أوربا التي جئناها من الغرب بالجيش العربي المسلم حتى بلغنا قلب فرنسا، وجئناها من الشرق بالجيش التركي المسلم حتى وصلنا إلى أسوار فينّا.
أفأضعنا هذه البطولات؟ إن محمداً ‘ صبّ البطولة صباً في أعصاب المسلمين، فما تلقى في الدنيا مسلماً جباناً. فإن رأيتم مسلماً يخاف الموت في الجهاد في سبيل الله حين يجب الجهاد فاعلموا أنه مسلم باللسان وحده وليس مؤمناً بالجَنان.
ما أضعناها، ولكن تعبنا فنمنا وطال بنا المنام، وحسِبنا أن ذلك الليل لا آخر له وأن الصباح لن يطلع أبداً، حتى سمعنا الأذان من الشرق (من نجد): حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله. وسمعنا البوق العسكري من الغرب (من مصر) يوقظ النيام. الأول هو صوت الدين يهتف به الشيخ محمدبن عبد الوهاب، والثاني صوت الدنيا ينفخ فيه في هذا البوق محمد علي، الأول من منارة المسجد والثاني من الثكنة ومن المدرسة. والدين مسجد وثكنة ومدرسة وسوق.
* * *
فيا أيها الأستاذ، هل تيأس من أن يجيء مرة ثانية نصر الله والفتح وأنت أبو الفتح؟ أما ترى الشباب يعودون فيدخلون في دين الله أفواجاً؟
كنا ياأستاذ نخاف أهل أوربا لأننا نرى أسلحتهم ومنجَزاتهم ولا نعرف سرّها، فنخشاهم ونخشاها. اقرأ (ولا شكّ أنك قرأت) ما كتب الجَبَرْتي في تاريخه لمّا دعاه الفرنسيون إلى مشاهدة
стр. 2522
تجرِبة كيميائية فحسب ما رأى سحراً، على حين تُجرى أمثال هذه التجرِبة اليوم في المدارس الثانوية والمتوسطة ولا يعجب التلاميذ منها لأنهم عرفوا حقيقة أمرها.
وما السحر؟ أصل معنى السحر في لغة العرب: الشيء الغريب الخفيّ الذي لا تعرف سببه. فإن عُرف السبب بطل العجب.
ونحن قد عرفنا اليوم من علوم القوم مثل ما يعرفون، وكانت مصر هي السابقة إلى هذا. قلت في محاضرة ألقيتها في الرياض في الندوة العالمية للشباب المسلم سنة ١٣٧٣هـ (وهي محاضرة أعددتُ -على عادتي- أفكارها ولكني لم أكتبها، فسجّلوها جزاهم الله خيراً وكتبوها) وكان مما قلت فيها ...
عفوكم ياأيها القراء، لم أجد المحاضرة تحت يدي لأنقل منها الفقرة التي أتحدّث عنها، والبحث عنها بين أوراقي مثل الأشغال الشاقّة التي يُحكَم بها على عُتاة المجرمين، فأعفوني من نقلها واكتفوا بخلاصتها، فإن خلاصتها في ذهني ولكن نصّها بعيد الآن عن عيني (١).
قلت إننا كنا في الشام في شبه عزلة عن مناطق الحضارة الحديثة في أوربا وأميركا واليابان، أقمنا حولنا جداراً حبسنا أنفسنا فيه فلا نرى ولا نحب أن نرى ما وراءه، ولكن كنا نسمع عنه، تصل إلينا أطراف من أخباره وطرف من صناعاته وآثاره. وكان
стр. 2523
منا ناس درسوا العلوم الجديدة في إسطنبول (١) ولكن كانوا قلّة، فلما انتهت الحرب الأولى سنة ١٩١٨ انهار الجدار ودخلَت علينا دخولَ السيل إذا سقط من أمامه السدّ.
وأنا أصف ما رأيت وما سمعت، وكنت يومئذ في آخر الدراسة الابتدائية. وللوصف طريقتان: طريقة مَن يجمع الوثائق في الموضوع ويُحيط بما كُتب فيه، وهذه هي الطريقة الموضوعية (أوبجيكتيف)، أو أن يروي الكاتب ما رأى وما سمع، وهذه هي الطريقة الشخصية (سَبْجكتيف). الأولى شاملة وينقصها التفصيل والثانية فيها التفصيل وينقصها الشمول. كنا مع هذه الحضارة التي اقتحمَت علينا كالذي يكون في بيت مظلم ويخرج إلى الشارع في رأد الضحى حيث الشمس ساطعة، أو إن شئتم العكس، كالذي يكون في الشارع المضيء ويدخل إلى البيت المظلم، كلاهما يزيغ بصره فيلبث لحظات لا يرى ما حوله ولا يدري من أين يمشي.
وكانت النتيجة أن أكثرنا ما أحسّوا بها ولبثوا يعيشون بعد دخولها كما كانوا يعيشون من قبلها، والقلّة التي شعرَت بها خافت منها، فالمشايخ عبّروا عن خوفهم بمحاولة دفعها ونبذ كل ما جاءت به، بحجّة أن أصحابها كفار وأن الكفر شرّ ولا يجيء خير من شرّ. وبعض الشبّان أظهروا خوفهم منها بالانقياد لها وأخذ كل ما جاءت به، ودليلهم أن أصحابها أقوى وأكثر حضارة منا، والحضارة خير وكل ما يأتي من الخير خير.
стр. 2524
كلهم خافوا منها، والخائف الذي يواجه الخطر إما أن يفرّ منه أو أن يحاول دفاعه أو أن يستسلم له. أما الآن وقد زالت صدمة المفاجأة وألِفَت أبصارُنا النظرَ فيما حولنا، فلم نعُد نخافها فنحارب كل ما فيها حتى الحقّ من العلم والنافع من المستحدَثات، أو نمشي معها فنأخذ كل ما فيها حتى الفسوق والعصيان والفواحش والتأميم والشيوعية. لقد تعلّمنا علومهم وصار منا مَن هو فيها مثلهم. ولقد سردت في المحاضرة مشاهدات مما رأيت في ألمانيا وبلجيكا وهولندا، رأيت في المستشفيات أطباء كباراً من العرب ورؤساء أقسام فيها يمشي وراءهم ويتبع خطاهم ويستنير بعلمهم أطباء من تلك البلاد، ورأيت مهندسين وعلماء في الجامعات يُعترف بفضلهم ويقدّرهم أهل تلك البلاد. ولمّا ألقيت المحاضرة كانت تجرِبة المراكب الفضائية جديدة، وقلت لهم إن الذي يوجّه هؤلاء ويدرّبهم ويعلمهم هو شابّ مصري من الزقازيق أبوه شيخ اسمه فاروق الباز، وأنا لا أفرح أن يذهب علماؤنا والنابغون منا فيفيدوا بعلمهم ونبوغهم غيرَنا، ولكن أمثّل بهم على ما قلت من أننا عرفنا ما عندهم فلم نعُد نخافهم.
* * *
وبعد، فإن العاقبة للتقوى: ﴿وإنّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبونَ﴾، وإن هذا الدين محفوظ بحفظ الله: ﴿إنّا نحنُ نَزّلْنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحَافظونَ﴾. فلا خوف ياأستاذ على الإسلام؛ لقد مرّت به مِحَن شِداد وأيام أقسى من الأيام التي مرّت بها مصر من سنة ١٩٥٢ إلى الآن، ولكن الإسلام خرج منها ظافراً: يوم الردة، يوم رمَت قبائلُ العرب الإسلامَ عن قوس واحدة وقالت:
стр. 2525
أطعْنا رسولَ اللهِ إذْ كانَ بينَنا ... فيا لَعبادِ اللهِ ما لأبي بَكْرِ
أيُورِثُها بَكراً إذا ماتَ بعدَهُ ... وتلكَ لَعَمرُ الله قاصمةُ الظّهْرِ
فقصم الله ظهر المرتدّين بعدما حسب المنافقون أنها نهاية هذا الدين، ورجعَت الجزيرة كلها إلى الله، ثم خرجَت تنشر دين الله ففتح الله لأبنائها ما بين قلب فرنسا وقلب الهند، ووصلَت راية الإسلام إلى شاطئ بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) وجبال الصين.
ويوم اتّحدَت أوربا كلها لحرب الإسلام، ومشت جيوشها حتى صار أولها في فلسطين وآخرها في القسطنطينية، وحكمت سواحلَ الشام واحتلّت القدس وظنّت أنها استقرّت فيها إلى الأبد، فما هي إلاّ أن قام نور الدين ومِن بعده صلاح الدين، فنشرا علَم الإسلام وضربا بسيف محمد ‘، فطهّرا البلاد من أوزار الصليبيّين. لا كما فعل صاحبكم حين رفع راية الاشتراكية وضرب بسيف تيتو، فأضاع ما كان باقياً لنا من فلسطين وأعان الكفار على المسلمين.
ويوم جاء السيل الدفّاع الذي اجتاح دول الشرق الإسلامية كلها، ووطئ ثرى بغداد وقتل أهلها وأغرق كتبها، وظنّ أنْ قد استتبّ له الأمر ولم يعُد يقوم له أحد، فبعث الله له رجلاً من مصر كان مملوكاً فجعله الإسلام ملكاً، ورجلاً من الشام كان شيخاً فقيراً اسمه الشيخ عزّ الدينبن عبد السلام، فاجتمع القلب المؤمن والقائد الجريء والجيش المطيع والشعب الخيّر الكريم، فردّت مصرُ الجيشَ الذي لم تقوَ على ردّه دولة الخلافة في بغداد
стр. 2526
يوم كانت بغداد أعظم مدينة على ظهر هذه الأرض.
ما بيننا وبين النصر، ما بيننا وبين أن ننقذ فلسطين إلاّ أن نعود إلى ربنا، وأن نعلم أنها إن كانت تُمِدّ إسرائيلَ وتُعينها وتؤيّدها قوى كبيرةٌ فإن الله أكبر. لقد طالما قلت هذا ياأستاذ ولم يسمع مني أحد. قلت: ما الذي ينقصنا لننتصر على اليهود؟ العدد؟ نحن -المسلمين- ألف مليون فكم عدد اليهود؟ العلم؟ عندنا -معشرَ المسلمين- من العلماء أكثر مما عند اليهود. المال؟ معنا، مع ألف مليون من المسلمين أكثر مما مع اليهود؟ فما الذي ينقصنا؟
ينقصنا الإيمان. لقد قلت في الإذاعة (وأنا أقدم محدّث فيها، أذيع بلا انقطاع من أكثر من خمسين سنة) قلت: إن السلاح لا يُغني عن الإيمان مهما كثر السلاح. فضحكوا مني وسخروا بي، وقالوا: ما يُدريك وأنت شيخ أديب ما العسكرية وما فنون القتال؟ فلما نشر مونتغمري مذكّراته وتكلّم عن القوة المعنوية وقال مثل الذي قلت سكتوا وما قالوا شيئاً. أيسخرون من مونتغمري ويقولون له: أنت لا تدري ما فنون القتال؟
نحن نشكو أدواء في مجتمعاتنا وأعداء تكالبت علينا ومظالم حاقت بنا، فلماذا نواجهها وحدَنا ولا نطلب من الله أن يقف معنا؟ لماذا لا ننصره باتّباع شرعه لينصرنا؟ إننا نريد أن يغيّر الله ما نحن فيه، فما طريق التغيير؟ ﴿إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقَوْمٍ حتى يغيّروا مابأنْفُسِهِم﴾، فهل غيّرنا ما بأنفسنا إلى ما هو أرضى لربنا وأقرب لديننا؟
قضية فلسطين والمسجد الأقصى قضية المسلمين جميعاً،
стр. 2527
فلماذا لا ندعوهم ليقفوا فيها معنا؟ لماذا نُعرِض عنهم وهم يمدّون أيديهم إلينا؟ لماذا نجعلها قضية فلسطينية أو عربية ولا نجعلها قضية إسلامية فيقف معنا الألف المليون مسلم؟
* * *
لو جمعنا عشرة من أكبر علماء الأرصاد الجوية فتناقشوا وبحثوا ثم قرّروا أن اليوم صحو، وكان المطر ينزل، فما قيمة مناقشاتهم ومباحثهم؟ التجربة أكبر برهان. وقد جرّب أجدادنا تجرِبة وجرّبنا تجرِبة؛ جرّبوا العمل لله والجهاد لإعلاء كلمة الله فملكوا ثلث المسكون من الأرض في ثلث قرن وأزاحوا كسرى وقيصر يوم كانت فارس والروم مثل أميركا وروسيا الآن، وجرّبنا نحن التقدمية والاشتراكية والبعد عن أحكام الدين، فغُلبنا على قبلتنا الأولى وعلى مسرى نبينا. ومَن الذي غلبنا؟ غلبنا أذلّ الأمم اليهود.
فماذا تريدون بعد هذا؟
* * *
стр. 2528
-١٩٥ -
حلقة مفردة: وحي صورة
تلقّيت أمس بالبريد رسالة من صديق قديم، كتبها على ظهر بطاقة بريدية فيها صورة مدرسة أثرية في دمشق من أجمل الآثار المملوكية، هي المدرسة الجَقْمقيّة التي بناها سنجر الهلالي ثم جدّدها الملك الناصر سنة ٧٦١هـ، ثم احترقَت فأعاد بناءها الأمير سيف الدين جقمق فنُسبت إليه.
وهي واحدة من مئات ومئات من المدارس بناها الملوك والأمراء في مصر والشام والعراق وكثير من البلاد، مضوا وخلّفوها وراءهم كأنها قصيدة رثاء صادق لهم. وإذا خلّد غيرُ المسلمين عظماءهم بتماثيل ينحتونها على صورهم لا تنفع أحداً، فإن أمراء المسلمين يخلّدون ذكراهم بمدارس فيها العلم النافع ومعاهد ومباني فيها النفع الدائم.
وإن كان أكثرُ هذه المدارس قد عدا عليه العادون فجعلوها مساكن لهم يملكونها بالأسناد الرسمية، ولا يزال على أبوابها نقش ثابت على الرخام باقٍ من تلك الأيام باسم باني المدرسة وبيان ما وقف عليها من دور ومزارع! فأكلوا أوقافها ونسوا أسماء بُناتها.
стр. 2529
يمرّ أهل البلد على هذه المدارس فلا يلتفتون إليها، ويقف السياح عليها مُعجَبين بروعة بنائها وجمال نقشها، ويصوّرونها ويحتفظون بصورها ثم يدَعونها ويرحلون عنها. أمّا أنا فقد رأيت في صورة هذه المدرسة ما لا يرون؛ لقد هزّتني هزاً فحرّكَت في أعماقي ذكرياتي، كما تهزّ الشجرةَ المثمرة فيسقط عليك من ثمارها. لقد ردّتني هذه الصورة سبعين سنة إلى الوراء، إلى سنة ١٣٣٧ يوم كنت تلميذاً فيها.
وكنت لمّا جاءني البريد أمسك القلم لأكتب حلقة من هذه الذكريات، فصرفتني هذه الصورة عنها، فرميت القلم وأمسكت عن كتابة الحلقة. وصدق شوقي إذ يقول:
قدْ يهونُ العُمْرُ إلاّ ساعةً ... وتهونُ الأرضُ إلاّ موضِعا
ولو أنّ إنساناً نام ليلة، فلما أصبح وجد معه أهلاً بدلاً من أهله ووجد نفسه في بلد غير بلده، قد تبدّل عليه كل شيء حتى لم يعُد يعرف مما كان يعرف شيئاً. ماذا تحسبونه صانعاً؟ ألا ترون أنه يُجَنّ؟ أنا ذلكم الرجل؛ لقد كانت هذه المدرسة نصف دنياي، والنصف الآخر داري والطريق بينهما، فلا أُرى إلاّ غادياً عليها أو رائحاً منها، أسلك الأسواق والحارات نفسها وأرى الرجال أنفسهم، فإذا أنا أجدني الآن قد فقدت ذلك كله.
ذهبَت دنياي وأهلي وناسي جميعاً، ولكن ما كان ذلك بين عشيّة وضحاها، فليس التطوّر المفاجئ وليست الطفرة من سنن الله في الوجود، بل يكون التبدّل بطيئاً لا يحسّ به البشر، كما يتحرّك العقرب الصغير في الساعة. انظر إليه ترَه ساكناً واقفاً
стр. 2530
مكانه، هل تستطيع أن تدرك سيره؟ ولكنه -على ذلك- يسير. عُدْ إليه المساء تجده قد انتقل من مكانه. وضع في القارورة حبراً وأنزل عليها الماء خيطاً رفيعاً، وعد إليها بعد حين تجد الحبر قد صار ماء. والليل أسود مظلم والضحى أبيض منير، فهل انتقل الكون من ظلام الليل إلى بياض النهار في لحظة واحدة، أم أن الله يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار؟
وكنت أنا طفلاً ثم صرت شاباً وأمسيت اليوم شيخاً، فهل أستطيع أن أحدّد اليوم والساعة اللذين انتقلت فيهما من الطفولة إلى الشباب ومن الكهولة إلى الشيخوخة؟
لماذا أرسلتَ إليّ ياصديقي هذه الصورة التي هاجت أشجاني وحرّكت لواعجي، وجعلتني أبكي ما مات من أيام عمري؟ كانت لي أسرة أودّعها كل صباح ذاهباً إلى المدرسة وأعود إليها كل عشيّة، فلم يبقَ منها أحد، وجاءت أسرة جديدة فيها زوجة لي وبنات وأحفاد، وبناتي صرن جدّات. أين كان هؤلاء كلهم لمّا كنت أذهب تلميذاً إلى هذه المدرسة؟ وإلى أين ذهب الذين كانوا يومئذ أركان أسرتي: جدّي وجدّتي وأبي وأمي وعمّتي، واثنان فقط من إخوتي؟ أين دمشق التي كانت يومئذ؟
ومَن يقول إنها هي دمشق التي نراها اليوم؟ هل في المئة من سكانها الآن واحد ممن كانوا يومئذ أهلها؟ لقد تبدّل الناس وتغيّر كثير من العادات والأعراف، والطرق والأحياء تغيّرَت. أين دمشق سنة ١٤٠٦ من دمشق سنة ١٣٣٧ لمّا كنت تلميذاً في المدرسة الجقمقية؟ أين رفاقي فيها؟ ما أحسب أنه بقي منهم إلاّ هدى
стр. 2531
الطباع وصلاح شيخ الأرض وحسن السقا، وسبقني الباقون إلى لقاء الله. فمن ألقى من الرفاق إذا ذهبت إلى الشام؟
هذا جزاءُ امرئٍ أقرانُهُ درَجُوا ... مِن قَبلِهِ فتمنّى فُسْحَةَ الأجَلِ
* * *
لقد تداول هذه المدرسةَ رجالٌ لا يعلمهم إلاّ الله. مرّ عليها الآن ستمئة وستّ وثلاثون سنة، فمَن يعلم مَن وليها فيها؟ ولكني أعلم أنها انتهت على أيامنا إلى الرجل الذي نقل التعليم في دمشق من الكتاتيب إلى المدارس، والذي تعلّم على يديه ثلث من كان يومئذ حياً من أبناء الشام، والذي لبث سبعين سنة يعلّم، والذي تعلّم عنده أبي ثم صار معلماً في مدرسته، وتعلّمت أنا في مدرسته ثم صرت معلّماً عنده، والذي رأيت في سجلّ تلاميذه يوم كنت معلماً اسمَ التلميذ واسم أبيه من قبله وجده من قبلهما، والذي كنت يوم مات سنة ١٣٤٩ محرّراً في جريدة «اليوم» عند الأستاذ عارف النكدي، فكتبت عنه، فجاء مَن يقول لي: أتشغل الجريدة بالكتابة عن شيخ كُتّاب؟
لم تكن قبله في الشام إلاّ مدرسة واحدة هي مدرسة الشيخ الصوفي، والمدرسة التي يعلّم فيها الشيخ محمد المبارك والد أستاذنا الشيخ عبد القادر المبارك، ومن تلاميذها الأستاذ محمد كرد علي الذي كان له الفضل على كل من اشتغل بالصحافة وبالكتابة في دمشق. الشيخ المبارك الذي كان يُعَدّ في زمانه من الأدباء أيام لم يكن في دمشق إلاّ قليل ممن يُعنى بالأدب، وكان الأدب سَجعاً ورصف ألفاظ، وكانت قدوةَ الأدباء وكان المثلَ
стр. 2532
الأعلى لهم مقاماتُ الحريري. وإذا أردتم أن تروا مثالاً على أدب الشيخ محمد المبارك فاقرؤوا رسالته المطبوعة «بهجة الرائح والغادي في أحاسن محاسن الوادي».
بقي الشيخ عيد السفرجلاني يعلّم سبعين سنة، وكانت مدرسته لمّا افتتحها شيئاً جديداً مفرَداً، فلما كثرَت المدارس وصارت شيئاً قديماً انصرف التلاميذ عنها. ومن كانت عنده مجموعة الرسالة وجد في سنتها الأولى في عدد ٤ ذي الحجة سنة ١٣٥٢ مقالة لي عن الشيخ في أخريات أيامه (١). هذا الرجل الذي نسيه أهل دمشق، وقد كانوا يتلقّون العلم عنه ويقبسون الضوء منه، فيهتدون به في طرق الحياة المظلمة.
خبّروني: لماذا نؤلّف الكتب ونُعِدّ الدراسات -نجعلها موضوعات الرسائل الجامعية والأطروحات- عن رجال السياسة ورجال الفنّ ولا نقضي ديون رجال التعليم علينا؟ هؤلاء هم الذين نشّؤوا أولادنا، هم الذين وضعوا الأساس لبناء ثقافتنا، هم الذين يكون الصلاح منهم إن كانوا صالحين. فلماذا لا نوليهم من العناية ما يستحقّون؟ لماذا لا يكتب الشاميون عن الشيخ عيد السفرجلاني والشيخ كامل القصّاب والشيخ أبي الخير الطباع؟ لماذا لا نكتب هنا عن محمد علي زينل وعمّن فتح المدرسة الصَّوْلتية وعن الذين أقاموا للتعليم في المملكة هذا الصرح العظيم؟
ولا تعجبوا إن قلت لكم إن الشيخ عيد لبث سبعين سنة يعلّم، فأنا العبد الفقير أعلّم من ستين سنة، من سنة ١٣٤٥هـ،
стр. 2533
وفي الشام رجل اسمه الأستاذ درويش القصّاص، لمّا كنت أنا تلميذاً في الابتدائية كان في أيدينا كتاب اسمه «مبادئ الهندسة» من تأليفه. وممن أذكر الآن من قدماء المدرّسين في الشام ممن يستحقّ التكريم: أحمد عزة الرفاعي وسعيد الأفغاني وسليم الزركلي ومحبّ الله النابلسي وحمدي الزركلي ومصطفى الصواف.
فعدّوا أنتم من تعرفونه هنا من قدماء المدرّسين. إنهم طالما هجروا نومهم ليصحّحوا دفاتر أبنائكم، وشغلوا يومهم بتقويم أذهان أبنائكم، أفلا تقولون لهم شكراً؟
* * *
لقد كتبتُ كثيراً عن هذه المدرسة، وعن المدرسة الأمينية، وعن الكاملية التي أنشأها الشيخ كامل القصاب، العالِم السياسي المعلّم الذي عرفتموه هنا مديراً للمعارف، وقد سرّني أمس كتاب أهداه إليّ أستاذ فاضل لم تُكتَب لي معرفته، هو الأستاذ الخطاط حلمي، فيه صفحات من تاريخ التعليم في المملكة، لم يُفسِد حقائقَها أسلوبٌ مزخرَف مثقل بأدوات الزينة، ولم تخنقها المبالغات والتهويلات التي يلجأ إليها ناس من الكتّاب، يحسبون أنها تزيد الحقائق تثبيتاً في النفوس، لا يدرون أنها تطمسها وتُذهِب رونقها، وأن جمال الحقيقة في عرضها عاطلة من كل زينة سالمة من كل مبالغة.
كانت هذه مدرستي. وإن فكّرتم عجبتم من قولي إنها مدرستي ومن قول القائل هذه داري. لقد أقمت في عمارة الكعكي في أجياد عشرين سنة وكنت أقول إنها داري، لو دخل شقّتي
стр. 2534
إنسان بلا إذن مني لقلت إنه سارق جاء ليسرقني، ولوجدت حيثما نظرت من يصدّقني ويُبعِد هذا الداخل عني. فما لي الآن أمرّ بها فلا أستطيع أن أضع المفتاح في بابها فألجها؟ وإن قرعتُ بابها سألني مَن فيها: من أنت وماذا تريد منها؟ هذه ياناس هي الدنيا، كانت الدار قبلي لغيري وصارت بعدي لغيري، فأنا كراكب الطيارة التي رُقّمَت مقاعدها: المقعد الثاني من الصف الثاني مقعدي، ولكن يكون لي أنا ريثما تصل الطيارة إلى محطّها ويبلغ المسافرُ غايتَه، ثم يكون المقعد لسواي كما كان من قبلي لسواي. وسريرك في الفندق هو اليوم لك، وأمس وغداً لغيرك.
إننا مسافرون، فإذا انقضى السفر لم يبقَ لنا من وسائله شيء. والريالات التي هي اليوم ملك يمينك: كم من يد ملكَتها قبلك وكم من يد تملكها من بعدك؟ كلها عاريّة مسترَدّة. بل إن حياتك في هذه الدنيا عاريّة لا بد أن يستردّها صاحبُها. صدق المعرّي حين قال في اللزوميات (وإن كان في «اللزوميات» كثير في الأقوال لم يكن فيها صادقاً ولا باراً):
المُلكُ للهِ، مَن يَظفَرْ بنَيلِ مُنَىً ... يترُكْهُ قَسْراً ويضمَنْ بعدَهُ الدَّرَكا
لوْ كانَ لي أو لغيري قيدُ أُنمُلةٍ ... مِنَ الوجودِ لكانَ الأمرُ مشتَرَكا
ألسنا مثل إمام الشعراء امرئ القيس الذي وقف على ديار الأحبّة يرى آثارها ويستقري أخبارها، فاستعجمت الديار فما تحدّثه بخبر، وضيّعت ما استُحفظت فما تكاد تحفظ من أثر؟ لقد
стр. 2535
وقف واستوقف صحبَه فوقفوا مطيَّهم معه، وبكى واستبكى مَن معه، فلا البكاء أفاد ولا الوقوف نفع، ولا أيام الوصال عادت ولا الحبيب رجع.
إني لأفكّر: كم من المنازل كان لي فصار لغيري، وكان يعرفني وصار يُنكِرني؟ وفي كل منزل منها شعبة من قلبي وبقايا من حبي وقطعة من حياتي وأطراف من ذكرياتي: في الشام وفي مصر وفي العراق وفي بيروت، وفي كل بلدة دخلتها أو أقمت فيها من أقصى الجنوب الشرقي من آسيا إلى أقصى الشمال من هولندا. فما لها اليوم صارت كلها غريبة عني وصرت غريباً عنها؟ حتى الدار التي عمرتها بيدي على أرض اشتريتها بمالي في سفح قاسيون في بلدي، وشهدت نموَّها يوماً بعد يوم وقيامَها حجراً فوق حجر، حتى هذه الدار صارت لغيري. وإن أعطاني الله -والحمد له دوماً- داراً خيراً منها، فحرمني العباد من رؤيتها ومن سُكناها:
كمْ منزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفتى ... وحنينُهُ -أبداً- لأوّلِ منزلِ
وأول منزل لي دار صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة في دمشق. على أن في البيت معنى لا أحسبه خطر على بال أبي تمام الذي قاله، معنى أعلى وأسمى وأصدق مما أراده الشاعر؛ هو أن أول منزل لنا معشر البشر المنزلُ الذي كنا فيه فأخرجَنا منه عدوٌّ لنا، قال لنا الله اتخذوه عدواً فاتخذناه صديقاً، وقال لنا اعصوه فأطعناه، هذا العدوّ هو إبليس وأول منزل هو الجنّة.
فالعاقل مَن صدَق العزم على الرجعة إليها، وأعدّ لهذه الرجعة عدّتها وهيّأ لها وسائلها وسلك سبيلها. وما سبيلها؟
стр. 2536
الأماني؟ بل العمل:
ترجو النجاةَ ولم تسلُكْ مَسالكَها ... إنّ السفينةَ لا تمشي على اليَبَسِ
* * *
لقد ذكرت وأنا أقرأ هذا الكتاب الذي ورد عليّ مكتوباً على ظهر الصورة، ذكرت مقالة لي في «الرسالة» عن هذه المدرسة، فبحثت في أجزاء الرسالة (وتحت يدي أكثرها) فوجدتها في عدد يوم ٢٥ ربيع الآخر سنة ١٣٦٥، فقلت: أروي للقراء فقرات منها ليروا كيف كنت أكتب قبل أربعين سنة. قلت (١):
ما مررتُ بهذه المدرسة الخَرِبة المعطَّلة وذكرت ما أودعتها من عواطفي وما تركت فيها من حياتي إلاّ تلفّت القلب، وصفا الفؤاد، وانبثقت في النفس خواطر وانبعثت للعين صور أُقِرّ بالعجز عن صوغها ألفاظاً مقروءة وجُمَلاً، ووضعها في هذه القوالب الجامدة الضيقة وهي أشدّ انطلاقاً من النور وأوسع من الزمان.
(إلى أن قلت): فاسألوا هذه الجدران العارية وهذه الغرف الخالية، ويا ليتها تملك النطق فتصف ما رأت! ليتها تعي المغاني وتحدّث المباني، وأنّى؟ وما وعت قلوب الناس ولا وفت حتى يفي الجماد. (إلى أن قلت): لقد عشتُ دهراً لو قيل لي فيه إنه سيأتي عليك يوم تجوز فيه بهذه المدرسة فلا تقف عليها إلاّ
стр. 2537
وقفة التذكّر والحنين، ثم تمضي لطيّتك وتنساها بعد خطوات لما صدّقت. فكيف هانت عليّ هذا الهوان؟
(إلى أن قلت): وأنا رجل كلما تقدّمَت به السنّ ازداد إيغالاً في عزلته وهرباً من جماعته، فكأنه يقطع كل يوم خيطاً من هذا الحبل الذي يربط زورقه بآلاف الزوارق الصغيرة التي تمخر عباب الحياة مجتمعة، كما كانت تجتمع السفن من قريب إذ تجوز بحر الظلمات (أي المحيط الأطلسي، وكان ذلك أيام الحرب)، حتى غدوت وقد رثّ حبلي وتصرّم إلاّ خيوطاً: طائفة من الأصحاب لا يبلغون عدد أصابع اليدَين، وأماكن هي أقلّ من ذلك؛ لا ألقى سواهم ولا أرتاد غيرها. ولم يبقَ لي في لياليّ الطِّوال مؤنسٌ أو سمير إلاّ هذه الكتب وهذا الماضي، أزداد كل يوم تعلّقاً به وحنيناً إليه، أمّا المستقبل فأخافه ولا أجرؤ على التفكير فيه.
لذلك تراني إن لقيت رفيقاً من رفاق الصبا استوقفتُه وعانقته وشممته، لعلّي أجد في ثيابه عبَقاً من أزاهير الماضي الحلو الذي سَرَبْنا فيه جميعاً يحملنا مرح الطفولة وعبثها اللذّ، فجزنا خلال رياضه وأوغلنا في دروبه المُعشِبة ومسالكه التي ابتسم على جانبَيها الأقحوان وضحكت الشقائق (أي زهر شقائق النعمان)، أحاول أن أستطلع من وراء هذا الشباب الذي نالت منه الليالي حتى أشرف على الكهولة، وهدّته مطالب العيش فأخذَت منه رواءه وبهاءه، فبدا كالشجرة المنفردة القائمة على شفير الوادي عاجلها الخريف ببرده وعواصفه ... أحاول أن أرى من ورائه طلعة «ذلك» الصبي المرح دائماً، الضاحك اللاهي الذي كنته يوماً، والذي أحببتُه وقاسمته مرحه ولهوه. فإذا لم أرَها رجعت أجرّ رِجْلَي خائبٍ فُجع
стр. 2538
في أعزّ آماله وفقد أحبّ أمانيه إلى قلبه، وإن وقفتُ على معهد من معاهد الصغر أو ملعب من ملاعب الطفولة فتّشت في زواياه وأركانه، وتحسّست الحجارة من جدرانه، علّي أجد بينها ذكرى حلوة قد خبّأتُها يوماً ونسيتها.
ولذلك وقفت اليوم على المدرسة الجقمقية، ولكني لم أجد فيها ما أريد؛ لقد عدا سارقان على أحلى ذكرياتي فسرقاه في غَلَس الليل كما يسرق النبّاشون الذهب من قبور الفراعنة، ولم يدَعا لي إلاّ كل تافه حقير. فبماذا أُتحِف القرّاء بعد الذي صنعه معي هذان اللصان: الزمان والنسيان؟
هذه هي المدرسة التي أودعتُها عهد الطفولة وذكرياته العِذاب، لا تزال قائمة جدرانُها ماثلاً بنيانُها، وهذه هي الطرقات التي كنت أسلكها غادياً عليها كل يوم، وهذا هو الأموي العظيم الذي كنا نعرج عليه بكرة وظهراً وعشيّاً، وما بيننا وبينه إلاّ أن نخرج من باب المدرسة فندخله من بابه، والبابان متقابلان.
(إلى أن قلت): هذا هو الأموي لا يزال على عظمته وجلاله، غير أن صورته في ناظري قد تبدّلت وامّحَت روعتها وبطل سحرها. وماذا تصنع الجدران والسقوف إذا ذهبَت الوجوه ومضى الساكنون وتغيّرت الروح؟ لقد أضحى الأمويُّ غيرَ الأموي، فلا دروسه تلك الدروس ولا علماؤه أولئك العلماء ولا جوّه ذلك الجوّ. إن المدن كالأشخاص، تُخلَق كل يوم خَلْقاً جديداً. لقد ماتت دمشق التي نشأنا فيها، دمشق الإسلامية المرحة الفاضلة التي لم يكن فيها ماخور مشهور ولا ميسر ظاهر ولا عورات
стр. 2539
باديات ولا حانات ولا مُلهِيات، وكانت فيها المرأة لبيتها والرجل لأهله، وكان العلماء عاملين بعلمهم مُطاعين في قومهم، والحيّ كالبيت الواحد في تعاون أهله وتعاطفهم، والمساجد عامرة، والرجولة بادية، وأهل الدين لا يأكلون به الدنيا ولا يتخذونه تجارة ... فيا أسفي على دمشق ويا رحمة الله على تلك الأيام، أيام لم نكن نعرف من الدنيا إلاّ المتع الفاضلة والفضائل الممتعة، نلهو ونلعب ولكن لا كلهو فتية اليوم ولا كلعبهم؛ كان أقصى ما نأتيه أن نركض في الأموي، أو ننقسم عند المساء قسمَين فنقيم بيننا سوق حرب سلاحها المقالع والعِصيّ، وقد نُجرح أو نُكسر ولكننا نتعلم الرجولة والقوة، ثم نرجع متفقين.
(إلى أن قلت): فأين أيامنا في هذه المدرسة؟ وهل تعود تلك الأيام؟ وأين ذلك الشيخ الحبيب إلى كل نفس الجليل في كل عين، شيخ الشام ومعلّمها الشيخ عيد السفرجلاني؟
* * *
هذا كلام كتبته سنة ١٣٦٤ هجرية، فماذا أكتب لو أردت أن أصف الحال سنة ١٤٠٦؟ ماذا أقول وممّن أشكو وإلى من أشكو؟ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
* * *
стр. 2540
-١٩٦ -
وقفة استراحة
في الهند اليوم خلاف بين المسلمين وبين مَن بأيديهم الحكم موضوعه «الأحوال الشخصية» للمسلمين. وقد قرأت أن وزراء العدل الذين اجتمعوا من أقلّ من شهر قرّروا إصدار قانون موحَّد للأحوال الشخصية. والمبدأ المعمول به في القانون الدولي أن الأجانب في البلد الذي ينزلونه يحاكَمون في الأحوال الشخصية وفق قوانين بلادهم، وهذا كله يدلّكم أو يذكّركم بأن الأحوال الشخصية من أهم فروع الحقوق، وأنه إن انحصر اهتمام التجّار مثلاً بقانون التجارة فإن الأحوال الشخصية تكاد تهمّ كل رجل في الأمّة وكل امرأة، لأنها المنهج الذي تتبعه الأسرة ولأن الأمّة إنما تتألف من مجموعة أسر.
وقد كنت بدأت الكلام على قانون الأحوال الشخصية السوري لأنه أول قانون شامل لأحكامها صدر في البلاد العربية، ثم وجدت أن هذا الموضوع لا يعجب أكثر القراء ولا يُطربهم، ولا يكشف دخائل العواطف في النفوس ولا يجلو مواطن الجمال في الوجود، ولا يدخل في باب الأدب الذي يستهوي القراء ويمسّ حبّات قلوبهم، ولكن لا بد منه، فهو كطبق الطعام المليء
стр. 2541
بالشحم واللحم والدهن، ولا بدّ قبله من مشهّيات ومرغّبات.
لذلك عزمت على أن أجعل هذه الحلقة وقفة استراحة فأعرض فيها صوراً سريعة من ذكرياتي، يستريح القراء بها ويستعدّون للكلام على قانون الأحوال الشخصية.
* * *
دخلت الحرم مرة في رمضان فلم أجد مكاناً، لا أعني أنه كان ممتلئاً بالمصلّين، ولكن كانت الأمكنة محجوزة بالمصلَّيات، وكل من وضع سجّادة أو خرقة في موضع ظنّ أنه امتلكه، ومن الناس من راقبتُه من بعيد، فإذا هو يبسط سجّادتين أو ثلاثاً ويقعد على واحدة منها، فإذا جاء من يريد الصلاة في المكان أفهمه أن له أصحاباً.
ثم وجدت مكاناً فارغاً في الصف فوقفت فيه وأقيمت الصلاة، فإذا أنا برجل يخترق الصفوف يمرّ أمام المصلّين، وعليه ثوب يبدو أنه كان يوماً من الأيام أبيض، ثم تبدّل لونه على توالي الشهور وركبته الأوساخ على الأوساخ حتى لم يعُد له لون يُعرَف! ولم يكفِه ذلك حتى توضّأ من زمزم، ونضح الماء على ثوبه فابتلّ وصار ... تصوروا ماذا صار. ثم لم يَرُق له إلاّ أن يزاحم المصلّين وأن يحشر نفسه بيني وبين جاري، وكنت ألبس ثوباً أبيض أخذتُه من دار التنظيف قبل ساعة، فجعلتُ أضمّ ثوبي، وكلما رآني ضممته ظنّ أني أوسع له فازداد التصاقاً بي، حتى صرنا كما قال العباسبن الأحنف ... ولكن لا مكان هنا لأروي ما قال العباسبن الأحنف. وكان كلما ركع باعد بين رجليه لأنه
стр. 2542
سمع أن صفّ المصلّين يكون متماسكاً متداني الأكتاف والأقدام، حتى كاد ينفسخ وهو يدوس بإحدى قدميه على قدمي وبالأخرى على قدم جاري!
ودخلنا في الصلاة فكان في حركة مستمرّة، يسوّي عقاله، ويدخل إصبعه في أنفه ثم يمسحها بثوبه، ويُخرِج من جيبه خرقة سوداء لعله يعدّها منديلاً، فيقرّبها من فمه ويصنع فيها ما لا يحسن ذكره ووصفه، وسواكه في يده يُديره في فمه ثم يعصره بإصبعه ويتجشأ بصوت مُنكَر، وينظّف أذنه بإصبعه ... أي أنه لم يهدأ لحظة واحدة. وأنا أقول لكم الحقّ: إني لم أعرف كيف صلّيت. فلما قُضيَت الصلاة حاولت أن أفهمه بلطف أن النظافة من آداب المسجد وأن الخشوع من لوازم الصلاة، فلم يفهم، وقدّرت أنه لا يحسن العربية وظنّ أني أترفّع عنه لأنه -كما يقول- فقير ويردّد كلمة فقير، فتركته.
* * *
وكنت (١) يوماً خارجاً من داري في دمشق صباحاً مسرعاً إلى عملي في المحكمة، فما برزتُ من الباب وهممت أن أغلقه ورائي وأمضي حتى رأيت أمامي زائراً جاء يزورني. وكان رجلاً كبير السنّ جليل القدر، ولم يكن يعتادني بالزيارة فلم أستطع أن أعتذر إليه، وخفت أن يُطيل فيفوّت عليّ موعدي، ثم قلت
стр. 2543
في نفسي إني أبقى معه ربع ساعة ثم أستحضر سيارة أذهب بها. ودعوته فدخل، وقعدت بين يديه كما كنت أقعد وأنا تلميذ له لمّا كنت صغيراً، وكان مدرّساً في مدرستنا، وقلت له: أهلاً وسهلاً. فقال: بكم، قلت: كيف الصحّة؟ قال: الحمد لله. قلت: شرّفتمونا. قال: أستغفر الله.
وانتهت هذه المقدمة، وانتظرت أن يبدأ الحديث بما جاء به فلم يتكلم ولم يبدُ عليه أنه ينوي الكلام، فدخلنا في الفصل الأول من أحاديث المجالس وتكلمنا عن الجوّ: تحسّن الجوّ. قال: الحمد لله. والمطر كثير. قال: حقيقة، الله يبعث الخير. انتهى الكلام عن الجوّ فلم يبدأ حديث الزائر الكريم. دخلنا الفصل الثاني من الكلام الفارغ فتكلمنا في السياسة، فتحدثنا عن إسبانيا والجنرال فرانكو وعن البرتغال وعن فنلندا وعن الأفغان.
وانتهى هذا الفصل على عجل. وجئت بالقهوة وقلت في نفسي إنه سيشربها ويحدّثني، فما نطق ولا فتح فمه، ولكن استرخى في مقعده وجعل يرتشف القهوة متمهلاً، كل ثلاث دقائق رشفة صغيرة، وأنا قاعد أتقلّب على مثل الجمر. وجعلت أنظر في الساعة وأتململ وأتحرك في مجلسي، ثم قلت له: عندنا اليوم جلسة في المحكمة، لذلك بكّرت في الذهاب. فقال: إن شغل المحاكم صعب، الله يعطيك العافية. قلت: الجلسة في التاسعة، وقد بقي دونها ثلث ساعة فقط. قال: أعانكم الله. قلت: تشرّفت بكم، وإذا كان لكم أمر فمروني به. قال: ما في شيء. قلت: هل من خدمة أقوم بها؟ قال: أبداً.
стр. 2544
وسكت وسكتنا، وجعلنا نتبادل الأنظار كالقطط، حتى مضت الساعة التاسعة وذهب موعد الجلسة.
* * *
وكنت يوماً أستقبل في بيتي جماعة من الأصدقاء، فجاء أحد أصحابنا وجاء معه بولد صغير. وأنا لا أكره شيئاً كما أكره من يزورني ويأتيني بولده معه، ولكني تجلّدت وقلت لنفسي: إنه ضيف ولا بد من الاحتمال.
وما كاد يستقرّ في المجلس حتى شرع يتحدث عن ولده وعن ذكائه ونوادره وعن كماله، والحاضرون يبتسمون مجاملة ويتمنون أن يحسّ فيختصر هذا الحديث الثقيل، وهو يقول لولده: بابا، قم اخطب لهم خطبة. فتدلّل الولد وتمنّع وقال: ما بدّي. قال: قُم، عيب. وما زال معه في شدّ ودفع حتى استجاب وخطب خطبة كانت أزعج لسامعيها من شربة زيت خروع لشاربها، ولكنهم اضطُروا أن يكشّروا عن أنيابهم ويقولوا مجاملة: ما شاء الله. وحسبوا أن المحنة قد انتهت، ولكن الرجل عاد فقال: وهو حافظ غيرها كمان (أيضاً).
وانتظر أن يستبشروا بهذا الخبر ويطيروا سروراً بهذه البشارة، فلما رآهم سكتوا وأحجموا لم يسكت هو ولم يُحجِم، وقال للولد: اخطب بابا الخطبة الثانية.
ومن خطبة إلى خطبة، حتى خطب عشر خطب شعر الحاضرون كأنها عشر مطارق تنزل على رؤوسهم، وطلعت منها أرواحهم، وهو يضحك مسروراً كأنه جاء بمعجزة، ثم قال: وهو
стр. 2545
يغني كمان. غنِّ -بابا- أغنيّة (الأغنيّة بتشديد الياء). قلت في نفسي: أعوذ بالله، خرجنا من الخطب فجاءت الأغاني! وغنّى أغنية ثم أتبعها بأخرى، فقلت: يكفي، إنه قد تعب. قال: لا (ومطّها)، إنه لا يتعب الله يسلّمه ويرضى عليه. من حقّ تعبت يابابا؟ قال: لا، ووثب ينطّ بالغرفة. قال أبوه: يعرف يلعب كمان.
وخرّب في لعبه كثيراً ممّا كان في الغرفة من التحف. وجئنا بالشاي فمدّ يده ليأخذ الفنجان، فقلت: إنه حار. قال: لا. ورفع رجله بحذائه الملوث فوضعها فوق المقعد، وأخذ الفنجان وقرّبه من فمه، فأحس حرارته فأفلته من يده فانكبّ على المقعد الجديد. وتوقعت أن يعتذر أبوه عن إفساده وجه المقعد، وإذا به لا يهتمّ بوجهه ولا قفاه، لقد اهتمّ بولده وقال له: لا ترتعب، ما صار شيء. هل احترقت يدك؟ ونظر فيها وابتسم وقال: سليمة والحمد لله.
وانتقل هو وابنه إلى مقعد آخر، وجعل الولد يكلّمه في أذنه فقال الأب: كأس ماء من فضلك، الولد عطشان. فقمت وأتيته بها. فشرب وأراق الماء على المقعد الثاني، وبعد لحظة قال أبوه: ممكن من فضلك يخرج إلى الحمام؟ قلت: قم. وأخذته بيده فصرخ صرخة أرعبَتني أنا، وحسبت أن قد أصابه أذى، وسألت: ما له؟ قال أبوه: إنه لا يخرج إلاّ معي. فقلنا: خذوا طريقاً وهاتوا طريقاً، ووقفنا حتى وصل الموكب الهمايوني إلى بيت الخلاء!
ولا أريد أن أصف لكم بقية المشهد، فتصوروا آخره من معرفة أوله.
* * *
стр. 2546
وكنت يوماً أقطع الشارع أتلفّت ذات اليمين وذات الشمال، أرقب السيارات وهُنّ يُسرِعن مختلفات الأشكال والمظهر ولكنهن متّحدات الحقيقة والأثر، كلها تمثل الموت تحت العجلات. فما كدت أتوسط الشارع حتى سمعت نداء ملهوف يهتف باسمي، فاستدرت لأنظر فكادت درّاجة نارية تصيبني، وولّت عني وأصوات محرّكها بالضجيج وسائقها بالشتم لا تزال في أذني، ووصلت إلى الرصيف وإذا بالرجل يلحق بي يناديني.
فوقفت، فأقبل عليّ وهو مفتوح الفم من الضحك والسرور وقال: الأستاذ الطنطاوي؟ قلت متجهماً: نعم. قال: أهلاً وسهلاً، في غاية الشوق، لقد مضى زمن طويل. قلت: على ماذا؟ قال: على لقائنا. قلت: ومتى التقينا؟ قال: أنسيتني؟ قلت: مَن حضرتك؟ فضحك وقال: احزر (والكلمة فصيحة). قلت: ياأخي أنا لا أعرفك ولم أعرفك قط. فازداد ضحكاً وقال: إنك تمزح بلا شك. قلت: قُل ما تريد وخلّصنا.
فذكر اسمه، قلت: ما سمعت بهذا الاسم قبل الآن. قال: طيب، الخلاصة، متى أستطيع التشرف بزيارتك؟ قلت: وماذا تريد مني؟ قال: لا شيء، لا شيء، التشرف بك فقط. قلت: أنا مشغول ويعرف أصحابي كلهم أني لا أزور أحداً ولا أستقبل زائراً إلاّ نادراً. قال: وهذا من النادر. قلت: يارجل، هل تريد مني شيئاً؟ قال: التشرف بك فقط، أنا أحب أهل الفضل والعلم. قلت: أنا لست منهم. قال: كيف وأنت سيدنا ومولانا؟ قلت: أستغفر الله. قال: متى أزورك؟ قلت: تعال إلى المحكمة في الساعة الواحدة،
стр. 2547
فإن الباب يُفتح للمراجعين. قال: أظنّ البيت أحسن. قلت جازماً: غداً في المحكمة، وتركته ومشيت.
وجاءني في اليوم الثاني وبدأ يتكلم في الصحّة وفي الجوّ وفي أحوال الدنيا، ثم ألقى محاضرة بالثناء عليّ ومدحي وأني شيء عظيم وأثنى على كتبي، فسألته: أي كتاب قرأ منها؟ قال إنه قرأها كلها ولكنه أُعجِب بحديث الأربعاء. قلت: ولكن حديث الأربعاء لطه حسين. فلم يخجل ولم يضطرب وقال: عفواً، قصدت أن أقول كتاب فجر الإسلام. ولم أقُل له إن فجر الإسلام لأحمد أمين لئلاّ يقول إنه كان يقصد كتاب ألف ليلة وليلة!
وبعد هذه المقدمات التي لا آخر لها نطق بالدرة المصونة والجوهرة المكنونة، وعرض حاجته فإذا هو صاحب دعوى في المحكمة يريد أن يوصيني بها.
* * *
ودخلت مرّة دار صديق لي موظف عندنا في المحكمة، عمله تسجيل عقود الزواج وحضور حفلاتها، فوجدت في الدار خزانة كبيرة ملؤها علب السكّر الملبَّس من زجاجية وخزفية وخشبية ومعدنية، من مستديرة ومنبسطة ومربعة ومثلثة وملساء ومحفورة ومزوَّقة ومنقوشة ... من كل شكل وكل جنس، أرخصها بليرة (كانت الليرة يومئذ تعدل عشرين ليرة في هذه الأيام) ومنها علب من الفضّة عليها اسما الزوجين وتاريخ العقد ثمنها أكثر من عشر ليرات. فوقفت أنظر إليها وأفكّر: كم يُنفَق في دمشق كل سنة في أثمان هذه العلب؟ فرأيت أنه إن كان يُعقد في دمشق مئة عقد
стр. 2548
في السنة، وهذا أقلّ من الواقع، وكان في كل عقد مئة مدعوّ، وهذا هو الحدّ الأدنى، فإنه يُصرف في كل حفلة مئة ليرة ثمن هذه العلب إن كانت من العلب الرخيصة، فإن كانت من العلب الغالية أو كان المدعوّون مئتين أو ثلاثمئة صُرف في علب الملبس خمسمئة ليرة في الحفلة الواحدة.
فلو أنه أُلّفت جمعية لحمل الناس على توزيع الملبس في قراطيس وأوراق وأخذ ثمن العُلَب لإنفاقها في مساعدة الفقراء أو في بناء المستشفيات أو في عمل آخر من أعمال البرّ، ولم تشتغل إلاّ بهذا وحده، لاستطاعت أن تجمع من هذا الباب أكثر من ثلاثين ألف ليرة في السنة. فكيف إن أُنشئت جمعيات أخرى لتدفع غير ذلك من وجوه التبذير التي أَلِفَها الناس وتعوّدوا إضاعة الأموال الكثيرة فيها (مع أن الفقراء في أشدّ الحاجة إلى بعض هذه الأموال)؛ كطاقات الزهر التي تُهدى في الأعراس ويُنفَق فيها من مئة ليرة إلى ٥٠٠ في كلّ عرس (بحساب تلك الأيام)، فإن كان يُقام في دمشق مئة عرس في السنة، والواقع أكثر بكثير، فيكون مبلغ ما يُنفَق في البلد كل سنة ثمن هذه الأزهار التي تُلقى بعد أيام على المزابل من عشرة آلاف ليرة إلى خمسين ألفاً! (١)
وأكاليل الجنائز وكفوف الآس التي تُحمَل فيها في دمشق،
стр. 2549
وعشرات من أمثالها لا عشرة واحدة. لو أن ما يُنفَق فيها جمعته أيدٍ أمينةٌ وأنفقته في جهات صالحة لصارت دمشق في عشر سنين فقط جنّة في الأرض، ولَما بقي فيها فقير ولا جاهل ولا مريض، لأن هذه الأموال تُنشئ كل سنة عشرة مستشفيات (١) وعشرة ملاجئ وعشر مدارس.
وهذا كلام نشرته من أكثر من ثلاثين سنة.
* * *
وذهبتُ مرة إلى الكوّاء الذي يكوي لي ثيابي فلم أجده، فسألت عن غيره، فدلّوني على آخر له مكان واسع وعلى بابه لوحة كبيرة، وعلى شفتيه ابتسامة لا تفارقهما، فهما دائمتا الانفراج كأن قد انحلّت عضلاتهما فلا تنطبقان، وفي فيه لسان رطب ليّن طويل كأنه لسان الثعبان. فخدعني مظهره حتى دفعت إليه حُلّتي الجديدة التي ألبسها في المواسم وأتجمل بها في المجامع، ووصّيته أن يكويها لي كياً فقط وألاّ يغسلها، وأن يبعث بها إليّ في غده. فقال: أمرك ياسيدي، على عيني ورأسي، بِدْنا (٢) خدمة.
وانصرفت آمناً مطمئناً، وجاء الغد ولم تُرسَل، ومرّ يوم ثانٍ وثالث وسابع وثامن، وانصرفَت عشرة أيام والحلة عنده، وأنا
стр. 2550
أستحثّه فيقابلني بهذا الفم الباسم أبداً وهذا اللسان الدافئ دائماً، ويبتدع لي كل يوم عذراً جديداً. وكان آخر أعذاره اشتغاله بموت أبيه الذي علمت -فيما بعد- أنه مرّ على وفاته ﵀ على هذه الخلفة الطاهرة تسع سنين!
وأعاد لي الحلة بعد ستة عشر يوماً، فإذا هو قد غسلها فأفسد حشوتها ومزّق أزياقها، وجعل لها رائحة مثل رائحة الخنازير البرّية، ذلك لأنه غسلها بصابون رديء استرخصه وحكّ أطرافها بالحجر الذي تُنظَّف به الأقدام في الحمام!
وهذه واقعة لا أريد أن أعلّق عليها.
* * *
وليس في بلاد الناس شيء أسهل من الشراء. يدخل الرجلُ المخزنَ فيرى البضائع المعروضة وعليها أثمانها، فيختار ما يشاء ويدفع الثمن ويمضي، ولو جاء من بعده أمهر الناس ما استطاع أن يأخذ بثمن أقلّ ولو جاء أغفل الناس ما أُعطيَ بثمن أكثر.
أما الشراء في بلادنا فهو معركة تحتاج إلى أسلحة شتّى، من الكذب أحياناً، واليمين الكاذبة، والكرّ والفرّ، والذهاب والرجوع، ومعرفة أجناس البضائع، وتحتاج فوق ذلك إلى مفاوضات دبلوماسية أصعب من المفاوضات على نزع السلاح بين أميركا والسوفييت.
لذلك عوّدت نفسي من الصغر ألاّ أقف على بائع ولا أشتري بنفسي شيئاً، لا اللحم ولا الخضرة ولا الثياب ولا الأثاث، وإنما
стр. 2551
أوكّل من يشتري لي. وإذا أنا خالفت عادتي واضطُررت إلى شراء شيء رجعت في كل مرة بقصة من أعجب القصص.
من ذلك أني دخلت دكاناً في سوق الحميدية مع صديق لي يحبّ أن يشتري قماشاً لأهله، فتلقّاني صاحب الدكان مسلّماً ومعظّماً، وأهوى لتقبيل يدي لأني كما يقول أستاذه وصاحب الفضل عليه: أهلاً وسهلاً بسيدنا، يامرحباً، مَن علّمني حرفاً كنت له عبداً، قُل لي ياأستاذ ماذا تأمر لأخدمك بعيوني؟
ولم أكن آمر بشيء، ولكن هذا المدح وهذا التعظيم وأن الرجل سيخدمني بعيونه قد خدّر أعاصبي، كما يخدّر الصيادُ الأسدَ والنمر بإبرة يطلقها عليه أو كما يخدّر الحاوي في الهند الحية الخطرة حتى ترقص بين يديه. والإنسان مفطور على محبّة الثناء. فنظرت فاخترت لوناً من الحرير أعجبني، فسألته عن ثمنه فضحك وقال: أي ثمن؟ محلّك ياأستاذ.
فحسبته أنه سيُهديه إليّ وحلفت أني لا آخذ إلاّ بالثمن، ولكن أطلب أن يبيعني بربح معقول. قال: برأسمالي، لا أريد منك ربحاً أبداً. وراح يحلف بذمّته ودينه وأبيه وأمانته وشرف آبائه وعظم أجداده، وما لا أذكر الآن من الأيمان التي لا يجوز أن يحلف بها مسلم، أنه لا يبيعني إلاّ برأس المال. وكان في داري يومئذ خمس نسوة، عمّتي وأختاي وزوجتي وبنتي الكبرى، وبناتي الصغيرات، فاشتريت لهن جميعاً، وبلغ الثمن قريباً من ثلث الراتب.
وذهبت إلى الدار فقال النساء: متى كنت تشتري؟ وبكم
стр. 2552
اشتريته؟ قلت: احزرن. قلن: بالله عليك إلاّ أن قلتَ. فأخبرتهن بأن الرجل تلميذي وقد خدمني بعيونه فباعني برأس المال وهو كذا. قلن: لقد زاد عليه ثلاثين بالمئة. قلت: مستحيل. قلن: ما قولك إن ذهبَت فلانة الآن (لجارة لهن خيّاطة) فجاءت بالقماش نفسه من المحلّ نفسه بحسم ثلاثين بالمئة؟ قلت: أنا أدفع الثمن وأُهدي إليها القماش.
وذهبَت من فورها إلى الدكان التي اشتريت منها، ورجعَت بعد ساعة وقد أخذته بثلثَي الثمن الذي دفعته أنا، لتلميذي البارّ الذي حلف أنه لا يبيعني إلاّ برأس المال!
* * *
ورأيت يوماً في طريقي إلى المحكمة امرأة كأنها جبل من الشحم واللحم، تميس لا كغصن البان بل كجذع السنديان على ساق أضخم من خصر إنسان، ومعها خادمة رقيقة العظم نحيلة الجسم بادية السقم، ما أظنّ أن عمرها يزيد على سبع سنين. وتحمل للمرأة ولداً عمره ثلاث، ولكنه صورة مصغَّرة لها يُشبِهها كما يشبه الفيلُ الصغير الفيلَ الكبير، منفوخ نفخ الكرة لا يُعرَف طوله من عرضه إلاّ بالحساب والجبر والمثلثات، ولا يُحيط به ذراعها النحيل ولا ينهض به جسدها الهزيل، وهي تخطو به تجرّ قدمها جراً من الإعياء وتلهث من التعب، والمرأة تخطر متعالية.
ففكّرتُ أن أكلّمها وفتّشت في ذهني عن الكلمات التي تصلح لها، ولكني رأيت رجلاً مكتهلاً قد سبقني إليها فقال لها: ياستّ حرام هذه البنت، خذي الولد منها. فوقفت الستّ
стр. 2553
ووضعت يديها في خاصرتيها، ورفعت أنفها ثلاثة أصابع ومدّت شفتيها إصبعين، وقلبت وجهها حتى صار كوجهِ مَن أكل ليمونة بقشرها، وصبّت عليه من فمها سيلاً من أوساخ اللغة وفضلات الكلام، وهرب كل من كان في الطريق من قذارته وسوء رائحته، وهربتُ مع الناس وتركت هذه الصورة بلا تعليق!
* * *
стр. 2554
-١٩٧ -
بقايا من ذكريات رمضان
من أقدم صور الحياة في رمضان صورة منقوشة في ذهني، كلما تذكرتها رأيت فيها رمزاً لحياتنا منذ ثلاثة أرباع القرن وحياتنا الآن.
في جامع بني أمية الكبير في دمشق أمام القبر الذي يقولون إنه قبر يحيىبن زكريا (وليس قبره) ثُريّا ضخمة جداً من قضبان متشابكة بحجم قبة مسجد من المساجد وعلى صورتها، معلَّق فيها مئات من السُّرُج. والسراج كوب صغير من الزجاج مثل كوب الشاي، فيه فتيل من القطن في قليل من الزيت. فكانوا يبسطون تحتها بساطاً واسعاً ليحمي سجّاد المسجد من وَضَر الزيت ثم يُنزِلونها حتى توضع على الأرض، ويُباشَر بإيقاد السرج من بعد صلاة المغرب إلى قُبَيل أذان العشاء، فيزدحم عليها الأولاد وقد عمّتهم فرحة عجيبة وغمرهم سرور لا يوصف، وهم يصعدون القبّة من جوانبها وبأيديهم أعواد الكبريت يقرّبون شعلتها من فتيل السراج حتى يشتعل. والقبة معلَّقة بحبل غليظ تدور به بكرة، فإذا أُوقِدَت شدّوا الحبل فارتفعَت والسّرُج تتراقص شعلها، فكأن سماء رُكّبت فيها (كما قال البحتري).
стр. 2555
ثم كرّت الأيام فوضعوا مكان هذه السرُج مصابيح كهربائية صغيرة، لا تُوقَد من الشجرة المباركة بل من التيار الكهربائي الخفيّ الذي لا يُرى، ولا يمضي في إشعالها ما بين المغرب والعشاء بل نشعلها كلها بلمسة زرّ في الجدار فتضيء في مثل لمح البصر.
أليس هذا هو مثال حياتنا في تلك الأيام وحياتنا الآن؟ ألسنا الآن في عصر السرعة؟ لقد ربحنا الوقت ولكن خسرنا المشاعر والأحاسيس.
لقد أمضيت على الطريق من جدة إلى مكة لمّا جئتها أول مرة من ثلاث وخمسين سنة (سنة ١٣٥٣) اثنتي عشرة ساعة في السيارة، حملنا فيها المَشاقّ وقاسينا المتاعب، ولكنها أثارت في النفس مشاعر وأبقت فيها ذكريات لا أزال أتحدّث عنها إلى الآن. ونصل الآن من جدة إلى مكة في أقلّ من أربعين دقيقة، ونصل في مثلها بالطيارة من المدينة إلى جدة، ولكن لا تثور في النفس مشاعر ولا يبقى بهذه الرحلة ذكريات.
فنحن نركض دائماً كأننا في سباق، ولا ندري إلامَ نتسابق. لا نقف ولا نفتر ولا نبطئ، ركض من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق، لا نثبت في مكان. مَن كان في مكة ذهب في عطلة الأسبوع إلى جدة، ومن كان في جدة جاء مكة، كل يطلب التبديل. فإذا قدم رمضان تنبّه الرَّكْبُ وتلفّت مَن فيه إلى الوراء ينظرون من أين بدأ المسير، وإلى الأمام يرون إلى أين المصير. فرمضان محطة على طريق العمر ووقفة تأمّل وتبصّر.
* * *
стр. 2556
ومن الصور التي اختزنتها من الصغر واحتفظت بها وأنا أحملها في زحمة الحياة، ثم فُقدت من حولي وكادت تضيع من ذهني: صورة البوّابات.
هل تعرفون ما البوابات؟ لم يكن الأمن وأنا صغير قبل سبعين سنة أو أكثر من سبعين، لم يكن الأمن مستتباً أواخر عهد العثمانيين، وكانت الحكومة المحلّية ضعيفة والمركزية في إسطنبول بعيدة. وكانت قد عادت دمشق في كثير من أحوالها (كما عادت مدن من أمثالها) إلى مثل عهد الجاهلية الأولى، فكان القوي يعدو على الضعيف، وكان في كل حيّ قبضاياته وزكرتيّته، وكان يسطو بعض الأحياء على بعض ويغزو بعضُها بعضاً. فاتّخذ أهل كل حيّ باباً كبيراً، بوّابة تُغلَق من بعد العشاء ولا تُفتَح إلاّ بعد الفجر، يقوم وراءها الحارس الليلي (الخفير) ولا يفتح الباب إلاّ لمن يعرفه ويثق به.
وأذكر وأنا صغير جداً في نحو الخامسة أن أمي أخذها الطلق، فبعثوا بجارة لنا وأنا معها لتأتي بالقابلة، فمررنا بالبوابة، فصاح بنا الحارس من ورائها يقول: مَن؟ قلنا: مُطْلِقة (أي امرأة أخذها الطلق) قال: قفوا في اليمين حتى أراكم. ونظر من طاقة الباب وأدرك أنه لا يُخشى خطر منا ففتح لنا الباب.
فإذا كان شهر رمضان فُتحت البوابات الليل كله وزادت الأنوار في الحارات، وكانت تُضاء بالكهرباء، جاء بها وبالترام الوالي التركي ناظم باشا قُبَيل مولدي. وناظم باشا هو باني حيّ المهاجرين، وفي كتابي «دمشق» قصة إنشاء هذا الحي وفي كتابي
стр. 2557
«قصص من الحياة» قصته (١) لمّا قدم دمشق أواخر أيامه. دمشق التي كان واليها وكان إليه وحده أمرها وله الحكم فيها، فتبدّلَت الحال وتغيّرت الدنيا، فلم يعرفه لمّا جاء أحد. وهكذا الناس، فيا خيبة من اطمأنّ إلى الدنيا وحدها!
كانت المصابيح في الطرق ضئيلة والطرق تكاد تكون مظلمة، فإذا جاء رمضان أنيرت الطرق ومشى فيها الناس الليل كله، لذلك قلت من أيام للصديق الأستاذ ماجد شبل في مقابلة له معي في الرائي لمّا سألني عن شعوري عندما يجيء رمضان، قلت له: إن قدوم رمضان مقترن في نفسي بالنور: نور في الحارات بعد الظلام، ونور في المساجد وفي البيوت حيث يسهر في الليل النّيام، ونور في القلوب هو ضياء الإسلام.
* * *
ومن المشاهد التي ذهبَت مع أمس الدابر، ألغاها انتباه الناس وازدياد معرفتهم بالإسلام، وقرّر إلغاءَها الشيشكليُّ لمّا كان هو الحاكم؛ وهي ما كان يجري ليلة السابع والعشرين من رمضان في الجامع الأموي: يسهر الشاميون فيه الليل كله، فإذا كان السحر جاء «المولَويّة» يدورون فيه أو يرقصون (كما كان يقول علماؤنا) رقصاً يعجز عن مثله الراقصون المحترفون. وكنا ونحن صغار نراه شيئاً عظيماً، نحرص عليه ونتسابق إليه.
والمولوية طريقة صوفية منسوبة إلى جلال الدين الرومي، وهو شاعر كبير في اللغة الفارسية يعدّونه من كبار الشعراء الصوفية،
стр. 2558
ولكن طريقته لا أصل لها في الشرع ولا فرع. وهم يتخذون إزاراً ضيقاً من أعلاه من عند الخصر واسعاً من تحت، ثم يدورون فيه، لا دورة ولا دورتين ولا تستمرّ دوراتهم دقيقة ولا دقيقتين، بل نصف ساعة أو ساعة لا يقفون ولا يستريحون، والإزار ينفتح حتى يصير مثل المخروط الناقص في الهندسة، وعلى رؤوسهم قلانس طويلة مثل علب اللّبَن التي كانت على أيامنا بشكلها ولونها. ولقد كتبت أنكر صنيعهم هذا (كما أُنكِر أمثاله من البدع التي استُحدثت في الإسلام) في «رسائل الإصلاح» التي أصدرتُها وطبعتها سنة ١٣٤٧هـ، أي من ستّين سنة إلاّ سنة واحدة.
وكنا ننزل من الصالحية إلى بيت خالتي الكبرى، وهذا البيت يستحقّ مني وقفة عليه قصيرة فهو بيت العجائب؛ تقيم فيه خالتي، وهي بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب شقيقة محب الدين، وهي التي ربّته بعد أمه، وأولادها: الشيخ شريف، مدير المدرسة الأمينية التي طالما كان لها في نفسي ذكريات، والتي بدأت التعليم فيها سنة ١٣٤٥هـ وعلّمت فيها سنين وسنين ولي فيها أخبار طوال سبق ذكر بعضها. وأخوه الشيخ سهيل، وهو رجل عبقري في الفنّ متفرد في الشخصية، كان ضابطاً صغيراً أيام الحرب الأولى، وكان -مثل أكثر آل الخطيب في الشام- أزرق العينين أصفر الشعر، فجعلوه مرافقاً للقائد الألماني الذي قاد الجيش في حرب التّرعة ورجع منها خائباً. فمن كان يرى هذا الضابط الصغير لا يظنّه إلاّ ألمانياً.
ثم لمّا قامت نهضة العلماء لزم ابنَ عمّه الشيخ هاشم الخطيب الذي كان أحد الشيخين لهذه النهضة، أولهما وأكبرهما
стр. 2559
الشيخ علي الدقر. فاتخذ عمامة لها عَذَبَتان، كان ينفرد بها لا يشاركه أحد في حمل مثلها. وأخذ على نفسه ألاّ يسمع بسنّة من سنن الرسول ﵊ إلاّ فعلها، فقرأ أن الرسول كان شعره يصل تارة إلى منكبَيه وتارة إلى شحمتَي أذنيه فأطال شعره، وكان مثل أسلاك الذهب. وعمل بعد تَرْكه الجيشَ في بيع العطر في سوق البزوريّة في الشام الذي يقصده السياح، فصار فرجة السائحات من النساء يقفنَ عليه ويصوّرْنَه.
وكان فنّاناً رسّاماً، فلما سمع أن الرسم حرام ترك رسم الأحياء. وصنع شجرة لآل الخطيب (وهم أسرة أمي وزوجتي) وهي من الأسر التي تدّعي أنها متصلة النسب بالسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﵊، والله أعلم بصدق الدعوى، فما نكذّب أحداً في نسبه ولا ينبغي لنا، ولا نستطيع أن نصدّق كل مدّعٍ شرفَ النسبة إلى الرسول ﷺ . فصنع شجرة على لوحة من القماش المشمَّع طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة وضعها في صدر إيوان الدار، لمّا كنا نسكن تلك الدور الشامية التي كانت مصيفاً ومشتى وكانت داراً وبستاناً، وكانت قصوراً يضحك فيها الرخام والمرمر وتغنّي فيها النوافير فوق البِرَك، ويُزهِر فيها الفلّ ويعرش الياسمين وتمتدّ فوق سطحها دوالي العنب، هذه الدور التي قفزت البحر المتوسط -بطوله لا بعرضه- فوصلت إلى الأندلس وإلى المغرب، ولا تزال موجودة فيها. فلما أصابتنا النكسة في عاداتنا وهجرنا هذه الدور، وسكنا صناديقَ من الإسمنت ليس فيها بِرَك يجري فيها الماء ولا أشجار يتدلى منها الثمر ويرقص على أفنانها الزهر، ولا تستر نساءنا ولا تكتم
стр. 2560
أسرارنا، ودَنَت سقوفها من الأرض فخفضنا لذلك رؤوسنا ... لمّا كان ذلك لم يعُد لهذه الشجرة مكان، فكلّمتُ متحف الفنون الشعبية فاشتراها بألف ليرة من نحو أربعين سنة، وهي تعدل اليوم أكثر من عشرين ألفاً.
وهذه الدار إحدى الأعاجيب، ولعلّي أعود يوماً إلى الكلام عنها.
* * *
ومن الصور الرمضانية في مصر اثنتان كنت في كليهما مع الأستاذ الزيات؛ أخذني أولاً إلى قصر عابدين وقد مُلئت ساحته بالكراسي وفُتحت أبوابها للداخلين، وجاء الملك فاروق بالقرّاء يقرؤون القرآن بالأنغام ويعدّدون القراءات، فمن رواية حفص عن عاصم إلى وَرْش عن نافع إلى غيرهما، وكلما ازداد تعداد القراءات والتنقل بين المقامات والتفنّن في النغمات كان ذلك أدعى لإعجاب الناس وقولهم: الله، الله، ما شاء الله، الله أكبر! كأنهم يسمعون أحد المغنّين أو إحدى المغنّيات في ملهى من الملهيات، والله يصف المؤمنين بأنهم الذين ﴿إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلوبُهم، وإذا تُلِيَتْ عَليهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيماناً﴾، فهل زادت هذه الآيات السامعين إيماناً أم زادتهم طرباً؟
لقد عدّها الناس يومئذ مزيّة للملك فاروق. وتلاوة القرآن في مصر تُعَدّ قربة لذاتها، ومن عادة الوجهاء والكبراء أن يفعلوا مثل الذي فعل الملك فاروق، بل إنه أراد القربة إلى الله والتحبّب إلى الناس بأن يفعل مثلما فعلوا. حتى إن من التجار من يأتي بقارئ