← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وقانون للأحوال الشخصية، وقانون للجنايات، وقانون إداري، ثم إنه -فوق ذلك- أخلاق. وهذا كله صار اليوم معروفاً وصار القول فيه من الكلام المُعاد، ولكنه لم يكن كذلك من نحو ستين سنة لمّا أصدرتُ رسائل الإصلاح سنة ١٣٤٨هـ، التي كانت أول ما نشرتُ من الكتب، والتي أحمد الله على أن جعلني فيها من أوائل من عرّف من الشبان في هذا العصر بهذا الذي صار اليوم معروفاً، ومن أوائل من نشره في الناس بوسائل النشر الحديثة مكتوباً بالأسلوب الذي يفهمونه. وإن دار المنارة في جدة تستحثّني الآن على أن أكتب مثل تلك الرسائل وأجدّدها لأصل بها ما انقطع من نحو ستين سنة. ومباحث الفقه منها ما يهمّ طائفة من الناس كالمعاملات المالية، ومنها ما يهتمّون به جميعاً ويحتاجون إلى معرفته جميعاً كأحكام العبادات: الصلاة والزكاة والحجّ (أعني كيفية أدائها لا تفصيل أحكامها) وأحكام الأحوال الشخصية الإجمالية، لأنها تعرض لكل زوج وزوجة وكل عازم على الزواج من الرجال ومن النساء. لذلك جعلتُ هذه الحلقة للكلام عن الأحوال الشخصية والقانون الذي وضعتُ مشروعه، كما هو مصرَّح به في مذكّرته الإيضاحية التي تُعتبَر جزءاً منه، والذي كان أولَ قانون جامع للأحوال الشخصية في البلاد العربية، صدر سنة ١٩٥٣ (١٣٧٢هـ) ولا يزال العمل به في الشام إلى الآن. وفي كل كتاب من كتب الفقه بيان أحكام الزواج والطلاق

стр. 2452

والمخالعة والتفريق والعدّة والنفقات والنسب والحضانة والرضاعة وأحكام الأولياء والأوصياء وأحكام الوصايا والمواريث، ولكن لم يكن يجمعها هذا الاسم المحدَث، اسم «الأحوال الشخصية». وكان المشايخ يقرؤونها ويُقرئونها تلاميذهم، لكنهم يقتصرون غالباً على الكتب المتأخرة التي تبيّن الحكم ولا تذكر دليله، أي أنها كانت كنصوص القوانين. وكانوا يُقبِلون عليها ويحيطون بما فيها ويحفظونه، وقد سلك بعض لِداتي وإخواني هذا الطريق فكانوا فقهاء فقه رواية وإحاطة بالمذهب، وبعضٌ سلك طريق الدراسة الحديثة في المدارس وعرف كثيراً من الجديد الذي لم يكن يعرفه المشايخ، وإن كان قد جهل كثيراً مما كانوا يعرفون. وقدّر الله لي أن أسلك الطريقين، من غير أن أتمكّن من إحدى الحسنيَين، فلم أستوعب فروع الفقه ولم أحفظها كما استوعبها وحفظها إخواننا هؤلاء، ولم أُحِط بالجديد مثل إحاطة الآخرين، ولكن لم أهبط إلى الدرك الذي قيل في صاحبه: هوَ في الفقهِ شاعرٌ لا يُبارى ... وهْوَ في الشعرِ أفقهُ الفقهاءِ لا إلى هؤلاءِ -إن نسبوهُ- ... وجدُوهُ، ولا إلى هؤلاءِ لا، لم أصل إلى هذا. ولماذا أنسى فضل الله عليّ فأُنكِر ما كرّمني به؟ ولماذا لا أحمده على أن وفّقني فأخذت حظاً من الفقه وحظاً من الأدب؟ أنا لا أتواضع حتى أسلب نفسي حقّها ولا أستكبر حتى أدّعي لها ما ليس فيها.

стр. 2453

أقول إني قرأت من الفقه على المشايخ أكثر ما كانوا يُقرؤون، وإن لم أقرأ كل ما قرؤوا. وفهمت والحمد لله كل ما قرأت وحفظته، ورُبّ قارئ لا يفهم وفاهم لا يحفظ. قرأت ما يُدعى اليوم بالأحوال الشخصية في كتب الفقه على أبي وأنا صغير مع تلاميذه الكبار، فلما مات من ثلاث وستين سنة (أي سنة ١٣٤٣هـ، وكنت أناهز السابعة عشرة) وذهبوا يقرؤون على الفقيه الكبير المفتي الشيخ عطا الكَسْم ذهبت معهم، فحضرت أكثر «فتح القدير» لابن الهُمام، وقرأت على جماعة من المشايخ كشيخنا الشيخ أبي الخير الميداني وغيره رحمة الله عليهم جميعاً. ولكن جلّ انتفاعي كان بمجالسة العلماء والرجوع إلى الكتب، فما أسمعه منهم يُنقَش في ذهني فلا أنساه (وهذه المنّة من الله باقية عندي إلى الآن) وإن سمعت باسم كتاب أو قرأت شيئاً منقولاً عنه أو معزوّاً إليه بحثتُ عنه حتى وجدته فقرأته. وقد اطّلعت على مذهب أحمد لمّا طبع ولدي الفاضل النابغة الأستاذ زهير الشاويش كتبَه كلها بأمر الشيخ علي آل ثاني ﵀ وعلى نفقته، واستفدت من إدمان النظر في كتب الفقه غير المذهبي مثل «نيل الأوطار» و «سبل السلام» و «فتح الباري»، واستفدت الفائدة الكبرى من مجموع الفتاوى لابن تيمية ﵀ وجزاه خيراً وجزى مَن جمعها ومن طبعها. وكان مكتب عنبر هو الثانوية الرسمية الوحيدة في دمشق، وإن كان فيها ثانويات أكثر أهلية ونصرانية. وكان عندنا في المكتب دروس في الفقه، وستعجبون إن علمتم أن كتاب «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح» كان مقرَّراً تدريسُه والامتحان فيه لتلاميذ

стр. 2454

الصف السابع، أي السنة الأولى من المدرسة المتوسطة! وهو كتاب مُغلَق الأسلوب صعب الفهم كثير التفريعات والاستطرادات، وربما يعسر فهمه اليوم على بعض المدرّسين. وبعد ذلك بسنتين (أي في سنة شهادة «الكفاية» التي يسمّيها الناس «الكفاءة») كان مقرَّراً علينا كتاب «الأحكام الشرعية» لقدري باشا، الوزير المصري الفقيه المتمكّن. وهو كتاب جامع لأحكام الأحوال الشخصية في المذهب الحنفي، يأخذ بأصحّ الأقوال في المذهب. ولا يستطيع كل من تفقّه أن يختار الأصحّ عند تعدُّد الأقوال، ولا كان ذلك بالأمر السهل، بل إن عندنا علماً ألّف فيه ابن عابدين إحدى رسائله، هو علم «رسم المفتي» الذي يعلّم قارئه كيف يميّز القول الأصحّ والقول الصحيح عند ازدحام الأقوال. وكان يدرّسه لنا الشيخ عبد القادر المبارك. وما عرفت بين أساتذتي في الدراسة وبين زملائي في التدريس أقدرَ منه على الشرح والإيضاح؛ يرفع صوته ويخفضه، ويبدّل لهجته وإيقاعه، ويشير بيديه ويمثّل بوجهه، ويكتب بالخط الثُّلُث على اللوح الأسود، ويضرب الأمثال، فلا نخرج من الفصل ولا تمرّ الساعة حتى تُنقَش المعلومات على ظهور قلوبنا نقشَ الإزميل الحادّ على الصخر فلا تُمحى أبداً. وكنا نرجع بعد الدرس وأحياناً قبله إلى الشروح والحواشي، كحاشية ابن عابدين، والفتاوى الهندية العالِمْكيرية التي أمر بوضعها وشارك في تأليفها إمبراطور الهند المسلم الذي حكم

стр. 2455

شبه الجزيرة كلها، أورانك زيب عالمكير، وانظر الكلام عنه في كتابي «رجال من التاريخ» (١). وكنا نضيع بين التفريعات الكثيرة جداً، ما وقع من أحداثها وما تصوّر الفقهاءُ وقوعَه ليبيّنوا للناس الحكم فيه. وهذا الذي نقدتُه في رسائل الإصلاح التي كانت أول ما نشرتُ من كتب وقد سبق الكلام عنها. * * * وأشير هنا إلى أمر فيه فائدة للقارئ، تنبّهتُ إليه لمّا كنت مشغولاً بوضع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي عقدت هذه الحلقة للحديث عنه؛ هو أن أكثر المذاهب تفريعاً المذهبُ الحنفي، ثم المذهب المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي. وقد علّلت ذلك بأن المذهب الذي تتخذه الدولة مذهباً رسمياً لها: الفتوى عليه والقضاء وفق أحكامه، تكثر فروعه لأنه يواجه مشكلات الناس. والمذهب الذي صار شبه رسمي للدولة العباسية -منذ تولّى الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة منصب قاضي القضاة، وهو بمثابة منصب وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى اليوم- ثم غدا المذهب الرسمي للدولة العثمانية هو المذهب الحنفي.

стр. 2456

والمذهب المالكي صار مذهب الدولة في الشمال الإفريقي كله من الزمن القديم إلى الآن. والمذهب الشافعي لا أعرف أنه صار مذهباً رسمياً إلاّ في عهد الأيوبيين، ولمّا جعل الملك الظاهر المذاهب الأربعة رسمية وأنشأ لكل واحد منها محاكم يتولاها قضاة يحكمون به، وصار لها في المدارس -على أيامه وبعده- فروع، كالذي ترونه في مدرسة السلطان حسن في القاهرة في أواوينها الأربعة وفي أروقة الأزهر وغيره من المدارس. أما المذهب الحنبلي فلا أعرف أنه صار مذهباً رسمياً للإفتاء والقضاء، أو كالمذهب الرسمي، إلاّ بعد قيام الدولة السعودية. وإن كان القضاة والمفتون هنا لا يلتزمون بالمذهب الحنبلي بل يبحثون عن الدليل الصحيح، فحيثما وقفوا عليه وقفوا عنده وأفتوا به (١).

стр. 2457

فلما دخلت كلية الحقوق كان يدرّس لنا الأحوالَ الشخصية الشيخُ أبو اليسر عابدين، وهو عالِم واسع الاطّلاع عالي الهمّة كان يعيش للعلم، يقرأ ويُقرئ نهاره وليله، يكتب كل ما يجد في الكتب من غرائب المسائل، في الفقه وفي الاجتماع وفي الأدب وفي التاريخ، ويدوّن كل ما يخطر على باله مما ينفع الناس. ولم تكن العوائق لتعوقه عن طلب العلم مهما طال الطريق وتوعّرت المسالك؛ أراد -وهو كبير- أن يدرس الطب فاقتضاه ذلك تعلّم اللغة الفرنسية، فتعلّمها ودخل كلية الطب مع تلاميذه ومَن هم في سنّ أبنائه، وثبت على الدراسة فيها حتى خرج منها طبيباً. وكانت له عيادة يطبّب فيها المرضى كما كان يُفتي المستفتين، ثم صار مفتي الشام، أي مفتي الجمهورية السورية. وكان أبوه من قبله

стр. 2458

الشيخ أبو الخير مفتي الشام، وعمّ أبيه هو صاحب الحاشية ابن عابدين، أفقه حنفي ظهر من نحو مئة وخمسين سنة. كان يُقرئنا الأحكامَ على المذهب الحنفي من كتاب الأحكام الشرعية لقدري باشا، الذي ألّفه نحو سنة ١٣٢٨هـ وصاغه على أسلوب القوانين، مادّة بعد مادّة، صياغة عربية صحيحة فصيحة (لا كصياغة القوانين التي أخذناها من غيرنا فما وُفِّقنا في اختيار أحكامها ولا في أسلوبها ورصف كلامها) وضمّنها أصحَّ الأقوال في المذهب الحنفي. وكان الشيخ أبو اليسر مُحيطاً بالمذهب الحنفي إحاطة عجيبة مطّلعاً على كتبه كلها، ولولا أنني عرفته بملازمتي إياه سنين طوالاً لشككت إن حدّثني محدّثٌ بما أعرفه عنه. ولقد أرسلَت إليّ إحدى المكتبات العامّة هنا من سنين صورة عن كراس مخطوط في الفقه ما له عنوان وما عليه اسم المؤلف ولا تاريخ النسخ، فلم أعرفه، فكلمتُ شيخَنا بالهاتف من مكة وتلوت عليه فقرات من الكتاب، فعرفه وسمّى مؤلّفه! ثم تحققت أن ما قاله الشيخ هو الصحيح. ولكن عيبه (وما خلا من العيوب إلاّ ملَك مقرَّب أو نبيّ مُرسَل، أو عبد من عباد الله المخلَصين) عيبه أنه كان يختار لنا ونحن طلاّب في كلية الحقوق نقولاً من أغرب كتب المذهب وأقلّها ذيوعاً وأكثرها تعقيداً، لنَأْلف -كما يقول- أسلوبها، ولا سيما في أصول الفقه. ولست أكتمكم أني خرجت من كلية الحقوق وأنا لم أستوعب علم الأصول، حتى قرأته في كتاب الشيخ محمد الخضري أولاً ثم في كتاب الشيخ عبد الوهاب خلاّف ثانياً، ثم درسته على أستاذنا الأديب اللغوي الأستاذ سليم

стр. 2459

الجندي. ثم رأيت أن أقرب الطرق إلى إتقان علم هو أن تعلّمه الطلاب، فجمعت في سنين متتاليات كثيراً من مدرّسي الدين في المدارس الرسمية، وبينهم علماء أفاضل، فدرسته معهم ووزعنا كتبه بيننا حتى وفق الله ففهمته. ثم قرأنا في كلية الحقوق قرار حقوق العائلة، وهو القانون الذي كان معمولاً به في المحاكم الشرعية أيام العثمانيين واستمرّ العمل به إلى أن وفّق الله فصدر قانون الأحوال الشخصية سنة ١٣٧٣هـ (١٩٥٣). وقرارُ حقوق العائلة أصدرته الدولة العثمانية سنة ١٣٣٦هـ وأخذَت غالب أحكامه من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد انصرفتُ وأنا طالب في الحقوق سنة ١٣٥٠هـ إلى المقابلة بين أحكام المذهب وبين هذا القرار، وأحصيت المسائل التي وردَت فيه مخالفة للمذهب فبلغَت سبع عشرة مسألة، أكثرها اعتمد على بقية المذاهب الأربعة فلم يكن عليه اعتراض. وجاء فيها ما يخالف المذاهب كلها وما لم يقُل به فقيه من الفقهاء، بل ما يخالف السنّة الثابتة وصريح القرآن، وهو اعتبار زواج مَن كانت دون التاسعة من العمر زواجاً فاسداً. وقد زعم واضعو هذا القانون أنهم استندوا إلى قول لابن أبي ليلى الذي كان معاصراً لأبي حنيفة. ولم تصحّ نسبة هذا القول إليه، ولو صحّت لما التُفت إليه ولما عُوّل عليه، لأنه مخالف للدليل القطعي وهو كتاب الله وما صحّ من سنّة رسول الله ﵊، ومخالف لإجماع المسلمين الذين اتفقوا على أن للأب أن يزوّج ابنته الصغيرة مهما كانت سنّها، ومخالف لصريح القرآن في قوله تعالى: ﴿واللائي يَئِسْنَ منَ المَحيضِ مِن نِسائِكُم

стр. 2460

إنِ ارْتَبْتُمْ فعِدّتُهُنَّ ثَلاثةُ أَشْهُرٍ واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾. ويكون عقد رسول الله ﵊ على الصدّيقة بنت الصدّيق عقداً فاسداً بموجب هذا القانون الأحمق، لأنه ﵊ عقد عليها وهي بنت سبع سنين! ولطالما حملتُ على هذا القانون بقلمي ولساني أكتب فيه وأخطب وأحاضر، حتى وفق الله فصدر القانون الجديد خالياً منه. * * * أنا إلى هنا كالمحارب الذي يتعلّم رسم الخطط وأساليب الهجوم والدفاع، يقرؤها في الكتب ويسمعها من المدرّسين، لم يخُض المعارك ولم يواجه العدوّ، يقاتل بالمنظار من فوق الجبل. فلما وليتُ القضاء نزلت إلى ميدان المعركة وواجهت مشكلات الناس، فوجدت حقاً ما قيل من قديم من أن النصوص -مهما كَثُرَت وطالت- محدودة ووقائع الحياة لا حدّ لها، والشريعة القويمة التي تصلح لكل زمان ومكان هي التي يكون في عموم نصوصها المحدودة وشمولها مبادئُ يُستنبَط منها حكم كل واقعة من الوقائع التي لا تُحَدّ. وهذا هو شأن الإسلام. وكنت أجتهد رأيي في هذه الوقائع فأجد في الإسلام حلّ كل عقدة ودواء كل داء، ولكن يحول بيني وبين الحلّ ويمنعني من الوصول إلى الدواء القانونُ الذي أوجبوا علينا الحكم به، أو المذهب الذي ألزمونا الاقتصار عليه. فكنت أبعث بالرسائل تترا (١)

стр. 2461

إلى وزارة العدل، أضمّنها اقتراحات أرجو العمل بها أو تعديلات للقوانين أطلب تحقيقها، أو أحكاماً في المذاهب الثلاثة أقوى دليلاً من الحكم في المذهب الحنفي وأرفق بالناس وأضمن للمصلحة، استأذن بالعدول إليها. حتى إذا كثر ذلك مني بدأت الوزارة تفكّر بجمع هذه المقترَحات وبأن تضمّنها مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية. وسألخّص إن شاء الله في الحلقة الآتية مراحل وضع هذا المشروع. * * *

стр. 2462

-١٩٠ - كيف وُضع مشروع قانون الأحوال الشخصية ؟ كان في قديم الزمان في بلد من البلدان شعب برع في صناعة الأدوية والعقاقير التي تداوي كل مرض يُصيب الجسد أو يعتري النفس، وكان عندهم العناصر (أي الموادّ الأولى) التي يتركب منها الدواء، وعندهم كتاب قديم عظيم يُرشِدهم إلى طريق ترتيبها، فلم يبقَ لدى ذلك الشعب داء إلاّ له دواء. وكانوا يجمعون ما يصنعون من هذه الأدوية في صيدليات مبثوثة في كل مكان، يجدها كل من احتاج إليها، ثم صارت الصيدليات شركات ومؤسسات قوية بمالها وبكثرة أعضائها، فاستولت على السوق وصرفت الناس عن الصيدليات الصِّغار. ثم ظهر الدُّخلاء على صناعة الدواء، وكَثُرَ فيها الأدعياء ممّن حاولها من غير أن يقرأ كتابها أو قرأه ولكن لم يفهمه لأنه لم يفهم اللسان الذي كُتب به، فمَنعوا (ولست أدري مَن الذي منع) الناسَ من صنع دواء جديد واقتصروا على ما صُنع من قبل، ثم بالغوا فحصروا تجارة الأدوية بهذه الشركات والمؤسسات ومنعوا ارتياد الصيدليات التي يملكها آحاد، ثم بالغوا في التضييق على الناس وحصروا التجارة في

стр. 2463

شركات أربع، وألزموا كل واحد من الناس بأن يكون من زبائن واحدة منها لا يجاوزها إلى غيرها، ولو كان الذي يطلبه مفقوداً فيها وموجوداً في التي تليها. هذا مَثَل المسلمين في القرون السبعة الماضية، من أول القرن السابع الهجري إلى أوائل الرابع عشر. أما الأدوية والعقاقير فهي أحكام الإسلام التي تصلح لكل زمان ومكان، بل تُصلِح هي فسادَ كل زمان ومكان وترفع أهلَه إلى المُثُل العليا وتجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً سليماً نظيفاً خيّراً، كما كان أول مرة على عهد الصحابة، العهد الذي تحققَت فيه (أو كادت تتحقق) آمال الفلاسفة والمصلحين في المجتمع المثالي. وأمّا صناعة الأدوية فهي «الاجتهاد». وأمّا الكتاب الذي يرشد إليها ويدلّ عليها فهو القرآن والسنّة المُبيِّنة له، التي تفصل مُجمَله وتجلو مقاصده. وأمّا الصيدليات الأربع فهي المذاهب الأربعة، أما الصيدليات التي أعرض الناس عنها ولم يعودوا يقفون عليها فهي مذاهب الأئمة السابقين. وقد كان في عصر كل من الأربعة وكان قبلَه مَن هو مثله ومَن هو أعلم منه، ولكنْ نُسِيَ مذهبه على حين دُوّنت مذاهب الأربعة وحُفظت. وحسبكم شاهداً واحداً على هذا هو الشافعي، ألا تقبلون شهادة الإمام الشافعي؟ إنه يقول: الليث (ابن سعد) أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به (١).

стр. 2464

وأول الأربعة وأقدمهم زماناً وأسبقهم إلى الصناعة الفقهية الخالصة هو أبو حنيفة، وتلميذُه الإمام محمد هو أول من صنّف في الفقه. و «الموطّأ» كان قبله، ولكنه لم يكن فقهاً خالصاً بل كان -على علوّ شأنه وجلالة قدره- كتاب رواية واستنباط، أي كتاب حديث وفقه. ولمّا قدم أسدبن الفرات من تونس قرأ الموطّأ على مالك، ثم ذهب إلى العراق فقرأ على محمد كتبه، ثم دوّن مسائل مالك على أسلوبها، فكان من ذلك «المدوَّنة» التي صارت عماد مذهب مالك (واقرأ تفصيل هذا الخبر في كتابي «رجال من التاريخ» (١)). والشافعي قرأ على محمد كتبه الفقهية، فكان شبه تلميذ له.

стр. 2465

وأحمد تلميذ الشافعي، فمن هنا كان أبو حنيفة «الإمام الأعظم» وكان الناس -كما قيل- عيالاً في الفقه عليه. وأرجو أن لا يفهم أحدٌ من هذا الذي أقول إني أفاضل بين الأئمة وأصنّفهم أصنافاً وأمنحهم درجات النجاح في الامتحان. من أنا وما مكاني من أئمة الدين؟ ولكن أقرّر الحقيقة التي أعرفها. * * * وقد مرّ بي شطر من عمري كنت فيه حنفياً متعصّباً، لا أقبل بما يخالف المذهب ولا أرى الحقّ في غيره، حتى إنني كنت أسمع الحديث الصحيح على خلاف مذهبي فأجادل فيه، أقول: هل اطّلع فقهاء المذهب خلال ألف ومئتَي سنة على هذا الحديث أم لا؟ فإن قلتم «لا» قلت: إن هذا بعيد، بل يكاد يكون مستحيلاً. فإن اطّلعوا عليه فلماذا لم يعملوا به؟ هل تعمّدوا مخالفته واتفقوا جميعاً على هذا المنكَر الذي لا يرتضيه عوامّ المسلمين لأنفسهم، فكيف بعلمائهم، على امتداد الزمان وتباعُد الأقطار التي وصل إليها المذهب الحنفي؟ فإن كانوا اطلعوا عليه ولم يعملوا به، ولم يكن ممكناً أن يتعمّدوا جميعاً مخالفته، فلم يبقَ إلاّ أن يكون عندهم دليل لم يصل إلينا علمه. بهذه الحُجَج الجدلية كنت أدافع عن مذهبي. ثم وجدت أن فقهاء المذاهب الأربعة (لا الحنفي فقط) يحرصون على التثبّت من صحّة الرواية عن إمامهم، فإن ثبتَت الرواية عنه لم يلتفتوا بعدها إلى دليل، مع أن قول الإمام وحده -وهو غير معصوم- لا يصلح دليلاً في الدين. الدليلُ الآية الصريحة والحديث الصحيح

стр. 2466

الصريح، أو الإجماع الثابت أو القياس الظاهر؛ ذلك هو العلم. «العلم قال الله وقال رسوله» كما قال الشافعي أو نُقل عنه أنه قاله. على أنه لا يجوز لمسلم إن صحّ له الحديث عن رسول الله ﵊ أن يردّه بقول قائل غير معصوم، وهذا ما كانوا يصرّحون به حتى في أشدّ عصور التقليد المذهبي (راجع حاشية ابن عابدين وما قال في أولها). وهذا كله للعالِم الذي يستطيع أن يميز الأدلة صحيحها من سقيمها، ثم يفهم الصحيح إن وصل إليه ويقدر أن يستنبط منه، ليس هذا للناس جميعاً، العالِم منهم والجاهل والعاقل والأحمق. ولا بُدّ من بيان أن الأحاديث ليست في هذا سواء؛ فمن الأحاديث ما لا يحتاج إلى فقه كبير في فهمه كجهر الإمام بالبسملة أو الإسرار بها، هذه مسألة يدركها كل من سمع الحديث الصحيح لأنه إما أن يكون قد جهر بها أو أسرّ. ولكن من الأحاديث ما لا يفهمه إلا عالِم أو طالب علم متمكّن، ولو ضربتُ الأمثلة لذلك لخرجتُ عن الموضوع ثم لم أستطع أن أعود فأدخل فيه. ولمّا كنت صغيراً أطلب العلم من نحو سبعين سنة كان التقليد هو الأصل، بل لقد صار الاجتهاد خروجاً على الأصل وذنباً يُحاكَم من يُتّهَم به، كما اتُّهم شيخ مشايخنا في دمشق الشيخ جمال الدين القاسمي. وأوجبوا على المسلمين اتّباع مذهب من المذاهب الأربعة، وكانوا يحفّظوننا: «وواجبٌ تقليدُ حَبْرٍ منهُمُ». ولست أدري مَن أوجبه؟ وعلّمونا أن الاجتهاد قد سُدّ بابه. ولست أعلم مَن سدّه؟

стр. 2467

ومن أين له أن يسدّه وهو ما فتحه، بل فتحه الله وهو -إن شاء- سدَّه وحده. ووجدنا في المذهب الحنفي مسائل اجتهادية لم تَعُد تُقبَل ولا تُستساغ، منها: أن المرأة التي تبدأ عدّتها بالحيضات ثم ينقطع عنها الحيض تلبث معتدّة حتى تدرك سنّ اليأس ثم تعتدّ بثلاثة أشهر؛ أي أننا نوجب عليها أن تبقى في العدّة أربعين سنة أو أكثر منها! وأن المشرقيّ الذي يتزوّج مغربية فتلد ولداً يُنسَب إليه ولو ادّعى الزوج عدم التلاقي وأثبت ما ادّعاه. وأن طلاق السكران يقع إن شرب الخمر طائعاً مختاراً، وقالوا: إننا نوقع الطلاق عليه عقوبة به. فقلنا: إنه أذنب فعوقب كما تقولون، فما بال زوجته وولده وأثر الطلاق فيهم أشدّ وأنكى من أثره في الزوج، وهذه العقوبة تسقط على رؤوسهم وهم ما جنوا ذنباً ولا أحدثوا حدثاً؟ ومنها أن النفقة تُقدَّر بحسب حال الزوجة، فإن كان له زوجتان إحداهما بنت أغنياء نفقة مثلها مئة والأخرى نفقتُها تبعاً لحال أهلها عشرون، فإن اتبعنا ما ذهبوا إليه فأين العدل بين الزوجات؟ ومن هذه المسائل أن الحمل أقصى مدّته سنتان. والله قد وضع لهذا الكون قانوناً ثابتاً وحدّد لكل أنثى (حتى من الدوابّ والحيوان) مدّة معلومة لحملها، وما سمعنا بشاة أو ناقة زادت مدّة حملها عن حدّها، فكيف يستمرّ حمل المرأة سنتين؟ وإن كانت السنتان في المذهب الحنفي أرحمَ من المذاهب التي تجعل أكثر مدة الحمل أربع سنين! وسأتعجّل فأروي لكم حادثة وإن لم يأتِ أوان روايتها. ذلك أنني لمّا استكملت وضع المشروع (وكان ذلك أيام انقلاب حسني

стр. 2468

الزعيم، وهو جبّار مجنون عرفته مرتين في مجلس أخيه الأكبر، الداعية الصالح العابد الشيخ صلاح الدين الزعيم)، لمّا انتهى وضع المشروع أبَيتُ إلاّ أن أعرضه العَرْضةَ الأخيرة على العلماء، فكلّمت أستاذنا الأمير مصطفى الشهابي الذي كان وزير العدل، فخاف من الزعيم وراح يجادلني ليصرفني عن هذا، وأنا مُصِرّ عليه تبرئة لذمّتي وطلب الوصول إلى الحقّ. فلما أعجزه إقناعي قال لي (وأنا اذكر كلمته): "ما شُفتني ولا شُفتك، فاعمل ما تريد". فجمعتُ علماء دمشق جميعاً في دار الشيخ عبد القادر العاني (وكانت داره وقفاً على مصالح المسلمين)، وكان فيهم الفقيه الشافعي الكبير الشيخ صالح العقاد، فعرضت عليه اقتراحنا في المشروع أن نجعل أكثر مدّة الحمل سنة كما صنعوا في مصر. ونحن نعلم أن الحمل لا يمتدّ سنة، ولكن احتياطاً وأسوة بما ذهب إليه علماء مصر. فأبى وأصرّ على مذهبه بأن الحمل يمتدّ أربع سنين، فقلت له: أنت تعلم يا سيدي أني أُجِلّك وأقدّرك، وأنا أقبّل يدك على أن تسمح لي بسؤال أوجّهه إليك، وأن يتّسع له صدرك فلا تغضب منه. قال: تفضل. قلت: ولا تؤاخذني إذا كان السؤال شائكاً؟ قال: تفضل. قلت: هَبْ أنك -لا سمح الله- طلّقت امرأتك، وذهبَت من بيتك وغابت ثلاث سنين ونصف السنة، ثم جاءت إليك وقد ولدت ولداً من أسبوع وقالت: هذا ابنك. فهل تعتقد أنه ولدك؟ فضاق بالسؤال، ولكنه لم يجد مجالاً للعنف في الجواب بعدما مهّدت إليه ذلك التمهيد، وقال: هذا هو الحكم في المذهب الشافعي. قلت: يا سيدي، إن الطفل ينمو، فإن بلغَت سنّه أربع

стр. 2469

سنين وهو لا يزال جنيناً فكيف يتّسع له بطن أمه؟ وكيف ينزل منه؟ إلاّ أن يولد واقفاً ثم يمشي على رجليه فيمضي رأساً إلى المدرسة؟ وسكت مغضَباً، ولم يجد جواباً لأن الذي أوردتُه لا جواب عليه، ثم إني قدّمت له مقدّمات تمنع غضبه. وكان في المجلس أبو مصطفى النحلاوي ﵀ ورحم كل من ذكرتُ، وهو رجل كبير السنّ أحد الزكرتية المعروفين في الشام، فتكلّم ساخراً من هذا الحكم الذي يعتبر الحمل مستمراً أربع سنين. فقام الشيخ عليه وأفرغ رصاص غضبه في صدره، وقال له: أنت تطعن بالإمام الشافعي يا كذا وكذا؟ وسكتُّ أسمع ولم أقُل شيئاً. ربما قال قائل منكم: وكيف قرّر الفقهاء ذلك وما دليله؟ ما له يا سادة دليل شرعي، وإنما هي استقراءات قالوا بأنهم استقرَوْها (ولا تقُل استقرؤوها) وأخبارٌ قالوا بأنهم سمعوها فوثقوا بها. فلما درسنا الطبّ الشرعي ومرّ بنا هذا البحث رأينا المحدَثين يعتمدون على استقراءات كاملة لم يكن مثلها تحت أيدي الفقهاء الأوّلين، فقد ارتقى العلم وتقاربت البلدان واتصل الناس بعضهم ببعض، فلو أن حادثة من هذا القبيل حدثت لملأت أخبارُها المجلات العلمية وتحدّثوا بها في النوادي والمجامع، ودُرست في كليات الطبّ ودخلَت في أبحاث الطب الشرعي. * * * كانت بداية تكليفي بوضع مشروع هذا القانون بكتاب وزارة العدل رقم ١٢٢٩٩ وتاريخ ٢٢/ ١٠/١٩٤٥ على عهد الوزير

стр. 2470

صبري العسَلي. فعملت فيه سنة، أنظر في النص الوارد في قرار حقوق العائلة الذي كان العمل به والرجوع إليه، فإن وجدته مخالفاً لمذهب رجعت إلى مطوَّلات المذهب. ثم نظرت في كتب المذاهب الأخرى وسألت علماءها، وكان العلماء كثيراً عددُهم في الشام، وأعانني على ذلك مكتبة حافلة بأكثر كتب الفقه المطبوعة، مكتبة جدي وكان مولَعاً بالكتب يمضي جلّ وقته بمطالعتها، ثم مكتبة أبي الذي كان أميناً للفتوى في الشام وكان من فقهاء الحنفية الكبار. ثم رجعتُ إلى كتب الحديث، إلى مثل شروح البخاري، وكان عندنا في مكتبة الدار ثلاثة منها: فتح الباري، وشرح العيني الحنفي، وشرح القسطلاّني. وإلى سبل السلام ونيل الأوطار، وإلى كتب الفتاوى الكثيرة جداً. واستفدت كثيراً من مجلة «المنار» للسيد رشيد رضا أراجعها في مكتبة شيخنا الشيخ بهجة البيطار، وكانت مجموعتها عنده كاملة. ثم اقترحت أن أُوفَد إلى مصر، ففي مصر الأزهر ولم يكن في الدنيا مثل الأزهر، وفي مصر علماء ليس في أمصار المسلمين من هو في طبقتهم. فاستصدرَت وزارة العدل مرسوماً جمهورياً وقرّرَت بناء عليه القرار ٥١٦ بتاريخ ٢/ ١٢/١٩٤٦ وهذا نصّه: يوفَد السيد علي الطنطاوي القاضي الشرعي في وزارة العدلية إلى مصر مدّة سنة واحدة عملاً بأحكام المرسوم ذي الرقم ٧١٠ المؤرَّخ ١١/ ٢/١٩٤٦. المادّة الثانية: يتوجّب على السيد علي الطنطاوي خلال مدّة بقائه في مصر الأمور التالية:

стр. 2471

أ- دراسة تشكيلات المحاكم الشرعية وأصول المرافعات فيها. ب- دراسة نظام الإشهاد والتوثيق وأنظمة حفظ الوثائق والسجلاّت. ج- دراسة أسلوب التفتيش في المحاكم الشرعية. د- دراسة تطوُّر قانون الأحوال الشخصية. هـ- دراسة نظام المواريث والوصايا. و- دراسة أنظمة المجالس الحسبية ومقارنتها بالأحكام المتبَعة في سوريا لإدارة أموال الأيتام. ز- دراسة سلطات المحاكم الشرعية في شؤون الأوقاف. المادة الثالثة: يتقاضى السيد علي الطنطاوي: أ- راتبه الشهري غير الصافي كاملاً خلال مدّة إيفاده. ب- نفقات الانتقال المنصوص عليها في القانون، إلخ. المادة الرابعة: يتمتّع السيد علي الطنطاوي بجميع الميزات المحفوظة للموفَدين بمهمة رسمية وتُقدَّم إليه جميع التسهيلات التي تُقدَّم للبعثات الحكومية. المادة الخامسة: يمكن لوزارة العدلية أن تطبع على نفقتها ماتوافق عليه من الأبحاث والدراسات والتقارير التي يقدّمها السيد علي الطنطاوي. المادة السادسة: يُنشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ويُبلّغ لمن يُلزَم بتنفيذ أحكامه. * * *

стр. 2472

وسافرتُ السفرة الرابعة إلى مصر. وكانت الأولى سنة ١٣٤٦هـ، وأقمتُ في مصر شهرين ثم رجعت. والثانية سنة ١٣٤٧ وقد دخلت فيها دار العلوم العليا في حيّ المنيرة، ولم أكملها بل رجعت فجأة إلى دمشق فدرست الفلسفة ونلت شهادتها. والثالثة سنة ١٣٦٤ (١٩٤٥)، وفيها عرفت الشيخ حسن البنا من قريب، ولقيت الأستاذ الزيات أول مرة وكنت أكتب عنده وأراسله من سنة ١٩٣٣ (١٣٥١)، وقد عرفته قبل ذلك في دمشق لمّا مرّ بها وألقى فيها محاضرته عن كتاب ألف ليلة ولكني لم أقابله. وهذه هي المرة الرابعة. وكان الذهاب إلى مصر برّاً كما عرفتم: نركب السيارة أو القطار إلى حيفا، ثم نغدو منها في الساعة الثامنة صباحاً فنقف عند القنطرة ونجتاز قناة السويس في عبّارة، ثم نركب قطار مصر فنصل محطة باب الحديد في القاهرة الساعة العاشرة والنصف ليلاً. وقد كنت أسافر وحدي، فأنا اليوم أسافر مع زوجتي وبناتي الصغيرات. واستأجرت سيارة كبيرة تتّسع لسبعة رُكّاب وتركت مقاعدها خالية حتى يستريح فيها البنات وأمّهن. ثم وقعت لي واقعة لا أزال كلما تذكرتها أغضب منها وقد مضى عليها الآن أكثر من أربعين سنة قمرية، أغضب من الناس الذين خدعوني، وأغضب من نفسي حين انخدعت لهم، وأغضب من الثقيل الذي نغّص علينا سفرنا. وهو أحد أخوين تاجرَين في البزورية بدمشق، قصير القامة صورته أمام ناظري، جعلني أندم على عمل الخير (فهل سمعتم بمن يندم على عمل الخير؟) وأنوي أن لا أعود إلى مثله! وأستغفر الله من مثل هذه النيّة.

стр. 2473

ذلك أن أصحاب المرأب (الكراج) وهم في العادة من أكذب الناس، وأنا أعلم ذلك عنهم ولكنني انخدعت لهم حين قالوا إن هذا الرجل قد مشت سيارته وهو يريد أن يلحق بها ويطلبون مني أن أُركِبه معي إلى الكسوة (وهي قرية على طرف دمشق الجنوبي)، وجعلوا يرقّقون قلبي ويتزلّفون إليّ ويثيرون فيّ مروءتي ونخوتي ويُقسِمون لي أنه لن يركب معنا أكثر من هذه الأكيال المعدودة، فقبلتُ، ولست أدري كيف قبلت. وحلّ بيننا، وحال بيني وبين أهلي وبناتي، وقيّدني وأمسك بلساني فلم أعُد أستطيع أن أتحدّث معهن كما أريد، واستلبَنا حريتَنا وضايقنا أشدّ الضيق. فلما بلغنا الكسوة علمت أن المسألة كلها كذبة مدبَّرة وأنه لا سيارة له وأنه سيبقى معنا، فأصررتُ على إنزاله. ولم يكن له حقّ عليّ، ولكن زوجتي أخذتها الرأفة به وذهبَت تطلب مني أن أبقيه، وقالت إنها تصبر ويصبر البنات. فبقي راكباً معنا إلى حيفا، وتستطيعون أن تتصوّروا مبلغ ما أصابنا من هذا الضيف الثقيل الذي ركب معنا مجّاناً. ولم أكن أريد منه مالاً بل كنت أرضى أن أعطيه عشرة أضعاف أجرة السفر ولا يكون معنا! وخاتمة القصة أننا لمّا بلغنا القنطرة وذهبنا ننتقل من قطار فلسطين إلى قطار مصر، وكان معي حقائب كثيرة ومعي البنات وكنت في ضيق، مرّ بي فما سلّم عليّ ولا التفت إليّ ولا عرض عليّ مساعدة. صدّقوني إن مثل هذا العمل يصرف الناس عن المعروف! بقيتُ في حيفا يومَين. وكنت قد عرفتها من قبل، فاستطعت بهذه المعرفة أن أُريها أهلي وأولادي، فأخذت سيّارة دارت بهنّ البلد كلها، أريتُهن أحياءها. وصعدت بهنّ جبل الكرمل، ولم

стр. 2474

يكن قد سُكن ولا شُقّت فيه هذه الشوارع ولا أُنشئَت فيه هذه البيوت. وجاءني بعد الظهر في الفندق شابّ يسلّم عليّ يرحّب بي، يحمل إليّ ثلاث طاقات من الورد وثلاثة دواوين من الشعر كانت أجمل وأحفل بالشذى والعطر من طاقات الزهر، دواوين له هو مطبوعة طبعاً أنيقاً جداً على ورق صقيل جداً، فتصفّحتها أقرأ ما فيها، فوجدت من النظرة الأولى شعراً فيه طبع وفيه جمال، تجري في أبياته روح وطنية في حس شعريّ مرهف. وكان اسمه حسن البحيري، وعجبتُ كيف لم أسمع به من قبل. ولازمَنا ما يفارقنا، يُرينا كل ربع ساعة لوناً جديداً من كرم خلقه وطيب نفسه وأصالة أدبه. وأخذني أزوره في بيته، وأنا قلما أزور ناساً لا أعرفهم في بيوتهم، فرأيت داراً فقيرة ولكنها نظيفة، وأمّاً له فيها ما له غيرها، عامية ولكنها ذكية، وودّعتُه وأنا لا أدري كيف أكافئ كرمه ولطفه بمثله. ثم قدم دمشق فأقام فيها واشتغل بالإذاعة فكان من أحسن مذيعيها، ثم صار خبير العربية فيها، ينظر في الأحاديث التي تُلقى وفي الأخبار فيصحّح خطأها وينبّه أصحابها، وكانت الإذاعة جديدة. ثم سافرتُ سفرات باعدَت ما بيني وبينه، ثم علمت (وإن لم أتوثّق) أنه قد مات رحمة الله عليه. * * * وبلغنا مصر، وخرجنا من محطة باب الحديد فأخذتُ سيارة، وكانت سيارات الأجرة يومئذ في مصر كثيرة وكانت رخيصة، وكانت الشوارع نظيفة، وذهبت أؤمّ بيت خالي. وكان

стр. 2475

قد نقل بيته ومطبعته من شارع الاستئناف في ميدان باب الخلق إلى الروضة، في بناء أقامه لها، في واجهته كلمة «الفتح» كبيرة تكاد تملأ واجهة العمارة الصغيرة كلها. فسلكنا طريق مصر القديمة (الفسطاط) حتى قاربنا جسر (كُبري) الملك الصالح، بعد الشجرات الكبيرات التي جمعت الجلال والجمال، فاتّسقَت فروعها وامتدّ ظلّها، وكانت تخرج منها أشباه الأغصان فتنزل بدلاً من أن تصعد، حتى تبلغ الأرض فتمدّ فيها جذوراً ويكون من هذه الجذور شجرات جُدُد. ولست أدري ما حال هذه الشجرات اليوم: هل بقيَت أم بدّلها الزمان الذي يبدّل كل شيء؟ فإذا اجتزنا الجسر على فرع النيل الصغير لم نذهب قدماً إلى الجسر الآخر على فرع النيل الكبير فنبلغ الجيزة، بل ننعطف فتكون الدارات (أي الفيلات) عن إيماننا والنيل الصغير عن شمائلنا حتى نبلغ «المندورة»، وهي شجرة ضخمة من تلك الأشجار التي وصفتُها ولكنها منفردة وحدها نائية عنها قائمة على الشطّ الآخر، كلها خرق معقودة على أغصانها. ذلك أنها مقدسة عند العامّة، يَنذرون لها النذور ويطلبون منها المطالب، كأن لم ينزل جبريل بالتوحيد الخالص على محمد ﵊ وكأن لم تنتهِ أيام الجاهلية الأولى! حتى بلغنا دار مجلة «الفتح» والمطبعة السلفية، وفوقهما دار خالي. * * *

стр. 2476

-١٩١ - مصر قبل أربعين سنة أتكلم اليوم عن رحلتي الرابعة إلى مصر، وكانت قبل أربعين سنة كاملة، وقد وصلتُ معكم في الحلقة الماضية إليها ووقفنا في الروضة عند مقياس النيل الأثري. مصر التي كانت أم الدنيا، كانت الأم ومدائنُ العرب بناتُها، كانت العروس وهنّ وصيفاتها، كانت أوسعَها سعة وأنظفها نظافة وأحسنها ترتيباً وأزهاها رونقاً، ليس للعرب جامعة إلاّ جامعتها، أمّا جامعها الأزهر فكان فحل الجامعات وكان مثابة العلم وكان كعبة الطلاّب، وكان يحمل على عاتقه أمجاد ألف سنة. الأزهر كان فيها، والمطابع الكبرى مطابعها، والجرائد جرائدها، وأعلام الأدب وأئمة العلم فيها. كانت كبغداد أيام عزّ بني العباس التي قلت فيها (في «الرسالة» عدد ١٧ رمضان سنة ١٣٥٨): "يا بلد العلم والتقى واللهو والفسوق، والمجد والغنى والفقر والخمول، يا موئل العربية ويا قبّة الإسلام، يابلداً فيه من كل شيء". كان في مصر المساجد فيها الأئمة القرّاء وفيها المدرّسون الخطباء، وفي المساجد قبور عندها البدع

стр. 2477

والمخالفات. وفي مصر الملاهي، وفي الملاهي تكشُّف واختلاط ورقص ومحرَّمات وآفات. فيها دار الكتب والمكتبات الكبار: في الأزهر وفي الجامعة وعند تيمور باشا وأحمد زكي باشا ومحب الدين الخطيب، وفيها آلاف وآلاف لا يقرؤون وليس لهم في عالَم الكتب مكان. وكانت مع ذلك أم الدنيا (أعني دنيا العرب) في سعتها وكبرها، في حدائقها التي لم يكن لها في بلاد العرب نظير: حديقة الحيوان يوم كانت متعة الناظرين وكانت فرجة الزائرين، مَن دخلها أمضى فيها اليوم كله ولم يستطع أن يُحيط بكل ما فيها. والقناطر الخيرية والأزبكية. خبّروني اليوم ما حال الأزبكية؟ هل باقٍ لها رونقها وجمالها؟ هل هي على أناقتها ونظافتها؟ هل الكتب القديمة لا تزال معروضة على سورها كما تُعرَض أمثالها على السور الواطي عند نهر السين؟ كنت أجد بين هذه الكتب نفائس نزل بها الدهر فأذلّها حتى قعدَت هنا، ومكانها المكتبات الكبيرة في الشوارع الواسعة. لقد طالما رأيت أدباء وعلماء يفتّشون بينها عن كتاب يشترونه بالقروش وثمنه الحقّ في المكتبات بالجنيهات! وكذلك كان يفعل أناتول فرانس بالكتب المعروضة على كتف نهر السين. خبّروني عن حديقة الأورمان، عن حديقة المتحف الزراعي التي كانت لنا متنزَّهاً يوم كانت مصر بلد المتاحف: المتحف المصري، ومتحف الآثار العربية في باب الخلق، ومتحف الشمع في طريق قصر العيني، والمتحف الزراعي نفسه وما فيه من تحف نادرة المثال. يوم كانت مصر أرخص المدن، حتى إننا ونحن ثلاث أسر: أسرة خالي وأسرتي وأسرة أخي عبد الغني (وكنا

стр. 2478

في دار واحدة) نشتري في الصباح فولاً بثلاث تعريفات (بقرش ونصف) فيُشبِعنا جميعاً وربما فضلَت منه فضلة عنا. يوم كان الجنية المصري يعدل ليرة إنكليزية من الذهب (أمّ حصان) وفوقها قرش ونصف، لأن الجنيه المصري كان أغلى من الذهب. يوم كانت مصر أغنى بلاد العرب، فما الذي هبط بها وبه؟ ما الذي أذهب بَرَكته؟ إنها اللفحة الماركسية التي لم تدخل بلداً إلاّ أخرجَت منه البَرَكة وأذهبَت منه الرخاء، وأحلّت بأهله الضنك والضيق والشقاء. * * * أقمت في مصر سنة ١٩٤٧ (١٣٦٦) بطولها وطرفَي السنتين قبلها وبعدها، وكان وقتي كله بين ثلاث: إدارة التشريع في وزارة العدل التي فيها عملي، ودار «الرسالة» التي فيها هواي وإليها يميل قلبي وفيها تحطّ بي الأماني، و «السلفية» وفوقها دار خالي التي كانت المنزل وكان فيها المقام. وكان رفيقي في هذه الرحلة الأستاذ نهاد القاسم رحمة الله عليه، الذي كان يومئذ مستشاراً في محكمة الاستئناف ثم صار أيام الوحدة وزير العدل المركزي لمصر وللشام، وهو أحد رفاق العمر الذين لم يبقَ منهم إلاّ قليل من كثير، مدّ الله في آجالهم وزادهم حسناً في أعمالهم، كالأستاذ سعيد الأفغاني والشيخ ياسين عَرَفة والأستاذ الشيخ مصطفى الزّرقا والدكتور معروف الدواليبي، وغيرهم ممّن إن نسيت أسماءهم هنا فإن ذكرياتهم ثابتة في القلب لا تُمحى ولا تزول.

стр. 2479

أما المطبعة السلفية فالعهد بها قديم والحديث عنها طويل، ولعلّي أوفَّق إلى الكتابة عنها وعن صاحبها، عن سَبْقه في الدعوة إلى إحياء العربية التي أراد الاتحاديون (الدولْمَة) قتلها، عن سبقه إلى تعميم الدعوة الإسلامية في مصر، عن سعيه في تأليف جمعية الشبّان المسلمين التي ضمّت إليها الشبّان الأدباء من أهل التمسّك بالدين. ولعلّي أوفَّق إلى سرد كل ما له عندي، فما يتّسع له استطراد في مقالة. ولقد كتبت عن محب الدين في المجلة التي أسميتُها «البعث» قبل أن يؤلَّف حزب البعث ويسرق مني هذا الاسم بسنين، وكانت أول مجلة إسلامية في الشام، أصدرت منها خمسة أعداد من أكثر من خمسين سنة. وكان مجلس السلفية -لمّا كانت في شارع الاستئناف في باب الخلق- يجمع جلّة من علماء مصر وأدبائها ومن علماء الأقطار الإسلامية الذين يفدون عليها، منهم أحمد تيمور باشا والسيد الخضر حسين والأستاذ أحمد إبراهيم بك والشيخ عبد الوهاب النجّار والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، وإخواننا الذين كانوا يومئذ شباباً فصاروا شيوخ الأدب وأعلام العرب: محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون وعبد المنعم خلاّف والدكتور الخضيري وأبو شادي الشاعر (الذي كانت السلفية في دار أبيه، المحامي الأشهر على أيامه) والشيخ أطفيش الفقيه الأباضي والأستاذ الغمراوي (أول من جمع جمعاً مُحكَماً بين علوم الدين وعلوم الكون) والأستاذ محمد علي الطاهر صاحب جريدة «الشورى» وكثير من أمثالهم. وأمّا دار «الرسالة» فكان منزلُها أقربَ المنازل إلى قلبي وجوُّها أبردَ الأجواء على كبدي، قضيت مع الزيات سنة كاملة،

стр. 2480

أكون معه فيها في المكتب وأصحبه -بإلحاح منه- إلى الدار، وأراه في مباذله وأعرف جميع أحواله ودواخله. وأشهد ما رأيت منه إلاّ فضلاً ونبلاً، وإذا كان لكل رجل صفة تطغى على الصفات حتى ليُعرف بها أو تكون له -كما يقول العقّاد- مفتاح شخصيته، فمفتاح الزيات الرفق والحياء؛ إن تكلّم فعلى مهل، وإن كتب فعلى مهل. وقد راعه مني أول الأمر صراحتي وثورتي، ثم ظننتُ أنه تعوّدها وإن كان أحياناً كثيرة يضيق بها. جاء مصرَ رجلٌ اسمه القُمّي، إيراني شيعي حاذق ذكي داهية من الدواهي، ففتح «دار التقريب»، يدعو فيها إلى التقارب بين الفريقين السنة والشيعة وهو في الحقيقة داعية إلى التشيّع. وفي مصر ميل إلى آل البيت لعلّه باقٍ من أيام العبيديّين (الذين تسمّوا كذباً بالفاطميّين، وما لهم بفاطمة ﵂ صلة ولا يربطهم بها نسب ولا لهم إليها سبب، برئت فاطمة الزهراء منهم ومن كفرهم). أهل مصر يحبّون آل البيت حباً قد يصل أحياناً إلى الغلوّ، تراه عند قبر الحسين وما يصنعون عنده وما يصنعون عند قبر السيدة زينب وما في مصر من مشاهد منسوبة إلى أهل البيت. والحسين رأسه في المشهد المعروف باسمه في جامع بني أمية في دمشق وجسده موسّد ثرى كربلاء في العراق، وما منه في مصر شيء. ولست أنا قائل هذا الكلام فتُوجَّه إليّ السهام ويُلقى على عاتقي الملام ويجرَّد في وجهي الحسام، ولكن قائله، بل كاتبه الذي أيّده بالدلائل وأقام عليه البينات، هو شيخ الإسلام ابن تيمية. فمَن غضب منه فليردّ على الشيخ لا عليّ، فما لي في الأمر ناقة ولا جمل ولا لي فيه سخلة ولا حمل.

стр. 2481

وكلنا يحبّ أهل البيت الذين قال الله لهم: ﴿إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكمُ الرِّجْسَ أهْلَ البيتِ ويُطهّرَكمْ تَطهيراً﴾، وإن كان المراد الأول هنا بأهل البيت أمهات المؤمنين اللائي وُجِّهت الآية إليهن وصُدِّرت بندائهن: ﴿يا نساءَ النبيِّ﴾. وهذا الكلام أيضاً ليس من عندي، بل هو كلام ابن حزم العظيم الذي كان -لولا ظاهريته- المُفرَد العلَم. أراد الزيات أن نزور هذا القمي أنا وهو وأخي الأستاذ سعيد الأفغاني. وكان ينويها زيارة مطارحة ومجاملة ونويناها (أنا وسعيد) زيارة مصارحة ومجادلة. وكان عنده العالِم الأزهري الكبير الشيخ محمد عرفة، فخرقنا جدار الصمت (على وزن قولهم عن الطيارة خرقت حجاب الصوت) وسألنا القمّي لماذا جاء إلى مصر ففتح دار التقريب فيها، وكان أولى به أن يفتحها في طهران لأن الفرع الذي أنبت يُرَدّ إلى الأصل، ومن خرج عن الجماعة يعود إلى الجماعة، والقمر الصغير الذي انفصل عن الجرم الكبير إن لم يرجع إليه دنا منه فدار حواليه، وما عهدنا في الفضاء قمراً صغيراً يجذب جرماً كبيراً. فأراد الشيخ عرفة أن يرشّ الماء البارد على الجمرة التي بدأت تتّقد وأن يلطّف الجو فقال: إن الخلاف على مسائل من الفقه أمرها هين. قلت: بل الخلاف يا سيدي على أمور من أصول الدين، وأنت تكلّم رجلاً عاش في العراق سنين مدرّساً في ثانويّاتها، من سنة ١٩٣٦ إلى سنة ١٩٣٩، تنقّل من البصرة في جنوبي العراق إلى شماليها، فقرأ كتب القوم وناظر مشايخهم وعرف ما عندهم. وسردتُ له بعض أوجه الخلاف مما لانفع

стр. 2482

للقراء الآن من سرده هنا (١). وطالما عُقِدت في دار الرسالة، في هذه الغرفة الصغيرة، بحضور الأستاذ الزيات غالباً وغيابه أحياناً، ندوات ودارت أحاديث في الأدب وفي العلم حضرها أدباء كبار وعلماء أجلاّء. وكانت الأحاديث تنساب هادئة كالنهر الرائق الماء الهادئ المجرى، فيها نفع ولا تخلو من نكتة تُضحِك أو طريفة تسلّي، وربما اضطرب الماء وقذف بالزبَد حين تشتدّ المناقشة حتى تكون مُهاوَشة، وكثيراً ما كنت أنا الذي يصنع هذا كله، أعترف الآن به وأرجو من الله أن يسامحني فيما أخطأت فيه. وأنا أناظر أولاً برفق وأدب، أحاول أن لا أقول كلمة تخدش الخصم أو تجرحه، فإذا صدر منه ما يمسّ ديني أو كرامتي لبستُ جلد النمر ونكّبت عن ذكر العواقب جانباً، ولم أعُد أبصر من غضبي لديني أو لكرامتي مَن الذي هو أمامي، لا أبالي أن يكون كبيراً أو خطيراً. ولقد كان صِدام مرة بيني وبين الدكتور زكي مبارك، وكانت لي به صلة حسنة وأُقِرّ له أنه يملك أجمل أسلوب في هذا العصر. فنطق مرة بكلمة فيها كفر ظاهر وعدوان على الدين أثيم، فنبّهته فما انتبه وحذّرته فما بالى، فزاغ بصري ولم أعُد أرى أمامي الأستاذ

стр. 2483

زكي مبارك بل رجلاً ينال من ديني ومن عقيدتي، فهجمت عليه هجمة مفاجئة بجُمَل تتلاحق كلماتها كرصاص المدفع الرشاش ضعضعَت أركانه، ثم استفاق من دهشته وتمالك بعض نفسه، وقال لي في بعض ما قال: من أنت وبأيّ سلاح تنازلني؟ قلت: بسلاحَين، أولهما أن الحقّ معي وأني أستنصر الله لأني أناضل عن دينه وأحامي عن شرعه، والثاني أني أعرفك في مصر وأعرف سلوكك في العراق ومجالسك بين كاسك وطاسك، فما الذي تظنّه يُخيفني منك ويمنعني من منازلتك: دينك وتقواك؟ سلوكك واستقامتك؟ علمك؟ وقد حقّقتَ كتاب «زهر الآداب» للحصري وكنا ندرسه مع تلاميذنا في دمشق فما تمرّ صفحة تخلو من زلّة لك تسقط منها فيُشَجّ رأسك أو تُلوى قدمك، أم هذا الكتاب الذي صدّعتَ بذكره الأسماع وجعلتَه معجزة العصر وآية الدهر، «النثر الفني»؟ إن فيه سقطات لمّا أمسك الدكتور الغمراوي ببعضها وقيّدك بمنطقه وحجّته بقيد من حديد لم تملك معه حراكاً، جعلتَ تقفز من حوله تصرخ وتهدّد ولا تستطيع أن تتحلل من القيد ولا أن تبرّر الغلط؟ وهل تعتصم إلاّ بستار من سبّ الناس إذ تصول وتجول وحدك وتتوعّد وتهدّد (زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتُلُ مِرْبعاً!) ولو كانت معركة أدبية بيني وبينك لتردّدتُ، وربما خفتك أو تَهيّبتُ لقاءك أو آثرت السلامة من قلمك، ولكنها معركة لله أدافع فيها عن دين الله، واللهُ يدافع عن الذين آمنوا، ومن كان الله معه كان هو الغالب. واشتدّ الأمر وتعالت الأصوات ولم يبقَ إلاّ المواثبة والنقاش بالأيدي، فدخل الزيات بيننا وأخذه جانباً يناجيه. وسمعته يقول له:

стр. 2484

ما تشوف اسمه طنطاوي، إنه شامي دماغه ناشف وأسلوبك لايفيد معه، والأزهريون من مدرّسين وطلبة يقرؤون له ويحبّونه، ولمّا كان الخلاف بينه وبين الشيخ أمين الخولي كانوا كلهم معه. وهو يحاربك الآن بسلاح الدين، فما لك ولخصومة أهل الدين؟ فليّن منه بعض اللين، ثم أقبل عليّ يكلّمني فقلت: أنا أحب الأستاذ وأقدّر له سنّه وسبقه وهو أستاذ معروف، وما بيني وبينه خلاف شخصي إلاّ هذه الكلمة التي قالها وسمعتموها، إن فيها كفراً لا يجوز لمسلم أن يسكت عن إنكاره، فإن رجع عنها وتبرّأ منها قمت إليه الآن فقبّلت رأسه، وإن أصرّ عليها فسأتوكل على الله وأخوض معركة معه ربما أنست القرّاء معاركه الأولى مع الأدباء. وما بسيفي أضرب ولكن بسيف الشرع. فاعتذر من تلك الكلمة وقال إنها كلمة سبق بها لسانه، وراح يؤكّد أنه مؤمن صادق الإيمان وأنه طالما جرّد قلمه للدفاع عن الإسلام وأمثال هذا الكلام، فقلت له: تسمح الآن أن أقوم فأقبّل رأسك، ولكن بعد أن تسرّح شعرك المنفوش! فضحك وضحك القوم وانتهت المعركة بسلام. وأنا أعترف بأن زكي مبارك أقدم مني في الأدب قِدَماً وأثبت فيه قَدَماً، ولكن إذا جاء الدين بطلَت المجاملات وعزّ منَ كان معه وذلّ من كان عليه. * * * وكنا نحضر في مصر مجالس كثيرة كانت في حقيقتها مدارس بغير نظام ولا منهاج، وكانت نوادي علمية وأدبية بلا

стр. 2485

موعد ولا إعلان، وكانت بما يدور فيها من نافع الأحاديث أنفع من الجامعات. منها: مجلس لجنة التأليف والترجمة والنشر، الذي كان فيه الأستاذ أحمد أمين وكان معه جلّة من أكابر أساتذة مصر وعلمائها. ودار المفتي الشيخ عبد المجيد سليم، العالِم الجليل الذي كان من جلسائه الشيخ شلتوت والشيخ محمد المدني. لقد جئته مرة في الشتاء وأنا متلفّع مُرْتَدٍ المعطف الثقيل وهو حاسر جالس بين نافذتين مفتوحتين يجري بينهما الهواء، فقلت: ياسيدي ... فضحك ولم يدَعْني أُتمّ وقال: الله الله، أنتم الشباب وتخافون الهواء؟! ومن تلك المجالس مجلس العالِم الجليل السيد الخضر حسين، رئيس جمعية الهداية الإسلامية والذي صار شيخ الأزهر. ومجلس الأستاذ محمد علي الطاهر، وهو ندوة سياسية قومية عربية. ومن أوائل هذه المجالس مجلس لأستاذ كان إذا تكلّم بذّ القائلين ولم يدع لأحد منهم مجالاً، على تجويد منه في الحديث ورغبة صادقة منهم في سماعه، يتمنّون لو أفاض وزاد، هو الأستاذ العقّاد. وهو في مجلسه مع جلسائه غيره مع مقالته مع قرّائه، تقرأ فتتصوّره مدرّساً عالِماً نافعاً ولكنه متجهّم الوجه قاسي النظرات يلوّح فوق رأسك بالعصا، وتراه في بيته منبسطاً مبتسماً يضمّ مجلسُه أصنافاً من الناس فيحدّث كلَّ صنف بما يفهمون، يخوض في كل موضوع ويتكلّم في كل مجال، حيثما اتجه الحديث اتجه معه فكان سابقاً فيه. حتى لقد ذكرتُ مرة أمامه الشيخ عثمان الموصلّي، وهو شاعر موسيقي معروف عندنا في

стр. 2486

الشام والعراق كان من أذكى العميان، كان إذا صافح إنساناً ولمس يده ثم صافحه بعد عشر سنين أو عشرين عرفه من مصافحته وسمّاه باسمه. وإذا الأستاذ العقاد يعرفه ويروي عنه خبراً لم أسمع به وأنا أجمع أخباره! ما أعرف مثل العقّاد في هذا إلاّ اثنين: فارس الخوري، وآخر لم تسمعوا به كان شيخ القضاة في الشام وكان آخذاً من كل علم بطرف، وإن كان عمله الأصلي هو القضاء، أعاد فيه للناس سِيَر القضاة الأولين، ولم يكن يقضي إلاّ بما يعلم أنه يُرضي الله ويطمئنّ له ضميره المؤمن ويوافق ما علم من شرع الله، لا يميل مع لذّة ينالها أو منفعة يحصل عليها أو مضرّة من قوي إذا قضى عليها يخشاها، ولا يطمح أحد أن يكلّمه في قضية ينظر فيها، هو مصطفى بَرْمَدا. وكان مجلسه في موعد مجلس العقاد من صدر يوم الجمعة، ولكنه كان إذا دنا موعد الصلاة تقوّض المجلس وذهب أهله كلهم إلى المسجد، فكان رجلاً آمن قلبه وآمن لسانه، وآمنَت جوارحه فظهر عليها أثر إيمان قلبه: امتثالاً لأمر الله وابتعاد عمّا نهى عنه الله. ورُبّ كاتب يكتب بقلمه أو يقول بلسانه ما لا يترجم عنه فعلُه ولا يوافقه سلوكه، يُرضي الناس ولا يسعى لما يُرضي الله. * * * أمّا إدارة التشريع في وزارة العدل فهي التي قدّمنا لها وأُوفِدنا للعمل فيها.

стр. 2487

وكنا نظنّ أن لقاء الوزير سهل كالذي عرفناه في الشام؛ فنحن نذهب إلى الوزير عن موعد أو بغير موعد فندخل عليه رأساً أو ننتظر قليلاً إن كان مشغولاً، بل إن هذه كانت سنّتنا مع رئيس الجمهورية: محمد علي بك العابد (وهو ابن أحمد عزة باشا العابد، أقرب العرب منزلة من السلطان عبد الحميد) ومع هاشم بك الأتاسي الرجل الجليل الذي كان شيخ الوطنيين، والشيخ تاج الدين الحسني وهو ابن شيخ علماء الشام، مَن كان اسمه أكبر من كل صفة يوصف بها وهو الشيخ بدر الدين، ثم مع الزعيم المناضل شكري بك القوّتلي. وكان السّنْهوري باشا في الشام مدعواً للمشاركة بوضع القانون المدني. وليته ما وُضع، وليتنا بقينا على «المجلة» المنبثقة عن ديننا والموافقة لشرع ربنا والمكتوبة بالعربية لساننا، ولم يأتِنا هذا القانون المدني الذي طالما كتبتُ عنه وعن لغته وكتب أخي الأستاذ الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا، الذي هو الآن ركن كل لجنة تنعقد لوضع القانون المدني الإسلامي. وكان زميلنا الأستاذ نهاد القاسم مع السنهوري في اللجنة وكنت أنا في لجنة قانونية أخرى، فلم يكن يوم لا نلتقي فيه بالسنهوري، في المكتب أو في أحد المقاهي الخلوية على سِيف الغوطة أو على سفح قاسيون، فنشأت بيننا وبينه مودّة أزالت الكلفة لأن الرجل، أي السنهوري -كما بدا لنا في الشام- سمح الطبع حسن العشرة غير مترفع ولا متكبر، فظننّا أن الوزراء في مصر كلهم من هذا الطراز.

стр. 2488

وذهبنا (أنا والأستاذ نهاد القاسم) إلى وزارة العدل، وكان الوزير يومئذ خشبة باشا، فسألنا عن غرفته فأخذونا إلى مدير مكتبه، ومدير مكتبه استأذن لنا عليه. وكان معنا كتاب رسمي موجَّه إليه من وزير العدل في سوريا تاريخه ٢١ جمادى الآخرة ١٣٦٦ (١١/ ٥/١٩٤٧) فحملناه إليه ودخلنا عليه، فهشّ لنا وبشّ في وجوهنا وأحسن استقبالنا، وتهيّأتُ أكلّمه فيما جئنا من أجله فلم يدعْني أتكلّم، بل فاجأني بسؤال ما كنت أقدّر أو أتخيّل أنه سيسألني عنه، قال: الشيخ أبو الخير الفرّا هل تعرفه؟ قلت: نعم، وقد كان جارنا وقد تُوُفّي ﵀ من عهد قريب. قال: ألا تزال داره آخرَ دار في حيّ المهاجرين تُشرِف على دمشق وغوطتيها؟ قلت: نعم، ولكنها لم تعُد آخر دار، لقد أُنشئَ حيّ كامل إلى الغرب منها حتى بلغ فم الوادي المفضي إلى دمر وصعد فوقها حتى وصل إلى الصخرات الكبار في قمة الجبل. فسكت متعجباً، فقلت له: تسمح لي ياسيدي أن أسأل معاليك، من أين تعرفه؟ فقص علينا قصّة عجيبة. * * *

стр. 2489

-١٩٢ - في إدارة التشريع في وزارة العدل أنا منذ بدأت الكلام على الكلية الشرعية وقانون الأحوال الشخصية أحسست أني مشيت بالقراء في طريق وعر، لأني كلّفتهم قراءة مباحث فقهية ليس لأكثرهم حرص عليها ولا اهتمام بها، لذلك بدأت أوجز: أمرّ بالكثير منها فأشير إليه ولا أطيل الوقوف عليه، لأن الناس لا يأخذون الجريدة اليومية ليتعلّموا منها الفقه ولا ليأخذوا منها العلم. قلت إننا وصلنا أخيراً إلى الوزير، وكان وزير العدل يومئذ خشبة باشا. وما أخذ منا الكتاب الرسمي الذي حملناه إليه من وزير العدل في سوريا ولا كلّمنا في المهمة التي جئنا من أجلها، بل واجهَنا بسؤال وجدناه غريباً لا نتوقع مثله من مثله؛ سألَنا عن الشيخ أبي الخير الفرّا. والشيخ أبو الخير من الوجهاء الأغنياء في الشام، ليس من رجال السياسة ولا من أرباب المناصب ولا من أهل الصحافة والأدب، وليس من طراز الوزير ولا من أشباهه، لذلك عجبنا من سؤاله عنه. وقلت لكم إنني سألته من أين يعرفه، فقصّ علينا قصّته (١).

стр. 2490

قال: إنه جاء دمشق من نحو أربعين سنة قبل أن تنشب نار الحرب الأولى، يوم كانت دمشق البلد الوادع الساكن وكانت في شبه عزلة، أقرب مدينة إليها بيروت، يصل إليها القطار ولكنه يُمضي بينهما وقتاً يزيد على ما تُمضيه الطيارة اليوم بالمسافرين من بيروت إلى لندن. ولقد أخذتُ أنا إخوتي إلى بيروت بهذا القطار فقضى بنا على الطريق إحدى عشرة ساعة، ولا يزيد ما بينها وبين دمشق عمّا بين مكة وجدّة إلاّ قليلاً! وهذا القطار باقٍ إلى اليوم، ولكنه لا يمشي إلاّ إلى الزبداني أو المصايف الشامية، وهو قطار أثري ما أظنّ أنه بقي مثله في الدنيا. قال الوزير إنه وصل دمشق ولم يكن قد زارها من قبل وهو لا يعرف فيها أحداً، فذهب إلى الجامع الأموي فزاره وزار قبور الفرسان الثلاثة: نور الدين وصلاح الدين والملك الظاهر، الذين طهّر الله بهم بلاد الشام من الصليبيين، الذين كانوا أكثرَ عدداً وأقوى قوة من الواغلين الغاصبين الذين أقاموا دولة إسرائيل، فلم يدُم لهم ملك ولم يستقرّ لهم قرار. ودخل المكتبة الظاهرية وزار المدارس الأثرية، ثم أحب أن يرى البلد فاستأجر عربة (ولم تكن السيارات قد وصلت إليها) فمشت به العربة في طريق الصالحية الذي يجري فيه الترام، يستقبل جبل قاسيون يراه ماثلاً أمامه، في ذروته قبّة النصر التي كانت شعار دمشق وكانت لها كبرج إيفل في باريس، يُعرف قاسيون بها بين الجبال كما تُعرف ببرج إيفل باريس بين المدن. وإذا كان في الجبال الجميل والقبيح فقاسيون أجمل الجبال، هو
следующие страницы →