موقف واحد للشيخ علي ﵀، أنا أوقن أنه رجع عنه، ودليل ذلك أنه لمّا انطفأت هذه الفتنة لم نعُد نسمع منه ما يدلّ على انتسابه إلى التجانية أو دفاعه عنها، بل هو لم يعُد يذكرها.
* * *
إنما هي صفحات من التاريخ يُراد بها ذكر الماضي لا وصله بالحاضر. ولعلّنا نعتبر بها وبأمثالها فنعمل دائماً على جمع الشمل ونبذ الخلاف، وألاّ نجعل اختلافنا في الفروع مفرّقاً لنا بعد اتفاقنا على الأصول.
إن الشعوب الإسلامية لا تنقاد للزعيم السياسي مثلما تنقاد للعالِم الديّن، ولو أن العلماء جميعاً راقبوا الله وأخلصوا النية
стр. 2419
له وعملوا له وحده لما استطاع أحد أن ينازعهم القيادة أو أن يزاحمهم على الصدارة، ولبقي الأمر في أيديهم، ولما وثقت الشعوب إلاّ بهم وما سمعت إلاّ منهم، ولغدوا هم المرجع لهم، لا رأيَ لأحد مع رأيهم ولا منزلةَ لأحد فوق منزلتهم.
ولوْ أنّ أهلَ العلمِ صانُوهُ صانَهم ... ولوْ عظّموهُ في النفوسِ لعُظّما
ولكنْ أهانُوهُ فهانَ، ودنّسُوا ... مُحيّاهُ بالأطماعِ حتّى تَجَهّما
* * *
стр. 2420
-١٨٧ -
في الكلية الشرعية في دمشق
الآن وصلتُ إلى الباب الذي أدخله إلى الكلام عن الكلية الشرعية، التي افتتحتُ الفصل بكتاب مديرها الشيخ حسن الشطي ﵀. وقد اجتزت إليه هذا الدهليز الطويل لأبيّن لكم أن إنشاء هذه الكلية لم يكن بداية العناية بالعلوم الشرعية، وأنه كان قبلها علماء، دارُ كل واحد منهم ومسجدُه مدرسةٌ مفتّحةُ الأبواب حافلة بالطلاّب، يُقبِلون عليها لا يرجون منها شهادة ولا يطلبون بعد الشهادة وظيفة، بل يطلبون العلم لله، والمشايخ يعلّمونهم لله، يبتغون في ذلك سنّة السلف من هذه الأمة.
بل سنّة متأخّري السلف، حين صارت الحركة العلمية مثل النوافير الصناعية، تعلو كعمود من النور، يتدفّق ماؤها ظاهراً كأنه نوافير دمشق القديمة، وكأنه النافورة الأثرية المشهورة عند باب الأموي الشرقي التي سُمّي الحيّ باسمها، يجري ماؤها أبداً، لا يجري منها في الحقيقة ماء ولا يتبدّل، إنما هو محرّك وسطل ماء يدفعه المحرّك فيعلو ثم يدعه فيعود إلى مستقَرّه، يتردّد ولا يتجدّد. وكذلك كانت الحركة العلمية: وقَفَ الابتكار وكلّت الأذهان وضَعُفَ البيان، وعُدنا نجترّ ما غذّانا به الأولون
стр. 2421
مثل اجترار الإبل، نقرأ ولا يكاد أكثرنا يجاوز القراءة والفهم، ومنا من يقرأ ولا يحاول أن يفهم. حتى إن أحد قدماء طلبة العلم في دمشق -وقد ذُكر الشيخ بدر الدين الحسني- فقال لي: ولكن عنده ﵀ غرائب. فسألته: ما غرائبه؟ فقال: قرأنا عليه كتاباً، فلما أكملناه قال لنا: يابا (وكانت تلك كلمته يخاطب بها الكبير والصغير)، شو فهمتهم؟ (أي ماذا فهمتم؟) فلما لم نُجِبه كما يريد قال: "يابا، باسم الله"، واستأنف قراءة الكتاب. هذا هو الشيء الذي رآه غريباً، استغرب أن يهتمّ الشيخ بما فهم الطلاّب، والعهد بأكثر العلماء أنهم يكتفون بالقراءة.
وكان أقصى ما يتبعه الدارسون أن يفهموا قول المصنّف ﵀. ولقد خبّرني الشيخ عبد المحسن الأسطواني، الشيخ العالِم المعمَّر الذي سبق الحديث عنه، وكان من تلاميذ جدّنا الشيخ محمد الذي قدم الشام من طنطا سنة ١٢٥٥هـ، أنهم كانوا يقرؤون على أحد المشايخ كتاباً في نسخة مخطوطة، فاستعجمَت عليهم عبارة فلم يفهموها، فذهبوا إليه، فتبسّم وأخذ القلم فصحّح العبارة. فعجبوا من ذلك، أي من جرأته على الكتاب يصحّحه من عند نفسه. ثم وجدوا نسخة أخرى مخطوطة صحيحة، فلما رجعوا إليها وجدوا العبارة كما صحّحها.
جملة فيها تحريف ظاهر من ناسخ من النسّاخ، ربما عرف صوابَه تلميذ صغير، ولكن لم يكونوا يجرؤون على مثل ما فعل الشيخ؛ ذلك لأننا كنا نقدّر السلف، وربما زدنا في تقديرهم عن الحدّ. ولا أزال أحفظ كلمة تلقّيناها من مشايخنا:
وكلُّ خيرٍ في اتّباعِ مَن سَلَفْ ... وكلُّ شرٍّ في ابتداعِ مَن خَلَفْ
стр. 2422
الاتباع وترك الابتداع في العقائد وفي أصول الدين لا في أمور الدنيا؛ فأمور الدنيا لنا، نأخذ منها كل حقّ وندع كل باطل ونتمسّك بكل نافع وننبذ كل ضارّ، جديداً أم قديماً، فما العبرة بالجِدّة ولا بالقِدَم. شرقياً كان أم غربياً، فالحقّ يُعرَف بأنه حقّ لا بالجهة التي جاء منها.
ولقد كان عندنا في الشام قديماً مدارس للقرآن وللحديث ولفقه كل إمام من الأئمة الأربعة، ومدارس جامعة كالمدرسة العمرية التي أنشأها الشيخ أبو عمرابن قُدامة، أخو صاحب «المغني». وآل قدامة هم الذين أقاموا حيّ الصالحية، وكان أول حي يُقام على سفح قاسيون. وفي كتابي «دمشق» المطبوع مراراً فصل عن إنشاء حي الصالحية. وقد أُولِعتُ مرة بتتبّع أخبار هذه الأسرة فوجدت من نسائها العالِمات بضعاً وعشرين، كلهن كانت تُعَدّ إذا عُدّ مشايخ البلد. ثم فترت هِمّتي ووقفت عن العمل، وضاعت الأصول، وذهب الكتاب الذي كنت أنوي إصداره عن آل قدامة.
ومن عيوبي التي أعترف بها هنا (ولولا أن انتظار الأجل يسدّ عليّ طريق الأمل لطلبت دعوة منكم لخلاصي منها) من عيوبي أنني أمشي دائماً مشي الأرنب في قصّة لافونتين لا مشي السلحفاة. فأنا أجمع قوّتي وأثب وثبة واحدة، فإما أن أصل وإما أن أقعد فلا أحاول بعدها؛ أي أنني على مذهب أبي فراس في بيته المشهور: «لنا الصدرُ دونَ العالَمين أو القبرُ». ورُبّ بيت أضلّ وما هدى وأفسد وما أصلح، كقوله: «إذا مِتُّ ظمآناً فلا نزَلَ القَطْرُ»، وبيت المتنبي: «والظلمُ مِن شِيَمِ النفوسِ»، وما صدق المتنبّي ولا برّ، فما الظلم من شيم النفوس ولكن العدل، لأن الله فطر النفوس
стр. 2423
على الخير لا على الشرّ، وعلى العدل لا على الظلم، وعلى الإيمان لا على الكفر.
عفوكم يا أيها القراء. أرأيتم ماذا يصنع بي الاستطراد وكيف أتنكّب الطريق؟ كالراعي يرى بقعة فيها كلأ كثير فيسوق قطيعه إليها، فيحيد عن وجهته ويبتعد عن غايته. إنها علّتي وعلّة كل من نشأ على كتب الأدب العربي القديم.
* * *
قلت إن المدارس كانت تملأ حارات الشام (كما كانت تملأ المدارس حارات مصر ومسالكها)، وفي كثير من بلاد الإسلام مثلها. ومن قرأ «الدارس في المدارس» (١) أو «منادمة الأطلال» للشيخ عبد القادر بدران (وهو مقتبَس من «الدارس») ومَنمشى في طرق دمشق القديمة رأى العشرات من المدارس (وقد صار كثير منها بيوتاً مملوكة بأسناد رسمية!) وعلى بابها الحجرُ المنقوشُ عليه أنه وقَفَ هذه المدرسةَ فلانٌ الفلاني، ووقف عليها كذا وكذا من البساتين ومن المباني.
ومَن مشى مِن حيث يمشي نهر يزيد (وهو أحد أبناء بردى) على سفح الجبل من تحت قبّة السَّيّار إلى آخر حيّ ركن الدين، رأى أنقاض المدارس قائمة يأخذ بعضها بأيدي بعض كأنها صفّ النوادب في المآتم يبكين ما مضى. والعجب العجيب أن أكثر هذه
стр. 2424
المدارس أنشئ في عهد المماليك في مصر وفي الشام، بل وفي دهلي في الهند.
ولقد أقيمت من نحو ستين سنة مدرسة دينية حديثة افتتحَتها إدارة الأوقاف في المدرسة السميساطية الأثرية القائمة عند باب الأموي الشمالي، والتي كانت يوماً دار عمربن عبد العزيز، وجعلوا مديرها العالِم الوجيه الشيخ توفيق الأيوبي، ﵀ ورحم كل من ذكرت وأذكر من الصالحين. كما كانت دار هشامبن عبد الملك عند المدرسة النورية التي دُفن فيها الملك البطل المجاهد نور الدين زنكي، أما المقرّ الرسمي للخلفاء من بني أمية ففي الدار الخضراء، دار معاوية، وراء جدار القبلة في الجامع الأموي، ولا يزال الباب الذي كان يدخل منه إلى المقصورة ظاهراً أعلاه تسدّه الدكاكين التي أنشئت هناك.
وقد سمعت الآن أنهم أزالوا ما حول الأموي وكشفوه كما كُشف الحرم المكّي والمسجد النبوي، وتلك أمنية كنا نتمناها، وقد سُررت بهذا الخبر إن صحّ.
* * *
أعود إلى حديثي عن الكلية الشرعية، وأقول قبل أن أدخل فيه أن لاسم «الكلية» اليوم معنى محدداً يقابل كلمة «فاكولته» بالفرنسية. ففي كل جامعة كليات، أي مدارس عالية تتبع الجامعة، وفي فرنسا مدارس عالية لا تتبعها، كالمدرسة المركزية للهندسة (إيكول سنترال) ومدرسة بولي تكنيك والمدرسة العسكرية. هذا الاصطلاح لم يكن عاماً في الأيام التي أتحدّث عنها، فلقد كان
стр. 2425
في دمشق الكلية العلمية الوطنية التي انتهى أمرها إلى الدكتور منيف العائدي فكان صاحبها ومديرها، وكان في بيروت الكلية الإسلامية قديماً، والكلية الشرعية التي أنشأها مفتي لبنان الشيخ توفيق خالد وكنت أدرّس فيها.
بل لقد مرّ في هذه الذكريات اسم «الجامعة العربية» التي افتتحها سليمان سعد. وهذه الجامعة وتلك الكليات لم تكن إلاّ مدارس ثانوية. والعجيب أن الكليتين اللتين كانتا في الجامعة السورية كانت كل منهما تُسمّى معهداً: المعهد الطبي، ومعهد الحقوق الذي تخرّجت فيه سنة ١٩٣٣.
فالكلمات يتبدّل مدلولها ثم يستقرّ الاصطلاح على واحد منها. حتى كلمة «الدكتوراة» يختلف مدلولها باختلاف الجهة التي تمنحها، فلها في فرنسا نوعان: دكتوراة الدولة والدكتوراة التي تعطيها الجامعة، والأولى هي التي تنفرد بالتقدير. والدكتوراة في ألمانيا لا تكاد ترتفع إلاّ قليلاً عن الإجازة (الليسانس أو البكالوريس)، وأعلى منها عندهم لقب «دكتور هابيل» أي الدكتور الماهر. والدكتوراة المجلوبة من أمريكا ألوان وأصناف، تختلف أقدارها باختلاف الجامعة التي نالها حاملها منها، وما كل جامعة في أمريكا هارفارد.
* * *
كانت الكلية الشرعية هي الثمرة الباقية لمؤتمر العلماء، والفضل فيها بعد الله الذي منه كل فضل للشيخ كامل القصاب. والشيخ كامل من أعظم رجال التعليم في الشام، وكانت مدرسته
стр. 2426
«الكاملية» تُدعى أيام العثمانيين بالمدرسة العثمانية، وقد بنى لها بناء حديثاً من ثلاث طبقات في البزوريّة قرب الجامع الأموي، بين دار أسعد باشا العظم (التي تُعَدّ من أكبر الدور الشامية، والتي ملكَتها الحكومة وأقامت فيها متحف الفنون الشعبية، والدارُ نفسها من الفنون الشعبية) وبين الخان العظيم الذي بناه ولا يزال يُنسب إليه، فيقال خان أسعد باشا، وهو أجمل الآثار العثمانية الباقية في دمشق وأعظم الخانات التي كانت منتشرة في بلاد الإسلام، تقوم مقام الفنادق ومقام الأسواق المركزية.
افتتح فيها الشيخ كامل مدرسته الشرعية سنة ١٩٣٧. وقد كنت أعمل يومئذ مدرّساً في العراق كما عرفتم، ثم انتقلتُ إلى بيروت، فلما رجعت إلى الشام درّست عند الشيخ كامل في الكلية التي أنشأها مدّة يسيرة بين العراق وبيروت.
وقد نسيت بعض خبرها، فرجعت إلى أخي الأستاذ الدكتور عبد الحميد الهاشمي (وقد كان من تلاميذها الصغار وهو اليوم من أساتذة الجامعة الكبار) ليُعينني على تذكّر أخبارها، كما رجعت إلى أخي الآخر الشيخ محمد القاسمي الذي كان زميله فيها، لكن بعد أن صارت رسمية تابعة لمديرية الأوقاف العامّة وانتقلت إلى زقاق النقيب، إلى الدار التي كان يُقيم فيها الأمير عبد القادر الجزائري والتي آلت إلى السيد مكي الكتاني، رحمة الله عليهم جميعاً.
والذين كانوا طلاّباً في الكلية الشرعية وكنت أدرّس لهم كبروا وصاروا زملاء لي في التدريس، ثم جازني كثير منهم وفاقني
стр. 2427
علماً وفضلاً وسبقني في كثرة المؤلَّفات وطيبها، كالأخوين اللذين ذكرت الهاشمي والقاسمي، والدكتور أديب صالح، والأستاذ أحمد الأحمد، والدكتور وهبة الزحيلي، الذي لا أذكره تماماً لأنه لم يكن في صف من سمّيت ولكن كان -كما أظنّ- بين من هو أصغر منهم من الطلاّب، ثم صار من كبار المؤلّفين في الفقه والباحثين فيه.
لمّا افتتح هذه الكلية دعا جماعة من أجلّ علماء الشام ليدرّسوا فيها، كان منهم الشيخ عبد القادر الإسكندراني، وهو مصري نزل دمشق وأقام فيها، وصار من أهلها ولم يدع لهجته المصرية، وكان جميل الصورة مَهيب الطلعة، بليغ اللسان نيّر الذهن، له مؤلَّفات صغيرة في البلاغة لا تدلّ على فضله.
ومنهم الشيخ محمود العطار، وهو نموذج لعلماء تلك الأيام، وقد كانت قراءته على الشيخ بدر الدين. وهو متمكن من العلوم الإسلامية مطّلع على كتبها عارف بما حوت هذه الكتب، ولكنه لم يكن يجاوزها ولم يكن يبحث في غير ما جاء فيها، ولم يؤتِه الله مع هذا العلم الكثير لساناً بليغاً فلم يكن خطيباً ولا محدّثاً. وكان منهم رجل على الضدّ منه: خطيب طَلق اللسان قوي البيان، يخطب في كل مناسبة خطباً فنّية يشدّ فيها الحروف ويحسن إيقاع الجمل، وليس وراء ذلك علم كثير ولا اطّلاع واسع.
ومنهم الشيخ محمود ياسين، وقد مرّت الإشارة إليه. والشيخ محمود من العلماء المتمكنين الذين يدأبون على العمل. ومنهم أستاذ لا يزال حياً، وقد قارب المئة مدّ الله في عمره، هو الأستاذ
стр. 2428
درويش القصّاص، أقدم مدرّس للرياضيات (الحساب والهندسة) في دمشق، وكانت له براعة عجيبة في الإفهام، فهو يُدخِل العلم في الأدمغة التي يُظَنّ أنها أُغلقَت أبوابها وسُدّت مسالكها دون العلم فلا يدخلها. وقد خبّرني الدكتور عبد الحميد الهاشمي أنه هو الذي دفعه إلى الإعداد لشهادة الكفاية (الكفاءة) ثم الشهادة الثانوية، ثم وفّقه الله حتى أكمل الدراسة العالية ونال الدكتوراة. فهو، أي الهاشمي، من الذين جمعوا بين الدراسة الشرعية والدراسة الحديثة.
وكان المراقب الذي يُشرف على الطلاب، على إدخالهم وإخراجهم وصفّهم ويتولّى شؤونهم هو الشيخ رضا الحلو. وهو رجل له في تاريخ الرياضة في الشام ذِكر، ذلك أنه كان من تلاميذ البطل القديم صائب بك العظم (الذي مرّ ذكره)، وكان يوماً بطل العالَم في المصارعة الحرّة، وخبّرني أخي ورفيقي محمود البحرة ﵀ أن الشيخ رضا كان يمتلك جسماً يُعَدّ في مقاييس كمال الأجسام نادراً. بلغ الثمانين وهو مستمرّ على التدرُّب وعلى التمرين، لم يُثِنه الكبر عنها ولم يَقِفْه دونها.
ثم انتقلَت الكلية إلى الإدارة العامة للأوقاف، ولم تكن قد صارت وزارة، فغدت كلية رسمية فيها خمسة صفوف، كما كانت أختها في حلب (المدرسة الخسروية)، وأنشأت الأوقاف في كل من حمص وحماة مدرسة شرعية فيها ثلاثة صفوف (أي أنها من ثلاث سنوات). ولا بد لي إن شاء الله من عودة للكلام عن الكلية وأهلها.
وربما جاء الخير مما يبدو لك أنه شر. فهذا الخلاف الذي
стр. 2429
كان بين الشيخ كامل القصاب والشيخ علي الدقر، لمّا حَسُنت النيات وصفت القلوب، آلَ إلى تنافس شريف؛ فأنشأ الشيخ علي مدرسة مثل الكلية الشرعية، افتتحها في جامع تنكز (وتنكز كان نائب الشام على عهد المماليك) بعد أن جمع له أهل الخير ما جدد به بناءه. وكانت لجامع تنكز واجهتان على أكبر شارعين في دمشق، الواجهة الأصلية على شارع النصر الذي افتتحه جمال باشا سنة ١٩١٦ كما أذكر، وكان يُدعى باسمه، وعلى ساحة المرجة التي كانت لبّ دمشق.
* * *
قرأتم في كتاب الشيخ حسن الشطي الذي افتتحتُ به الكلام على الكلية الشرعية أنهم كلفوني بأن أدرّس فيها الثقافة الإسلامية. وكان درساً جديداً، وليس في العلوم المقرَّرة المعروفة ما يُدعى «الثقافة الإسلامية»، ولم يكن في مثله بُدّ من شيء من الفوضى والبعد عن التبويب أحياناً واختلاط مسائله بمسائل غيره من العلوم، لذلك يبقى أمداً تعتوِره الزيادة والنقصان والتعديل والتبديل، حتى يستقرّ وتَضِح (أي تتّضح) معالمه ويصبح علماً من العلوم.
والذين اخترعوا هذه العلوم الجديدة أرادوا أن يخرجوا بها عن الأسلوب النمطي وعن اجترار ما كتب الأولون، يُبدئون فيه ويُعيدون ولا يأتون فيه بجديد. وقد أرادوا الخير كل الخير من اختراعها، ولكن لم يوضّحوا سبيلها ولم يحدّدوا غايتها، لأنه لم يكن في أذهانهم -كما أظنّ- صورة واضحة لها؛ لذلك كان
стр. 2430
المنهج الذي رسموه لها متداخل الحدود خفيّ المعالم.
وكان أول من كُلِّف بتدريس هذه المادة الجديدة الأستاذ الشيخ دهمان، درّسها مدّة قصيرة جداً، ثم كُلّفت أنا بها أدرّسها في دمشق، ويدرّسها في الكلية الخسروية في حلب العالِم المؤلف الشيخ راغب الطبّاخ. فاختلف طريقانا في الفروع، وإن كنا اتفقنا على الأصول وأخذنا من مراجع واحدة. ولكن الشيخ الطبّاخ أُعطيَ -على كبَر سنّه- هِمّة لم أُعطَ أنا مثلها، ويسّر الله له أسباباً لم يتيسّر لي ما يشبهها، فكان على علمه وفضله يعمل على طبع الكتب ونشرها، وأظنّ أنه كان يملك مطبعة. وكان أمثاله من الناشرين العلماء كثيرين، منهم السيد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وخير الدين الزركلي حيناً، والأستاذ أحمد عبيد، والشيخ منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي. فطبع الشيخ الطبّاخ ما أعدّه في كتاب بقي في الأرض ينفع الناس، وذهب ما أعددتُ أنا جفاء، وأسأل الله أن يجعله زبدة لا زَبَداً. كما أنني ألقيت في أحاديثي في الإذاعة وفي الرائي من سنين طويلة مسائل في أصول الشريعة وفي نظام الحكم والنظام المالي والاجتماعي في الإسلام كانت أكثر مما أعدّ الأستاذ المبارك ﵀، ولكنه أسرع فجمع ما هيّأه في كتاب فبقي، وما أعددته أنا ضاع ولم يبقَ عندي إلاّ مذكّرات لا تُغني ولا تُفيد. ولعلّ الله يرزقني الإخلاص فيه فلا يضيع عند الله ثوابه.
بدأت أنا دروسي بتعريف الثقافة وبيان أصل الكلمة. ولقد كتب في ذلك جملة من العلماء والأدباء، ولكنهم أخذوا غصن الشجرة ولم يمسكوا بساقها، فجعلوا أصلها «ثَقِفَ يَثْقَف»،
стр. 2431
وكذلك صنعت المعاجم من القاموس المحيط إلى المعجم الوسيط الذي وضعه مجمع اللغة العربية في مصر، وبينهما المعاجم كلها، حتى المعجم الذي لم يؤلَّف مثله وهو «مقاييس اللغة» للإمام أحمدبن فارس.
وهذا من عيوب معاجمنا (أي قواميسنا)، فإنها لا تراعي التسلسل التاريخي لمعاني الكلمات. بل ينسى الأساتذة العصريّون ممن كتب في موضوع الثقافة إن الاسم يوضع قبل الفعل، فهو الأصل والفعل مشتَقّ منه ومتفرّع عنه. ولي تعليقات كثيرة على المعاجم، منها بحث في المعنى الأصلي من معاني الكلمة التي توردها، ولكنني -على عادتي في إضاعة ما أكتب وما أُعِدّ- لم أجمعها، وإنما تركتها في ذهني تأتي بها المناسبة ويذهب بها النسيان.
ومما لاحظته على المعاجم أنها أساءت في شيء كانت تستطيع الإحسان فيه؛ وهو أنها تسرد المعاني المتعددة للكلمة الواحدة، أو اختلاف وزنها الصرفي، تحشدها كلها حشداً. ولو أنها بيّنَت أن كل واحدة منها لغةُ قبيلة من قبائل العرب، فنسبَتها إليها وعَزَتها إلى مصدرها، لأفاد الناس من ذلك أكبر الفائدة. ذلك أن قبائل العرب لم تكن في منزلة واحدة من الفصاحة، وأن المعاني المختلفة أو الأوزان المتعددة بعضُها مثل الحديث الصحيح، وبعضها مثل الحديث الحسن، وبعضها مثل الحديث الضعيف. فلو أن علماء اللغة الذين دوّنوها وألّفوا معاجمها ميّزوا بينها وفعلوا فعل المحدّثين لكان من ذلك نفعٌ كبير.
فأصل مادّة الثقافة من «الثِّقاف»، وهو اسم لخشبة مثقوبة،
стр. 2432
فإذا أرادوا أن يقوّموا قناة الرمح قطعوا الغصن الذي يصلح لذلك ثم أحموه على النار ثم أدخلوه في هذا الثقب المثقوب في الخشبة وقوّموه وأزالوا اعوجاجه. هذا هو الأصل في مادّة الثقافة، ثم اشتقّوا من هذا الاسم فعلاً فقالوا: رمحٌ مُثقَّف، أي مقوَّم. ولمّا كانت الألفاظ توضَع للموجودات المدرَكة بالحسّ ثم تنتقل إلى ما وراء الحسّ من الصور المعنوية والمعاني المجردة، فقد نقلوا معنى «المثقَّف» من القناة التي قوّمنا عِوَجها بالثّقاف إلى الإنسان الذي قوّمنا طباعه وفكره بالثقافة.
وكذلك نجد معناها في الفرنسية، فهو فيها معنى مجرّد لا حقيقي، فهم يدعونها «كولتور»، وهي كلمة تدلّ في حقيقتها على الحرث والزرع. ويقولون للرجل «كولتيفه»، أي محروث أو مزروع.
ولا يقتصر معنى الثقافة على تلقّي العلوم، بل تشمل سلوك الإنسان في كلامه وفي طعامه وفي يقظته ومنامه.
* * *
стр. 2433
-١٨٨ -
حلقة خاصّة في تصنيف العلوم
أنبّه قراء هذه الحلقة إلى أمور. الأول: أن فيها بحثاً علمياً جافاً ليس فيها طرفة نادرة ولا حادثة مشوّقة. فهل رأيتم أحداً يبدأ كلامه بالتنفير من كلامه؟
والثاني: أنها كالصلة لِما قبلها، لا تُفهَم إلاّ معها مقرونة بها، فأرجو أن تضعوا سابقتها أمامكم أو أن تُحضروها أذهانكم.
والثالث: أنكم ستقرؤون هنا كلاماً كالذي تجدونه في مدخل كتابي «تعريف عامّ بدين الإسلام» (الذي طُبع بإذني وبلا إذني أكثر من عشرين طبعة)، فالذي تقرؤونه هنا هو ما ألقيته على الطلاب في دمشق سنة ١٣٦٣هـ، وسبق أن ألقيتُ مثله على طلاب العراق سنة ١٣٥٦، أي قبل ذلك بسبع سنين، ونشرتُ طرفاً منه في «الرسالة» في عدد ٩ جمادى الآخرة سنة ١٣٥٦، ثم ألقيته على طلاب كلية التربية في مكة سنة ١٣٨٤ وما بعدها، وطبعوه وكانوا يتداولونه.
كرّرته وأعدته، لكنني كنت أبدّل فيه وأُعدّل حتى نضج في ذهني واختمر، وجاء في كتاب «التعريف» خميراً ناضجاً.
* * *
стр. 2434
أنا أقدَم (أو مِن أقدم) مَن درّس هذه المادة المحدَثة: مادة الثقافة الإسلامية، في دمشق أولاً ثم في مكة. ولم أكن مقيَّداً بمنهج محدَّد لأنه لم يكن أمامي مثل ذلك المنهج، فكنت أبدّل موضوعاتها تبعاً لما أجد من حال الطلاب وحاجتهم إلى ما يُلقى عليهم.
والغريب أني وجدت في عدد «المسلمون» الصادر يوم ١٣ جمادى الآخرة سنة ١٤٠٦، أي بعد ثلاث وأربعين سنة من شروعي في تدريسها، خبراً بأن اللجنة العليا للدعوة الإسلامية في الأزهر انتهت من إعداد منهج متكامل (يقصدون أنه كامل) للثقافة الإسلامية التي تَقرّر تدريسها في الجامعات المصرية اعتباراً من العام الجامعي المقبل.
وشيء آخر أنبّه إليه، هو أنه ليس من عادتي في هذه الذكريات أن أفيض في الكلام على المسائل العلمية ولا أن أضمّنها مباحث أو خلاصة عن هذه المباحث، ولكني خالفت عادتي هذه المرة فتكلمت عن تصنيف العلوم عند علمائنا، لأنني لم أجده مجموعاً في كتاب، بل نقّبت عنه حتى وفّق الله فجمعتُه (١)، فهو جزء من عملي لذلك ساغ أن أضمّه إلى ذكرياتي، ثم إنه يُفيد قارئ الجريدة كما يُفيد طالب الجامعة.
قلت إن الثقافة تشمل عادات المرء كلها: في شرابه وطعامه، وفي مشيه وقيامه، وفي صوته وكلامه، وفي لبسه وهندامه (٢). ومن
стр. 2435
الثقافة نظافة الثياب وأناقتها ولو رخص ثمنها، وأن يشرب الماء مصّاً بلا صوت لا يَشرقه شَرقاً، وألاّ يفتح فمه والطعام في فيه، وألاّ يمضغه مضغ الجمل عند الاجترار، وأن يلبس ما يلبس الناس ما لم يكن مخالفاً للشرع لئلاّ يكون موضع سخريتهم أو ازدرائهم، والمسلم يترفّع عن أن يضع نفسه موضع السخرية والازدراء.
ولو قرأتم وصف الحياة الاجتماعية أيام العباسيين في الكتب القليلة التي عرضَت لها، ككتب القاضي التنوخي (مثل «الفرج بعد الشدة») وبعض ما كتب الجاحظ، وهو قليل جداً، لرأيتم أن للمائدة عندهم آداباً متّبَعة وأساليب مقرَّرة كالذي عند الإفرنج اليوم، ومنها أن الطعام إما أن يُقدَّم جملة واحدة فيختار الضيف ما يعجبه، أو أن يُقدَّم صنفاً بعد صنف. وكان لكل طعام أسلوب في تناوله، وفي «البخلاء» للجاحظ نقد لمن يأكل أكلة على غير أسلوبها.
ووجدتُ أرجوزة في بيان آداب المائدة. ولا تعجبوا منها، فإن أول مَن وضع آداب المائدة هو المعلم الأعظم ‘، حين أمر بغسل اليد قبل الطعام، وقال: «كل بيمينك وكل مما يليك»، وأمر بتصغير اللقم، وألاّ نستعمل أكثر من ثلاثة أصابع، وبيّن ما يؤخذ منه واحدة واحدة وما يؤخذ اثنتان، ووضع لتقديم الشراب قواعد، أولاً لكبير القوم ثم مَن على يمينه، واستعمل السكّين في قطع اللحم، وأحسب أنه لو كانت الملعقة والشوكة في أيامه لغلب على الظنّ أنه يستعملها، لأن الإسلام لا يعارض الأوضاع المدنية ولا ينافي الأعراف الاجتماعية التي ليس فيها مخالفة ظاهرة لشرع الله.
стр. 2436
ولكن الثقافة المقصودة ليست في شيء من هذا وإن كان هذا كله معدوداً منها. وهي لا تقتصر على أسلوب المرء في التفكير ولا على مبلغه في العلم، وإن كان ذلك أكبر مظاهرها وأكثر ما يدلّ عليها، لذلك اقتصرتُ هنا عليه، فبدأت دروسي في الكلية الشرعية التي أحدّثكم عنها بالكلام على مصادر الثقافة.
مصادر الثقافة: للثقافة أو العلوم مصدران: كسبي وتوقيفي. وعند الكلام على العلم المكتسَب لا بدّ من تصوّر العالِم الذي هو الإنسان، والمعلوم الذي هو الكون، وطريق العلم.
ومصادر العلم المكتسَب وطرقه هي الحواسّ والخيال والعقل. فالحواسّ هي منافذ النفس التي تطلّ منها على العالَم الخارجي، والحسّ يُفيد العلم حتماً، فإذا مارى الإنسان فيما يسمع خبره فلا يستطيع أن يماري فيما يراه أو يلمسه. غير أن الحواسّ لا تُطلِعنا على كل شيء في الوجود؛ أنا لا أدرك ببصري نملة تمشي على بعد أميال ولا أسمع لها صوتاً، مع أن لها وجوداً وصوتاً. والحواسّ ربما تُخطئ، كأن ترى بعينك القلم المستقيم الموضوع في الماء منكسراً أو ترى السراب ماء. والحواسّ ليست كاملة، بدليل أنهم اكتشفوا حواسّ غير الخمس المعروفة، كحاسّة البرودة والحرارة، وحسّ التوازن، والحسّ الداخلي.
فالحواسّ إذن تُفيد العلم ولكنها لا تُطلعنا على كل الموجودات، فلا يحقّ لنا أن نُنكِر أشياء (كالجنّ أو الملائكة مثلاً) لمجرَّد أننا لا نراها ولا نحسّ بها.
ثم يأتي بعد الحواسّ الخيال. والخيال هو القوة التي
стр. 2437
تستحضر بها النفس المُحَسّات (أي المحسوسات) عند غيابها، فأنا أستطيع أن أتخيّل داري في دمشق وأنا في مكة، أي أنني أرى بعين الخيال كل ما كنت أراه فيها بعين الحقيقة. والخيال أحد طرق العلم، وإن لم يكن يُفيد العلم وحده، فالرياضي يتخيّل نتيجة المعادلة قبل حلّها، والشاعر يتخيّل القصيدة قبل أن يُتمّ نَظْمها، والعالِم يتخيّل ثمرة البحث قبل أن يكمله.
غير أن الخيال له حدود، فنحن لا نستطيع أن نتخيّل إلاّ ما أدركناه أو أدركنا أجزاءه من طريق الحواسّ. وإن أبعد الخيال (كتخيّل رائحة حمراء مثلاً، أو ما يقوله المذيع كل يوم: تسمعون تلاوة عطرة من سورة كذا ...) هذا كله مأخوذ من الواقع، ولكننا وضعنا الرائحة حيث يجب وضع اللون والصوت. لذلك يستحيل أن نتخيّل شيئاً من أمور الآخرة على حقيقته، وهذا مصداق قول ابن عباس: «ما في الدنيا ممّا في الآخرة إلاّ الأسماء».
ثم يأتي العقل. والعقل هو القوة المميّزة في الإنسان وهو طريق العلم الصحيح، غير أن العقل لا يستقلّ بإدراك الموجودات كلها لأنه مقيَّد بالزمان والمكان فلا يدرك ما وراء المادّة، ولأن عمله لا يزيد على ترتيب وتحقيق المعلومات التي جاءته من طريق الحواسّ، ولأنه محدود لا يتصوّر غيرَ المحدود (أي اللانهاية)؛ ولذلك يبقى الإنسان على جهل بما وراء المادة حتى يمنحه الله طريقاً آخر للعلم هو «المصدر التوقيفي»، أي طريق الوحي. لا الوحي الذي يفهمه الكتّاب والشعراء ويعنون به الإلهام النفسي، بل الوحي الذي هو نزول الملَك بمعلومات ليست من عند العقل.
стр. 2438
هذا المصدر هو المصدر الأهمّ، لا في رأي علمائنا فقط بل في رأي أعلام الفلاسفة الغربيين كديكارت ولايبنتز ودوركايم. وتفصيل هذا كله في كتابي «تعريف عامّ بدين الإسلام» الذي أُلّف وطبع بعد إلقاء هذه الدروس بسنين طويلة (١).
* * *
ثم بحثت في دروسي التي ألقيتها في مادة «الثقافة الإسلامية» في العلم: ما هو وما حقيقته؟ ثم تذكّرت ما درَسناه في شعبة الفلسفة (وقد نلتُ شهادتها سنة ١٩٢٩) من تصنيفات العلوم لبعض فلاسفة اليونان وبعض أعلام الغرب، فحاولت أن أجد مثلها لعلمائنا. وعكفت على الكتب وحبست نفسي في المكتبة أياماً، فوجدت الكثير، فوضعته إلى جنب ما كنا درسناه في علم المنطق التجريبي وجعلت منه فصلاً طويلاً يصلح أن يُطبع في رسالة أو كُتيّب، ولكني فقدته فضاع.
والمنطق التجريبي، أو المنطق العلمي، هو غير المنطق الصوري، منطق أرسطو الذي عُني به علماؤنا وأولَوه ما لا يستحقّ من هذه العناية، وأدخلوه في البلاغة وفي النحو، بل وفي العقائد (أي في علم الكلام) فأفسد كل علم دخل فيه.
لمّا بحثت عن أوراقي فلم أجدها سألت عنها من هو في المملكة ممن كان يومئذ من الطلاب، وكلهم الآن من الأساتذة الكبار، فما وجدتها عند أحد منهم. ولو أني تعودت أن أكتب كل
стр. 2439
ما أُعِدّه من محاضرات ومن أحاديث ومن دروس، ونشرتها يومئذ في مجلة أو طبعتها في رسالة، لانتفعت بها وانتفع بها الناس. ولكن «لو» تفتح عمل الشيطان.
ما وجدت إلا مسوَّدات فيها رؤوس المسائل التي ألقيتها، بل فيها إشارات إلى رؤوس المسائل مكتوبة على عجل، قرأت بعضها ولم أستطع -لسوء الخط- قراءة بعضها وأنا كاتبها! وكثيراً ما يقع لي مثل هذا: أُعِدّ محاضرة أو مقالة علمية، فأكبّ على المراجع وأغرق في صفحات المجلَّدات وبيدي قلم وورق أدوّن ما أجده نافعاً لي في مقالتي أو محاضرتي، أشير إليه ولا أدلّ عليه، أُجمِل ولا أفصّل وألمّح ولا أصرّح، وفي ظني حينئذ أن الإشارة والإجمال والتلميح بلا تصريح يكفي. فإذا مر الزمان وعُدت إليها -كما أعود الآن- لم أستطع أن أحلّ رموزها ولا أن أدرك المُراد منها، فضلاً عن أن أكتفي بها. ولقد أضعت على نفسي وعلى الناس بهذه الخطة الحمقاء مقالات وفصولاً ومباحث لو أنها كُتبت في حينها لكان منها الكثير الطيب.
وجدت مسوَّدات أرجو أن تأذنوا لي أن أُثبِتها هنا كما وجدتها.
تكلمت أولاً عن العلم: ما هو العلم؟ فوجدت أن العلم بالمعنى اللغوي هو ما يقابل الجهل، وأن العلم بالمعنى الأصولي المنطقي هو الذي يقابل الظنّ، أي أن مراتب الوجود الذهني عند علمائنا ثلاث: «الشكّ»، وهو تَساوي جانبَي الإثبات والنفي. فإن سُئلتَ وأنت في المدينة: هل في القرية مطر؟ قلتَ: لا أدري. لأن احتمال نزول المطر كاحتمال عدمه، وليس لديك دليل لنفيه ولا
стр. 2440
لإثباته. فإن لمحت في الأفق من جهة القرية سحاباً رجح عندك جانب الإثبات رجحاناً قليلاً، ٥٥ بالمئة مثلاً، فقلت: «أظنّ» أن فيها مطراً. فإن تراكب السحاب وتراكم واسودّ ولمعت خلاله البروق صار عندك «غلبة الظنّ». فإن ذهبت إلى القرية فرأيت المطر، أو تواتر به إليك الخبر، فهذا هو «العلم».
فالعلم هنا بمعنى اليقين، ولذلك قال جمهور العلماء إن حديث الآحاد لا يُفيد العلم ولو صحّ، وإنما يُعمَل به بغلبة الظنّ. وقال أهل الحديث وكثير من فقهاء الحنابلة إنه إن صحّ أفاده. فمن أنكر -على رأي الجمهور- عقيدةً جاءت في حديث آحاد لم نحكم بكفره، لأننا لا نستطيع أن نجزم بأن الرسول ‘ قاله كما نجزم بأن القرآن هو كلام الله، وإن كان المحدّثون بذلوا من الجهد في تحقيق الأسانيد غاية ما في طاقة البشر.
أقسام العلم
والعلم بمعنى اليقين قسّمه علماؤنا إلى «علم ضروري»، وهو اليقين الذي يجيء من طريق الحسّ، و «علم نظري»، وهو ما يحتاج إلى دليل.
ثم إن عندنا «العلم» الذي يقابل «الفنّ»، ومن هنا قلنا «علم الكيمياء» و «علم النحو»، وقلنا «فنّ التصوير» و «فنّ الإنشاء».
والعلم يمتاز من الفنّ بالغاية وبالوسيلة وبالأداة. فالعلم غايته الحقيقة والفنُّ غايته الجمال، والعلم وسيلته المحاكمة والفنّ وسيلته الشعور، والعلم أداته العقل والفنّ أداته العاطفة أو القلب كما يقولون. ومما يلاحَظ أن الأمم كلها قديمها وحديثها تخصّ القلبَ
стр. 2441
بالعاطفة والعقلَ بالفكر، ولعلّ منشأ ذلك أن الإنسان الأول كان يجد أنه إذا فكّر أصابه الصداع وإذا رأى الجمال أو هاج به الغرام أحسّ الخفقان، فظنّ أن هذا من ذاك وأن الفكرَ بالعقل والعاطفةَ بالقلب. على أنه إذا أُطلق القلب في القرآن أريدَ به مُطلَق اللبّ، لا هذا القلب المادي الذي يضخّ الدم، فكأن المُراد بالقلب في القرآن الفكر والشعور ولو خصّه بأنه الذي في الصدور، والله أعلم.
ومن العلماء المحدَثين مَن يضيّق دائرة العلم حتى لا تتّسع إلاّ للعلوم التجريبية، وليس ذلك بمسلَّم لهم.
وكان علماؤنا يفرّقون بين العلم والأدب، فالعلم تخصُّصٌ وتعمُّق في علم واحد، والأدب أخذٌ من كل شيء بطرف؛ فكان معنى كلمة «الأديب» قديماً كمعنى كلمة «المثقَّف فكرياً» الآن.
وقد جعل الصوفية العلم عِلمَين: علم الظاهر وعلم الباطن، فجاؤوا فيما سمّوه بعلم الباطن بطامّات وبلايا يُنكِرها العقل ويردّها النقل.
تصنيف العلوم
أمّا تصنيفات العلوم فهي كثيرة متعددة بتعدّد الأسس التي يمكن بناؤها عليها، فمن العلماء مَن صنّفها تبعاً لحكمها في الشرع كالغزالي تارة، وتبعاً لغير ذلك تارات أخرى. ومنهم من صنّفها باعتبار أصلها كابن خلدون والحفيد (١)، ومنهم من صنّفها
стр. 2442
بحسب طبيعة موضوعها كطاشْكُبْري زاده، ومن صنّفها بغايتها كأرسطو، أو بالملَكة البشرية المتعلقة بها مثل بيكون ودروكايم، أو بموضوعها مثل مُلاّ كاتب جَلَبي (١) وأوغست كونت. والتصنيف يختلف باختلاف الأزمنة، إذ قد تظهر علوم جديدة ويتبدّل محتوى بعض العلوم بازدياد موضوعاتها أو نقصها، أو اندماجها في علوم أخرى.
وقد وجدتُ خلال مطالعاتي تصنيفات أخرى كثيرة اخترت منها كالمثال عليها بعض هذه التصنيفات.
تصنيف الغزالي: صنّفها الغزالي باعتبار حكمها في الشرع إلى مُهمّة وغير مُهمّة. وقسّم المُهمّة إلى ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، أي أنه فرض على المجموع لا على كل فرد منه فإذا قام به بعض سقط الإثم عن الباقين. وقسّم غير المُهمّة إلى ما هو مُباح وما هو مذموم. وشرح اختلاف العلماء في العلم الذي هو فرض عين في حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وذهب فيه مذهباً وسطاً، وقال بأن العلم المفروض يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأزمنة والأحوال، فمَن أسلم ضُحى من نهار وجب عليه أن يعرف ما يصحّ به إيمانه، فإذا كان
стр. 2443
الظهر وجب عليه معرفة الوضوء والصلاة، فإن أدركه رمضان وجب عليه معرفة أحكام الصيام، فإن امتلك النصاب وجب عليه معرفة أحكام الزكاة ... ومن أراد زيادة الوقوف على رأيه فليرجع إلى كتبه: «الإحياء» و «فاتحة العلوم» (١) وكتاب «ميزان العمل».
وقسّم العلوم باعتبار أصلها إلى شرعية وغير شرعية، فغير الشرعية منها ما هو عقليّ كالرياضيات، أو تجريبي كالطب، أو سماعي كاللغة. والشرعية تقسم عنده إلى أصول وفروع ومقدّمات ومتمّمات.
تصنيف ابن خلدون: قسّمها إلى «طبيعية» يهتدي إليها الإنسان بفكره، و «نقلية» يأخذها عمّن وضعها. فالطبيعية هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي عامّة لجميع البشر. ويلاحَظ أن الفلسفة على عهد ابن خلدون كانت تنتظم العلومَ كلها، أي أنها كانت لها كالأم الحاضنة للأولاد الصغار، فكلما كبر علم استقلّ عنها، وآخر علم استقلّ (أو كاد) هو علم النفس. وصارت الفلسفة في أيامنا قاصرة على مسائل المغيَّبات (الميتافيزيقا). وقال إن العلوم النقلية مستمَدّة من الخبر إلى الواضع الشرعي، وهي خاصّة بالمسلمين ولا مجال للعقل فيها إلاّ في إلحاق الفروع بالأصول، وأصلها الكتاب والسنة.
تصنيف ابن النديم: أمّا ابن النديم المتوفّى سنة ٣٨٥ صاحب «الفهرست» فليس له تصنيف كامل للعلوم، وإنما يُستنبَط من كتابه
стр. 2444
الذي جعله عشرة فصول (أو عشر مقالات كما سمّاها) وجعل كل طائفة من العلوم في مقالة منها، وتكلّم عن لغات الأمم وخصائصها، ثم عن كتب الشرائع المنزلة، ثم النحو واللغة، ثم التاريخ، ثم الشعر، ثم علم الكلام، ثم الفقه والحديث، ثم الفلسفة والعلوم القديمة، ثم الأسمار والخرافات والسحر والشعوذة، ثم المذاهب والاعتقادات (انظر مقدّمة الفهرست).
تصنيف شمس الدين السنجاري المتوفى سنة ٧٤٩: قسّم العلوم إلى مقصودة في ذاتها ومقصودة لغيرها. فالأولى هي العلوم الحكمية، وهي عنده إما نظرية كالفلسفة والطبيعيات والهندسة، وإما عملية كالسياسة والأخلاق وتدبير المنزل. والثانية علوم الأدب، فهي عشرة: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعَروض والقوافي والنحو والخط والقراءة. ثم العلوم الشرعية وهي ثمانية: القراءات ورواية الحديث ودرايته والتفسير وأصول الدين وأصول الفقه والجدل وعلم الخلاف. ثم العلوم العقلية وهي الطب والبيطرة والبيزرة (وهو طب البُزاة، وقد كتبت عنه في مجلة الرسالة من أكثر من خمسين سنة (١)) والفراسة وتعبير الرؤيا (والحقيقة أن تعبير الرؤيا ليس بعلم) والنجوم والسحر والطلّسْمات (وهذه كلها ليست من العلوم) والكيمياء والسيمياء
стр. 2445
والفلاحة والمرايا المحرقة والمساحة والمياه (راجع كتابه «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد»).
تصنيف طاشْكُبْري زاده: قال في كتابه العظيم «مفتاح السعادة» إن الأشياء لها وجود في أربع: في الكتابة، وفي الألفاظ، وفي الأذهان، وفي الأعيان (وأقول أنا إن هذا التقسيم مأخوذ من الغزالي في كتابه «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»).
وصنّف طاشكبري زاده العلوم تبعاً لذلك، فجعل من القسم الأول الكتابة وعلم الخط والإملاء. ومن الثاني اللغة وعلم الوضع (أقول: وقد كان يُدرَّس على أيامنا ثم أهملَته المدارس) والاشتقاق والتصريف والنحو والمعاني والبيان والبديع والعَروض والقافية والإنشاء وقرض الشعر والشروط والسجلاّت والأحاجي (أي الفوازير) والأغلوطات والتاريخ والمغازي.
ومن الثالث المنطق والجدل والمناظرة والخلاف (وهو ما نسمّيه اليوم «الفقه المقارن»). وقسّم الرابع إلى: «إلهيّ» ومنه علم النفس (وهو غير ما ندرسه باسم السيكُلوجي) وعلم المَعاد (أي الآخرة) ومقالات الفِرَق. و «رياضيّ»، كالعدد (أي الحساب) والهندسة والهيئة (أي علم الفلك) والموسيقى. و «طبيعي»، وهو الطب والبيطرة والبيزرة والنبات والحيوان والفِلاحة (أي الزراعة) والمعادن والفراسة وتعبير الرؤيا والنجوم والسحر (وهذه ليست علوماً) والكيمياء والكحالة (أي طب العيون) والصيدلة والجراحة.
стр. 2446
وقد جمعتُ تصنيفات أُخَر، ولكنني أجتزئ هنا بالذي كتبته وأعتذر إلى القارئ بأنني جعلت هذه الحلقة من الذكريات بحثاً علمياً قد ينفع ولكنه لا يمتع.
* * *
إن لذكرياتي في الكلية الشرعية صفحات أربعاً:
صفحة تدريسي فيها. وقد درّست الثقافة الإسلامية كما بيّنت لكم، ثم درّست لطلاب القسم العالي في الكلية لمّا أُنشئ الجزءَ الثاني من أمالي القالي.
وصفحة عملي في رياسة مجلس العمدة، الذي كان المرجع الأعلى للكلّيات الشرعية (أو الثانويات الشرعية كما سُمّيت بعدُ) في سوريا كلها.
والثالثة أنهم لمّا وحّدوا المدرستين، كليتنا هذه ومعهد العلوم الشرعية الذي أنشأته الجمعية الغرّاء، كنت رئيس هذه العمدة الموحَّدة بحكم كوني القاضي الممتاز في دمشق، أي لوظيفتي الرسمية لا لعلمي ولا لفضلي.
وصفحة رابعة هي لمّا كلّفني السرّاج (وزير الأوقاف أيام الوحدة مع مصر) بوضع مناهج الكليات الشرعية، فوضعتُها كلها وحدي بعد أن استشرت علماء الشام وحاورتهم، ثم ذهبت إلى مصر وقابلت الشيخ شلتوت شيخ الأزهر، الذي عرفته قديماً في مجلس الشيخ عبد المجيد سليم وفي إدارة «الرسالة» وشرّفني حقاً بصداقته، وإن أنكرتُ عليه ما ذهب إليه في آخر عمره -رحمه
стр. 2447
الله- في مسألة الربا. قابلت الشيخ شلتوت والدكتور البهي وفريقاً من علماء الأزهر، ثم وضعت هذه المناهج التي تسير عليها المدارس الشرعية اليوم.
ولكل واحدة من هذه الصفحات الأربع قصة أرجو أن أوفَّق إلى روايتها إن شاء الله. وسأكتب إن وفّق الله عمّن عرفت من الرجال في الكلية؛ أروي أخبارهم وألخّص سِيَرهم، وفي بعض أخبارهم ما يُفيد وفي بعضها ما يسرّ ويسلّي.
* * *
стр. 2448
-١٨٩ -
في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية
أحاول في هذه الذكريات ألاّ أقصر القول على ما كان مني أو ما وقع لي، بل أن أضمّنها شيئاً من الأدب يلذّ ويمتع أو قليلاً من العلم يفيد وينفع. وقد تعلّمت هذا الأسلوب من الإمام السبكي في «طبقات الشافعية»، فإنه إن ذكر مناظرة بين عالِمين لخّصها وبيّن وجهة كل منهما، وإن عرض لذكر مسألة عرّف بها ولم يكتفِ بالإشارة إليها؛ كما صنع عند الكلام عن محنة خَلق القرآن وموقف الإمام أحمد منها، فقد فصّل القول فيها -على بُعد عهده من عهدها- فكان كتابه أوفى مرجع للباحث فيها، وامتاز من كتب التراجم الكثيرة جداً بأنه كان كتاب علم وأدب فوق أنه كتاب تاريخ وخبر. وما أنا مثله ولكن أتشبّه به:
فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهمْ ... إنّ التشبّهَ بالكِرامِ فَلاحُ
وكان ذلك مزيّة لذكرياتي عند قوم من القراء، كما كان عيباً عند آخرين يأخذونه عليّ، كما يأخذون عليّ أني أشرع في موضوع ثم أنتقل عنه إلى غيره قبل أن أحيط بخبره، ثم أعود إليه.
وهذه سنّة الحياة. والذين يكتبون القصص التي يدعونها
стр. 2449
«واقعية» لا يروون حوادثها كما وقعت، بل يجمعون الشيء إلى ما يماثله ويقاربه، فيكون من هذه الأشباه والنظائر ما يُظَنّ واقعاً. وما وقع (١)؛ ما وقع ولكن وقعَت أجزاؤه متناثرة، فجمعها الكاتب فنظمها في سلك فكانت قصة واقعية.
ولعلّي عندما أعيد طبع الذكريات (التي صدر منها جزءان، وجزءان على الطريق قد صدرا ولم يصلا، وثلاثة مُعَدّة للطبع، ولا أزال فيها كلها قبل أكثر من أربعين سنة من يوم الناس هذا) لعلّي حين أُعيد طبعها أبدّل تنسيقها وترتيبها، أو تتولّى ذلك إحدى بناتي أو بعض أحفادي بعد موتي (٢).
* * *
أبدأ هذه الحلقة بإنذار، لا أُنذِركم خطراً محقَّقاً ولكن مللاً متوقَّعاً وسآمة وضيقاً؛ ذلك أن هذه الحلقة جاءت أيضاً علمية فقهية. إنها كطعام كله لحم ودهن وبروتينات ومغذِّيات، ولكن ليس معه
стр. 2450
أبازير ولا مشهّيات، فمَن صبر عليه استفاد إن شاء الله منه، ومن لا يصبر فليبتعد عنه وسيجد العوض في الحلقات المقبلات.
الفقه الإسلامي -يا أيها القراء- شيء عظيم ليس لأمّة في الدنيا مثله، لا أمس ولا اليوم. ولقد كان لروما قوانين وأبحاث حقوقية مدوَّنة، وفي الدنيا اليوم كلّيات حقوق وعلماء في الشرع (ولا تقُل في التشريع)، وفيه كتب لا تُحصى، ومحاكم فيها قضاة وفيها محامون علوا في منازل السموّ الفكري البشري، وتعمّقوا في البحوث وغاصوا فيها حتى استخرجوا الجواهر من أعماق الفكر ومن زوايا المجتمع ومن خفايا الضمائر.
ولكن ذلك كله لا يشبه الفقه الإسلامي ولا يقاربه. هذا كله للصلات المالية والحقوقية المادّية بين الناس. وإذا قلنا «الفقه الروماني» أو «الحقوق الرومانية» أو قلنا «الفقه القانوني الحديث» فإنما نقوله على نوع من التجوّز الواسع والتشابه البعيد؛ فالفقه الروماني والحديث غايته أن يكون موافقاً للقانون ليكون صواباً، والمؤيِّد له: الشُّرطي والضمير البشري، والشرطي قد يغيب فلا يَرى والضمير قد يغفل فلا يراقب. ومؤيِّد الفقه الإسلامي خوفُ الله الذي لا يغفل ولا يغيب ولا يخفى عليه شيء مما تصنع الجوارح وما يعتلج في القلوب والأفكار.
والفقه الإسلامي يشمل العبادات والمعاملات والمناكحات وأحكام الجنايات والعقوبات، أي أنه يبيّن لنا كيف تكون علاقة المرء بربّه وبأهله وبمن يعامله ومن يعيش معه؛ فهو دين بالمعنى الذي يفهمه غير المسلمين من كلمة الدين، وهو قانون مدني،
стр. 2451
وقانون للأحوال الشخصية، وقانون للجنايات، وقانون إداري، ثم إنه -فوق ذلك- أخلاق.
وهذا كله صار اليوم معروفاً وصار القول فيه من الكلام المُعاد، ولكنه لم يكن كذلك من نحو ستين سنة لمّا أصدرتُ رسائل الإصلاح سنة ١٣٤٨هـ، التي كانت أول ما نشرتُ من الكتب، والتي أحمد الله على أن جعلني فيها من أوائل من عرّف من الشبان في هذا العصر بهذا الذي صار اليوم معروفاً، ومن أوائل من نشره في الناس بوسائل النشر الحديثة مكتوباً بالأسلوب الذي يفهمونه. وإن دار المنارة في جدة تستحثّني الآن على أن أكتب مثل تلك الرسائل وأجدّدها لأصل بها ما انقطع من نحو ستين سنة.
ومباحث الفقه منها ما يهمّ طائفة من الناس كالمعاملات المالية، ومنها ما يهتمّون به جميعاً ويحتاجون إلى معرفته جميعاً كأحكام العبادات: الصلاة والزكاة والحجّ (أعني كيفية أدائها لا تفصيل أحكامها) وأحكام الأحوال الشخصية الإجمالية، لأنها تعرض لكل زوج وزوجة وكل عازم على الزواج من الرجال ومن النساء.
لذلك جعلتُ هذه الحلقة للكلام عن الأحوال الشخصية والقانون الذي وضعتُ مشروعه، كما هو مصرَّح به في مذكّرته الإيضاحية التي تُعتبَر جزءاً منه، والذي كان أولَ قانون جامع للأحوال الشخصية في البلاد العربية، صدر سنة ١٩٥٣ (١٣٧٢هـ) ولا يزال العمل به في الشام إلى الآن.
وفي كل كتاب من كتب الفقه بيان أحكام الزواج والطلاق
стр. 2452
والمخالعة والتفريق والعدّة والنفقات والنسب والحضانة والرضاعة وأحكام الأولياء والأوصياء وأحكام الوصايا والمواريث، ولكن لم يكن يجمعها هذا الاسم المحدَث، اسم «الأحوال الشخصية».
وكان المشايخ يقرؤونها ويُقرئونها تلاميذهم، لكنهم يقتصرون غالباً على الكتب المتأخرة التي تبيّن الحكم ولا تذكر دليله، أي أنها كانت كنصوص القوانين. وكانوا يُقبِلون عليها ويحيطون بما فيها ويحفظونه، وقد سلك بعض لِداتي وإخواني هذا الطريق فكانوا فقهاء فقه رواية وإحاطة بالمذهب، وبعضٌ سلك طريق الدراسة الحديثة في المدارس وعرف كثيراً من الجديد الذي لم يكن يعرفه المشايخ، وإن كان قد جهل كثيراً مما كانوا يعرفون.
وقدّر الله لي أن أسلك الطريقين، من غير أن أتمكّن من إحدى الحسنيَين، فلم أستوعب فروع الفقه ولم أحفظها كما استوعبها وحفظها إخواننا هؤلاء، ولم أُحِط بالجديد مثل إحاطة الآخرين، ولكن لم أهبط إلى الدرك الذي قيل في صاحبه:
هوَ في الفقهِ شاعرٌ لا يُبارى ... وهْوَ في الشعرِ أفقهُ الفقهاءِ
لا إلى هؤلاءِ -إن نسبوهُ- ... وجدُوهُ، ولا إلى هؤلاءِ
لا، لم أصل إلى هذا. ولماذا أنسى فضل الله عليّ فأُنكِر ما كرّمني به؟ ولماذا لا أحمده على أن وفّقني فأخذت حظاً من الفقه وحظاً من الأدب؟ أنا لا أتواضع حتى أسلب نفسي حقّها ولا أستكبر حتى أدّعي لها ما ليس فيها.
стр. 2453
أقول إني قرأت من الفقه على المشايخ أكثر ما كانوا يُقرؤون، وإن لم أقرأ كل ما قرؤوا. وفهمت والحمد لله كل ما قرأت وحفظته، ورُبّ قارئ لا يفهم وفاهم لا يحفظ. قرأت ما يُدعى اليوم بالأحوال الشخصية في كتب الفقه على أبي وأنا صغير مع تلاميذه الكبار، فلما مات من ثلاث وستين سنة (أي سنة ١٣٤٣هـ، وكنت أناهز السابعة عشرة) وذهبوا يقرؤون على الفقيه الكبير المفتي الشيخ عطا الكَسْم ذهبت معهم، فحضرت أكثر «فتح القدير» لابن الهُمام، وقرأت على جماعة من المشايخ كشيخنا الشيخ أبي الخير الميداني وغيره رحمة الله عليهم جميعاً.
ولكن جلّ انتفاعي كان بمجالسة العلماء والرجوع إلى الكتب، فما أسمعه منهم يُنقَش في ذهني فلا أنساه (وهذه المنّة من الله باقية عندي إلى الآن) وإن سمعت باسم كتاب أو قرأت شيئاً منقولاً عنه أو معزوّاً إليه بحثتُ عنه حتى وجدته فقرأته. وقد اطّلعت على مذهب أحمد لمّا طبع ولدي الفاضل النابغة الأستاذ زهير الشاويش كتبَه كلها بأمر الشيخ علي آل ثاني ﵀ وعلى نفقته، واستفدت من إدمان النظر في كتب الفقه غير المذهبي مثل «نيل الأوطار» و «سبل السلام» و «فتح الباري»، واستفدت الفائدة الكبرى من مجموع الفتاوى لابن تيمية ﵀ وجزاه خيراً وجزى مَن جمعها ومن طبعها.
وكان مكتب عنبر هو الثانوية الرسمية الوحيدة في دمشق، وإن كان فيها ثانويات أكثر أهلية ونصرانية. وكان عندنا في المكتب دروس في الفقه، وستعجبون إن علمتم أن كتاب «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح» كان مقرَّراً تدريسُه والامتحان فيه لتلاميذ
стр. 2454
الصف السابع، أي السنة الأولى من المدرسة المتوسطة! وهو كتاب مُغلَق الأسلوب صعب الفهم كثير التفريعات والاستطرادات، وربما يعسر فهمه اليوم على بعض المدرّسين.
وبعد ذلك بسنتين (أي في سنة شهادة «الكفاية» التي يسمّيها الناس «الكفاءة») كان مقرَّراً علينا كتاب «الأحكام الشرعية» لقدري باشا، الوزير المصري الفقيه المتمكّن. وهو كتاب جامع لأحكام الأحوال الشخصية في المذهب الحنفي، يأخذ بأصحّ الأقوال في المذهب. ولا يستطيع كل من تفقّه أن يختار الأصحّ عند تعدُّد الأقوال، ولا كان ذلك بالأمر السهل، بل إن عندنا علماً ألّف فيه ابن عابدين إحدى رسائله، هو علم «رسم المفتي» الذي يعلّم قارئه كيف يميّز القول الأصحّ والقول الصحيح عند ازدحام الأقوال.
وكان يدرّسه لنا الشيخ عبد القادر المبارك. وما عرفت بين أساتذتي في الدراسة وبين زملائي في التدريس أقدرَ منه على الشرح والإيضاح؛ يرفع صوته ويخفضه، ويبدّل لهجته وإيقاعه، ويشير بيديه ويمثّل بوجهه، ويكتب بالخط الثُّلُث على اللوح الأسود، ويضرب الأمثال، فلا نخرج من الفصل ولا تمرّ الساعة حتى تُنقَش المعلومات على ظهور قلوبنا نقشَ الإزميل الحادّ على الصخر فلا تُمحى أبداً.
وكنا نرجع بعد الدرس وأحياناً قبله إلى الشروح والحواشي، كحاشية ابن عابدين، والفتاوى الهندية العالِمْكيرية التي أمر بوضعها وشارك في تأليفها إمبراطور الهند المسلم الذي حكم
стр. 2455
شبه الجزيرة كلها، أورانك زيب عالمكير، وانظر الكلام عنه في كتابي «رجال من التاريخ» (١).
وكنا نضيع بين التفريعات الكثيرة جداً، ما وقع من أحداثها وما تصوّر الفقهاءُ وقوعَه ليبيّنوا للناس الحكم فيه. وهذا الذي نقدتُه في رسائل الإصلاح التي كانت أول ما نشرتُ من كتب وقد سبق الكلام عنها.
* * *
وأشير هنا إلى أمر فيه فائدة للقارئ، تنبّهتُ إليه لمّا كنت مشغولاً بوضع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي عقدت هذه الحلقة للحديث عنه؛ هو أن أكثر المذاهب تفريعاً المذهبُ الحنفي، ثم المذهب المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي. وقد علّلت ذلك بأن المذهب الذي تتخذه الدولة مذهباً رسمياً لها: الفتوى عليه والقضاء وفق أحكامه، تكثر فروعه لأنه يواجه مشكلات الناس.
والمذهب الذي صار شبه رسمي للدولة العباسية -منذ تولّى الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة منصب قاضي القضاة، وهو بمثابة منصب وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى اليوم- ثم غدا المذهب الرسمي للدولة العثمانية هو المذهب الحنفي.