← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ومن الصور التي اختزنتها من الصغر واحتفظت بها وأنا أحملها في زحمة الحياة، ثم فُقدت من حولي وكادت تضيع من ذهني: صورة البوّابات. هل تعرفون ما البوابات؟ لم يكن الأمن وأنا صغير قبل سبعين سنة أو أكثر من سبعين، لم يكن الأمن مستتباً أواخر عهد العثمانيين، وكانت الحكومة المحلّية ضعيفة والمركزية في إسطنبول بعيدة. وكانت قد عادت دمشق في كثير من أحوالها (كما عادت مدن من أمثالها) إلى مثل عهد الجاهلية الأولى، فكان القوي يعدو على الضعيف، وكان في كل حيّ قبضاياته وزكرتيّته، وكان يسطو بعض الأحياء على بعض ويغزو بعضُها بعضاً. فاتّخذ أهل كل حيّ باباً كبيراً، بوّابة تُغلَق من بعد العشاء ولا تُفتَح إلاّ بعد الفجر، يقوم وراءها الحارس الليلي (الخفير) ولا يفتح الباب إلاّ لمن يعرفه ويثق به. وأذكر وأنا صغير جداً في نحو الخامسة أن أمي أخذها الطلق، فبعثوا بجارة لنا وأنا معها لتأتي بالقابلة، فمررنا بالبوابة، فصاح بنا الحارس من ورائها يقول: مَن؟ قلنا: مُطْلِقة (أي امرأة أخذها الطلق) قال: قفوا في اليمين حتى أراكم. ونظر من طاقة الباب وأدرك أنه لا يُخشى خطر منا ففتح لنا الباب. فإذا كان شهر رمضان فُتحت البوابات الليل كله وزادت الأنوار في الحارات، وكانت تُضاء بالكهرباء، جاء بها وبالترام الوالي التركي ناظم باشا قُبَيل مولدي. وناظم باشا هو باني حيّ المهاجرين، وفي كتابي «دمشق» قصة إنشاء هذا الحي وفي كتابي

стр. 2557

«قصص من الحياة» قصته (١) لمّا قدم دمشق أواخر أيامه. دمشق التي كان واليها وكان إليه وحده أمرها وله الحكم فيها، فتبدّلَت الحال وتغيّرت الدنيا، فلم يعرفه لمّا جاء أحد. وهكذا الناس، فيا خيبة من اطمأنّ إلى الدنيا وحدها! كانت المصابيح في الطرق ضئيلة والطرق تكاد تكون مظلمة، فإذا جاء رمضان أنيرت الطرق ومشى فيها الناس الليل كله، لذلك قلت من أيام للصديق الأستاذ ماجد شبل في مقابلة له معي في الرائي لمّا سألني عن شعوري عندما يجيء رمضان، قلت له: إن قدوم رمضان مقترن في نفسي بالنور: نور في الحارات بعد الظلام، ونور في المساجد وفي البيوت حيث يسهر في الليل النّيام، ونور في القلوب هو ضياء الإسلام. * * * ومن المشاهد التي ذهبَت مع أمس الدابر، ألغاها انتباه الناس وازدياد معرفتهم بالإسلام، وقرّر إلغاءَها الشيشكليُّ لمّا كان هو الحاكم؛ وهي ما كان يجري ليلة السابع والعشرين من رمضان في الجامع الأموي: يسهر الشاميون فيه الليل كله، فإذا كان السحر جاء «المولَويّة» يدورون فيه أو يرقصون (كما كان يقول علماؤنا) رقصاً يعجز عن مثله الراقصون المحترفون. وكنا ونحن صغار نراه شيئاً عظيماً، نحرص عليه ونتسابق إليه. والمولوية طريقة صوفية منسوبة إلى جلال الدين الرومي، وهو شاعر كبير في اللغة الفارسية يعدّونه من كبار الشعراء الصوفية،

стр. 2558

ولكن طريقته لا أصل لها في الشرع ولا فرع. وهم يتخذون إزاراً ضيقاً من أعلاه من عند الخصر واسعاً من تحت، ثم يدورون فيه، لا دورة ولا دورتين ولا تستمرّ دوراتهم دقيقة ولا دقيقتين، بل نصف ساعة أو ساعة لا يقفون ولا يستريحون، والإزار ينفتح حتى يصير مثل المخروط الناقص في الهندسة، وعلى رؤوسهم قلانس طويلة مثل علب اللّبَن التي كانت على أيامنا بشكلها ولونها. ولقد كتبت أنكر صنيعهم هذا (كما أُنكِر أمثاله من البدع التي استُحدثت في الإسلام) في «رسائل الإصلاح» التي أصدرتُها وطبعتها سنة ١٣٤٧هـ، أي من ستّين سنة إلاّ سنة واحدة. وكنا ننزل من الصالحية إلى بيت خالتي الكبرى، وهذا البيت يستحقّ مني وقفة عليه قصيرة فهو بيت العجائب؛ تقيم فيه خالتي، وهي بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب شقيقة محب الدين، وهي التي ربّته بعد أمه، وأولادها: الشيخ شريف، مدير المدرسة الأمينية التي طالما كان لها في نفسي ذكريات، والتي بدأت التعليم فيها سنة ١٣٤٥هـ وعلّمت فيها سنين وسنين ولي فيها أخبار طوال سبق ذكر بعضها. وأخوه الشيخ سهيل، وهو رجل عبقري في الفنّ متفرد في الشخصية، كان ضابطاً صغيراً أيام الحرب الأولى، وكان -مثل أكثر آل الخطيب في الشام- أزرق العينين أصفر الشعر، فجعلوه مرافقاً للقائد الألماني الذي قاد الجيش في حرب التّرعة ورجع منها خائباً. فمن كان يرى هذا الضابط الصغير لا يظنّه إلاّ ألمانياً. ثم لمّا قامت نهضة العلماء لزم ابنَ عمّه الشيخ هاشم الخطيب الذي كان أحد الشيخين لهذه النهضة، أولهما وأكبرهما

стр. 2559

الشيخ علي الدقر. فاتخذ عمامة لها عَذَبَتان، كان ينفرد بها لا يشاركه أحد في حمل مثلها. وأخذ على نفسه ألاّ يسمع بسنّة من سنن الرسول ﵊ إلاّ فعلها، فقرأ أن الرسول كان شعره يصل تارة إلى منكبَيه وتارة إلى شحمتَي أذنيه فأطال شعره، وكان مثل أسلاك الذهب. وعمل بعد تَرْكه الجيشَ في بيع العطر في سوق البزوريّة في الشام الذي يقصده السياح، فصار فرجة السائحات من النساء يقفنَ عليه ويصوّرْنَه. وكان فنّاناً رسّاماً، فلما سمع أن الرسم حرام ترك رسم الأحياء. وصنع شجرة لآل الخطيب (وهم أسرة أمي وزوجتي) وهي من الأسر التي تدّعي أنها متصلة النسب بالسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﵊، والله أعلم بصدق الدعوى، فما نكذّب أحداً في نسبه ولا ينبغي لنا، ولا نستطيع أن نصدّق كل مدّعٍ شرفَ النسبة إلى الرسول ﷺ . فصنع شجرة على لوحة من القماش المشمَّع طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة وضعها في صدر إيوان الدار، لمّا كنا نسكن تلك الدور الشامية التي كانت مصيفاً ومشتى وكانت داراً وبستاناً، وكانت قصوراً يضحك فيها الرخام والمرمر وتغنّي فيها النوافير فوق البِرَك، ويُزهِر فيها الفلّ ويعرش الياسمين وتمتدّ فوق سطحها دوالي العنب، هذه الدور التي قفزت البحر المتوسط -بطوله لا بعرضه- فوصلت إلى الأندلس وإلى المغرب، ولا تزال موجودة فيها. فلما أصابتنا النكسة في عاداتنا وهجرنا هذه الدور، وسكنا صناديقَ من الإسمنت ليس فيها بِرَك يجري فيها الماء ولا أشجار يتدلى منها الثمر ويرقص على أفنانها الزهر، ولا تستر نساءنا ولا تكتم

стр. 2560

أسرارنا، ودَنَت سقوفها من الأرض فخفضنا لذلك رؤوسنا ... لمّا كان ذلك لم يعُد لهذه الشجرة مكان، فكلّمتُ متحف الفنون الشعبية فاشتراها بألف ليرة من نحو أربعين سنة، وهي تعدل اليوم أكثر من عشرين ألفاً. وهذه الدار إحدى الأعاجيب، ولعلّي أعود يوماً إلى الكلام عنها. * * * ومن الصور الرمضانية في مصر اثنتان كنت في كليهما مع الأستاذ الزيات؛ أخذني أولاً إلى قصر عابدين وقد مُلئت ساحته بالكراسي وفُتحت أبوابها للداخلين، وجاء الملك فاروق بالقرّاء يقرؤون القرآن بالأنغام ويعدّدون القراءات، فمن رواية حفص عن عاصم إلى وَرْش عن نافع إلى غيرهما، وكلما ازداد تعداد القراءات والتنقل بين المقامات والتفنّن في النغمات كان ذلك أدعى لإعجاب الناس وقولهم: الله، الله، ما شاء الله، الله أكبر! كأنهم يسمعون أحد المغنّين أو إحدى المغنّيات في ملهى من الملهيات، والله يصف المؤمنين بأنهم الذين ﴿إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلوبُهم، وإذا تُلِيَتْ عَليهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيماناً﴾، فهل زادت هذه الآيات السامعين إيماناً أم زادتهم طرباً؟ لقد عدّها الناس يومئذ مزيّة للملك فاروق. وتلاوة القرآن في مصر تُعَدّ قربة لذاتها، ومن عادة الوجهاء والكبراء أن يفعلوا مثل الذي فعل الملك فاروق، بل إنه أراد القربة إلى الله والتحبّب إلى الناس بأن يفعل مثلما فعلوا. حتى إن من التجار من يأتي بقارئ

стр. 2561

يتلو شيئاً من القرآن عندما يفتح محلّه صباحاً قبل أن يزاول عمله. وهذا حسن، ولكنهم يخلطونه بآخر سيّئ هو أنه لا يُصغي أحدٌ للقارئ ولا يتدبّر معنى ما يسمع منه، فكأن القرآن عندهم كلمات مُعَدّة للتلحين لا يُراد منها إلا التغنّي بها. ولقد سمعت مرة قارئاً يتلو قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فغُلُّوهُ، ثمّ الجحيمَ صَلّوهُ، ثمّ في سِلْسِلةٍ ذَرْعُها سَبْعونَ ذِراعاً فاسْلُكُوه﴾، هذا الكلام الذي ترتجف له القلوب من الخوف ومن شدة الوعيد كان يقرؤه القارئ بنغمة السيكا (وهي نغمة مرقّصة) وهم يتمايلون طرباً كأنهم لا يفكّرون بمعنى ما يسمعون! أفهؤلاء ممن يتدبّر القرآن؟ هل فهم هؤلاء معنى ما يقرأ القارئ ويسمعون؟ وإنك لتجد في رمضان في بيت الله الحرام خمسين ألفاً بأيديهم المصاحف يقرؤون القرآن، ولكن لا تجد خمسين منهم يفهمون أو يفكّرون في أن يفهموا معاني ما يقرؤون. فلو أن رجلاً أخذ الجريدة فقرأها من العنوان إلى آخر ما نُشِر فيها من إعلان، ثم سألتَه عن الأخبار التي كُتبت بالعناوين الكبار فقال لك: إني لا أدري. هل تراه قد قرأ؟ وهل القراءة أن نحرّك الألسنة بالحروف أو أن نفهم المعاني التي تحملها الحروف؟ على أني لا أُنكِر أن لقارئ القرآن أجراً على كل حال؛ له على كل حرف يقرؤه أجر، ولكن الله يقول: ﴿أفلا يَتَدبّرونَ القُرآنَ أمْ على قُلوبٍ أقْفَالُها؟﴾، فمتى نكسر هذه الأقفال حتى نفهم ما يُقال؟ * * *

стр. 2562

وعرض عليّ الأستاذ الزيات أن يأخذني إلى قهوة الفيشاوي. وأنا لست من أحلاس المقاهي الذين ينفقون من أعمارهم في ارتيادها الساعات الطوال، يتنفّسون فيها هواء فاسداً يؤذي الصدر ويسمعون من قرع حجارة النرد (الطاولة) وصياح النُّدل (الجارسونات) ضجّة تُصِمّ الآذان، فهممت بالاعتذار فقال: إنها ليست كما تعرف من المقاهي وليس فيها إلاّ الشاي الأخضر الذي تحبّه، ويرتادها في مثل هذه الليالي أعلام الأدب وأرباب الفنّ يذكرون بها مصر التي كانت قبل خمسين سنة. فذهبتُ معه، فإذا هي كما قال: قهوة من مقاهي الأحياء القديمة في مطلع هذا القرن، كأن التاريخ مرّ بها ونسيها ها هنا، فلم تمشِ مع مصر في طريق الحضارة المستورَدة من حيث مشَت بل بقيَت في مكانها. وهذا ما يرغّب الناس فيها ويجعلهم يتعلّقون بها. والإنسان مفطور على حب الجديد، ولكنه يحنّ إلى القديم. وأنا أقيس نشاط الشعب في كل بلد أنزله بأمرين: مشي الناس في الشوارع وقعودهم في المقاهي. والناس في ألمانيا مثلاً لا يمشون إلاّ مسرعين، وما رأيت في بلد فيها (وقد زرت أكثر بلادها) مَن يمضي ساعة في المقهى أو ساعتين كما يفعل الناس في غيرها من البلاد. * * * ومرّ بي رمضان وأنا بعيد، دخل عليّ أوله وأنا في كراتشي في باكستان وآخره وأنا في جاكرتا في أندونيسيا، وترك في ذهني صوراً لم تذهب بها الأيام من سنة ١٣٧٣هـ إلى الآن، وإن ذهبت

стр. 2563

صور مثلها أكثر عدداً منها. دُعينا في كراتشي إلى طعام الإفطار. وأنا لا أكاد أستثقل شيئاً ما أستثقل أن أُدعى إلى طعام، وكانوا يُكرِهونني أحياناً فأجيب مرغَماً، ثم عزمت أمري ورفعت راية العصيان، وأعلنت أنني لا أذهب إلى وليمة مهما كانت الحال ومهما كان الشأن. وكراتشي بلدة كبيرة مترامية الأطراف، فساروا بنا بين طرفَيها ما يقرب من مسافة القَصر! وكنا جياعاً، وكان النهار طويلاً والحرّ شديداً والصوم مُتعباً، فقدّموا لنا تمراً وشراباً بارداً وفاكهة قليلة، ثم أقاموا الصلاة فصلّينا، فلما سلّمنا حسبت أننا نتوجه إلى المائدة، فإذا نحن نوجه إلى الباب! قلت: ما هذا؟ قالوا: هو هذا، إنها دعوة إلى إفطار وقد أفطرتم، فتفضّلوا مشكورين. أي فانصرفوا مطرودين! وخرجنا جائعين كما دخلنا جائعين. هذه صورة لها في الفم طعم فيه مرارة، ولكن يحلّيها صورةٌ أخرى إلى جنبها كأنها من حلاوتها عسل الشهد، هي صورة إفطار في السفارة المصرية مع سفير مصر، الأديب الكبير والمسلم الصادق والعربي الأصيل، الأستاذ الصديق الدكتور عبد الوهاب عزام رحمة الله عليه. والعظيم فيها أنها وُضعت مائدة واحدة قعد عليها السفير وموظفو السفارة والعمّال فيها والفرّاشون والخدم، كلهم قعدوا إلى مائدة واحدة وأكلوا طعاماً واحداً، فكان مجلساً إسلامياً يشرح الصدر ويُرضي الله. وكل أبناء مصر عرب، ولكن آل عزام وآل الباسل (وأحسب

стр. 2564

أن منهم أيضاً آل أباظة) هؤلاء عرب جاؤوا من غرب مصر، من الشمال الأفريقي، فدخلوا واديها فصاروا على مرّ الأيام من أهلها. وإن وقفتم معي وقفة قصيرة حدّثتكم حديثهم الذي سمعتُه من الأستاذ عبد الرحمن عزام باشا، لمّا كان سفير مصر في بغداد وكنت مدرساً فيها سنة ١٩٣٦ (١٣٥٤هـ). هل تعرفون نظرية الموجات البشرية في جزيرة العرب التي ألّف فيها خالي محب الدين الخطيب كتاباً صغيراً من أكثر من نصف قرن؟ إن جزيرة العرب تكاد تكون الموطن الأول للبشر، فهي تموج بأهلها مَوَجان مياه البحر، تدفع كلُّ قبيلة مَن تكون أمامها حتى تخرج آخرُها من حدود الجزيرة، فتمضي غرباً إلى مصر، كما مضت موجة قديمة تحمل «مينا» أول فراعنة مصر ومؤسّس الأسرة الأولى، أو تمضي شرقاً إلى أرض الرافدَين (العراق)، أو تمرّ إلى الساحل الشامي فتستقرّ فيه ثم تُبحِر منه، كما فعل الفينيقيون الذين أسّسوا في الشمال الإفريقي مدناً كان منها قرطاجنّة (قرطاجة) التي صارعت يوماً روما يوم كانت روما سيدةَ القارات الثلاث، وأخرجت القائد الذي غلب يوماً روما سيدة القارات. لقد حدّثني الأستاذ عبد الرحمن (رحمة الله عليه وعلى الدكتور عبد الوهاب، وهو عمّه) أن القبائل في الشمال الإفريقي صورة مصغَّرة لِما كان في الجزيرة، تدفع قبيلةٌ من أقصى الغرب القبيلةَ التي تليها، وهذه تدفع التي بعدها، حتى تدخل آخرُ واحدة وادي مصر فتكون من أهل مصر. * * *

стр. 2565

ومن ذكريات رمضان في أندونيسيا صورة لا تزال واضحة خطوطها، هي أني كنت -كما مرّ بكم- في الفندق الكبير جداً في الجناح الفخم جداً، ولكني كنت ضيق الصدر جداً، أصوم ثم لا أجد على مائدة الإفطار ما آكله. لا لقلّة الطعام بل لأني لا أجد طعاماً أعرفه وآلفه، ثم إنه مملوء بهذه «الشَّطّة» التي تُلهِب الفم وتحرق الصدر. وقد أوصيتهم على طعام يُعِدّونه لي، فما أحسنوا إعداده ولا أسغت طعمه. في هذه الشدة سخّر الله لي اثنين كريمين، رجلين دبلوماسيَّين: سفير مصر الأستاذ العَمْروسي، والقائم بالأعمال السعودي الأستاذ عزّة الكُتْبي، ففتحا لي دارَيهما فعرفت كيف آكل، وأعرف الآن كيف أشكر. ولمائدة الإفطار في رمضان سحر ولها فلسفة، هي أن الناس كلهم فيها كطلاب المدرسة الداخلية أو أبناء الأسرة الواحدة، حين يجتمعون على المائدة في وقت واحد، يأكلون طعاماً قد لا يكون واحداً في نوعه ولكنه -بعد هذا الصيام- يكون واحداً في لذّته. والحديث عن ذكريات رمضان حديث طويل لا أكاد أفرغ منه إن أردت استيفاءه. إنها ذكريات ثمانين سنة، اتركوا من أولها خمساً كنت فيها صغيراً لم أكن أدرك ما حولي ولا أحفظ ذكريات ما أدرك في صدري، فهل ترونني أستطيع أن أجمع ذكريات ثلاثة أرباع القرن ثم ألخّصها ثم أحدّثكم حديثها؟ فما لا يُدرَك كله لا يُترَك قُلّه (أي قليله). * * *

стр. 2566

-١٩٨ - في «آخِنْ» عاصمة شارلمان الآن بعد أن بلغَت الحلقات المنشورة من هذه الذكريات مئة وسبعاً وتسعين أدركت أني لن أفلح في تدوينها، وأني كمن يرسله أهله في حاجة لهم يتعجلون قضاءها، قد حدّدوا له غايته ورسموا له طريقه، فمشى متمهلاً، كلما أبصر جمعاً من الناس وقف عليهم أو سمع متكلمين أصغى إليهم، وبدلاً من أن يمضي في طريقه قُدُماً جعل يسلك ذات اليمين مرة وذات الشمال. فأنا كلما حزمت أمري واستقمت في سيري جاءني صارف يصرفني. ورد عليّ اليوم من آخن في ألمانيا مطبوعتان: إحداهما نكأت عليّ جرحاً حسبت أنه اندمل، ذكّرتني بأكبر صَدْع أصاب قلبي، ثم لم أستطع أن أسخّر لوصفه قلمي وأنفّس بما أكتب عن نفسي. لقد خانني هذا القلم الذي صحبته ستّين سنة فكان دائماً أسرع مني إلى ما أريد، وكان يشفي الفؤاد ويصيب الغرض، فما له اليوم وقف فما يسير؟ هل أدركه الكبر كما أدرك صاحبَه؟ نعم، ومَنْذا الذي لا يصيبه الهرم؟ النسر الذي لا يرتضي لعشّه إلاّ الصخور العوالي في شُمّ الذرى ويضرب بجناحيه في

стр. 2567

جِواء الفضاء وينحطّ على فريسته انحطاط حتم القضاء، يأتي عليه يوم يأوي فيه إلى السفوح ويهون أمام بغاث الطير. والأسد سيد الغاب، يدركه الهرم فيجرؤ عليه صغار السباع. والسنديانة الضخمة يجفّ عودها فتصير حطباً، إن لم تحطمه الرياح نالت منه فأس الفلاح. ولا يدوم على عظمته وجلاله إلاّ الحيّ القيوم. لقد استحييت من كثرة ما بدأت حديثاً ثم قطعته ووعدت أن أعود إليه فشُغلت بغيره، وصرت أكتب وأحدّث في الرائي والإذاعة ببقايا النشاط الذي كان لي يوماً، وإني لأقدّم ما أقدّمه هنا في الجريدة وفي الرائي على استحياء. وأنا أعلم أن أدباء كباراً يتفضلون عليّ بالكثير من الثناء الذي لا أستحقّه، ينظرون إليّ بعين الرضا التي تكلّ أو تُغضي عن إدراك العيوب. بالأمس كتب عن حديثي «على مائدة الإفطار» الأستاذ تركي السديري في جريدة «الرياض» كلمة أخجلَتني وجعلتني أندم على أني لم أجوّد أحاديث رمضان هذا العام لأستحقّ منه بعض هذا الثناء، ومن قبله كتب متفضلاً الأستاذ عبد الله بلخير الصديق القديم، ومن قبلهما الأستاذان الكبيران أحمد أبو الفتح والأستاذ أكرم زعيتر. وهؤلاء كلهم أعلام يعتزّ من ينال منهم بعض ما نلت، لولا أنني أعرفهم كراماً يُعطون الكثير وأعرف أني لا أستحقّ الأقلّ من هذا الكثير. لقد أدركت أني لن أفلح في السير في تدوين هذه الذكريات كما يسير الناس، لأني لا ألتزم فيها أسلوباً من الأساليب التي

стр. 2568

اتبعها الأدباء، وأني بنيتها على الفوضى لا على الترتيب، وأني على مذهب من قال (وأظنّ ظناً لا يقيناً أنه حافظ إبراهيم): ولذيذُ الحياةِ ما كانَ فَوضى ... ليسَ فيهِ مُسَيْطِرٌ أو نِظامُ وخير لي لو اتبعت ما قاله الشاعر القديم جداً، الأَفْوَه الأَوْدي: لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لاَ سُراةَ لَهُمْ ولا سُراةَ إذا جُهّالُهم سادوا * * * ولكن لماذا لم أكمل ما بدأتُ به من القول وجئت أستأنف قولاً جديداً؟ لماذا أدع مصر سنة ١٩٤٧ وقد بدأت حديثي عنها لمّا كنت فيها، لأكتب عن رحلتي إلى ألمانيا سنة ١٩٧٠؟ ولماذا لم أكتب عن هذه الرحلة لمّا كنت فيها أو يوم كانت حوادثها ماثلة في ذهني بارزة بين ذكرياتي، وأتيت أكتب عنها الآن؟ لماذا تركت حصاد قمحي يوم الحصاد، وأبقيته في سنابله ستّة عشر عاماً حتى أكلَت منه الطير وامتدّت إليه أيدي اللصوص، فلما لم يبقَ منه إلاّ الأقل شرعت أجمعه؟ لماذا، لماذا؟ وكل واحدة من هذه «اللماذات» يأخذ جوابه صفحات. أكتب عن رحلة ألمانيا لسببين: سبب عاطفي حرّك كوامن قلبي، وسبب عقليّ نبّهني إلى واجب يوجبه عليّ ديني. ذلك أنه ورد عليّ مطبوعتان، في إحداهما كلمات وجدوها في أوراق

стр. 2569

بنتي التي قتلها المجرمون في بيتها في آخن غدراً وغيلة، وفي الأخرى مختارات لها طبعوها طبعاً أنيقاً. والمطبوعة الثانية فيها بعض ما يصنع المركز الإسلامي في ألمانيا، في المدينة التي يسمّيها الألمان «آخِنْ» ويدعوها الفرنسيون «إكْس لاشابيل»، والتي كانت يوماً عاصمة شارلمان لمّا كان يحكم غربي أوربا، وفيها قصره وفيها آثاره. انتزعتني هذه المطبوعات مما كنت فيه وحملتني حملاً إلى سنة ١٩٧٠، لمّا ذهبتُ إلى تلك البلدة وجلت في البلاد من حولها: في مدن ألمانيا وبلجيكا وهولندا، يأخذونني إلى مجتمعات الشباب فأحدّثهم على قلّة علمي، وأحاضرهم وأجيب على أسئلتهم بمقدار ما يفتح الله عليّ من الجواب. وهذا المركز يعمل على نشر الإسلام عملاً عظيماً، إن لم يهتمّ به الناس فأرجو الله أن يجزيهم عليه الثواب. عندهم ندوة شهرية في يومَي السبت والأحد من آخر كل شهر يحضرها نحو ألف من الرجال والنساء والطلاّب والعمال، يأتون إليها من أطراف البلاد، ومنهم من يقطع حتى يحضرها ثلاثمئة أو أربعمئة كيل (كيلومتر). وعندهم درس يوميّ للقرآن بعد صلاة الظهر، ودرس أسبوعيّ للفقه، وجلسة ثقافية يوم الجمعة يحضرها الرجال والنساء منفصلين كما يوجب الشرع. ثم إنهم يهتمّون بالأطفال فيدرّسونهم اللغة العربية لئلاّ ينسوها إذ يقيمون في بلد لا يسمعون فيه من يتكلم بها، والقرآن الكريم والثقافة الإسلامية، وعندهم اليوم ١٨٥ طفلاً تركياً و٣٥ طفلاً يوغسلافياً.

стр. 2570

ثم إن لهذا المركز نشاطات اجتماعية، فهم يُعِدّون في رمضان مائدة إفطار مشتركة ثم يشتركون بعدها في إقامة الصلاة: العشاءَين والتراويح. ولقد أدركت رمضان مرة عندهم فوجدت جواً روحانياً لا أكاد أجد مثله اليوم في بلد من بلاد المسلمين (إلاّ المملكة فرمضان فيها ما له نظير) وكل من يحضره من الشبّان ومن الشابّات، والشاب الذي ينشأ في طاعة الله أحدُ الذين يظلّهم الله بظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه. ثم إن هذا المركز يعقد عقود الزواج، ويقيم حفلات التخرّج لشباب المسلمين، ويشارك في كثير من الجمعيات الإسلامية، وله كما علمت لقاءات منظَّمة في أوربا. وفي أوربا اليوم من المسلمين ما يزيد على ستة عشر مليوناً، إن لم يتدارك المسلمون فيها أولادَهم خسروهم وأضاعوهم، لذلك عزم المركز على توسعة بنائه توسعة تزيد أضعافاً على ما هو عليه الآن، وأن تكون فيه مدرسة للبنين ومدرسة للبنات، وأسأل الله أن يُلهِم القادرين مساعدتهم على ذلك. وأنا قد زرت أكثر البلاد الإسلامية، فما وجدت أزمة بخل ولكن وجدت أزمة ثقة. لقد كثر المدّعون الذين يجمعون الأموال لمشروعات إسلامية وهمية حتى ضاعت ثقة المسلمين بهم وبغيرهم. والقائمون على هذا المركز أعرفهم، ولا أشهد إن شاء الله زوراً إن قلت إنهم أمناء يضعون الأموال في مواضعها، ولست أقول هذا دعاية لأشخاص بأعيانهم فليس الذي يهمّني العاملون وإنما يهمّني العمل، وهذا العمل إن شاء الله عمل إسلاميّ ضروري ونافع. * * *

стр. 2571

فتح عليّ هذا بابَ الكلام عن رحلتي التي رحلتها إلى ألمانيا، وقد دعاني يومئذ اتحاد الطلاّب المسلمين فيها إلى حضور مؤتمر في إحدى المدن الألمانية (في كيسن). وكنت أخشى السفر إلى أوروبا وأنكر على من يذهب إليها من غير ضرورة تُلزِمه زيارتها، وأتصوّر -لكثرة ما أسمع عن فسادها وفُشوّ المنكَرات فيها- أن الفواحش تُرتكب علناً على حاشية الطرق. فلما بلغتها ودخلت بضع عشرة مدينة من مدن أوربا الغربية لم أرَ فيها كلها مثل الذي كنت أراه في بيروت! على أني لم أعرف منها ولا من بيروت ولم أرَ إلاّ ما يراه الماشي في الطريق، ثم إني لم أنفرد بنفسي في أوربا أبداً، فقد كنت في السفر مع أهلي وفي التجوال مع نفر من الشباب المسلمين يسيرون دائماً معي لا يفارقونني، لذلك لا أستطيع أن أحكم على الخفايا التي لم أطّلع عليها، وأحمد الله على أني لم أطّلع عليها. كنت في عمّان فقطعوا لي تذكرة في شركة الطيران الألمانية (لوفتهانزا)، فركبنا من عمّان، وأنا أجد بحمد الله في كل سفرة -على قلّة سفراتي- مَن يجنّبني مشقّة الزحام في الوصول إلى الطيارة، فيُدخِلني المطار مدخلاً خاصاً ويخرج بي إلى ساحته مخرجا خاصاً ويُركِبني سيارة توصلني إلى سلّم الطيارة. وكان علينا أن ننام ليلة في بيروت لأن هذه الشركة لا تصل طياراتها إلى عمان. وكنت أعرف من فنادق بيروت فندق الأهرام للحاجّ أحمد المغربي، وقد سبق الكلام عنه، وعلى سطحه غرفٌ نحسّ فيها كأننا في منازلنا، والمجلس مع الحاج ومع من

стр. 2572

يكون عنده من خيار المسلمين مجلس إسلامي، والطعام طعام شاميّ، والحاج أحمد أحسن من كان يطبخه في بيروت ويقدّمه في قهوة الحاجّ داود، والشاي الأخضر بالعنبر بعده، والصلاة جماعة وبعد الصلاة مجلس فيه فائدة أو موعظة فيها نفع. ونزلتُ مرة في غيره لأني وجدت السطح مشغولاً، وكان الفندق الذي نزلت فيه معدوداً من فنادق الدرجة الأولى، فما كان مني إلاّ أن ذهبت إلى ساكن السطح الذي ألِفتُ المبيت فيه فأعطيته غرفتي في الفندق الكبير، وأخذت هذا السطح بغرفه القديمة وأبوابه التي لها صرير. وكنت أنزل تارة فندقاً يطلّ على ساحة البرج على يمين المتوجّه إلى البحر، يوم كان البرج قلب مدينة بيروت وكان فيه ملتقى خطوط الترام ومواقف السيارات وكان مجتمع الناس، وكان معي في تلك السفرة زميلي في المحكمة القاضي الشيخ مرشد عابدين، فقلت لصاحب الفندق: إن الغرفة التي تعوّدت النزول فيها مطلّة على الساحة وفيها ضجيج لا يدعني أنام، فأعطِنا غرفة في الجهة الأخرى. فأظهر الدهشة والعجب وقال: كيف تنزل في تلك الغرفة؟ فما فهمت سرّ سؤاله وحسبت أنه لا يرتضيها لي لأنها من غرف الدرجة الثانية، فأصررت عليها لأنني فضّلت هدوءها الذي قدّرته على فخامة الغرفة الأولى مع ضجيج الساحة. فلما خضع لرأيي ونزلنا الغرفة عرفت سرّ امتناعه؛ ذلك لأن نوافذها تطلّ على عمارات «المحل العمومي» الذي لم نكن نعرفه. وأنّى لي وأنا شيخ وقاضٍ شرعيّ وأنّى لزميلي وهو مثلي أن نعرف هذا المكان؟

стр. 2573

فلما أطللنا من النافذة ورأينا ما في تلك العمارات عرفت سرّ محاولته صرفي عن المبيت فيها. ذلك أن وراء صف العمارات القائمة على أكبر ساحة في المدينة حيّ كامل هو حيّ البغاء، فيه كما علمت المومسات وعلى أبوابهن لوحات بأسمائهن والأضواء ساطعة فيه والمنكَرات معلَنة. شيء ما كنت أظنّ أن مثله يكون في بلد من بلاد العرب وبلاد المسلمين (١). ولم أكن أعرف من الفنادق الكبرى الممتازة (كما يدعونها) إلاّ فندق سان جورج، أراه من ظاهره ضخماً متربعاً على الشط لم أدخل جوفه، فلما خبّرونا أن الشركة ستُنزِلنا أنا وزوجتي على حسابها في فندق ممتاز لأننا من ركّاب الدرجة الأولى في الطيارة حسبت أنهم سيُنزِلوننا فيه، وإذا هم ينزلوننا في أخ له لعلّه أضخم منه فرشاً من الداخل، ولكن ليست له هيئته ولا هيبته من الخارج، وقد قال العارفون إنه إن لم يَفُقْه لم ينزل في درجته عنه. ولم أستطع أن أنام إلاّ سويعات متقطعات، لأن من عادتي أن يطير النوم من عيني إذا كان عندي موعد صغير أفكّر فيه أخاف أن يفوتني، فكيف وأنا مُقدِم على أصعب رحلة في حياتي؟ ولقد رحلت من قبل إلى أقصى الشرق وسلكت الصحراء، ولكني كنت

стр. 2574

مَقُوداً لا قائداً، وكان معي من يرتّب لي أمري ومن يُزيح لي علّتي (كما كان يقول الأولون) ويُعنى بي ويهيّئ لي كل ما أحتاج إليه، وأنا اليوم مسؤول عن نفسي وعن زوجتي، أمشي إلى بلد لا أعرفه وليس في فمي لسان أخاطب به أهله. والفرنسية التي كنت أتقن نحوها وصرفها والتي أخذتُ بحظّ من أدبها واطّلاع على أخبار أدبائها (ولا أزال أستطيع أن أقرأ بعض ما كتبوا) تركت درسها من سنة ١٩٢٩، ثم إني من الأصل أقرؤها ولا أنطق بها، ذلك أن الفرنسيين الذين كانوا يعلّموننا لسانهم كما يعلّمونه أبناءهم في باريس، المناهج هي المناهج والكتب هي الكتب، هؤلاء الفرنسيون دفعونا بحماقتهم عن النطق بلسانهم. ثم إن الذي يحبّ أن ينطق بلغة عليه أن يفكّر بها، لا أن يفكّر بالعربية مثلاً ثم يترجم فكره إليها. أضرب لذلك مثلاً: أردت في بروكسل أن أركب سيارة أجرة، ففكّرت فيما أقوله له لو كنت في بلدي؛ أقول: خذني إلى محلّ كذا. فلما ترجمت له كلمة خذني ضحك وتعجّب مني، فقلت أكلمه بالفصيح فأقول كما كان يقول أجدادنا الأولون «احملني إلى كذا»، فلما سمع ترجمة احملني ازداد الخبيث كركرة وضحكاً، ذلك أنهم يقولون للسائق «قُدْني» (conduisezmoi)، لا يقولون خذني ولا يقولون احملني. * * * المسافر المُقدِم عادة على البلد المجهول تتنازعه عاطفتان، هذه تشدّه من هنا وتلك تسحبه من هناك: تطلُّع إلى الجديد، وكل جديد له لذّة، ورهبة من الظلام، وكل ظلام مقترن بالخشية. وقد

стр. 2575

عرفتُ من قبل طرفاً من إفريقيا لمّا ذهبت إلى مصر، ثم أوغلت في آسيا لمّا سافرت إلى السند والهند والملايا وجاوة، ولكن هذه هي أول مرة أزور فيها أوربا. وأصبحنا وذهبنا إلى المطار. وكان مطار بيروت يومئذ أكبر مطار رأيته في عمري، لا تكاد تهبط فيه طيارة حتى ترتفع منه أخرى، ولقد شبّهته يوماً بهذه الحياة الدنيا: نكون حول المائدة نتغذى أو نشرب الشاي، لا ندري متى تقوم طياراتنا بالضبط، فنسمع من المكبّر أسماء ناس منا يُدعَون إلى الطيارة المسافرة إلى باريس وناس إلى التي تقصد كراتشي والثالثة التي تذهب إلى أواسط إفريقيا، أليس هذا هو مثال الحياة الدنيا؟ نجتمع فيها على الطعام والشراب والحديث والعمل، لا ندري متى يُدعى الواحد منا إلى السفرة الطويلة التي لا يؤوب منها والتي لا يدري غايتها، لا يعرف هل يُدعى إلى الجنة والنعيم المقيم فيها أم إلى النار والعذاب الدائم، ونحن في غفلة ننسى مصائرنا، وننسى أن حياتنا على هذه الأرض حياة موقوتة، وأن مردّنا إلى الله، وأن الآخرة لَهي الحيوان، أي الحياة الدائمة الباقية. نسأل الله أن يوقظ قلبي وقلوبكم، وأن يردّنا جميعاً إلى دينه، وأن يحسن خواتيمنا. وقامت بنا الطيارة في موعدها المحدَّد لها، لم تتقدم عنه دقيقة ولم تتأخر عنه دقيقة. وهذه إحدى صفات المؤمنين، تَخلّينا نحن عنها وتمسّكوا هم بها. أليس من شأن المؤمن ضبط المواعيد؟ أليست مواعيدنا الإسلامية على الدقيقة؟ أليس الذي يفطر في رمضان قبل غروب الشمس بدقيقة يكون قد أفسد صيامه ووجب عليه القضاء؟ أليس الذي يصلّي قبل حلول وقت الصلاة

стр. 2576

بدقيقة لا تُقبَل منه صلاته؟ فلماذا علّمَنا الدينُ ضبطَ المواعيد ثم أقمنا حياتنا على الإخلال بها؟ ألم يقُل الرسول ﵊: آية المنافق ثلاث، منها أنه إذا وعد أخلف؟ فلماذا يعمّ الخُلف مواعيدَنا؟ مواعيدنا الشخصية، ومواعيد حفلاتنا واجتماعاتنا، ومواعيد دعواتنا وولائمنا؟ ولماذا أخذ هذه الحسنةَ منا غيرُنا وتخلّينا نحن عنها؟ وعلَت بنا الطيّارة فرأيت منظراً عجباً؛ رأيت كأن تحتي خريطة كبيرة مجسَّمة لقبرس (قبرس بالسين لا بالصاد) وطرف إيطاليا، فقلت: لا إله إلا الله، سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين. سخّر لنا الفُلك تجري في البحر بأمره، وسخّر لنا الخيل والبغال والحمير، وخبّرنا أنه يخلق ما لا تعلمون. من قال لمحمد ‘ -الذي عاش في بلد ما فيه مدرسة ابتدائية والذي لم يتعلم كتابةَ اسمه والذي لم يسمع بأرسطو ومن قبله أفلاطون- أن الله سيخلق غير هذه المراكب التي نراها؟ ثم سرنا فوق البرّ الأوربي فرأينا من تحتنا البلاد والقرى والجبال والبحيرات والطرق، منظر عجب كنت أغمض عيني تارة فأتصور أني أرى ذلك في منام. ألم يرَ كثير منكم في المنام أنه يطير على وجه الريح ويرى الدنيا من تحته؟ لقد حقّق الله هذا الذي كنا نراه بالأحلام! ثم هبطنا في ميونخ (التي يسمّونها مونْشِنْ) لمشاهدة الجوازات والإذن لنا بدخول البلاد، فوجدنا مطاراً هائلاً ومعاملة كريمة وثقة بالغة. ولم تكن يومئذ قد ظهرت بدع خطف الطائرات، ولا كانت مظاهر الإرهاب وإيذاء الركاب.

стр. 2577

وعدنا إلى الطيارة. وهنا ذهبَت السَّكْرة وجاءت الفكرة: إن الطيارة ستنزل في فرانكفورت، فأين الطيارة الأخرى التي تحملني إلى آخن؟ وحرت، فأنقذني الله بأن وجدت رجلاً كريماً عرف أني عربي مسلم حائر، وكان عربياً كريماً من البحرين. * * *

стр. 2578

-١٩٩ - رحلتي من فرانكفورت إلى آخن انتهت الحلقة السابقة وأنا في فرانكفورت التي لم أكن أعرفها ولا أعرف أحداً فيها. وكانوا يعلّموننا ونحن صغار في المدرسة أن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فوجدت هنا أني بنفسي أقلّ من القليل لأنني لا أُحسِن صنعاً ولا أعرف لنفسي وجهة، وأنه لا إخوان لي أتكثّر بهم. فجعلت أتلفّت حولي أفتّش عن مَنْجَى، ولا منجى ولا ملجأ إلاّ إلى الله، وحسب المؤمن الله. أدور كما كان يدور الأحوص في طرق المدينة ليرى أم جعفر: أدورُ ولولا أنْ أرى أمَّ جعفرٍ ... بأبياتِكم ما دُرْتُ حيثُ أدورُ وما في مطار فرانكفورت جعفر ولا أم جعفر. وكنت أرى مطار بيروت أكبر مطار فوجدتُه هنا غرفة في دار! كلاّ، ما هذا مطاراً ولكنه قرية كبيرة أو بلدة صغيرة، اللوحات التي تُرشِد إلى مخارجه فيها حروف معها أرقام، تدلّ على أنها عشرات وعشرات. جهنّم لها سبعة أبواب وهذه لها سبعون، وأنا فيها ... أرأيتم الصرصور يسقط في القدر الفارغة الملساء الجوانب، يعدو في كل اتجاه يريد أن يصعد وكلما صعد زلّت به القدم فسقط؟

стр. 2579

ورأيت مَن كان معي في الطيارة يؤمّون موضعاً يتجهون إليه يأخذون منه حقائبهم، فسرتُ من حيث ساروا، فوجدت نضداً مستطيلاً عليه الحقائب يمشي بها، بطيئاً مشيه، فكلما أبصر أحدهم متاعه مدّ إليه يده فأخذه ومشى، حتى مشى الناس كلهم وانقطع سير الحقائب، وبقينا أنا وزوجتي واقفَين لم نتسلّم متاعاً ولم نقضِ من وقوفنا وطراً. فذهبتُ فكلّمتهم فما فهموا عني وكلّموني فما فهمت عنهم، فأدركت مبلغ الخسارة التي خسرتُها حين لم أُحسِن النطق بالفرنسية. وماذا ينفعني أن أفهم ما قرأت من روائع أدبها وبدائع بيانها، وأنا لا أدري كيف أستعملها للسؤال عن متاعي؟! على أن الفرنسية لم تعُد شيئاً أمام الإنكليزية التي فرضها نشاط أهلها على ربع العالَم؟ ولقد قلتُ قديماً مقالة حقّ لا مقالة عربي يتعصّب للسانه: إن العربية في الدرجة الأولى بين الألسُن واللغات، والدرجة الثانية والثالثة شاغرتان فارغتان لا شيء فيهما، وفي الدرجة الرابعة الفرنسية، أما الإنكليزية فتأتي متأخرة ولكن نشاط أهلها هو الذي قدّمها. انصرف الناس وبقيتُ حيران لا أنصرف. و «حيران» ممنوع من الصرف إذا كنتم لا تزالون تذكرون ما درستم من قواعد اللغة العربية. هنا، وعند شدة الضيق يأتي الفرج؛ جاء الفرج من البحرين. والنسبة إليها عند العرب «بحراني»، ولكنهم (ولست أدري لماذا) لا يحبّون أن يُدعى أحدهم بها. وباب النسب عند العرب أكثره سَماعي، فإن نسبوا إلى المدينة المنوَّرة (بنور الإسلام) قالوا: «مدني»، فإن وجدتم بين المحدّثين من اسمه «المَديني» فهي نسبة إلى مدينة المنصور، أي إلى بغداد أول

стр. 2580

مابناها، فإن قالوا «المدائني» فالنسبة فيها إلى مدائن كسرى. وكان رجلاً عربياً كريماً، تاجراً من البحرين، مرّت ستّ عشرة سنة ما نسيت فيها ما كان من فضله وإحسانه ولكن نسيت أول اسمه، أمّا آخره فباقر. فهل تعرفون في آل باقر في البحرين رجلاً كان سنة ١٩٧٠ مسافراً إلى ألمانيا؟ إذا رأيتموه فأبلغوه أني لا أزال أذكره وأشكره وأدعو له. رآني غرقان فأخذ بيدي؛ سألني عمّا أريد، فلما عرف خبري مدّ لي يد العون. وكان له عميل ألماني كأنه من عفاريت الجنّ، خرّاج ولاّج سريع الحركة واسع الحيلة كبير الطاقة، فهم قصّتي فدخل من حيث لم أكن أقدر أن أدخل وقال ما لم أستطع أن أقول، فجاء بالحقائب محمولة على عربة صغيرة تسير. وإذا خبرها أني لمّا وكّلت مَن يقطع لي التذكرة في عمان قلت له أن يوصلني بها إلى بروكسل فالسفر منها إلى آخن سهل ميسور، ما عليّ إلاّ أن أركب القطار فأصل بعد ساعة واحدة إلى آخن، ثم إن بروكسل ينطق شطرها باللغة الفرنسية، وأحسب أن ما بقي لدي من الفرنسية (وقد هجرتُها وتركتها من سنة ١٩٢٩) أن ما بقي لديّ منها يكفي ليوصلني من بروكسل إلى آخن. وآخن عند ملتقى حدود ألمانيا وبلجيكا وهولندا، حتى إن الحدود ربما كانت فيها فكان هذا الجانب من الشارع من أرض هولندا أو بلجيكا والجانب الثاني من أرض ألمانيا، وكان الانتقال سهلاً والأبواب مفتَّحة. فلما رأوا بطاقة سفري نقلوا حقائبي إلى الطائرة التي تذهب إلى بروكسل، وكان عليّ أن أنتقل معها، وقيامها موقوت بوصول

стр. 2581

طائرتنا، ولكني كنت في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعض: جهل بالمكان، وجهل بالسكان، وجهل باللسان؛ فتركت الطائرة تُفلِت مني وبقيتُ في مكاني، فلم يبق إلاّ أن أبيتَ في فرانكفورت لأركب طائرة أخرى إلى بروكسل من الغد. وأخذَنا السيد باقر جزاه الله خيراً معه في سيارته إلى فندقه. وكان قد حجز له غرفة في فندق كبير، وكان في البلد معرض لست أدري ما هو كَثُرَ بسببه زوّار البلد حتى ضاقت بهم فنادقها، فحاول أن يجد لنا في فندقه غرفة فما استطاع، فترك عمله -أحسن الله إليه- وذهب معي في سيارته حتى وجد لي غرفة في فندق آخر، دون الذي ينزله هو وفوق الذي كنت أطلبه أنا، والشرط أن يكون في الغرفة حمّام حتى لا أُضطرّ إلى الخروج منها ومشاركة مَن لا أُحبّه في مرافقها، وهذا شرط أصرّ دائماً عليه ولا أقدر أن أتنازل عنه. فاختار لي الغرفة، وكلّم هو وعميله مديرَ الفندق أمامي فأمر بإصعاد المتاع إليها لنصعد نحن بعدها، فلما رأيناها وجدناها بلا حمام، فعدتُ إلى صاحب الفندق أكلّمه فلا يفهم عني. وكان كهلاً ألمانياً عصبياً حديد المزاج سريعاً إلى الشجار، وكنت في هذا كله مثله، بل كنت أكثر منه! فاختلفنا، وتركت الغرفة وخرجت أشتمه بلساني فتذهب الشتائم كالطلقات الطائشة من الرشاش تذهب في الفضاء فلا تصيب أحداً! بلغنا الشارع ووقفنا فيه، ولم نعرف لنا مذهباً نذهب إليه. وماذا أصنع وأنا في بلد غريب ولا أعرف فندق صاحبي لأذهب

стр. 2582

إليه؟ فتصوّروا حقائبي على رصيف الشارع وأنا وزوجتي واقفان، وقد برّح بنا التعب فلم تعُد تستطيع الوقوف. وندمت على ترك الغرفة، لأن غرفة بلا حمّام خيرٌ من النوم على الرصيف ... هذا إن تركونا ننام عليه ولم يقبضوا علينا قبضهم على المشرَّدين فيكون مبيتنا في السجن! هنالك بلغتُ من اليأس قرارته وضاقت بي المسالك، بل لقد سُدّت في وجهي السبل. وحين تُسَدّ سبل الأرض كلها لا يبقى إلاّ سبيل واحد لا يُسَدّ أبداً ويظلّ دائماً مفتوحاً لا يردّ قاصداً، هو سبيل السماء، هو الدعاء، هو أن تدعو الله مخلصاً له الدين واثقاً من كرمه بالإجابة. وشرح الله صدري فذكرت أن السيارة لم تمشِ من الفندق الكبير إلى هذا الذي تركتُه إلاّ قليلاً، فهو إذن قريب. فجعلت أمشي على مهل حتى لا تضيع مني زوجتي، أتلفّت إليها تارة وأنظر أمامي تارة أتفرّس في وجوه الناس، حتى وجدت وجهاً يُشعِر بالطمأنينة فسألته بالفرنسية عن الفندق الكبير، ففهم والحمد لله عني ودلّني، فإذا هو قريب، فذهبنا إليه. والمصيبة في ما رأينا من المحطات والمطارات أنه ليس في شيء منها حمّالون كالذي نراه في بلادنا، وإنما فيها عربات صغار يوضع فيها المتاع وتُدفَع بالأيدي. لكنني في شارع، فمن أين آتي بالعربة؟ فأخذتُ سيارة أجرة وقلت له: خذني إلى الفندق الكبير. وكلمة فندق (أوتيل) تكاد تكون كلمة عامّة يفهمها الناس كلهم على اختلاف ألسنهم، وعجبتُ من نفسي كيف لم يخطر لي من أول الأمر أن أركب سيارة توصلني إليه. ودخلت الفندق وسألت عن صاحبي فوجدته مع عميله

стр. 2583

الألماني قد بسطوا دفاترهم يتكلمون، فلما رآني ترك ما هو فيه جزاه الله خيراً وجعل همّه مساعدتي. ولم نكن قد أكلنا شيئاً ولا صلّينا الظهر (وإن نوينا الجمع)، فأخذنا إلى غرفة في الفندق كانت خالية استأجرناها إلى غروب الشمس فقط، فاسترحنا وأكلنا وصلّينا. ورجعت إلى صاحبي أسأله: ما العمل؟ قال عميله: لِمَ لا تذهب بالقطار؟ قلت: إن السفر بالقطار أحب إليّ، ولكن هل يمضي رأساً إلى آخن؟ قال: بل لا بدّ من تبديله في بلدة كذا (ولقد نسيت الآن اسمها). قلت: هلمّ بنا. وكانت محطة القطار مواجهة الفندق في الشارع الذي كنا فيه، فذهبنا إليها، وسألته أن يقطع لي تذكرة في الدرجة الأولى، فحاول أن يُفهِمني (وكان يعرف كلمات من العربية) أن الثانية قريبة من الأولى وهي أرخص منها، ولكني لخوفي من المشقّة ورغبة في الراحة بعد ما رأيت من التعب أصررتُ على الدرجة الأولى. وأقعدني في غرفة للانتظار فيها مقاعد مريحة وخبّرني أن القطار يأتي بعد عشر دقائق، وودّعني لينصرف فحاولت أن أدسّ في يده مبلغاً من المال جزاء ما تعب بي فأبى واستنكر، بل لقد استكبر أن يأخذه وكاد يغضب، فتركته وأجزلت له الشكر وفارقته. * * * وأخذنا مكاننا في القطار، وسلك بنا طريقاً من أجمل ما عرفتُ من الطرق في حياتي، وكان يمشي على شطّ نهر الراين أرى منه النهرَ والسفن تجري فيه، والقرى والمدن على شطَّيه، والجبال الشَّجْراء من حولها ... منظر كان متعة للنفس وفرجة

стр. 2584

للنظر، لولا أني كنت منشغل الذهن أخاف أن أصل إلى حيث يجب أن أبدّل القطار فلا أتنبّه إليه فيمضي بي إلى بلد لا أعرفها. ووادي الراين لمن عرفه من أجمل الأنهار، ولكن يد البشر ما مسّت شيئاً خلقه الله إلاّ أفسدته ومحت جماله ونقصت كماله. فقد سلّطنا عليه المصانع فلوّثت ماءه وعكّرت صفاءه، حتى إنني لمّا جئت بعد هذا بستّ سنين (سنة ١٩٧٦)، وكانت سنة قحط، وجدته -فوق ما حلّ به من البلاء- قد قلّ منه الماء وتلوّث وفسد حتى صارت رائحته تؤذي الناس على الشطّين. وكنت أرى في تلك السنة الغابات في الجبال تشتعل ولو لم تمسسها نار، من شدة الحرّ واحتكاك الجذوع أو مما لست أدري، وكذلك البلاء إذا نزل لا يُرَدّ. ولكن أين مَن يعتبر؟ بالأمس القريب أُعلن أن الشيوعيين سينشطون في خططهم في نشر الإلحاد ومحاربة الأديان، يحسبون أنهم يتصرفون في ملك الله، فأدّبهم الله بأدقّ خلقه، بشيء يبلغ من صغره أنها لا تراه العيون ولا بالمكبّرات والمجاهر: بالذرّة. فكان ما كان في تشرنوبيل، ولَعذاب الآخرة أشدّ لو كانوا يعلمون. وما زلت كلما وقف القطار في محطة أسأل: أهذه مدينة كذا (١) التي يجب علينا أن نبدّل فيها القطار؟ فيقولون: لا. حتى إذا بلغتها جاؤوا فخبّروني (وقد سمعوني أسأل مرات) يقولون لي: هذه هي فأعدّ نفسك للنزول. ونزلنا من القطار، وأبواب القطار عادة عالية، لذلك يرفعون أرض المحطات حتى يسهل

стр. 2585

الخروج منها والدخول إليها فيكون القطار كأنه يمشي في حفرة من الأرض، ثم ننزل من المحطة على درجات فنصل إلى الشارع. دَلّوني على القطار الذي ينبغي أن أنتقل إليه فإذا بيني وبينه حفرتان من هذه الحفر التي تمشي فيها القطارات، أي أن عليّ أن أنزل إلى الشارع ثم أصعد من الجهة الأخرى حتى أبلغ القطار الذي أريد. وكانت حقائبي ثقيلة فحرت ماذا أصنع، وإذا بشابّ عريض المنكبين قويّ الساعدين يتدفق صحّة وقوة، فسألني بالإشارة عن القطار الذي أريد فأشرت إليه، فأمسك بالحقيبتين باليدين وقفز قفزة واحدة من جانب إلى جانب وأتبعها بقفزة أخرى، وأشار إليّ أن أنزل أنا بالدرَج. فنزلت وأنا ألهث من التعب وزوجتي معي حتى صعدنا، وخفت (و «سوء الظنّ من أغلى الفِطَن» كما يقولون) أن يذهب بها، وإذا هو قد وضعها لي في غرفة القطار وأمرني أن أصعد، وبدأ القطار يتحرّك فمددت يدي إليه بشيء من المال، فجعل يشكرني بوجهه الذي انطلقت منه الأسارير وضحكته التي بلغت أقصى الخدّين ولسانه الذي تدفّقت منه الكلمات وإشارات يديه. فعجبَت زوجتي وقالت: كم أعطيته؟ قلت: أعطيته ماركاً ونصف المارك. قالت: هذا الشكر على أكثر من ذلك، فاحسب ما معك. فما عرفت كيف أحسب، قلت: إذا رجعنا حسبنا. فلما رجعنا وحسبت ما كان معي وجدت أنني لم أعطه ماركاً ونصف المارك بل أعطيته مئة وخمسين ماركاً، لذلك كان منه هذا الشكر العجيب. هنالك اطمأننت لأني علمت أني لن أنزل من مركبي إلاّ في

стр. 2586

آخن، وجعلت الآن أتأمل ما حولي وأستمتع بما أمرّ به من جميل المناظر. وكذلك تتغير الدنيا أمام الإنسان بتغيّر حالة نفسه، فكأنه يراها من خلال زجاج وضعه أمام عينه، فإن كان مبتئساً كان زجاجاً أسود رأى الدنيا من خلاله سوداء، وإن كان مسروراً أبصرها من خلال زجاج وردي فرآها مشرقة مزهرة. رأى لامارتين البحيرة لمّا كان مع إلفير بغير العين التي رآها بها لمّا عاد إليها وحده بعدما ماتت إلفير، فأنشد فيها قصيدته التي تُعَدّ رائعة في الأدب العاطفي الرومانسي، والتي ترجمها الزيات نثراً وإلياس فيّاض شعراً، فتصرّف في معانيها وعبّر عنها بخياله العربي فقال في مطلعها: أهكذا تنقضي دوماً أمانينا نطوي الحياةَ وليلُ الموتِ يطوينا تَمضي بنا سُفُنُ الأيامِ ماخرةً بحرَ الوجودِ ولا نُلقي مَراسينا بل لعلّ الفيلسوفَ المتشائمَ تشاؤمُه لعلّة في جسده أو نكبة في معيشته. لو كان أبو العلاء المعرّي مبصراً يرى الدنيا ويعيش كما يعيش الناس هل كان يقول هذه الأشعار؟ أوَلم يكن يختلف شعره لو كان له مثل جسد بشّار (وهو أعمى مثله) ومثل شهوته ومثل إقباله على طعامه وشرابه؟ لي رسالة عنوانها «في التحليل الأدبي» مطبوعة من خمس وخمسين سنة شرحت فيها أثر التكوين الجسدي والوضع الاجتماعي والحالة النفسية للأديب في أدبه (١). * * *

стр. 2587

وبلغنا آخن، وقلت لسائق السيارة أن يأخذني إلى المسجد، وكان معروفاً ولم يكن في البلدة مسجد غيره، وكان أمام المحطة الفرعية للقطار فلم يكن يضلّ عنه أحد. وكان المسجد مجاوراً لأبنية الجامعة في آخن، بل هو داخل في نطاقها، فلما دنوت منه وجدت حفيدَيّ هادية وأيمن ولدَي الأستاذ عصام العطّار يلعبان، فدعوتهما، فلما رأياني بدت على وجهيهما دهشة لايمكن وصفها، ثم زادت هذه الدهشة وتضاعفت لمّا رأيا جدّتهما (زوجتي) معي، وأسرعا إلى أمهما يخبرانهما. كانت مشغولة الفكر مرّت عليها أيام أبطأت فيها رسائلنا وتعسّر الاتصال بنا، فلما قالا لها إننا هنا حسبت (كما خبّرتني رحمها الله ورزقني الصبر عنها) أنهما يمزحان معها فكادت تغضب منهما، فلما أكّدا الخبر وكرّراه خرجت لترانا فلم تصدّق بصرها، وجاء عصام فخرج يتلقانا يرحّب بنا. وكان كل ما بذلنا من الجهد وما حملنا من المشقّة لهذه المفاجأة التي لم يكن ينتظرها أحد. * * *

стр. 2588

-٢٠٠ - الدعوة الإسلامية في ألمانيا أنا أكتب هذه الحلقة يوم العيد. ما على ألسنة الناس إلاّ التهنئات فيها الأمل الحلو، وما في قلبي أنا إلاّ ذكريات فيها الألم المرّ. مَن يقفز قفزة لا يقوى عليها يسقط بعدها سقطة قد لا ينهض منها، وأنا قفزت من ذكريات سنة ١٩٤٧ في مصر إلى سنة ١٩٧٠ في ألمانيا. وهل في ذكرياتي عن ألمانيا إلاّ بنتي؟ لولاها ما وطئت ثرى تلك البلاد. وما لي فيها؟ وهل أستطيع أن أحدّث عن رحلتي إليها من غير أن يكون الحديث عن بنتي؟ وهل أستطيع أن أتحدث عن بنتي وجرحُها لم يلتئم بعدُ في قلبي؟ على أنني رجعت بالذكرى إلى أيام صِغَري فوجدت أن عيدي -من يوم عرفت العيد- ممزوج فيه السرور بالكدر، يختلط فيه هتاف المعيّدين بنُواح المفجوعين، وتتجاور فيه الحياة في أحلى صورها بالموت في أجلى مظاهره. ذلك أن أعيادنا لمّا كنت صغيراً كانت تُقام في حيّنا في المقبرة (وكانت مقبرة الدحداح في طرف دمشق فصارت الآن في وسط وسطها)، ولا تزال صورتها من أقدم الصور المحفورة في نفسي حفراً؛ كنا ندخل إليها من حارة ضيقة لا يعدو عرضها المترين فنصير في ساحة واسعة،

стр. 2589

كان فيها شجرة ضخمة لا أزال أذكرها ممتدّة الفروع كثيفة الظل، وحولها بيوت فقيرة جداً في حارة كانت تُسمّى «المعمَّشة». ولعلّ مَن سمّاها اشتقّ اسمها من «العَمَش»، فمَن كان فيها لا يبصر من الدنيا إلاّ صوراً مشوَّهة كالتي يراها الأعمش. ثم نمرّ إلى المقبرة فنرى إلى اليمين جدولاً صغيراً غائراً في الأرض على طرفَيه أشجار شديدة الخضرة يانعة المنظر نامية الفروع. وكيف لا تنمو وتخضرّ والجدول الذي يسقيها لم يكن إلاّ الماء الذي يخرج من المجاري؟ وعلى كتف الجدول ساقية لم تكن نظيفة، ولكنها بالنسبة إلى الجدول فيها العذب الزّلال. وكان من أثر هذه الساقية في نفسي أن كتبت عنها في السنين الأولى من «الرسالة» (في عدد لم أعُد أذكر تاريخه) مقالة ضافية الذيول فيها ذكريات وفيها تاريخ، لا أزال راضياً عنها على مرور أكثر من خمسين سنة عليها، على حين لا أرضى الآن عن كثير مما كتبت (١). وكان من عاداتنا التي نشأنا عليها صغاراً واستمررنا عليها كباراً أن نذهب صباح العيد -بعد أداء حقّ الله بالصلاة- في أداء حقّ الأموات بالزيارة والدعاء. فأنّى لي الآن وهذا يومُ العيد أن أقوم بهذا الذي كنت أراه واجباً عليّ؟ كيف أصل إلى القبرين اللذين ضمّا أحبّ اثنين إليّ، أبي وأمي، وبيني وبينهما ما بين مكة والشام؟ وكيف أصل إلى القبر الثاوي في ضاحية مدينة آخن في

стр. 2590

ألمانيا، في مقبرة لا أعرف اسمها ولا مكانها؟ ما كان يخطر على بالي يوماً أن يكون في قائمة من أزور أجداثَهم بنتي، ويا ليتني استطعت أن أفديها بنفسي وأن أكون أنا المقتول دونها. وهل في الدنيا أب لا يفتدي بنفسه بنتَه؟ إذن لَمِتُّ مرة واحدة ثم لم أذُق بعدها الموت أبداً، بينما أنا أموت الآن كل يوم مرة أو مرتين، أموت كلما خطرت ذكراها على قلبي: ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بمَيْتٍ ... إنّما المَيْتُ ميِّتُ الأحياءِ فما لي أعاود الآن محاولة تذكّرها والكتابة عنها؟ أما حاولت أن أكتب ستّ مرات من قبلُ ثم عجزت؟ إن المصاب أكبر من أن ينهض به قلمي ثم يجري وهو يحمل وقره على القرطاس، فيقرأ الناس فصلاً أدبياً يستمتعون بقراءته ساعة ولا يدرون كم بذلتُ في كتابته. لقد كانت الأيام التي قضيتها في ألمانيا وبلجيكا وهولندا من أمتع أيام حياتي، وكانت هي مصدر متعتها ومبعث جمالها، كانت المصباح الذي ينوّر لي ما حولي فأراه، فماذا أصف بعدما انطفأ المصباح وانكسر زجاجه؟ لذلك أدع الحديث عنها وأستبقي ألمي لنفسي، وإن ضاق به صدري وعجز عنه احتمالي، ذلك لأنني مؤمن بأنها من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم ولكن لا نشعر نحن بحياتهم. أدع الحديث عنها وأتحدّث عن عملها حديثاً لعلّ فيه للقراء نفعاً، ذلك لأن الشبّان والشابّات في أوربا على حافّة الدخول في الإسلام، ما بينهم وبينه إلاّ أن يأتيهم مَن يعرّفهم به ويدلّهم عليه، على أن يكون عارفاً بنفسياتهم، يفكّر بمثل تفكيرهم

стр. 2591

ويكلّمهم بلسانهم. لا أعني أن يُحسِن الإنكليزية أو الفرنسية فقد صار من العرب كثيرٌ ينطقها كأهلها، ولكن أريد من يعرف السبيل إلى إقناعهم والوصول إلى قلوبهم. إن إدخال هؤلاء إلى الإسلام أهون من أن تردّ إليه مَن نشأ مسلماً في أسرة مسلمة ثم امتلأ قلبه بمذهب إلحاديّ أو انتحل نِحلة مكفّرة، أخلص لها ومشى معها وصار من أهلها. مثل دعوة هؤلاء كمن يشتري الدار القديمة ليقيم في مكانها بناءً جديداً، فهو يحتاج إلى هدمها ونقل أنقاضها وإخلاء أرضها، والأوّلون (أي أكثر شباب أوربا) كمَن يجد الأرض خالية، لا يُحوِجه البناء عليها إلاّ إلى شقّها وإرساء الأساس فيها ثم إقامة الدعائم على هذا الأساس. قلوب أكثر الشبان والشابات في أوربا (أو من عرفت منهم) خالية ليست فيها عقيدة دينية راسخة، فالنصرانية بارت في أوربا سوقُها والكنائس خلَت أو كادت من أهلها (والذين يرتادونها إنما يدخلونها بأجسادهم وقلوبُهم وراء أبوابها) على ما أحدثوا فيها من الوسائل الجديدة التي يُغرون بها الناشئة للدخول إليها، وأكثر هذه الوسائل لا يرضى الدين بها. وقد رأيت كنائس تخلّى عنها أصحابها. ولا تغترّوا بنشاطهم بما يسمّونه التبشير، والذي نبّهت من قديم إلى ما في اسمه هذا من تزوير وأنه ليس تبشيراً ولكنه التكفير والتنصير، إلاّ أن يكون من أسماء الأضداد كتسمية المَهْلَكة بالمفازة والأعمى بالبصير. ليس بين الناشئة في تلك الديار وبين اتّباع الحقّ الذي هو

стр. 2592

الإسلام إلاّ أن يجدوا هذا الذي يعرّفهم به ويجلوه لهم. ولقد قام بذلك كثير في أوربا وفي أميركا، جزاهم الله خيراً، فأنشؤوا المراكز الإسلامية وفتحوا للناس أبوابها، وكان من هؤلاء عصام العطار. وكانت هي عوناً لعصام، كانت تتولى هي أمر النساء على حين يتولى هو أمر الرجال. والإسلام للرجال وللنساء، سوّى بينهما في الحقوق والواجبات وفي الثواب وفي العقاب، كما يسوّي قانون الموظفين بينهم جميعاً في الدرجة وفي العلاوة وفي الإجازات والتقاعد والإحالة على المعاش، مَن حمل شهادة نال الدرجة المحدَّدة لها، يستوون كلهم في هذا كله. لكن لا يستوون في العمل، فلا يُكلَّف الطبيب من الدرجة الثالثة بعمل المهندس من هذه الدرجة، ولا مدرّس الكيمياء في الجامعة بعمل زميله الذي يدرّس الفقه أو القانون. ومن هنا ما كان من اختلاف بين الرجل والمرأة إذ يرث اثنين وترث واحداً، وشهادة اثنتين منهن بشهادة واحد، وأن الطلاق بيده هو لا بيدها هي ... ولكل من هذه الأمور جواب ليس هذا موضع بيانه لكن أشير إليه. وإذا أَلِفَ الناس مني ما ابتُليت به من استطراد في سرد الأحاديث، فلأن أستطردَ ببيان حكم فقهي فيه نفع للقارئ ودفع تهمة ظالمة عن الإسلام أولى، فليحتملوه مني. أما الإرث وأن للذكر مثل حظّ الأنثيين فالجواب عليه: لو أن رجلاً مات عن بنت وولد وترك ثلاثين ألفاً فأخذت هي عشرة وأخذ هو عشرين، كان في بادئ الأمر مجال لسؤال سائل: لماذا أُعطيَت هي أقلّ مما أخذ هو؟ ولكن الأمور تؤخَذ جملة ليُحكَم لها أو عليها ولا تُفرَّق أجزاء، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؛

стр. 2593

فهو أخذ عشرين ثم تزوّج فدفع منها مهراً، وأخذت هي عشرة ثم تزوّجَت فأخذت مهراً فوقها، ثم أخذ ينفق هو على بيته وزوجته وهي ينفق عليها زوجُها، فيتوفر ما معها وينقص ما معه هو، فلا تمرّ مدّة حتى تنقلب الحال فتصير هي ذات العشرين ويبقى له هو العشرة أو لا يبقى له شيء. وأما الشهادة في المحكمة وأن شهادة اثنتين تعدل شهادة واحدة، فلست أدري لِمَ يحرص النساء عليها ولم الاحتجاج على وضعها، والشهادة تكليف لا تشريف، ومهمّة ثقيلة يفرّ العقلاء ما استطاعوا منها ولا يحرصون عليها. وما نفعها في أن تُدعى إلى المحكمة فتدع عملها وتترك بيتها، ثم تنتظر في المحكمة دورها وتُسأل أمام الناس فتجيب، وتُناقَش فتنجو أو تعجز؟ أليس من الكرامة لها أن يُخفَّف هذا الحمل عنها؟ ثم إن الجواب أن أكثر دعاوى المحاكم دعاوى مالية أو اجتماعية، أقول هذا وقد مارستُ القضاء من أدنى درجاته إلى أعلاها فخرجت وأنا مستشار في محكمة النقض في القاهرة ومن قبل ذلك في الشام. والمرأة ببعدها عن المجتمع لا تعرف عنه ما يعرف الرجل ولا تذكر منه ما يذكر، لأن الانتباه مرتبط بالمصلحة، والمرأة لا مصلحةَ لها في شيء من هذا. ومَن درس علم النفس أو قرأ نظرية طاغور، الكاتب الهندي الذي لم يكن عربياً ولا مسلماً، وجد عنده تأكيد هذا الكلام حين يجعل لكل امرئ عالَمه الضيق من عالَم الله الواسع، يعيش فيه ولا يكاد يخرج بفكره واهتمامه عنه. هل تنتبهون وأنتم تطالعون جريدة الصباح إلى مواعيد وصول البواخر إلى الميناء وإبحارها منه؟ أمّا التاجر الذي ينتظر وصول البضاعة فإن أول ما يقرؤه من الجريدة

стр. 2594

هذه المواعيد، بل ربما اشترى الجريدة ليراها ويقرأها. وأما الطلاق وأنه بيد الرجل فأحسن جواب عنه ما سمعتُه من أخي ورفيقي في كلية الحقوق الدكتور معروف الدواليبي، الذي أجاب به في أحد الملتقيات التي كانت تقيمها حكومة الجزائر. ذلك أن بعض الحاضرات من النساء سألن عن علّة جعل الطلاق بيد الرجل، فأجاب بأن ما تقرّره «نظرية العَقْد» التي تُدرس في كليات الحقوق كلها أن عقود المُعاوَضة هي في حقيقتها مبادلة بين ما يقدّمه طرف وما يقدّمه الطرف الثاني، وعقد الزواج المقصود الأول منه هذه الصلة التي تكون بين الرجل والمرأة والتي يكون من ثمرتها الولد، والتي قرن الله بها هذه اللذّة لتدفع إليها وتُبقي عليها، يقول: إن هذه اللذّة مشترَكة بينهما، ولكن الشرع منحها المرأة مجاناً وأجبر الرجل وحده بأن يدفع ما يقابلها وهو المهر، لذلك كان من حقه وحده أن يحلّ هذه الشركة، وإلاّ أُلزِم بالغرم ولم يكن له شيء من الغُنْم، ولو كان الطلاق بيدها تُوقِعه متى شاءت والزوج هو الملزَم بأداء مؤجَّل مهرها لكان الظلم في ذلك ظاهراً. ولعلّي أسأت نقل جوابه أو لم أنجح في تلخيصه، لكنه جواب لا يسع المعترضَ إلاّ قبوله. * * * قلت إنها كانت تتولى هي جلّ قسط النساء من الدعوة إلى الله، ساعدها في ذلك ذكاء منقطع النظير رزقها الله ورزق مثله أخواتها، أقول هذا تحدّثاً بنعم الله لا فخراً وترفّعاً على عباد الله.

стр. 2595

فدرسَت وحدها لأنها لم تُكمِل في الثانوية دراستها، وأرشدها وأعانها زوجُها الذي كان أستاذها، والذي صارت به مدرّسة ومرشدة لرفيقاتها من البنات. وأنا أنصح من أراد أن يتقن علماً وكان عنده اطّلاع على أسسه ومعرفة بمراجعه أن يدرّسه، فإنه لا يقوّي طالبَ العلم ولا يُعينه على إتقان هذا العلمَ مثلُ تدريسه. لقد بلغَت -بجِدّها وإخلاصها في طلب العلم واتصال قلبها بالله واستعانتها به واعتمادها عليه- منزلة سلوا عنها مَن عرفها من بناتكم وأخواتكم اللواتي كنّ يومئذ في تلك الديار. وأنا أحمد الله على ما وفّقني إليه، فكانت بناتي كلهن متعلمات، وكُنّ داعيات إلى الله دالاّت على الطريق إليه، من غير انتساب إلى جماعة ولا إلى حزب ومن غير طلب رضا أحد من العباد، لا يقصدن إلاّ طلب الرضا من الله الواحد الأحد. بنتي الأولى لم تكمل دراستها ولكنها جدّت وحدها بالمراجعة وفي الدراسة حتى حصّلت ما لا يكاد يحصل على أكثر منه من مضى في الدراسة إلى آخر الجامعة، والثالثة محاضِرة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ناجحة ولله الحمد، قامت بتدريس النحو والأدب وأصول الفقه والثقافة الإسلامية. ولتحصيلها قصةٌ عَجَبٌ أسردها لا لأنها قصة بنتي بل لأن فيها عبرة للناس ومثلاً يحتذونه؛ ذلك أنها تركت المدرسة مثل أختيها الكبيرتين قبل أن تتمّ المدرسة المتوسطة، وقضى الله أن تنفرد بنفسها وأن تقوم على تربية بنات ثلاث لها من غير معونة من أبيهن، فدرَست في بيتها حتى نالت شهادة الكفاية، ثم صبرت على الدرس وحدها حتى نالت الثانوية، ثم الإجازة الجامعية، وحملت بعد ذلك شهادة
следующие страницы →