الوثّابة (الهلكوبتر) فجاؤوا بطائرة عادية وكلّموه بمكبر الصوت أن يتمسك بسلّم من الحبال ينزل إليه منها، وصارت الطيارة تمرّ من فوقه متباطئة ما استطاعت ولكنها لا تزال بالنسبة إليه مسرعة، فيمرّ الحبل به حتى يكاد يلامس وجهه ثم لا يستطيع أن يتمسك به، وأعادوا ذلك مرات كثيرات، حتى تمسّك به مرة وشدّد قبضته من شدة الخوف ورفعوا الحبل فنجا. وقد خبّرني هو ﵀ أنه لم يصدق بالنجاة، ولمّا رأى نفسه على الأرض أحسّ أنه عاد إلى الحياة بعدما مات (١).
* * *
أعود إلى حديثي. لقد انتهت جولاتنا في البلد ومضى هزيع من الليل ولم يبقَ إلاّ أن نجد مكاناً نبيت فيه، والأستاذ نديم حفظه الله مقيم في بروكسل من أكثر من أربعين سنة، فقال لي: هلمّ إلى فندق نظيف رخيص خالٍ مما تكره أعرف صاحبه وأوقن أنه سيعتني بكم. ومضينا معه، حتى إذا وصل إلى المكان لم يرَ فندقاً وإنما رأى عمارة جديدة عالية، فتعجّب وقال: أين ذهب الفندق؟ ومرّ بنا ناس فسألناهم، فكتموا ضحكهم علينا وقالوا بأن هذه العمارة قائمة من خمس سنين. والأستاذ لا يدري بها!
وذهبنا نفتّش عن فندق غيره فما وجدنا غرفة خالية، ولم ندع مكاناً نظنّ أنه يؤوينا إلاّ ذهبنا إليه، قال: هلمّ إلى نُزُل (بانسيون). فطرقنا أبواب عدد منها فلم نلقَ فيها مكاناً، ثم ذهب بنا إلى حيّ
стр. 2662
يبدو أنه من أحياء المترَفين الأغنياء فقرع باباً، فخرجَت لنا عجوز متكبرة شامخة الأنف، فلما أبصرَتني وأبصرت زوجتي بحجابها أنكرتنا ولوَت وجهها عنا وأبت أن تستقبلنا، فهممت بالرجوع، فقال الأستاذ نديم: انتظر. وعاد إليها قال لها: هؤلاء أصدقاء الدكتور الهوّاري.
فرأينا شيئاً أدهشنا؛ تبدّلَت سحنتها وانبسط ما كان منقبضاً من وجهها، فكأننا كنا في يوم من أيام شباط (فبراير) في رعده وبرقه وزمهريره فانجلت السحب وطلعت الشمس وبدا وجه السماء! ورحّبت بنا وأدخلَتنا إلى غرفة عالية واسعة فاخرة الفرش، ولكنها قالت لنا إنها لا تخدم أحداً وإن علينا إذا أردنا شيئاً أن ننزل بأنفسنا إلى المطبخ فنأخذ ما نريد. وأبَت غير ذلك وأبينا عليها ما عرضته علينا. وذهبنا نفتّش عن مكان غيره فلم نجد، فوقف الأستاذ عند كوخ الهاتف في الطريق وأخذ الدليل وجعل يسأل فندقاً بعد فندق فلم يجد فيها كلها مكاناً، وكان مَوْهن من الليل (أي نصف الليل) وكدنا نسقط من التعب، وعرفت عندئذ مبلغ نعمة الله على الإنسان أن يكون له بيت، ينام وهو آمن أن يدخل عليه أحد ينازعه مكانه ويسرق منه نومه ينغّص عليه ليلته.
وهنا عرفت مدى ضلال الذين يقولون للمرأة: اخرجي من بيتك حرام أن تبقي سجينة بين أربعة جدران. ويحكم ما أجهلكم! من الذي ضحك عليكم فقال لكم إن البيت سجن وإن من الظلم للمرأة أن تقعد بين أربعة جدران؟ إن السجين مَن لا يجد في مثل هذه الليلة وقد كدّه التعب وهدّه النعاس أربعةَ جدران ينام بينها ويغلق عليه بابها. نحن السجينان أنا وزوجتي، لأننا نتيه في
стр. 2663
الشوارع لا نلقى فراشاً نُلقي بأنفسنا عليه، ونحن في بروكسل التي يراها الناس إحدى المدن الكبار.
إن كل إنسان يحبّ بلده، ولكن البعيد عنه يزداد حبه إياه وشوقه إليه. فواشوقاه إلى دمشق وإلى بيتي فيها! ما لي ولبروكسل وغير بروكسل؟ إن الذي يسافر إلى أوربا من غير حاجة للدراسة في جامعاتها أو التداوي في مستشفياتها أو لمقصد معيّن له فيها إنما يُتعِب نفسه في غير طائل، حتى الدراسة الجامعية فإن عندنا هنا في المملكة وفي البلاد العربية ما يُغني عن طلبها في غيرها، وكذلك المستشفيات ومَن فيها من الأطباء، اللهمّ إلاّ في بعض التخصصات الجامعية النادرة أو الأطباء العالَميين الكبار، وقليل ما هم.
مَن ذهب إليها فليذكر عظمة ماضيه ونموّ حاضره، ولا ينظر إلى ما فيها نظر البدوي الذي يرى الحضَر أول مرة فيدهشه كل ما فيه، بل نظر الغنيّ لمَن هو أغنى منه والعالم لمن هو أعلم. وما زالت الأمم تتفاوت في المزايا تفاوُت الأفراد، ولا يغضّ من قَدْر الإنسان أن يستفيد من مزايا غيره والحكمةُ ضالّة المؤمن. والضالّة مُلكٌ له ندَّتْ عنه وفرّت منه، فهو يلتقطها حيثما وجدها لأنه أحقّ بها فهو صاحبها.
مرّت هذه الخواطر كلها في نفسي، ولكن لم تُرِح جسدي ولم تُغنِ عني ولم توصلني إلى فراش أستطيع أن أُلقِي بجنبي عليه. ولبثنا ننتظر، فانتظروا معي إلى الحلقة الآتية.
* * *
стр. 2664
-٢٠٦ -
في منطقة الآردن
مضى ثلثا الليل ونحن، أنا وزوجتي والأستاذ ظبيان معنا، هائمون على وجوهنا في شوارع بروكسل، وقد خلت إلاّ من أعقاب السابلة وروّاد الليل، من السكارى العائدين بالخزي من الخمّارات والسرّاق والعشّاق، ومن يتيقظ حين ينام الناس كالبوم والحيّات والعقارب وهوام الأرض.
ولكل امرئ أمانٍ يتمناها، وقد تجمّعت أمنياتنا كلها في غرفة لها باب ووطاء وغطاء ووسادة نسند رؤوسنا إليها، حيث نأمن أن يدخل غريب علينا. وأدركت عظمة حديث رسول الله ﷺ حين قال: «من أمسى آمناً في سِرْبه مُعافىً في بدنه مالكاً قوتَ يومه فقد حِيزَت له الدنيا». وهذا الذي كنا نطلبه في تلك الساعة من الدنيا كلها. لقد عرفت لماذا اعتدّ (أي عدّ) الله من نعمه على قريش أنه أسكنهم بجوار البيت الآمن وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
وذكرت (والذكريات يجرّ بعضها بعضاً) لمّا مررنا في طريقنا من عمّان إلى بغداد ورأينا ما صنع الإنكليز في الصحراء
стр. 2665
في محطات النفط، حين أقاموا فيها بيوتاً مثل بيوتهم في بلادهم فجاءت تشبهها أو تذكّر بها. لذلك كان من معنى كلمة «هوم» عندهم أنها السكن، وقد أخذوا المعنى من العربية، فليس «السّكَن» الدار وحدها التي يسكن الجسم فيها ويستريح بل ما تسكن النفس إليه وتطمئن به، لذلك جعل الله لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها.
وكنا قد وصلنا إلى آخر البلد (بروكسل) فقلّت العمارات وكثرت الحدائق، فقعدت على كرسي من كراسيها وقلت: أتمدّد فأسترخي فلم يبقَ لي صبر على النوم، وأنا مسافر منذ الصباح، قطعتُ الطريق من ألمانيا إلى بروكسل ثم طفنا شوارع بروكسل كلها. ويبدو أن أصواتنا علت بالحديث ونحن لا نشعر، وكنا أمام دار واطية لاصقة بالأرض لها نافذة مفتوحة من الحرّ، فبرز منها رجل قد أيقظناه من نومه فأقبل يلومنا، والأستاذ يحاول الاعتذار إليه وتهوين الأمر عليه، وإذا به يقول له: مسيو زابيان؟ وإذا هو يعرفه، وإذا هو يفتح لنا بابه ويخبرنا أن عنده غرفة للإجارة يؤجّرها، وأنه الآن وحده والدار خالية إلاّ منه لأن زوجته في سفر.
وكان يظهر عليه أنه كهل طيّب القلب، طلق الوجه حلو اللسان، فدخلنا إلى شبه حديقة تفضي إلى دار صغيرة فتح لنا بابها وأضاءها، فوجدنا غرفة متسعة من البناء القديم عالية السقف، فيها أثاث نظيف ولكنه من الطراز العتيق، ومعها حمّام كبير، وفيها جرس إذا احتجنا إلى شيء قرعناه. فكان ذلك أكثر مما نطلب.
وودّعَنا الأستاذ وذهب، وعاد صاحب الدار إلى غرفته
стр. 2666
فوجدنا النوم الذي كنا نفتّش عنه ينتظرنا على هذا السرير القديم جداً العريض جداً. فما رمينا بأجسادنا عليه حتى هبط النوم علينا فلم نصحُ إلا ضحى الغد وقد فاتتنا صلاة الفجر، بعد أن سألنا صاحب الدار عن موعدها وكلّفناه أن يوقظنا إليها. فصلّيناها قضاء، ومَن نام عن صلاته كان كفّارتها الإسراع في قضائها.
وخرجنا إلى الحديقة فإذ هي عرصة مهمَلة فيها أشجار كبار محمَّلة بالثمار، وأكثرها من أشجار التفاح الذي ندعوه في الشام بالشتوي لأنه كبير الحجم جداً بطيء النضج، لا ينضج إلاّ في وسط الخريف، لذلك كنا نأكله في الشتاء. ووجدناه مُلقى على الأرض لا يلتقطه أحد وما على الأرض منه يملأ صناديق، فسألنا صاحب الدار، فخبّرَنا أن نفقات جمعه وحمله ونقله لا يفي بها ثمنه الذي يُباع به، فجرّبنا أن نذوقه فإذا هو حامض لم يبلغ حدّ النضج. وسألناه عن الطعام فقال: اطلبوا ما تشتهون أشترِه لكم أو أطبخه أنا. فطلبنا منه فطوراً فأعدّ لنا الفطور من البيض المقليّ والحليب المغليّ والعسل الشهيّ والخبز الناضج الطريّ، فأكلنا وشربنا الشاي.
وجاءنا الأستاذ نديم وقد استرحنا وشبعنا. وكذلك الدنيا: يوم لك ويوم عليك، ويوم يسرّ ويوم يسوء، وما عاش فيها أحد بالسرور الدائم ولا بالألم المستمرّ. ولقد أحصى الناصر (هل تعرفونه؟ عبد الرحمن الناصر باني «الزهراء»، الذي كان أعظمَ ملوك أوربا في عصره، الذي أنشأ في الأندلس خلافة ثانية مع خلافة بغداد وتَسمّى بأمير المؤمنين، وما ينبغي أن يتسمّى بإمارة المؤمنين إلاّ واحد لأن المسلمين جسد واحد، فهل رأيتم جسداً
стр. 2667
له رأسان؟ إن رأيتموه كان من عجائب المخلوقات). الناصر هذا أحصى قبل موته الأيام التي مرّت عليه صفواً بلا عكر فوجدها ستّة عشر يوماً فقط! هذه هي الدنيا:
خُلِقَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها ... صَفْواً مِنَ الأقذارِ والأكدارِ
وجاءت زوجتي ترتّب السرير فوجدت سمّاعة تحت الوسادة متّصلة بأسلاك، تتبعناها فإذا هي مربوطة بجهاز تحت السرير ما عرفنا ما هو، فحسبناها آلة تجسُّس علينا! فلما حضر الأستاذ نديم وأطلعناه عليها وسألناه عنها ضحك من جهلنا وقال: إنها تنقل إلينا موسيقى ناعمة لنسمعها فننام عليها.
وقال لنا: إلى أين تحبون أن آخذكم؟ قلت: أنت المقيم في البلد، تعرف متفرَّجاته ومتنزَّهاته ومواطن الجمال فيها وما يستحقّ الزيارة منها، ولكننا قرأنا في التاريخ أن معركة كبيرة بين الألمان والحلفاء كانت في أوائل الحرب الأولى سنة ١٩١٤ في منطقة الآرْدِنْ وتكرّرت سنة ١٩٤٠، وكان مثلها في مكان قريب في حرب السبعين (١٨٧٠)، فأين هذه الآردن وما هو بعدها عنا؟ وهل ينفعنا أو يمتعنا أن نراها؟ قال: هلمّ إليها فإنها قريبة، نركب القطار إلى نامور (وهي إحدى المدن المعروفة في بلجيكا) ثم نركب إلى قرية دينان القريبة من المكان الذي كانت فيه المعركتان. قلت: على اسم الله.
* * *
وكنت أحسب أن الله لم يخلق وادياً أحلى من وادي الرّبوة والشاذِرْوان في الشام، فلما رأيت هذا الوادي الذي يجري فيه نهر
стр. 2668
الموز أيقنت أن قدرة الله أكبر من أن تحبس الجمال كله بين جبلَي الربوة. وأنت حين ترى المشهد من مشاهد الطبيعة تظن أنه أجملها وأنه لم يُخلَق مثله، فإن رأيت غيره بدّلت رأيك فيه.
انظر إلى من يسمّونهن ملكات الجمال: يختارون من كل بلدة أجمل مَن يجدون من نسائها. وربما أساؤوا الاختيار، وربما كان في البيوت أجمل منها جمالاً وأشدّ فتنة وأخفّ روحاً وأقرب إلى قلب مَن يراها، ولكنهم جعلوا للجمال مقاييس مادية حسبوا أنها هي ميزانه، وما دروا أن الجمال لا يُوزَن ولا يُقاس إلاّ بمقياس أولي الأذواق من الناس. فإذا اجتمعن لم تعُد تدري مَن هي أجمل منهن.
وليس الجمال للنساء وحدهن؛ فالشيخ المشرق الطلعة النوراني الوجه الأبيض اللحية جميل، والعجوز الطيبة القلب الباسمة الفم الحسنة الخلق جميلة، والرياضي القوي البنية المشدود العضل العريض المنكبين جميل. وكذلك الحال في مشاهد الكون ومجالي الطبيعة، فمنظر تراه تحسّ أنه كالفتاة الحلوة، ومنظر كالشيخ الذي له براءة الطفولة، ومنظر الغانية المتبرّجة التي تستهوي النفوس ولا تروق القلوب. وما ذكرت مسابقات الجمال لنصنع مثلها ولا لنقتدي بها، فنحن لا ننظر إلى امرأة طمثها قبلَنا غيرنا، ولا نجعل النساء سلعة معروضة وعلامة نضعها على علب المتاع لنروّجها في الأسواق، ولكن جمال النساء عندنا لأزواجهن.
رأيت هذا الوادي قد جمع الجمالَ من أطرافه؛ نهر كبير يجري فيه، وصخور مُخْضَرّة تقوم على جانبَيه، وقُرى صغيرة
стр. 2669
وأبنية أثرية تعلو بعضَ جباله، ولكن وادينا على ذلك كله أحبّ إليّ، ولو عرضوا عليّ المبادلة لَما بدّلت به. هل تُعطي ابنك لغيرك وتأخذ ابنَ غيرك ولو كان أكمل الشباب وأجملهم؟ لقد خطرَت هذه الحماقة يوماً على أذهان قريش حين عرضوا على أبي طالب أن يُعطيهم محمداً ﵊ ويدفعوا إليه من شاء من فتيانهم، فضحك منهم وقال لهم: أعطيكم ابني لتقتلوه وآخذ ابنكم لأربيه لكم؟ ولا يزال التاريخ يضحك من هذه الجَهالة إلى الآن.
إن الجمال شيء عجيب، إنه من أسرار خلق الله، إن وجوه الناس تتشابه جميعاً في وضع عيونها وحواجبها وأفواهها وآنافها، وما ثَمّ وجه يطابق تماماً وجهاً آخر. والجمال أمر يُدرَك ولا يُعرَف ويُحَسّ ولكن لا يُقاس.
وكذلك القول في مناظر الطبيعة. كنت بالأمس في ترفورين، وهي منا على مرمى حجر، فرأيت جمال الخضرة والظلّ والبِرَك الصافية والنسيم العليل، فقلت: لقد ضمّ هذا المكان الجمال كله! فلما نزلت هذا الوادي رأيته أجمل. وأنا أُقِرّ مرغَماً (وإن كان هذا الإقرار صعباً على نفسي) أن وادي الربوة (الشاذروان) الذي طالما ملأتُ الأسماعَ وسوّدتُ الصحفَ بوصف جماله لا يكاد يباري وادي الموز هذا ولا يقف أمامه، ولا يواجهه بعينه ولا يستطيع أن ينظر إليه.
* * *
نزلنا من القطار في دينان. وهي في وادٍ يمرّ النهرُ، نهر الموز، فيه ويقوم الجبل على جانبَيه. وما تبلغ أن تُعَدّ قرية؛
стр. 2670
إنها مجموعة أبنية ما تصل إلى الثلاثين، لكن فيها كل ما يُحتاج إليه: فندق صغير، ودكاكين فيها كل ما تطلبه من مثلها من طعام وشراب، ومتاع مما لا يُستغنى عنه هناك من المتاع، وفيها من التحف ما له بالبلدة صلة فهي تدلّ عليها وتكون ذكرى لك من زيارتك إياها، وفيها كنيسة فخمة ما دخلتُها ولكن ظاهرها يدلّ على حسن بنائها، تقوم عند أقدام الجبل وتكاد تصل من علوّها إلى صدره. وفوق الجبل بناء ضخم لست أدري ما هو، ركبنا المصعد فصعد بنا إليه فرأينا الوادي كله، أي أننا رأينا بعضاً منه، وهو وادٍ طويل يمتدّ ما امتدّ نهر الموز ويكاد يصل إلى آخر القسم البلجيكي من الآردن.
والآرْدِنْ منطقة واسعة أكثرها مع بلجيكا وأقلها مع فرنسا، لمّا نظرت من أعلى أحسست كأني أنظر إلى وادي الربوة في دمشق من عند قبة السَّيّار فأرى جزع الوادي ومنعطفه. وما كنت أراه وأنا على الأرض محجوباً عني انكشف الآن لي، فكأنه المستقبل الذي لا يصل بصرك إليه ولا يحيط علمك به، تراه من فوق فكأن الماضي والحاضر والمستقبل قد اجتمعت لك، فعلمتُ أن ذلك كله نِسبيّ؛ كمن يأخذ جرائد الأسبوع الماضي ليقرأها دفعة واحدة، فما كان حاضراً لقارئها في يومها صار الآن ماضياً عند من يراها كلها، وما كان من حديث الغد في العدد التالي صار عنده الآن من خبر الحاضر.
هل ترونني تفلسفت وأغربت وجئت بشيء لا يُفهَم، كما يفعل أدعياء الشعر الجديد أو شعر الحداثة، أي شعر الحدَث الذي يستوجب الوضوء إن كان صغيراً والغُسْل إن كان حَدَثاً أكبر!
стр. 2671
على أن من شعر الحداثة ما لا تذهب بأوضاره ولا تطهّر صاحبَه منه شلالات نياغارا لو وقف تحتها واغتسل بها.
ودعوني أبالغ في التفلسف فأسأل: ما المستقبل؟ وأين أدركه وأنا إن وصلت إليه صار حاضراً وذهبت أفتّش عن مستقبل جديد أجري وراءه؟ وهذا المعنى يشغل من نفسي مكاناً لذلك ما أفتأ أعود إليه وأتكلم فيه.
* * *
سألت الأستاذ (وقد قلت لكم إنه أكبر مني سناً، وأنا أنسى ما كنت أريد أن أقوله فما بالكم به؟ وأرجو ألاّ تخبروه أني اغتبته، فما أعلنت غيبته ولكن كتبتها في جريدة تصل إلى كل مكان). سألته: هل تعرف دينان؟ قال: كيف لا أعرفها وقد قضيت شهر العسل فيها؟ ولم يقُل إن ذلك كان قبل أن يُقتَل أرشيدوق النمسا فتقوم الحرب العامّة الأولى.
نزلنا من القطار، ولم نقصد شيئاً في دينان مما يقصده السياح ليروه لأن الأستاذ حفظه الله كان قد نسيه، فلم يكن أمامنا إلاّ أن ننتظر عودة القطار. مررنا على الجسر فوق نهر الموز عشرين مرة حتى عجب منا الناس إذ يرون امرأة محجبة، وما عرفوا من قبلُ محجبات إلاّ الراهبات فحسبوها راهبة! والراهبات ربما كُنّ عند بعض الناس غيرَ محبوبات ولكنهن غير مَهينات ولا مزدرَيات، ودينان منعزلة لا يكاد يصل إليها إلاّ قليل من الناس فلا يألف أهلها رؤية الغرباء.
стр. 2672
ومن قال لكم إن المرأة المسلمة إن بقيت في أوربا على حجابها سخروا منها أو آذوها فلا تصدّقوه، فما يسخر ثَمّة أحدٌ من أحد. تلك آداب تعلّموها من كتاب الإسلام القرآن ونسي بعضَها بعضُ أهل الإسلام. ولكني أنصح مَن تذهب إلى تلك الديار أن تلبس قريباً مما يلبس النساء هناك حتى لا تنبّههم إليها فتقع الأنظار عليها، بشرط أن لا تكشف إلاّ وجهها ولا تكشف ما أمر الله بستره من جسدها، ولا يكون لباسها ضيقاً يحكي جسدَها ولا رقيقاً يشفّ عنه ولا غريباً يلفت الأنظار. وإن بقيت على عباءتها ولم تفارق زيها في بلدها لم يضرّها ذلك في نفسها بل سبّب الخسارة لها في مالها، لأنهم صاروا يطمعون فينا ويظنّون أن كل قادم من أرض النفط (الخليج) يملك بئر نفط فيزيدون الأسعار علينا. حتى الإنكليز الذين كانت تُضرَب بأخلاقهم الأمثال (حتى ألّف حافظ عفيفي باشا كتابه «الإنكليز في بلادهم») أخذوا هذه الأخلاق وصاروا -كما تسمعون- لا يطمعون إلاّ بالمال، استغلّوا له كل شيء حتى العلم، حتى الطب. فانتبهوا ياأيها الناس.
إقليم الآرْدِن من أجمل الأقاليم، بعضه مع فرنسا وأكثره مع بلجيكا، وهو الباب الذي يدخل الغزاة منه عليهما؛ في حرب السبعين أيام بسمارك ونابليون الثالث، وفي الحرب الأولى سنة ١٩١٤ والثانية سنة ١٩٤٠. أنشأ الفرنسيون خطّ ماجينو الذي قالوا إنه لا يُقتحَم ولا يدخل منه عدو مهما قوي، فكان كقبر جحا في قونية الذي زعموا أنه مؤيَّد بعوارض الحديد وأن عليه من الأقفال ما يزن القناطير فهو لا يُفتح ولا يُكسر، ولكن ليس من حوله جدران فمن شاء الدخول دار فولج المكان. وكذلك فعل الألمان،
стр. 2673
دخلوا من الآردن حيث الطريق مفتوح إلى باريس، ولو بقينا في القطار ولم ننزل في دينان لصرنا فيها بعد قليل.
* * *
والكلام عن بروكسل طويل، وهي عاصمة السوق الأوربية المشتركة، أي أنها شبه عاصمة لأوربا المتحدة، لتوسُّط موضعها واتفاقهم على اختيارها. وساحتُها الكبرى من أجمل ما رأيت من مراكز المدن (سانتر)، ومن الساحات هناك ما هو مفروش بالسجّاد، ولكنها ليست سجّاداً من الصوف ولا من الحرير، ولم ينسجها منوال ولا أكفّ النساء ولا الرجال، بل هي بساط من الورد والزهر، ومن حولها الشوارع تطيف بها. وفي طرف الساحة الكبرى ببروكسل بناء عظيم في زاويته منارة مسجد لا تختلف عن أكثر المنارات، ذلك هو بناء البلدية. ومِن خبره الذي حدّثني به ولدي الدكتور عدنان الهوّاري أن المهندس الذي أقامه لحظ بعد تمامه ميلاً في محوره، فاشتدّ ذلك عليه وكبر لديه أن يُنسَب إليه، فصعد إلى أعلاه وألقى بنفسه فمات! وفي الناس عاقل ومجنون، ولله في خلقه شؤون.
وفي الساحة متحف يبيّن تطور بروكسل عبر التاريخ، كالذي يبيّن حال الرياض بين يومها وأمسها والذي يتنقل في البلدان فيلقى الإعجاب في كل مكان. وقد طالما تمنيت واقترحت على أمين العاصمة المقدسة الأستاذ فؤاد، ابن أخي الأستاذ محمد عمر توفيق الوزير الكاتب الأديب، أن يُقيم معرضاً دائماً يمثّل الكعبة والحرم في الجاهلية وفي صدر الإسلام وما زاد فيه الخلفاء على
стр. 2674
مدى التاريخ، حتى جاءت الزيادة السعودية ففضلتها كلها وزادت أضعافاً عليها، وآخرها فرش السطح وإعداده للصلاة وإقامة سلّم يصعد هو بالناس بدلاً من أن يصعد الناس عليه. فلو أنهم صنعوا مثل ذلك بمكة المكرمة وجدّة ووضعوه في صورة مجسَّمة ليطّلع عليها مَن لم يعرف كيف كانت هذه البلاد قبل خمسين سنة (كما عرفتها أنا) وكيف صارت الآن.
* * *
وجدت في بروكسل عجباً؛ عادت بي الأيام إلى ما خلّفت ورائي من حياتي فرأيت فيها ما كان في دمشق وفقدناه من أكثر من ربع قرن، رأيت فيها الترام.
والترام قديم في دمشق، جاء به وبالكهرباء أحدُ الولاة المصلحين من ولاة العثمانيين وأظنه ناظم باشا. عمره (أي الترام) من عمري، كان هدفَ كل مظاهرة وطنية، فكان أول ما تقصد إليه عربات الترام تحرقها، لا بغضاً بالحضارة التي تمثّلها ولا لنستبدل بها ركوب الدوابّ وعربات الخيل، بل لأن شركة الكهرباء التي تسيّره بلجيكية. وطالما قاطعناه الأيام والشهور وأعرضنا عنه، رفضاً للاستعمار ولأن بلجيكا التي تملكه هي الأخت الصغرى لفرنسا التي عدَت على بلادنا وحكمتنا بغير إرادة منا وانتدبتنا لتمدّننا، فكان انتدابها قتلاً لرجالنا وتدميراً لمدننا، تدمير المنازل مرتين بالمدافع من القلاع التي نصبوها على جبالنا موجّهة إلينا لا إلى عدوّ بلدنا، وحرقاً للحارات وللأحياء، حتى إن أجمل أحياء دمشق بقيت خرائب أكثر من ربع قرن، ولا يزال اسمها على ألسنة
стр. 2675
الناس إلى اليوم، الذي لا يعرفونها بغيره هو «الحريقة».
أقول إن الترام الذي قلعنا خطوطه وأزحنا عرباته وجدته في بروكسل بذاته، فذكّرني الماضي وأعاد لي ما سلف من عمري.
فنحن لهذا لا نحبّ بلجيكا، ولكن الله علّمنا أن لا يمنعنا ذلك من قولة الحقّ فقال لنا: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على ألاّ تَعْدِلوا، اعدِلوا﴾، ومنَ العدل أن أذكر مزيّة لبلجيكا تُذكر وتُشكر، هي أنها أول دولة غربية اعترفت بالإسلام ديناً. وهي تبعث فتسأل أولياء التلاميذ أول كل سنة مدرسيّة عن الدين الذي يختارونه لأولادهم، فمن كان من أبناء المسلمين جعلت لهم هم اختيار مدرّس يدرّس لهم دينهم، وأعطته الحكومة مرتَّبه وجعلت له كل حقّ هو لسائر المدرّسين، وقد جرى العمل على أن يختار المدرسين المركزُ الإسلامي.
* * *
стр. 2676
-٢٠٧ -
خواطر في الحياة والموت،
في طرق هولندا
كنت قاعداً أجمع ذهني لأكتب هذه الحلقة فوصلَت الجريدة وفيها هذا النعي في إطار ظاهر بخطّ واضح: "إنا لله وإنا إليه راجعون، إن رابطة الأدب الإسلامي لَتنعي (والصواب «تنعى» بفتح العين) إلى أعضائها وإلى محبّي الأدب الإسلامي والكلمة الطيبة الدكتورَ عبد الرحمن رأفت الباشا نائب رئيس الرابطة ... "، فسقطَت الجريدة من يدي ولم أستطع أن أُتِمّ قراءة الخبر، وفركت عينَيّ وقلت: لعلّ بصري يكذبني ويُريني ما لا يرى. وعدت فأعدت قراءة الخبر وقلت: لعلّه من تشابه الأسماء، أو لعلها من كاذبات الشائعات. ولكن الذي ينعاه هو الرابطة ورئيسها الأخ الحبيب الداعية الأديب أبو الحسن علي الحسني النَّدْوي، فهل يمكن أن يخدع عليٌّ عليّاً وأن يكون الخبر مكذوباً؟
وتصورت الأستاذ عبد الرحمن رأفت الباشا وقد امتلأ أديمُه بالحياة وفاضت نفسه بالنشاط، وتخيّلته يوم كان بين تلاميذي وكنت أقول له على مشهد ومسمع من رفاقه: إنك ياعبد الرحمن
стр. 2677
أديب وسيكون لك شأن. وقد كان، فكتب وخطب وعلّم، وكان المفتّش العامّ للغة العربية في الشام يوم كان رَصيفه وسَمِيّه الأستاذ عبد الرحمن الباني مفتّش العلوم الدينية، فصنعا (صنع الله لهما) للدين وللعربية ما يبقى في الناس أثره وعند الله ثوابه.
وأنا من يوم بدأت أكتب عن هذه الرحلة لم يفارق ذكر الموت خاطري، ولكني أحاول أن أتناسى وأن أُبعِد قلمي عن مركز الألم؛ كالذي تدخل تحت جلده شظية من الخشب فتتعفن وينتفخ الجلد ويتورم المكان، ولا يشفيه إلاّ أن يضغط بإصبعه على مكانها ليُخرِجها ثم ينظّف الجلد من أثرها، ولكن مسّ الموضع يؤلمه، فيصرف إصبعه عنه ويدور من حوله من حيث يشعر أو لا يشعر. وكذلك كانت حالي، وإن كان جرح قلبي بفقد ابنتي الذي ذكّرني به هذا الخبرُ لا يندمل ولا يبرأ ولا تذهب آلامه.
ولكن ما لي؟ وكيف أتكلم كما يتكلم الجاهلون الذين لا يؤمنون؟ إني لأرجع إلى نفسي فأسألها أقول لها: ويحك، أئن فقدتُ ابنتي فهل فقدت -لا قدّر الله- إيماني؟ ولو كانت البنت في غيبة لزيارة أختها أو عمّتها هل كنت أبكي لبعدها وأجزع من ذكرها؟ فما لي آمن عليها عند أختها وأخشى وهي عند ربها؟
وهل يُفقَد من يموت؟ لقد قلت من قديم مقالة قرأها الناس مني وسمعوها: إن الجنين في بطن أمه لو أمكن أن يسمعك وأن يفهم عنك ويكلمك وسألته: ما الدنيا؟ لقال لك: إن الدنيا هذه الأحشاء التي أعيش فيها وهذه الظلمة التي أتقلب خلالها. فإن قلت له: ها هنا دنيا البيتُ الواحد منها أوسع من دنياك هذه كلها بمئة ألف ضعف، وإن فيها شمساً وقمراً، وإن فيها براً وبحراً،
стр. 2678
وشتاءً وصيفاً، هل كان يستطيع أن يفهم عنك أو يتصور ما تقول؟ ولو كانا توأمين في بطن واحد فوُلد أحدهما قبل صاحبه وأمكن أن تسأله عنه، فبماذا يجيب سؤالك؟ ألا يقول لك إنه كان فبان وخلا منه المكان، إنه مات ودُفن تحت في الأعماق؟
فكيف رأى الولادة موتاً، وكيف لا نرى نحن الحقيقة فنعلم أن الموت ولادة جديدة؟
حياة الإنسان، كل إنسان، مراحل أربعة كل واحدة مما قبلها كالتي بعدها بالنسبة إليها، فالموت الذي نفرّ منه ونحاول أن نبتعد عنه ما هو إلاّ نقلة من مرحلة إلى التي بعدها. مرحلة حياتك وأنت جنين في بطن أمك، وحياتك في هذه الدنيا، وحياة البرزخ بينها وبين الآخرة، والحياة الدائمة الباقية وهي حياة الآخرة.
إن الموت في حقيقته ولادة وانتقال إلى مرحلة أرحب وأوسع، وكل ولادة فيها ألم. فلماذا آلم لموت ابنتي ولا أفرح أن قضت شهيداً (ولا تقُل شهيدة) بيد مجرم آثم، وأنها موعودة بما ادّخره الله للشهداء؟ والشهداء إن كانوا عندنا أمواتاً فإنهم عند ربهم أحياء يُرزَقون، أحياء ولكن لا تشعرون بحياتهم. فلماذا أتحاشى ذكرها، وإن ذُكرت فاضت مدامعي وشقّ الحزن قلبي؟ أين إيماني؟ اللهمّ إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهمّ ارحمها وارحم عبد الرحمن الباشا الذي ذكّرني موتُه بها والذي كان يوماً بين تلاميذي، فلعلّ كلمة مما كنت أقول للتلاميذ كانت عاملاً صغيراً، صغيراً جداً، في توجيهه الوجهة التي ارتضاها الله له فيكون لي شيء من ثوابها.
стр. 2679
إني من ستين سنة أعلّم وأكتب وأخطب وأحدّث، اللهمّ لا أدّعي أن ذلك كله كان خالصاً لوجهك. وليته كان، ولكني بشر أطلب ما يطلبه البشر من المال الحلال، ويسرّني المديح، وتستهويني متع الدنيا، فهل يضيع لذلك جهدي كله؟ هل أخرج فارغ اليدين لم أنَل شيئاً من الثواب؟ إني لأمتحن نفسي أسائلها كل يوم: هل كانت الدنيا وحدها همّي؟ لو عُرض عليّ أضعاف ما أخذه الآن على مقالاتي وكتبي وأحاديثي على أن أجعلها كتباً ومقالات وأحاديث في الدعوة إلى الكفر، هل كنت أرضى؟ فليست إذن كلها للدنيا، كما أنها ليست مبرَّأة من مطالب الدنيا.
قلت لكم إني أفكّر في الموت وأعرف أني على عتباته. إنه يمكن أن أعيش عشرين سنة أخرى كما عاش بعض مشايخي وكما يعيش اليوم ناس من معارفي، ولكن هل ينجيني ذلك من الموت؟ فما الذي أعددته للقاء ربي؟ اللهمّ إني ما أعددت إلاّ توحيداً خالصاً خالياً من الشرك، وأني ما عبدت غيرك ولا وجّهت شيئاً مما يُعَدّ عبادة إلى سواك، وأنني أرجو مغفرتك وأخشى عواقب ذنبي، فاللهمّ ارحمني واغفر لي.
سيقول قائلون: هذه لم تعُد رحلة فيها خبر ما صنعت وصورة عمّا رأيت وما سمعت، ولكنها شتيت من الأفكار والآراء. والجواب قدّمته في أول حلقة من هذه الذكريات، قلت إني لست كالجندي المسافر في مهمّة عسكرية لا يهتمّ إلاّ بها ولا ينصرف إلاّ إليها، بل كالسائح في الأرض؛ يبصر المشهد فيقف عليه ليراه، ويسمع المحاضرة فيتريّث مكانه ليستكمل سماعها، ويستطيب البلد فيمكث فيه أياماً. فمَن قبلني على هذا من القراء فأهلاً به
стр. 2680
وسهلاً، وثقوا أن هذه الاستطرادات ربما كانت أنفع لي ولكم من مجرد سرد الوقائع.
* * *
أعود الآن إلى حديث الرحلة، أعود إلى آخن.
وآخن على حدود دول ثلاث، تنتقل من واحدة إلى أخرى في ربع ساعة فقط تمشيها على رجليك، فإن توجهت تلقاء بلجيكا كانت أول مدينة كبيرة تلقاك هي لييج، وإن أممت هولندا مررت بمدينة أندهوف، ثم ببلدة قد تتساءلون إن سمعتم اسمها: ما الذي نقلها إلى هولندا ونحن نعرفها في نَجْد هنا عندنا؟ وأين هولندا من نجد؟ هي بريدة (Breda)! ثم يتفرع الطريق فرعين، الأيمن إلى أوتراخت ثم أمستردام، والأيسر إلى روتردام، ثم إلى لاهاي التي يدعونها هم دينهاغ (Denhaag).
وقد ذهبنا إلى هولندا مرتين اثنتين، ولا أستطيع أن أقول إنني زرتها ولكن مشيت في طرقها ودخلت مدنها وألقيت نظرة شاملة عليها، فإن تكلمت عنها فإنما أصف ما رأيت، وما رأيت منها إلاّ أقل من القليل. وجدتها كالبندقية (فينيسيا) في إيطاليا التي ما رأيتها، ولكن رأيت بندقية العرب وهي البصرة. وأمستردام مثلهما في كثرة أنهارها أو أقنيتها، فشارع وقناة: إن شئت ركبت السيارة فيه أو الزورق أو السفينة فيها. ورأيت محطتها الفخمة، وكانوا يعتنون بعمارة المحطات أيام عزّ القطارات.
ومحطة الحجاز في دمشق نموذج رائع في حسن العمران
стр. 2681
وجمال البنيان، كان يبدأ منها القطار الذي ينتهي في محطة العَنْبرية في المدينة المنورة، وقد أُنشئت على غرارها ولكنها ليست مثلها ولم تبلغ في الجمال مبلغها. هذا الخط الذي كان منقبة للسلطان عبد الحميد ﵀، والذي بُني بأموال المسلمين وأريقت في بنائه سَواقٍ من دماء العمال المسلمين، الذين كانوا يعملون في حرّ الصحراء ووهج الشمس على الرمال المتلظية التي يُشوى عليها اللحم. وكان وقفاً إسلامياً، عاش عشر سنين ثم خربته أيدي المسلمين مع أيدي جماعة لورانس، فانطبق علينا ما قال الله عن عدوّنا: ﴿يُخْرِبونَ بُيوتَهم بأيديهِمْ وأيدي المؤمنينَ، فاعتبِروا ياأُولي الأبصارِ﴾. فهل اعتبرنا؟ هل عرفنا بعد كل ما مرّ بنا صديقَنا من عدوّنا؟
وكنت أظن أن أمستردام على البحر، فخبّرونا أنه بعيد عنها وأننا إن أردنا ذهبنا إلى فولندام. فذهبنا إليها ومررنا بمزارع وقُرى يشمّ منها القادم عليها مثل رائحة الإصطبل من كثرة البقر، أعني البقر حقيقة لا البقر على صورة البشر.
وفولندام مدينة صغيرة جميلة، تراها كأنها لوحة يملؤها اللون الأحمر ومن حولها إطار كبير لونه أزرق، الحمرة من سقوف القرميد التي تعلو بيوتَها الصغيرة المبنية على الطراز القديم، والزرقة من البحر المحيط بها. ورأيت فيها النساء بثيابهن الوطنية وهُنّ بالحجاب الكامل، الثوب الطويل الذي يصل إلى وجه القدم والكم الطويل الذي يبلغ الرسغ فلا يَظهر إلاّ الكفان، وعلى الرأس قلنسوة خاصّة لم أرَها في غير تلك البلاد تستر الشعر كله، وفي أرجلهن أحذية من الخشب كأنها القباقيب. ولم نرَ من
стр. 2682
المدينة إلاّ جانباً منها، فلو ذهبتُ أصفها لم يكن وصفي لها إلاّ كوصف الليمونة التي اعتصرتها وأخذت ماءها، كالوردة التي جفّت ففقدت حياتها وأضاعت عطرها؛ إن وصفي لا يزيد على وصف يوليوس قيصر لمّا عاد من حروبه في بلاد الغال (فرنسا) فسألوه في مجلس الشيوخ أن يحدّثهم عما كان، فقال لهم: ذهبنا، فحاربنا، فانتصرنا، فرجعنا.
والعرب تقول: البلاغة الإيجاز. ولكن من الإيجاز ما يمسخ المعنى فلا يبقى منه إلاّ كقشرة الليمونة التي فقدت رحيقها والوردة التي أضاعت عطرها، ومن البلاغة ما يسمو إلى أعلى الدرجات ويبلغ حد الإعجاز.
* * *
ورجعنا إلى أمستردام فجُلنا فيها، ومررنا بكثير من المدن لم نقف إلاّ قليلاً عند لاهاي، وكنا قريبين من مسابحها، فما نزلنا من السيارة ولكن رأينا منها بعض ما فيها، والذي رأيناه لا يزيد عمّا كنا نراه في بيروت، بل ربما كان الذي في بيروت أشدّ نكراً. وقالوا لنا إن هاهنا (وأشاروا إلى جزء من السِّيف، أي الشاطئ) مسبحاً للعراة ينزلون فيه كما أنزلَتهم القابلات من بطون أمهاتهم، الرجال والنساء سواء. فما عجبت من ذلك، لأنها لو أُنشئت مسابح للخيل والبغال والحمير لما نزلت إلاّ هكذا. هل رأيتم أتاناً (حمارة) تريد أن تخوض النهر فلبست تُبّاناً (هو المايوه) أو ارتدت ثياباً؟
على أن بعض الثياب أشدّ إغراء من نبذها كلها. ولقد قرأت مرة نكتة في مجلة مصرية عن طالبَين في مدرسة الفنون الجميلة
стр. 2683
(التي زعم الراوي أنهم يأتون إليها بإحدى العاهرات فتقف أمام الطلاب بلا ثياب، بأوضاع تذهب منهم بالألباب وتطير من رؤوسهم الصواب، ليصوّروها كما قالوا)، قالت المجلة إن طالباً نبّه رفيقه فقال له: أما ترى جمالها؟ هل أبصرت مثل هذه الفتنة وهذا البهاء؟ فقال له صاحبه: كيف لو أبصرتها بثيابها؟ ذلك أن الثوب الذي يكشف عن بعض المستور يُطلِق خيالك لتتصور ما لم يكشفه، فتراه أجمل بعشر مرات مما هو في الحقيقة والواقع.
ولقد قرأت من قديم كتاباً عن الأزياء والموضات كيف تتبدّل، فتغطي مرة ما كان مكشوفاً وتكشف ما كان مُغطّى. وسرد مؤلّفه ما كان من ذلك في فرنسا في مئة وخمسين سنة، فوصل إلى سرّ المهنة فأذاعه. وإذا خلاصته أن الرجل لا يستطيع أن يستوعب جمال جسد المرأة كله بنظرة واحدة، فهم يكشفون له عن شيء منه ليقع نظره عليه وينصرف انتباهه إليه: عن أعلى الصدر مثلاً، فإذا ألفه وملّ منه زادوا في الكشف فوسّعوا الجيب (والجيب في اللغة فتحة الثوب عند العنق) حتى يصلوا إلى الحد الذي لا يستطيعون تجاوزه، فيجعلوا الموضة الجديدة ستر الصدر وكشف شيء من الساق، ولا يزالون يقصّرون الثوب حتى جعلوه ثوباً صغيراً (ميني جوب) يكشف نصف الفخذين، ثم زادوه قصراً فجعلوه يصل إلى أعلاهما فلا يبقي على الشيء منهما، فكان (الميكروجوب)، فلما أحسّوا من الناس الاكتفاء والشبع بنظر السيقان عادوا إلى الصدر.
وكذلك يلعبون بالنساء، والنساء يرتضين أن يَكُنّ لعبة لهم. ونحن نقلّدهم ونتبعهم فنُضيع في اتباعهم وتقليدهم خلائقنا
стр. 2684
وسلائقنا وأموالنا وأعراضنا، ونخالف في ذلك كله شرع ربنا.
ومن عجائب ما وجدناه عندهم أني خرجت إلى الشرفة مرة بالمَنامة (أي البيجامة) فلحق بي حفيداي الصغيران البنت وأخوها يقولان: لا ياجدّو، لا عيب. قلت: وما العيب؟ قالوا: الخروج بالبيجامة. فرجعت لأن على العاقل إذا نزل بلداً أن يعتبر أعرافه ما لم يكن فيها مخالفة لدينه، وعلى المؤمن أن يجبّ الغيبة عن نفسه وألاّ يفتح للناس باب الكلام عنه. وليس هذا هو العجيب، ولكن العجيب أنك إن نزعت المنامة وخرجت بالتّبان (أي المايوه) لم يكن عيباً، مع أن التبان لا يستر إلا السَّوأة الكبرى، وهو من صغره كبعض سراويلات النساء التي يوضع الواحد منها في علبة كبريت.
فالعورة إذن هي المَنامة (البيجامة) لا ما فيها!
* * *
وكنا نجول في هولندا في الطرق الدولية (الأوتوبان أو الأوتوروت أو الأوتستراد) وبنتي رحمها الله تمسك بالخريطة وهي في صدر السيارة، وأنا إلى جنب أخينا الشابّ الذي يسوقها لنا، ترشدني إلى المسلك فأنبّهه إليه، وأنظر في إشارات المرور، وهي كثيرة على الطريق، ولست أعرض لها بالوصف فقد صار عندنا بحمد الله مثلها تماماً في شوارع المملكة التي تصل بين المدن، بين جدة ومكة وبين مكة والمدينة، لا يختلف ما عندنا عما رأيناه عندهم. وهذه الطرق من اختراع هتلر أو قوم هتلر أيام الحرب الثانية، تطيف بالمدن ولا تدخلها، فتسهّل السفر وتختصر الزمان.
стр. 2685
ولقد غفلَت مرة عن إشارة إلى طريق فرعي علينا أن نسلكه فاضطُررنا أن نمشي بعده سبعين كيلاً (أي كيلومتراً) لندرك فتحة أخرى. وللطريق ثلاثة مسارب أو أربعة أحياناً، كما هي الحال عندنا في المملكة، فمن كان مبطئاً مشى في أيمنها ومن كان مسرعاً مشي في أيسرها، وقد وقع لنا مرة أن الشاب الذي يسوق سيارتنا أضاع الطريق فوقف ليسأل -على زعمه- أحد السوّاقين الذين يمرّون به، فأقام علينا القيامة وجاءتنا سيارات الشرطة مسرعة، وأخذوه يبدؤون التحقيق معه لأنه بوقوفه قطع السير وأخلّ به، وكاد يسبّب للسالكين المهالك.
وهولندا مشهورة بالبقر السمين وبنوع من الورد، الزنبق (تيولب) اختُصّت به، وبطواحين الهواء. أمّا البقر فقد رأيناه كثيراً، ومن لم يرَه في هولندا استطاع أن يراه هنا لأن وزارة الزراعة استقدمت هذا النوع من البقر الهولندي فوضعته تحت أيدي الفلاحين، فأحسنوا رعايته والعناية به. ولا تعجبوا فإن المملكة التي هي صحراء غير ذات زرع صارت تكتفي من القمح بما تُنبته أرضها، بل تصدّره إلى غيرها، وآخر ما تتحدث به الصحف والإذاعات إهداؤها هذا المقدار العظيم منه إلى أختها مصر. والبلاد التي كانت تصدّر القمح إلى روما وغيرها مما هو أدنى أو أبعد منها جاء عليها زمان صارت تستورده، ذلك لمّا هبّت عليها هذه الرياح العاتية المهلكة المدمّرة، رياح الشيوعية، وإن غيّرَت زيّها وبدّلَت ثوبها واسمها فتَسمّت بالاشتراكية.
وأمّا الورد فقد جئنا هولندا في غير موعده فلم نرَه، وأما طواحين الهواء التي كانت شعار هولندا فقد قلّت جداً ولم يعُد
стр. 2686
يُحتاج إليها بعد أن جاءت المحرّكات الكهربائية.
* * *
قلت لكم إننا بقينا في فولندام أكثر النهار، فرأيت أن من كان فيها يعيش في الدنيا وهو ليس فيها، يجد كل ما يحتاج إليه ولكن لا يجد ما هو أكثر منه ولا يصل إليه؛ حاجات مضمونة، ومناظر جميلة، ومساحة محدودة، ومشاهد معدودة، فهي تصلح لمن شاء العزلة الهادئة.
ورأيت مكاناً في ألمانيا أعجب منها هو مونْشَاوْ، وهي في شقّ من الأرض لا يبلغ أن يُعَدّ وادياً، فالوادي قطعة من الأرض بين جبلين مرتفعين، وهذه حفرة بين أرضين لا يرى منها السائر على الطريق شيئاً ولا يشعر بها، ولكن الذين يقيمون فيها لو سكنوا إليها واكتفوا بما فيها لم يشعروا بالطريق ولا بمن يمرّ فيه. ولا أستطيع أن أصف مونشاو وصفاً ناطقاً يُغني عن رؤيتها لأني ما رأيت منها إلاّ ساحتها، وفيها سوق صغيرة تبيع تحفاً فيها ذكريات للمكان. فيا ليت هذه الأسواق تكثر عندنا في كل بلد يقصده السياح. ورأيت ازدحاماً وسحناً مختلفات وسمعت ألسنة متعددات، ذلك أنها من مقاصد السياح، وعلى جانبَي الساحة أرض مثل الدرَج بعضها أعلى من بعض، ترى البيوت فيها كأنها عمارة واحدة من عشرات الطبقات.
ورأينا في مدينة نسيت اسمها بَحرةً (١) يسكن أهلها في رأس
стр. 2687
جبل عال لا يكاد يُوصَل إليه، فقلت: سبحان مَن حبّب أوطان الرجال إليهم! فلولا هذا الحبّ ما ارتضى قوم أن يسكنوا في رأس الجبل، وقوم أن يسكنوا في شقّ من الأرض، وقوم يقيمون في بيوت سقوفها وجدرانها من الثلج في ألاسكا، وقوم في الصحراء الكبرى يقيمون في خيام يسيل فيها شعاع الشمس ناراً وتحتهم رمال محرقة ... وكلهم راضٍ بوطنه محبّ له، إن غاب عنه لم يُرضِه إلاّ أن يعود إليه.
* * *
стр. 2688
-٢٠٨ -
طريق الحج
تلقّيت أربع رسائل تعليقاً على الحلقة الأخيرة من هذه الذكريات: ثلاث منها تأتي في صلب الموضوع ورابعة على الهامش، أو هي على حرف من الهامش، لا صلة لها بالذكريات ولكن في الجواب عليها نفعاً للقراء. جاءت من فاضل ينمّ أسلوبه الصحيح على فضله، يقول إنه مدرس مدمن للمطالعة مديم للقراءة، وطالما مرّ به وصف بعض الأطعمة أو العقاقير بأنه بارد يابس أو حارّ رطب، فلا يفهم معناها ولا يعرف موردها ومأتاها، قرأها كثيراً في كتب ابن القيّم وغيره وسمعها من أيام قريبة من الشيخ الشعراوي في حديثه اليومي، فلما رآني ذكرتها في الحلقة الماضية ظنّ أن عندي ما يبحث عنه فكتب يسألني.
والثلاث التي هي من صميم الذكريات تسأل عن الخط الحديدي الحجازي الذي أشرت إليه: ما خبره وكيف انقطع، وماذا أعرف عنه، وكيف كان الناس يحجّون قبله؟
وأنا أجيب على السؤال الثاني بما أعرفه مشاهدة وعياناً أو مشافهة وسماعاً. أما السؤال الأول فليس موضوعه من شأني
стр. 2689
ولاهو مما اشتغلت به من أصناف المعارف والعلوم، فلا أدّعي القدرة على الجواب الكافي. ولكني أمضيت حياتي كلها في المطالعة؛ هي متعتي وتسليتي وهي شغلي أيام فراغي وعطلتي، من صغري إلى اليوم، وكنت لا أنسى شيئاً قرأته، ولا أزال ولله وحده الحمد أذكر إلى الآن أكثر ما أقرأ، فمما علق بذهني مما قرأت قديماً ما يصلح جواباً على هذا السؤال.
ذلك أن علماءنا، حتى علماء الشريعة المتوسعين في المعارف كابن القيم، أخذوا نظرية عن اليونان اقتنعوا بصحتها وأفاضوا في شرحها، وهي أن في الوجود أشياء بسيطة وأشياء مركَّبة. وكلمة «بسيطة» في أصل اللغة معناها المبسوطة، أي الواسعة، ومن هنا سُمّيت كتب كثيرة باسم «البسيط» أو «المبسوط»، ولكنني أستعملها الآن بالمعنى الشائع عند الناس. وهذه الأشياء البسيطة، أي المؤلَّفة من عنصر واحد، هي عندهم الماء والهواء والتراب والنار. وأن الحرارة تأتي من النار، والبرودة من التراب، والرطوبة من الماء، واليبوسة أو الجفاف من الهواء. وأن في البدن أربعة عناصر (أو «أخلاط» كما كانوا يسمّونها) تقابلها، هي الدم والمرّة السوداء والبلغم والمرّة الصفراء. والغذاء (ومثله الدواء) يغلب على كل نوع منه واحدٌ من هذه العناصر أو اثنان، وكمالُ الصحّة في أن تتوازن الأخلاط الأربعة في الجسم وأن يأتي الغذاء موافقاً لها، لذلك تجدهم يقولون عن الشيء إنه حار رطب، أو بارد يابس.
فلما كانت النهضة في أوربا واتسعت دائرة المعارف وتمحّص كثير من الحقائق وتقدّم علم التشريح وعلم الكيمياء تبيّن
стр. 2690
أن هذا الذي كانوا يقولونه غير صحيح، وأن التراب والماء مركَّب من عناصر كثيرة وليس عنصراً واحداً. والعجيب أن من الفلاسفة المتقدمين من الإغريق (أي من اليونان) من لامس الحقيقة التي عُرفت بعد عصر النهضة والتي نعرفها نحن الآن، وهي أن المادة ليست متصلة الأجزاء بل هي مؤلَّفة من جُسيمات صغيرة جداً هي الأتوم (أي الذرّة)، قال بذلك ديمقريطس، وقد راجعت الآن ترجمته فوجدت أنه مات نحو سنة ٣٧٠ قبل ميلاد المسيح، وقد سبقه إلى ذلك أستاذه ليوسيبوس.
والفكر البشري يتقدم دائماً لا يرجع إلى الوراء أبداً، ولكن قد يُصاب بنكسات تتعثر فيها خطاه ويتأخر فيها سيره؛ من ذلك أن أرسطو (الذي مات سنة ٢٢٢ قبل ميلاد المسيح) ردّ نظرية الذرة وأعاد نظرية العناصر الأربعة، وبقي القول قوله حتى ظهر بيكون (وينطقها الفرنسيون باكون) في القرن السادس عشر، فنقض ما ذهب إليه أرسطو وأحيا نظرية الذرة. فأرسطو الذي يلقبه الناس بالمعلم الأول ولا يعدلون عن قوله كان له في هذا وغيره كثير من الأخطاء.
* * *
أعتذر إليكم وأرجو عفوكم عني لأني خرجت عن موضوعي، وأعود إليه الآن فأجيب على السؤال الثاني.
إن الذي يريد السفر اليوم من مكة المكرمة إلى دمشق يركب سيارته من باب داره هنا فلا ينزل منها إن شاء الله إلاّ على باب منزله أو فندقه في دمشق، طريق مزفَّت (ولا تقُل مسفلَت) بعضه
стр. 2691
لايقلّ في سعته وحسنه وترتيبه والصُّوى (أي الإشارات) فيه وتعدُّد المسارب في جانبه، لا يقلّ في ذلك كله عن أرقى الطرق الدولية في أرقى دول أوربا الغربية، وإن كان يضيق بعد المدينة المنورة، ويستمرّ معبَّداً مزفَّتاً حتى يبلغ دمشق.
هذا الطريق بين مكة المكرَّمة ودمشق الذي تمشي فيه السيارات مستريحة كان لي شرف المشاركة في كشفه، يوم لم يكن طريق ولا أثارة من طريق وكانت الأرض كلها بيداء خالية كما برأها بارئها، وكانت سياراتنا أولَ السيارات التي وطئَت بدواليبها ثَراها، وكان ذلك سنة ١٣٥٣هـ. وقد مرّ بكم الخبر مفصَّلاً في هذه الذكريات، وعلمتم مما مرّ بكم أن هذه المسافة التي يقطعها الراكب اليوم قاعداً في السيارة الفخمة على المقعد المريح ومن حوله الهواء المكيف، أمضينا نحن في قطعها ثمانية وخمسين يوماً ما كنا فيها مستريحين، بل قاسينا من المشقّات والأهوال ما لا يصمد له إلاّ صناديد الرجال.
كان ركب الحُجّاج الشاميّين قبل هذا الطريق يقطع هذه المسافة في أكثر من أربعين يوماً، في بادية مقفرة تتلظّى شمسها ويلتهب في الصيف حصاها وتتسعّر رمالها، ولا يأمن المسافر فيها على نفسه ولا على ماله لأنها عادت إلى مثل عهد الجاهلية الأولى، لا حكومةَ تجمعها وتُخضِعها ولا قوة تمنع الظلم والعدوان فيها. وكان في كل منطقة شيخ عشيرة يتسلط عليها، إن لم يسترضِه الحُجّاج بالمال أو يغلبوه بالقتال آذاهم أو نهبهم أو قطع الطريق عليهم أو قتلهم، أقول هذا لتعرفوا قيمة ما أنتم فيه من نعمة الأمان، ولتسألوا الله الرحمة لمن جعله سبيلاً لتوحيد البلاد وأمنها.
стр. 2692
لذلك كانوا يبعثون مع أمير الحُجّاج ما كان يُدعى «الصُّرّة»، وهي مبلغ كبير من المال يوزّعه على من يمرّ عليه موكب الحج من الأعراب، وما كان يسلم دائماً منهم، ويبعثون مع الصرة بطائفة من الجند وعدد من المدافع. وكانوا يُقيمون بِرَكاً للماء عندها قلاع ثابتة على الطريق، رأيت في رحلتي الأولى بعضها ووصفتها وقرأتموها، وكانت تحمي كلَّ واحدة منها أسرةٌ من أسر حيّ الميدان بالشام معروفة ببأسها مشهورة بأمانتها وإخلاصها، ولو رجعتم إلى ما نشرتُ من قبل في هذه الذكريات لوجدتم تفصيل هذا الإجمال (١).
فكانت رحلة الحج تمتد أكثر من ثلاثة أشهر محفوفة بالأخطار، كلها متاعب ومصائب، فكأنها البحر الذي وصفوه قديماً بأن الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.
تلك الرحلة التي كانت تمتد ثلاثة أشهر يستطيع الحاجّ اليوم أن يؤدّيها (أي أن يؤدّي حجه) في أربعة أيام: يخرج من دمشق بالطيّارة من بعد صلاة العشاء ليلة العيد فيصل جدة بعد ساعتين، ويكون مُحرماً فيمضي رأساً إلى عرفات فيقف فيها ولو دقائق، فيكون قد أدّى الفرض والواجب، ثم يتوجه منها إلى مزدلفة فيقف فيها دقائق بعد نصف الليل، ثم يخرج منها فيصلّي صلاة الصبح في الحرم مع الجماعة، ويطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده، ثم يحلق أو يقصّر، فيتحلل ولا يبقى عليه من أعمال الحجّ إلاّ رمي
стр. 2693
الجمرات والمبيت في مِنى. أما مِنى فيستطيع أن يخرج بسيارته إليها أول أيام التشريق قبل المغرب، فيبقى فيها راكباً في السيارة أو قاعداً على الأرض أو على صخرة في الجبل، أو حيث شاء من مِنى إلى أن يمضي أكثر الليل، فيرجع إلى مكة فيبيت إن أراد فيها. ثم يصنع مثل ذلك الليلة المقبلة، فإذا كان اليوم الثالث من أيام العيد خرج بعد العصر إلى مِنى فرمى الجمرات كلها معاً، يرمي جمرة العقبة وينويها عن اليوم الأول، ثم يعود إلى الصغرى فالوسطى فالعقبة فيرميها عن اليوم الثاني، وكذلك يصنع عن اليوم الثالث والرابع.
هذا هو الحج. ولكن لكل عمل في الدنيا درجات كدرجات التلاميذ في الامتحان: راسب ومقبول وجيد وأجود منه وممتاز؛ فمن صنع الذي ذكرتُ هنا صحّ حجّه لكنه كان كالطالب الذي ينجح في الامتحان بدرجة مقبول، لم يرسب ولكن لم ينَل الدرجات العُلى. ومن وقف في عرفات من الظهر إلى ما بعد غروب الشمس، ثم مضى إلى مزدلفة فبقي فيها إلى ما بعد صلاة الفجر، ثم مشى فرمى جمرة العقبة، وحلق ونحر إن كان عليه نحر، ثم قصد الحرم فطاف وسعى، فهذا كالذي نجح بدرجة جيد.
ومن ذهب في اليوم الثامن إلى منى فصلّى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من يوم الوقفة، ثم مضى إلى عرفة فصلّى مع الجماعة وسمع الخطبة ثم وقف إلى ما بعد غروب الشمس يدعو الله متوجهاً إليه مخلصاً له، ثم مضى إلى مزدلفة فصلّى فيها المغرب والعشاء جمعاً وأكل ونام (لا كما يقول بعض الوعاظ من أن قيام تلك الليلة والصلاة فيها أفضل، لأن الرسول عليه الصلاة
стр. 2694
والسلام -وهو إمام المتقين وأعبد العابدين- نام، ومن زعم أنه يعلم طريقاً أرضى لله مما شرع رسول الله ‘، وما صنع هو الأسوة والقدوة، فليعلم أنه على خطر عظيم) هذا نال درجة جيد جداً.
ومن قرأ حجّة الرسول ﵊ التي ما حجّ غيرها (وصِفَتُها في كتب الحديث، وقد أفردها محدّث الشام الشيخ ناصر الدين الألباني في كتاب مطبوع) ففهمها وصنع كل ما صنع رسول الله ‘ مقتدياً به متبعاً له، فهذا نال درجة ممتاز.
* * *
كان ركب الحج الشامي أشبهَ بجيش، إذا مشى سدّ عرض الفلاة وإن نزل قامت لنزوله مدينة، فكان كما قال ابن هانئ: «إذا حلَّ في أرضٍ بناها مدائنا». وابن هانئ شاعر بليغ كانوا يسمّونه «متنبي المغرب»، ولكنه زائغ العقيدة فاسد الدين. وقصيدته هذه العينية من روائع الشعر الوصفي، ومثلها، بل أبلغ منها أسلوباً وأعلى في البلاغة طبقة، قصيدة بشار التي يقول فيها:
فراحوا: فريقٌ في الإسارِ ومثلُهُ ... قتيلٌ ومِثْلٌ لاذَ بالبحرِ هاربُهْ
ولمّا كنا ندرس الأدب الفرنسي وجدت في مسرحية «السيد» (Le Cid) لكبير الأدباء الفرنسيين في عصره كورناي، بيتاً يكاد يكون ترجمة حرفية لمعاني بيت بشار. والثالثة ميمية المتنبي في وصف الجيش التي يقول فيها:
خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهُ ... وفي أُذُنِ الجَوْزاءِ منهُ زَمازِمُ
стр. 2695
تَجمّعَ فيهِ كلُّ لِسنٍ وأمّةٍ ... فما يُفهِمُ الحُدّاثَ إلاّ التّراجمُ
وميزته أنه حقّ، وأن جيش سيف الدولة وإن كانت جمهرته من العرب فإن فيه كثيراً من غيرهم يتكلمون بألسنهم (اللسان بمعنى العضو جمعه ألسنة، واللسان بمعنى اللغة جمعه ألسن).
أما مواكب الحجّ قديماً فإن أحسن مَن وصفها عبد القادر الأنصاري الجزيري في كتابه «دُرَر الفوائد المنظمة» الذي طبعه محب الدين الخطيب في «السلفية» بطلب من الشيخ محمد نصيف رحم الله الاثنين، وهو الذي وقع على نسخته واشترك في تصحيحها صديقنا الأستاذ محمد سعيد العامودي، فاقرؤوا هذا الوصف في الصفحة ٩٥ منه. ومن هذا الكتاب عرفت أن «المَحْمِل» كان موجوداً في مطلع القرن الثامن الهجري، أي من ستمئة سنة، ولم أجد إلى الآن نصاً أعرف منه منشأ هذه البدعة ومتى وكيف كانت وما سببها، والذين يقولون إن أصله هودج شجرة الدرّ لا يأتون على قولهم بدليل، فمن كان عنده علم من ذلك فليُعلِمني.
والمحمل شبه هرم كانوا يغطّونه بالديباج الأخضر، أي المخمل منقوشاً عليه آيات من القرآن، ويعظمونه ولا يذكرونه مرة إلاّ قالوا «المحمل الشريف»، وكان لوداعه في دمشق وفي القاهرة مشهد عظيم، وكان بعض العامّة من الجَهَلة يتبرّكون بالجمل الذي يحمله ويُلبِسونه عادة مثل الثوب من الجلود ومن القماش الملوَّن. ولقد شهدت آخر موكب حُجّاج خرج من دمشق مع المحمل وأنا
стр. 2696
صغير جداً، وقد نسيت هل كان ذلك خلال الحرب الأولى أو كان قبلها، فأنا أكتب هذه الذكريات كلها من ذهني ما عندي شيء مكتوب أرجع إليه وأعتمد عليه.
وكان مشهد خروج المحمل أعظمَ المشاهد في دمشق، يليه مشهد «السّلامْلك» يوم العيد إذ يخرج الموكب من قصر المشير، أي «المشيرية» التي صارت من بعدُ دارَ المندوب السامي الفرنسي، ثم هُدمت وأُقيم مكانها القصر العدلي الذي يجمع اليوم المحاكم كلها وفيه وزارة العدل.
وكانا محملين لا محملاً واحداً، المحمل الشامي والمحمل المصري. فإذا وصل المحمل الشامي إلى مزيريب (وهي أدنى قرى حوران) توجّه منها إلى عمّان. وأنا أعرف عمان قبل ثلاث وخمسين سنة، لمّا مررنا بها وهي قرية صغيرة أكثر سكانها من الشركس وأقلهم من الشاميين، ولم يكن أُقيمَ إلاّ بيوتٌ معدودة على جبل عمّان.
ثم يتوجهون منها إلى معان، ويأتي المصريون بقافلة مثلها أو أعظم منها من طريق العقبة، فيلتقي المحملان غالباً في معان، ثم يمشيان معاً إلى تبوك فإلى المدائن، مدائن صالح قرب العُلا، فالمدينة المنورة فمكة المكرمة.
والمحمل الشامي محفوظ في متحف دمشق اليوم ليراه من لم يكن قد عرفه. وآخر ما عُرف من خبر المحمل واقعة مشهورة يعرفها الكهول والكبار من رجال المملكة، واقعة لولا شجاعة الملك عبد العزيز التي جاوزت الأمثال المضروبة للشجاعة
стр. 2697
ولولا حكمته التي منحه الله منها ما لم يمنح مثله إلاّ القليل، لولا ذلك لكانت فتنة لا يدري إلاّ الله عواقبها، ومن شاء معرفة خبرها وجده في كتاب «شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز» للأستاذ الشاعر وكيل وزارة الخارجية السعودية سابقاً خير الدين الزركلي (١). وكان ذلك آخر العهد بالمحمل المصري، والمحمل الشامي كذلك وقف قريباً من ذلك الوقت.
كان يخرج الموكب من دمشق في أوائل شعبان، فيه مَن يمشي على رجليه ومن يركب الدوابّ ومن يسافر على الإبل، وكان للرّحال (٢) على الإبل أنواع تتفاوت مراتبها وأجورها، يركب على البعير اثنان متقابلان من الجانبين، وللنساء هودج هو أشبه بغرفة صغيرة جداً من العيدان تُسدَل الستائر على جوانبها فلا يبين للرجال مَن فيها. وكان «العكّامة» (وفيهم الجمّالون والحمّالون وطوائف من العمال) يسبقون الركب فينصبون الخيام ويُعِدّون الطعام، فإذا وصل الحاجّ وهو تعبان استراح وأكل وصلّى ونام.
وكان يجري كل عام للمحمل ومن معه من الحجّاج في القاهرة وفي دمشق وداع حافل، فكان الموكب في الشام يمتد من قصر الحكومة إلى جنوبي البلد حتى يخرجوا منها، وتجتمع هذه الجموع كلها قرب مسجد العسّالي، وهو قريب من قرية «القَدَم»
стр. 2698
التي يزعم أهلنا في الشام أن الرسول ‘ زارها وأن آثار أقدامه لا تزال ظاهرة على صخرة فيها، وذلك كله كذب.
كان الذي يرى هذه الجموعَ يظنّ أنه لم يبقَ من أهل دمشق أحدٌ في بيته! ثم تُتلى آيات وتُلقى قصائد، ويكون الوداع يتصدره الوالي وهو الرئيس المدني، والمشير وهو الرئيس العسكري قائد الجيش وأمير الحج. ثم يبدأ الركب المسير وتلوّح الأيدي بالمناديل، ويكون الدعاء والتهليل والبكاء والعويل، حتى يغيب آخر الركب في طريق الكِسْوة على الجبل الجنوبي من دمشق (١).
* * *
стр. 2699
-٢٠٩ -
الخط الحديدي الحجازي
إن قصة الخط الحديدي الحجازي مأساة دونها المآسي الأدبية.
تصوّروا زوجين كل أمانيهما ولد يسعى بين أيديهما، يملأ الدار -كما يُقال- فرحةً عليهما يصل ما قد يتباعد من قلبيهما، فتأخّر وصول الولد، فراجعا كل طبيب وسألا كل دجّال، وجرّبا كل دواء في الصيدلية وكل عشب عند العطّار وكل ما يصفه الصديق والقريب والجار، حتى إذا تحقّق الحلم ووُلد الولد، بعدما ذاقا المرّ وكاد يفرغ منهما الصبر، وكبر الولد وبلغ معهما السعي، وحسبا أن قد تمّت به الفرحة، مات! ما مات على فراشه ولكنه قُتل، وما قتله عدوّ غادر ولا عتيّ فاجر، ولكن خدَعهما شيطانٌ ماكر اسمه لورنس وأسكرهما بمادّة مسمومة سُمّها لا ينفع معه ترياق، يُقال له «القومية» (أعني المخالِفة منها للإسلام).
امتدّ انتظاره دهراً والحمل به عمراً، حملَته أمه ثماني سنين، من سنة ١٩٠١ إلى سنة ١٩٠٨، وعاش بعدما وُلد عشر سنين من سنة ١٩٠٨ إلى سنة ١٩١٨، ثم أصابته علّة مزمنة، فلا هو حيّ فيُرجى ولا ميت فيُنسى.
стр. 2700
الخط ممدود ولكن لا يمشي عليه قطار، والمحطات قائمة ولكن لا يقف عليها مسافر. كانت فيها مواقف الوداع والاستقبال تشهد الآلام والآمال، وكان فيها الناس من كل بلد وكل شعب، فأصبحت لا غادٍ عليها ولا رائحٌ منها، ولا مودّع أسيان ولا مستقبل فرحان.
وإذا بكى الشعراءُ الأطلالَ وقالوا فيها الأشعار لأنها هي ذاتها بقايا قصيدة محَتها الأيام، كل جدار من بناء فيها وكل حجر في هذا الجدار كلمات باقيات من تلك القصائد التي جعلها القِدَم والحرمان قصائدَ عبقريات، يذكر الناس بموتها الحياة التي كانت فيها فتفيض لمشهدها مدامعُ شاهديها ... وإذا كانت بقايا ديار الحبيب الذي راح تُثير كل هذه المشاعر، فأولى بذلك هذه المحطات القائمات وحدها في البراري، محطات الخط الحجازي التي كانت تعجّ بالناس، فما بقي فيها ولا حولها أحد. أفلم يمرّ أحدٌ من الشعراء بهذه المحطات الواقفات منفردات، كالثاكلات على أجداث من مات؟ ألم يُثِر منظرُها في أنفسهم عاطفة ألم يحرّك منها المشاعر؟ ألم تنطلق بوصفها ألسنتهم وأقلامهم؟
كلّ محطة خالية خاوية من محطّات خط الحجاز قصيدةٌ من الجدران والأركان، لا تحتاج إلاّ إلى مَن يترجم عنها بالألفاظ والأوزان. فغطّوا أقلامكم بدموعها واجعلوه مِداد ما تكتبون، فإن كل لَبِنة في كل محطة تبكي، وكل نافذة مخلَّعة المصاريع وكل باب غدا وما عليه باب!
قلت لكم في الحلقة الماضية إن هذا الخط وقف إسلامي.