← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أرأيت ياأخي كوب الماء العكر لا تستطيع أن تسيغه على عكره ولا تملك أن تعيده إلى صفائه، فتتركه للزمان يُنزِل إلى قرارته ما علق به من أدران فيبدو صافياً، وما صفا ولكن رسب فيه العَكَر. كذلك يستقرّ الحزن في أعماق النفس، يستره النسيان حتى لتحسبه ما كان. ولقد طالما تسلّيت، ولكن ما سلوت ولا نسيت، وهل ينسى امرؤ حياتَه؟ لقد سردتَ ياأخي أسماء ما لها في نفسك ظلال ولا لها في أعماقك جذور وما مسّت حياتك إلاّ مسّاً رفيقاً، أما أنا فأحسّ بها دائماً غائصة جذورها في كياني ممتدّة ظلالها على حياتي. حتى إنك ياسيدي نسيت الطريق. وحقّ لك أن تنسى، فقد كانت زيارة لك عابرة مرّ عليها الآن أكثر من خمسين سنة، فسلكت شارع بغداد فوصلت دُمّر والهامَة! فحقّ لي أن أقول لك مقالة ابن أبيربيعة: «عَمْرُك الله، كيفَ يلتقيانِ؟»؛ شارع بغداد يمضي مشرّقاً ودمّر والهامة في الغرب، وشتّانَ بينَ مشرّقٍ ومُغَرّبِ. لقد هزّت مقالتك شجوني. فيا شوق نفسي إلى دمشق ومغانيها، وغوطتها وواديها، وشاذروانها وميزانها! وهلْ لي إلى تلكَ الديارِ ونظرةٍ ... إلى بردى قبل المماتِ سَبيلُ؟ بردى الذي رآه حسّان مرات معدودات فأحبّه وذكره في شعره، فكيف بي أنا؟ لقد قال في مدح أصحابه من آل غسان (ولم أقُل من بني غسان، لأن «غسّان» ليس إنساناً بل نبع ماء في جبل الدروز، نزلوا عليه فنُسبوا إليه (١)) قال حسان:

стр. 2627

يَسقُونَ مَنْ وَرَدَ البَريصَ عليهِم ... برَدى يُصَفّقُ بالرّحيقِ السَّلْسَلِ أي يُمزج ماؤه الصافي بالخمرة المعتَّقة التي كانوا يشربونها. أما قصر البريص -إن شاء القرّاء تمام الفائدة- فإنه يقع عند سوق النحّاسين (والسوق قديم، والذي قلته كتبه البلاذري في «فتوح البلدان»)، أمام باب الفرج الذي يُدعى الآن باب المناخِليّة. * * * أنا هنا في أكرم البقاع. إن كانت دمشق موطن جسدي وقلبي فإن ها هنا موطن روحي وروح كل مسلم. ومَن ذا يسوّي بالجسد الروح؟ وإن كانت هناك دنياي فها هنا دنياي وآخرتي، وما الدنيا في الآخرة إلاّ متاع. ولكنه وطني، ومَن الذي ينسى وطنه: وحَبّبَ أوطانَ الرّجالِ إليهِمُ ... مآربُ قَضّاها الشبابُ هُنالِكا وإن جفاني موطني وقطع أواصر الودّ بينه وبيني ونسي ما صنعت له بلساني وقلمي، فما وجدتُ هنا واللهِ إلاّ البرّ والإكرام، من الملوك الخمسة رحم الله منهم من ذهب للقائه وأطال عمر مَن بقي وزاده من نعمائه ووفّقه إلى رضائه، ومِن كل من تضمّ هذه البقاع الطاهرة، ما لقيت منهم إلاّ كرماً وعطفاً وإحساناً. دمشق التي صوّرتَها لي ببيانك حتى كأني أراها من جديد. وأين ياسيدي دمشق التي زرتَها ثم جئت فوصفتها؟ أمّا الخيامُ فإنها كخِيامِهم ... وأرى نساء الحيّ غيرَ نسائها هذه المساجد لا تزال كما كانت، ولكن أين الدروس التي

стр. 2628

كانت تُلقى فيها؟ وأين العلماء الذين كانوا يُلقون هذه الدروس؟ وأين إقبال الشباب عليها وتسابقهم إليها؟ أين المجالس الدائمة التي كانت كأنها نوادٍ أدبية أو مجامع علمية، يتصدّرها أفاضلُ حديثُهم درسٌ ومطارحتهم أنس، وأبواب هذه المجالس مفتَّحة. مجلس الشيوخ الذي سبق الحديث عنه في هذه الذكريات، وكنت أحضره مستمعاً لا عضواً، فما كنت قد بلغت سنّ الشيخوخة ولا المنزلة التي كان عليها مَن بلغها من أعضاء المجلس، كالرئيس هاشم الأتاسي والرئيس محمد علي العابد والرئيس فارس الخوري، والعلماء الأجلاّء كالشيخ عبد القادر المغربي وأقرانه الذين سمّيت بعضاً منهم فيما سبق من حلقات هذه الذكريات. ومجلس محمد كرد علي أستاذ الكاتبين ورائد الصحافيين، ومَن كان أبا المجامع العلمية في البلاد العربية، أنشأ مجمع دمشق سنة ١٩١٩ على حين أن مجمع القاهرة قام سنة ١٩٣٢. ومجلس مصطفى برمدا شيخ القضاء في الشام، الذي حوى صدره موسوعة فيها من كلّ علم طرف والذي ما عرف القضاءُ عندنا مثلَه فكراً وهيبة وعدلاً. ومجلس عبد الرؤوف سلطان، والأمير طاهر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر، والسيد بدر الدين ابن أخي الأمير عبد القادر، ومجالس أساتذتنا الذين أضاؤوا لنا الطريق وأخذوا بأيدينا حتى مشينا، سليم الجندي وعبد القادر المبارك والشيخ حسن الشطي، ومجالس من أمثالها لا أريد استقصاءها وأنتم لا تعرفون أصحابها. أين دمشق التي لم يكن يُرى فيها منكَر معلَن ولا محرَّم

стр. 2629

مستباح ولا عورة مكشوفة، وما كان في جمهور أهلها إلاّ كل ديّن صيّن؟ ذكّرتَني ياسيدي المظاهرات أيام النضال للاستقلال، الذي شاركتُ فيه على ضعفي وعجزي بما قُدتُ من مظاهرات وما دعوت إليه من إضرابات. ما كنا ننادي بوجوب الإضراب أيام الفرنسيين حتى تغلق الدكاكين ويخرج الناس متظاهرين يعرّضون صدورهم لرصاص المستعمرين: لا يسألونَ أخاهم حين يَندُبُهم ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا وما خطبت وما كتبت في جريدة «فتى العرب» و «ألف باء» و «القبس» و «الأيام» و «اليوم» و «المنار» و «النصر»، وجرائد غيرها نسيت حتى أسماءها. لقد كنت أخطب في المساجد وفي النوادي وفي الطرق وفي الساحات ... ولكن هذا كله ياسيدي قد ذهب، ما بقي منه شيء، وإن لم يكتب الله لي عليه شيئاً من الثواب لا أستحقّه بعملي فيا ضيعة أيامي. يحسب ناسٌ أن الاستقلال قد جاءنا عفواً بلا تعب، وأننا وجدنا يوماً مائدة مُعَدّة فقعدنا على كراسي مصفوفة من حولها ومن فوقها الزهر والورد وطبق مغطّى فتحناه فإذا فيه الاستقلال المطلوب! لقد نسي كثير منا ولم يدرِ كثير من ناشئتنا ما الذي دفعناه ثمناً له، من دمائنا الزكية التي أريقت، ومن نفوسنا البريئة التي أُزهقت، ومن بيوتنا التي كانت جنّات تجري في صحونها المياه نوافير تشرح الصدر دكّوها بالمدافع دكاً فتركوها خراباً. فيا ليتنا، ياليت العرب كلهم، ياليت المسلمين جميعاً

стр. 2630

حافظوا على استقلالهم، ياليتنا لم نصنع (أو لم يصنع بعضنا بأيدينا) ما كان يبتغيه المستعمر منا. لقد خضضتَ ياسيدي الكوب فصعد ما كان في قرارته من الفكر، لقد ذكّرتني ما كنت ناسياً. إنني عشت بحساب السنين ثمانين، ولكن عمري بحساب ما رأيت من الأحداث الكبار مئتان. رأيت حكم العثمانيين، وعهد الحكومة العربية، وميسلون التي دخل علينا بعدها الفرنسيون، وعهد النضال، ثم الاستقلال، وعهداً لا بارك الله فيه هو عهد الانقلابات، وعهوداً بين ذلك كثيراً ... ما كان يومٌ منها إلاّ بكينا فيه منه وبكينا بعده عليه. وما ظلمَنا اللهُ ولكنْ ظلَمْنا أنفسَنا. إن الله جعل لكل شيء سبباً، فالفلاّح الذي يقعد عن شقّ الأرض وبذر البذر ثم يقول: "اللهم أنبت لي الزرع" لا يُنبت الله زرعَه. والتلميذ الذي يدع الدرس ويشتغل باللهو واللعب ويقول: "اللهم اكتب لي النجاح في الامتحان" لا يكتب الله له النجاح. والأمّة التي تلعب حين الجدّ ويتربّص بها العدو فلا تُعِدّ القوة للعدوّ وتطلب من الله النصر لا يكتب الله لها النصر. لأن الله لا يبدّل سننه في كونه وقوانينه في مخلوقاته من أجل فلاّح مهمل ولا تلميذ كسلان ولا شعب غافل. فإذا أردنا معشر المسلمين أن يغيّر الله ما نحن فيه من التفرق والانقسام وتكالُب الخصوم وغلَبة الأعداء فلنغيّر أولاً ما بأنفسنا: ﴿إنّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بِقَومٍ حتّى يُغَيّروا ما بأنفسِهِم﴾؛ هذا هو القانون، فهل غيّرنا ما بأنفسنا؟ أنا أتكلم عن نفسي فأعترف صادقاً أنني ما غيّرت! * * *

стр. 2631

ذكّرتَني ياسيدي دمشق، فهل لي من عودة إليها؟ وإن عُدت إليها فهل أعرفها؟ لقد تبدّل بعدي كل شيء: المسالك والطرق وحال البلاد ووجوه الناس. وهل بقي فيها أحد من ناسي؟ لقد صرت إذا لقيت هنا رجلاً من دمشق جاء يسلّم عليّ أسأله: مَن أبوك؟ وربما سألته: مَن جدّك؟ لأن الطبقة التي أنا منها لم يكَد يبقى من أفرادها إلاّ قليل. فإن رأيتني عدت -يا سيدي أبا الخير- ووجدتُ الأماكن التي طرّزتَ مقالتك بأسمائها وعطرتها بأريج العطر من غوطتها وجمال الينابيع من واديها، فهل أجد الرجال الذين تحدّثت عنهم فيها؟ هل أجد الإخوان الذين مرّوا في حياتي مرور النسمة الناعشة في اليوم القائظ، مرور البرق المنير في الليلة الداجية، مرور الحلم الهنيء الذي كان ملء يديّ وعينَيّ وكنت أعيش فيه، فصحوت وما في يدي منه شيء؟ لقد ذهبوا جميعاً فمَن يُعيدهم إليّ؟ مَن يُرجع لي أيام شبابي التي تفضّلتَ فأثرت في نفسي ذكراها؟ لقد جعلتني أبكي مع الصديق الشاعر خير الدين الزركلي الذي قال غداة ميسلون، غداة ضاع الاستقلال وماتت الدولة العربية في الشام وكانت الفجيعة، ورأينا وجه الاستعمار البغيض أول مرة حين رأينا جنود الغزاة الفرنسيين تصكّ بنعالها أرض العرب المسلمين، وما عرفنا من قبلُ مستعمراً أجنبياً، أمّا الذين يسمّون الحكم التركي استعماراً فهؤلاء قوم لا أخلاق لهم ولا يعبأ الله بهم. قال خير الدين ﵀:

стр. 2632

أبكي دياراً خُلِقَتْ للجَمالْ ... أبهى مثالْ أبكي تراثَ العزِّ، والعزُّ غالْ ... صعبُ المنالْ أبكي نفوساً قعدَت بالرجالْ ... عنِ النضالْ أبكي جلالَ المُلكِ كيفَ استحالْ ... إلى خيالْ ما لرحابي وحنانِ الرحابْ ... أضحَت يبابْ ما لبنيها كلُّهمْ في اكتئابْ ... أسرى عذابْ؟ أينَ أُولو طِعانِها والضِّرابْ؟ ... أينَ الحِرابْ؟ ما بالُ شِيبِ عُربِها والشبابْ ... غَيرُ غِضابْ؟ لقد قعدت أبكي تلك الأيام، ويحقّ لفقدها البكاء، وتهون عند ذكرها العبرات وتنفطر أسفاً على ما كان فيها القلوب. * * * هؤلاء الذين ذكرتَ ياسيدي أن المجمع الأدبي تألّف منهم، هل علمت أن منهم أربعة كانوا طلاّباً في المدرسة الإعدادية وبدؤوا ينظمون الشعر، فأقام لهم الأستاذ كرد علي رحمة الله عليه حفلة تكريمية في المجمع العلمي في دمشق سنة ١٣٤٤هـ؟ وكلهم من رفاقي في المدرسة، هم أنور العطّار وجميل سلطان وزكي المَحاسني وعبد الكريم الكَرْمي، وأنه دعا إلى هذه الحفلة كبار القوم ووجوه البلد ليسمعوا القصائد التي نَظَمها هؤلاء الشباب. أُسمِعك -إن أذنتَ- فقرات من قصيدة أنور العطار التي كان عنوانها «الشاعر»، وأنت ياسيدي شاعر تزن الكلام وتنقده،

стр. 2633

وتعرف الذهب الخالص من النحاس المطليّ بالذهب وتميز المطبوع من المصنوع، فاستمع هذه المقاطع ثم خبّرني: هل يقول اليوم تلميذٌ مثلَ هذا الشعر؟ هل يقوله طالب في الجامعة؟ كم من الشعراء المعروفين مَن يقدر على مثله؟ لا تعجب ياسيدي واسمع، وهذه فقرات منها: خلّياهُ يَنُحْ على عَذَباتِهْ ... ويَصُغْ مِن دُموعِهِ آياتِهْ ويرتّلْ ألحانَهُ بخشوعٍ ... مُستمِداً منَ العُلا نَغَماتِهْ قدْ رواها فمُ الزّمان بِشَجْوٍ ... فحَسِبْنا بُناتِهِ من رُواته إلى أن قال: كتَبَ البؤسُ فوقَ خدَّيهِ سطراً ... تتراءى الآلامُ في كلماتِهْ للهوى قلبُهُ وللشجوِ عينا ... هُ وللعالَمينَ كلُّ هِباتِهْ شاعرٌ صاغَهُ الإلهُ مِنَ البُؤ ... سِ وأبدى الأسى على نَظَراتِهْ وحَباهُ السحْرَ الحلالَ فغنّى ... شاكراً ربَّهُ على نَفَحاتِهْ وسَرِيُّ النَّظيمِ ما كانَ وحياً ... فالهوى والشعورُ في طيّاتِهْ وسَرِيُّ النَّظيمِ ما كانتِ الحكـ ... ـمةُ فَيّاضةً على جَنَباتِهْ إلى أن قال: يَخْلُدُ الشاعرُ الحَزينُ إذا قطّ ... ـرَ أنفاسَهُ على صَفَحاتِهْ يومُهُ مِثلُ أمسِهِ في شَقاءٍ ... ولعلَّ الرّجاءَ طيُّ غَداتِهْ كيف رأيت ياسيدي هذا الشعر؟ ألا تعجبون إن علمتم أن قائله تلميذ في المدرسة الإعدادية لم تصل سنّه إلى العشرين؟ فإذا

стр. 2634

بكى شاعرُنا الزركليّ ﵀ ما حلّ بالشام بعد ميسلون وبكينا معه، فدعنا نبكي العربيةَ التي ذلّت وهانت، نبكي الزمانَ الذي كان يقول فيه تلميذ في الإعدادية مثل هذا الشعر. فهل أجد إن ذهبت إلى الشام هؤلاء الإخوان؟ هل أركب الترام إلى الميدان فأمضي إلى جامع الدقّاق فأستمع خطبة شيخنا الشيخ بهجة البيطار ثم أصلّي وراءه، ثم نمشي معه إلى داره التي نلقى فيها دائماً المائدة منصوبة ونجد فيها مجمع الإخوان، ونخرج منها بفوائد تنفعنا في ديننا ودنيانا؟ وأنّى؟ وقد خُلع خطّ الترام فلم يعُد يمشي، وتوفّى الله الشيخَ بهجة فلم نعُد نراه، وخرج أهله إلى ظاهر الميدان إلى الحي الجديد. وهل أجد أنور العطار، صديقي من سنة ١٩٢٠، رفيقي الذي سار معي أكثر طريق العمر، عمري وعمره؟ ونحن سَنينان مولودان في سنة واحدة، ولكنه تركني ومشى وحده. أستغفر الله، بل دعاه الله كما سيدعوني بعده، ومن دعاه الله أجاب، لا يملك خياراً ولا يستطيع اعتذاراً ولا يجد فراراً. إنني كلما قرأت هذه الآيات خشع قلبي وارتعدَت فرائصي، ثم أنسى وتشغلني الشواغل التافهة عن رؤية الحقيقة الكبرى. ما نسبة كفّ الإنسان إلى عرض السماوات والأرض؟ ولكن إذا أدنيتَ كفّك من عينك حجب عنك السماوات والأرض؛ كذلك تشغلنا التوافه عن الحقيقة الكبرى. هذه الآيات: ﴿فلَوْلا إذا بلَغَتِ الحُلْقومَ، وأنتمْ حينئذٍ تَنظُرونَ، ونحنُ أقربُ إليهِ مِنكُم ولكنْ لا تُبصِرونَ﴾. نحفّ

стр. 2635

بالمحتضَر، نعانقه، نقبّله، نضمّه إلينا، نتمسّك به لئلاّ يذهب من أيدينا، وننسى مَن هو أقرب إليه منا ومَن يفعل به وبنا ما يريد ما لا ما نريد. ننظر إليه ولا نملك له شيئاً، والروح تخرج ونحن نرى ولا نستطيع عملاً: ﴿فلولا إنْ كُنتُمْ غيرَ مَدِينينَ، تَرْجِعونَها إنْ كُنتُمْ صادقينَ﴾، هل سمعتم يامعشر الملحدين الذين يكفرون بربّ العالَمين ولا يؤمنون بيوم الدين؟ إذا كنتم غير مدينين ترجعونها! هل تستطيعون؟ من يستطيع أن يردّ الروحَ إلى المُحتضَر إذا خرجت منه الروح؟ هل تُرجعها قوة الروس والأمريكان؟ هل أرجعَتها من قبلُ سطوة الفرس والرومان وفرعون وهامان، وكل متكبر يحسب من جهله أنه يشارك الله في ملكه؟ إنه لا يقدر أن يمدّ في عمره هو ولا في عمر من يحب لحظة واحدة من الزمان. * * * لقد أدرتَ أمامي -يا أخي الأستاذ بلخير- شريطاً مطولاً، فيه نعيم وفيه بؤس وفيه مسرة وفيه كدر، تكرّ مناظره متلاحقة مسرعة حتى لا أستطيع أن أدقّق النظر فيها. إذا تركتَ لي السنوات الخمس الأولى من عمري التي لم أكن أدرك فيها تماماً ما هو حولي بقي ثلاثة أرباع القرن، خمس وسبعون سنة. كم يوماً فيها؟ وكم تقلّبَ عليّ من حالات النفس كل يوم؟ إنه عالَم، عالَم كامل ياسيدي ظننت أنه طُوي إلى الأبد، فإذا مقالتك تمسك بطرفه فتنشره أمامي. لا أحد يستطيع أن يُعيد الماضي حياً كما كان، ولكن أديباً شاعراً كالأستاذ بلخير يستطيع أن يُقيم صورتَه أمام عينيك حتى كأنك تراها رؤية عيان.

стр. 2636

ماضٍ لا أحصي ما كان فيه من مسرّات وأحزان، وعلوّ وانخفاض، ونشاط وخمول ... إنها حياة طويلة، وكل حياة فيها كل هؤلاء. أدركت عهد العثمانيين والسلطان محمد رشاد، والاتحاديين وجمال باشا، والحرب العامّة الأولى، ولا تزال مشاهد آثارها في دمشق ماثلة أمام عيني، مرّت هذه الأدوار كلها فأعدتَها لي كما يعود شريط السينما حين يكرّ مسرعاً. كانت لي أسرة هي عالَمي الصغير، فما زالت الأيام تأخذ منها واحداً وتضيف واحداً حتى (اللهم عفوك، ما هي الأيام ولكن أنت الآخذ وأنت المعطي وأنت مالك الملك)، حتى لم يبقَ من أسرتي الأولى إلاّ أنا. ركبتُ القطار من المحطة الأولى، وكلما وقف نزل ناسٌ من الركّاب وصعد ركّاب، حتى لم يبقَ من الذين كانوا معي لمّا ركبت إلاّ أنا. إني لأتخيل أحياناً ماذا تكون حالي لو أن هذا التبدّل وقع في ساعة واحدة أو يوم واحد: أُمسي وأنا بين أبي وأمي وجدي وجدّتي وعمّتي، وأُصبِح وقد ذهب هؤلاء جميعاً وجاءت أسرة من البنات والأحفاد وأولاد البنات والأحفاد، أسرة فيها أكثر من أربعين إنساناً جديداً لا أعرفهم! لو بِتّ ودمشق كالتي تفضّلتَ فوصفت جانباً منها لمّا زرتَها قبل خمسين سنة، أيام العربات التي تجرّها الخيل المطهّمات، أيام النضال والمظاهرات، أيام المشايخ والعلماء والأدباء ... لو بتُّ فيها وأصبحتُ في دمشق التي نراها الآن، أكنتَ تظنني أبقى في عقلي الكامل؟ هل يبقى لي ذهن يعي وقلم يكتب، أم أُحمَل حملاً إلى شهار عند الطائف؟

стр. 2637

إن كل هؤلاء الذين أراهم حولي من أهلي ومن ذرّيتي شهدت ميلادهم ورأيت نموهم، وما أحدٌ رأى مولدي. لم يبقَ إلاّ واحد في الشام مدّ الله في عمره هو ابن خالة أمي، ووالدُ صهري زوج بنتي هو الشيخ مراد الطباع، وحماتي (هي السيدة عائشة بنت المحدّث الأكبر شيخ الشام الشيخ بدر الدين الحَسَني) التي كانت عائشة إلى ما قبل قليل ثم استأثر الله بها فتوفّاها عن خمسة وتسعين عاماً. لم يبقَ أحدٌ ممن عرفني وأنا صغير، مضوا جميعاً وأنا ماضٍ على أثرهم، والذين يكتبون عني يُثنون عليّ والذين يحبّونني ويريدون أن يحسنوا إليّ ما عدت أريد منهم إلاّ دعوة صالحة بأن أبقى ماشياً على رجلَيّ لا أقعد ولا أحتاج إلى أحد، ثم أنال من الله بكرمه ورحمته -لا بعملي- حسنَ الخاتمة، وأن يُحسِن خلافتي في أهلي وذريتي. هذا ما أطلبه لنفسي، أما ما أطلبه للناس فأن يعيدهم الله إلى الإسلام وأن يعيد إليهم عزّ الإسلام. أما أنت ياأيها الأستاذ الكريم ياأبا الخير، فجزاك الله خيراً. * * *

стр. 2638

-٢٠٤ - صلاة الجمعة في مسجد بروكسل الأيام التي قضيتها في كيسن في ألمانيا في المؤتمر السنوي لاتحاد الطلاب المسلمين في أوربا طمأنتني إلى أن الإسلام لا يزال بخير، وأنه إن طغى سيل الفساد والكفر والإلحاد وغطّى أكثرَ البلاد فإن فيها رواسي شامخات لا يصل السيل إلى ضهورها (بالضاد) وذُراها، وأنها إن انطلقت الشياطين: شياطين الجنّ وشياطين الإنس تأتي الناسَ عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم، تخترع كل يوم جديداً يصرفهم عن الصراط ويبعدهم عن طريق الجنة، فإن في الدنيا ملاجئ آمنات مَن التجأ إليها سلم من الخطر ونجا من المهالك، وأعاذه الله الذي يُستعاذ به من كل شيطان رجيم. ولكن العجب أن أجد ذلك في تلك البلاد، أن ألقى هذه الواحة الخضراء وسط تلك الصحراء، أن أحسّ البرد والسلام ومن حولي لهب النار! أحلف لكم أني رأيت في هذا المؤتمر شباباً قلت عن مثلهم غير مرة -وأنا صادق- أنهم مثل شباب الصحابة؛ أدبروا عن الدنيا حتى كأنهم لا يعيشون فيها، وأقبلوا على العمل للجنة كأنهم ينظرون إليها، يجمع بينهم السعي إلى رضا الله وتؤلّف بين

стр. 2639

قلوبهم المحبةُ في الله، إن تنافس لِداتهم وأترابهم على اللذائذ تنافسوا هم على الطاعات، وإن تزاحموا على الكسب والأخذ كان تزاحمهم على البذل والعطاء. أعترف أني استفدت منهم ورأيت نفسي صغيراً أمامهم، وأكبرهم في سنّ أولادي، ومنهم أوربّيون دخلوا في الإسلام من جديد، ولا عجب، فإنكم تقرؤون في القرآن عن سَحَرة فرعون الذين دخلوا المباراة مع موسى وهمّهم إرضاء فرعون، يقولون: إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ فلم تمضِ إلاّ دقائق معدودات حتى آمنوا هذا الإيمان العجيب لمّا رأوا ما بين سحرهم الذي جاؤوا به وبين المعجزة التي أظهرها الله على يد موسى، في دقائق معدودات آمنوا إيماناً أتمنى -ولي عشرون جداً في الإسلام- أن أكون فيه مثلهم: هدّدهم فرعون بكل عظيمة، بأن يقطع أيديهم وأرجلهم وأن يصلبهم في جذوع النخل، فما خافوا ولا جزعوا ورأوا هذه الدنيا بآلامها ولذائذها صغيرة إلى جنب الآخرة بنعيمها الباقي، فقالوا له: افعل ما تشاء، اقضِ ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. * * * وكان منهم شباب وبنات، ولكن طبيعة الحياة هناك جعلت كل بنت تأتي مع زوجها أو أخيها، فلا تجيء من غير محرم لها. وكان بينهم فتاة ألمانية دخلت في الإسلام حديثاً، طلبوا أن يُسمح لها بالكلام لتخبر عن قصة دخولها في الإسلام، فكانت خلاصة قصتها أنها وحيدة أمها وأنه قد مات أبوها ولم يدع لهما شيئاً، فكانتا تؤجّران غرفة من الدار للطلاب تعيشان من أجرتها، وآخن تكاد تكون بلدة الجامعة التي امتازت من جامعات ألمانيا بالهندسة

стр. 2640

وفروعها. وجاءهما طلاب كثير يتداولون هذه الغرفة حتى قدم هذا الشابّ. تقول: كان مَن قبلَه يسهر الليل ثم يجيء متأخراً، وهذا لم يتأخر يوماً عن موعد صلاة العشاء، وكان مَن قبله يعرضون لها بكلمة أو بنظرة أو بمحاولة لمسة أو قبلة فتلقى منهم أذى، وهذا لم يرفع يوماً بصره إليها ولم يمكّنه منها، وكان يكلّمها على أدب واستحياء، ورأت من خلالِه ومزاياه ما دفعها إلى سؤاله عن سرّ اختلافه عن رفاقه، فأجابها بأنه مسلم. وكانت تسأله المرة بعد المرة عن الإسلام فيحدّثها، حتى دخل الإسلام قلبها فأعلنت إسلامها، وتزوّج بها. وكذلك تكون الدعوة بالأفعال لا بالأقوال، وكذلك انتشر الإسلام قديماً بالقدوة والأسوة الحسنة. فيا أيها الدعاة إلى الله: ابدؤوا بالشباب، بالشباب بنين وبنات؛ فإن الدعوات كلها، الطيب منها والخبيث، إنما قامت على عواتق الشباب. فإن استطعتم الوصول إلى قلوبهم وجدتموهم أسرع استجابة وأهون انقياداً وأعظم أثراً، لأنهم إن اعتقدوا زعيماً مشوا وراءه، وإن قبلوا مذهباً أخلصوا له. وإنهم يندفعون فلا يقفون حتى يبلغوا من الطريق آخره، لا يقبلون -كما يقال اليوم- بأوساط الحلول، إنهم يَفْدون المبدأ الذي آمنوا به والزعيم الذي اتبعوه بنفوسهم وأرواحهم. ومن أكثر المفكّرين المحدَثين فهماً لطبيعة الشباب أندريه موروا، وله في ذلك مقالات ومحاضرات. إنكم ترون بين الشباب والشيوخ عند النظرة الأولى تبايناً واختلافاً، ولكن إن أمعنتم النظر وجدتم الغاية واحدة ولكن

стр. 2641

اختلفت الطرق. كلاهما يبتغي اللذّة ويهرب من الألم ويريد الربح ويفرّ من الخسارة، إنهم كسيارات انطلقت إلى غاية واحدة، ولكن الشيخ يسوق سيارته حذراً متمهلاً يترفق في السير ويجتنب المزالق، والشابّ ينطلق بها مسرعاً لا يبالي العقبات ولا تخيفه العوائق، لا يحوّل بصرَه عن غايته يقحم الأخطار ليبلغها عاجلاً. ثم إن الشيوخ غالباً وبعض الشباب أحياناً يُدخِل عقله في الحساب، فيوازن بين اللذّات ويقوّم الأرباح، فيحتمل الألم العاجل لبلوغ اللذّة الكبرى والخسارةَ القليلة لنيل الربح الوفير، لذلك يؤثِر آخرته على دنياه. والإسلام كغيره من الدعوات، كان جلّ الذين استجابوا له وتمسّكوا به وذادوا عنه من الشباب. لا أعني الأحداث فقط، فرُبّ حديث السنّ قد شاخ قبل الأوان ورُبّ شيخ يحمل على عاتقه وقر السنين وله صفات الشباب. هذا أبو بكر يوم قُبض رسول الله ﵊ كان قد جاز الستين، ولكن كل ما وصفنا به الشباب كان فيه: في صدق محبته للزعيم الذي اتبعه وهو سيدنا محمد ﵊، وعمق ولائه للمبدأ الذي آمن به وهو الإسلام، وما أورثه ذلك من قوة وجرأة لا نكاد نعرف لها مثيلاً حتى عند عمر القوي. لقد قلتُ في أحاديث مائدة الإفطار في رمضان هذه السنة وكتبت في صدر الطبعة الجديدة لكتابي «أبوبكر الصديق» (الذي مرّ على طبعته الأولى ثلاث وخمسون سنة)، قلت: إني ما وزنت عمر بعظيم من عظماء الأمم إلاّ رجح، لأنها إن كانت العظمة بالمزايا الشخصية أو بالسمات الخلقية أو بالأعمال الجليلة أو بالآثار الباقية لم أجد مثل عمر، ولكن إن جئت أوازنه بأبي بكر رجح أبو بكر، حتى في القوة والجرأة. وشاهدي على

стр. 2642

ذلك موقفه يوم قبض رسول الله ﵊، ويوم توجيه جيش أسامة، حيث جزع عمر وثبت أبو بكر، ووثب إليه فأمسك بتلابيبه وقال له: أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام؟ أنا أحلّ لواءً عقده رسول الله ‘؟ لقد قوي الإسلام، واللهِ لو انفردَت سالفتي لَما رددتُه ولَما قعدت عن نصرة الإسلام. فيا أيها الدعاة، لقد ضعتم وضيّعتم معكم الشباب! إن الله سيسألكم عنهم، فبماذا تُجيبون ربّ العالمين إذا قال لكم: لقد أنزلتُ عليكم كتاباً واحداً وشرعت شرعة واحدة وديناً واحداً، ففرقتم دينكم وكنت شيعاً: صوفية وحرباً على الصوفية، ومتمسكين بالمذاهب ومعرضين عنها، ومن أمثال ذلك كثير، وكلٌّ يدعو الشباب إلى مذهبه وطريقته. لقد علّمَنا الرسول ﵊ أن الإسلام بُني على خمس، على خمس قواعد راسيات راسخات، فأقمناه على أعواد لا تحمل البناء، شغلناهم بالفروع عن الأصول، أوجبنا عليهم أشياء لم يوجبها الله وحرّمنا أشياء ما حرّمها الله، تمسّكنا بالفروع حتى جعلناها أصولاً وأهملنا بعض الأصول لنحفظ هذه الفروع، مزجنا كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى بكلام ناس ما كانوا معصومين، سخّرنا المنابر التي هي لله وحده لا يجوز أن يُلقى منها إلاّ: قال الله أو قال رسوله، أو شرح ما قال الله وما قال الرسول وما أجمع عليه المسلمون، فجعلنا منها خطباً للسياسة وأهلها وللأهواء وأصحابها. هذه المنابر لله، ليست لحكومة ولا حزب ولا جماعة

стр. 2643

ولامذهب ولا نِحلة، ولا لجلب نفع للخطيب ولا لدرء مضرّة عنه؛ فردّوها إلى الله يَرُدَّ عليكم عزّتَكم ويُعِدْ لكم مجدَكم ويُزِل من بينكم فرقتَكم ويُرجِعْ لكم وَحدتَكم، ويوردكم جميعاً يوم القيامة الحوض على رسول الله إن أخلصتم العمل لدين الله وأطعتم الله وأطعتم الرسول، ولو في معصية جميع عباد الله، ولم تعصوا الله لتطيعوا عباده من أهل الثروة والسطوة والحظوة، وممن يقولون إننا من المسلمين ويتركون شرع الله. * * * ولمّا قُضي المؤتمر واستعدّوا للعودة جميعاً (ومعهم أهلي) إلى آخن سألني رئيس اتحاد الطلاب المسلمين أن أذهب مع طائفة من الطلاب إلى جامعة فرانكفورت، فإن فيها شباباً يريدون أن يجتمعوا بي ليسألوني، وفي الذهاب إليهم نفع لهم ورضا لله. فكرهت الذهاب أولاً، ولكنني ذكرت ثواب الله فقلت: نعم. ومشوا كلهم شَمالاً ومشيت مع هؤلاء جنوباً حتى بلغنا الجامعة، وكانت في العطلة الصيفية، فأخذونا إلى مهاجع الطلبة (أي مساكنهم وأماكن نومهم)، فرأيت إلى جوارها مهاجع الطالبات، ما أبصرت بينهم سداً ممدوداً ولا حداً حاجزاً، كأن من شاء منهم أو منهن لقي من أراد لقاءه! وبعض القوم في أوربا قد حُرموا نخوة الرجل وذوده عن عرضه، حتى إنني قلت كلمة من قديم، من عشرات من السنين، أنه ليس في الفرنسية التي أعرفها ولا في الإنكليزية كما فهمت ممن يعرفها كلمة بمعنى كلمة العِرض عند العربي. وحتى قرأت

стр. 2644

في إحدى المجلات خبراً قصصته وحفظته، أن القائمين على المدارس المختلطة والجامعات يعلّمون الطالبات فيما يعلّمونهن كيف يتجنّبن الحبل وكيف يتخلصن منه إن وقع! أي أنهم يُبيحون السِّفاح أو يصنعون شيئاً هو قريب من ذلك، فينزلون بالبشر إلى رتبة البهائم. ثم يأتي منا من يريد أن يسلك ببناتنا هذا المسلك، فيحاربون الحجاب ويرغّبون في التكشّف ويحبّذون الاختلاط، ينفذون فينا أول مادة من قانون إبليس، أي التكشّف والسفور والحسور: ﴿يَنْزِعُ عَنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْءاتِهما﴾. أليست هذه هي المادة الأولى في قانون إمامهم وقائدهم إلى جهنم إبليس؟ عمّ الاختلاط المدارس كلها حتى الثانوية منها، ومما أحمد الله عليه أنها بقيت في ألمانيا -لمّا كانت حفيدتي تدرس فيها- ثانوية واحدة تقوم عليها مربية قديمة في العمل كبيرة في السنّ، أصرّت على أن تبقى مدرستها للبنات وحدهن، فدرست حفيدتي فيها، حتى إذا ماتت هذه المديرة وتخرجت الحفيدة رجعت هذه المدرسة إلى ما عليه مثيلاتها من الاختلاط بين الشبان والبنات. وصلنا الجامعةَ فلم نجد فيها إلاّ قليلاً من الطلاب. وكان الموعد في ساعة محدّدة رتّبت أمري على أن أجالسهم فيها ثم أسرع إلى اللحاق بجماعتي، وأنا يؤذيني ويضايقني إخلاف الموعد أو تأخيره، وغضبت لأنهم غيّروا طريقي وقطعوني عن أصحابي ثم لم يُحكِموا أمرهم ولم يضبطوا مواعيدهم. وانتظرت حيناً فجاء الطلاب وامتلأ المكان، وكان مجلساً مبارَكاً مفيداً إن شاء الله، وُجّهت فيه أسئلة وأثيرت فيه مسائل، والفضل في نجاحه لله أولاً ثم للدكتور حبيب زين العابدين ولزوجته المرأة

стр. 2645

الصالحة العالِمة الفاضلة التي عملت على إنجاحه. والعجيب -كما قلت قبل قليل- أني رأيت الاتصال بين الطلبة والطالبات أمراً سهلاً، وأحسب أنه لا يمنعه عندهم قانون ولا يستقبحه عرف، فالقوم في أوربا سابقون في تفكيرهم وفي علومهم المادية وفي مدنيتهم الظاهرة، ولكن إن جاءت الأمور التي يسمّونها ««جنسية» هبطوا عن رتبة بني آدم؛ عوراتهم بادية والاختلاط بينهم عامّ، وهذا ما تصنعه البهائم. هل رأيتم أَتاناً (حمارة) تستر عورتها أو تتوارى إذا جاء موسم اجتماعها بقرينها؟ أفتريدون أن يكون قدوتنا الحمير؟! وعدنا بالسيارة كما جئنا، ومشينا متمهلين فما كان ينتظرنا موعد، وقعدنا في مقهى على نهر الراين أكلنا فيه وشربنا. ولا تسألوني من أين سرت، فلقد كنت حديث العهد بالبلد لا أعرف مسالكها ولا أسماء مدنها ولا قُراها، وإن كانت قرى على المجاز، وإلاّ فهي مدن صغيرة طرقها وبيوتها ومرافقها ونظافتها مثل ما في المدن. وحقّ لنا أن نُعجَب (بضم النون) بذلك، لكن لا نَعجَب (بفتحها) منه ولا نراه شيئاً صعباً ولا متعذراً، فإن عندنا من المال وعند عامّتنا من الإدراك ما نستطيع أن نعمل مثله وخيراً منه على أهون سبيل، إن تعاونت على ذلك البلديات وأرباب المنابر وأصحاب الأقلام والمدرّسون في المدرسة والوُعّاظ في المسجد. * * * يكون عند الطفل عشرون لعبة من نفائس اللُّعَب الغوالي، ثم يرى مع ابن الجيران حصاناً من الخشب ما له قيمة ولا فيه فنّ

стр. 2646

فيبكي يريد مثله! ذلك لأن الإنسان يزهد فيما يملك ويشتهي ما لا يملك. وأنا لم أجد في تلك الديار من شمالي ألمانيا وبلجيكا وهولندا -على جمالها- شيئاً ليس في بلادي أجملُ منه، بل إن في جبال الشام (ولبنان وفلسطين من الشام) وفي أوديتها وفي عيونها وينابيعها وفي جداولها وأنهارها وفي خضرة شجرها وتنوع ثمرها ما ليس في تلك البلاد، وما هو أجمل منه، ولكن الإنسان مفطور على حبّ الجديد وعلى الرغبة في كشف المجهول، لذلك أسرعت إلى قطع تذكرة لي ولزوجتي في الدرجة الأولى من القطار الذاهب إلى بروكسل. ولم يسألني أحدٌ عن جواز السفر ولا عن سمة (تأشيرة) الدخول. وكان لي في بروكسل صديق قديم وأخ كريم هو ابن شيخنا الشيخ علي ظبيان وأخو صديقنا الأستاذ تيسير ظبيان، صاحب جريدة «الجزيرة» التي كنا مع إخواننا في المجمع الأدبي لما أنشأناه نكتب فيها، هو الأستاذ نديم ظبيان. وهو أكبر سناً من أخيه تيسير، وتيسير أكبر مني، مدّ الله في عمر الأستاذ نديم ورحم أباه وأخاه. ركبت القطار مطمئناً معتمداً على الأستاذ نديم، وقد مسّني طائف من الشيطان فنسيت أن أجعل اعتمادي على ربّ نديم لا على نديم. وخبّروني أن القطار يصل بي إلى المحطة الكبرى في بروكسل، وما عليّ إلاّ أن أهتف به (أكلّمه بالهاتف) فيحضر إليّ، وإن لم أجده خرجت من باب المحطة فإذا أنا في وسط البلد، فتتفرّج زوجتي بأسواقها وتتأمل ما يُعرض فيها، فتُسَرّ بذلك مرة وأحرم أنا المسرة مرتين: مرة لأنني لا أحب التجوّل في الأسواق

стр. 2647

ولا التأمّل في معروضاتها، ومرة لأن عليّ دفع ثمن ما تشتريه! والمرأة إن دخلت السوق لم تستطع أن تخرج منه من غير أن تشتري شيئاً وإن كانت لا تحتاج إليه. ومدة السفر بالقطار من آخن في ألمانيا إلى بروكسل ساعة واحدة، مررنا فيها بما لست أُحصي من القرى والضواحي، وجزنا بلييج، المدينة الكبيرة؛ لم تختلف علينا المشاهد، ولكن أحسسنا باختلاف العادات ونظام السير واختلاف اللسان، أحسسنا بأننا انتقلنا من بلد إلى بلد، على حين لا أشعر إذا سافرت من دمشق إلى بغداد أو مصر أو المغرب بأنني فارقت بلدي. على أن في بلجيكا نفسها شعبين ولسانين: لساناً فرنسياً ولساناً آخر فَلمَنْكياً، لعلّه (ولست متحققاً) قريب من الألمانية. ولا تزال المنازعات والمنافسات تقع بين الشعبين وتكتب عنها الصحف، حتى إن أسماء المدن في المحطات وعلى الطرق تُكتب باللسانين (بروكسل وبروسل، وأنفرس وأنتورب). وحطّ بنا القطار في المحطة الكبرى، وخرجنا من الباب كما قالوا لنا فلم نجد السوق الحافلة بالناس ولا الحركة الدائمة للبائعين والشارين، ولكن رأينا شارعاً كامداً شبه خالٍ فيه بيوت مفتوحة على أبوابها نسوة لا يختلفن عمّن نرى من نساء تلك البلاد، قاعدات متكشفات ساكتات لا ينطقن، ولكن هيأتهن تُريب ونظراتهن تستغرب، وكان عجبهن منا أكثر من عجبنا منهن إذ يرين كهلاً عجوزاً وامرأة كبيرة متحجبة وما في هذا الشارع أثر لحجاب. فمشينا إلى آخره وعدنا فما وجدنا تجارة ظاهرة ولا بضائع معروضة، ما وجدنا إلاّ مناظر قليلة لا يألفها أمثالنا،

стр. 2648

فرجعنا إلى المحطة (وهي في أول الشارع) ننوي العودة بالقطار الذي جئنا به إذ لم نجد غايتنا، لا الأستاذ نديم وجدناه ولا السوق الذي حدّثونا عنه ولجناه، وهممت بركوب القطار، وإذا نحن بالأستاذ نديم ظبيان. فقصصنا عليه القصص فضحك، وأفهمنا أن للمحطة بابين: باباً يُفضي إلى السوق وباباً هو باب السوء يُفضي إلى مكان الفحش والبغاء. فاستغفرْنا الله من هذا الخطأ وحمدناه على السلامة. وكنا في ضحى يوم الجمعة فقال: هلمّ بنا إلى المسجد. وفي بروكسل مركز إسلامي ومسجد متسع يمتلئ يوم الجمعة بالمصلّين، وجمهرتهم من الأتراك. فجال بنا جولة في الشوارع حتى وصلنا إلى المسجد. ومن عظمة الإسلام أن أخوّة الإيمان تظهر في المسجد ولو اختلفَت الألسُن والألوان وتناءت البلدان، فإذا دخلتَه لم تجد إلاّ إخوة متعارفين يجمع بينهم هذا النداء القدسي: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، وتوحّد بينهم هذه الكعبة التي يتجهون إليها؛ فكل دعوة إلى رابطة غير الإسلام بين المسلمين تُولَد ميتة، فلا الدعوات القومية ولا العنصرية ولا العصبيات الحزبية بالتي تستطيع أن تنقض ما أبرمه الله حين قرّر في كتابه أُخُوّة الإيمان: ﴿إنّمَا المُؤمنونَ إخوةٌ﴾. سلّموا عليّ (والترجمان بيننا) كأنني أعرفهم ويعرفونني من قديم، تعارفَت القلوب قبل الألسنة. وكلّفوني أن أخطب الجمعة، فخطبت خطبة كانت تُترجَم فقراتها -على عادتهم في تلك البلاد- فأجد أثرها على وجوه القوم لا سيما الإخوة الأتراك، هؤلاء الذين

стр. 2649

عملت القوى كلها، قوة السلطان وقوة المال وقوة الإعلام، على صرفهم عن الإسلام منذ ستين سنة، فما استطاعت أن تصنع شيئاً وبقي الإسلام مستقراً في قلوبهم. ولمّا أعاد عدنان مندريس رحمة الله عليه الأذان باللغة العربية وسمعوه تصدح به منارات إسطنبول (إسلام بول، أي مدينة الإسلام كما سمّاها السلطان محمد الفاتح) فركوا آذانهم ولم يصدّقوا ما سمعوا، فلما تيقّنوه فاضت دموعهم فرحاً وانطلقت ألسنتهم لله شكراً ولمن حقّق هذا الحلم ثناء ومدحاً، وكان ذلك اليوم عيداً لا تُمحى ذكراه من نفوسهم. * * *

стр. 2650

-٢٠٥ - أيام لا تُنسى في بروكسل لم ينتهِ الكلام عن بروكسل؛ ختمتُ الحلقة الماضية في المسجد وأبدأ حلقة اليوم من المسجد. ومن المسجد يبدأ كل عمل إسلامي، لأن المسجد عندنا هو المعبد وهو المدرسة وهو الندوة (البرلمان)، ليس المسجد للعبادة فقط، وليست العبادة في المسجد فقط فالأرض كلها للمسلم مسجد، وكل عمل نافع يعمله المؤمن احتساباً عبادة. ولئن فرّق غيرنا بين الدنيا والآخرة وقسموا الرجال إلى رجال دين ورجال دنيا، فإن كل مسلم رجل دين. إن كانت الدنيا والدين عند غيرنا كطريق الرياض وجدة لمن كان في مكة، أو كطريق الإسكندرية والجزائر لمن كان في تونس، يمشي أحدهما شرقاً والآخر غرباً، فهما عندنا كالطائف والرياض أو الجزائر والرباط، طريق واحد. لكن من الناس من تقعد به همّته عن إكماله فيقف في أول محطة منه، يقنع بها ولا يمتدّ عزمه إلى أبعد منها، وهذا الذي يطلب الدنيا وحدها: ﴿وَمَا لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاق﴾، ومَن يمرّ على هذه ليصل إلى الأخرى، ذلك الذي يجمع الغايتين يقول: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حَسَنةً﴾.

стр. 2651

وقد أرشدنا الله إلى أن الآخرة هي المُراد وقال للمسلم: ﴿وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الآخِرةَ﴾، ولكنه عقّب فقال: ﴿ولا تَنْسَ نَصيبَكَ مِنَ الدّنيا﴾. وما أحسنَ الدينَ والدنيا إذ اجتمعا، وإن كان الدين لا يقابل الدنيا ولكن تقابلها الآخرة، والدين منهج كامل لكليهما يضمن لمن يتبعه السعادةَ فيهما. هذا هو الإسلام وكذلك يكون إحياؤه، لا كإحياء الغزالي الذي كان حُجّة الإسلام وكان المفكّر الإسلامي الأول، ولكنه لمّا جنح إلى الصوفية وظنّ أنها «المُنقِذ من الضلال» اختلط عليه الأمر فلم يَعُد يتبيّن الطريق، والحمد لله على أن المسلمين ما نهجوا منهجه في «الإحياء». تصوروا ماذا يكون حال المسلمين لو أن كل واحد منهم قلل الطعام حتى ذوى جسمه وأصابه السقام، وترك طلب العلم انتظاراً لعلم يأتي عن طريق الكشف والإلهام، وأوى إلى ركن مُنزَوٍ غارق في الظلام؟ وهذا ما حثّ عليه الغزالي ودعا إليه، الغزالي الصوفي لا الغزالي المفكّر الفقيه الإمام. لو فعلنا هذا (ونحن يومئذ بين أخطر عدوَّين عرفهما تاريخنا القديم: الصليبيين، والمغول والتتار)، ماذا كان يبقى من دولة الإسلام؟ وأنا أحب الغزالي من يوم أهدى إليّ شيخُنا الشيخ عيد السفرجلاني (وأنا تلميذ عنده في المدرسة الابتدائية سنة ١٣٣٨هـ) رسالته «بداية الهداية»، على أنني من حبي للغزالي أحمد الله على أنه ما مات حتى عرف أن المنقذ من الضلال ليس الصوفية، بل المنقذ من الضلال الدليلان الظاهران على جانبَي الطريق والنيّران الهاديان إلى الغاية المقصودة، اللذان لا يضلّ مَن استضاء بضوئهما ومشى على هديهما، وهما: الكتاب والسنّة.

стр. 2652

والحمد لله أن الغزالي ما مات -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- إلاّ وصحيح البخاري على صدره. ﵀ فلقد كان عظيماً، وكتابه الإحياء عظيم، ولكن فيه أيضاً من أخطاء الصوفية وأخطارها الشيء العظيم. * * * لمّا وصلت إلى هذه الجملة وأنا أُعِدّ هذه الحلقة من الذكريات حمل إليّ البريد مجلة المسلمون عدد السادس من ذي القعدة سنة ١٤٠٦، وفيها نبأ عن مؤتمر اتحاد الطلاب المسلمين في أوربا سنة ١٤٠٦ (١٩٨٦)، وأنا أتكلم هنا عنه في مؤتمر ١٣٩٠ (١٩٧٠). ووجدت في الجريدة أنه سيتمّ في اجتماع هذه السنة وضع أسس العمل الإسلامي. لا أكتمكم أنني وقفت عند هذه الجملة: وضع أسس العمل الإسلامي؟! لقد كنت أحسب أن هذه الأسس قد وُضعت ياإخوان من قديم الزمان، وقامت عليها الأركان وشُيّد فوقها وعلا البنيان، فلماذا ندع ذلك كله ونحاول أن نبدأ من جديد؟ أو لعلّ الذي نشر الخبر في الجريدة زاد فيه أو نقص منه أو بدّله تبديلاً حتى جعلنا نفهم منه هذا الذي لا أظن أن اتحاد الطلبة المسلمين يريده أو يقصده. أنترك مثلاً ما وصلَت إليه الطيارات اليوم وأنها صارت عمارات تطير وأنها تحمل معها مئات من الناس وجبالاً من السلاح والمتاع، نترك هذا كله ونعيد قصة رايت وأخيه لمّا طيّرا

стр. 2653

أول مرة تلك اللعبة التي افتُتح بها تاريخ الطيران؟ أندع مئات المجلَّدات التي أُلّفت في النحو ونعود إلى ما قالوا إن أبا الأسود الدؤلي قد وضعه مفتتِحاً به النحو حين قال: إن الكلام اسم وفعل وحرف؟ أو ما زعموا أن علياً ﵁ هو الذي وضعه وقال له: انحُ هذا النحو، فسُمّي «نحواً». ليس علينا، بل لا حقّ لنا، أن نضع أساس العمل الإسلامي؛ بل أن نجدّد من جوانب البناء ما أبليناه وأن نُصلِح ما أفسدناه ليعود كما كان. فإذا شئتم أن تعرفوا أسس العمل الإسلامي وأن تُقيموها في شباب أوربا فاذكروا أن العربي، بل الأعرابي، كان يَفِد على رسول الله ﵊ فيبقى عنده يوماً أو بعض يوم، فيتعلم من الإسلام ما تصحّ به عقيدته ويسلم به دينه، ويعود إلى قومه داعياً إليه مبشّراً به معلّماً له. وإن عند من حولكم من شباب أوربا، إن لم يكن عندهم جميعاً، من صفاء القلب مثل الذي كان عند أولئك الأعراب الوافدين على الرسول ﵊، بل إن عندهم فوق ذلك من العلوم الجديدة ما ليس عند أولئك، فأعطوهم الإسلام صافياً خالياً من آراء المتكلمين وخلافات المجتهدين ومن طرق الصوفية ومن بدع المبتدعين، فلعله إذا صادف قلوباً نظيفة فارغة تمكّن منها واستقرّ فيها، ولعلّ من هؤلاء الشباب الذين يُقبِلون اليوم عليكم ويستمعون إليكم مَن سيكون هو المصلح المنشود والقائد المنتظَر وحامل لواء الدعوة إلى الإسلام. لقد كان ابن باديس يوماً وكان حسن البنا يوماً وكان

стр. 2654

المودودي والندوي وأمثالهم، كان كل منهم واحداً من آلاف طلبة العلم لا يدري أحدٌ ما أعدّه الله إليه وما سيكون من الخير على يديه. ولعلّ كلمة أنتم قائلوها في هذا الجمع تنسونها وينساها أكثر السامعين، ولكنها تنزل على قلب واحد منهم منزلَ الغيث على الأرض الغنيّة العطشى فتُنبت النبتَ المرتقَب. إنكم لا تعلمون وأنتم تحاضرون هذه المئات من الشباب في النوادي والآلاف من التلاميذ في المدارس، مَن بينَهم هو الذي كُتب في اللوح المحفوظ أن يكون الرجل المنشود؟ هل تعرفون كم بينهم من بذور العبقرية الكامنة في نفوسهم؟ كم كان مع شوقي من لِدات في المدرسة؟ كان شوقي يومئذ تلميذاً من التلاميذ، نسخة من كتاب مطبوع، ولكن الأيام تمرّ وسنوات المدرسة تنقضي، فإذا هم جميعاً تلاميذ في المدرسة كغيرهم من التلاميذ ورجال في الحياة كغيرهم من الرجال، وإذا شوقي وحده هو شوقي. وكذلك ظهر محمدبن عبد الوهاب، ومن قبله ابن تيميّة والأئمة الكبار، والشعراء والأدباء والعباقرة والنابغون، وكل عظيم كان في صغره كنزاً مطموراً فكشفه الله للناس. فلعلّ مِن هؤلاء الشباب الصغار الذين يحضرون هذا الاجتماع وأمثاله بنّا آخر أو محمد عبده جديداً أو مثل ابن عبدالوهاب أو أولئك الأئمّة الأعلام. * * * قلت لكم إن كل عمل إسلامي يبدأ من المسجد، لكن لا

стр. 2655

يبقى فيه. لا يغلق المسلم عليه باب المسجد ويحبس نفسَه فيه إلاّ أياماً معدودة في السنة يَحسن فيها الاعتكاف لمن أراد الاعتكاف، فإذا انقضت حمل روح المسجد ونزل متسلحاً بها إلى معركة الحياة، يعمل في السوق وفي الدائرة وفي المصنع وفي المعركة مع العدوّ لإعلاء كلمة الله، ورُبّ رجل في السوق يبيع ويشتري وقلبُه مع الله وجوارحه مقيَّدة بشرع الله أقربُ إلى الله من قاعد في المسجد وقلبُه معلَّق بالدنيا. لذلك خرجنا بعد انقضاء الصلاة مع طالبَين من الشام صلّيا معنا ودعوانا إلى دارهما، أنا والأستاذ نديم وأهلي معي، أحدهما ابن الشيخ حسين عزيزيّة الذي كان ممن يلازم الشيخ بدر الدين، والآخر رجل أحسست لمّا رأيته بميل إليه وشعرت بأن له قلباً مؤمناً ونفساً طيبة، هو محمد الجمّال من تلاميذ الشيخ عبدالكريم الرفاعي. وقد خبّرني الدكتور عدنان الهوّاري الذي درس مع أخيه في بلجيكا وأقام فيها سنين طوالاً، ثم رجع فافتتح مَخبراً في مكة وبقي أخوه الأكبر في آخن، خبّرني أنهما لا يزالان باقيَين في بلجيكا، أمّا الأول فقد تَبَلْجَك فاستقرّ فيها وتزوّج منها، وأمّا الثاني فبقي ثابتاً عاملاً مع الدعاة إلى الله في تلك البلاد. ذهبنا معهما وسُررت بزيارتهما، ووجدناهما يطبخان لأنفسهما، فأكلنا أكلة شامية خالصة في عاصمة بلجيكا وأكل معنا الأستاذ ظبيان. وهو في العادة مثلي لا يأكل عند أحد، ولكن صفاء نفس الشابّين والصلاح الذي كان بادياً على وجهيهما والكرم الصادق الظاهر في دعوتهما حمَلنا على القَبول. وكانت وليمة لافخمة ولا حافلة بالألوان ولا تُعَدّ من الولائم الفاخرة المترفة،

стр. 2656

ولكنها كانت طيبة وكانت لذيذة. ثم أخذونا يُروننا جانباً من البلد، فبلغنا ساحة فيها جسر من الحديد منصوب يعترض الشارع يوصل بين شارعين جانبيَّين، لا أستطيع تحديد طوله ولكنه يزيد عن مئة متر، فدُهش الأستاذ نديم والشابّان، وقلت: ما أدهشكما وأنتما تقيمان هنا وتمرّان كل يوم من هنا؟ قالا: هل تصدّق أن هذا الجسر لم يكن قبل أيام موجوداً؟ وقالوا -بعدُ- أنه أُقيمَ في ثمان وأربعين ساعة. قلت (كما كان يقول صاحب كليلة ودمنة): وكيف كان ذلك؟ قالوا: إنهم حفروا أساس الدعائم وغطّوها وأعدّوا زُبَر الحديد وأوصالها وما يحتاج إليه الجسر بحيث لم يبقَ إلاّ تركيبه، فلما جاءت العطلة الأسبوعية شرعوا يركّبونه، فاشتغلوا به ليلة الأحد ويومَه وليلة الإثنين حتى كمل، وكان صباحَ يوم الإثنين منصوباً يمرّ عليه الناس والسيارات. * * * وكان أقرب متنزَّه هو ترفورين، حفظت اسمه لأن عندي صوراً له كنت أودّ نشرها مع هذه الحلقة ونشر غيرها، لولا أنني أمليها بالهاتف إملاء من مكة فيطبعها الأخ طاهر أبو بكر جزاه الله خيراً. وإذا وفّق الله وصدر جزء جديد من الذكريات وضعت هذه الصورة فيه. وترفورين جنّات متصلة لا تعرف أولَها من آخرها: بساط أخضر فوقه سقف أخضر، مكان جميل وماء عذب سلسبيل، وأهم ما فيه بناء كبير جداً كأنه قصر من قصور الملوك الأوّلين فيه متحف يجسّد تاريخ الكونغو لمّا كانت تحكمها

стр. 2657

بلجيكا. ويكفي أن تنظروا في الخريطة إلى حجم بلجيكا وحجم الكونغو (التي تبدّل اسمها بعد الاستقلال فرجعت إلى اسمها القديم، زائير) لتعجبوا من شاة تبلع فيلاً! ما مثلها في ذلك إلاّ جارتها هولندا لمّا كانت تحكم أندونيسيا. في هذا المتحف من نفائس الآثار المنقولة من تلك الديار ما لا تتسع له الروايات والأخبار. ومن أعجب ما فيه رسالة من المهدي (السوداني) إلى ملك بلجيكا يدعوه فيها إلى الإسلام: "أسلم تسلم"، وأعلام وأسلحة قالوا إنهم غنموها من المهدي. وأنا أعلم أن المهدي حارب الإنكليز وحاربوه، ولكن ما علمت (وما أكثر الذي لم أعلمه) أنه حارب ملك البلجيك. وفي متاحف أوربا وأميركا، لا في هذا المتحف وحده، نفائس لا يبلغ التقدير حقيقة أثمانها، هي لنا، سُرقت منا في ليل غفلتنا وهجوعنا، لا ندري متى يصبح الصباح علينا فننهض من نومنا ونستردّ هذا الذي سرقوه منا؟ بل نستردّ قبل ذلك فلسطين والبلادَ التي عدا عليها اللصوص في ذلك الليل الطويل الذي نام فيه المسلمون؟ ثم أخذونا إلى «الأتوميوم». وهو صورة مجسَّمة لما يُرسَم في كتب التلاميذ عن الذرّة وتحطيمها، باقٍ من أيام معرض بروكسل الكبير الذي أقيمَ قبل سبع وعشرين سنة على أغلب الظن. وما رأى الذرةَ أحدٌ ولا يمكن من صِغَرها أن يراها أحد، وكان علماؤنا الأولون يسمّونها «الجوهر الفرد» أو الجزء الذي لا يتجزأ، أخذوا ذلك عن اليونان، على أن لهذا الكلام تفصيلاً لا

стр. 2658

موضع له الآن. وكان من الخرافات التي أخذناها منهم وحسبناها يومئذ -كما حسبوها- من العلم أن في الدنيا أربعة عناصر مُفرَدة (أي ليست مركَّبة) هي الماء والهواء والتراب والنار، وأن البرودة من الماء والحرارة من النار والجفاف من الهواء والرطوبة من الأرض، ثم بنوا على ذلك كلاماً طويلاً عريضاً طبّقوه على ما دُعي بالأخلاط الأربعة في جسم الإنسان، ثم قسّموا الأطعمة والعقاقير إلى حارّ وبارد ورطب ويابس. ومن شاء رأى مثال ما قالوه في كتب الأولين، والغريب أن الإمام ابن القيم في كتابه «زاد المعاد» شغل نحواً من ربع الكتاب بهذا وأمثاله، الذي صار اليوم أقرب إلى أوهام العوامّ وغرائب الأفهام. ولست أُفيض في وصف «الأتوميوم»، فإن عندكم في جدة إلى جنب الجامعة مثالاً له: ثماني كرات تفصل بينها أعمدة مجوَّفة. ونسبة هذا المثال من الأصل في بروكسل كنسبة الفيل الذي يوضع في غرفة الاستقبال (ولا يجوز شرعاً وضعه) من الفيل الحقيقي. إن سقف الكرة العليا -كما خبّرني الدكتور عدنان الهواري- يعلو مئة وعشرة أمتار، ولكنه لضخامته لا يبدو عالياً. وقد صعدنا إليه بمصعد كهربائي، ثم انتقلنا على أدراج متحرّكة من كرة إلى أخرى، وفي أكثرها أجهزة علمية وأشياء لم أعُد أذكرها، ولو أنني ذكرتها ووصفتها لما فهمت تفاصيلها ولا فهم القراء عني. وكيف يفهمون وأنا غير فاهم؟ ولِتتصوروا ضخامة هذه الكرات أبيّن لكم أن واحدة منها اتُّخذت مطعماً، دخلنا إليه وأكلنا فيه وعددتُ الموائد (أي طاولات الأكل) فقاربت في العدد الأربعين، أمضينا فيه ساعات كانت فيها متعة الجِدّة، فهي شيء

стр. 2659

لم نكن نعرفه، وفيها جَلوة النظر، فهي تطلّ بعلوّها على بسيط من الأرض ينطلق فيه البصر وتأنس النفس. فأكلنا طعاماً لا أقول إنه طيب (فما عندهم طعام طيب) ولكن يدفع الجوع ويغذّي الجسد. ولمّا جئنا ننزل وجدنا المصيبة في النزول. فقد أعلنوا بالمكبرات أن وقت الزيارة قارب النهاية، ثم أعلنوا أنه انتهى، قالوا ذلك بلسانهم ولا نعرف نحن لسانهم، فلما جئنا ننزل إذا المصاعد والسلالم الكهربائية قد وقفت، وإذا أنا أمام سلّم من الحديد يكاد يكون قائماً فيه مئات من الدرجات، ما عددتها ولكن زاغ بصري لمّا نظرت إلى أسفلها. وخفت أن تزلق عليه رجلي أو أن يزيع منه بصري، وما ثَمّ حواجز (دَرابزين) أمسك بها ولا جدران أستند عليها، فرأيت الموت عياناً لأنني لا أستطيع أن أبقى في مكاني ولا يُسمح لي بالبقاء، والهبوط على هذا السلّم يكاد يكون هلاكاً محقَّقاً! ولولا أن أمسك بي بعض الناس وأعانني الله لَما بلغت الأرض. وقد وقع لي مثل ذلك مرة في عمّان. وعمّان قائمة على أحد عشر جبلاً، وكنت يومئذ على جبل الحُسين، فأردت النزول ماشياً فسلكت درباً بين العمارات منحدراً، حتى إذا جاوزت ثلث الجبل لم أعُد أجد العمارات وبقي الدرَج وحده وليس على جانبيه شيء أستند إليه، فدارت بي الأرض وأحسست أنني واقع لا محالة، فقعدت على درجة منه أنتظر الفرج، فمرّ بي جماعة من الشبان فرجوتهم أن يمسكوا بيدي وقلت لهم: إنني كنت شاباً مثلكم أنحدر من أعلى جبل قاسيون في خطّ مستقيم أقتحم كل ما

стр. 2660

أجد أمامي، يتدحرج الحصى والحجارة تحت قدمَيّ وأنا ماضٍ قُدُماً ويعترضني الصخر فأقفز عليه، ثم انتهيت إلى ما ترون. وأنتم سيأتي عليكم يوم تصيرون فيه مثلي، فأمسكوا بيدي حتى أدعو لكم يومئذ أن يأتي مَن يُمسك بأيديكم. فضحكوا وضحكت وأمسكوني. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكَر -كما يقول الناس- فلقد وجدت مثل هذا الموقف مرات، لا عليّ أن أعرض إليها فإنها ذكريات من الذكريات. لمّا كنا في العراق ذهبت مع ثلاثة من الطلاب إلى إيوان كسرى في قرية سلمان باك (ومعنى «باك» في الفارسية الطاهر) أي أن مدينة الإيوان نُسي ملكها كسرى أنوشروان ودُعيت باسم سلمان لمّا شرّفه الله بالإسلام. وكان الناس يصعدون إليه على جدار من اللبِن متهدم، يمسكون باللبنة بأيديهم ويصعدون على التي تحتها بأقدامهم، واللبنات متينة مستمسكة فلا يُخشى عليهم أن تفلت واحدة أمسكوا بها. فلما بلغتُ ثلث الجدار صاح بي أحد الطلاب من تحت: التفت ياأستاذ حتى نصوّرك. فلما التفتُّ ورأيتهم على الأرض صغاراً كأنهم النمل وشعرت بنفسي معلَّقاً بين السماء والأرض لم أعُد أدري أين أنا. لقد دار رأسي وزاغ بصري، ولا أعرف إلى هذا الساعة كيف وفّق الله فنزلت. وقد وقع مثل ذلك للأستاذ السنهوري باشا لمّا كان في العراق، وقد صعد إلى ظهر الإيوان ولكنه لم يعُد يستطيع النزول، واهتمّت به الحكومة لأنه كان ضيفاً عليها، ولم تكن هذه الطائرات

стр. 2661

الوثّابة (الهلكوبتر) فجاؤوا بطائرة عادية وكلّموه بمكبر الصوت أن يتمسك بسلّم من الحبال ينزل إليه منها، وصارت الطيارة تمرّ من فوقه متباطئة ما استطاعت ولكنها لا تزال بالنسبة إليه مسرعة، فيمرّ الحبل به حتى يكاد يلامس وجهه ثم لا يستطيع أن يتمسك به، وأعادوا ذلك مرات كثيرات، حتى تمسّك به مرة وشدّد قبضته من شدة الخوف ورفعوا الحبل فنجا. وقد خبّرني هو ﵀ أنه لم يصدق بالنجاة، ولمّا رأى نفسه على الأرض أحسّ أنه عاد إلى الحياة بعدما مات (١). * * * أعود إلى حديثي. لقد انتهت جولاتنا في البلد ومضى هزيع من الليل ولم يبقَ إلاّ أن نجد مكاناً نبيت فيه، والأستاذ نديم حفظه الله مقيم في بروكسل من أكثر من أربعين سنة، فقال لي: هلمّ إلى فندق نظيف رخيص خالٍ مما تكره أعرف صاحبه وأوقن أنه سيعتني بكم. ومضينا معه، حتى إذا وصل إلى المكان لم يرَ فندقاً وإنما رأى عمارة جديدة عالية، فتعجّب وقال: أين ذهب الفندق؟ ومرّ بنا ناس فسألناهم، فكتموا ضحكهم علينا وقالوا بأن هذه العمارة قائمة من خمس سنين. والأستاذ لا يدري بها! وذهبنا نفتّش عن فندق غيره فما وجدنا غرفة خالية، ولم ندع مكاناً نظنّ أنه يؤوينا إلاّ ذهبنا إليه، قال: هلمّ إلى نُزُل (بانسيون). فطرقنا أبواب عدد منها فلم نلقَ فيها مكاناً، ثم ذهب بنا إلى حيّ

стр. 2662

يبدو أنه من أحياء المترَفين الأغنياء فقرع باباً، فخرجَت لنا عجوز متكبرة شامخة الأنف، فلما أبصرَتني وأبصرت زوجتي بحجابها أنكرتنا ولوَت وجهها عنا وأبت أن تستقبلنا، فهممت بالرجوع، فقال الأستاذ نديم: انتظر. وعاد إليها قال لها: هؤلاء أصدقاء الدكتور الهوّاري. فرأينا شيئاً أدهشنا؛ تبدّلَت سحنتها وانبسط ما كان منقبضاً من وجهها، فكأننا كنا في يوم من أيام شباط (فبراير) في رعده وبرقه وزمهريره فانجلت السحب وطلعت الشمس وبدا وجه السماء! ورحّبت بنا وأدخلَتنا إلى غرفة عالية واسعة فاخرة الفرش، ولكنها قالت لنا إنها لا تخدم أحداً وإن علينا إذا أردنا شيئاً أن ننزل بأنفسنا إلى المطبخ فنأخذ ما نريد. وأبَت غير ذلك وأبينا عليها ما عرضته علينا. وذهبنا نفتّش عن مكان غيره فلم نجد، فوقف الأستاذ عند كوخ الهاتف في الطريق وأخذ الدليل وجعل يسأل فندقاً بعد فندق فلم يجد فيها كلها مكاناً، وكان مَوْهن من الليل (أي نصف الليل) وكدنا نسقط من التعب، وعرفت عندئذ مبلغ نعمة الله على الإنسان أن يكون له بيت، ينام وهو آمن أن يدخل عليه أحد ينازعه مكانه ويسرق منه نومه ينغّص عليه ليلته. وهنا عرفت مدى ضلال الذين يقولون للمرأة: اخرجي من بيتك حرام أن تبقي سجينة بين أربعة جدران. ويحكم ما أجهلكم! من الذي ضحك عليكم فقال لكم إن البيت سجن وإن من الظلم للمرأة أن تقعد بين أربعة جدران؟ إن السجين مَن لا يجد في مثل هذه الليلة وقد كدّه التعب وهدّه النعاس أربعةَ جدران ينام بينها ويغلق عليه بابها. نحن السجينان أنا وزوجتي، لأننا نتيه في

стр. 2663

الشوارع لا نلقى فراشاً نُلقي بأنفسنا عليه، ونحن في بروكسل التي يراها الناس إحدى المدن الكبار. إن كل إنسان يحبّ بلده، ولكن البعيد عنه يزداد حبه إياه وشوقه إليه. فواشوقاه إلى دمشق وإلى بيتي فيها! ما لي ولبروكسل وغير بروكسل؟ إن الذي يسافر إلى أوربا من غير حاجة للدراسة في جامعاتها أو التداوي في مستشفياتها أو لمقصد معيّن له فيها إنما يُتعِب نفسه في غير طائل، حتى الدراسة الجامعية فإن عندنا هنا في المملكة وفي البلاد العربية ما يُغني عن طلبها في غيرها، وكذلك المستشفيات ومَن فيها من الأطباء، اللهمّ إلاّ في بعض التخصصات الجامعية النادرة أو الأطباء العالَميين الكبار، وقليل ما هم. مَن ذهب إليها فليذكر عظمة ماضيه ونموّ حاضره، ولا ينظر إلى ما فيها نظر البدوي الذي يرى الحضَر أول مرة فيدهشه كل ما فيه، بل نظر الغنيّ لمَن هو أغنى منه والعالم لمن هو أعلم. وما زالت الأمم تتفاوت في المزايا تفاوُت الأفراد، ولا يغضّ من قَدْر الإنسان أن يستفيد من مزايا غيره والحكمةُ ضالّة المؤمن. والضالّة مُلكٌ له ندَّتْ عنه وفرّت منه، فهو يلتقطها حيثما وجدها لأنه أحقّ بها فهو صاحبها. مرّت هذه الخواطر كلها في نفسي، ولكن لم تُرِح جسدي ولم تُغنِ عني ولم توصلني إلى فراش أستطيع أن أُلقِي بجنبي عليه. ولبثنا ننتظر، فانتظروا معي إلى الحلقة الآتية. * * *

стр. 2664

-٢٠٦ - في منطقة الآردن مضى ثلثا الليل ونحن، أنا وزوجتي والأستاذ ظبيان معنا، هائمون على وجوهنا في شوارع بروكسل، وقد خلت إلاّ من أعقاب السابلة وروّاد الليل، من السكارى العائدين بالخزي من الخمّارات والسرّاق والعشّاق، ومن يتيقظ حين ينام الناس كالبوم والحيّات والعقارب وهوام الأرض. ولكل امرئ أمانٍ يتمناها، وقد تجمّعت أمنياتنا كلها في غرفة لها باب ووطاء وغطاء ووسادة نسند رؤوسنا إليها، حيث نأمن أن يدخل غريب علينا. وأدركت عظمة حديث رسول الله ﷺ حين قال: «من أمسى آمناً في سِرْبه مُعافىً في بدنه مالكاً قوتَ يومه فقد حِيزَت له الدنيا». وهذا الذي كنا نطلبه في تلك الساعة من الدنيا كلها. لقد عرفت لماذا اعتدّ (أي عدّ) الله من نعمه على قريش أنه أسكنهم بجوار البيت الآمن وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وذكرت (والذكريات يجرّ بعضها بعضاً) لمّا مررنا في طريقنا من عمّان إلى بغداد ورأينا ما صنع الإنكليز في الصحراء

стр. 2665

في محطات النفط، حين أقاموا فيها بيوتاً مثل بيوتهم في بلادهم فجاءت تشبهها أو تذكّر بها. لذلك كان من معنى كلمة «هوم» عندهم أنها السكن، وقد أخذوا المعنى من العربية، فليس «السّكَن» الدار وحدها التي يسكن الجسم فيها ويستريح بل ما تسكن النفس إليه وتطمئن به، لذلك جعل الله لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها. وكنا قد وصلنا إلى آخر البلد (بروكسل) فقلّت العمارات وكثرت الحدائق، فقعدت على كرسي من كراسيها وقلت: أتمدّد فأسترخي فلم يبقَ لي صبر على النوم، وأنا مسافر منذ الصباح، قطعتُ الطريق من ألمانيا إلى بروكسل ثم طفنا شوارع بروكسل كلها. ويبدو أن أصواتنا علت بالحديث ونحن لا نشعر، وكنا أمام دار واطية لاصقة بالأرض لها نافذة مفتوحة من الحرّ، فبرز منها رجل قد أيقظناه من نومه فأقبل يلومنا، والأستاذ يحاول الاعتذار إليه وتهوين الأمر عليه، وإذا به يقول له: مسيو زابيان؟ وإذا هو يعرفه، وإذا هو يفتح لنا بابه ويخبرنا أن عنده غرفة للإجارة يؤجّرها، وأنه الآن وحده والدار خالية إلاّ منه لأن زوجته في سفر. وكان يظهر عليه أنه كهل طيّب القلب، طلق الوجه حلو اللسان، فدخلنا إلى شبه حديقة تفضي إلى دار صغيرة فتح لنا بابها وأضاءها، فوجدنا غرفة متسعة من البناء القديم عالية السقف، فيها أثاث نظيف ولكنه من الطراز العتيق، ومعها حمّام كبير، وفيها جرس إذا احتجنا إلى شيء قرعناه. فكان ذلك أكثر مما نطلب. وودّعَنا الأستاذ وذهب، وعاد صاحب الدار إلى غرفته
следующие страницы →