← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قُمْ في فَمِ الدّنيا وحيِّ الأزهرا ... وانثُرْ على سَمعِ الزّمانِ الجَوْهرا ومطلع الشامية الأخرى: قُمْ ناجِ جِلّقَ وانشُدْ رسمَ مَن بانوا ... مشَتْ على الرّسْمِ أحداثٌ وأزمانُ ولقد أحسّ بهذا فقال: ومعذرةُ اليراعةِ والقوافي ... جلالُ الرُّزءِ عن وَصفٍ يَدِقُّ وما قصّر مع ذلك في الوصف، فلقد وصف نكبة دمشق التي لم يصدّق خبرها لهول ما سمع عنها: رِباعُ الخُلدِ ويحك ما دهاها؟ ... أحقٌّ أنها درَسَتْ، أحَقُّ؟ وأينَ دُمى المَقاصرِ من حِجالٍ ... مهتَّكةٍ وأستارٍ تُشَقُّ ثم يصف الحور التي كانت مقصورات في الحِجال حين هُدمَت عليهن الدار وهُتّكت الأستار، فخرجن ومِن حولهن النار، التي أضرمتها حضارة المتحضرين الذين انتدبوهم ليدلّونا على طريق المدنية ... وأولادهن تحوطهم الأخطار، ولا يدرين أيّ طريق يسلكن للفرار: بَرزْنَ وفي نواحي الأَيْكِ نارٌ ... وخلفَ الأَيكِ أفراخٌ تَزُقُّ إذا رُمنَ السّلامةَ من طريقٍ ... أتَتْ من دونِهِ للموتِ طُرْقُ بِلَيلٍ للقذائفِ والمَنايا ... وراءَ سمائه خَطْفٌ وصَعْقُ إذا عصَفَ الحديدُ احمرَّ أُفْقٌ ... على جَنباتِهِ واسودَّ أُفْقُ سلي مَن راعَ غيدَك بعدَ وهنٍ (١) ... أبينَ فؤادِهِ والصّخرِ فرقُ؟

стр. 282

ثم جاء بيت فيه حقيقة ننساها دائماً، وكان علينا أن نتذكّرها دائماً: وللمستعمِرينَ وإنْ ألانوا ... قلوبٌ كالحِجارةِ لا تَرِقُّ رحمك الله يا شوقي، لَهُمْ والله قلوب كالحجارة، ولكنهم يُلبِسون الحجارةَ ثوباً من ناعم الحرير فتخدعنا نعومة ظاهرها عن قسوة ما فيها. * * * أمّا صديقنا، بل أستاذنا خير الدين الزركلي، فليس من رجال شوقي ولا من طبقته، ولا أسلوبه من أسلوبه، على الرغم من أن شوقي آذاني بهذه القافية التي أحسّ كلما تلوت القصيدة كأنها مطارق تنزل على رأسي: دقّوا، دقّوا، دقّوا. ﵀، ما الذي جعله يختار حرف القاف من بين سائر الحروف؟ على أنه أحمد شوقي شاعر العرب، الذي لم يأتِ بعد أحمد المتنبي شاعر أشعر منه، ولا أحمد شيخ المعرّة صاحب اللزوميات. ولكني أفضّل هنا قصيدة الزركلي على قصيدته، لا أفضّل الزركلي ولا غيره عليه هو. الزركلي ابن الشام، ومهما كان البعيد فإنه لا يشعر بمأساة البلد شعور ابن البلد. وأسلوب الزركلي هنا أسلس وأليَن، وإن كان أسلوب شوقي أقوى وأمتن، وقافية شوقي كأنها الطريق الوعر فيه الحجارة والصخر، وقافية الزركلي كالسلسال الجاري والجادة المعبَّدة السهلة. والزركلي كان حيناً أشعر شعراء دمشق الأربعة، وإن كان قد انقطع عن الشعر من نصف قرن وانصرف إلى التأليف، فترك كتاباً من أعظم

стр. 283

ما أُلِّف في هذا العصر وهو «الأعلام». مطلع قصيدة الزركلي: الأهْلُ أهلي والدّيارُ دياري ... وشِعارُ وادي النَّيْرَبينِ شعاري (١) ما كان مِن ألمٍ بجِلّقَ نازِلٍ ... وارى الزّنادَ فزَندُهُ بي واري إنّ الدّمَ المُهراقَ في جَنَباتِها ... لَدمي، وإنّ شِفارَها لَشِفاري دَمعي لِما مُنيَتْ به جارٍ هُنا ... ودمي هناكَ على ثَراها جاري كان الشاعر في مصر، فرّ إليها وأقام بها لمّا حكم عليه الفرنسيون بعد ميسلون، كما فرّ إليها الدكتور شهبندر والأستاذ محبّ الدين الخطيب، وفرّ إلى فلسطين الشيخ كامل القصاب. والمدرّسون يعلّمون الطلاب أن الأسلوبَ العلمي يعتمد على الأفكار والأسلوبَ الأدبي على الصور، وأن الفكرة توصف بأنها صحيحة أو غير صحيحة أما الصورة فتوصف بأنها جميلة أو غير جميلة. وقصيدة الزركلي مملوءة بالصور، ولكنها ليست كالصورة في القصيدة العاطفية المَدار فيها على الجمال وحده، بل على الجمال والحقيقة، لأن هذه القصيدة وأمثالها تاريخ فنّيّ، أو فنّ تاريخي. أريد أن أقول إنها لا تكمل إلاّ إن جمعت بين الصدق وبين الجمال. الصدق لأنها تاريخ ليست خيالاً، والجمال لأنها أدب ليست مجرد وثيقة. وقد جمع الزركلي فيها الحسنتين: خبر موثوق في أسلوب جميل:

стр. 284

يا وامضَ البَرقِ (١) اطمئنَّ وناجِني ... إنْ كُنتَ مطّلِعاً على الأسرارِ ماذا هناكَ؟ فإنّ صوتاً راعَني ... والصوتُ فيهِ جفوةُ الأذْعارِ وجاءه الجواب يبيّن ماذا هناك: النارُ مُحدِقةٌ بجِلّقَ بعدَما ... تركَت «حماةَ» على شفيرٍ هاري الطفلُ في يدِ أمّهِ غرَضُ الأذى ... يُرمى وليسَ بخائضٍ لِغِمارِ والشيخُ متّكئاً على عكّازِهِ ... يُرمى وما للشيخِ من أوزارِ لَهفي على المتخلّفينَ برَحبِها ... كيفَ القرارُ ولاتَ حينَ قرارِ كيف يَقَرّون وهم يرون الظالمين يرصدونهم، يُعِدّون لهم كأس الموت وعدّة الهلاك، إنهم: يترقّبونَ الموتَ في غَدَواتِهمْ ... وإذا نجَوا فالموتُ في الأسحارِ والظلمُ منطلقُ اليدَينِ محكَّمٌ ... يا ليتَ كلَّ الخَطْبِ خَطْبُ النّارِ ثم انطلق يرثي دمشق وحماة، وكل ما دمّر الآثمون وما قتلوا وما شرّدوا، يسائل الديارَ عن أهلها والقصورَ عن سكّانها والرياضَ عن قُطّانها: أُمَّ القصورَ نواعماً ربّاتُها ... ما للقصورِ دواثرَ الآثارِ؟ أُمَّ الجِنانَ الكاسياتِ رياضَها ... حُللُ السّنا ما للرّياضِ عَواري؟ أُمَّ الحياةَ ولِلحياةِ نَعيمُها ... هل في ديارِكِ بَعدُ مِن دَيّارِ؟ زهوُ الحضارةِ أنتِ مطلَعُ شمسِهِ ... أفتغتدينَ وأنتِ دارُ بوارِ؟

стр. 285

أكُلّ هذا يُرتكَب باسم الحضارة؟ ويحَ الحضارةِ كيفَ يَمتهنُ اسمَها ... متكالبونَ على الضِّعافِ ضواري ولكن الضيم لا يدوم وربما ثار المظلوم، والإحراج يسبّب الإخراج، واللوم يومئذٍ على الظالمين: هُم أحرجوكِ فأخرجوكِ مَهيجةً ... فصرختِ فيهِمْ صرخةَ الجبّارِ وإذا الظّلامُ عتا تبلّجَ فجرُهُ ... ظُلمُ الحوادثِ مَطلَعُ الأنوارِ فلا تيأسي إنْ دُمّرتِ، فإنّ ما هُدِم يُبنى وما ذهب يُعوَّض: ما دمّروكِ هُمُ ولكنْ دمّروا ... ما كانَ فيكِ لهُمْ من استعمارِ * * * لقد رأيت في هذا القرن الذي عشت ثلاثة أرباعه مواقف كانت أسواقاً للشعر وميادين سباق للبلغاء، لا يبقى شاعر لا ينظم فيها قصيدة فتكون معارض للبيان. يوم مات سعد مثلاً، ويوم بويع شوقي بإمارة الشعر، ويوم مات شاعرا العربية شوقي وحافظ ... ومِن هذه المواسم الأدبية الثورة السورية. لقد عرضت هذه المختارات من قصيدتَي شوقي والزركلي لأني ألقيتهما وحفظتهما، وعندي (في ذهني وتحت يدي) قصائد أُخَر مِمّا قيل في الثورة، أكثرها ضاع ولم يبقَ مِمّن يحفظه إلاّ القليل. فهل ترون أن أجعل حلقة أخرى من هذه الذكريات للإشارة إليها وإيراد مختارات منها؟

стр. 286

إنها ليست من صلب موضوع الذكريات ولكنها تأتي على هامشه، ولعلّ فيها متعة لكم ومنفعة أكثر مِمّا في هذه الذكريات، فهل تحبون أن أتكلم عنها؟ إن قلتم نعم فموعدنا الحلقة القادمة إن شاء الله، وإن قلتم لا، فالأمر لكم. * * *

стр. 287

-٢٩ - من شعر الثورة الجهاد جهاد بالنفس وجهاد بالمال وجهاد باللسان، ولئن خاض ميدانَ القتال (أيام الثورة السورية) رجالٌ أبطال بسلاحهم وأيديهم، فلقد خاضه الشعراء بألسنتهم وبقصائدهم. والله يجزي الناس بنيّاتهم وبإخلاص عملهم لربهم، ولكن البشر يَزِنون الناس بأعمالهم، وقد ذهب ما صنع المقاتلون في المعارك ونسيناه وأحصاه الله، وبقي ما قال الشعراء. أفرأيتم بقاء الأدب في الدنيا ومصارعته النسيان؟ الذي لديّ من ذلك (أحفظه في ذاكرتي أو أجده مدوّناً عندي على خلاف عادتي) كثير، فيه تاريخ الثورة، فإن لم تهتموا بهذا التاريخ فإنكم واجدون فيه صوراً من حياة الناس في تلك الأيام وأنماطاً من أساليب الشعراء المتعدّدة في الموضوع الواحد. هذا يوم كان الشعر شعراً وكان الأدب أدباً، يوم لم يكن قد ظهر هؤلاء الذين عجزوا عن الشعر، لم يستطيعوا أن يصعدوا إليه فحاولوا إنزاله إليهم، ولم يقدروا أن يحملوا أنفسهم على ما يستلزمه من بلاغة المنطق وموسيقية التعبير واتساق أبيات القصيدة

стр. 288

في وزنها وفي قافيتها، فحمّلوا الشعر ركاكتهم وعامّيتهم ونشاز موسيقاهم، فكانوا كمن يشارك في جوقة تغنّي من مقام انسجم معه السامعون وألفته آذانهم، فغنّى من مقام آخر فشكّ الآذان وأذهب الطرب. ولكن المصيبة أن الكلام لا ينفع معهم لأنهم مثل الصمّ وأنت تقوم بينهم تعرّفهم مزايا الأنغام والفوارق بين المقامات، فهل يدرك الصمّ (أي الطرشان) دقائق النغمات؟ * * * وكان من كبار شعراء الشام شفيق جبري، وإذا مدحته اليوم فلطالما اضطرّتني ظروف الحياة إلى الهجوم عليه ونقده. كان رئيس ديوان المعارف، وذلك كوكيل الوزارة اليوم، والذي يتولى عملاً إدارياً له صلة قوية بالناس يكثر خصومه. وكنت شاباً مندفعاً فهاجمته مرات، ولما فُتحت مدرسة الأدب العليا (وكان مديرها سنة ١٩٣٠ أو ١٩٣١) وعرّف الأدبَ بأنه أُلهيّة شريفة رددتُ عليه برسالة مطبوعة عنوانها «الأدب القومي»، ولكن لما نُحّي عن منصبه وجاؤوا بدكتور اسمه كامل أشرفية هاجمت الدكتور ومدحت جبري، ووضعت في رأس المقالة كلمة ابن هبيرة: «ما رأيت كالفرزدق، هجاني أميراً ومدحني معزولاً». وأشهد الآن وقد مضى للقاء ربه أنه كان شاعراً، ولعله أشعر أهل الشام، حاشا السنوات التي سبقت دخول الفرنسيين والتي توالت بعدها واتّقدت فيها شاعرية خير الدين الزركلي وجاء بتلك الروائع.

стр. 289

نُشِرَت قصيدة جبري أيام الثورة (ولم يصرّح فيها باسمه). أسلوبه فيها وفي غيرها الأسلوب الأنيق النظيف، وإن لم يكُن بالأسلوب المتدفق الذي تحسّ بأنه ينطلق مندفعاً من طبع شعري غزير النبع. في شعره روح من نفَس البحتري، وإن كان البحتري أجمل أسلوباً وأكثر طبعاً. مطلع القصيدة: مجدُ العروبةِ أقفرَتْ عَرَصاتُه ... والضَّيمُ حلّ، فأينَ أينَ أُباتُه؟ جُرحٌ بسَيفِ البَغيِ آلَمَ وَقعُهُ ... كَبِدَ الحياةِ فأينَ عنهُ أُساتُه؟ وإذا الهوانُ دهى الحياةَ فموتُ مَنْ ... أَنِفَ المُقامَ على الهَوانِ حياتُه ثم يشكو علّة كانت فينا (ولا تزال فينا)، هي أنّ منّا من يُعين عدوّنا علينا ويكون معه من دوننا: هل يبلُغُ الوطنُ المفدّى حقَّهُ ... وإلى بَنيهِ مِنَ البنينَ شكاتُه؟ أيُشادُ معهدُ عزِّهِ وزِمامُهُ ... بِيَدِ العدُوّ وهادِمُوهُ بُناتُه؟ ثم يذكر الجيوش التي حشدها العدو فوقفت لها وظفرت بها جماعات الثوار: وفيالقٍ حشَدَ العدوُّ خَميسَها ... في مأزِقٍ غُصّتْ بهِ لَهَواتُه طَلعَتْ عليهِ كتيبةٌ عربيةٌ ... فجرَتْ على أسيافِها مُهجاتُه فإذا رأيت الأسد سجيناً في قفص فلا تظنّ أنك تمكّنت منه، فإنه إذا كان الصدام رجع أسداً كما كان: لا تزدرِ الليثَ الحبيسَ فربّما ... عادَتْ -وقد شهِدَ الوغى- وَثَباتُه وأعاد الصورة التي ذكرها شوقي حين ذكر الأيك والنار التي شبّت من ورائه فقال:

стр. 290

ليسَت لِيَعرُبَ فِتيةٌ لم تُحيِهِ ... في موقفٍ عَجّتْ بهِ فَتَياتُه برَزَت فغيرَ الدّوحِ لم ترَ مَفزَعاً ... تحنو على أطفالِها أثَلاتُه أتبيتُ نهبَ العادياتِ خُدورُها ... ويضمُّها الوادي ومُنعطفاتُه؟ لا أعذرُ الصخرَ الأصمَّ وقد وعى ... تَنحابَها ألاّ تلينَ صَفاتُه والدوح والأيك البساتين التي التجأت إليها اللواتي هُدّمَت دورهن وشُرّدنَ هُنّ وأطفالهن. * * * وثالث شعراء دمشق الأربعة الكبار يومئذٍ هو خليل مردم بك، له قصيدة يقول في مطلعها إن دمعه غاض فمَن يساعده على ذرف العبرات: أمدّهُ الدّمُع حتى غاضَ جائدُهُ ... فمَن بأدمُعِ عينيهِ يُرافِدُهُ؟ وهو معنى قديم مطروق عبّدَته -من كثرة ما مشت فيه- أقدامُ الشعراء: نَزَفَ البكاءُ دموعَ عينِكَ فاستعِرْ ... عيناً لغيرِكَ دمعُها مدرارُ مَنْ ذا يُعيرُكَ عينَهُ تبكي بها ... أرأيتَ عيناً للبكاء تعارُ؟ (١) ثم يصف ضرب دمشق بالمدافع وإشعال النار في بيوتها: أمسى الذي كانَ في جنّاتِها فرِحاً ... بمارجٍ مِنْ سعيرِ النارِ واقدُهُ النارُ من فوقهِ والنارُ دائرةٌ ... به، فإنْ خرَّ أردتْهُ رواصدُهُ

стр. 291

في كلّ زاويةٍ رامٍ ومَنْ نفَروا ... شيباً وحُوراً وأطفالاً طرائدُهُ ورُبّ مكنونةٍ كالدرِّ ضُنَّ بِهِ ... على العيونِ فصانتهُ نواضدُهُ وانظر هذه الصورة التي لم تكُن بنت الخيال بل كانت بنت الواقع، صورة الأم التي قتلوا بعلها فهربَت تحمل طفلها، فأصابته شظيّة بترت يده، فضمّت إلى صدرها جسداً جريحاً ينزف دماً: تخطّتِ النارَ ليلاً وهْيَ حاملةٌ ... طفلاً قضى برصاصِ القومِ والدُهُ فما تناءَتْ بهِ حتى أتيحَ له ... شظيّةٌ بانَ منها عنهُ ساعدُهُ ضمّتْ إلى صدرِها شِلْواً يسيلُ دماً ... كالطيرِ هاضَ جَناحاً منهُ صائدُهُ لقد تمنّى -لهول ما رأى- أن يكون أعمى حتى لا يرى: يا هولَ ذلكَ مِن مرأىً شهِدْتُ وقدْ ... ودِدْتُ لو كنتُ أعمى لا أشاهدُهُ * * * أما محمد البزم، رابع الشعراء، فهو جزل الألفاظ ضخم التراكيب، وإن كنت كتبت عنه وأنا طالب لمّا هجا أستاذنا الجندي في مجلّة الميزان عند أحمد شاكر الكرمي فقلت: إن شعره جدار من الحجارة لكنها مركومة ركماً ما بينها ملاط. وكان ذلك في أواسط العشرينيات. قصيدة البزم طويلة، على عادته في أكثر قصائده. سبعة وتسعون بيتاً من بحر واحد وقافية واحدة، وهي قافية تصلح للحماسة كما تصلح للغزل والرثاء، فهي من أليَن القوافي وأطوعها، ومن أرقّها إن شئت ومن أقواها. مطلعها:

стр. 292

غادِرْ دمشقَ ويمِّمْ دارَ سلطانا ... على السُّوَيداءِ لا تحفلْ بمنْ مانا فتى العروبةِ، دفّاع الكتيبةِ قدْ ... ضمّتْ أَشاويسَ وضّائينَ غُرّانا فيها مقطع عن حسن الخراط مطلعه: مَنْ مبلِغٌ مِنْ بَياني كلَّ شاردةٍ ... فتى العُلا حَسَناً حمداً وشكرانا وفيها نداء للجزيرة وأهلها: بني الجزيرةِ والأنسابُ جامعةٌ ... والحازمُ الشهمُ يلقى الدهرَ يقظانا يقول لهم: أما سمعتم -وأنتم إخوتنا في الدين وفي العروبة- بما نقاسيه؟ فكيف تقعدون عن نصرتنا؟ كيف تنامون على سُرُر النعيم ونحن نتقلّب على جمر الغضى؟ كيف تقرون (١) أسماعكم أصوات بلابل المغنّين وعنادل المغنّيات، ونحن لا نسمع إلاّ أصوات البارود يتفجّر والدور تنهدم، والأيامى يصرخن ولا من مجيب، واليتامى يبكون ولا من سامع؟ أينَ الحميّةُ، بل أين العروبةُ، هلْ ... غاضَ الوفاءُ وآضَ الوُدُّ هُجرانا؟ وينادي بني الشام: قَومي بني الشامِ هل مُصغٍ فأُسمِعَهُ ... قولاً يؤجّجُ في الأحشاءِ نيرانا ويقول للفرنسيين: أبناءَ «غَلْيةَ» (٢) لا كانَ انتدابُكمُ ... فقدْ أَسالَ دماءَ العُرْبِ غُدْرانا

стр. 293

لا تُرهِقوا العُرْبَ، فالعُرْبُ الكرامُ لهم ... إن أُرهِقُوا وَثبةُ الضّرغامِ غَضبانا ويا بني «السينِ» (١) نصحاً لا مِراءَ بهِ ... والنصحُ يسمَعُهُ ذُو الطيشِ أحيانا دعوا الشآمَ وخلّوا القاطنينَ بها ... ويمّموا غيرَ ذي الأوطانِ أوطانا * * * ولصديقنا، بل أستاذنا، عزّ الدين التنوخي قصيدة مطلعها: قِفْ في المنازلِ نادباً أطلالَها ... ماذا يُفيدُكَ أنْ تُطيلَ سُؤالَها؟ قدْ أُحرِقَتْ عمداً دمشقُ فلم تعُدْ ... تصفُ الجميلةَ للورى وجمالَها لا وصلُها ذاكَ الوصالَ وأهلُها ... في الغُوطتينِ ولا الدّلالُ دلالَها النارُ تُمطِرُها العشيّةَ وابلاً ... والعِلجُ ويلَ العلجِ جاسَ خلالَها لبِثَتْ ثلاثاً (٢) والمدافعُ قُذَّفٌ ... الرّعدُ يقصِفُ ما حكى جلجالَها ثلثا دمشقَ يُهدَّمانِ تمدّناً ... ومنَ الدماءِ ترى بهِ أسيالَها إنّ الدخانَ إلى السما متصاعِداً ... يشكو الحضارةَ والوحوشَ رجالَها والقصيدة في ثمانية وأربعين بيتاً كلّها من هذا النفَس: شعر مطبوع وبحر طيّع، وقافية لعلها أوسع القوافي وأسهلها وأصلحها

стр. 294

لكل فنّ من فنون الشعر. وَصَف المشهد الذي تكرّر في قصائد الشعراء، مشهد المخدَّرات قد رُوّعن فخرجن مذعورات، والرجال الذين قُتلوا، والأطفال الذين شُرّدوا. فيا ليت واحداً من طلاّب الأدب يأخذ هذه الصورة وما قال فيها كل شاعر، فيدرس في ذلك مذاهب الشعراء وأساليب القول: يا رُبَّ آمنةٍ هناكَ بسربِها ... تغدُو لتُصلِحَ دارَها وعِيالَها أمسَتْ وما غيرَ السماءِ لِحافُها ... ظلماً ولا غيرَ الطريقِ حِمىً لَها برَزَتْ تصيحُ وشَعرُها متفرّقٌ ... ستَرَتْ بهِ حذَرَ العيونِ جمالَها وهناكَ نائحةٌ تنوحُ لبعلِها الثّـ ... ـاوي وتندبُ بعده أطفالَها الله للأطفالِ كيفَ غدتْ لقىً ... صرْعى القنابلِ بعثرَتْ أوصالَها ووصف ما لقيَت حماة فقال: أعلِمْتَ أنّ حَماةَ لم يَدَعُوا بها ... حَجَراً على حَجَرٍ يُريكَ ظلالَها عرّجْ على الوادي فليسَ بهِ سوى «الـ ... ـعاصي» يُريقُ منَ الدموعِ سجالَها وسوى النواعيرِ التي بنُواحِها ... تبكي حَماةُ نساءَها ورجالَها * * * ولمحمد الشريقي قصيدة يقول فيها: أرأيتَ جِلّقَ والنيرانُ تأكُلُها ... ومارِدُ الغدرِ يغشاها فتضطرمُ أمضّها الرُّزءُ حتّى أُفقُها رَجِمٌ ... وهاجها الحُزْنُ حتّى دمعُها ضَرِمُ رسل التمدّنِ والإجرامُ مثلَبةٌ ... وليسَ يصلُحُ للأحكامِ مجترمُ الصخرُ أكثرُ عطفاً من قيادتِكم ... منهُ العيونُ ومنكمْ هذه الحِمَمُ

стр. 295

رُسلَ التمدّنِ إنْ كانت شريعتُكم ... هدمَ البلاَدِ قلىً لاَ كانَ شرعكُمُ لا تحسَبُوا أنّ هذا الشعبَ يرهبُكم ... إذا بغَيتم فبغيُ الناسِ قبرُهُمُ ومن قصيدة وجدتها عندي لشاعر اسمه علي منصور لا أعرفه، من الشعر السهل الطريّ الذي يذكّر بشعر أبي العتاهية: ضعي لظلمِكِ حدّا ... فقدْ تزايَدَ جِدّا وغادِري الشامَ تسكُنْ ... وأرضَ حورانَ تهدا ولا يغرَّنْكِ جُندٌ ... فالحقُّ أكثرُ جُنْدا وعندي لشاعرنا الكبير خير الدين قصيدة قالها في رثاء فؤاد سليم من قُوّاد ثورة الدروز، من هذا الطراز، وإن كانت أحسن سبكاً وأجمل أسلوباً، كأن فيها من روح البهاء زهير حين يقول: إنْ تنسَ عهدي فإني ... واللهِ لم أنسَ عهدَكْ صدَقْتَ والله عهدَكْ ... لا جفَّ دمعيَ بعدَكْ آليْتَ ميتةَ حرٍّ ... ومتَّ تحملُ بندَكْ قضيْتَ حقَّ العوالي ... وأنتَ تقتادُ جُندَكْ عملْتَ للمجدِ حتّى ... أدركْتَ بالموتِ مجدَكْ وللصديق الشيخ محمد سعيد العامودي قصيدة يعارض فيها قصيدة ابن هانئ الأندلسي مطلعها: القومُ قومُكِ والبنونَ بَنوكِ ... والطامحونَ إلى العُلى أهلوكِ يقول فيها: المُلْكُ مُلكُ بني أميّةَ ناطقٌ ... عن أمسِكِ الزاهي وعنْ ماضيكِ والسّؤدَدُ العربيُّ والتاريخُ قد ... شهِدا المحاسنَ في رُبى واديكِ

стр. 296

والمشرَفيّةُ قد رَوتْ وتحدّثَتْ ... عن عزّةٍ قَعْساءَ تكمُنُ فيكِ أدِمشقُ يا بلدَ الكرامِ ومعقِلَ الـ ... أبطالِ في يومِ القَنا المشبوكِ يا موطِنَ الأحرارِ والأخبارِ من ... أهلِ الوفاءِ إذا دعا داعيكِ إن هبّ في أرضِ الجزيرةِ معشرٌ ... فالسابقونَ إلى الأمامِ ذوُوكِ أو ثارَ من بينِ الأعارِبِ ثائرٌ ... فالثائرونَ الأوّلونَ بنوكِ ومن قصيدة الصديق الأستاذ تيسير ظبيان يخاطب القائد الفرنسي: ما جئتَ تُلقي سلاماً في مواطِنِنا ... لكنْ أتيتَ بتضليلٍ وتَمْويهِ لتسلُبَ الشعبَ حقاً لستَ تنكرهُ ... فَكيفَ تَسلُبُ مالاً أنتَ حاميهِ أبِالقذائفِ والنّيرانِ تُرهِبُهُ ... وبالوظائفِ والأموالِ تُغرِيهِ إنّ السيوفَ التي كانت تجرّعُكمْ ... كأسَ المنيّةِ مَا زالتْ بأيديهِ فاحملْ متاعَكَ وارحل عن منازلنا ... «فصاحبُ البيتِ أولى بالذي فيهِ» ومن قصيدة للأستاذ أديب التقي: تلكَ العقائلُ مَنْ أدمى أناملَها؟ ... مَنْ راعَ آمِنَها في الحِنْدِسِ الدّاجِي؟ مَنْ فضَّ بُرقُعَها؟ مَن حلّ مِئزرَها؟ ... من ساقها حاسراتٍ بينَ أفواجِ؟ * * * هذه نماذجُ ممّا قيل في الثورة السورية سنة ١٩٢٥، فيها موضوع دراسة للأديب، وذكرى للمذّكّر، وعِبْرة لعاقل يريد أن يعتبر. * * *

стр. 297

-٣٠ - النجاح في البكالوريا والسّفر إلى مصر مرت بمكتب عنبر قبلنا أفواج وأفواج، لكن لم يلقَ واحد منها ما لقيناه من عقبات عند دخولنا إليه وخروجنا منه. كان مَنْ قبلنا يدخلون إليه من الباب المفتوح، فما هي إلاّ أن يُبْرِزوا الشهادة حتى يُدعَوا إلى الدخول، فوضعوا أمامنا نحن سداً لم نستطع أن نتخطاه بشهاداتنا وحدها بل بمسابقة أجروها بيننا، فلم يدخله إلاّ السابقون منا. وكان مَن قبلنا يمتحن في المدرسة بما تعلّم فيها، فيُمنح إجازتها ويخرج منها، فلما عُدت إلى المدرسة بعد ابتعادي عنها واشتغالي بالمحاسبة وبالتجارة، كان ذلك في سنة ١٩٢٧ وكانت عودتي إلى شعبة الأدب، ووفّق الله وكنت الأول بين رفاقي. في آخر تلك السنة حين لم يبقَ منها إلاّ شهران فوجئنا بإحداث نظام البكالوريا وبقرار الفرنسيين أن تُطبَّق علينا المناهج التي تطبق على طلاب فرنسا، وأن تُقرّر لنا الكتب التي كانت مقرّرة لهم ..

стр. 298

واستعدّ لها من كان أمامنا الاستعداد الذي قدروا عليه في المدّة القصيرة التي كانت قد بقيَت بينهم وبينها، وكانت نسبة النجاح ضئيلة، بل كانت مرعبة إذ كان الناجحون (فيما أذكر) لا يزيدون على ثلث الطلاب. وكان منهم (أو كان فيمن يخطر على بالي الآن منهم) جميل سلطان، وزكي المحاسني، وعبدالكريم الكرمي (أبو سلمى)، وبشير العظمة، ومنير شورى، وعبد الباسط العلمي، ومن حلب أسعد الكوراني. وكنا نحن بعدهم، فتهيأنا من أول السنة لامتحان البكالوريا، ومن العجائب أني تركت شعبة الأدب ودخلت البكالوريا في شعبة العلوم! ومرّت السنة وساقونا إلى الامتحان في البناء الذي كنت حدثتكم عنه لما انتقلَت إليه مدرستنا (السلطانية الثانية) سنة ١٩١٩. هذا البناء القائم بين التكية الكبرى (تكية السلطان سليمان القانون) والتكية الصغرى (تكية السلطان سليم) على نهر بردى، بعمارتها التي تشبه قصراً صغيراً من قصور أوربا في القرون الوسطى. جمعوا فيه لهذا الامتحان الرهيب طلاب الثانوية الرسمية (مكتب عنبر) والمدارس الأهلية الإسلامية، والمدارس النصرانية: العازارية والفرير واللاييك وغيرها، وطالبات هذه المدارس كلها. وجاء اليوم الذي لا أنساه، يوم وقفنا نستمع إلى «دنلوب» سوريا المستشار المسيو «راجِه» يقرأ أسماء الناجحين، وكان قلبي كما قال الشاعر: كأنّ قَطاةً رُكّبَتْ بجناحِها ... على كبدي من شدّةِ الخفقانِ ويظهر أن الشاعر من كثرة اضطرابه خلط بين الكبد وبين

стр. 299

القلب (والعرب تسمي القلب كبداً). وكانت كلّ خلية في جسدي أذناً مرهفة تستمع؛ أتصوّر الرسوب فأنظر أين أهرب حتى لا يراني الناس وإلى أين أهرب حتى لا يعيّروني برسوبي، تمرّ عليّ الخواطر كأنها شريط سينما قد أفلت فهو يكرّ بسرعة حتى ما يستطيع الناظر إليه أن يتبيّن مشاهِدَه، لا أنظر إلى أحد ولا ينظر إليّ أحد قد شُغل كلٌّ بنفسه. وفجأة سمعت المستشار ينادي: بوش غا كود سي آلي تان تاوي (أي بشرى قدسي، علي طنطاوي). لمّا سمعت اسمي لم أعُد أبالي بشيء، وصار همّي أن أجد طريقاً لأحمل فرحتي وأخرج بها لئلاّ تسقط مني وسط الزحام. لقد كانت إحدى الفرحات القليلة التي أحسست بها في حياتي، فهل يُكتَب لي أن أسمع اسمي مع الناجحين مرة ثانية في الامتحان الأخير الذي ليس له دورة ثانية ولا لمن خسر فيه سبيل إلى إعادته؟ والله ما لي عمل أقدّمه لأستحقّ به النجاح في ذلك اليوم، ما أتكل إلاّ على كرمك يا كريم، يا أكرم من كل كريم، يا رب. * * * ثم كانت مفاجأة أخرى! جاء كتاب من خالي مُحِبّ الدين يخطب أختي لشريكه عبد الفتاح قتلان، فوافقَت هي ووافقنا، ودعاني أن أذهب بها إلى مصر. إنكم لا تدرون ماذا أثارت هذه الدعوة في نفسي من مشاعر وفي ذهني من خواطر. كانت مصر في خيالنا يومئذٍ دنيا مسحورة فيها العجائب، وكل مرغوب فيه يأتينا منها، المجلاّت

стр. 300

والصحف، الحركات الفكرية والوطنية تنبثق منها، الرجال الذين نقرأ لهم والشعراء الذين نحفظ شعرهم منها ... وكان تخيّل ذهابي إليها أكبر من أن يمرّ وصفه من شقّ القلم، والتعبير عنه مهما كان بليغاً لا يبلغ حقيقته. وكنت أسمع أن الأحرار من أرباب الأقلام ومن عُشّاق الحرية يؤمون مصر: أستاذنا محمد كرد علي، ومن قبله شيخ مشايخنا السيد رشيد رضا، ومن بعده خالي وأستاذي محب الدين، يأتون من كل مكان من المغرب، من الجزائر، من تونس، من ليبيا ... فلما طلب إليّ أن أسافر إلى مصر تراءى لي هذا الحلم دانياً كأني ألمسه. ولكن كيف أترك أمي وما عشت يوماً بعيداً عنها، وقد صرت أنا رجل البيت (كما يقولون) بعد موت أبي؟ وكيف أفارق دمشق وأنا لم أخرج منها إلاّ إلى ضواحيها وقراها، حتى بيروت أقرب المدن إلينا وأمسّها صلة بنا ما زرتها ولا عرفتها؟ وإذا كنت أعجز عن السفر وحدي، فكيف أتولّى أمر أختي وحمايتها وحمل أمانة صيانتها وإيصالها؟ وأُعِدّ جواز السفر، ولا يزال عندي (في دمشق) بأختامه وسِماته وتأشيراته. كنت على عتبة العشرين وكانت أختي أصغر منّي بما لا يزيد إلاّ قليلاً عن أربع سنين، ولكني مع ذلك أذكر يوم ولادتها، أراه واضحاً من وراء سبعين سنة، فكيف أذكره وقد كنت ابن أربع سنين؟ كنت مع عمتي في دار الشيخ عبد الوهاب، وهو خال أبي ولكني أدعوه عمي. وكانت لنا جارة من فرط حبها لنا وَصِلَتِها

стр. 301

بنا وأنها ربتني وأولتني من حبها، لا أقول مثل الذي أولَتني أمي ولكن قريباً منه، لقد كبرت ولا أعتبرها إلاّ قريبة لي. جاءت تخبرنا أن أمي في المخاض، وهي تريد أن تأخذنا إليها وتأخذ القابلة في طريقها. وكانت بين الأحياء بوّابات تُغلَق بعد العشاء ويقوم الحارس من ورائها فلا يفتح إلاّ لمن عرفه واطمأنّ إليه، فنادينا من وراء البوّابة: "قضية ولادة، نريد أن نأتي بالقابلة" ففتح لنا. * * * وكنت أسمع من صغري أن لي عماً في إسطنبول يلاحق دعوى قضائية على وقف بيننا وبين آل الصلاحي، بقيَت في المحاكم ما بين دمشق وإسطنبول ... تدرون كم؟ قد لا تصدقون إن قلت لكم (وما أقوله الحقّ) ثلاثاً وثمانين سنة! مات من أقام الدعوى ومات من أقيمت عليه، ومات أولادهم وجئنا نحن، فما أدري والله هل كان الحقّ معنا أم كان علينا، ولكن أهل «باب المُصلّى» في دمشق يسمّون البستان المتنازَع عليه «جنينة الطنطاوي»، والله أعلم. فما قيمة حقّ يصل إليه صاحبه بعدما يموت هو ويموت ولده؟ أتدعو ضيفاً إلى عشاء فتؤخّره حتى يموت من الجوع، ثم تتصدّق به على قبره؟ وكنت أسمع أن لي خالاً في مصر يكتب في الصحف في المؤيّد والأهرام، وله مطبعة وله مجلّة، ثم قدم أيام الاستقلال ثم حُكم عليه بعد ميسلون ففرّ إلى مصر. وكنت أحب السفر إلى مصر لألقاه. وجاء يوم السفر، وكان اليوم الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) سنة ١٩٢٨، وجئت محطّة الحجاز، هذه العمارة التي

стр. 302

كانت (وأظنها لا تزال) تحفة في فنّ البناء، ومثلها (وإن كانت دونها في جمالها) محطة العنبرية في المدينة. وقد سمعت أنهم يفكّرون في هدمها، فإذا قبلتم مني فدَعوها، دعوها فكأنكم إن هدمتموها قتلتم رجلاً في ذهنه تاريخ وفي جعبته تحف ومعه قطعة من بلادكم، فلا تبتروا قطعة عزيزة من جسد بلادكم. وكانت المحطّة "مائجة بأهلها كما يموج البحر بمياهه، فمِن مسافر عجِل ومن مودّع باكٍ، ومن بائع ينادي، ومن آتٍ وذاهب وطالع ونازل. وكنت منزوياً في ركن من أركان القطار المسافر إلى حيفا وإلى جانبي أختي الصغيرة، أنظر إلى بعيد فأرى هناك، في أخريات الناس، امرأة تمسك بيدها طفلين متلفّعة بملاءة لا تُبدي منها شيئاً، ولكنّ وراء هذا القناع الأسود عينين تفيضان بالدمع عالقتين بمكاننا في القطار، وخلال تلك الضلوع قلباً يخفق شوقاً ويسيل حباً، ووراء هذه الوقفة الساكنة الهادئة ناراً تضطرم في الجوف وزلزالاً يدكّ نفسها دكاً، بَيْد أنها صبرت على هذه كما صبرت على غيرها، فأجزل اللهمّ لها الأجر على هذا الصبر. وصفر القطار يحملنا إلى مصر فازداد القلب خفقاناً واضطراباً، ثم نفث دخانه كأنما هو حيّ تملّكه موقف الوداع، فزفر زفرة الحزن الدفين والألم الحبيس، ثم هدر وسار. وراحت المحطّة تبتعد عنا وعيني عالقة بيد تلك المرأة التي تلوّح لي بمنديل أبيض ... حتى غاب عنّي كل شيء: وتلفّتَت عيني فمُذْ خَفِيَتْ ... عنّي الطّلولُ تلفّتَ القلبُ

стр. 303

هنالك رأيتني وحيداً، ورأيت القطار يجدّ لينأى بي عن أهلي وبلدي" (١). * * * كان القطار يسير من دمشق إلى حيفا النهار بطوله، فإذا وصل حيفا مساء بات المسافر فيها، حتى يصبح فيركب قطار فلسطين الذي يخرج في الثامنة صباحاً فيمشي إلى حدود القناة، وهنالك ينزل منه المسافرون فيركبون «معدّية» تنقلهم إلى الضفة الأخرى منها، فيجدون قطار مصر الذي يصل القاهرة الساعة العاشرة والنصف ليلاً. خلفت ورائي عالَمي الذي أعرفه كله وأقبلت على عالَم كله جديد، وكنت موزَّع اللبّ بين حزن الفراق، وحماية الأخت، والتطلّع إلى ما أنا مقبل عليه. وأنا لا أحب السفر إلاّ في القطار، فإنك تستطيع أن تقوم فيه وتقعد، وإذا نعست قدرت أن تنام، وإذا جعت وكان معك مال قصدت المطعم. وأنظف المطاعم عادة وأغلاها مطاعمُ القطارات، تأكل والدنيا تمرّ بك، تمشي أمامك مشي الجند أمام القائد الذي وقف يعرضها (أي يستعرضها)، تبدأ غداءك أو عشاءك في بلد وتنتهي منه في بلد، وإذا وقف القطار في محطة استطعت أن تخرج فتمشي فيها.

стр. 304

لا كراكب الطيّارة الذي يسافر كأنه محبوس مصفّد بالأغلال، عالَمه الذي يستطيع أن يتحرك فيه ما بين مقعده والحمّام أو موضع التدخين، وإن كان سفرك طويلاً وكان جارك مزعجاً، أو كانت أماً معها أولاد لا يسكنون ولا يسكتون، كانت السفرة تعذيباً وعملاً شاقاً. ولقد ضايق الأولاد المضيفة (١) مرّة يَعْدون بين رجليها، يكادون يُسقطون طباقها وكؤوسها فقالت لهم: يا أولاد، اقعدوا أو اطلعوا العبوا «برّا»! وكنت أنا وأختي من ركّاب الدرجة الثالثة، اخترناها لأن القطار لم يكُن فيه درجة رابعة! وما أكلنا في المطعم ولا عرفنا أن في القطار مطعماً يأكل فيه الناس، وما أدري فلعل قطارات تلك الأيام لم تكُن فيها مطاعم. كنت مُقدماً على عالَم مجهول، فلا أخطو خطوة إلاّ بعد التفكّر في عواقبها. ووصلنا حيفا، ورأيت البحر أول مرة في عمري، ما رأيته قبلها. وكنت خائفاً ولكني أتجلّد وأتظاهر بالجرأة والمعرفة. هل أُطلِع أختي على تهيّبي وخوفي؟ ومشينا وأنا أوهمها أني أدري إلى أين أسير، وما كنت أدري شيئاً حتى رأيت لوحة فندق فدخلته، وكان أول فندق أدخله في حياتي. قلت لكم إني لم أخرج من دمشق من قبل إلاّ إلى ضواحيها

стр. 305

أعني مكاناً يبيع الحمّص والفول، وكان فارغاً فقعدنا وأكلنا، وهي لا تعرف كيف تأكل والناس ينظرون إليها: أتكشف وجهها أم تأكل والخمار مُسدَل عليها؟ ومرّ الأمر بسلام فلم يكُن هناك أحد. وخرجنا نرى البلد، فمن جهلي دخلت المرفأ المظلِم بدلاً من أن أقصد الشوارع المضيئة، ثم خفت أن يظنّ الناس بنا شراً إذ يرون شاباً وبنتاً منفردَين في المرفأ الخالي فخرجنا، ولم أهتدِ إلى طريق البلد، فأظهرت أني أريد النوم حتى ننهض مبكّرَين لنلحق القطار، مع أن محطة القطار إلى جنبنا ما فارقناها ولا ابتعدنا عنها. وأصبحنا فركبنا قطار فلسطين، ومرّ على تلك البلاد والبساتين التي كانت جنّات أضعناها لمّا تركنا الواغلين يدخلون علينا، وبعناهم أرضنا، واختلفنا وتنازعنا حتى اتحدوا علينا، وأعانهم ناس ليسوا من دينهم ولكن عداوتنا وبغضهم لنا وحّدَهم علينا. ولمّا قطعنا الترعة وصرنا في قطار مصر أمنتُ وسكنَتْ نفسي. لقد عرفت أني سألقى مَن يستقبلني ويدلّني وسأطرح ثقل الأمانة عن عاتقي. ومررنا بالقرى والمدن، فصرت أتطلع إليها مطمئناً وأتأملها، وأستمتع بجِدّة المناظر والوصول إلى ما كنت أعدّه من المجهول، حتى إذا قيل «هذه مصر» ورأيت محطّة باب الحديد، رأيت شيئاً عظيماً كان فوق ما كنت أتخيل. * * *

стр. 306

-٣١ - اليوم الأوّل في مصر كانت سفرتي إلى مصر سنة ١٩٢٨ أكبر حادث حدث لي في شبابي، ترك أعمق الآثار في نفسي وفي فكري وفي سلوكي، ولكنّ الخسارة التي لا تُعوّض أنّي لم أدوّنها في حينها. كنت كالذي زعموا أنه وصل إلى «الكنز المرصود» فوجد ركاماً من الذهب والحليّ وأكواماً من الجواهر والألماس، فلم يحمل ما يقدر على حمله منها بل دفعه الطمع إلى أن يبحث عن غيرها علّه يجد أغلى منها، فلما تركها وابتعد عنها ضلّ طريق العودة إليها، فلم يبلغها ولم يرجع بشيء منها. فخذوها نصيحة مني، نصيحة من مجرّب يريد أن يجنبكم عواقب السيِّئ من تجارِبه: دوّنوا كلّ ما يمرّ على أذهانكم من أفكار وما يعتلج في نفوسكم من مشاعر، اكتبوه في حينه، فإنكم إن أجّلتموه فتّشتم عنه فلم تجدوه. فيا ليتني كتبت ما أحسسته وما فكّرت فيه ساعة وصولي إلى مصر! تقولون: اكتبه الآن. الآن؟ هيهات! فلا أنا الآن «أنا» في ذلك اليوم، ولا مصر مصر، ولا أهلوها أهلوها. لا أقول إنهم

стр. 307

كانوا أحسن أو إنهم كانوا أسوأ، بل أقول إنهم تغيروا، «ومَنْذا الذي يا عزُّ لا يتغيّرُ؟» (١). وهبْ أن مصر ما تبدّلت، أفما تبدّلت أنا؟ نحن نرى الدنيا من خلال نفوسنا، كالذي يبصر وعلى عينيه النظّارات: إن كانت النظارة دخانية رأى الدنيا معتمة، وإن كانت زهراء رآها مشرقة، وإلاّ فلماذا يصف الشاعر الفَرِح الدنيا ضاحكة ويصفها الحزين باكية، والدنيا هي الدنيا ما ضحكت ولا بكت؟ ولو كانا مصوّرَين لملأ الأول لوحته بالألوان القاتمة وجعلها الثاني زاهية الألوان، والمشهد واحد أمامهما. ألا يمكن أن تكون فلسفة التشاؤم عند بعض الفلاسفة آتية من صداع ملازم أو عسر هضم، سوّأ عيشه وسوّد الدنيا أمامه؟ فما قيمة فلسفة كان يهدمها دواء مُسَكّن أو عقّار (٢) هاضم ثمنه نصف ريال؟! لقد كانت صورة رائعة لمصر تلك التي انطبعت في نفسي ساعة وصلت إليها، ولكني لم أستخرجها وأحتفظ بها بل صوّرت المشهد بعدها من غير أن أدوّر «الفلم»، فجاءت عشرات من الصور بعضها فوق بعض، فتداخلت خطوطها واختلطت معالمها ولم أعد أستبين واحدة منها. فهل أسجّلها الآن بعدما مرّ عليها أربع وخمسون سنة؟ بعدما

стр. 308

فقدتها؟ لقد سقطت مني في مسالك الحياة وفي مسارب العمر. إن الذي يسقط منه شيء يعود أدراجه يفتش عنه في الطريق الذي جاء منه، فمن لي بأن أعود لأسلك كَرّةً أخرى طريقي في الحياة؟ أعود إلى الشباب؟ إلى سنة ١٩٢٨ وما بعدها؟ ثم انقضَتْ تلكَ السُّنونُ وأهلُها ... فكأنّها وكأنّهم أحلامُ في الحلم يغفل العقل، أيْ يغيب الرقيب، فتنطلق الأماني المحبوسة وتتكثّف وتتجسّد أمامك حتى تحسّ بها: تراها، تلمسها، تكلمها، تعيش فيها ... كل ما كنت تتمناه تراه قد جاءك من غير أن تمدّ إليه يداً أو تخطو إليه بقدم. إن كنت فقيراً تتمنّى الغِنى تدفّق عليك المال، وإن كنت عاشقاً بلغت الوصال، تشعر أنك تطير على ظهر الرياح بلا طيارة ولا جناح. ثم يصحو النائم ويتصرّم الحلم، فإذا العالَم الذي كنت تعيش فيه ليس إلاّ صورة في فِلْم أو مشهداً في لوحة راءٍ (١) انقطع عنه التيار، فإذا اللوحة بيضاء! إن الذي فات مات (كما تقول المسرحيات)، ويستحيل أن يرجع في الدنيا الأموات.

стр. 309

تركتكم في الحلقة الماضية في محطة باب الحديد؛ بلغتها بعدما ظننت أني لن أبلغها، فقد كانت تلك السفرة أمتع وأقسى ما مرّ بي، كنت كالغريق فلما رأيت خالي ومن جاء معه لاستقبالي أحسست كأن يداً تمتد إليّ تمسكني ثم تنقذني! وخرجت معهم وهم يسألونني عن سفري، وأنا أجيب بنصف ذهني ونصفه مشغول بتأمّل ما أرى. كنت في مثل نشوةِ الحالم، فأنا معهم بجسدي، وأنا بعيد عنهم بنفسي. كنت أعلم أن الحلم يمّحي إن تيقظ الحالم، فما لهذا الحلم العجيب يبقى معي، أحيا فيه ولست نائماً؟ لا تعجبوا؛ فإن السيّاح الذين يجوبون أقطار الأرض والذين جزعوا مشرقها ومغربها يجدون في مصر -إذا جاؤوها- ما يرغّبهم فيها ويشدّهم إليها، فكيف بشابّ على أبواب العشرين لم يرَ في عمره بلداً غير بلده دمشق؟ ودمشق على جمالها وبهائها لم يكُن فيها يومئذٍ مثل ما في مصر من الميادين والشوارع والحدائق والمتاحف، ولا كان ذلك في شيء من مدن الشام والعراق. وأول ما أدهشني أننا خرجنا من المحطة وقد انتصف الليل أو كاد، في الساعة التي تُغلَق فيها الحوانيت في الشام وتخلو الطرق وتنام المدينة، فإذا الشوارع هنا مزدحمة بالناس، وحافلات الترام ممتلئة، والدكاكين مفتوحة ... أفلا ينام أهل مصر لا في الليل ولا في النهار؟ ووصلنا الدار في موهن من الليل (١) فزاد دهشتي أن

стр. 310

وجدتهم يُعِدّون العشاء، ورأيت -بعدُ- أنّ هذه عادتهم كل يوم: يبقى خالي في المطبعة إلى أن يمضي ثلث الليل، والشغل دائر والمطبعة شغّالة، ثم يخرج إلى ميدان باب الخلق حيث عربات بيّاعي الفواكه التي تُدفَع باليد وعلى كل عربة مصباح من مصابيح الغاز التي تُدعى في مكة «الأتاريك» (١)، فيشتري بعض ما يجد: بلحاً أو عنباً أو تلك التي كرهت ريحها من أول يوم فما أكلتها، الجوافة. ويأخذ البياعُ ورقة يلفّها على هيئة القمع الكبير يضعها فيها، ونصعد بها إلى الدار (وكانت الدار فوق المطبعة) فنجد العشاء. وأوينا إلى مضاجعنا عشيّة وصولي مصر وقد شاخ الليل ودنَت ساعة السحَر، ولكني لم أنَم. إن الذي تُبدَّل وسادته أو تُغيّر غرفته لا ينام، فكيف بمن ودّع حياة ألفها وعرفها في بلده وجاء يبدأ حياة في بلد آخر لم يألفها ولم يعرف عنها إلاّ أقلّ من القليل؟ وجعلت أتقلب على الفراش حتى سمعت (أو خُيّل إليّ أنّي سمعت) أذان الفجر، فقمت لأتوضأ. وتحققتُ من دخول الوقت فصلّيت وعدت أحاول النوم، وما قام للصلاة أحد مِمّن كان في الدار، وكان ذلك ثاني ما أدهشني. وبلغ منّي النعاس بعد مشقّة السفر وطول السهر، ولكني لم أنَم إلاّ لماماً. إن من يصل ليلاً إلى البلد الجديد يبيت متطلعاً يرقب ضياء النهار ليرى ما الذي كانت تخفيه ظلمة الليل، وإن كان ليل القاهرة ما فيه من ظلام. إن شعوره كشعور من تأتيه الهدية يعرف

стр. 311

نفاستها ولكن يجهل نوعها، فهو يفكّ شريطها أو يفتح صندوقها تتجاذبه فرحتان: انتظار الشيء النفيس وكشف المجهول الجميل. أو كمن يشتري القصّة البارعة حين يفتح أول صفحة منها. * * * ونهضت (كما نهضوا) ضحىً، فأكلنا الفول. وفول مصر صغير لذيذ، وفول الشام كبير. ولهم في إعداده طريقة غير طريقة أهل الشام، أما ثمنه فيكفي أن أقول لكم: إن خالي كان يسلم زوجته كل صباح ريالاً تشتري منه الغداء والعشاء (ولا بدّ فيهما من طبخ ورز ولحم، والفاكهة والأنقال) لثمانية أشخاص، وقد تبقى من الريال بقية. ونزلت إلى المطبعة في شارع الاستئناف، فخرجت منه إلى ميدان باب الخلق. وكان أكبر من «المرجة»، الميدان الوحيد في دمشق، أبصرت فيه النيابة والمحافظة من هنا، ودار الكتب والمتحف الإسلامي من هناك. وكانت مصر (أعني القاهرة) كبيرة في تلك الأيام، ليست مدينة ولكنها -في حقيقتها- مدن في مدينة. مدن مشت من حيث مشى التاريخ؛ أولها أوّل التاريخ الإسلامي في مصر، «الفسطاط» التي بناها الصحابي الفاتح عمرو بن العاص، وهي مصر القديمة. ثم امتدّ التاريخ وامتدّت القاهرة فجاء أحمد بن طولون فبنى مدينة «القطائع»، وهي حي السيدة. ثم جاء جوهر قائد المعز العُبَيدي فبنى القاهرة، ثم كانت أيام الحملة الفرنسية فسكنوا عند العتبة والأزبكية. ثم تواصلت هذه المدن وتداخلت. وكانت

стр. 312

مصر الجديدة في سنة ١٩٢٨ منفصلة عن القاهرة، وشبرا كانت مثلها. ولو تُرك الأمر إلى خالي لما رأيت من مصر شيئاً، لأنه ما كان يخرج من مطبعته إلاّ إلى جمعية الشبان المسلمين التي سيأتي قريباً حديثها. ولكن شريكه، صهري الجديد وزوج أختي، هو الذي أراني ملامح القاهرة. أخذني إلى النيل ففهمت لماذا يدعوه المصريون «بحر النيل»، ما رأيت قبله مثله، وهل رأيت قبله إلاّ بردى؟ وكان بردى وأولاده جميعاً (يزيد وتورا والقنوات وباناس والقناة والديراني)، كانت كلها أصغر من ترعة واحدة من ترع النيل. ولكن لا أحب أن أظلم بردى، إنه فقير ولكنه جواد كريم، إنه يخرج من أرضنا نبعاً، ثم يدخل في أرضنا ليعود فيخرج زرعاً، لا تضيع قطرة منه. وإن قرأتم في كتب الجغرافية أنه يصب في بحيرة «العتيبة» فاعلموا أنه يصل إليها مرة في كل خمسين سنة، إنه يصب في الأرض الطيبة ليخرج الله به الثمر الطيب، على حين يحمل النيل العظيم ماءه الكثير ليرميه في البحر. ذهبنا إلى العتبة الخضراء، وكانت قلب البلد، وإلى جنبها ميدان الأوبرا. ورأينا (وكانت هنا الدهشة الثالثة) رأينا الأصنام والتماثيل وسط الميادين والساحات! ورأينا متاجر ما عرفنا في دمشق مثلها؛ عمارات كاملة فيها كل شيء مما يؤكل أو يُلبَس أو يُفرش أو يكون زينة وحلية وتحفاً: «أوروزدي باك» (عمر أفندي) وصيدناوي وشيكوريل، وما فيهم مسلم ولا عربي ولا مصري أصيل! وممّا سمعت من العجب أن أوروزدي باك اشترى اسم عمر أفندي، وكانت تلك أوّل مرة أسمع فيها أن اسماً يُباع.

стр. 313

ثم درنا من حول درابزين حديقة الأزبكية، حيت تُباع الكتب القديمة كما تُباع على نهر السين في باريس (١)، وكانت الأزبكية نظيفة مخدومة. وسلكنا شارع فؤاد، ورأينا على جانبَيه كلّ بضاعة يُحتاج إليها أو يُرغب فيها معروضة عرضاً يُغري المستغني عنها بطلبها. إلى أن وصلنا إلى الجسر (ويسمّونه هناك باسمه التركي: الكوبري) وهو من الحديد مسقوف بعمد الحديد، فجزناه من فوق النيل الكبير إلى الزمالك حيث تقوم بقصورها غير بعيدة عن بولاق بأكواخها، إلى النيل الصغير، على جسر كانوا يسمونه «كوبري بديعة»، نسبة إلى رقّاصة من شتورا في سهل البقاع بين لبنان الشرقي والغربي، جاءت مصر فأعطتهم مرقصاً أقامته كان مفسدة للشبّان لما يُستباح فيه من المحرّمات، وكان مدرسة من مدارس إبليس لتخريج الراقصات، وأخذت منهم مالاً كثيراً واسماً جعلوه مشهوراً. وعدنا يمشي بنا «الترام» إلى جنب النيل وهو عن شمائلنا، وما على أيماننا (كما أذكر) بناء ولا عمران إنما هي حدائق أو بسائط من الأرض، حتى بلغنا أجمل وأعجب مكان في مصر يومئذٍ وأحبه إلى السائحين والزائرين: حديقة الحيوان، لمّا كانت في عزّها وكانت رابعة حدائق الحيوان في العالَم في سعتها وبهائها وكثرة ما فيها من الحيوانات، وكان يمضي المرءُ يومَه كله فيها فلا

стр. 314

يحيط بها ولا يملّها. ثم وصلنا الجيزة، وما بعدها شيء إلاّ «تراماً» يمشي في خلاء من الأرض إلى الهرم، ما دون الهرم مساكن ولا سكان. وقد سمعت أنه صار الآن شارعاً معموراً، لا عمران العلم والفضيلة والإيمان بل الفنّ واللهو والخسران، والله أعلم بصحة ما سمعت. * * * ولمّا كان مساء اليوم الأول من أيامي في مصر أخذوني في جولة أخرى، ثم دخلنا حديقة الأزبكية إلى زاوية منها كانت مقهى ومسرحاً، فلما وصلت إليها أحسست كأني أدخل ماخوراً أو كأني العذراء تلج دار الفواحش، وفررت مذعوراً. قالوا: ما لك؟ قلت: قهوة؟ أنا أقعد في قهوة؟ كانت القهوة عندي في منطقة الممنوعات، أفترون هذا صواباً؟ لقد عرفت بعد حين أنه كان بعيداً عن الصواب. إن الصعوبة في تخطّي الحدود، فإذا بدّلنا مكانها وأدخلنا المكروهات في دائرة المحرّمات سَهُلَ على مرتكب المكروه اقتراف الحرام. وطال جدالنا وتجمّع الناس من حولنا، ثم غُلبت على أمري فدخلت. ولم تمضِ إلاّ ربع ساعة حتى أُطفئت الأنوار وبدأ عرض فِلْم من أفلام السينما. والغريب أني لم أنكر السينما مثلما أنكرت المقهى، لأنهم أرونا ونحن صغار أيام الحرب العالمية الأولى فلماً عن حرب «جناق قلعة» فتعودت رؤية الأفلام، والعادة تثبت من مرة واحدة!

стр. 315

وكانت سينما صامتة لم تكُن قد نطقت بعد، وأظن ظناً (لا أحقق تحقيقاً) أن السينما نطقت بعد ذلك بقليل وأنها حين نطقت ظهر «الفلم العربي» في مصر. * * * في تلك الأيام كانت الدعوة الإسلامية تتمخّض في مصر لتأتي بمولود جديد، وكان ظهور كتاب «الشعر الجاهلي» ومن قبله كتاب «الإسلام وأصول الحكم» مثل أجراس الإنذار وصيحات التحذير، فنبّهت النائمين من العلماء والمصلحين، وكان إنشاء مجلة «الفتح»، ثم وُلد المولود الجديد: «جمعية الشبان المسلمين». وكانت بداية الدعوة الإسلامية النظامية، وفي الحلقة القادمة القليل الذي أعرفه عنها. * * *

стр. 316

-٣٢ - ظهور الدّعوة الإسلامية في مصر لا أزال في الكلام عن سفرتي الأولى إلى مصر سنة ١٩٢٨. وقد تعجبون إذ أؤرّخ تارة بالتاريخ الميلادي وتارة بالهجري؛ إني أكتب التاريخ كما هو عالق بذاكرتي. وكان خيراً لنا جميعاً وأولى بنا أن نقتصر على التاريخ الهجري، وإن احتجنا إلى توضيحٍ وضَعنا الميلادي بين قوسين. شهدت في تلك السفرة بداية الدعوة الإسلامية «المنظَّمة». لا أقول إنها لم تكُن دعوة قبلها أو لم يكُن دعاة، فكل من عرفت من مشايخي وكثير من أساتذتي كان من أكبر ما يهتمّون به ويُقبِلون عليه دلالة الناس على الله وإرشادهم إلى طريق رضاه، كانت الغاية واحدة ولكن تعدّدَت الطرق إليها بتعدّد اجتهاد أصحابها، وما انقطعت الدعوة أبداً، ولكنا كنا في «عصر انتقال» كالذي مر به المسلمون في صدر الدولة العباسية ومرّ به الرومان لمّا اختلطوا باليونان، ولقد كانت هذه الظاهرة (١) موضوع أول محاضرة ألقيتها سنة ١٣٤٥هـ وأنا يومئذٍ طالب، ولا تزال «الظاهرة» موجودة،

стр. 317

لذلك أعود إلى الكلام فيها كلما عادت دواعي الحديث عنها. وضربت في تلك المحاضرة مثلاً لها لا أزال أعود إليه لأني لم أجد إلى الآن مثلاً أصدق منه: بردى حين يلتقي بنبع الفيجة فيمشيان معاً نحو مئة متر لا يختلطان، تملأ كأسك من بردى من اليمين ماءً نظيفاً لكن فيه شيئاً من العكر، وتملؤها من الشمال من الفيجة ماءً عذباً زلالاً ليس في الدنيا أعذب منه ولا أصفى ولا أبرد (١). ثم يمتزجان فيكون منهما نهر جديد ليس في صفاء الفيجة ولا في اغبرار بردى. هذا مثال الأمم في مراحل الانتقال؛ حين تلتقي حضارتان ويمتزج شعبان، أو تجتمع عقليتان وثقافتان. وكل شعب من الشعوب العربية جاز هذه المرحلة، بعضهم خلص منها أو نأى عنها، وبعضهم لا يزال فيها. كان في مصر مثلاً (أيام سفري إليها) مشايخ وأفندية، أزهر وجامعة، محاكم شرعية ومحاكم مدنية ... يختلفان في الزيّ وفي التفكير وفي تقويم (لا تقييم) (٢) الحياة، يمشيان كالخطّين المتوازيَين يتجاوران ولا يتلاقيان، يتكلمان بلسانَين ويفكّران بعقلين، فلا يكاد الشاب يفهم ما يقول الشيخ ولا يرتضي تفكيره، ولا كان الشيخ يعرف الطريق إلى إفهام الشاب وإثارة اهتمامه بما يفكر هو فيه.

стр. 318

وكانت هذه هي العلة الكبرى. ولقد ظهر أفراد جمعوا طرفَي الخيط ولكنهم كانوا قلائل، حاولوا أن يقرّبوا العلوم الجديدة (أو الفكر المعاصر) من الإسلام، منهم من صنع ذلك باعتدال كالشيخ محمد عبده في مصر وصاحبه السيد رشيد رضا، ومنهم من أوغل فيه حتى جانَب الحقّ وخالف (أو كاد يخالف) الإسلام كالسيد أحمد خان في الهند، وأفراد بلغوا الغاية في تحصيل العلوم «الجديدة» والأستاذية فيها وكانوا على إلمام تامّ أو اطّلاع كافٍ على العلوم الإسلامية، من أظهرهم محمد أحمد الغمراوي في مصر وأحمد حمدي الخياط في دمشق، وكلاهما كان من أساتذة الجامعة. * * * لذلك كانت الحاجة إلى أسلوب جديد في الدعوة غير أسلوب الكثير من المشايخ، على ما كان لهم من علم وفضل وتقوى. ونبّه الناسَ إلى هذه الحاجة «الفتنةُ الكمالية» في تركيا وبروز جماعة كأنهم تأثروا بها وأرادوا (ولو لم يشعروا) التمهيد لمثلها، وظهر ذلك في كتب شبلي شميل وسلامة موسى، وفي كتاب «في الشعر الجاهلي» وكتاب «الإسلام وأصول الحكم» (١). وكانت الصرخة قوية حتى سمعها الذين كانوا مستغرقين في النوم، فهبّ ناس منهم وأدركوا الخطر. فكُتِبَت الردود: أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين ألف «نقض كتاب الشعر الجاهلي»،

стр. 319

ولطفي جمعة وآخرون لا أذكرهم الآن بأسمائهم ولكن الله يذكرهم ويشكر لهم ويجزل ثوابهم، والدكتور الغمراوي بكتابه «النقد التحليلي» الذي خاطب فيه طه حسين بلسانه ونقض عليه بنيانه بمِعْوَله، ورجع بالحقّ إلى الينابيع التي استقى منها بالباطل، وقدّم للكتاب أميرُ البيان الذي كان سفيراً دائماً في أوربا، سفيراً للعرب وللمسلمين ينبّههم ويدافع عنهم، ينفق من جيبه لا من خزانة دولة ولا من صندوق جمعية، يعيش عيش الكفاف يقرأ ويكتب، والذي كتبه الأمير شكيب أرسلان بقلمه وبخطه يعدل ما كتبه عشرة من أكبر كتّاب العصر، وله فوق ذلك شعر جيد. والذي جمع هذه الأقلام وكان لها بمثابة مركز القيادة أو مكان الأركان (أركان الحرب) مجلة «الفتح». مجلة «الفتح» كان لها عمل عظيم عظيم في تنبيه المسلمين وإيقاظهم وإرشادهم، والتمهيد لهذه الصحوة الإسلامية التي نراها ونحمد الله عليها اليوم، والتي نسأله دوامها وتصحيح مسارها ودرء الأذى عنها. ولعل الله يُلهِم واحداً من طلاب الدراسات الإسلامية في جامعاتنا إعداد رسالة أو أطروحة عنها. ولقد كانت قبلها «المنار»، وللمنار أثر لا ينكر في العقيدة وفي العلم وفي (توعية) المسلمين، وفي مجموعتها -لمن استطاع الحصول عليها- كنز تُستخرَج منه عشرات من الكتب، كما فعل الصديق العامل الدائب على التأليف الدكتور صلاح الدين المنجّد حين استخرج فتاوى السيد رشيد رضا وأفردها بالطبع. أنشأ محب الدين «الفتح» في آخر سنة ١٣٤٤ (١٩٢٦)،

стр. 320

وكان من أثر الازدواجية بين المشايخ والأفندية أنه جاء بشيخ أزهري هو الشيخ عبد الباقي سرور نعيم (كما أذكر) فجعله رئيس تحريرها! كانت «الفتح» أوعى مجلة إسلامية، توجّه حتى في عناوين الأخبار العامّة التي تنقلها عن وكالات الأخبار فتحوّل بالعنوان مغزى الخبر عمّا تريده الوكالة إلى ما يوافق خطة «الفتح» ويريده الإسلام. ومن المجلات الواعية التي عرفتها، أقول منها ولا أسمّيها كلها، «البصائر» مجلة جمعية علماء الجزائر التي كان يشرف عليها ويكتب بقلمه البليغ افتتاحياتها الصديق الشيخ البشير الإبراهيمي، و «الضياء» للأستاذ مسعود الندوي في الهند، و «المجتمع» التي تصدر اليوم في الكويت، و «الرائد» التي تصدر في الهند فيما تُصدر المؤسسة الإسلامية الجليلة «ندوة العلماء». لمّا وصلت مصر كان قد مر على ظهور «الفتح» سنتان، ولكنها استطاعت أن تكون بتوفيق الله مجلة العالَم الإسلامي. وكان لها مواقف مشهودة في الرد على «الشعر الجاهلي»، الكتاب الذي جاء بالكفر الصريح والذي شغل مصر عن قضيتها الكبرى (ولعل هذا من جملة مقاصد مَن كتبه ومَن سرقه كاتبُه منه وهو مارجليوث، ومَن دفع إليه أولاً ودافع عنه ثانياً)، وكتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وهو كتاب أسوأ من الأول لأن الأول فيه الكفر الصريح يراه المسلم فيعرفه، وهذا فيه الكفر المغطّى لا ينتبه إليه إلاّ النبيه، فينال منه وهو لا يشعر. وقد ثبت أن هذا أيضاً مسروق.
следующие страницы →