الشام والعراق كان من أذكى العميان، كان إذا صافح إنساناً ولمس يده ثم صافحه بعد عشر سنين أو عشرين عرفه من مصافحته وسمّاه باسمه. وإذا الأستاذ العقاد يعرفه ويروي عنه خبراً لم أسمع به وأنا أجمع أخباره!
ما أعرف مثل العقّاد في هذا إلاّ اثنين: فارس الخوري، وآخر لم تسمعوا به كان شيخ القضاة في الشام وكان آخذاً من كل علم بطرف، وإن كان عمله الأصلي هو القضاء، أعاد فيه للناس سِيَر القضاة الأولين، ولم يكن يقضي إلاّ بما يعلم أنه يُرضي الله ويطمئنّ له ضميره المؤمن ويوافق ما علم من شرع الله، لا يميل مع لذّة ينالها أو منفعة يحصل عليها أو مضرّة من قوي إذا قضى عليها يخشاها، ولا يطمح أحد أن يكلّمه في قضية ينظر فيها، هو مصطفى بَرْمَدا. وكان مجلسه في موعد مجلس العقاد من صدر يوم الجمعة، ولكنه كان إذا دنا موعد الصلاة تقوّض المجلس وذهب أهله كلهم إلى المسجد، فكان رجلاً آمن قلبه وآمن لسانه، وآمنَت جوارحه فظهر عليها أثر إيمان قلبه: امتثالاً لأمر الله وابتعاد عمّا نهى عنه الله.
ورُبّ كاتب يكتب بقلمه أو يقول بلسانه ما لا يترجم عنه فعلُه ولا يوافقه سلوكه، يُرضي الناس ولا يسعى لما يُرضي الله.
* * *
أمّا إدارة التشريع في وزارة العدل فهي التي قدّمنا لها وأُوفِدنا للعمل فيها.
стр. 2487
وكنا نظنّ أن لقاء الوزير سهل كالذي عرفناه في الشام؛ فنحن نذهب إلى الوزير عن موعد أو بغير موعد فندخل عليه رأساً أو ننتظر قليلاً إن كان مشغولاً، بل إن هذه كانت سنّتنا مع رئيس الجمهورية: محمد علي بك العابد (وهو ابن أحمد عزة باشا العابد، أقرب العرب منزلة من السلطان عبد الحميد) ومع هاشم بك الأتاسي الرجل الجليل الذي كان شيخ الوطنيين، والشيخ تاج الدين الحسني وهو ابن شيخ علماء الشام، مَن كان اسمه أكبر من كل صفة يوصف بها وهو الشيخ بدر الدين، ثم مع الزعيم المناضل شكري بك القوّتلي.
وكان السّنْهوري باشا في الشام مدعواً للمشاركة بوضع القانون المدني. وليته ما وُضع، وليتنا بقينا على «المجلة» المنبثقة عن ديننا والموافقة لشرع ربنا والمكتوبة بالعربية لساننا، ولم يأتِنا هذا القانون المدني الذي طالما كتبتُ عنه وعن لغته وكتب أخي الأستاذ الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا، الذي هو الآن ركن كل لجنة تنعقد لوضع القانون المدني الإسلامي.
وكان زميلنا الأستاذ نهاد القاسم مع السنهوري في اللجنة وكنت أنا في لجنة قانونية أخرى، فلم يكن يوم لا نلتقي فيه بالسنهوري، في المكتب أو في أحد المقاهي الخلوية على سِيف الغوطة أو على سفح قاسيون، فنشأت بيننا وبينه مودّة أزالت الكلفة لأن الرجل، أي السنهوري -كما بدا لنا في الشام- سمح الطبع حسن العشرة غير مترفع ولا متكبر، فظننّا أن الوزراء في مصر كلهم من هذا الطراز.
стр. 2488
وذهبنا (أنا والأستاذ نهاد القاسم) إلى وزارة العدل، وكان الوزير يومئذ خشبة باشا، فسألنا عن غرفته فأخذونا إلى مدير مكتبه، ومدير مكتبه استأذن لنا عليه. وكان معنا كتاب رسمي موجَّه إليه من وزير العدل في سوريا تاريخه ٢١ جمادى الآخرة ١٣٦٦ (١١/ ٥/١٩٤٧) فحملناه إليه ودخلنا عليه، فهشّ لنا وبشّ في وجوهنا وأحسن استقبالنا، وتهيّأتُ أكلّمه فيما جئنا من أجله فلم يدعْني أتكلّم، بل فاجأني بسؤال ما كنت أقدّر أو أتخيّل أنه سيسألني عنه، قال: الشيخ أبو الخير الفرّا هل تعرفه؟ قلت: نعم، وقد كان جارنا وقد تُوُفّي ﵀ من عهد قريب. قال: ألا تزال داره آخرَ دار في حيّ المهاجرين تُشرِف على دمشق وغوطتيها؟ قلت: نعم، ولكنها لم تعُد آخر دار، لقد أُنشئَ حيّ كامل إلى الغرب منها حتى بلغ فم الوادي المفضي إلى دمر وصعد فوقها حتى وصل إلى الصخرات الكبار في قمة الجبل.
فسكت متعجباً، فقلت له: تسمح لي ياسيدي أن أسأل معاليك، من أين تعرفه؟ فقص علينا قصّة عجيبة.
* * *
стр. 2489
-١٩٢ -
في إدارة التشريع في وزارة العدل
أنا منذ بدأت الكلام على الكلية الشرعية وقانون الأحوال الشخصية أحسست أني مشيت بالقراء في طريق وعر، لأني كلّفتهم قراءة مباحث فقهية ليس لأكثرهم حرص عليها ولا اهتمام بها، لذلك بدأت أوجز: أمرّ بالكثير منها فأشير إليه ولا أطيل الوقوف عليه، لأن الناس لا يأخذون الجريدة اليومية ليتعلّموا منها الفقه ولا ليأخذوا منها العلم.
قلت إننا وصلنا أخيراً إلى الوزير، وكان وزير العدل يومئذ خشبة باشا. وما أخذ منا الكتاب الرسمي الذي حملناه إليه من وزير العدل في سوريا ولا كلّمنا في المهمة التي جئنا من أجلها، بل واجهَنا بسؤال وجدناه غريباً لا نتوقع مثله من مثله؛ سألَنا عن الشيخ أبي الخير الفرّا. والشيخ أبو الخير من الوجهاء الأغنياء في الشام، ليس من رجال السياسة ولا من أرباب المناصب ولا من أهل الصحافة والأدب، وليس من طراز الوزير ولا من أشباهه، لذلك عجبنا من سؤاله عنه. وقلت لكم إنني سألته من أين يعرفه، فقصّ علينا قصّته (١).
стр. 2490
قال: إنه جاء دمشق من نحو أربعين سنة قبل أن تنشب نار الحرب الأولى، يوم كانت دمشق البلد الوادع الساكن وكانت في شبه عزلة، أقرب مدينة إليها بيروت، يصل إليها القطار ولكنه يُمضي بينهما وقتاً يزيد على ما تُمضيه الطيارة اليوم بالمسافرين من بيروت إلى لندن. ولقد أخذتُ أنا إخوتي إلى بيروت بهذا القطار فقضى بنا على الطريق إحدى عشرة ساعة، ولا يزيد ما بينها وبين دمشق عمّا بين مكة وجدّة إلاّ قليلاً! وهذا القطار باقٍ إلى اليوم، ولكنه لا يمشي إلاّ إلى الزبداني أو المصايف الشامية، وهو قطار أثري ما أظنّ أنه بقي مثله في الدنيا.
قال الوزير إنه وصل دمشق ولم يكن قد زارها من قبل وهو لا يعرف فيها أحداً، فذهب إلى الجامع الأموي فزاره وزار قبور الفرسان الثلاثة: نور الدين وصلاح الدين والملك الظاهر، الذين طهّر الله بهم بلاد الشام من الصليبيين، الذين كانوا أكثرَ عدداً وأقوى قوة من الواغلين الغاصبين الذين أقاموا دولة إسرائيل، فلم يدُم لهم ملك ولم يستقرّ لهم قرار.
ودخل المكتبة الظاهرية وزار المدارس الأثرية، ثم أحب أن يرى البلد فاستأجر عربة (ولم تكن السيارات قد وصلت إليها) فمشت به العربة في طريق الصالحية الذي يجري فيه الترام، يستقبل جبل قاسيون يراه ماثلاً أمامه، في ذروته قبّة النصر التي كانت شعار دمشق وكانت لها كبرج إيفل في باريس، يُعرف قاسيون بها بين الجبال كما تُعرف ببرج إيفل باريس بين المدن. وإذا كان في الجبال الجميل والقبيح فقاسيون أجمل الجبال، هو
стр. 2491
بينها كالفتى الغُرانِق (١) بين الرجال، وكلما دنونا من سفحه (يقول الوزير) صعدَت بنا العربة قليلاً وتَكشّف لنا من البلد ومن البساتين التي تحفّ به منظر أكبر، حتى وصلنا آخر حيّ المهاجرين حيث ينتهي خطّ الترام، فرأيت منظراً عجيباً.
ولقد سافرت إلى بلاد الشرق والغرب فما رأيت مثله: تنظر من ورائك فترى قاسيون الفتي الذي يشبه بين الجبال أدونيس في أساطير اليونان، وتتلفّت إلى يمينك فتُبصِر مدخل الطريق الجبلي إلى دُمّر بادياً بين صخرتين عظيمتين، وكان قديماً هو مدخل البلد. وتُطِلّ بعده على أجمل وادٍ في الدنيا أو هو من أجملها: ضيّق لا يتّسع إلاّ للطريق ولنهر بردى الذي يجري فيه، أمّا أبناء بردى فتمشي في الجبلين عن يمين وشمال واحدٌ فوق واحد لتسقي أعالي البلد وأسافله، والماء يخرج من الأعلى إلى الأدنى في شلاّلات دائمة، إذا نظرت إليها وإلى الأنهار والجبل من ورائها رأيت صورة صفوف من عقود اللؤلؤ في جيد غادة حسناء. ولا أقول هذا على طريقة علم البلاغة الميتة التي تُدرَّس في المدارس فلا تنشئ بليغاً، لكن أصف الحقيقة الحيّة المشاهَدة.
فإن اجتزت بنظرك الوادي إلى اليمين رأيت جبال المزة، وتحتها وتحت قاسيون أشجار الغوطة التي تبدأ من هنا وتنتهي شرقي دمشق بعد عشرين كيلاً. فمَن رأى بستاناً واحداً طوله عشرون ألف متر فيه من كل فاكهة زوجان ومن كل الثمار أشكال وألوان؟ والبلد وسط هذا البستان، وفي وسطها الجامع الأموي بقبّته
стр. 2492
المشمَخِرّة التي كانت تُدعى قبّة النسر، ومآذنه الثلاث الكبار.
قال الوزير إنه لمّا رأى هذا المنظر تمنى أن يجد هنا فندقاً ينزل فيه، وتلفّت حوله فرأى رجلاً حسن الزيّ مَهيب الطلعة أمام دار مفتوح بابُها يلجها الناس ويخرجون منها. فسأله: أليس ها هنا فندق ينزل فيه الغريب؟ قال: بلى، ألا ترى الباب مفتوحاً؟ فتفضّل. قال: أريد غرفة تُطِلّ على هذا المنظر. قال: حباً وكرامة. يافلان (ونادى خادماً كان في الدار)، قُل لهم أن يُعِدّوا الغرفة الفلانية للأستاذ.
قال الوزير: ونزلتُ عنده، ووجدته فندقاً مريحاً والنزلاء قليلاً والخدمة جيدة، وكان يسألني كل عشية: ماذا تريد أن تأكل غداً؟ ويعدّد لي الألوان الشامية فاختار منها ما أريد. وطاب لي المقام ولم يكن لي في مصر عمل يستعجلني، فلبثت عنده خمسة وعشرين يوماً، أطلب فأجد، ما وجدت تقصيراً ولا احتجت إلى شكوى. ثم قررت السفر فقلت له: أنا مسافر غداً. قال: بالسلامة إن شاء الله، وإن كنا نؤثر أن تطيل الإقامة عندنا. قلت: أتمنى ولكن آن أوان الرحيل. قال: كما تريد. قلت: أين قائمة الحساب؟ فضحك وقال: الحساب يوم القيامة، ونسأل الله أن يجعله يسيراً. قلت: إنما أعني حساب الفندق. فضحك وقال: أي فندق؟ أتراني من أصحاب الفنادق؟ إنما هي داري، وقد نزلتَ عليّ ضيفاً كريماً، فهل تأخذون مني إن زرتكم أجرة المبيت وثمن القِرى؟
فجرّبت معه كل وسيلة فما أفلحت، فدعوته أن يشرّفني بزيارته في مصر فوعد. وبعثتُ إليه بهديّة من مصر، فقبلها
стр. 2493
وردّ عليّ بهديّة أغلى منها. وكتبتُ إليه مرات أطالبه البرّ بوعده وزيارتي، فمضت أربعون سنة وما جاء مصر ولا رجعت أنا إلى الشام. أفتعجبون -بعد- إن سألت عنه وإن طلبت منكم أن تُبلِغوه أني لا أزال متعجّباً من عمله معجَباً به شاكراً له.
* * *
وهي قصة عجيبة، ولكن الشيء من معدنه لا يُستغرَب، والكرم سليقة في العرب، وهو أول مفاخرهم وأول ما يثني به شعراؤهم على أكابرهم. وهو فيهم حاجة قد تبلغ حدّ الضرورة، ذلك أنهم كانوا يعيشون غالباً في بادية ما فيها للغريب فندق ينزل فيه ولا مطعم يأكل منه، فإن لم يجد الغريب مَن يُقريه ومن يطعمه ويسقيه مات جوعاً، لذلك كان من مكارم أخلاقهم التي بُعث الرسول ﵊ لإتمامها أن للضيف حقاً أقرّه الشرع، وجعل له أن يقاتل عليه إن مُنع منه لأنه يكون في موقف حياة أو موت. لكن هذا العرف لا يسري على مدينة فيها الفنادق وفيها المطاعم وفيها كل ما تحتاج إليه إن كان المال في يدك.
والخلق الكريم وسطٌ بين رذيلتين، بين السرف وبين التقتير، بين البخل وبين التبذير، هذا هو أدب الإسلام: ﴿ولا تَجْعَلْ يدَكَ مغلولةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسوراً﴾.
ثم دخلنا في حديث المهمّة التي جئنا من أجلها. وودّعنا الوزير وأخذَنا وكيل الوزارة معه إلى مكتبه، ثم ودّعنا الوكيل وذهبنا مع رئيس المفتّشين، ثم أخذونا إلى إدارة التشريع في الوزارة، وجعلوا لنا أنا والأستاذ نهاد القاسم ﵀ غرفة نصبوا
стр. 2494
لنا فيها مكتبين. وكنا نذهب إلى الإدارة كل يوم، وإن لم نكن مكلَّفَين بمثل دوام الموظفين.
ورأيت في مصر شيئاً لم نكن نألفه في الشام ولم يكن يألفه ولا يعرفه الناس هنا في المملكة. رأينا كل موظف إذا وقف بين يدَي رئيسه تضاءل وتصاغر والرئيس يستكبر وينتفخ، فإذا لقي المرؤوس من هو دونه تكبّر عليه واستخذى الآخر بين يديه. ونحن نعرف للرؤساء حقوقهم ولكن في حدود القانون، فإن جاوزوها وأرادوا أن يأخذوا شيئاً من كرامتنا قلنا لهم: لا، ولا كرامة.
وكان اجتماعي في إدارة التشريع بنخبة من أكابر القضاة في مصر لبثنا في صحبتهم سنة كاملة، أمّا القضاة المدنيون منهم فكانوا أكثر منا اطّلاعاً على اجتهادات المحاكم الأجنبية ومباحث علمائها القانونية وعلى الكتب الحقوقية، وكنّا أعرفَ بالفقه وكتبه ومذاهب علمائه، وكان القضاة الشرعيون منهم مثلنا.
وممن كنت أعمل معهم العالِم المحدّث القاضي الشرعي الشيخ أحمد شاكر، ابن شيخ المشايخ محمد شاكر وأخو شيخ الأدباء الأستاذ محمود شاكر، ومنهم من كان اتصالي به أكثر واجتماعي به أطول، أقضي معه ساعات في الإدارة ربما اتصلَت بساعات أخرى أقضيها معه في داره في حيّ السيدة، وهو فقيه واسع الاطّلاع شارك في وضع القوانين الجديدة في مصر (قانون الوصية وقانون المواريث) وألّف في شرحها، وهو الشيخ محمد فرج السَّنْهوري.
وحيّ السيدة هو مدينة «القطائع» التي أنشأها أحمد بن
стр. 2495
طولون الذي أقام في مصر دولة انفصلت (أو كادت تنفصل) عن الخلافة العباسية، بل أوشك أن يتغلّب عليها، كما تغلّب يوماً بنو بويه من شيعة الفرس والسلاجقة من أهل السنّة من الأتراك، لولا أن قيّض الله له رجلاً كان عبقرياً مثله وكان كفؤاً ونِدّاً له، هو المُوفَّق، الذي كان الخليفة بالفعل وإن كانت الخلافة لأخيه بالاسم.
ومصر (أعني القاهرة الكبرى) ليست مدينة واحدة، ولكن مدائن تعاقبت ثم اتصلت: الفسطاط أولاً، وهي مصر القديمة وفيها مسجد عمروبن العاص الذي فتح مصر بجيش يقلّ عدده عن نصف عدد طلاب كلية واحدة في إحدى الجامعات العربية الكبيرة. وكان مسجد عمروبن العاص (الذي بُني في موضع فسطاطه فسُمّيت المدينة باسمه) كان شبهَ مهمَل في تلك السنة، ثم سمعت بأن الحكومة عادت إلى العناية به وإلى عمارته، عمارة الجدران والأركان وعمارة العلم والإيمان، وولّت خطبته واحداً من الدعاة المخلصين ومن المفكّرين المسلمين هو صديقنا الشيخ محمد الغزالي.
وأنشئت بعد مدينة الفسطاط مدينة القطائع (وهي حيّ السيدة زينب الآن)، وفيها جامع ابن طولون بمنارته التي تمتاز من المنارات بأن درَجها من ظاهرها، بُنيَت على نمط منارة مسجد «سُرّ مَن رأى» التي تُسمّى المَلْويّة والتي سبق الكلام عنها، أُنشئت بعدها بنحو نصف قرن. ثم أُقيمت مدينة المعزّ العبيدي الذي يُدعى الفاطمي، والتي فيها الأزهر وفيها مسجد الحسين. ثم مشى البناء إلى العتبة الخضراء والأزبكية على عهد محمد علي،
стр. 2496
ثم إلى حيث لم أعُد أدري، فاسألوا الأساتذة المصريين الذين يعملون هنا.
ولمّا كنت في مصر (في السنة التي أتكلم الآن عنها) كانت شبرا منقطعة عن البلد، وكان ما بعد الجيزة خالياً ما فيه إلاّ الترام الذي يمشي إلى الهرم. ولم يكن فُتح -كما أذكر- الشارع الموصل من العتبة الخضراء إلى الأزهر ولا الشارع الآخر الذاهب إلى العباسية، وعرفتُ شارع الخليج قبل ذلك ضيقاً ملتوياً أركب الترام الذي يمشي فيه من ميدان باب الخلق الذي كنت أنزل فيه في دار خالي حتى أصل إلى دار العلوم في حيّ المُنيرة، فلا أرى على الجانبين إلاّ أبنية قديمة دبّ فيها دبيب الخراب، حين مُنع إصلاحها لأنها ستُهدم ليُفتح فيها الشارع الفسيح الذي ترونه الآن. وكانت مصر الجديدة بلداً آخر، وكان وراء الأزهر ومسجد الحسين جبل موحش، لم يكن هناك عمران، وكانت البلدة تنتهي عند جبل المُقطَّم.
وهذا استطراد، وعيبي الاستطراد لا أستطيع منه فكاكاً فاحتملوه مني.
* * *
وكان أكثر جدالنا مع الأستاذ الشيخ محمد فرج السنهوري في مسألتين، إن أذنتم لخّصتهما تلخيصاً ولم أفصّل القول فيهما: مسألة الوصية للوارث، ومسألة الوصية الواجبة.
ذلك أن العمل على عهد العثمانيين كان على المذهب الحنفي وحده، بل بالقول المُفتَى به في المذهب، حتى إننا -أنا وأخي
стр. 2497
الأستاذ الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا- لمّا اخترنا في قانون الأحوال الشخصية العدول في توريث ذوي الأرحام عن قول الإمام محمد المفتى به إلى قول الإمام أبي يوسف، لأنه أسهل على الناس وأرفق بهم، أبى ذلك علينا شيخنا العلاّمة مفتي الشام الشيخ محمد شكري الأسطواني. وهذا تضييق على الناس ليس في الشرع ما يوجبه ولا ما يرغّب فيه ويدعو إليه، والدين لم ينحصر في مذهب واحد ولا في المذاهب الأربعة مجتمعة بحيث لا يجوز الخروج عليها ولا مخالفتها، على أن تكون مخالفتها بالدليل الشرعي.
ولكن الذين وضعوا مشروع قانون الوصية في مصر أرادوا الخروج من هذا الضيق فوقعوا فيما هو أبعد عن الحقّ، حين خالفوا الحديث الصحيح الذي تلقّته الأمّة كلها بالقبول وانعقد عليه الإجماع، فجوّزوا الوصية للوارث ولغيره بالثلث وبأكثر منه. ولست أدري إذا كانت هذه المادّة لا تزال موجودة في قانون الوصية وقانون المواريث أم أنها عُدّلت وبُدّلت، فإن كانت باقية فإنه يجب وجوباً شرعياً تعديلها.
لقد أمضينا مع الشيخ محمد فرج ساعات طويلة في المناقشة فيها. والوصية منحة من الشارع ليست حقاً طبيعياً، لأن الإنسان إذا مات لم يعُد يفكّر بمنح ولا منع، ولو أرادهما لما أطاعته جوارحه، ولو كان مفتاح الصندوق الذي فيه ماله تحت وسادته لم يستطع بعد موته بربع ساعة أن يمدّ يده إليه. إنه ميت، فكيف يتصرّف الميت بماله؟ إن تصرّفه بثلث المال بعد موته وصية، واعتبار إرادته بعد أن فقد التحكّم فيها منحة من الشارع، فلا يجوز أن نتعدى الحدّ الذي حدّه لها الشارع.
стр. 2498
أمّا الوصية الواجبة فالكلام فيها طويل، وهو ماثل في ذهني لأني -من طول ما ناقشت فيها في مصر ثم في الشام- استقرّت فيه كأنها منقوشة نقشاً عليه. والدافع الذي دفعنا إلى اعتبار الوصية الواجبة أن الإسلام دين العدل ودين الحقّ، وأننا نرى رجلاً ساعده ولده الأكبر في عمله وشاركه في جمع ماله، فانصرف بذلك عن الدراسة وعن العلم لأنه كان مشغولاً بمساعدة أبيه وكان أبوه فقيراً لا يملك أن ينفق عليه، فلما اغتنى الأب بمساعدة الولد وكبر أبناؤه الصغار أدخلهم المدارس والجامعات، فنشؤوا متعلّمين قادرين على الكسب حاملين الشهادات العالية، والولد الكبير لم يتعلّم علماً ولم يحصّل شهادة، ثم قضى الله أن يموت الولد الكبير قبل أبيه وأن يترك أطفالاً صغاراً لا مال لهم ولا يرثون من جدهم الغني حين يموت جدهم، فهل من العدل أن يبقى هؤلاء فقراء؟
أنا لم أنازع في أنهم يستحقون المساعدة، ولكني كنت أجادل الشيخ فأقول له: لو أراد الشرع أن يورّثهم لقضى بتوريثهم، فهل نحن فيما نضع من قوانين مستمَدّة من الشرع أعدل من الذي أنزل الكتاب وبعث الرسول ﵊؟ وليس في الكتاب ولا في سنّة الرسول ما يوجب إعطاءهم. ثم رجعتُ إلى نفسي بعد هذه المناقشات الطويلة جداً فشرح الله صدري لإقرار الوصية الواجبة في مشروع القانون، وقلت لنفسي: إن الشرع ندب الجدّ في هذه الحال بأن يوصي لأحفاده هؤلاء الذين مات أبوهم في حياته، والذين يسمّيهم الفقهاء «أولاد المحروم». والمسلمون الأولون كانوا -لتمسّكهم بالدين- يكفيهم الندب ليقوموا بالعمل، ثم إن في بعض المذاهب الأربعة أن التركة لا
стр. 2499
تُوزَّع على المستحقّين من الورثة إلاّ بعد أن يخرج منها حقّ الله، فإذا اعتبرنا الوصية لابن المحروم التي ندب الشرع إليها حقاً من حقوق الله وأخرجناها قبل توزيع التركة لا نكون قد خرجنا عن المذاهب الأربعة.
أما القول في هذه الوصية والوصية للوارث فألخّصه بكلمات، من جهة التقليد ومن جهة الاجتهاد، أي بالنظر إلى جهة مذاهب الأئمة المعتبَرة والنظر للأدلّة: أما من جهة التقليد فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الوصية للوارث غير جائزة، وإن كان منهم من منعها من أصلها ولم يجوّزها ولو أجازها الورثة، وعلى ذلك مذهب مالك (فيما سمعت) وداود الظاهري وأحد القولين في مذهب الشافعي، ومنهم من جعلها موقوفة على إجازة الورثة كأبي حنيفة والشافعي في أحد القولين وأحمد على ظاهر المذهب. وخالف الفقهاءَ بعضُ الفرق التي لا نأخذ بأقوالها كالشيعة الإمامية وبعض الزيدية.
أمّا من جهة الاجتهاد فالأصل في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عليكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيراً الوصيّةُ للوالدَينِ والأقرَبِينَ بالمعروفِ، حقّاً على المُتّقينَ، فمَن بَدّلَه بَعدَما سَمِعَهُ فإنّما إثمُهُ على الذينَ يبدّلونَهُ، إنَّ اللهَ سَميعٌ عليمٌ﴾ (وهذه الآية فَرضت على من ترك مالاً -مطلقاً أو مالاً كثيراً- أن يوصي للوالدَين والأقربين)، وقوله تعالى في آية المواريث: ﴿يُوصِيكمُ اللهُ في أولادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ (إلى آخر الآية)، وحديث: «إنّ اللهَ أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ فلا وصيَّةَ لوارثٍ»، وهذا الحديث رُوي
стр. 2500
من طرق كثيرة وهو موجود في جامع الترمذي وصحّحه وعند أحمد والنسائي وابن ماجه.
وجمهور العلماء على أن آية الوصية منسوخة الحكم، واختلفوا: هل نُسخَت بآية المواريث أو بالحديث، أو بهما معاً؟ وهو الأشهر. وإنّ صدر الحديث يدلّ على أنه بيان لآية المواريث، أي أن الله كتب علينا الوصية، ثم تولّى بنفسه توزيع التركة فحدّد للوالدَين والأقربين وللزوجين ما يأخذونه. وقال بعض العلماء إن ما فرضه الله إنما يُعطى لأصحابه من بعد وصية يوصى بها أو دين، فلا ينسخ آية الوصية. ورُدّ عليهم بأن الوصية في آية المواريث هي الوصية للأجنبي من ثُلُث المال، لإطلاق اسم الوصية فيها، وأجابوا بأن الحديث خبر آحاد وليس متواتراً فلا ينسخ الكتاب، وردّ عليهم الجمهور بأن الأمّة قد اتفقت على تلقّي هذا الحديث بالقبول.
تفسير الآية: (١) اختلفوا في تفسير كلمة «خيراً» بعد اتفاقهم على أن المراد بها المال. هل هو المال إطلاقاً أم هو المال الكثير؟ (٢) واختلفوا في تفسير الأقربين، فقال زيد هم الأولاد، وقال ابن عباس ما عدا الولدَين، وقيل من لا يرث من الرجل، وقيل غير ذلك، والاختلاف في معنى القرابة كثير بين الفقهاء، ومن شاء من القرّاء راجع أحكام القرآن للجصّاص والمحلّى (٩/ ٣١٤) ونَيل الأوطار (٦/ ١٦٣ و٢١٧) والطبري (٢/ ٧١) والقرطبي (٢/ ٢٦٦) وسائر التفاسير.
حكم الآية: الآية عند الجمهور منسوخة، وقال في المغني
стр. 2501
(٦/ ٤١٤): تجب الوصية على مَن عنده وديعة أو عليه دين، وبغير ذلك لا تجب. وقال قوم: تجب للأقرباء الذين لا يرثون، ونُقل عن بعض الصحابة. وجاء مثل ذلك في نيل الأوطار (٦/ ٢٩)، ونُقل عن المنذربن سعيد أول باب الوصية من مواهب الجليل للحطّاب المالكي، وأفاض فيه ابن حزم في المحلى (٩/ ٣١٢)، وهي عنده فرض على كل من ترك مالاً لقرابته الذين لا يرثون، وروى القولَ بذلك عن جماعة من التابعين.
إذا مات ولم يوصِ هذه الوصيّة فما العمل؟ اختُلف فيه على ثلاثة أقوال: (١) فقال قوم بأنه إن لم يفعل خُتم عمله بمعصية ولاشيء لهم (راجع نيل الأوطار ٦/ ١٦٣)، (٢) وسكت قوم عن الحكم، (٣) وانفرد ابن حزم فقال بأن له أن يوصي بما طابت به نفسه، وإن أوصى بثلاثة أجزاء (وإن لم يوصِ بالكل) فإنه يكون قد أوصى للأقربين لأن أقل الجمع ثلاثة. فإن مات ولم يوصِ أعطوا جزءاً من ماله يقدّره الورثة أو الوصي ولا حدّ له، ومذهب ابن حزم قضاء ديون الله قبل ديون العباد.
فإن أوصى لغيرهم من الأباعد وتركهم؟ إن تركهم محتاجين وأوصى لغيرهم من الأباعد رُدّت الوصية عليهم على قول في مذهب أحمد، نقله ابن مفلح في كتاب الفروع (٢/ ٩٢١ و٨٩٢) وقيل إن أوصى لغيرهم بالثلث أُعطوا ثلثَيه وللموصى له ثلثه، قياساً على المال كله، وهو قول معزوّ لسعيدبن المسيّب والحسن البصري.
* * *
стр. 2502
فمشروع الوصية الواجبة في القانون مأخوذ من هذه الآية، وهي منسوخة لكن حكمها باقٍ في غير الوارث، ومعنى ذلك أن الله أمر فيها بالوصية للأقربين جميعاً، ثم حدّد لبعض الأقرباء أنصباءهم وحصصهم من التركة فأُعطوا ما فرضه الله لهم، وباقي الأقربين بقي حكم الوصية قائماً في حقّهم.
بقي تحديد المقدار الواجب. اختلف المفسرون في المراد من كلمة «بالمعروف»، فقال ابن مسعود: الأحوج فالأحوج. وقيل: ذلك متروك لاجتهاد الموصي. وفي حاشية الرّهوني في المذهب المالكي أنه إذا أوصى بجزء مُبهَم غير مقدَّر فلا شأن للورثة أو الوصيّ في تعيينه، وإنما يكون للموصى له سهم من السهام التي تنقسم إليها التركة، وهو رأي ابن القاسم. والذي ذهب إليه واضع المشروع في مصر أن المعروف هنا هو أن يأخذ أبناء المحروم حصّة أبيهم من التركة لو بقي حياً (١).
* * *
стр. 2503
-١٩٣ -
ترشيحي في انتخابات الشام سنة ١٩٤٧
عرفتم أن أبي ﵀ مات سنة ١٣٤٣هـ وأنا لم أكمل السابعة عشرة، وترك أسرة كبيرة ولم يترك مالاً، لا نقداً ولا عقاراً، فخضتُ معترَك الحياة بلا سلاح إلاّ ما منّ الله به عليّ من مواهب. طرقتُ لكسب الرزق كل باب وصلت إليه، إلاّ باباً حراماً يكرهه الشرع أو باباً وراءه مهانة ومذلّة تأباها الكرامة؛ فاشتغلت بالتجارة حيناً، وبالتعليم، دخلت فيه سنة ١٣٤٥ وأنا لا أزال طالباً ثم لم أخرج منه، وبالقضاء من سنة ١٣٥٩ إلى سنة ١٣٨٥، وبالصحافة احترافاً لها وقتاً قصيراً وكتابة فيها الوقت كله، ما أعرضت عنها من يوم أقبلت أول مرة عليها.
فلما كانت سنة ١٣٦٦ (١٩٤٧) التي أحدّثكم الآن حديثها وكنت في مصر كانت الانتخابات في الشام. وقد تجري الانتخابات الآن في بعض الدول التي دخلَت إليها الماركسية أو إحدى بناتها أو جرّتها إليها أو استمالتها فأمالتها، تجري الانتخابات فيها فلا يحسّ بها أهل البلد إلاّ أن يسمعوا أخبارها من إذاعة حكوماتهم أو يقرؤوها في جرائدها، تجري هيّنة ليّنة كالماء السلسبيل لا يعترضه عارض ولا تموج فيه موجة، لأن مَن يلي أمرها رتّب كل شيء
стр. 2504
فيها، كما يصنع بالمسرحية مؤلفُها ومُخرِجها: يُعِدّ الأول النص، ويوزّع الثاني الأدوار، ويحفظ الممثّلون أدوارهم، وتجري التجارِب ليتوثّق المخرج من حسن الأداء، ثم يُرفَع الستار عن مسرحية أُعلنَ أنها جديدة لم يُكتَب لها نصّ ولم يُخرِجها مخرج، بل تجري على الطبيعة بتعاون حرّ ووحدة مخلصة، وبهذه الوحدة والحرّية يُضمَن النجاح.
ولكن الانتخابات يومئذ كانت تهزّ البلد هزاً، تدخل كل بيت وتكون أخبارها أحاديث الناس، وإن لم يخلُ أكثرها من تزوير. وأنا لم أفكّر فيها يوماً، وما كان لي في السياسة من أرب وما كنت من أربابها ولا سألت عن الطريق إلى بابها، لا أعني سياسة المبادئ والأهداف والاهتمام بأمر المسلمين والمشاركة في حدود الاستطاعة لإصلاح أحوالهم، فهذا واجب إسلاميّ، ولكن أعني سياسة النزاع على الكراسي والزحام على الحكم.
لمّا كانت هذه الانتخابات خطر لي خاطر مفاجئ (وأكثر ما اتخذت في عمري من قرارات كان آنيّاً مفاجئاً) فقلت لنفسي: إن الله أعطاني كل وسائل النجاح في النيابة، فأنا (ولا مؤاخذة إن قلت أنا ومدحت نفسي، فإني أقول حقاً) معروف في بلدي وفي كثير من البلاد العربية، ولي كما يقولون شعبية واسعة، وأعطاني الله لساناً طليقاً وجرأة على مخاطبة الناس، ومعرفة بطرق إقناعهم ومقدرة على إثارة عواطفهم والوصول إلى قلوبهم، ومن وراء ذلك ثقافة إن لم تكن كاملة شاملة فليست قليلة ولا تافهة، واطّلاعاً على أوضاع الناس.
стр. 2505
ونسيت أن النيابة تستلزم شيئاً غير هذا لعله أهم منه ليس عندي؛ هو أن أفتح بيتي لمن أحبّ ومن أكره، وأسمع من القول ما يروق لي وما يعكّرني، وأمشي في حاجات الناس ما كان منها حقاً وما كان باطلاً، وألقى العدوّ بمثل الوجه الذي ألقى به الصديق، وأن يستبيح الناس وقتي كله ... وهذا ما لم أتعوّده ولا يمكن أن أتعوّده بعد الأربعين (وقد كنت في تلك السنة على عتبة الأربعين من عمري).
ولكن رغبتي القوية حجبت عني هذه الحجج المنطقية، وأنستني أن على طالب النيابة أن يُعِدّ لمعركتها المال الكثير، وأن يرسم لها الخطط المُحكَمة، وأن يكون له فئة ينصرونه ويؤيّدونه. ومالي أنا من ذلك كله شيء، ولكني أقدمت مع ذلك، فذهبت من فوري فأبرقت إلى محافظ مدينة دمشق أني رشّحت نفسي.
وجعلت أتتبّع أخبار الانتخابات. وكان قد صحّ عزم الشيخ حسن البنا ﵀، المرشد العامّ للإخوان، على أن يسلك بهم مسلكاً جديداً، فيقترب من الإصلاح عملياً للمشاركة في توجيه دفّة الحكم، وأحبّ -كما يبدو- أن يجرّب ذلك بمساندة مرشَّحي الإخوان في الشام على النجاح. فبعث بالأستاذ عبد الحكيم عابدين والأستاذ سعيد رمضان إلى دمشق، وكلاهما خطيب لا يُجارى وفارس من فرسان الكلام لا يُشَقّ له إن أقدمَ غبار، وإن كان بعض الناس يتكلمون فيهما، لا في بلاغتهما وأقوالهما بل في سلوكهما وأفعالهما.
ولبثت أنتظر النتائج وليس لي أمل في أن أنال مئة صوت. وكانت جريدة الإخوان المسلمين آلت رياسة تحريرها إلى خالي
стр. 2506
محبّ الدين الخطيب، فكنت أزوره فيها أُمضي عنده الساعة والساعتين أستقي الأخبار، وقد رأيت فيها أول مرة هذا «التلِكس» الذي يطبع من بُعد. وكانت إعلانات المرشَّحين تغطّي كل جدار في الشام وبياناتهم تصل إلى كل يد، والوعود الضخمة مُعَدّة مهيّأة في مكاتبهم توزَّع على الناس بلا حساب.
وأنا ما نشرت بياناً ولا علّقت إعلاناً، إلاّ شيئاً صنعه أخي بلا علمي حين رأى المرشّحين جميعاً يكتبون «انتخبوا فلاناً»، فأحبّ أن يجدّد في الإعلان فكتب بالحروف الكبيرة «لا تنتخبوا علي الطنطاوي» وكتب تحتها بالخط الصغير الذي لا يُرى إلاّ بالمجهر (١): «إلاّ إذا وثقتم منه ومن سيرته».
وانجلى الغبار، وظهرت النتائج ونُشرت في الجرائد، فإذا المرشَّحون أصناف ثلاثة: صنف نجحوا وصاروا نوّاباً، وصنف خرجوا من المعركة لم ينالوا شيئاً وأضاعوا أموالهم وآمالهم، منهم صلاح الدين البيطار، رفيقي في المدرسة وأحد الرجلين اللذين أسّسا حزب البعث. ومنهم الدكتور صبري القباني، وهو رفيقي أيضاً. ومنهم أستاذنا في كلية الحقوق شيخ المحامين الأستاذ سعيد محاسن، ومنهم الوطني المجاهد نزيه المؤيَّد، وكثير غيرهم.
وصنف لم ينجحوا فيصيروا نواباً ولم يخسروا فيخرجوا من المعركة، وهم على ترتيب ورود أسمائهم في الجرائد: الأستاذ مظهر العظمة مؤسّس جمعية التمدّن الإسلامي الداعية المخلص والكاتب الشاعر، والأستاذ لطفي الحفّار الخطيب الزعيم،
стр. 2507
والأستاذ أحمد الشرباتي الوزير، والأستاذ صبري العسلي المحامي المعروف الذي ولي رياسة الوزارة مرة وولي الوزارة مرات، وبعدهم اسم علي الطنطاوي، وبعده الأستاذ نصوح بابيل الصحافي الكبير ونقيب الصحافة في الشام، والأستاذ نسيب البكري الزعيم المناضل، والأستاذ حسن الحكيم الذي كان واحداً من أشرف السياسيّين الذين عرفَتهم أمّتنا وكان رئيس الوزراء وكان وزيراً مراراً وكتبتُ عنه فيما مرّ من هذه الذكريات، ومنهم نبيه العظمة من قدماء الوطنيين العاملين، والأستاذ بشير القضماني الذي كان أمين مدينة دمشق، والشيخ عبد الحميد الطباع رجل العلم والمال مرشَّح الجمعية الغرّاء. ومنهم رفيقنا الذي آثر الضلال على الهدى والكفر على الإيمان فكان زعيم الشيوعية عاش حياته كلها لها، وأرجو أن يرحمه الله فيهديه فلا يموت عليها، وهو الخطيب الذي يلعب بالقلوب ليسوقها إلى النار خالد بكداش. وكثير غيرهم.
* * *
عندئذ صحّت عزيمتي على السفر إلى دمشق. وكانت البلاد العربية -على عهد الاستعمار- دار إخوة أحبّة وإن أقاموا بينها حدوداً ووضعوا لمن يتنقل فيها قيوداً، كانت على رغم الاستعمار أفضل مما انتهت إليه لمّا امتدّت إليها إصبع الماركسية فأوقعت بينها العداوة والبغضاء، حتى صار يحارب بعضها بعضاً ويعدو بعضها على بعض.
وكان عندنا مَفاسدُ نبكي منها، فلمّا رأينا عهوداً جاءت بعدُ صرنا نبكي عليها! كانت رائحة مخازي فاروق تملأ الساحة
стр. 2508
الكبرى حول قصر عابدين، فلما جاء عهد ما بعد فاروق خرجت رائحة أسوأ منها فملأت البلاد وكانت غازاً خانقاً للعباد، كنا في شكوى الفسوق فصرنا في الصراخ من الكفر.
لمّا وصلتُ إلى دمشق رأيت لكل حزب أو جماعة ولكل مرشَّح كبير مركزاً انتخابياً بابه مفتوح والمرشَّح موجود فيه دائماً. وكان أكبر مركز انتخابي هو الذي أقامته رابطة العلماء في جامع تنكز، وهو الذي يُطِلّ على شارع النصر أقدم وأشهر شارع في دمشق، ويُطِلّ من شماليه على أكبر ميادين الشام، ميدان المرجة التي كانت رحبة البلد.
ولقد كتب الصديق الأستاذ نصوح بابيل عن هذه الانتخابات، ولكنه لم يُثبت فيما كتب إلاّ ما نشرته الجرائد. ونحن نعلم أن الكلام المنشور في الجرائد لا يصوّر دائماً الواقع المطويّ كله، لقد أغفل الأستاذ ذِكر العامل الأقوى في هذه الانتخابات، إنه وصف المعمل بآلاته وجهازه ولكن نسي المحرّك (الموتور)، وكان المحرّك هو «رابطة العلماء».
والعلماء لو استكملوا أمرين لكانوا هم قادة الشعوب الإسلامية في كل قطر وفي كل زمان، وهما: أن يكون عملهم لله لا للدنيا ولا للرياسة، وأن يدَعوا هذا الخلاف بينهم على الفرعيات وأن يكونوا صفاً واحداً.
ولقد تكلّمت فيما سبق عن إنشاء الجمعيات الإسلامية في الشام، وكنت عاملاً صغيراً فيها، حملت خبرها لمّا رجعت من مصر وقد شهدت فيها قيام جمعية الشبان المسلمين سنة ١٩٢٨. ولم تكن هذه الجمعيات بداية العمل الجماعي، بل كان قبلها
стр. 2509
المشايخ. وكانت الرابطة بين الشيخ ومريديه أقوى من الرابطة بين أعضاء الجمعية وقادتها، حتى إن الصوفية جاؤوا بشيء لا يُقِرّه دين المسلم ولا يسيغه عقل العاقل، هو أن «يكون المُريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل»، أي أنهم يريدون أن نكون أمّة أموات!
ومر بكم أني -على ضعفي وعجزي- حاولت لمّا عدت من العراق (سنة ١٩٣٩) جمع المشايخ والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية فما أفلحت. وكنت كلما زار دمشقَ الشيخُ أمجد الزهاوي مع الشيخ محمد محمود الصواف جمعت لهما بطلب منهما كل العاملين للإسلام من أقصى الصوفية إلى أقصى السلفية، لأن صلتي بحمد الله بهم جميعاً صلة طيبة، أمشي معهم من مراحل الطريق ما يوافق طريقي ثم أسلك طريقي وأدعهم يسلكون طريقهم. ثم إنني لا أنازع شيخاً على مشيخته ولا رئيساً على رياسته، ولو عُرضت عليّ لرفضتها وامتنعت عن قبولها، بل لقد عُرضت فعلاً وصنعت هذا الذي قلت.
ثم لمّا رجع الشيخ كامل القصّاب -كما عرفتم- من منفاه ألّف «جمعية العلماء»، فضمّت المشايخَ جميعاً إلاّ «الجمعية الغرّاء». ثم كانت «رابطة العلماء»، وشملت هذه المرة الجميع، وكان رئيسها شيخنا الشيخ أبا الخير الميداني وكان نائبه السيد مكي الكتاني. تلك (أي الرابطة) هي التي قادت الناس يوم الانتخاب حتى صار الوطنيون يقدّمون أنفسهم للعامّة بلقب المشيخة: الشيخ لطفي الحفّار والشيخ صبري العسلي، لأن الزمن كان زمن المشايخ.
وأنا لا أمنع أن تتعدّد الجماعات الإسلامية، لكن بشرط أن
стр. 2510
تكون كلها صادرة عن بداية واحدة، ماشية إلى غاية واحدة، يربط بينها التنافس على رضا الله لا التزاحم على الدنيا والجاه، وألاّ تقوم على أسلوب الأحزاب السياسية بل الجماعات الإسلامية. وإن كان الأَولى والأفضل أن يكونوا جماعة واحدة تمشي على الطريقة الواحدة النقية البيضاء التي تركَنا عليها رسول الله ﵊.
وأصدرت الرابطة قائمة مرشَّحيها، وكنت واحداً منهم. بتُّ في دمشق ليلة وصولي، ثم ذهبت من الغد إلى الاجتماع الكبير في جامع تنكز، وقد رُصّت المقاعد رصّاً في ساحته الواسعة جداً حتى لم يبقَ فيها فراغ لمقعد وامتلأت بالناس حتى لم يبقَ فيها مقعد فارغ، ووضعوا في صدرها سدة قعد عليها بعض أعضاء الرابطة وبعض المرشَّحين، وتداولوا المنبر يخطبون. فلما جئت أخطب استقبلتني الجموع بالهتاف العالي والتصفيق المستمرّ، ولكن تجهّمَت لي وجوه أكثر مَن هم على السدة وبدا عليهم أنهم كرهوا حضوري، وحاولوا منعي فما استطاعوا.
وشرعتُ أتكلم، فما راعني إلاّ ذراعان تلتفّان حول خصري وأنني أُحمَل من فوق المنبر فأُنزَل عنه! وضجّ الناس. وأذكر أن ممّن وقف معي وشدّ من أزري وبذل كل ما استطاع الإخوة الأفاضل الذين كانوا يوماً بين تلاميذي ثم صاروا من زملائي، بل غدوا أفضل مني، محمد القاسمي ووحيد العقّاد وعبد الرحمن الباني وأديب صالح، وأعادوني بالقوة إلى المنبر كما أُنزِلتُ عنه بالقوة وبالغدر، ورجعت أتكلم أعاتب مَن صنع هذا. وإنه لَيؤلمني أن أقرّر حقيقة ما كنت أتمنى أن تكون ولكن الأماني لا تدفع
стр. 2511
الواقع، هذه الحقيقة هي أن الإخوان المسلمين قد حاربوني في الانتخابات كما حاربتني الجمعية الغرّاء.
وأنا لا أعتب على الغرّاء بقدر عتبي على الإخوان لأنني لم أدّخر وسعاً يوماً في تأييدهم. وقد لبثتُ على ذلك بعد هذا الحادث، ولمّا قُتل الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة وإخوانه كتبتُ مقالة طويلة عنوانها «هذا يوم الحداد» طُبع منها أكثر من تسعمئة ألف نسخة، وتُرجمت إلى اللغة الأردية ونُشرت في باكستان، ربما لخّصتها يوماً أو نشرتها في هذه الذكريات. ولقد بكى منها كل مَن قرأها، ما كتبتها ليشكرني الإخوان عليها بل لأجد عند الله ثوابها، فلا أمنّ بها ولا أطلب عنها بدلاً. وأيام الوحدة أذعت من إذاعة دمشق الرسمية خبر ما صنع الإخوان عند القناة وسمّيتهم بأسمائهم التي سمعتها من أخي وولدي الأستاذ كامل الشريف (ثم ألّف عنها كتاباً)، وخبّرني أخي الأستاذ نهاد القاسم رحمة الله عليه أن الرئيس جمال عبد الناصر غضب منها لما سمعها وبعث يؤنّب القائمين على الإذاعة لأنهم أذاعوها.
ولكن عذر الإخوان أنهم دوائر بعضها وسط بعض، فأنا معهم في الدائرة البرّانية (١)، فإذا جئنا إلى الدائرة الصغيرة الجوّانية أخرجوني عنهم. وهذا ما كنت أُنكِره، كنت أنكر على الجماعات الإسلامية أن تسير سيرة الأحزاب السياسية، كنت أحب منها أن تصادق لله وحده وأن تعادي لله وحده، وأن يكون سواء لديها مَن كان صالحاً وإن لم يدخل فيها ومن كان من أعضائها.
стр. 2512
لقد أعرض عني أقرب أصدقائي، ممن أسميهم أصدقاء العمر وكانوا رفاقي في المدرسة وكانوا أصحابي في حياتي، نسوا ما كان بيني وبينهم، ولعلّ ذلك لأنهم بعيدون عن أمثال هذه المعارك فلا يعرفون مداخلها ومخارجها ولا أصول الكرّ والفرّ فيها. فإذا كانوا:
لا خَيلَ عندَكَ تُهدِيها ولا مالُ
فليُسْعدِ النطقُ إنْ لم تُسعدِ الحالُ؟
لقد رأيت الوفاء من جيراننا في الحيّ ورأيت الوفاء من تلاميذي وتلاميذ أبي، حين أقام لي الشيخ محمود العقاد (رحمة الله عليه وعلى كل من مات ممن ذكرت في هذه الحلقة) حفلة في مدرسته، المدرسة التجارية العلمية، جمعَت وجوه البلد. وفي هذه الحفلة ظهر خطيب جديد كان يومئذ شاباً في العشرين، فبهر الناس بخطبة ارتجلها وبهرني مع الناس، هذا الذي صار من بعد نابغة الخطباء، وهو عصام العطّار.
وكانت الانتخابات التكميلية، ولكنها زُوّرت وأُبدلت فيها الصناديق، فجاؤوا بغير التي ألقى فيها الناس أوراقهم وملؤوها قبل أن يأتوا بها. وقصّة هذا التزوير يعرفها الصغير والكبير فلا حاجة إلى إثباتها، بل لا حاجة إلى العودة إليها.
وأراد الله لي خيراً مما أردت لنفسي؛ علم الله أنني لا أصلح للحياة السياسية، وأن الحياة السياسية ليست لساناً ينطلق ولا عقلاً يفكّر، ولكن لها طرقاً ملتوية لا يستطيع مثلي أن يمشي فيها، فأنقذني الله منها. ورجعت إلى مصر، ومررت بفلسطين فكان تسليمي عليها وداعاً، لأنها سقطَت بأيدي اليهود بعد ذلك
стр. 2513
بشهور، ما أخذوها بقوتهم ولكن بتفرّقنا.
اضطُررت إلى البقاء في حيفا أياماً، فرأيت فيها من الفسوق المعلَن والفواحش الظاهرة -مما حمله إليها اليهود في هذه السنوات القلائل- ما لم أكن أتخيّل وجوده في الخيال فضلاً عن أن أراه بالعين! ذهبت أفتّش عن فندق فمشيت في الشارع الكبير (وأظن أن اسمه شارع الملوك)، سرت فيه إلى اليمين والبحر من ورائي، فلما بدأ الطريق يصعد رأيت فندقاً حسن المظهر، فولجته لأجد لي غرفة أقضي الليل فيها، فإذا على يسار الداخل غرفة واسعة مقدّمتها من الزجاج، لها جدار قصير يُبدي ما وراءه ولا يخفيه، فيها بنات كثيرات ما هن مستترات ولا محتشمات ولا يبدو أنهن موظفات، وإلى اليمين مكتب كالذي يكون في الفنادق. فسألت عنهن فقال لي من هو في المكتب: اختر من تشاء وادفع، واذهب معها إلى غرفتها! وتبيّنت من لهجته وهيأته أنه يهودي.
وعدت أمشي في الشارع فوجدت رجلاً عليه سيما الخير، فسألته عن فنادق البلد، فإذا في أكثرها مثل هؤلاء البنات المومسات. ووجدت أسواق المسلمين وسخة تتراكم فيها القمامات والأقذار، فاجتمعَت وساخة الطرق ووساخة الخلق. ورأيت أشياء لو ذهبتُ أفيض في ذكرها لكنت ممن يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
وأردت العودة إلى مصر فتعسّر عليّ أن أجد مكاناً في القطار، فقيل لي: اذهب إلى شركة الطيران المصرية. فذهبت وحفظت لي عليها مكاناً، ولم أكن قد ركبت الطائرة من قبل ولم يكن ركوبها للناس مألوفاً ولا معروفاً، وحان موعد قيامها وأنا
стр. 2514
وَجِل منها خائف من شرّها، فإذا هي طيّارة صغيرة فيها سبعة مقاعد والطيار ومعاونه قاعد معنا في مقدّمتها، ولم يكن فيها إلا راكب واحد علمت أنه يهودي. فكان الطيار يحدّثني طول الطريق، فأقول له: كيف تترك مقود الطائرة؟ فيضحك ويقول: هل تصطدم بالجدار أو تسقط في حفرة؟
وبلغت مصر فكتبت في الرسالة مقالة عنوانها «عشرة أيام في الشام»، أغضبَت ناساً وأرضت ناساً، وصورت حقيقة وتضمّنت نصيحة (١).
* * *
стр. 2515
-١٩٤ -
عودة إلى الحديث عن مصر
قرأت ما كتب عني الأستاذ أحمد أبو الفتح. وأنا أعرفه قراءة له لا اجتماعاً به، أعرفه أيام إقامتي في مصر، أيام كانت مصر هي مصر وكان الناس هم الناس. وما جئت أجزيه ثناء بثناء ومدحاً بمدح، فأنا أكتب وأنشر من ستّين سنة كاملة، من يوم حرّرت آخر جزأين من مجلة «الزهراء» التي كان يُصدِرها خالي محب الدين الخطيب ويكتب فيها الأعلام كالرافعي والأمير شكيب أرسلان.
وقد كُتب عني من الثناء ما لو كبرت مئة مرة لما كنت أهلاً له، وكُتب عني من الهجاء ما لو صغرت مئة مرة لما كنت أهلاً له، فهان عليّ الأمران حتى لم أعُد أفرح (إلاّ قليلاً) بالثناء ولا آسى ولا أتألم (إلاّ أقلّ من القليل) من الهجاء. ولكن سرّني أني وجدت من كبار أصحاب الأقلام في مصر من يشاركني الشعور بأن الأمس الذي كنا نبكي فيه مما نسمع من بعض الفساد في حكومة مصر، ومن تسلُّط الإنكليز على مصر وليس لهم فيها من حقّ. فلما جاء حكم الضباط الأغرار، أقصد الأحرار، فقد سبق القلم إلى ما هو الصواب، بكينا على العهد الذي قبله لا حباً فيه ولكن بغضاً لِما جاء بعده.
стр. 2516
أعرف الأستاذ أحمد أبا الفتح ركناً من أركان الصحافة في مصر يوم كان الصحفيون يكتبون ما يشاؤون، يعبّرون عن رأي الشعب أو رأي فريق من الشعب، لم يكونوا قد صاروا موظفين يقولون ما يُقال لهم ويردّدون ما يُلقى عليهم. على أني أسارع فأقول: إن ذلك الداء قد أوشك بحمد الله أن يزول، وإن الصحّة بدأت تعود، وإن مصر اليوم في ما يشبه عهد النقاهة من المرض: لا المرض متمكّن منها ولا الصحّة عادت إليها، فوجهها مصفرّ من أثر الداء، والكيس خالٍ مما أنفقَت في ثمن الدواء، ولكن الأمل قوي بالشفاء.
وقد تفضّل فنقل فقرات مما كتبت، منها أني قلت عن مصر إنها أم دنيا العرب وأوسمها سمة (كذا)، والذي قلته: وأوسعها سعة، ولو أردت ذلك لقلت وسامة لا سمة. ويشكرني على أني أحب مصر، مع أني تلقّيت يوم صدور العدد الذي كتب فيه رسالة لو صدقتُ في وصفها لقلت إنها رسالة بذيئة، يسبّني مُرسِلها أشنع السبّ لأني أكره -كما يقول- مصر.
وهذه «شنشنةٌ أعرفها من أخزَمِ»؛ فأنا متّهَم دائماً بكراهية مصر، من يوم كنت في العراق وكان الخلاف بيني وبين المفتّش المصري سنة ١٩٣٦، أي من خمسين سنة، ولم ينفعني أني كنت يومئذ صديقاً لسفير مصر في العراق، الرجل الكبير الأستاذ عبدالرحمن عزام.
أنا -ويحكم- أكره مصر ومِن مصر أصلي؟! منها جاء جدي أبو أبي لا جدي البعيد، والشام مولدي ومنبتي، وإن أنكرَتني بعد
стр. 2517
الشيب والصحبة وقتلَت غدراً وظلماً بنتي، وكأنها أرادت (والله هو الذي يُمضي ما أراد) أن أموت قبل أن تكتحل برؤيتها عيناي. والعراق بلدي، عشت فيها وأحببتها. ولبنان بلدي عملت فيها. أما المملكة فأشهدكم أنني أُقِرّ بفضلها عليّ، من ملوكها الخمسة الذين أدركتُهم إلى آخر واحد من أهلها، رحمة الله على مَن ذهب للقائه من الخمسة ومدّ الله في عمر الباقي ووفّقه إلى ما يحبّه وإلى مايرضاه. المملكة التي فيها مكة والمدينة بلدي الأول وبلد كل مسلم، الدين أشرق نوره منها والعربية هي أصلها ومعدنها، وكل البلاد دخلها الاستعمار يوماً إلاّ المملكة فإن الله سلّمها منه وصانها.
يقول الأستاذ إنه بكى لمّا قرأ سؤالي عن الأزبكية ما حالها؟ إنه -يا أستاذ- بكاء الرجال من فيض العاطفة ورقّة القلب، ليس بكاء الضعف ولا بكاء النساء. إن كل من عرف مصر من قبلُ وعرفها اليوم بكى، وإنْ كان آخر عهدي بمصر سنة ١٩٥٩ لمّا كنت مستشاراً في محكمة النقض في الشام، وكانت الوحدة فجمعت المحكمتين، فانتقلنا إلى مصر وعقدنا فيها الجمعية العمومية مرات كان آخرها سنة ١٩٥٩.
وأنا أعرف مصر ملجأ الأحرار من قبل أن أعرف هذه الدنيا، وعمري الآن ثمانون سنة. كان الناس يفرّون من بلاد العرب إليها، من كان عنده فيض من بلاغة أو فضل من خبرة وبراعة حمل قلمه وخبرته ومشى إليها فأنشأ الصحف والمجلات فيها، كالأهرام والمقطّم والمقتطف، وإن لم تكن كلها مع مصر، وإن كان بعضها يساير أعداء مصر والعادين عليها وغاصبي الحكم فيها، وكالمنار والفتح اللتين كانتا دوماً مع الإسلام، ومن كان معه كان مع مصر.
стр. 2518
ومن كان عنده أثارة من فن حمله إليها، كأبي خليل القباني ومن عرفتم من المغنّين والممثلين (فما جئت أؤرّخ لأهل الفنّ ولا تاريخهم مما يعنيني أو ينفعني). ومن كان عنده رغبة في الإصلاح أو خطة للنجاح حملها إلى مصر، كالشيخ جمال الدين الأفغاني. أما علوم الدين فما حملها إليها أحد، لأنها فيها ومنها أُخذت وعنها اقتُبست، فحسبكم بالدين وعلومه فخراً.
ما كان أهل مصر يعرفوننا ولكن نحن نعرفهم، لأننا كنا نتعلم منهم، من كُتّابهم وأدبائهم ومن صحفهم، والتلاميذ يعرفون المعلّم ولكن المعلّم لا يعرف التلاميذ جميعاً. ما كانوا يعرفون الأقاليم العربية، وعندي على هذا شواهد كثيرة منها رسالة من الأستاذ أحمد أمين ﵀ بخطه، على ظهرها عنواني واسمي وتحته دمشق وخط تحتها، وتحت الخط كلمة فلسطين! ولعلّ ذلك أن حبّهم لبلدهم كرّه إليهم البعد عنها أو معرفة غيرها، حتى إن ابن مصر (أعني القاهرة) إن نُقل إلى الفيّوم شكا وبذل الجهد وجاء بالوسطاء ليعود من غربته إلى بلدته، فإن نُقل إلى إسنا أو أسيوط اسودّت الدنيا في عينيه وأحسّ أن الأمل ضاع من يديه. وكانوا يعجبون من اقتحام الشاميّين الأخطار وحملهم مشقّات الأسفار حتى مدحهم بذلك شاعر النيل حافظ إبراهيم، فما بال المصريين اليوم تبدّلت حالهم فصاروا يمشون شرقاً ويمشون غرباً، ويسيرون شمالاً ويسيرون جنوباً، حتى ما تجد بلداً يخلو من المصريين، وهم في كل بلد يحلّونه وفي كل عمل يختارونه، من أعمال الفكر في الجامعات والمجامع وفي ميدان المال في الشركات والمصانع، يحتلّون في كل عمل أعلى محلّ ويكونون في صدور المجالس.
стр. 2519
فإن كان العهد الأسود الذي مرّ على مصر قد عدّ عليها أنفاسها وخنق ناسها وقتل خيارها وأذهب خيراتها، فإنه أخرج أهلها من عزلتهم فعرّف الناس بهم وأرى الدنيا عبقرياتهم، في بلاد العرب والمسلمين وفي أوربا وفي أميركا. وإن كان الذي يسرّنا ويرضينا أن يبقى أبناؤنا في أرضنا، وكل أرض المسلمين أرضنا، وأن يكون خيرهم لنا لا لغيرنا، وأن تنشأ ذرّيتهم عندنا لا في بلد لا يُسمَع فيه القرآن ولا يُصدَح فيه بالأذان. فإن اضطُررتم إلى الهجرة إلى مثل هذا البلد فذكّروا الصغار دائماً بأنهم مسلمون، وأنهم سلائل مَن حملوا مشعل النور حين شمل الأرضَ الظلامُ وميزانَ العدل حين طغى وبغى الحكّام، لئلاّ يفتنهم ما يرون من مظاهر الحضارة عمّا عندهم. أفهموهم أن الذي يرونه فرع مما كان عندهم، وأن أجدادهم هم الذين علّموا هؤلاء ثم ناموا حتى سبقهم في علوم المادّة هؤلاء، وأن أجدادهم كانوا هم الأساتذة وكانوا هم القادة وكانوا هم السادة.
لا ياإخوان، أنا ما أقول هذا لننام عليه بل لنصنع مثله؛ إنه لا بدّ من التاريخ لأن اليوم هو ابن الأمس وأبو الغد، ومَن ليس لهم في الأمجاد تاريخ كهؤلاء اليهود يخترعون لهم تاريخاً مكذوباً لأنها لا تعيش أمة بلا تاريخ، ولكن الفخر بالتاريخ وحده لا يُجدي. ما الذي يُجدي الفقيرَ أن يكون طول مائدة أبيه عشرة أذرع وعليها عشرة ألوان، وهو خاوي البطن فارغ المعدة يكاد يقصفه الجوع؟ ما الذي يُفيد الهزيلَ النحيل العليل أن يكون أبوه بضخامة الفيل؟
стр. 2520
إنَّ الفتى مَنْ يقولُ هأنذا ... ليسَ الفتى مَنْ يقولُ كانَ أبي
ألا تعرفون قصة فولتير مع النبيل الذي عيّر الكاتب بنسبه وفخر عليه بشرف أسرته، فقال له فولتير: "إن شرف أسرتك ينتهي عندك، وأسرتي يبدأ شرفها بي". فافتحوا في التاريخ صفحة مجد أنتم عنوانها، لا تكونوا حاشية مطموسة في ذيل صفحة مجد الجدود. اجعلوا شعاركم قول الشاعر:
نبني كما كانَتْ أوائلُنا ... تبني، ونفعَلُ مثلَما فعَلوا
بل نفعل فوق ما فعلوا. ولِمَ لا، وقد تيسّرَت اليوم الأسباب وفُتحت الأبواب؟ فهل فقد المسلمون بطولتهم؟ هل أضاعوا نصيبهم من إرث محمد ‘؟ أليست العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين؟ بلى، ولا تزال العزّة لهم إن مشوا على طريقها وسلكوا سبيلها، وسبيلُها سبيلُ الله وسبيل رسول الله.
إننا نتحدث دائماً عن بدر والقادسية واليرموك وحطّين، وتلك الأيام الغُرّ لا في تاريخنا وحده بل في تاريخ البشر، فهل فقدنا العزائم التي انتصرنا بها في تلك الأيام؟
لقد ظفرنا في عشرة آلاف معركة خضناها، نثرنا فيها شهداءنا نثراً في كل بقعة من الأرض وتحت كل نجم في السماء، ثم سقينا أجداثهم بدمائنا، سقينا الصحارى المتسعّرة الرمال في بلاد العرب وفارس وإفريقيا، وجنان الشام والسهول الممرعة في مصر والعراق وفي أرض فارس، والأفغان والهند وأطراف الصين، وفي شواطئ البحر المتوسط التي كانت كلها أو جلّها لنا وكان هذا البحر يُدعى تارة بحر العرب وتارة بحر الروم، وفي
стр. 2521
أوربا التي جئناها من الغرب بالجيش العربي المسلم حتى بلغنا قلب فرنسا، وجئناها من الشرق بالجيش التركي المسلم حتى وصلنا إلى أسوار فينّا.
أفأضعنا هذه البطولات؟ إن محمداً ‘ صبّ البطولة صباً في أعصاب المسلمين، فما تلقى في الدنيا مسلماً جباناً. فإن رأيتم مسلماً يخاف الموت في الجهاد في سبيل الله حين يجب الجهاد فاعلموا أنه مسلم باللسان وحده وليس مؤمناً بالجَنان.
ما أضعناها، ولكن تعبنا فنمنا وطال بنا المنام، وحسِبنا أن ذلك الليل لا آخر له وأن الصباح لن يطلع أبداً، حتى سمعنا الأذان من الشرق (من نجد): حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله. وسمعنا البوق العسكري من الغرب (من مصر) يوقظ النيام. الأول هو صوت الدين يهتف به الشيخ محمدبن عبد الوهاب، والثاني صوت الدنيا ينفخ فيه في هذا البوق محمد علي، الأول من منارة المسجد والثاني من الثكنة ومن المدرسة. والدين مسجد وثكنة ومدرسة وسوق.
* * *
فيا أيها الأستاذ، هل تيأس من أن يجيء مرة ثانية نصر الله والفتح وأنت أبو الفتح؟ أما ترى الشباب يعودون فيدخلون في دين الله أفواجاً؟
كنا ياأستاذ نخاف أهل أوربا لأننا نرى أسلحتهم ومنجَزاتهم ولا نعرف سرّها، فنخشاهم ونخشاها. اقرأ (ولا شكّ أنك قرأت) ما كتب الجَبَرْتي في تاريخه لمّا دعاه الفرنسيون إلى مشاهدة
стр. 2522
تجرِبة كيميائية فحسب ما رأى سحراً، على حين تُجرى أمثال هذه التجرِبة اليوم في المدارس الثانوية والمتوسطة ولا يعجب التلاميذ منها لأنهم عرفوا حقيقة أمرها.
وما السحر؟ أصل معنى السحر في لغة العرب: الشيء الغريب الخفيّ الذي لا تعرف سببه. فإن عُرف السبب بطل العجب.
ونحن قد عرفنا اليوم من علوم القوم مثل ما يعرفون، وكانت مصر هي السابقة إلى هذا. قلت في محاضرة ألقيتها في الرياض في الندوة العالمية للشباب المسلم سنة ١٣٧٣هـ (وهي محاضرة أعددتُ -على عادتي- أفكارها ولكني لم أكتبها، فسجّلوها جزاهم الله خيراً وكتبوها) وكان مما قلت فيها ...
عفوكم ياأيها القراء، لم أجد المحاضرة تحت يدي لأنقل منها الفقرة التي أتحدّث عنها، والبحث عنها بين أوراقي مثل الأشغال الشاقّة التي يُحكَم بها على عُتاة المجرمين، فأعفوني من نقلها واكتفوا بخلاصتها، فإن خلاصتها في ذهني ولكن نصّها بعيد الآن عن عيني (١).
قلت إننا كنا في الشام في شبه عزلة عن مناطق الحضارة الحديثة في أوربا وأميركا واليابان، أقمنا حولنا جداراً حبسنا أنفسنا فيه فلا نرى ولا نحب أن نرى ما وراءه، ولكن كنا نسمع عنه، تصل إلينا أطراف من أخباره وطرف من صناعاته وآثاره. وكان
стр. 2523
منا ناس درسوا العلوم الجديدة في إسطنبول (١) ولكن كانوا قلّة، فلما انتهت الحرب الأولى سنة ١٩١٨ انهار الجدار ودخلَت علينا دخولَ السيل إذا سقط من أمامه السدّ.
وأنا أصف ما رأيت وما سمعت، وكنت يومئذ في آخر الدراسة الابتدائية. وللوصف طريقتان: طريقة مَن يجمع الوثائق في الموضوع ويُحيط بما كُتب فيه، وهذه هي الطريقة الموضوعية (أوبجيكتيف)، أو أن يروي الكاتب ما رأى وما سمع، وهذه هي الطريقة الشخصية (سَبْجكتيف). الأولى شاملة وينقصها التفصيل والثانية فيها التفصيل وينقصها الشمول. كنا مع هذه الحضارة التي اقتحمَت علينا كالذي يكون في بيت مظلم ويخرج إلى الشارع في رأد الضحى حيث الشمس ساطعة، أو إن شئتم العكس، كالذي يكون في الشارع المضيء ويدخل إلى البيت المظلم، كلاهما يزيغ بصره فيلبث لحظات لا يرى ما حوله ولا يدري من أين يمشي.
وكانت النتيجة أن أكثرنا ما أحسّوا بها ولبثوا يعيشون بعد دخولها كما كانوا يعيشون من قبلها، والقلّة التي شعرَت بها خافت منها، فالمشايخ عبّروا عن خوفهم بمحاولة دفعها ونبذ كل ما جاءت به، بحجّة أن أصحابها كفار وأن الكفر شرّ ولا يجيء خير من شرّ. وبعض الشبّان أظهروا خوفهم منها بالانقياد لها وأخذ كل ما جاءت به، ودليلهم أن أصحابها أقوى وأكثر حضارة منا، والحضارة خير وكل ما يأتي من الخير خير.
стр. 2524
كلهم خافوا منها، والخائف الذي يواجه الخطر إما أن يفرّ منه أو أن يحاول دفاعه أو أن يستسلم له. أما الآن وقد زالت صدمة المفاجأة وألِفَت أبصارُنا النظرَ فيما حولنا، فلم نعُد نخافها فنحارب كل ما فيها حتى الحقّ من العلم والنافع من المستحدَثات، أو نمشي معها فنأخذ كل ما فيها حتى الفسوق والعصيان والفواحش والتأميم والشيوعية. لقد تعلّمنا علومهم وصار منا مَن هو فيها مثلهم. ولقد سردت في المحاضرة مشاهدات مما رأيت في ألمانيا وبلجيكا وهولندا، رأيت في المستشفيات أطباء كباراً من العرب ورؤساء أقسام فيها يمشي وراءهم ويتبع خطاهم ويستنير بعلمهم أطباء من تلك البلاد، ورأيت مهندسين وعلماء في الجامعات يُعترف بفضلهم ويقدّرهم أهل تلك البلاد. ولمّا ألقيت المحاضرة كانت تجرِبة المراكب الفضائية جديدة، وقلت لهم إن الذي يوجّه هؤلاء ويدرّبهم ويعلمهم هو شابّ مصري من الزقازيق أبوه شيخ اسمه فاروق الباز، وأنا لا أفرح أن يذهب علماؤنا والنابغون منا فيفيدوا بعلمهم ونبوغهم غيرَنا، ولكن أمثّل بهم على ما قلت من أننا عرفنا ما عندهم فلم نعُد نخافهم.
* * *
وبعد، فإن العاقبة للتقوى: ﴿وإنّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبونَ﴾، وإن هذا الدين محفوظ بحفظ الله: ﴿إنّا نحنُ نَزّلْنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحَافظونَ﴾. فلا خوف ياأستاذ على الإسلام؛ لقد مرّت به مِحَن شِداد وأيام أقسى من الأيام التي مرّت بها مصر من سنة ١٩٥٢ إلى الآن، ولكن الإسلام خرج منها ظافراً: يوم الردة، يوم رمَت قبائلُ العرب الإسلامَ عن قوس واحدة وقالت:
стр. 2525
أطعْنا رسولَ اللهِ إذْ كانَ بينَنا ... فيا لَعبادِ اللهِ ما لأبي بَكْرِ
أيُورِثُها بَكراً إذا ماتَ بعدَهُ ... وتلكَ لَعَمرُ الله قاصمةُ الظّهْرِ
فقصم الله ظهر المرتدّين بعدما حسب المنافقون أنها نهاية هذا الدين، ورجعَت الجزيرة كلها إلى الله، ثم خرجَت تنشر دين الله ففتح الله لأبنائها ما بين قلب فرنسا وقلب الهند، ووصلَت راية الإسلام إلى شاطئ بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) وجبال الصين.
ويوم اتّحدَت أوربا كلها لحرب الإسلام، ومشت جيوشها حتى صار أولها في فلسطين وآخرها في القسطنطينية، وحكمت سواحلَ الشام واحتلّت القدس وظنّت أنها استقرّت فيها إلى الأبد، فما هي إلاّ أن قام نور الدين ومِن بعده صلاح الدين، فنشرا علَم الإسلام وضربا بسيف محمد ‘، فطهّرا البلاد من أوزار الصليبيّين. لا كما فعل صاحبكم حين رفع راية الاشتراكية وضرب بسيف تيتو، فأضاع ما كان باقياً لنا من فلسطين وأعان الكفار على المسلمين.
ويوم جاء السيل الدفّاع الذي اجتاح دول الشرق الإسلامية كلها، ووطئ ثرى بغداد وقتل أهلها وأغرق كتبها، وظنّ أنْ قد استتبّ له الأمر ولم يعُد يقوم له أحد، فبعث الله له رجلاً من مصر كان مملوكاً فجعله الإسلام ملكاً، ورجلاً من الشام كان شيخاً فقيراً اسمه الشيخ عزّ الدينبن عبد السلام، فاجتمع القلب المؤمن والقائد الجريء والجيش المطيع والشعب الخيّر الكريم، فردّت مصرُ الجيشَ الذي لم تقوَ على ردّه دولة الخلافة في بغداد