← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

ويكلّمهم بلسانهم. لا أعني أن يُحسِن الإنكليزية أو الفرنسية فقد صار من العرب كثيرٌ ينطقها كأهلها، ولكن أريد من يعرف السبيل إلى إقناعهم والوصول إلى قلوبهم. إن إدخال هؤلاء إلى الإسلام أهون من أن تردّ إليه مَن نشأ مسلماً في أسرة مسلمة ثم امتلأ قلبه بمذهب إلحاديّ أو انتحل نِحلة مكفّرة، أخلص لها ومشى معها وصار من أهلها. مثل دعوة هؤلاء كمن يشتري الدار القديمة ليقيم في مكانها بناءً جديداً، فهو يحتاج إلى هدمها ونقل أنقاضها وإخلاء أرضها، والأوّلون (أي أكثر شباب أوربا) كمَن يجد الأرض خالية، لا يُحوِجه البناء عليها إلاّ إلى شقّها وإرساء الأساس فيها ثم إقامة الدعائم على هذا الأساس. قلوب أكثر الشبان والشابات في أوربا (أو من عرفت منهم) خالية ليست فيها عقيدة دينية راسخة، فالنصرانية بارت في أوربا سوقُها والكنائس خلَت أو كادت من أهلها (والذين يرتادونها إنما يدخلونها بأجسادهم وقلوبُهم وراء أبوابها) على ما أحدثوا فيها من الوسائل الجديدة التي يُغرون بها الناشئة للدخول إليها، وأكثر هذه الوسائل لا يرضى الدين بها. وقد رأيت كنائس تخلّى عنها أصحابها. ولا تغترّوا بنشاطهم بما يسمّونه التبشير، والذي نبّهت من قديم إلى ما في اسمه هذا من تزوير وأنه ليس تبشيراً ولكنه التكفير والتنصير، إلاّ أن يكون من أسماء الأضداد كتسمية المَهْلَكة بالمفازة والأعمى بالبصير. ليس بين الناشئة في تلك الديار وبين اتّباع الحقّ الذي هو

стр. 2592

الإسلام إلاّ أن يجدوا هذا الذي يعرّفهم به ويجلوه لهم. ولقد قام بذلك كثير في أوربا وفي أميركا، جزاهم الله خيراً، فأنشؤوا المراكز الإسلامية وفتحوا للناس أبوابها، وكان من هؤلاء عصام العطار. وكانت هي عوناً لعصام، كانت تتولى هي أمر النساء على حين يتولى هو أمر الرجال. والإسلام للرجال وللنساء، سوّى بينهما في الحقوق والواجبات وفي الثواب وفي العقاب، كما يسوّي قانون الموظفين بينهم جميعاً في الدرجة وفي العلاوة وفي الإجازات والتقاعد والإحالة على المعاش، مَن حمل شهادة نال الدرجة المحدَّدة لها، يستوون كلهم في هذا كله. لكن لا يستوون في العمل، فلا يُكلَّف الطبيب من الدرجة الثالثة بعمل المهندس من هذه الدرجة، ولا مدرّس الكيمياء في الجامعة بعمل زميله الذي يدرّس الفقه أو القانون. ومن هنا ما كان من اختلاف بين الرجل والمرأة إذ يرث اثنين وترث واحداً، وشهادة اثنتين منهن بشهادة واحد، وأن الطلاق بيده هو لا بيدها هي ... ولكل من هذه الأمور جواب ليس هذا موضع بيانه لكن أشير إليه. وإذا أَلِفَ الناس مني ما ابتُليت به من استطراد في سرد الأحاديث، فلأن أستطردَ ببيان حكم فقهي فيه نفع للقارئ ودفع تهمة ظالمة عن الإسلام أولى، فليحتملوه مني. أما الإرث وأن للذكر مثل حظّ الأنثيين فالجواب عليه: لو أن رجلاً مات عن بنت وولد وترك ثلاثين ألفاً فأخذت هي عشرة وأخذ هو عشرين، كان في بادئ الأمر مجال لسؤال سائل: لماذا أُعطيَت هي أقلّ مما أخذ هو؟ ولكن الأمور تؤخَذ جملة ليُحكَم لها أو عليها ولا تُفرَّق أجزاء، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؛

стр. 2593

فهو أخذ عشرين ثم تزوّج فدفع منها مهراً، وأخذت هي عشرة ثم تزوّجَت فأخذت مهراً فوقها، ثم أخذ ينفق هو على بيته وزوجته وهي ينفق عليها زوجُها، فيتوفر ما معها وينقص ما معه هو، فلا تمرّ مدّة حتى تنقلب الحال فتصير هي ذات العشرين ويبقى له هو العشرة أو لا يبقى له شيء. وأما الشهادة في المحكمة وأن شهادة اثنتين تعدل شهادة واحدة، فلست أدري لِمَ يحرص النساء عليها ولم الاحتجاج على وضعها، والشهادة تكليف لا تشريف، ومهمّة ثقيلة يفرّ العقلاء ما استطاعوا منها ولا يحرصون عليها. وما نفعها في أن تُدعى إلى المحكمة فتدع عملها وتترك بيتها، ثم تنتظر في المحكمة دورها وتُسأل أمام الناس فتجيب، وتُناقَش فتنجو أو تعجز؟ أليس من الكرامة لها أن يُخفَّف هذا الحمل عنها؟ ثم إن الجواب أن أكثر دعاوى المحاكم دعاوى مالية أو اجتماعية، أقول هذا وقد مارستُ القضاء من أدنى درجاته إلى أعلاها فخرجت وأنا مستشار في محكمة النقض في القاهرة ومن قبل ذلك في الشام. والمرأة ببعدها عن المجتمع لا تعرف عنه ما يعرف الرجل ولا تذكر منه ما يذكر، لأن الانتباه مرتبط بالمصلحة، والمرأة لا مصلحةَ لها في شيء من هذا. ومَن درس علم النفس أو قرأ نظرية طاغور، الكاتب الهندي الذي لم يكن عربياً ولا مسلماً، وجد عنده تأكيد هذا الكلام حين يجعل لكل امرئ عالَمه الضيق من عالَم الله الواسع، يعيش فيه ولا يكاد يخرج بفكره واهتمامه عنه. هل تنتبهون وأنتم تطالعون جريدة الصباح إلى مواعيد وصول البواخر إلى الميناء وإبحارها منه؟ أمّا التاجر الذي ينتظر وصول البضاعة فإن أول ما يقرؤه من الجريدة

стр. 2594

هذه المواعيد، بل ربما اشترى الجريدة ليراها ويقرأها. وأما الطلاق وأنه بيد الرجل فأحسن جواب عنه ما سمعتُه من أخي ورفيقي في كلية الحقوق الدكتور معروف الدواليبي، الذي أجاب به في أحد الملتقيات التي كانت تقيمها حكومة الجزائر. ذلك أن بعض الحاضرات من النساء سألن عن علّة جعل الطلاق بيد الرجل، فأجاب بأن ما تقرّره «نظرية العَقْد» التي تُدرس في كليات الحقوق كلها أن عقود المُعاوَضة هي في حقيقتها مبادلة بين ما يقدّمه طرف وما يقدّمه الطرف الثاني، وعقد الزواج المقصود الأول منه هذه الصلة التي تكون بين الرجل والمرأة والتي يكون من ثمرتها الولد، والتي قرن الله بها هذه اللذّة لتدفع إليها وتُبقي عليها، يقول: إن هذه اللذّة مشترَكة بينهما، ولكن الشرع منحها المرأة مجاناً وأجبر الرجل وحده بأن يدفع ما يقابلها وهو المهر، لذلك كان من حقه وحده أن يحلّ هذه الشركة، وإلاّ أُلزِم بالغرم ولم يكن له شيء من الغُنْم، ولو كان الطلاق بيدها تُوقِعه متى شاءت والزوج هو الملزَم بأداء مؤجَّل مهرها لكان الظلم في ذلك ظاهراً. ولعلّي أسأت نقل جوابه أو لم أنجح في تلخيصه، لكنه جواب لا يسع المعترضَ إلاّ قبوله. * * * قلت إنها كانت تتولى هي جلّ قسط النساء من الدعوة إلى الله، ساعدها في ذلك ذكاء منقطع النظير رزقها الله ورزق مثله أخواتها، أقول هذا تحدّثاً بنعم الله لا فخراً وترفّعاً على عباد الله.

стр. 2595

فدرسَت وحدها لأنها لم تُكمِل في الثانوية دراستها، وأرشدها وأعانها زوجُها الذي كان أستاذها، والذي صارت به مدرّسة ومرشدة لرفيقاتها من البنات. وأنا أنصح من أراد أن يتقن علماً وكان عنده اطّلاع على أسسه ومعرفة بمراجعه أن يدرّسه، فإنه لا يقوّي طالبَ العلم ولا يُعينه على إتقان هذا العلمَ مثلُ تدريسه. لقد بلغَت -بجِدّها وإخلاصها في طلب العلم واتصال قلبها بالله واستعانتها به واعتمادها عليه- منزلة سلوا عنها مَن عرفها من بناتكم وأخواتكم اللواتي كنّ يومئذ في تلك الديار. وأنا أحمد الله على ما وفّقني إليه، فكانت بناتي كلهن متعلمات، وكُنّ داعيات إلى الله دالاّت على الطريق إليه، من غير انتساب إلى جماعة ولا إلى حزب ومن غير طلب رضا أحد من العباد، لا يقصدن إلاّ طلب الرضا من الله الواحد الأحد. بنتي الأولى لم تكمل دراستها ولكنها جدّت وحدها بالمراجعة وفي الدراسة حتى حصّلت ما لا يكاد يحصل على أكثر منه من مضى في الدراسة إلى آخر الجامعة، والثالثة محاضِرة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ناجحة ولله الحمد، قامت بتدريس النحو والأدب وأصول الفقه والثقافة الإسلامية. ولتحصيلها قصةٌ عَجَبٌ أسردها لا لأنها قصة بنتي بل لأن فيها عبرة للناس ومثلاً يحتذونه؛ ذلك أنها تركت المدرسة مثل أختيها الكبيرتين قبل أن تتمّ المدرسة المتوسطة، وقضى الله أن تنفرد بنفسها وأن تقوم على تربية بنات ثلاث لها من غير معونة من أبيهن، فدرَست في بيتها حتى نالت شهادة الكفاية، ثم صبرت على الدرس وحدها حتى نالت الثانوية، ثم الإجازة الجامعية، وحملت بعد ذلك شهادة

стр. 2596

الماجستير، وهي تحرص على نيل الدكتوراة لا أمنية لها في غيرها. وأمّا الرابعة فلها ولزوجها قصة لعلّها أعجب مما ذكرت؛ لقد درسا في كلية الشريعة في دمشق، وكانت دراستها المتوسطة والثانوية هنا في المملكة، فلما بلغت امتحان التخرج ونجحت في بعض المواد سافرت وسافر زوجها، وكان مِثلَها في الامتحان الأخير، فما نالا الشهادة، فكان مثالهما كمن جاء للحج فقطع البراري وركب لُجَج البحار، أو طار في الجوّ حتى بلغ مكة، فلما لم يبقَ بينه وبين عرفات إلاّ عشرون كيلاً قعد فلم يحج! وأمّا الصغرى فحصّلت هنا بحمد الله الشهادات كلها وهي الآن في الشوط الأخير من الجامعة، فعلت ذلك على قيامها على أولادها وإشرافها على بيتها. ولا تعجبوا أن سردت هذا، فما أبغي به الدعاية لهن، وما يطلبن وظيفة ولا يرشّحن أنفسهن لانتخاب ولا يدخلن مسابقة ولا يبغين زواجاً، ما ينتفعن من سردها وإنما النفع -إن شاء الله- للقارئات. ولو أردت أن أزيد أن حفيداتي أيضاً مشين في هذا الطريق وهن أمهات، فمنهن من أكملت الجامعة ومنهن من لا تزال تدرس في الجامعات. أما بنتي التي أتكلم عنها رحمها الله فكانت في المسجد داعية ومعلّمة، ومع البنات هناك أختاً كبيرة أو أماً صغيرة، لا سيما لمن كانت جديدة منهن لم تألف البلد ولم تعرف فيه أحداً. كانت ترعاهن، تسهّل الحياة عليهن، تشاركهن في حلّ مشكلاتهن. والعظيم في ذلك أنها تصنع هذا كله بمحبّة صادقة للناس كلهم، فطرها الله عليها وأعطى أخواتها مثلها. فكانت الأسر المسلمة

стр. 2597

في ألمانيا كأنها أسرة واحدة، ورُبّ أسرة حقيقية فقدت الحب والتعاطف وهؤلاء كُنّ يشكّلن أسرة متحابّة متعاطفة. كانت تعمل هذا كله وهي بالحجاب السابغ والبعد عن المحرَّمات، ثم تعود إلى الدار فتتولى هي جميع أمور الدار، تشتري اللحم والخضر، وأكثر من يبيع ذلك هناك من النساء (لأن زوجها عصاماً مثلي لا يُحسِن شراءً ولا بيعاً) ثم تطبخ وتُعِدّ المائدة في مدّة لو أقيمت مسابقة في السرعة ما ظننت أن أخرى تُعِدّها بأسرع منها. مائدة منسَّقة، وطعام طيب، ووجه طلق. وهي التي اخترعت هذا الجلباب الذي ترتديه البنات المتديّنات في كثير من بلاد العرب وتحاربه بعض الصوفيات الجاهلات، وكان ذلك من ثلاث وعشرين سنة لمّا جئت مكة وجاءت تزورني فيها، فأخذَت العباءة التي تلبسها هنا النساء فصنعت لها مثل الكم الضيق وقلّلت من عرضها وجعلت لها من أمامها أزراراً وعُرى، ثم انتقلت بها شيئاً فشيئاً حتى صار هذا الجلباب. وهو ما كنت أتمناه من قديم، كنت أكتب من القديم وأدعو في المحاضرات إلى ثوب يخترعه بعض النساء يحقّق الحجاب الشرعي الذي أمر به الله، ويكون سابغاً ساتراً ويكون أنيقاً جميلاً ولا يجلب أنظار الرجال في الطريق، فكان من ذلك هذا الجلباب. وقد انتشر في الشام ثم في الأردن، ولمّا ولي وزارةَ المعارف (١) أخونا الأستاذ الصالح الداعية الدكتور إسحق الفرحان

стр. 2598

استحسن هذا الجلباب ورغّب فيه طالبات المدارس، وجاء من كرام التجار مَن يتبرّع بالقماش للطالبات وممّن يحسن الخياطة مَن يخيطه لهن، فلبسه في تلك السنة آلاف. وإني لأعجب من بعض الجماعات في دمشق إذ يحاربن هذا الجلباب ويعارضنه ويفضّلن عليه معطفاً إلى منتصف الساق وتحته جوارب سميكة، يدّعين أنه لا يجلب الأنظار! مع أنها دعوى مردودة شرعاً وحسّاً، ذلك أن الجلباب يستر كل ما أمر الله بستره، وهذا الزيّ وإن سترت جواربُه لونَ السيقان فإنه يبيّن حجمها فتعرف صاحبتَها هل هي نحيلة أم هي ممتلئة سمينة. وأنا أعجب من إصرارهن على الباطل مع وضوح الحقّ لمن أراد أن يراه، أما الذي يُغمِض عينيه عن رؤية الشمس في رأد الضحى ويقول بأن الدنيا ظلام لأنه لا يبصر هو ما حوله، هذا من الأمراض التي أعيت من يداويها. * * * من دعا إلى الإسلام في تلك البلاد فلا بدّ له من أن يعرف لسان أهلها. ولمّا سافرَت إليها بنتي لم تكن تعرف إلاّ العربية، فتعلمَت اللغة الألمانية منذ سكنت آخن سنة ١٩٧٠ حتى أتقنتها، وتعلمت من قبلُ الفرنسية وأتقنتها لمّا عاشت في بروكسل ومن قبلها في جنيف، وأحسنت النطق بها وقراءتها، وأخذت نصيباً من الإنكليزية. ولم تكن تدعو إلى الله كالمدرّس القاعد على منبره والعصا بيده والتقطيبُ على وجهه، فينفّر بوضعه وشكله قبل أن ينفّر بمنطقه وقوله، بل كانت تخاطب الناس على مقدار أذهانهم، وتدرس نفسية كل واحدة منهن فتسلك السبيل الموصل إلى قلبها ليفتحه الله بها للإسلام.

стр. 2599

وقلما خلق الله قلباً مُغلَقاً من كل جوانبه فلا يؤثر فيه قول ولا يصل إليه منطق. هؤلاء الذين طبع الله على قلوبهم بكفرهم، وهؤلاء لا أمل فيهم ولا خيرَ يُرتجى منهم. وأكثر القلوب لها منافذ وأبواب على الداعي (أو الداعية) أن يعرفها، فمن الناس من ينفع معه الإقناع بالحُجّة العقلية، ومنهم من تُفيده الموعظة العاطفية، ومن يصلح معه الرجاء، ومن يحرّكه الخوف ... فكانت موفَّقة والحمد لله. ورأيت في المجالس التي حضرتُها وحضرها الشباب مع زوجاتهم وهن متحجبات، رأيت مَن ذكّرني والله بما قرأت من سِيَر شباب الصحابة. لا أقول هذا مبالغة بل أسرده حقاً واقعاً، ولا يضرّهم أن يعيشوا في بلد غير مسلم فراراً من البلد المسلم الذي تسلّط عليه غير المسلمين وآذوا فيه أهلَ الدين، فإن لهم سالفة في الهجرة إلى الحبشة حيث الحرّية مَصونة واللسان طليق والقلم حرّ. لقد كانت أرض الحبشة أرضاً نصرانية ولكن لا يُظلَم عند ملكها أحد، ولم يكن ملكها يومئذ كمَن عرفنا من أمثال منليك وهيلاسِلاسي الذين كانوا من أعدى من عادى الإسلام. كانت تتعلّم من عصام وتراجع الكتب، ثم تُقرئ البنات وتعاونهن ما وسعَتها معاونتهن، وتُصلِح إن كان بعض الفساد في الصلات بينهن، وهن يقابلنها حباً بحبّ وعطفاً بعطف، فكان الجميع أسرة واحدة. * * *

стр. 2600

-٢٠١ - في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين ! من سافر منكم قبل أربعين سنة من الرياض إلى أوربا أدهشه كل ما يرى: الطرق المعبَّدة المضاءة، واللوحات فيها تدلّ على أسمائها وترشد إلى تفرّعاتها، والسيارات الكبيرة ذات الطبقتين تجري فيها، والأضواء الحمراء والخضراء على مفارقها تتبدّل وحدها تفتح الطريق أو تغلقه، والعمارات الضخمة ذوات العشرين طبقة أو الثلاثين على جوانبها، والسلالم المتحركة التي تعلو بك بدلاً من أن تعلو أنت عليها، والمصاعد وهي غرفة ترتفع بك أو تنزل، فكأنها تأتيك بالدور الأعلى فتضعه أمامك على الأرض! كان كل ما يبصره، حتى ما نراه نحن اليوم مألوفاً معروفاً ونعدّه شيئاً معتاداً، كان يدهشه إذا قاسه بما كانت عليه الرياض في تلك الأيام، يوم كانت قرية صغيرة ما فيها سيارة ولا شارع تمشي فيه سيارة، ما كانت فيها كهرباء ولا مروحة أو ثلاّجة تسيّرها الكهرباء، ما كان ماء يجري في الأنابيب ولا كان في البيوت أنابيب للماء، ما كان فيها مدارس للعلم ولا حدائق للمتعة، ما كان فيها مطعم للآكلين ولا فندق للمسافرين.

стр. 2601

هذا ما كان من أربعين سنة، فما الذي يدهشه في أوربا حين يذهب إليها الآن؟ ما الذي يجده فيها ويفتقده في الرياض؟ ربما كان فيها ما هو أكبر في الحجم وكان فيها ما هو أكثر في العدد وكان فيها ما هو أتمّ أو أكمل في الوضع والترتيب، لكن لم يبقَ فيها شيء لا نعرف مثله أو مشابهاً له في بلادنا. بل إن عندهم ما ينزل عن الحدّ الوسط مما هو الآن عندنا. لقد وجدت في بون لمّا زرتها بيوتاً ما فيها حمّامات كالتي تجدونها هنا في كل منزل، ما فيها إلاّ مرحاض صغير بين الغرف، فإذا أرادوا الاغتسال ذهبوا فاغتسلوا في فندق أو حمّام عامّ! لم أجد فيها عمارة كبيرة وإنما هي البيوت الصغيرة القديمة ذوات السقف المائل من القرميد ينامون تحته، فإذا وقفوا ودنوا من الشارع كادت رؤوسهم تلصق بالسقوف. ولست أفضّل العمارات الكبيرة على هذه البيوت الصغيرة، بل الفضل لهذه البيوت ولكني أصف الآن ما رأيت. وبون كأكثر المدن المجاورة لها: كولن وآخن ودوسلدرف، كلها كانت إلى الحرب الثانية من المدن الصغار. بون العاصمة كانت بُلَيدة، أما «باد كودْسبرغ» التي فيها الحكومة والسفارات (وهي عاصمة العاصمة إذا صحّ القول) ما كانت إلاّ قرية أو ضاحية من الضواحي. وكلمة «باد» التي تنتهي بها أسماء كثير من المدن في ألمانيا أصل معناها -كما فهمت- المكانُ الذي فيه الماء المعدني الذي يُغتسَل فيه، أي أنها بمعنى الحمّام. كما أن كلمة دام التي نراها

стр. 2602

في هولندا (أمستردام، روتردام، فولندام) معناها سد، لأن تلك البلاد تُعرَف في أوربا بالأراضي المنخفضة، لأنها منخفضة عن سطح البحر أو مساوية لها، فهم يُقيمون سداً (دام) ويُلقون الأتربة خلفه فيأخذون من البحر أرضاً! ورأيت مثل هذا في بومباي في الهند في شارع سي فيس، أي شارع السِّيف، أي سيف البحر. بل إنكم ترون مثله في جدة؛ لقد كان القصر من عشرين سنة قريباً من البحر (١) فانظروا الآن كم بَعُدَ عنه؟ حتى صارت شوارع الكورنيش (أي السِّيف، بكسر السين) فرجة للنفس ومسرّة للبصر ومَراحاً للأرواح. ومن يذهب إلى أوربا الآن لا يجد زائداً عما عنده إلاّ كماليات نستطيع أن نعمل مثلها، فأضواء المرور الأحمر والأخضر والأصفر تجدون عندهم تحتها أرقاماً كهربائية متحركة، من مشى عليها لم يجد أمامه ضوءاً أحمر. وكنت أعجب حين أركب مع بعض الشباب فنصل إلى الإشارة فلا نراها إلا خضراء، لا نقف أبداً، فلما سألتهم قالوا: إن هذه الأرقام الكهربائية المتحركة تحدد للسرعة حداً، فالسائق الذي يسير عليه لا يقف أبداً. وفي محطات النقل الجماعي لوحات كهربائية فيها أرقام متحركة تخبرك كم بقي على وصول الحافلة (الأتوبيس)، وفي محطات القطار صناديق للحقائب مفاتيحها عليها، لكن لا تُسحَب

стр. 2603

إلاّ إن دفعتَ مبلغاً من المال تُسقِطه في شقّ فيها بمقدار المدة التي تريد أن تُبقي الحقائب فيها، فإن دفعتَ أجرة ساعة واحدة وعُدت بعد انقضائها لن ينفعك المفتاح الذي أخذته معك لأن الصندوق لا ينفتح. وصناديق إن أسقطتَ فيها النقد المطلوب وكبست زراً ترك لك ما شئت من أنواع الشطائر (السندويش) ومن الشراب الحارّ والبارد. ولو كتبتُ هذا المقال قبل بضع سنين لوصفت هواتف العملة التي تستطيع أن تخابر بها مَن شئت من الشارع بقروش تُسقطها في شقّ فيها، فصار عندنا الآن مثل هذه الهواتف. ونحن قادرون على أن نعمل هذا الذي ذكرت كله وأضعافَه معه، بل لقد صنعنا ما هو أكبر منه، ولعلّ الله يقيّض من الموظفين المختصين به من يقترحه على الحكومة اقتراحاً مفصَّلاً معلّلاً، فيتحقق ذلك إن شاء الله. أمّا ما حبا الله به تلك البلاد من الخضرة والماء والأنهار التي تجري فيها والغابات التي تملأ جبالها، فهذا شيء من صنع الله ما لنا فيه عمل. ومن ساح في الأرض مثلما سحت يرى أن أوربا كلها خضراء لا ترى فيها بقعة مقفرة، وأن آسيا مثلها كلها خضراء فيها الشجر والماء، تغطّي كليهما الأشجار فيهما الأنهار الكبار. ما في الأرض إلاّ نطاق واحد من الصحارى يدور بها، من شمالي إفريقيا حيث الصحراء الكبرى، إلى جزيرة العرب، إلى أرض فارس وشمالي باكستان، ويمتدّ من وراء البحر إلى صحراء نيفادا في أمريكا. نطاق فيه أرض حرَمها الله نعمةً أعطاها غيرَها فلم يكن فيها الخضرة ولا الماء، ولكنه منحها نعمة تقابلها هي النفط في باطن أرضها.

стр. 2604

وقد وفّقنا الله مع ذلك فصنعنا العجب. أليس عجباً أن نستخرج من القمح ونحن هنا في صحراء ما يكفينا ويفضل عنا حتى نصدّره إلى غيرنا؟ والبلاد التي كانت مصدر القمح إلى الرومان (حتى دُعيت «أنبار روما») صارت تستورده أحياناً. تلك هي الثمرة المرة المسمومة للاشتراكية التي هي بنت الشيوعية، أو لعلّها أمها فاعذروني فلست خبيراً بأنساب الشياطين! تلك التي ما دخلت بلداً إلاّ أدخلت إليه معها الضيق والضنك ونقص الأموال وفقد الحرّيات وفساد الضمائر والذمم، وأخرجت منه الخصب وسعة الرزق وراحة البال. * * * كنت أمضي أكثر وقتي في المسجد، نصلّي فيه وننام في غرف متصلة به ومنفصلة عنه. لا تعجبوا، فلقد جُعِلَت غرفاً مفردة في كل غرفة مرافقها وأمامها ممرّ فيه أبواب، فإذا فتحت الباب صارت الغرفتان معاً فكان منهما دار صغيرة، وإن فتحت باباً آخر اتصلت بهما غرفة ثالثة فصارت داراً من ثلاث غرف. وفي المسجد مكتبة وتُقام فيه الصلوات الخمس، فإذا جاء يوم الجمعة خطب الخطيب بالعربية وتُرجمت الخطبة إلى الألمانية فقرة فقرة، يسكت الخطيب حتى يتكلم الترجمان، أو ألقيت الخطبة كلها ثم قام مَن يلخّصها باللغة الألمانية. وجاءنا يوماً ثلاثة من القساوسة الألمان، وهم بروتستانت لا يتخذون القلانس التي يرتديها الكاثوليك وإنما يلبسون ما يلبس الناس، ولكن لهم شارات يُعرَفون بها منها ياقة بيضاء تكون

стр. 2605

في أعناقهم في موضع العقدة (الكرافات). وطلبوا مني -وكنت مصادفة في المكتبة- أن أجيب إن سمحت على بعض أسئلتهم. وكان يوم جمعة، وقد وصلوا قبل الصلاة بساعتين فامتدّ جلوسي معهم حتى أذن الظهر. ولا أستطيع أن ألخّص ما دار بيني وبينهم، ولكن أقول إن الحقّ يعلو دائماً، والله وعد أهل هذا الدين أن يُظهِره على الدين كله ظهور حجّة وبرهان. ووجدتهم علماء ذوي فكر وبيان، ولكن المحامي مهما كان بارعاً لا تنفعه براعته إن كان يرافع في دعوى باطلة، الدليل البيّن عليها لا لها. وكان مما قالوه لي: ألا تؤمنون بأن الإنجيل منزَّل من عند الله؟ قلت: بلى، ومن أنكر ذلك لم يكن مسلماً. قالوا: فلماذا لا تؤمنون به؟ قلت: هاتوه حتى أؤمن به. قالوا: ها هو ذا. قلت: سبحان الله، هل أنزل الله إنجيلاً واحداً أم أربعة؟ إن عندكم أربعة أناجيل وقد اصطفيتموها من عشرات كانت لكم، فأيها الذي أنزله الله؟ وهل عندكم النسخة الأصلية التي كُتبت في عهد المسيح ودُوّنت يوم نزل به الوحي عليه كما كان يصنع كُتّاب الوحي بالقرآن؟ وكان الترجمان بيننا ضعيفاً في الألمانية، يفهمها -كما بدا لي- فينقل لي كلامهم، ولكنه يعجز عن نقل كلامي إليهم. عرفت ذلك من وجوههم، لأن في بعض الجواب ما يثير خواطر أو أفكاراً كان ينبغي أن يبدو أثرها على وجوههم فما كنت أرى لها أثراً، ثم علمت -بعدُ- أن هذا المترجم كان حديث العهد بالقدوم إلى ألمانيا وكان عاجزاً عن التعبير بها.

стр. 2606

ولمّا دنا موعد الصلاة، وكان عليّ أن أخطب في ذلك اليوم وأصلّي بالناس، اختصرت الكلام وشرعت أودّعهم، فكان من قولهم لي مازحين: لكأنك تريد أن تُدخِلنا في دينك! أفلا تخاف أن نسحبك نحن إلى الدخول في ديننا؟ قلت: إن دينكم في الأصل منزَّل من السماء، وعيسى رسول من الله، ولكنكم فيه كالقاضي الذي يحكم بقانون قد صدر ما يعدّله ويُبطِل بعضَ أحكامه، والقانون الجديد أصدره وأمر باتّباعه الذي أصدر القانون القديم الذي تتمسكون به. ثم إني إن اتبعتكم خسرت وأنتم إن اتبعتموني ربحتم. قالوا: وكيف يكون ذلك؟ قلت: إن عندكم موسى وعيسى وعندي أنا موسى وعيسى ومحمد، فإذا اتبعتكم خسرت محمداً، وإن اتبعتموني أنتم بقي لكم موسى وعيسى وربحتم فوقهما محمداً صلّى الله عليهم جميعاً. * * * ورأيت يوماً في قلب البلد في الساحة الكبرى جمهرة من الناس من الشبان والشابات، يملؤون الساحة قاعدين على الأرض، ينامون على البلاط، يأكلون ويشربون وهم قاعدون، يتكوّم بعضهم على بعض، يختلط النساء بالرجال على حال لا يرضى بها الدين ولا تُقِرّها الأخلاق ولا يسيغها الذوق، هذه رأسها على كتفه وتلك رأسه في حجرها، وربما أبصرت وضعاً أفدح من ذلك: وكانَ ما كانَ ممّا لستُ أذكُرُهُ ... فظُنّ شرّاً ولا تسألْ عن الخبر أقذوا العيون بقبح منظرهم وزكموا الأنوف بنتن رائحتهم.

стр. 2607

وما ظنك بمن يقعد: بساطه أرض الشارع وسريره بلاطه، ويأكل فلا يغسل يديه ويذهب فيقضي حاجته ويعود فلا يتنظف من آثارها؟ ولا أظلم الحيوانات فأقول إنهم مثلها لأن من الحيوان ما ينظّف نفسَه ولو بلسانه كما يفعل القط، ومنها ما يغطس في الماء إن رأى الماء فيغتسل فيه، ومنها ما يتوارى عن الأنظار إن اجتمع ذُكرانه بإناثه فلا يراه أحد. من رأى فحلاً وناقة وهما في شهر العسل؟ فسألت: ما هؤلاء؟ قالوا: هم الهيبيون، خلفاء قوم آخرين ظهروا في إنكلترا قبلهم يتسمّون باسم الخنافس. والخنفساء أبشع الحشرات اسماً ومن أشنعها منظراً! وقلّدهم ناس منا فأطالوا شعورهم مثلهم، فكانوا كالذي زعموا أنه عاش عمره في القفر لم يرَ الحضر يقترب منه، نزل المدينة يوماً فرآهم يأكلون الزيتون الأسود، فحسبها صراصير، فلما عاد صار كلما رأى صرصوراً أمسك به فأكله. قالوا: ما تصنع ويحك؟ قال وما يُدريكم أنتم؟ رأيت أهل الحضر يأكلونها! وكثير منا ممن يقلد الأجانب بلا علم وبلا فهم مثل هؤلاء ... إنهم أكَلة الصراصير! والعجيب أن نفراً من أبنائنا هناك من الصالحين ذهبوا يسألونني أن أجتمع بأربعة من كبار هؤلاء الهيبيين لأنهم طلبوا زيارة المسجد والاجتماع بأحد رجاله. قلت: أعوذ بالله! ما لي ولهم، وما فائدة اجتماعي بهم؟ قالوا: إن في ذلك مصلحة، فإن منهم -على سوء منظرهم وقبح سلوكهم- من يحمل أعلى الشهادات، ومن له قلم وله لسان وله في قومه منزلة، فلعلّه إن عرف طريق الهدى كان من المهتدين ثم يدعو قومه إلى هذا

стр. 2608

الطريق. فهَبْهُم من المؤلَّفة قلوبهم الذين يُعطَون من مال الزكاة، ونحن لا نسألك أن تعطيهم شيئاً من المال بل أن تعطيهم نافعاً من الأقوال. قلت: وهل أذهب فأقعد معهم على الأرض على ما هم فيه من الرجس والنجس؟ قالوا: لا، بل يأتون هم إلى المسجد. قلت: وهذه أسوأ؛ المسجد طاهر نظيف لا يدخله إلاّ نظيف طاهر. قالوا: نشترط عليهم أن يتنظفوا ويغتسلوا ويبدّلوا ثيابهم والمرأة تستتر. قلت: وهل معهم امرأة؟ هل تريدون أن يكون بينهم في المسجد مثل الذي رأيناه في الشارع؟ قالوا: معاذ الله، بل هي طالبة في الجامعة تكتب وتنشر ولها في بلدها قرّاء وأتباع، وهي تأتي بالثوب السابغ والخمار (الإشارب) الساتر. قلت: نعم إذن. فضربت لهم موعداً، فجاؤوا فيه ما تقدموا عنه ولا تأخروا. وكانوا ثلاثة ورابعهم فتاتهم، وكانوا جميعاً بالثوب النظيف وكانت هي بالحجاب المقبول. وفهمت لمّا عرّفوني بأنفسهم أن واحداً منهم أستاذ في جامعة له مكانة مرموقة وله مصنَّفات، ورأيته قد جاوز ميعة الشباب وكاد يدنو من مطالع الكهولة، والاثنان والبنت من طلاّب المرحلة الأخيرة من الجامعة. ودرت بهم في المركز، واخترت أن نجلس في غرفة الاستقبال على أرائك مريحة حول منضدة فسيحة على جدرانها الكتب، ففضّلوا أن يجلسوا في المسجد على الأرض، وجلست معهم لكنني استندت إلى الجدار، لأنني لا أستطيع أن أقعد طويلاً من غير سناد، لذلك أحمل معي إلى الحرم عندما أنوي إطالة القعود فيه خشبة مطوية طي الكتاب.

стр. 2609

ونظروا إلى المحراب وسألوا عنه فخبّرتهم. قالوا: لماذا تتوجّهون إلى الكعبة؟ ولماذا تقدّسونها؟ وفهمت من كلامهم الذي نقله إليّ مترجم يُحسِن الألمانية والعربية، لم يكن كالمترجم الأول، فهمت أنهم يظنون أننا نعبد الكعبة كما يعبد الوثنيون أصنامهم. قلت: الكعبة بناء كأيسر وأبسط ما يكون البناء، حجارة مرصوفة ما فيها نقش ولا زخارف، وليس في داخل البناء شيء. ولقد احترقَت مرة وهدمها السيل مرة، كما يحترق وينهدم كل بناء على الأرض، فأعدنا نحن عمارتها بأيدينا وأقمناها من حجارة الجبل. فلا نعبدها ولكن نتوجه إليها امتثالاً لأمر ربنا أولاً، ولتنظيم الصفوف من حولها حين الصلاة، لأن الإسلام دين للفرد يربط قلبَه بالله، ودين للجماعة ينظمها في طاعة الله. إنها رمز نتوجه إليها، كما يقول الضابط لجنوده أو معلّم الرياضة لتلاميذه: توجهوا جميعاً إلى هذا الجدار أو هذه الشجرة؛ ما يريد تقديس الجدار ولا تأليه الشجرة وإنما يُقيم منها هدفاً لتسوية الصفوف. فنحن لا نعبد الكعبة بل نعبد ربّ الكعبة وربّ كل شيء. فرأيت اثنين من الحاضرين يُسِرّ أحدهما إلى الآخر حديثاً فيعلّق عليه ويضحك منه، فسألت المترجم: ماذا يقولان؟ فكلّمهما ثم قال: ما هناك شيء مهم. قلت: أحبّ أن أعرفه إذا لم يكن يمنعهم مانع من عرضه عليّ. قال: لقد سأل: وما فائدة التنظيم؟ ولماذا لا يُترَك الناس أحراراً في صلاتهم يقومون كما يريدون ويصلّون ويتوجهون حيث يشاؤون؟ فأجبته جواباً عمَلياً بأن أدرت وجهي إلى الجدار وولّيتهم ظهري ثم كلّمتهم من ورائه، فعجبوا وسألوا الترجمان: لماذا صنعت ذلك؟ قلت: وهل

стр. 2610

فيه ما تُنكِرونه أو تعجبون منه؟ قالوا: نعم. قلت: ألم يقُل صاحبكم إن النظام لا خير فيه وإن وقوفنا بالصلاة متدابرين خير من أن نقف صفاً واحداً؟ فرأوا في هذا جواباً لهم من غير أن أكلّمهم. ثم قلت للترجمان: دعهم يقولوا ما جاؤوا لأجله. فسألوني أسئلة عن الإسلام أجبت عنها، وتبيّن لي منها أنهم على فهم وعلى اطّلاع ولم تبدُ لي منهم نية سوء، فسألتهم عمّا هم فيه: لماذا يختارون الوساخة على النظافة والفوضى على الترتيب؟ ولماذا يصنعون ما يستقبحه الناس كلهم ويرونه حسناً؟ فتبيّن لي من حوار طويل جرى بيني وبينهم أن هذه الأعمال التي يقوم بها الشباب في أوربا (مما صنعوا سنة ١٩٦٨ في فرنسا على عهد ديغول، ومن اعتناق كثير منهم الوجوديةَ التي دعا إليها جان بول سارتر، ثم هذه الحركات كالخنافس وغيرها ...) تبيّن لي سرّ ذلك كله وهو أنهم لم يعودوا مقتنعين بالدين الذي كان عليه آباؤهم، وأنهم حكّموا فيه عقولَهم فلم تعُد تطمئنّ إليه عقولُهم، ولم يعودوا يستطيعون أن يفهموا بأن واحداً يساوي ثلاثة (أي أن ١+١+١=١)، لذلك انصرفوا عن هذا الدين وأعلنوا خروجهم عليه، وأن هذه الحضارة التي كان يعتزّ بها آباؤهم ويفخرون بها ويستطيلون بها على عباد الله لم تعُد تطمئنّ إليها قلوبهم، لأنها حضارة مادية خالصة والإنسان جسد ونفس وروح، فلا بد له مما يضمن مصالح جسده ومسرّات نفسه واطمئنان روحه، لذلك أعلنوا خروجهم عليها بهذه المظاهر. وإلاّ (يقولون هم) فهل في الدنيا من يكره النظافة أو يفضّل أن ينام على بلاط الشارع ويترك السرير المريح النظيف؟

стр. 2611

وأفاضوا في مثل ذلك فعلمتُ سرّ هذه الحركات التي نراها ونعجب منها ولم نكن نعرف الدوافع إليها. وأقول الآن لمن يقلّدهم من شبابنا أو يحاول أن يسير مسيرتهم إن عذرهم هو ما قدّموه فما عذركم أنتم في تقليدهم؟ إذا كان الدين الذي نشؤوا عليه لم تعُد ترضاه عقولهم فدينكم -يا أيها المسلمون- يمشي مع العقل، بل العقل يمشي معه فلا يختلفان، لأن الذي خلق هذا العقل ووضعه في الإنسان وكان من ثمرته هذا التفكير هو الله الذي أنزل هذا الدين، فلا يمكن أن يخلق لنا العقول ثم يكلّفنا ما لا ترضاه عقولنا. ولذلك ترون في القرآن الحثّ على التفكير وعلى التعقّل ﴿لقومٍ يتفكّرونَ﴾. أمّا هذه الحضارة فلا نزال نحن على شاطئها، لا نزال فيما هو الخيّر منها، لم نصل بعدُ إلى لُجّها ولم نتعرض للغرق فيها. على أن لي محاضرة طويلة ألقيتها في الندوة العالمية للشباب المسلم من بضع عشرة سنة بيّنت فيها موقفنا من هذه الحضارة المعاصرة وما ينبغي أن نأخذ منها وما يُطلب منا أن ندع، ولعلّي أعرض لها يوماً (١). * * *

стр. 2612

-٢٠٢ - السفر إلى المؤتمر هذا العنوان أستعيره من اسم كتاب قرأته من قديم لشيخ العروبة أحمد زكي باشا، عليه وعلى زميله أحمد تيمور باشا رحمة الله، وإن كانت صلتي بتيمور باشا أوثق ومعرفتي إياه أعمق، ولقد عرفت من أعماله البارّة وخدماته الإسلامية الشيء الكثير. وأنا أتحسر دائماً على أني لم أدوّن هذه الذكريات يوم كانت مشاهد تُرى لا ذكريات تُروى، وأجيء الآن لأدوّن أخبار رحلة ألمانيا بعد ستّ عشرة سنة، وقد طمس القِدَمُ بعضَ سطورها ومحا النسيان بعضها، ثم أرجع إلى نفسي فأقول: لعلّ الصورة الجديدة التي أكتبها الآن، والتي أصلح الخيالُ منها بعضَ ما انطمس وسطر بعض ما امّحى، لعلّ هذه الصورة كاللوحة الفنّية التي ترسمها ريشة الفنان. هل تعدلون بها الصورة الشمسية (الفوتوغرافية)؟ لو أن متحف اللوفر رضي أن يبيع لوحة جيوكوندا كم ترونهم يدفعون فيها؟ إن من السفهاء من يشتريها بنصف مليون دولار، ولو كان في عصر صاحبها ليورنادو دافنشي تصوير شمسي ووُجدت في ذلك العصر -قبل أربعمئة سنة- مثل آلات التصوير التي نجدها الآن وكان يتقن استعمالها لأخرج بها صورة لهذه المرأة أقرب إلى

стр. 2613

الحقيقة وأصدق في النقل، صورة بألوانها ذاتها وتقاطيع وجهها وسمات جلدها تُبدي كل ما يراه الرائي منها، ولكنا لا نجد بعد ذلك من يشتريها بألف واحد من الخمسمئة الألف التي شُريت بها لوحة المصوّر. ذلك لأن الصورة الشمسية تعرض الحقيقة كما تراها كل عين، وهذه تعرض ما يراه المصوّر بعينه وحدها. وربما كان فيها شيء لا ينطبق تماماً على الواقع، ومع ذلك فإن الناس يفضّلونها، والإسلام يحرّمها لأن فيها محاولة لمضاهاة خلق الله. فأنا أنقل إليكم الآن الصورة التي بقيَت في نفسي مما رأيت في تلك الرحلة، لا أصف وصفاً جغرافياً أحدد فيه الحدود وأقيس الطرق وأسمي الأسماء، فإنكم تجدون ذلك في الخريطة، ولكل بلد خريطة مفصَّلة ولكل بلد مجموعة صور لمشاهدها ومناظرها. صورة مدينة آخن في نفسي أنها منازل صغيرة أنيقة جداً على شوارع نظيفة جداً، في بلدة جميلة لكنها ليست كجمال سويسرا ولا أندونيسيا ولا لبنان. ولقد أعيا الرجالَ وضعُ مقاييس يُقاس بها الجمال، لذلك يلجؤون إلى الأوصاف فيقولون: جمال وادع، وجمال أخّاذ، وجمال فاتن، وجمال مثير، وما شئت بعد من أنواع الجمال. أما آخن والبقاع من حولها فجمالها جمال حلو هادئ. هل تعجبون من هذا التعبير؟ إن الحلاوة في معاجم اللغة هي الجمال، إنهما شيء واحد، ولكنهما في لغة المشاعر والعواطف شيئان، فرُبّ جميلة ليست حلوة وحلوة لم تستوفِ أكبر حظّ من الجمال.

стр. 2614

ونحن إذ نجد هنا في المملكة بقعة خضراء فيها الشجر والزهر والماء نعدّها متنزَّهاً نتردّد عليه الصباح والمساء، أمّا تلك البلاد فحيثما سرتَ وجدت مثلها، بل تجد ما ليس له مثيل هنا، أمطار متصلة، سماء مفتَّحة الأبواب لا تكاد تخلو من سحاب، حتى إني رأيت فيها ما لم أرَه من قبل: طبقة رقيقة من الطحالب الخضر على جذوع الأشجار الضخام في الغابات، الغابات التي نجدها في كل مكان. كنا نقف بالسيارة ونقعد حيثما شئنا على حافة الطريق فإذا نحن في نزهة، نأكل ما حملنا معنا من طعام ونشرب ما معنا من شراب، والناس يمرّون بنا فلا يلتفتون إلينا، والسيارات لا تغبر علينا، وما ثمة من غبار، ولا تزعجنا بزعيق لأن العرف أن تمشي صامتة. وإذا وقفنا عند الشارة الحمراء ثم انفتح الطريق وصارت خضراء لا يضع السائقون أصابعهم على أبواق السيارات، ومَن فعل عدّوا ذلك منه عدواناً على الآخرين ومسّاً بهم وإهانة لهم، ولا يفعلونه إلاّ في الندرة. ونظام السير في ألمانيا متين، تعرف قدره إذا خرجت من آخن على الحدود فسرت نصف ساعة بالسيارة حتى تصير في لييج، المدينة البلجيكية القائمة في نصف طريق بروكسل، فتدرك الفرق ما بين النظامين في بلجيكا وألمانيا. وفي الطرق الكبرى (التي يدعونها «الأَوْتوبان» وفي فرنسا «الأوتوروت» ونسمّيها نحن «الأوتوستراد»، من كلمة «سترادا»، وهي طليانية ومعناها طريق)، هذه الطرق ابتكار ألماني من عهد هتلر، بدأ فيها ثم عمّ بلاد الناس، فقرّبت المسافات وأدنت البعيد وسهّلت اليسير، لأنها تمرّ قرب المدن ولا تدخل فيها فلا يعرقل

стр. 2615

شيء سيرَها، ولكن خطرها ولا سيما في جهة اليسار منها (حيث السرعة لا يجوز أن تقلّ عن مئة وعشرين كيلاً) أنها إذا وقفت سيارة لحابسٍ حبسها لم تستطع التي وراءها أن تقف فتصطدم بها. ولقد رأيت مرة بعيني ستّ سيارات قد دخل بعضها ببعض، كأنما جمعَتْها ثم ضغطَتها ذراعا آلة هائلة ذات قوة وجبروت. وكان أول ما أرونا من متنزَّهات البلد اثنين: واحد عالٍ صعدنا إليه والآخر هبطنا إليه. أما الأول فجُبَيل (جبل صغير) في وسط البلد، حيث تقلّ الجبال في تلك المناطق من شمال أوروبا وتكثر الهضاب الصغيرة. وكنا نسير وسط أشجار تحجب عنا وجهَ السماء وزهور ونجوم (أي شجر صغار) تغطّي ظهر الأرض، فما عرفنا أننا نصعد حتى شعرنا أن الأرض قد مالت من تحتنا فملنا معها، حتى إذا علونا هامة الجبل وجدنا مطعماً واسعاً مستديراً فولجناه وقعدنا نتغدى. فقال لي ابن بنتي أيمن: جدّو، ألم تلاحظ شيئاً؟ قلت: لاحظت أشياء كثيرة جداً، فما الذي تسألني عنه منها؟ قال: لا بل هنا، انظر إلى هذا البناء. قلت: نظرت، فما له؟ قال: حدّد مكانه ثم انظر إليه بعد عشر دقائق. فنظرت بعد عشر دقائق فإذا هو قد مشى. قلت: ما هذا؟ فضحك وقال: إننا نحن ندور؛ المطعم يدور بنا! قلت: شيء عجيب، السلّم يصعد بك بدلاً من أن تصعد أنت عليه، والبلد يدور من حولك بدلاً من أن تدور أنت حوله! ولمّا جئنا ننزل بعدت أنا والولدان هادية وأيمن عن والديهما أمتاراً معدودة، نزلا من هناك ونزلنا نحن من هنا، ولم نشعر بأننا

стр. 2616

كلما ازددنا هبوطاً ازددنا عنهما بعداً، حتى إذا بلغنا السفح وصرنا على الأرض فإذا نحن في حيّ آخر من أحياء المدينة. وكذلك يصنع انحراف خطوة عن الطريق، إنه يبدّل وجهتك ويصرفك عن غايتك ويبلغ بك ما لا تحب. ولم ندرِ من أين نسير، وكانا حديثَي عهد بالمدينة، قدما إليها من بروكسل وكانا من قبلها في جنيف، ولسان كليهما فرنسي، وهذا لسان ألماني لم يكونا قد تعلّما منه يومئذ إلاّ القليل، وقلت للبنت: كلّميهم بالفرنسية (وكانت تتقنها) واسأليهم عن المسجد. فوجدنا أكثرهم لا يعرف الفرنسية، والقليل الذي عرفها لم يكن يعرف المسجد. فجعلنا نسير على غير هدى حتى تعبنا من السير، فوجدنا كراسي مصفوفة فقعدنا عليها، وكان إلى جنبنا رجل كبير السنّ وجهه يدل على طيب نفسه، فسألناه ففهم عنا، ثم أشار إلينا أن ننتظره حتى يعود، ثم ذهب إلى هاتف قريب فطلب لنا سيارة (تاكسي) وأفهم السائق مقصدنا، فشكرناه بألسنتنا بمقدار ما استطعنا التعبير عن شكر قلوبنا. وكنت قد سمعت بأن الألمان غلاظ القلوب لا يدلّون تائهاً ولا يُجيبون سائلاً، فكان الذي وجدته غير هذا، بل لقد وجدت منهم لطفاً وأدباً وظرفاً واهتماماً بالغريب. ضللت الطريق مرة بعد أن أقمت في البلدة مدة، فسألت رجلاً، فدلّني فما فهمت عنه، فبدّل وجهته ومشى معي حتى أوصلني إلى أول الطريق الذي أقصده. ولمّا جئت أشكره نسيت كلمة الشكر (دانكْهشون) فقلت له: دون كيشوت! فبدت على وجهه علائم التردّد بين الطرب لنكتتي والعجب من كلامي والغضب مني، فأدركت ذلك فقلت

стр. 2617

له: شكراً، ثانك يو، ميرسي بوكو، تشكر أيدرم، بهوت شكريا (بالعربية والإنكليزية والفرنسية والتركية والأردية)، فعرف أني لم أكن أقصد شراً، فضحك وقال لي يشكرني وكأنه يعلّمني الكلمة: دانكهشون. وصافحني ضاحكاً ومشى. أما المتنزّه الذي هبطنا إليه فهو «الآيْفِلْ». ويظهر أن اسم «الآيفِل» ليس لهذا الوادي وحده ولكنه لمنطقة أوسع منه. والمهبط إليه الجمالُ على جانبَيه والماء يجري في قرارته والقرى والمنازل مشرفة عليه. وقد انتشرَت فيه وفي غيره دكاكين صغيرة كأنها غرف خفير الليل (أو كأنها «الصَنْدَقات» كما تُسمّى هنا) فيها بنات عندهن البطاطا مقليّة لم تنضج، فإذا جاء مَن يطلب شيئاً منها وضعنَها في المقلاة، ثم في شبه كوب صغيرة من الورق المقوّى ومعها شوكة من الخشب صغيرة ودفعنها إليه بمارك واحد، فأكلها سخنة طيبة. وشبه بيوت صغيرة لها شرفات يقعد عليها الناس يقدَّم فيها القهوة والشاي، والحساء لمن أراده، وفي كل مكان مقاعد ثابتة من الحجر أو من جذوع الشجر ومناضد أمامها من مثلها (وقد رأيتهم قد صنعوا في جدة عند السّيف، أي الكورنيش، مثلها) يحمل الناسُ طعامَهم وشرابهم إليها. والعجب أنك لا تجد أحداً يُلقي على الأرض علبة فارغة ولا كيساً خالياً ولا ورقة ولا زجاجة ولا شيئاً مما يوسخ المكان. على أننا نحن المسلمين آخر من يحقّ له العجب من هذا؛ لأن تنظيف الطريق في ديننا معدود من شُعَب الإيمان. هل سمعتم

стр. 2618

أن في دين ممّا يَدين به البشرُ مثل ذلك؟ الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أي أن الذي يأكل الموزة ويلقي قشرتها على رصيف الشارع والذي يرمي الفضلات من نافذة السيارة أو من شبّاك الدار يكون قد نقص منه هذه الشعبة من شعب الإيمان. وأشهد أن الألمان شعب نظامي. كنت أرى الجيران جميعاً يفيقون من الصباح الباكر، وحين أعود الظهر أسمع من كل شقّة أصوات الطعام وقرع الملاعق والشوكات. يفيقون في وقت واحد ويأكلون في وقت واحد، وأحسبهم ينامون في وقت واحد! والأسواق تغلق مخازنها في وقت واحد. ونسمع في كل بلد عن الرُّخْصَة (أي الأوكازيون) في المحلات التجارية، ولكن الرخصة السنوية في ألمانيا حقيقية؛ يختارون من البضائع النفيسة الغالية عدداً محدوداً يبيعونه بأقل من عُشر ثمنه، فالثوب الذي يُباع عادة بمئة مارك قد تشتريه المرأة من الرخصة بخمسة ماركات، ومَن يأتي أولاً يختار ما يريد، لا تَسابُق ولا تدافع ولا ازدحام. لذلك ترونهم يتنافسون في التبكير، فمنهم من يأتي المخزن من الفجر أو من قبل الفجر، ورأيت من ينام أمام المتجر أيام الرخصة! ولا يكون زحام لأن كل شيء هناك بالدَّور، يقفون صفاً واحداً. هذا الذي ينبغي أن نتعلمه منهم لا الفسوق والعصيان، وهذا الذي تعلّموه هم منا. ولقد قرأت مرة لكاتب فرنسي صحب

стр. 2619

قافلة عربية في جنوبي الجزائر فوصف أهلها بأنهم جنّ على هيئة بني آدم، كلهم يركب رأسه ويمشي على هواه، لا يخضع أحد لأحد، ثم رأى منهم -كما يقول هو- شيئاً عجباً؛ قام رجل يتحرّك فيتحرّكون معه، يرفع رأسه فيرفعون رؤوسهم ويخفضه وينزل به إلى الأرض فينزلون رؤوسهم جميعاً إلى الأرض، فتعجّب مما رأى، ما درى أن هذه الصفوف التي وقفت منتظمة وراء الإمام تتحرك بحركته هي التي مشت وراء القائد ففتحت للحقّ وللإسلام بلاد الأرض، وهي التي أقامت الدولة العظيمة والحضارة البارعة (١). * * * ودنا موعد المؤتمر الذي دعانا اتحاد الشباب المسلم في أوربا إلى حضوره وأخذوا يستعدّون له، لأنه الحدث الأهمّ في أعمال المركز الإسلامي هناك، يأتيه الشباب من أرجاء أوربا وتُبحث فيه المسائل التي تهمّهم وتُلقى فيه المحاضرات التي تنفعهم، يَدعون إليه كل سنة أحدَ الأساتذة من الدعاة، وتُلقى فيه أسئلة وتُطبع فيه الأجوبة، فتكون مناقشات ومناظرات، والذي يدبّر ذلك كله ويديره هو الأستاذ عصام العطار. وكانوا يختارون له كل سنة مدينة، وكانت المدينة المختارة سنة ١٩٧٠ هي كيسن. وحضرت مثله مرة ثانية سنة ١٩٧٦ وكان في مدينة دوسلدورْف. ومن عادتهم أنهم ينزلون في بيت من بيوت الشباب، وهي

стр. 2620

منتشرة هناك لا يكاد يخلو منها بلد، يجتمعون فيها على الطعام يعده لهم البيت الذي ينزلون فيه. وطعامهم سهلٌ -كما يقولون- هضمه ولكن ساءٍ طعمُه، ما فيه لذة ولا له نكهة. إنه مثل طعام المرضى في المستشفى مسلوق سلقاً. وألذّ طعام طعامُ الشام، ولكنه ثقيل على المعدة يكاد يكون صعب الهضم، ويليه (كما سمعت ولم أذق) الطعام التركي، فيه لذّة وفيه خفّة. أما طعام الشرق الذي رأيته في الباكستان والهند وسنغافورة وأندونيسيا فإن ما فيه من الفلافل التي تُلهِب الحلق وتحرق الأمعاء يمنعني من استطاعة الحكم له أو عليه، وأنّى لي الحكم وفي جوفي هذه النار! ثم إن النوم في بيوت الشباب في أسّرة ذات طبقات، اثنتين أو ثلاث، وأنا لا أستطيع أن أنام في غرفة فيها آخَر، فكيف لي بالنوم وفوقي أو تحتي نائم غيري، وإن كان بيني وبينه حجاب فلا يصل إليّ ولا أصل إليه؟ ثم إنها بيوت الشباب، وما كنت ولا كانت زوجتي التي تصحبني من الشباب؛ كنت يومئذ (سنة ١٩٧٠) في نحو الثالثة والستين، وزوجتي دوني بعشر سنين، فما لنا وللشباب ولبيوت الشباب؟ لذلك طلبت أن يستأجروا لي على حسابي غرفة في فندق، على شرطي الذي لا أدعه وهو أن يكون حمّامها فيها فلا أُضطر إلى الخروج منها. وقد فعلوا، فانفردنا عنهم. وسافرنا في سيارة لأخ كريم من إخواننا، أو هو على الأصحّ ولد من أولادنا، أصله من حرستا. وهي جارة دوما التي كنت قاضيها سنة ١٩٤٢، ومن مزاياها أن فيها من الزيتون ما يجاوز عمرُ الواحدة من شجره مئةً أو مئة وخمسين سنة، وأنها كانت منزل الشيخ أبي النصر الخطيب

стр. 2621

القاضي العادل صاحب النوادر العجيبة، وهو عمّ أمي. وإن من مزاياها قبل هذا أن الإمام تلميذ الإمام، أول من ألّف الكتب في الفقه، كان أصله منها، وهو محمدبن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة. وقد ألّف الإمام مالك «الموطّأ» قبله، ولكن الموطّأ -على جلالة قدره وعظيم أثره- كتاب حديث وفقه، و «الكتب الستّة» التي ألّفها محمدبن الحسن في الفقه الخالص، وقد قرأها عليه الإمام الشافعي، كما قرأها وألّف «المدوَّنةَ» (التي هي عماد المذهب المالكي) على أسلوبها أسدُبن الفرات، وإن نُسِبت إلى سحنون لأنه عدّل فيها وبدّل شيئاً منها. أسدبن الفرات هو الفقيه القاضي الأميرال (أمير الماء) قائد الأسطول الذي فتح صقلية وبقيَت بأيدي المسلمين دهراً طويلاً (١). ولم يكن دليلنا الذي يقود السيارة ويقودنا عارفاً بالطرق ولم يزُر مدينة كيسن من قبل، وكان يومئذ حديثَ عهد بألمانيا، وهو لا يزال إلى اليوم فيها، وقد صار أستاذاً نابغة. وكان هذا الأستاذُ السابقَ إلى الدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بروكسل، وهو الآن في المركز الإسلامي في آخن، هو الدكتور محمد الهَوّاري الأستاذ في كلية الطب في الشام. مررنا بطائفة من المدن حتى بلغنا كيسن، فجعل يلفّ بنا ويدور ولا يصل إلى بيت الشباب، فسألته: ألا يعرفه؟ قال: بلى، هو عند هذه ... شو اسمها؟ التي هي فوق الطريق ... ولم يكن يعرف هو على -ما يبدو- ما هي التي فوق الطريق ولا يعرف اسمها

стр. 2622

حتى يسأل عنها، وليست «اللي بيتها فوق الطريق» التي سمعتُ فيروز تغنّي بها! درنا كما يدور صاحب السانية حتى وصلنا إليها وعرفنا ما هي، إنها أنبوب ماء يمرّ من فوق طريق فرعي صغير، فقال: الآن عرفت. قلنا: الحمد لله. وبلغنا بيت الشباب، وكان على سفح جبل صغير في طرف البلد، ووجدناه بناء كبيراً قديماً يعجّ بالنزلاء، وأكثرهم من جماعتنا. وقابلنا أصحابنا، وقلت للذي جاء بي: هلمّ إلى الفندق الذي حجزوه لي. فآثرَت زوجتي أن تبقى مع النساء، والحقّ معها، ولو كنت أستطيع لبقيت أنا أيضاً مع رجالهن لأنهم (أعني الرجال والنساء) من أهل الصلاح وصحبتهم تذكّر بالله وتوقظ القلب الغافل، وإذا أعطيتهم أنا في هذه الرحلة قليلاً من العلم الذي تعلّمته فإنهم أعطوني كثيراً من الإرشاد القلبي والموعظة النفسية. ووجدت الفندق فخماً والغرفة واسعة، ومن نوافذها نطلّ على مشهد من أجمل المشاهد. وقضيت ليلة مريحة، وتعلّمت تحية الصباح (كودِنْ مورْكِنْ) وسبع كلمات أخرى لا بدّ منها ولا غنى عنها. وكان الموعد الساعة التاسعة من الصباح، وكان الاتفاق أن يجيء إليّ مَن يأخذني إلى بيت الشباب، فلم يحضر أحد ومرّت نصف ساعة. وأنا يغيظني جداً إخلاف الموعد لأنني أُلزِم نفسي به وأنتظر ممّن يعدني أن يُلزِم نفسَه بما ألزمتُ به نفسي وما ألزمَنا به كلينا دينُنا، لا أن يقيّدني ويبقى طليقاً. ونحن نرى إخلاف الوعد هيّناً وهو عند الله عظيم وهو من خصال المنافقين، فمَن كان مبتلى به فليعلم أنه ابتُلي بشعبة من النفاق كما قال رسولالله ﵊.

стр. 2623

وضاق صدري من الانتظار فقلت: أمشي حول الفندق. ولكن نسيت (وتلك حماقة مني) نسيت أن أحفظ اسمه، فمشيت قليلاً فوجدت حاجزاً له درَج كهربائي يصعد الصاعدون عليه فينزلون من الجهة الأخرى يمرّون على جسر فوق الطريق، فصعدت مصعدهم ونزلت منزلهم، وسرت قليلاً فلم أعُد أرى الفندق ولا الطريق إليه، ولا أعرف اسمه لأسأل عنه، ولا أعرف ما اسم بيت الشباب بالألمانية ولا رقم الهاتف، فضاقت بي الحال واشتدّ الأمر وحرت ماذا أصنع. والضيق يولّد مخرجاً إن التجأ العبد فيه إلى ربه. فدعوت الله بقلب حاضر فألهمني أن أدقق النظر فيما حولي، فكلما رأيت لوحة على باب متجر أكدّ ذهني أفكّر: هل مررت بها وأنا قادم؟ فإذا تذكرت أني مررت بها وكانت على يميني أجعلها على شمالي لأعود من حيث جئت، وكذلك جعلت أتنقل خطوة خطوة حتى رجعت إلى جسر المشاة الذي يصعد الناس إليه بالسلم الكهربائي، فصعدته ونزلت فإذا أنا أمام الفندق، وإذا أنا لم أسِر إلاّ نحو ثلاثمئة متر. * * * وجاء يزورني في اليوم التالي صديق من أصدقائنا الشباب المؤمنين، فأحبّ أن يكرمني على غير رغبة مني، وكان يتكلّم الألمانية كأهلها، فحدّثهم عني حديثاً لست أدري ماذا قال فيه، ولكنه كبّرني ونفخني وأوهمهم بأن لي شأناً عظيماً وطلب أن يُخصَّص لي جناح في الفندق على أن يدفع أجرته هو. وكان

стр. 2624

ذلك كله وأنا غائب عن الفندق، فلما عدت إليه من بيت الشباب وجدتهم قد نقلوني من غرفتي التي كنت فيها إلى هذا الجناح، وإذا هو دار مصغَّرة فيها غرفة استقبال وغرفة للنوم وردهة فيها مقاعد لا أدري ماذا أصنع بها ولا بهذا الذي وجدته. ومن أعجب ما وجدت خزانة فتحت بابها فإذا فيها من القوارير والقناني ما لا أستطيع إحصاءه، وفهمت أنه كان فيها من كل شراب أحلّه الله أو حرّمه، أي أنها خمّارة صغيرة في هذا الجناح! وقال لهم إني لا آكل إلا أكلات أحدّدها، فجاؤوا يسألونني: ما الذي أريد أن آكله في المساء؟ وأنا لا أفهم عنهم ولا يفهمون عني، حتى وصل هذا الأخ فقلت له: ما هذا الذي صنعت ياغالب؟ أنا راضٍ بغرفتي وقانعٌ بها. وجاء الطعام وهو عندي، فوضعوا ملاءة بيضاء مطرَّزة يبدو أنها غالية الثمن وضعوا فوقها الأطباق، وأنا أنظر بعيني، ثم وضع النادل خادم المطعم منديله على ذراعه ووقف على رؤوسنا. وأنا لا أستطيع أن آكل وأمامي من يراقبني وينظر إليّ، فكنت أغمز هذا الأخ بمرفقي أقول له بالعربية بصوت خافت: اصرفه عني، وهو يظنّ أن من الإكرام أن يُبقيه قائماً على رأسي. حتى ضقت به ذرعاً فأمرته أن ينصرف فانصرف متعجباً. ولم أرضَ أن يغرم هو ثمن هذا البذخ الذي لا داعي له ولا منفعة فيه، واضطُررت أن أدفع أنا أجرة هذا كله شاكراً له نيّته وحسن مقصده. * * *

стр. 2625

-٢٠٣ - إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير لمّا أخذت الجريدة يوم الإثنين الماضي أسرعت إلى مقالتك كما أسرع كل مرة، لأني أجد لها طعماً لا أكاد أجده في كثير من المذكّرات التي تنشرها الصحف والمجلات فتكون كالدليل الذي يُري السيّاحَ شوارعَ البلد ويدلّهم على عماراتها وحدائقها ومطاعمها ومشاربها ولكن لا يلج بهم العمارات ليروها من داخلها ولا المطاعم ليأكلوا مما فيها. وأنت تُدخِلهم إليها وتُذيقهم طيباتها. إن ما تكتبه هو من حديث النفس، يرى فيه القارئُ نفسَه فيحسّ كأنه معك وأنه صديق لك. وكذلك يصنع الأديب؛ الناس يعيشون وحدهم والأديب يُشرِك الناس كلهم معه، إن سُرّ شاركهم سروره وإن تألّم تمنّى أن يشاركوه ألمه. أخذتُ الجريدة ففوجئت بما أملاه كرم نفسك ووفاؤك لأصدقائك من ذكري وذكر بلدي. لقد سرّني ما كتبت، ولكنه خضّ الكوب فأظهر ما رسب في قرارته: وذو الشّوقِ القديمِ وإنْ تسلّى ... مَشُوقٌ حينَ يَلقى العاشقينا

стр. 2626

أرأيت ياأخي كوب الماء العكر لا تستطيع أن تسيغه على عكره ولا تملك أن تعيده إلى صفائه، فتتركه للزمان يُنزِل إلى قرارته ما علق به من أدران فيبدو صافياً، وما صفا ولكن رسب فيه العَكَر. كذلك يستقرّ الحزن في أعماق النفس، يستره النسيان حتى لتحسبه ما كان. ولقد طالما تسلّيت، ولكن ما سلوت ولا نسيت، وهل ينسى امرؤ حياتَه؟ لقد سردتَ ياأخي أسماء ما لها في نفسك ظلال ولا لها في أعماقك جذور وما مسّت حياتك إلاّ مسّاً رفيقاً، أما أنا فأحسّ بها دائماً غائصة جذورها في كياني ممتدّة ظلالها على حياتي. حتى إنك ياسيدي نسيت الطريق. وحقّ لك أن تنسى، فقد كانت زيارة لك عابرة مرّ عليها الآن أكثر من خمسين سنة، فسلكت شارع بغداد فوصلت دُمّر والهامَة! فحقّ لي أن أقول لك مقالة ابن أبيربيعة: «عَمْرُك الله، كيفَ يلتقيانِ؟»؛ شارع بغداد يمضي مشرّقاً ودمّر والهامة في الغرب، وشتّانَ بينَ مشرّقٍ ومُغَرّبِ. لقد هزّت مقالتك شجوني. فيا شوق نفسي إلى دمشق ومغانيها، وغوطتها وواديها، وشاذروانها وميزانها! وهلْ لي إلى تلكَ الديارِ ونظرةٍ ... إلى بردى قبل المماتِ سَبيلُ؟ بردى الذي رآه حسّان مرات معدودات فأحبّه وذكره في شعره، فكيف بي أنا؟ لقد قال في مدح أصحابه من آل غسان (ولم أقُل من بني غسان، لأن «غسّان» ليس إنساناً بل نبع ماء في جبل الدروز، نزلوا عليه فنُسبوا إليه (١)) قال حسان:

стр. 2627

يَسقُونَ مَنْ وَرَدَ البَريصَ عليهِم ... برَدى يُصَفّقُ بالرّحيقِ السَّلْسَلِ أي يُمزج ماؤه الصافي بالخمرة المعتَّقة التي كانوا يشربونها. أما قصر البريص -إن شاء القرّاء تمام الفائدة- فإنه يقع عند سوق النحّاسين (والسوق قديم، والذي قلته كتبه البلاذري في «فتوح البلدان»)، أمام باب الفرج الذي يُدعى الآن باب المناخِليّة. * * * أنا هنا في أكرم البقاع. إن كانت دمشق موطن جسدي وقلبي فإن ها هنا موطن روحي وروح كل مسلم. ومَن ذا يسوّي بالجسد الروح؟ وإن كانت هناك دنياي فها هنا دنياي وآخرتي، وما الدنيا في الآخرة إلاّ متاع. ولكنه وطني، ومَن الذي ينسى وطنه: وحَبّبَ أوطانَ الرّجالِ إليهِمُ ... مآربُ قَضّاها الشبابُ هُنالِكا وإن جفاني موطني وقطع أواصر الودّ بينه وبيني ونسي ما صنعت له بلساني وقلمي، فما وجدتُ هنا واللهِ إلاّ البرّ والإكرام، من الملوك الخمسة رحم الله منهم من ذهب للقائه وأطال عمر مَن بقي وزاده من نعمائه ووفّقه إلى رضائه، ومِن كل من تضمّ هذه البقاع الطاهرة، ما لقيت منهم إلاّ كرماً وعطفاً وإحساناً. دمشق التي صوّرتَها لي ببيانك حتى كأني أراها من جديد. وأين ياسيدي دمشق التي زرتَها ثم جئت فوصفتها؟ أمّا الخيامُ فإنها كخِيامِهم ... وأرى نساء الحيّ غيرَ نسائها هذه المساجد لا تزال كما كانت، ولكن أين الدروس التي

стр. 2628

كانت تُلقى فيها؟ وأين العلماء الذين كانوا يُلقون هذه الدروس؟ وأين إقبال الشباب عليها وتسابقهم إليها؟ أين المجالس الدائمة التي كانت كأنها نوادٍ أدبية أو مجامع علمية، يتصدّرها أفاضلُ حديثُهم درسٌ ومطارحتهم أنس، وأبواب هذه المجالس مفتَّحة. مجلس الشيوخ الذي سبق الحديث عنه في هذه الذكريات، وكنت أحضره مستمعاً لا عضواً، فما كنت قد بلغت سنّ الشيخوخة ولا المنزلة التي كان عليها مَن بلغها من أعضاء المجلس، كالرئيس هاشم الأتاسي والرئيس محمد علي العابد والرئيس فارس الخوري، والعلماء الأجلاّء كالشيخ عبد القادر المغربي وأقرانه الذين سمّيت بعضاً منهم فيما سبق من حلقات هذه الذكريات. ومجلس محمد كرد علي أستاذ الكاتبين ورائد الصحافيين، ومَن كان أبا المجامع العلمية في البلاد العربية، أنشأ مجمع دمشق سنة ١٩١٩ على حين أن مجمع القاهرة قام سنة ١٩٣٢. ومجلس مصطفى برمدا شيخ القضاء في الشام، الذي حوى صدره موسوعة فيها من كلّ علم طرف والذي ما عرف القضاءُ عندنا مثلَه فكراً وهيبة وعدلاً. ومجلس عبد الرؤوف سلطان، والأمير طاهر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر، والسيد بدر الدين ابن أخي الأمير عبد القادر، ومجالس أساتذتنا الذين أضاؤوا لنا الطريق وأخذوا بأيدينا حتى مشينا، سليم الجندي وعبد القادر المبارك والشيخ حسن الشطي، ومجالس من أمثالها لا أريد استقصاءها وأنتم لا تعرفون أصحابها. أين دمشق التي لم يكن يُرى فيها منكَر معلَن ولا محرَّم

стр. 2629

مستباح ولا عورة مكشوفة، وما كان في جمهور أهلها إلاّ كل ديّن صيّن؟ ذكّرتَني ياسيدي المظاهرات أيام النضال للاستقلال، الذي شاركتُ فيه على ضعفي وعجزي بما قُدتُ من مظاهرات وما دعوت إليه من إضرابات. ما كنا ننادي بوجوب الإضراب أيام الفرنسيين حتى تغلق الدكاكين ويخرج الناس متظاهرين يعرّضون صدورهم لرصاص المستعمرين: لا يسألونَ أخاهم حين يَندُبُهم ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا وما خطبت وما كتبت في جريدة «فتى العرب» و «ألف باء» و «القبس» و «الأيام» و «اليوم» و «المنار» و «النصر»، وجرائد غيرها نسيت حتى أسماءها. لقد كنت أخطب في المساجد وفي النوادي وفي الطرق وفي الساحات ... ولكن هذا كله ياسيدي قد ذهب، ما بقي منه شيء، وإن لم يكتب الله لي عليه شيئاً من الثواب لا أستحقّه بعملي فيا ضيعة أيامي. يحسب ناسٌ أن الاستقلال قد جاءنا عفواً بلا تعب، وأننا وجدنا يوماً مائدة مُعَدّة فقعدنا على كراسي مصفوفة من حولها ومن فوقها الزهر والورد وطبق مغطّى فتحناه فإذا فيه الاستقلال المطلوب! لقد نسي كثير منا ولم يدرِ كثير من ناشئتنا ما الذي دفعناه ثمناً له، من دمائنا الزكية التي أريقت، ومن نفوسنا البريئة التي أُزهقت، ومن بيوتنا التي كانت جنّات تجري في صحونها المياه نوافير تشرح الصدر دكّوها بالمدافع دكاً فتركوها خراباً. فيا ليتنا، ياليت العرب كلهم، ياليت المسلمين جميعاً

стр. 2630

حافظوا على استقلالهم، ياليتنا لم نصنع (أو لم يصنع بعضنا بأيدينا) ما كان يبتغيه المستعمر منا. لقد خضضتَ ياسيدي الكوب فصعد ما كان في قرارته من الفكر، لقد ذكّرتني ما كنت ناسياً. إنني عشت بحساب السنين ثمانين، ولكن عمري بحساب ما رأيت من الأحداث الكبار مئتان. رأيت حكم العثمانيين، وعهد الحكومة العربية، وميسلون التي دخل علينا بعدها الفرنسيون، وعهد النضال، ثم الاستقلال، وعهداً لا بارك الله فيه هو عهد الانقلابات، وعهوداً بين ذلك كثيراً ... ما كان يومٌ منها إلاّ بكينا فيه منه وبكينا بعده عليه. وما ظلمَنا اللهُ ولكنْ ظلَمْنا أنفسَنا. إن الله جعل لكل شيء سبباً، فالفلاّح الذي يقعد عن شقّ الأرض وبذر البذر ثم يقول: "اللهم أنبت لي الزرع" لا يُنبت الله زرعَه. والتلميذ الذي يدع الدرس ويشتغل باللهو واللعب ويقول: "اللهم اكتب لي النجاح في الامتحان" لا يكتب الله له النجاح. والأمّة التي تلعب حين الجدّ ويتربّص بها العدو فلا تُعِدّ القوة للعدوّ وتطلب من الله النصر لا يكتب الله لها النصر. لأن الله لا يبدّل سننه في كونه وقوانينه في مخلوقاته من أجل فلاّح مهمل ولا تلميذ كسلان ولا شعب غافل. فإذا أردنا معشر المسلمين أن يغيّر الله ما نحن فيه من التفرق والانقسام وتكالُب الخصوم وغلَبة الأعداء فلنغيّر أولاً ما بأنفسنا: ﴿إنّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بِقَومٍ حتّى يُغَيّروا ما بأنفسِهِم﴾؛ هذا هو القانون، فهل غيّرنا ما بأنفسنا؟ أنا أتكلم عن نفسي فأعترف صادقاً أنني ما غيّرت! * * *
следующие страницы →