صغير جداً، وقد نسيت هل كان ذلك خلال الحرب الأولى أو كان قبلها، فأنا أكتب هذه الذكريات كلها من ذهني ما عندي شيء مكتوب أرجع إليه وأعتمد عليه.
وكان مشهد خروج المحمل أعظمَ المشاهد في دمشق، يليه مشهد «السّلامْلك» يوم العيد إذ يخرج الموكب من قصر المشير، أي «المشيرية» التي صارت من بعدُ دارَ المندوب السامي الفرنسي، ثم هُدمت وأُقيم مكانها القصر العدلي الذي يجمع اليوم المحاكم كلها وفيه وزارة العدل.
وكانا محملين لا محملاً واحداً، المحمل الشامي والمحمل المصري. فإذا وصل المحمل الشامي إلى مزيريب (وهي أدنى قرى حوران) توجّه منها إلى عمّان. وأنا أعرف عمان قبل ثلاث وخمسين سنة، لمّا مررنا بها وهي قرية صغيرة أكثر سكانها من الشركس وأقلهم من الشاميين، ولم يكن أُقيمَ إلاّ بيوتٌ معدودة على جبل عمّان.
ثم يتوجهون منها إلى معان، ويأتي المصريون بقافلة مثلها أو أعظم منها من طريق العقبة، فيلتقي المحملان غالباً في معان، ثم يمشيان معاً إلى تبوك فإلى المدائن، مدائن صالح قرب العُلا، فالمدينة المنورة فمكة المكرمة.
والمحمل الشامي محفوظ في متحف دمشق اليوم ليراه من لم يكن قد عرفه. وآخر ما عُرف من خبر المحمل واقعة مشهورة يعرفها الكهول والكبار من رجال المملكة، واقعة لولا شجاعة الملك عبد العزيز التي جاوزت الأمثال المضروبة للشجاعة
стр. 2697
ولولا حكمته التي منحه الله منها ما لم يمنح مثله إلاّ القليل، لولا ذلك لكانت فتنة لا يدري إلاّ الله عواقبها، ومن شاء معرفة خبرها وجده في كتاب «شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز» للأستاذ الشاعر وكيل وزارة الخارجية السعودية سابقاً خير الدين الزركلي (١). وكان ذلك آخر العهد بالمحمل المصري، والمحمل الشامي كذلك وقف قريباً من ذلك الوقت.
كان يخرج الموكب من دمشق في أوائل شعبان، فيه مَن يمشي على رجليه ومن يركب الدوابّ ومن يسافر على الإبل، وكان للرّحال (٢) على الإبل أنواع تتفاوت مراتبها وأجورها، يركب على البعير اثنان متقابلان من الجانبين، وللنساء هودج هو أشبه بغرفة صغيرة جداً من العيدان تُسدَل الستائر على جوانبها فلا يبين للرجال مَن فيها. وكان «العكّامة» (وفيهم الجمّالون والحمّالون وطوائف من العمال) يسبقون الركب فينصبون الخيام ويُعِدّون الطعام، فإذا وصل الحاجّ وهو تعبان استراح وأكل وصلّى ونام.
وكان يجري كل عام للمحمل ومن معه من الحجّاج في القاهرة وفي دمشق وداع حافل، فكان الموكب في الشام يمتد من قصر الحكومة إلى جنوبي البلد حتى يخرجوا منها، وتجتمع هذه الجموع كلها قرب مسجد العسّالي، وهو قريب من قرية «القَدَم»
стр. 2698
التي يزعم أهلنا في الشام أن الرسول ‘ زارها وأن آثار أقدامه لا تزال ظاهرة على صخرة فيها، وذلك كله كذب.
كان الذي يرى هذه الجموعَ يظنّ أنه لم يبقَ من أهل دمشق أحدٌ في بيته! ثم تُتلى آيات وتُلقى قصائد، ويكون الوداع يتصدره الوالي وهو الرئيس المدني، والمشير وهو الرئيس العسكري قائد الجيش وأمير الحج. ثم يبدأ الركب المسير وتلوّح الأيدي بالمناديل، ويكون الدعاء والتهليل والبكاء والعويل، حتى يغيب آخر الركب في طريق الكِسْوة على الجبل الجنوبي من دمشق (١).
* * *
стр. 2699
-٢٠٩ -
الخط الحديدي الحجازي
إن قصة الخط الحديدي الحجازي مأساة دونها المآسي الأدبية.
تصوّروا زوجين كل أمانيهما ولد يسعى بين أيديهما، يملأ الدار -كما يُقال- فرحةً عليهما يصل ما قد يتباعد من قلبيهما، فتأخّر وصول الولد، فراجعا كل طبيب وسألا كل دجّال، وجرّبا كل دواء في الصيدلية وكل عشب عند العطّار وكل ما يصفه الصديق والقريب والجار، حتى إذا تحقّق الحلم ووُلد الولد، بعدما ذاقا المرّ وكاد يفرغ منهما الصبر، وكبر الولد وبلغ معهما السعي، وحسبا أن قد تمّت به الفرحة، مات! ما مات على فراشه ولكنه قُتل، وما قتله عدوّ غادر ولا عتيّ فاجر، ولكن خدَعهما شيطانٌ ماكر اسمه لورنس وأسكرهما بمادّة مسمومة سُمّها لا ينفع معه ترياق، يُقال له «القومية» (أعني المخالِفة منها للإسلام).
امتدّ انتظاره دهراً والحمل به عمراً، حملَته أمه ثماني سنين، من سنة ١٩٠١ إلى سنة ١٩٠٨، وعاش بعدما وُلد عشر سنين من سنة ١٩٠٨ إلى سنة ١٩١٨، ثم أصابته علّة مزمنة، فلا هو حيّ فيُرجى ولا ميت فيُنسى.
стр. 2700
الخط ممدود ولكن لا يمشي عليه قطار، والمحطات قائمة ولكن لا يقف عليها مسافر. كانت فيها مواقف الوداع والاستقبال تشهد الآلام والآمال، وكان فيها الناس من كل بلد وكل شعب، فأصبحت لا غادٍ عليها ولا رائحٌ منها، ولا مودّع أسيان ولا مستقبل فرحان.
وإذا بكى الشعراءُ الأطلالَ وقالوا فيها الأشعار لأنها هي ذاتها بقايا قصيدة محَتها الأيام، كل جدار من بناء فيها وكل حجر في هذا الجدار كلمات باقيات من تلك القصائد التي جعلها القِدَم والحرمان قصائدَ عبقريات، يذكر الناس بموتها الحياة التي كانت فيها فتفيض لمشهدها مدامعُ شاهديها ... وإذا كانت بقايا ديار الحبيب الذي راح تُثير كل هذه المشاعر، فأولى بذلك هذه المحطات القائمات وحدها في البراري، محطات الخط الحجازي التي كانت تعجّ بالناس، فما بقي فيها ولا حولها أحد. أفلم يمرّ أحدٌ من الشعراء بهذه المحطات الواقفات منفردات، كالثاكلات على أجداث من مات؟ ألم يُثِر منظرُها في أنفسهم عاطفة ألم يحرّك منها المشاعر؟ ألم تنطلق بوصفها ألسنتهم وأقلامهم؟
كلّ محطة خالية خاوية من محطّات خط الحجاز قصيدةٌ من الجدران والأركان، لا تحتاج إلاّ إلى مَن يترجم عنها بالألفاظ والأوزان. فغطّوا أقلامكم بدموعها واجعلوه مِداد ما تكتبون، فإن كل لَبِنة في كل محطة تبكي، وكل نافذة مخلَّعة المصاريع وكل باب غدا وما عليه باب!
قلت لكم في الحلقة الماضية إن هذا الخط وقف إسلامي.
стр. 2701
والأوقاف الخيريّة من أشرف معالم الحضارة الإسلامية: مالٌ مرصود لأعمال الخير، منفعته لكل واحد ولا يملكه أحد، القيّم عليه يجب أن يحفظه، ويجوز أن ينميه أو يزيد فيه ولكن يحرم عليه أن ينقص منه أو أن يفرّط به. وقف أجدادُنا الأموالَ الجِسام على كل عمل من أعمال الخير: على المساجد وعلى المدارس وعلى المشافي، وعلى أمور قد لا تخطر لأمثالنا على بال. هل سمعتم في الشام وقفاً للقطط الضالّة يُطعِمها ويسقيها؟ وللكلاب الشاردة المريضة يداويها ويؤويها؟ يُسمّي العامّة الأول «مدرسة القطاط» وهي في القيمرية الذي كان حيّ التجار في دمشق، والثاني في حيّ العمارة ويسمّونه اسماً غريباً هو «محكمة الكلاب».
وقد روى ابن بطوطة في رحلته أنه رأى خادماً صغيرة (وكلمة خادم تطلق على الذكر والأنثى) وهي تبكي، فسألها فقالت: أرسلتني سيدتي أشتري لها عسلاً فوقع الإناء فانكسر. قال: فجعلت أواسيها وأعطيها ما أقدر عليه لتشتري غيره، فمرّ بنا رجل عرف الخبر فقال لها: اجمعي أجزاءه وخذيه إلى ناظر الوقف يُعطِك ثمنه. ذلك أن أحد المحسنين وقف مبلغاً كبيراً من المال لمثل هذه الحال (١).
* * *
وأرجو أن يسامحني القراء لأنني خرجت عن خط هذه
стр. 2702
الذكريات وسردت تاريخاً ممتلئاً بالأرقام، ذلك لأن هذا التاريخ يجهله أكثر من يقرأ الجريدة ومن الواجب أن يعرفوه. أما ما كان بعد سنة ١٩٥٤ فتسألون عنه الأخ محمد عمر توفيق، الذي كان وزير المواصلات وكان قُطب رَحى المفاوضات، هو العارف بما انتهى أمره إليه.
أما نحن الأدباء فلا نملك إلا ألسنتنا وأقلامنا. ورُبّ لسان أو قلم جلب نفعاً لأمة من الأمم أو سبّب لها الضرر. فما لأدبائنا لا تجري أقلامهم ولا تنطلق ألسنتهم بالكلام على هذا الخط: بوصف مأساته، بالدعوة إلى مداواته إن وثقنا من استمرار حياته أو رثائه إن تحقّقنا من مماته؟ هل كان الذين قبلنا من أدبائنا أقدر على القول منا أم كانوا أكثر اهتماماً بشؤون أمتنا؟ هذا ابن أَيْبك الصفدي (الذي توفّي سنة ٧٦٤هـ) يصف في كتابه «حقيقة المجاز إلى الحجاز» الطريق الذي مشى فيه ركب الحُجّاج من قبّة يَلْبُغا في ظاهر دمشق.
ومسجده معروف فيها، في ساحتها الكبرى التي تقوم في وسطها «المرجة». ولمّا كنت تلميذاً في الابتدائية في أواخر أيام الحرب الأولى كان نصف المسجد الشمالي (وفيه المنارة العالية) قد جُعل مدرسة كنا نتعلم فيها، وتُرك نصفه الآخر مسجداً. وكان يفصل بين النصفين حاجز من الخشب يمرّ من فوق البِركة الكبرى، فكان التلاميذ الصغار ينظرون من شقوقه لمن يتوضأ من البركة، وربما نظروا لمن يُسيء الأدب من الناس فيبول حولها أو يستنجي فيكشف عن العورة (التي حرّم الله كشفها) في بيت الله!
стр. 2703
وكان الصفدي كلما نزل منزلاً من منازل الحُجّاج قال فيه شعراً هو في الغالب من الكلام المنظوم، فممّا قاله عن قبة يلبغا:
جئنا لقبّةِ يَلْبُغا ... والسيلُ فيها قد طغا
وكأنهُ مِنْ دمعِنا ... صبَّ المياهَ وفرّغا
ثم مشى من حيث يمشي القطار الآن فجاء «الكِسْوة»، وكان قدومه عليها في الشتاء، وهي على هضبة عالية يشتدّ فيها البرد، فقال فيها:
قاسيتُ في الكسوةِ بَرداً لهُ ... على توالي ضَعفِنا قسوَه
فقلتُ هذا عجبٌ كيفَ لا ... يذهبُ شرُّ البردِ بالكِسوه؟
ثم جاء «الصَّنَمَيْن»، وهي من أدنى قرى حوران وأقربها إلى الشام، فقال فيها:
يا بئسَ يومٍ مرَّ بالصّنمينِ لي ... جُرِّعتُ فيهِ مَرارةَ الآلامِ
لو كانَ في الصّنمينِ خيرٌ يُرتجَى ... ما كانَ يُلعَن عابدُ الأصنامِ
وقد نُقل مرة أستاذنا وصديقنا حسني كنعان ﵀ إلى هذه القرية معلّماً فيها، فكتب عنها مقالات كثيرة وسمّاها «مدينة الأصنام الثلاثة»، يعني بالثالث نفسه! وله فيها حوادث طريفة جداً ليس هذا موضع ذكرها.
ثم رحل الصفدي مع الركب إلى بُصرى وقال فيها شعراً. وكانت بصرى على عهد الرومان مدينة كبيرة، وفيها مسرح روماني مدرَّج لا نظير له فيما بقي من مسارح الرومان، له درَج كامل ومعه
стр. 2704
بناء كبير بقي سالماً على مر الزمان. ولبُصرى أخبار امتلأت بها كتب السيرة والتاريخ، قدمها رسول الله ‘ المرة الأولى مع عمه ولقي فيها بَحيرا الراهب، ويقولون إنه عرف أنه النبي المنتظَر، مع أنه ‘ هبط عليه الوحي في حراء وقال له «اقرأ» ولم يعرف تماماً أنه النبي المنتظَر.
وما زعموا أن بَحيرا قد عرفه وأن جده عرفه وأن أمه لمّا حملت به قد عرفته، وما جاء في «المولد» (الذي كان يقرؤه بعضُ مشايخنا) من أن الوحوش تباشرت بمولده وعرفَته ... كل ذلك لم يثبت ولم يقُم عليه دليل، بل إنه ‘ لمّا جاءه جبريل ذهب مضطرباً إلى خديجة حتى أخذته إلى ابن عمّها ورقةبن نوفل. فإذا كان هو نفسه لم يعرف فكيف عرف هؤلاء كلهم؟ والله تعالى يقول له: ﴿ما كُنْتَ تدري ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾.
وعلى المسلم أن يحب الرسول ﵊ أكثر من حبه لأهله وولده ونفسه التي بين جنبيه، ولكنْ حبَّ الطاعة والامتثال لا حبَّ الغزَل والهيام. وله مما أكرمه الله به من المزايا التي لم يُؤتِ أحداً من بني آدم مثلَها ما يُغنيه عن أن نمدحه بافتراء الأخبار المكذوبة عليه.
* * *
وقيل في بُصرى شعر كثير تجدون عند ياقوت مثالاً عليه، كقول الصِّمة القُشَيري وهو شاعر رقيق مطبوع من شعراء العاطفة في الحجاز، وهو صاحب الأبيات الشهيرة:
стр. 2705
قِفا ودّعا نجداً ومَن حلَّ بالحِمى ... وقَلَّ لِنَجْدٍ عندَنا أنْ تُوَدَّعا
بنفسيَ تلكَ الأرضُ ما أطيبَ الرُّبا ... وما أحسنَ المُصطافَ والمُترَبَّعا
وأذكُرُ أيامَ الحِمى ثمَّ أنْثَني ... على كَبِدي مِن خَشيةٍ أنْ تَصَدَّعا
ومما قاله في بُصرى:
نظرتُ بطَرْفِ العينِ متّبعَ الهوى ... لشرقيِّ بُصرى نَظرةَ المُتطاوِلِ
لأُبْصِرَ ناراً أُوقِدَت بعدَ هَجْعَةٍ ... لِرَيّا بِذاتِ الرَّمْثِ مِن بطنِ حائلِ
ومن أجمل ما قيل في بصرى قول أعرابي ضنوا عليه بذكر اسمه وله هذا الشعر، ودوّنوا سخافات الصفدي التي رويتُ بعضَها. على أنها خير -على كل حال- مما يُنشَر من الشعر الحديث! قال الأعرابي (١):
أيا رِفْقَةً مِن أهلِ بُصرى تَحمّلوا
رسالتَنا لُقِّيتِ مِن رِفْقَةٍ رُشدا
стр. 2706
إذا ما وصلتمْ سالمينَ فبلّغوا ... تحيتَنا مَن ظنّ ألاّ يرى نَجدا
وقولوا لهُمْ ليسَ الضّلالُ أجازَنا ... ولكنّنا جُزْنا لنَلْقاكُمُ عَمْدا
ومن أراد أن يقرأ أمثال هذا الشعر الذي يحنّ قائلوه إلى نجد رآه في رسالة لي صغيرة طُبعت في الرياض عنوانها «حلم في نجد» (١).
كانت بُصرى قصبة حوران، فلما مرّ الخط الحديدي بدَرْعا أُقيمت المحطة فيها بعيداً عن البلد، فجعلت المحطة تكبر والبلدة يقف نموها فتصغر، حتى صارت المحطة هي المدينة ورجعت المدينةُ الأصلية قريةً تابعة لها.
وكذلك الدنيا أقدار وقِسَم قسمها بارئها، فصغير يكبر وكبير يصغر قدره، ونازل يعلو وعالٍ يهبط إلى الحضيض. مرّ الخط قريباً من درعا ولم يدخل إليها فدخلَت البلد كلها في المحطة، وشُيّدت من حولها العمارات وفُتحت الحوانيت. ولو بقي الخط يسير ولم تمتدّ إليه إصبع شياطين الإنس يُغرون أهلَه بقتله لنشأت خلال هذه السنين التي قاربت الآن السبعين مدنٌ كبار في معان والمدوَّرة والعُلا، ومدن صغار في كل قرية يمرّ بها القطار، ولكان هو الطريق المسلوك، لأن السيارات مهما كثرت لا تستطيع أن تسدّ مسد القطار، ولكان الحُجّاج السوريون والأردنيون وحجاج لبنان والعراق وحجاج الترك والعجم الذين يؤثرون أن يمرّوا بدمشق، لكان سفرهم كلهم في هذا القطار، ولكان شريانَ حياة يحمل دمَ
стр. 2707
الصحّة لكل مكان يمر به يأتيه بالخير والمال.
ودرعا معروفة من القديم ولكن باسم «أذْرِعات»، ولها في التاريخ ذكر وقيل فيها كثير من الشعر، منه قول امرئ القيس الذي لا أحب أن أروي منه إلاّ بيتاً واحداً هو:
تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتٍ وأهلُها ... بِيثربَ، أدنى دارَها نظرٌ عالِ
وامرؤ القيس قمة القمم في الشعر العربي، ما قيّض الله له إلى الآن من يدرس شعره كما ينبغي أن يُدرَس. لا لأنه أول من بكى واستبكى ووقف واستوقف، بل لأنه وضع الأساس لكل فنّ من فنون الشعر؛ فالغزَل مثلاً منه ما هو عاطفي نظيف كشعر قيس وقيس الآخر وجميل وكُثيّر ونصيب وشعراء الغزل بالمدينة، ومنه ما هو قصصي يحكي وقائع المحبين وأخبار الهجر واللقاء كشعر عمربن أبن ربيعة وتلميذه العرجي، ومنه ما هو شعر فاحش (كالأفلام التي قالوا إنها تكشف أدقّ ما يستره الأزواج في مخدع الزوجية) كبعض شعر بشار وبعض شعراء اليتيمة، يتيمة الدهر للثعالبي، وبعض ما قال (وليته ما قال) أحد شعراء هذا العصر! وكل ذلك في معلقة امرئ القيس.
والمقاييس تختلف، فامرؤ القيس بالمقياس الأدبي كبير الشعراء وأستاذهم، ثم إنه رحّالة زار الشام وبلغ القسطنطينية وتنقّل في أرجاء جزيرة العرب، ولكن النقاد لم يوفوه حقه، وقد ذكروه أخيراً فجعلوا من سيرته مسلسلة عرضوها في الرائي في رمضان، فأساءت للتاريخ وللأدب وللفنّ.
* * *
стр. 2708
وإذا تتبّعنا الطريق الذي سلكه الصفدي في حِجّته وجدناه يمشي مع سكة الحديد، يبتعد عنها حيناً ثم يعود إليها. فقد مشى بعد بصرى إلى «الزرقاء» وقال فيها شعراً. والزرقاء مدينة كبيرة وقد اتصلَت الآن بعَمّان أو كادت، وقد زرتها مرّات لا أحصيها وألقيت فيها محاضرات، في مساجدها ونواديها وفي النادي العسكري الكبير فيها. ثم إلى زيزاء وقال فيها شعراً (وتجدون هذه الأشعار كلها في كتاب «درر الفوائد المنظمة» ص ٤٥٣ وما بعدها)، وزيزاء معروفة بهذا الاسم إلى اليوم ويحرّفه بعض الناس فيقولون «الجيزة». ثم يمضي إلى الكَرَك، والكرك تقوم اليوم على هضبة وإلى جنبها شبه بلدة جديدة، وقد ذهبت إليها مرات وألقيت فيها محاضرات، وللكرك في تاريخ الحروب الصليبية أخبار طوال. ويمضي الصفدي في طريقه يسمّي منازله ويقول فيها هذا الشعر الذي عرفتم نماذج منه، حتى يبلغ معان.
ومعان بفتح الميم، وبعض المحدّثين يضمّها. وفيها تجمّع جيش الروم الذي نازله المسلمون في مؤتة، وكان جيشاً ضخماً يقول المُقِلّون إن فيه مئة وخمسين ألفاً والمكثرون إنه يزيد على مئتَي ألف، وقفَت أمامه فرقةُ استطلاع إسلامية صغيرة مؤلَّفة من ثلاثة آلاف، استُشهد قُوّادها الثلاثة الذين سمّاهم رسول الله ﵊ بالقيادة. ثم تسلّمها القائد العبقري، أعظم قُوّاد التاريخ العسكري القديم، خالدبن الوليد، فانسحب انسحاباً كان أعظم من النصر، لأنه أنقذ ثلاثة آلاف من بين مئة وخمسين ألفاً أطبقوا عليهم وأحاطوا بهم. وإذا كان الحلفاء يفتخرون بالانسحاب من دَنْكِرك أيام الحرب الثانية فإن انسحاب خالد أعظم بكثير.
стр. 2709
ولعبد اللهبن رواحة أحد القواد الشهداء مقطوعة قالها في مؤتة، ومؤتة معروفة الآن وهي إلى جنوبي الكرك، وإلى جنبها مدافن الشهداء في مكان اسمه اليوم «المَزار».
ولقد سِرتُ إلى جنب الخط الحجازي كله من المدينة المنورة إلى دمشق، ومررت بمحطاته المهدَّمة، ورأيت ما انتهى إليه حاله. وكان في أوله في دمشق معمل كبير أُنشئ مع إنشاء الخط قالوا إنه يستطيع أن يصنع قاطرة كاملة، وكان في المدينة المنورة محطة كبيرة، وفي تبوك في وسط الطريق تماماً بين دمشق والمدينة محطة مثلها.
وقد كان من أواخر مَن ركب القطار وفدٌ من كبار علماء دمشق بعثَت بهم الحكومة إلى المدينة المنورة، وكان فيهم أبي ﵀ ورحمهم. وقد أخذوهم كرّة أخرى إلى إسطنبول ليُروهم «جناق قلعة» وتحصيناتها، وكان خطيب الوفد الشيخ أسعد الشقيري، وهو فلسطيني، وهو والد الأستاذ أحمد الشقيري صاحب الخطب المأثورة. وكان الأستاذ أحمد كأبيه خطيباً طلق اللسان صاحب فصاحة وبيان، ولكن الأساليب تتبدّل بتبدّل الزمان، والمبالغات التي كانت تُعجِب يوماً السامعين وتُطلِق ألسنتهم بالهتاف وأكفَّهم بالتصفيق لم تعُد تصلح لهذه الأيام، وهي من باب قول الرافعي ﵀ عن الطليان في قصيدته المشهورة:
تاللهِ لو انّهمْ جِنٌّ جماجِمُهمْ ... ذُرى الجبالِ يغطّي هامَها الشجرُ
ومِن رقابهِمُ في الجوِّ أعمدةٌ ... وفوقَ كلِّ عَمودٍ في السَّمَا قَمَرُ
стр. 2710
وكانَ فيزوفُ فوقَ الماءِ بارِجةً ... وخَلْفَهُ كانَ بركانٌ فينفَجِرُ
وأقبلوا ولَهُمْ هذي القلوبُ لَما ... صدّوا عدوّاً ولا فازوا ولا انتصروا
شعر حماسيّ قوي، ولكن الحرب باللسان لا تُغني عن السنان وعن المدافع والطيران، وإلاّ انطبقَ علينا نحن ما قاله حافظ إبراهيم عن الطليان في تلك الحرب:
قدْ ملأنا البرَّ من أشلائِهمْ ... فدَعوهم يملؤوا الدنيا كلاما
لقد صرنا نحن الذين يملؤون الدنيا كلاماً ويحاربون بالخطب والمقالات والمؤتمرات والتصريحات! ويقول حافظ إبراهيم في هذه القصيدة:
باركَ المُطرانُ في أعمالِهمْ ... فسَلُوهُ: باركَ القومَ عَلاما؟
أبهذا جاءَهمْ إنجيلُهمْ ... آمراً يُلقي على الأرضِ السّلاما؟
وأقول بالمناسبة إن لديّ أكثرَ القصائد التي قيلت في هجوم الطليان الغادر على طرابلس الغرب، أي ليبيا (التي كان العرب يسمّونها قبل الحرب الأولى «لوبيا»)، وتصلح هذه المجموعة لتكون موضوع رسالة للماجستير، ولكنها في مكتبتي في الشام.
* * *
стр. 2711
-٢١٠ -
في صحبة الحيوان
دخلنا في ألمانيا حديقة حيوانات ليست كما عرفنا من الحدائق، لا تُحبَس فيها الأسود والسباع في الأقفاص بل تمشي حرّة طليقة، ونبقى نحن محبوسين في الأقفاص تمشي بنا أقفاصنا بين الأسود. وما الأقفاص إلاّ سيارات كبيرة لها عوارض من الحديد تجعل منظرها كالقفص. أو ندخل بسياراتنا مغلَقة نوافذُها مُرخى زجاجها.
وكنا قد ذهبنا في سيارة صغيرة قديمة أدركت عهد ما بين الحربين، فهي عجوز أكل عليها الدهر حتى شبع وشرب بعد الأكل الشاي! وإذا كانت العجوز وكان الشيخ يمشي على ثلاث (لأن العصا للشيخ رجل ثالثة) مشت هي على أربع. وكان سائقها شاباً طيّباً من أبنائنا الطلاب، يبدو أنه لم يكن يُحسِن القيادة، وكنا نمشي في طرق الحديقة، وهي متروكة كما خلقها الله لتأنس فيها الحيوانات وتعيش كما تريد، فاعترضَنا جدول صغير فما طاب للسيارة الوقوف إلاّ وسط الجدول، ويظهر أنها كانت مصابة بالرثيّة (أي الروماتيزم) فحرّك الماء البارد آلامها، فلم تعُد تستطيع المسير ولا تجد قوة على الصعود من عمق الجدول إلى ظهر الطريق.
стр. 2712
وجعلت حيوانات الحديقة تمرّ بنا، فمنها ما يُلقي نظرة علينا ثم يمضي غيرَ حافل بنا، ومنها ما يقف علينا قليلاً كأنه يَعجب منا أو يرى فينا مخلوقاً غريباً. وجاء أسد فدنا منا حتى لامس برأسه زجاجَ سيارتنا، واستطعت -من قربه- أن أعدّ شعرات شاربَيه وأتأمل وجهه وعينيه الصغيرتين، فوجدت فيهما رقّة لا أجدها في بعض بني آدم! ووجدته كالقط الكبير. ونحن نحبّ القطط ونألفها، وعندنا قطط فارسية جميلة نُعنى بها ونضعها في أحضاننا، ولكننا لا نحبّ الكلاب والذين يربّونها ويعانقونها ويتركونها تلحس وجوههم وأبدانهم بألسنتها وينامون إلى جنبها ويأكلون معها! والإسلام يكره ذلك إلاّ لمقصد مشروع، كحراسة الحقل وحماية القطيع وتتبُّع اللصوص والمجرمين. أمّا نجاسة الكلب ففيها خلاف، فهو عند الشافعي نجس كله شعره وريقه، وعند مالك طاهر كله شعره وريقه، وعند أبي حنيفة ريقه نجس وشعره طاهر، وقد رجّح ابن تيمية ما ذهب إليه أبو حنيفة.
عفواً، لقد غلبَت عليّ صنعتي في أيامي الأخيرة وهي الفتوى.
ووقف الأسد ملياً، فلما رآنا لا نستحقّ الاهتمام لوى وجهه وانصرف عنا غير مودّع لنا ولا آسف كما يظهر على فراقنا. وأحسبه كان يظننا من أقربائه وأنسبائه: أسوداً نحمي غابَنا ونردّ عنه الواغل علينا، فلذلك أقبل علينا، فلمّا علم (وما أدري كيف علم) أننا قد أذهبنا ريحنَا وأضعنا عزّتنا بانقسامنا وانحرافنا عن طريق أسلافنا، زهد فينا وأعرض عنا. وكيف يحسبنا أسوداً وقد غلبتنا على أرضنا في فلسطين الكلابُ؟!
стр. 2713
ورأينا الغزلان تمرّ من حولنا تنظر بعيونها إلينا، تلك العيون التي فتنت شعراء العرب حتى شبّهوا بأصحابها الغيد الحسان. وما زال العرب يتتبّعون ما أودع الله من الخصائص والمزايا في غرائز الحيوان فيضربون بها الأمثال: بوفاء الكلب، وصبر الحمار، وإقدام الأسد، واحتمال الجمل، وجمال الغزال، ومكر الثعلب.
ولمّا جاء عليُّبن الجهم بغداد قادماً من بيدائه باقياً على جفائه، مدح الخليفة فجمع فيه من هذه الصفات التي كان يراها مزايا، حتى لم يكَد يدع حيواناً إلاّ شبهه به (كما زعم الرواة)، فأنكر عليه أهل المجلس، ولكن الخليفة رأى فيه جوهراً غالياً ينقصه الصقل، فأمر بإسكانه في أجمل أحياء بغداد يوم كانت بغداد أجمل وأجلّ بلاد الدنيا. فما مضت أشهر حتى غدا عليه بقصيدته المشهورة:
عيونُ المَها بينَ الرُّصافةِ والجسرِ ... جلَبنَ الهَوى مِن حيثُ أدري ولا أدري
أعَدْنَ ليَ الشّوقَ القديمَ ولم أكنْ ... سَلَوْتُ ولكنْ زِدنَ جَمراً على جَمري
ولمّا كنت أدرّس الأدب العربي في بغداد سنة ١٩٣٦ سألني طالب عن معنى هذا البيت، لأن الرصافة (وهي الجانب الشرقي من بغداد) متصلة بالجسر، فأين يكون مجال الغيد الحسان بينهما؟ فتردّدت وكدت أقول لا أدري، ثم فُتح عليّ فعرفت المراد، وهو أنها تُرى بينهما، فهي تارة في الرصافة وتارة على الجسر، كما
стр. 2714
تقول عن الرجل الصالح المعتزل الدنيا: هو بين بيته ومسجده.
ومن طريف الذكريات أني كنت أدرّس مرة في ثانوية البنات في دمشق (ولم أكن مصيباً في قبول التدريس فيها، وأستغفر الله الآن من دخولي إليها، لأنه لا يجوز في شرع الله ولا في طبع عباده من العرب أن يتولى رجل تدريس البنات البالغات، وأكثرهن سافرات كاشفات، فكيف بأن تدرّس بنتٌ فتياناً؟) وكنت أشرح قصيدة الحُطيئة، فمرّ ذكر «بَغيض» فسخرَت طالبة من اسمه واستقبحته. فسألتها: ما اسمك؟ قالت: مها. قلت: أفلا أنكرتِ اسمك والمهاة هي البقرة؟
فوضعَت رأسها بين كفّيها وانكبّت على المقعد تبكي، وأطالت البكاء. قلت: ما الذي يُبكيك؟ قالت: أبكي لأنك قلت إني بقرة. قلت: إنها البقرة الوحشية، ثم إن أهلك -وهم أعرف بك وأحنى عليك- هم الذين سمّوك بهذا الاسم. فازدادت بكاء، قلت: لك أن تبكي ما شئتِ ولكن لا تُخرجي صوتاً يعطّل علينا درسنا.
على أن المها ليس البقر بل هو نوع من الظّباء. فانظروا إلى المعنى الواحد كيف يرفعه أو يخفضه التعبير عنه، كالقائد الذي زعموا أنه رأى رؤيا فدعا بمن يعبرها له، فقال له: ستموت أسرتك كلها. فشتمه وأمر به فأُخرج من مجلسه، ودعا بآخر فقال له: أنت أطول عمراً من أسرتك كلها. فهشّ له وأكرمه.
والمعنى واحد ولكن اختلف التعبير. وصحّت كلمة الجاحظ حين قال: «إن المعاني ملقاة على قوارع الطرق، وإنما يتميز الناس
стр. 2715
بالألفاظ». ولعلّه يقصد أن المشاعر الإنسانية متشابهة، فما يموت لأحد حبيبٌ إلاّ حزن ولا تأتيه بشارة أو عطيّة إلاّ فرح، ولكن تتفاوت أقدار الناس في التعبير عن هذا الحزن وهذا الفرح.
* * *
وصُحبتي الحيوانات قديمة، إذ كان من أوائل ما وقعَت عليه يدي في مكتبة أبي كتاب «حياة الحيوان الكبرى» للدَّميري. وهو كتاب عجيب؛ فيه فقه، بل إنه يُعَدّ أقرب مرجع في معرفة ما يؤكَل وما لا يؤكل من الحيوان، وكتاب لغة، فهو يضبط الأسماء، وكتاب أدب، فهو يسرد الأخبار، وكتاب طبيعة، فهو يشير إلى بعض خصائص الحيوانات، وكتاب تاريخ، فهو يلخّص فيه مراحل طويلة من تاريخنا، وهو على ذلك كله مملوء بالخرافات والأوهام والأباطيل وما يدخل العقل وما لا يدخله وما يُفسِده ويعطّله. ثم لمّا كبرت قرأت كتاب «الحيوان» للجاحظ فوجدت فيه تلك الألوان كلها، ولكن الذي فيه أعلى وأغلى، وحسبك أنه من تصنيف الجاحظ.
وكان من أوجع ذكريات الصغر أننا كنا نشتري، أو يشتري أهلنا، كبش العيد، فيبقى عندنا حيناً نُطعِمه نحن الصغار ونُعنى به حتى يألفنا ونألفه، نغسله وننظفه ونمرّ بأكفّنا على صوفه، أو نعانقه أو نكلّمه، نهمس في أذنَيه بما لا يدركه ولا يفهمه من مناغاة الأحبّة ومناجاة أهل الغرام. فإذا جاء يوم العيد وأخذوه لِما اشتروه له، وهو الذبح، أحسسنا ونحن صغار بما يحسّ بمثله من يُقتل حبيبه أمام عينيه فلا يملك له نصراً. وكنا نتصور صوته وهو
стр. 2716
يثغو يقول: باغ، ويمدّها، نتصوره نداء مستغيث يستجير بنا، ينادينا، فنشعر بقلوبنا تتمزق حسرة وتفيض من عيوننا الدموع أنْ لا نجد ما نردّ به عن عنقه سكين الجزار!
* * *
أمضينا في هذه الحديقة مع الحيوانات الطليقة ساعات طوالاً، وكنت أراها أول مرة، ما عرفت من قبل إلاّ أسوداً محبوسة في الأقفاص أو محسورة وسط الأسوار، فقلت: أجعل حديثي في هذه الحلقة عن الحيوانات أصحبها فيها، ولعلّ صحبتها أسلم من صحبة كثير من الناس، فهي لا تكذب ولا تغتاب ولا تنمّ، ولا تخون أوطانها ولا تجحد أديانها، ولا تبخس إخوتها مزاياها ولا تدّعي لنفسها من المزايا ما ليس لها.
وإذا عض الذئب أو لدغ الثعبان أو افترس الأسد فإنما يفعل ذلك دفاعاً عن نفسه وحفاظاً على حياته، ثم إنه لا يقتل إلاّ فرداً واحداً ولا يستعمل إلاّ نابه وظفره أو قطرة من السم أعدّها الله سلاحاً له، وبعض بني الإنسان يتخذ أنياباً من الحديد والفولاذ ومخالب من البارود والنار، وألواناً وأشكالاً من السموم، ويأتي عدوّه من الأرض ومن السماء ومن جوف البحر ومن فوق السحاب، ويُبيد بضربة واحدة آلافاً وعشرات الآلاف من إخوانه وأخواته، لا يحارب إلاّ قليلاً دفاعاً عن النفس وحفاظاً على الحياة، بل يحارب غالباً لأنه لا يستطيع إلاّ أن يحارب. وأغرب من ذلك أنه جعل القتل بالجملة فناً من الفنون وعلماً من العلوم ووضع له القواعد وفتح له المدارس. فأيهما -سألتكم
стр. 2717
بالله- أوحش: وحوش الغاب أم بعض بني الإنسان الذين يدّعون أنهم من المتمدنين؟ وأيهما أسلم عاقبة وأقلّ خطراً: صحبة البشر أم صحبة البقر والجمال والحمير والبغال؟
فدعوني أَجُبْ اليوم معكم في عالَم الوحوش والبهائم وفاء لبعضها ببعض ما قدّمَت إلينا؛ هذا الجمل لولاه ما استطاع العرب العيش في هذه الصحراء: فعليه ركوبهم، ومن شعره ووبره خيامهم، ومن لحمه ولبنه غذاؤهم، ومنه ومما يتصل به جاءت في العربية ألفاظ كثيرة اغتنى بها لسانهم، ولو أحصُيت هذه الألفاظ وشُرحت لجاءت منها رسالة جامعية ينال بها مؤلّفها أعلى الشهادات.
ولمّا ذهبت إلى كراتشي في مطلع رحلتي إلى المشرق التي سُقت لكم فيما مضى طرفاً منها رأيت سيد حيواناتها الجمل، لا الجمل الذي تعرفونه بل الجمل العظيم الذي هو أضخم من جمالنا جثة وأطول عنقاً وأعلى سناماً، والعرب كانوا يعرفونه ويسمّونه «السّنْديّ» ومنه ومن الجمل العربي يولد نوع من الجمال يُسمّى البُخْتِيّ» (وجمعه البُخْت، وفي الحديث: كأسنمة البُخت). والعجيب أنهم لا يضعون أحمالهم عليه بل يتخذونه للجرّ، يُعِدّون العربة التي تعدل في ضخامتها سيارة الشحن ويملؤونها ويربطون بها جملاً واحداً، فيجرّها من غير انزعاج.
وهو على ضخامته أسرع من جمالنا، وهم يتخذون له في ركبتيه جلاجل وأجراساً صغاراً، كلما خطا رنّت فاستطاب صوتَها. والجمل كما تعلمون (أو لا تعلمون، فلست أدري) حيوان موسيقي، لذلك يتخذون له مغنّياً خاصاً يصحب القوافل
стр. 2718
يغنّي له الأغنية المحبَّبة إليه، وذلك هو «الحُداء»، وللشعراء شعر كثير يذكرون فيه الحادي.
ورأيت في كراتشي حميراً صغاراً جداً، وهي قوية وسريعة، لا يجاوز حجمُ الواحد منها حجمَ الخروف الكبير ولكنه يجرّ عربة ويطير بها. ولقد قرأت وأنا صغير كتاباً مترجَماً عنوانه «خواطر حمار»، تَبيّن منه أن للحمار خواطر وأفكاراً. وقد ترجم بشار من قبل عن عواطف الحمار ووصف غرامه بأتان (أي حمارة): روى محمدبن الحجاج قال: جاءنا بشار يوماً، فقلنا: ما لك مغتمّاً؟ قال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: لم تركتَني؟ ألم أُحسِن إليك؟ فقال لي:
سيّدي خُذ بي أتاناً ... عند باب الأصفهاني
تيّمَتني يومَ رُحنا ... بثناياها الحِسانِ
وبغُنْجٍ ودَلالٍ ... سلَّ جسمي وبَراني
ولها خَدٌّ أسيلٌ ... مثلُ خدّ الشَّيْفراني
فلذا مِتُّ ولو عِشـ ... ـتُ إذن طالَ هواني (١)
قال: فسألناه: ما هو الشَّيْفراني؟ فقال: هذا من لغة الحمير، فإذا لقيتموهم فاسألوهم (٢).
стр. 2719
وكان عندنا جمعية أعضاؤها من كرام الناس وكبار الأدباء اسمها «جمعية الحمير»، ألّفوها للتسلية وللمزاح، كتبتُ عنها مقالة في الرسالة في أواخر الأربعينيات من هذا القرن الميلادي، وهي في كتابي «مقالات في كلمات» (١).
ومما يعجب له السائح في كراتشي وفي غيرها كثرة الغربان، فهي لا تزال تحوم حول البيوت وتنعب وتخطف ما تصل إليه من الطعام، وهي آلاف مؤلَّفة لا يُدرِكها العدّ، ولم أرَ بلداً أكثر غرباناً من كراتشي إلاّ كلكتا في الهند.
ولست أدري لماذا كان العرب يتشاءمون بصوت الغراب ويرونه دليل الفراق، ويزعمون أنهم يفهمون معنى هذه الأصوات ويسمّونه غراب البين، مع أن الحقّ في قول من قال:
ما فرّقَ الآلافَ بعدَ اللهِ إلاّ الإبِلُ
وما إذا صاحَ غرابٌ في الديارِ احتملوا
وما غرابُ البَينِ إلا ناقةٌ أو جَملُ
وعلى ذكر كَلكُتّا فإني لم أجد مدينة أشدّ كآبة منها. وهي قديمة كبيرة، كان فيها لمّا زرتها من إحدى وثلاثين سنة
стр. 2720
(سنة١٩٥٤) خمسة ملايين ونصف المليون من الناس، أي بمقدار ما كان يسكن يومئذ سوريا ولبنان والأردن معاً. ومن عجائبها أن الناس فيها يجرّون العربات الصغيرة (الركشات) بدل الحمير والبقر، والبقر تمشي في الطريق تختال عجباً لأنها مقدَّسة معبودة! وليس أمر بقرة أو اثنتين أو عشر أو عشرين، بل إنك تلقى كل خمسين متراً بقرة، تمشي كما تريد، تأكل فاكهة البياعين وزهور الحدائق فلا يطردونها بل يتبرّكون بها، وتقطع الشارع الهائل الذي تمرّ فيه كل دقيقة عشر سيارات فتقف السيارات كلها وتنقطع الحركة حتى تجوز البقرة، كأنها حمارة أبي سَيّارة عند العرب قديماً أيام الحج حين كانوا يقولون:
خلّوا الطريقَ لأبي سيّاره ... حتّى يُجيزَ آمناً حِمارَهْ
وربما خطر للبقرة أن تُطيل الوقوف في وسط الشارع، فتميل السيارات عن المكان الذي وقفت فيه وتذهب من طريق آخر! ولقد مررتُ مرة بالسينما الفخمة التي أقامتها في كلكتا شركة مترو الأمريكية، وهي تُزري من فخامتها بالقصور، فرأيت بقرة قد قعدت على الرخام الذي يلمع كالمرايا تحت شبّاك التذاكر، ثم تبرّزَت ونامت، فتركوا الشبّاك وفتحوا شبّاكاً آخر احتياطياً ولم يُزعِجها أحد!
ولقد دعتني محطة دهلي العظيمة لأذيع منها أحاديث عن مشاهداتي في الهند، كان منها حديث عن بقرة مشيت قريباً منها لأرى ما تصنع، وسجّلتُ حركاتها وسكناتها ولخّصت فلسفتها في الحياة. أتعجبون أن يكون للبقر فلسفة؟ إن كثيراً من الفلاسفة
стр. 2721
الكبار كانوا بقراً. سَجّلوا الحديث ودفعوا لي أعلى قدر من المكافآت التي تُعطى لمحدّث وودّعوني وشيّعوني إلى الباب، ثم لم يُذَع هذا الحديث!
وهم لا يحرّمون ذبح البقرة وحدها بل يحرّمون قتل كل ذي حياة، حتى لقد حدّثوني أن الإنكليز رأوا في الحرب العامّة الماضية كثرة الفئران وفتكها بمخازن القمح، فجعلوا لكل من يقتل فأراً ويأتي بذنَبه خمس آنّات (والآنّة كالهللة (أو الهلالة) هنا والفلس في العراق والملّيم في مصر). فهاجت العامّة وضجّت الصحف وكانت المظاهرات، حتى استجابت الحكومة وأبطلت القرار، وتركت الفئران تأكل من القمح ما تشاء.
ولمّا وصلتُ إلى «لَكْنَوْ»، ولوصولي إليها قصة لم أكتبها ولم أحدّث بها، تلك أننا أنا والشيخ أمجد الزهاوي ﵀ كلما جئنا بلداً وجدنا من يستقبلنا ممن يهتمّ بالقضية التي رحلنا من أجلها وللتعريف بها، وهي قضية فلسطين. فلما نزلنا من الطيّارة في لكنَوْ لم نجد في استقبالنا أحداً (١). ولكنو كانت محطّ رجائنا وموضع ثقتنا لأنها بلد أخينا وحبيبنا الأستاذ أبي الحسن النّدْوي، فما عرفنا أين نذهب، فسألت عن الأوتيل (وكلمة «أوتيل» تُفهَم في كل مكان) فعرفنا أن الشركة، شركة الطيران التي حملتنا
стр. 2722
من دهلي إلى لكنو، تنزل في فندق كبير في القسم الجديد من المدينة، وهو «حضرت كنج».
ولكنو ثلاثة أقسام: قسم قديم مسوَّر مُغلَق من كل جهة ما فيه إلاّ بابان متقابلان يصل بينهما شارع واحد، وقسم كبير فيه جلّ المدينة، والقسم الجديد الذي فيه الفندق. وكان يوماً مطيراً تهطل أمطاره كأفواه القِرَب، فأخذنا غرفتين في الفندق، وكان أكبر فنادق البلد، وحاولنا أن نهتف بالأستاذ الندوي فلم نجد إليه طريقاً. والشيخ أمجد ﵀ يضيق صدره ولكن ينطلق لسانه، فلا يسكت عن النقد وعن الإلحاح عليّ بأن أُخرِجه من هذه الورطة، فأخذت سيارة تحت المطر وجعلت أجول في الطرق لا أعرف أين أتجه، وكلما التفت إليّ السائق يسألني أشرت إليه بأن يمضي. والعداد، عدّاد التاكسي، يسجّل علينا، حتى مررت برجل تفرّست فيه فوقع في ظني أنه من جماعة أبي الحسن، فأخذنا إليه.
أعود إلى ما بدأت به في الكلام عن الحيوانات، وهو الموضوع الذي عقدت هذه الحلقة عليه. لمّا وصلنا إلى لكنو مدينة أبي الحسن قبل أن نلقاه قعدت في شرفة فندق كارلتون العظيم وطلبت شاي العصر، وهو عند الإنكليز من الفرائض، فسمعت جاري الإنكليزي يصيح، فنظرت فإذا القرد قد تغفّله وخطف قطعة الفَرَانيّ (الكاتو)! وإذا السطح كله قِرَدة تثب وتدخل البيوت وتخطف الطعام، وهي مثل القطط في بلادنا، والشجر المحيط بالفندق مملوء بالقردة تتسلّق أغصانَه وتقفز من غصن إلى آخر. ومنظرها من أمتع المناظر، منها الكبير ومنها الوسط، ومنها
стр. 2723
ما لا يزيد حجمه مهما بلغ من العمر عن حجم القطة الصغيرة. ولقد أردت أن أشتري واحداً منها فإذا هو غالي الثمن، وإذا الطيارة لا تُركِبه معي إلاّ بصعوبة بالغة وبعد فحوص طبية لا أقدر عليها لنفسي!
وابن القرد يتعلق ببطن أمه متمسكاً بخاصرتيها وهي تثب به الوثبة بعرض ستة أمتار أو سبعة، وهو يقلّد الناس تقليداً يُضحِك الأم الثكلى (كما كانوا يقولون). ولقد رأيت من قبل في حدائق الحيوان في مصر وغيرها من القردة، ولكن القرد المطلَق يفعل ما لا يفعله المحبوس في القفص.
ودخلت غرفتي في الفندق، وهو عادة ساكن هادئ من أجمل ما نزلنا فيه من الفنادق، فسمعت صوت رجل عجوز يتكلم الإنكليزية فيجيب طفل صغير ألثغ ينطق السين ثاء، ثم تعقّب عليهما فتاة بصوت فضّي له رنين، وتكون سكتة ثم يرجع صوت العجوز والطفل والفتاة بالكلام نفسه، وتَكرّر ذلك عشرين مرة، فعجبتُ وخرجت فلم أرَ أحداً، فعُدت إلى غرفتي فسمعت الأصوات ذاتها، فجعلت أفتّش فإذا الصوت من طائر أسود في قفص يشبه الشحرور تماماً، وإذا هو أفصح من الببغاء وأغلى منها ثمناً يقلّد الأصوات كلها، يسمّونه «اليمامة». ومن المصادفات التي قد لا يصدّق بعض القراء أنها وقعت أنه كان معي في تلك الساعة كتاب «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، وهو من الكتب التي أُولِعتُ بها من صغري وأعَدت قراءته أكثر من عشرين مرة، فوجدت فيه خبراً عن مثل هذا الطائر أُهديَ إلى الخليفة يقلّد الأصوات، وأطبقتُ الكتاب وخرجت من الغرفة وإذا بي أجده!
стр. 2724
والببغاوات في لكنو وفي أمثالها من مدن الهند الداخلية تطير حرّة كالعصافير، وأجمل منها الطواويس تختال في الشوارع الكبرى والحدائق العامّة مثلما تختال البقر (ولا مشابَهة!) ولا يعرض لها أحد.
ومن أخبار الحيوانات التي رأيتها أن الجواميس في الهند الجنوبية والملايا (ماليزيا) وأندونيسيا هي التي تجرّ مراكب الحمل، وهم يَخرمون آنافها ويضعون لها الأرْسان.
ورأيت في لكنو حيوانين لم يكونا يومئذ في حديقة القاهرة هما «البَبْر»، أي الأسد الهندي، وهو كما قالوا أخطر من الأسد الإفريقي. ورأيت الكَرْكَدَّن، أي وحيد القرن، وهو بحجم الجاموس العظيم ولكن رأسه أكبر من رأس الفيل على ذمّة ابن بطوطة، وله قرن واحد يبلغ طوله كما رأينا نحواً من نصف ذراع. وكان نائماً فطلبنا من خادم الحديقة أن يوقظه لنراه، فجعل يطعنه برمح له سنان حاد فلا يتحرّك، فخفنا أن يجرحه، فأفهمَنا الترجمان أن جلده لا تؤثّر فيه الأسنّة. والغريب أنه يعيش على أكل الحشيش، فلما قطع له الخادم أوراقاً من الشجرة وألقاها قريباً من أنفه وشمّ رائحتها قام متثاقلاً فأكلها، ثم ألقى نظرة علينا من طرف عيونه الصغار جداً، فظهر لنا أننا لم نُعجِبه ولم يرَ فينا ما يستحقّ النظر، فقلب شفته احتقاراً وحرّك قرنه (أو هذا ما خُيّل إلينا) ورجع فنام.
وأخبث حيوان رأيته هو أني نزلت في دهلي في نُزُل كبير للحكومة يشبه الفندق فيه نحو ستمئة غرفة اسمه «كونْستِتْيوشِنْ هاوْس». وكنت قد فصّلت في كلكتا قميصاً جديداً ألبسه بدل
стр. 2725
الرداء (الجاكيت) لأن الحرّ لا يدعك تُطيق الجاكيت، فعلّقته على كرسي، ورجعت بعد أن غبت ساعتين عن الغرفة فإذا هو مثقَّب ثقوباً منتظمة كالدوائر. ولم أدرِ ما الذي فعل به ذلك حتى دلّوني على حشرة أصغر من الذبابة تقرض الثياب فتُفسِدها، فضاع مني القميص، ولكني جئت أنشر هجاءها الآن على طريقة من قال: «أوسعته شتماً وأودى بالإبل». وقال هذا أحد الحمقى، ولكنه ينطبق مع الأسف علينا أو على أكثرنا -معشرَ العرب أو المسلمين- في هذه الأيام.
ومن أعجب مشاهد الحيوان التي شهدتُها أن حاوياً (أي مربّي الحيّات) دخل علينا فندق «سي فيس هوتيل» (أي فندق جبهة البحر) في بومباي وعرض علينا بعشرين روبية مشهد معركة بين الكوبرا (وهي أخطر أنواع الحيّات بالدنيا، ليست بالطويلة ولكن رأسها بعرض الكف) وبين حيوان نسيت اسمه الآن (١). نفخ في نايه، حتى إذا استغرق في أنغامه أخرج الحيّة من كيسها فانتصبت قائمة تدور حوله مع النغم، وأخرج حيواناً صغيراً جميلاً جداً ليس له ظفر ولا ناب وهو يشبه السنجاب، فلما رأته ورآها هجمت عليه وهجم عليها، ومات الاثنان في لحظة واحدة. فسألت: ما الحكاية؟ قال: إنهما عدوّان، يلتقط رأسها بفمه الكبير ويطبق عليها فتختنق، وتلدغه قبل أن تختنق فيموت الاثنان معاً. وقالوا إنه لولا هذا الحيوان لفتكت الكوبرا بأهل الهند.
стр. 2726
وقد أودع الله في كل حيوان قوة يدافع بها عن نفسه، من مخلب أو ناب، أو قرن ينطح كقرن الثور، أو خرطوم يرفع ويخبط كخرطوم الفيل، أو سم كسم الحية، أو شوك كشوك القنفذ، أو درع كدرع السلحفاة، أو مكر كمكر الثعلب، أو سرعة كسرعة الغزال ... ومن أعجب أسلحة الحيوان أن الحُبارى تقاتل بزَرْقها، فإذا رأت حيواناً زَرَقت عليه (أي بالت عليه) فيخرج زَرْقُها حامياً منتناً منطلقاً كالرصاصة فيقتل، ولذلك قالت العرب: «سِلاحها سُلاحها». أما هذا الحيوان الوديع الأليف البديع الظريف فسلاحه شجاعته، فهو يلتقم فمَ الحية فيقتلها، ولكن هذه الشجاعة تقتله.
الحديث عن الحيوان طويل، فأكتفي منه بهذا الذي قيل.
* * *
стр. 2727
-٢١١ -
كتاب جديد
أثار في نفسي ذكريات قديمة
كنت أسكن في دمشق بحيّ المهاجرين، وهو قائم على جبل قاسيون شوارعُه تعترض الجبلَ صاعدةً فيه، والبيوتُ مصفوفة فيها صفَّ الكراسي في مُدرَّج المسرح. وكانت لدارنا حديقة واسعة تلعب فيها الصغيرات من بناتي، فإذا كان الليل وأظلم الكون خافت إحداهنّ من الخروج إليها. فأخذتها مرة وأخذت معي كشّافاً كهربائياً صغيراً، واخترقت بها حُجُبَ الظلام وهي متهيّبة خائفة تتمسّك بي، حتى إذا توسطتُ الحديقة أضأت الكشّاف وقلت لها: انظري، ما الذي تخشينه؟ هذه هي الشجرة التي كنتِ ترينها في النهار وتلعبين من حولها، وهذه هي البِركة الصغيرة، وهذا حوض الورد، ما تبدّل في الحديقة شيء.
فلما رأت كل ما فيها على حاله لم تعُد تخشاها أو تجزع من الخروج إليها.
وكثيرٌ مما نخافه في هذه الحياة وكثير من الموضوعات التي تتحاماها الأقلام وتبتعد عنها الصحف مثلُ هذه الحديقة،
стр. 2728
لاتحتاج إلاّ إلى عود كبريت أو إلى مصباح كشّاف يُظهِرها لأعيننا فنرى أنه ليس فيها ما نخشاه، ولكن الظلام الذي كان يلفّها وخيالَنا الذي كان ينطلق وسط هذا الظلام هو الذي يملأ نفوسنا بالمخاوف والأوهام.
ومن ذلك كتاب صدر في الشام في هذه الأيام يعرض لواحد من هذه الموضوعات، لرجل كان من رجال القضاء، انقطع إلى النيابة العامة فبلغ أعلى مرتبة فيها، فكان يوماً النائبَ العامّ لدى محكمة النقض ثم لدى المحكمة الدستورية العليا، ثم صار الأمين العامّ لمجلس الوزراء ثم لديوان رياسة الجمهورية. وما عرفناه من قبلُ من أهل التصنيف والتأليف ولا من أرباب الأقلام وأصحاب البيان، ولا أعرف عنه أنه من العلماء أو من أرباب الفكر، كما أنه لم تُعرف عنه نقيصة ظاهرة ولا عيب معروف، ولا ساءت قالةُ الناس في خُلقه ولا في أمانته. فهو -كما يقول الفقهاء- رجل مستور، أي أنه كالنسخة الجيدة من الكتاب المطبوع، ما فيها عيب يُعاب، ولا تنفرد بمزيّة عن أمثالها كما تنفرد النسخة المخطوطة النادرة التي يُغليها فَقد أمثالها أو قلّتها، لذلك تُشترى بالثمن الغالي ولو كان فيها خرم أو فيها نقص أو أصاب جوانبَ صفحاتها الماءُ.
فكيف إذن بلغ هذا المنصب العالي وهو موظف عادي كسائر الموظفين؟ وكيف تبوّأ سامي المراتب وعالي الدرجات؟ ذلك لأنه جاء في عهد الانتداب أيام الفرنسيين، وهو نصراني، والفرنسيون لا يُعطون مسلماً شيئاً إن وجدوا مَن يصلح له ممن هو على دينهم وملّتهم. ثم إذا همسنا بشكوى أو نطقنا بها قالوا: إنكم تفرّقون بين أبناء الوطن الواحد وتبعثونها عصبية دينية!
стр. 2729
وجاء مؤلف هذا الكتاب يردّد النغمة المملولة ويعيد هذه الحُجّة الواهية، مع أن كتابه كله دعاية للنصرانية وأهلها، فلا يبصر في تاريخنا غيرهم. ومن نظر في عناوين كتابه رأى صدق هذا الذي قلت، فهذا فصل عن العرب النصارى في الدول العربية، وفصل فيه عهد عمر إلى بطريرك القدس، هذا العهد الذي نقضوه وخالفوه وطالبوا بما لهم فيه ونسوا ما عليهم. وكل عهد في الدنيا فيه واجبات وفيه حقوق، فهم يهملون الواجب عليهم في العهود كلها ويطالبون بأكثر من الحقّ الذي هو لهم فيها! وفصل عنوانه «مواقف مشرّفة» ذكر فيه منقبة صغيرة لقائد عربي قال إنه من النصارى، وأهمل مئات المناقب الكبار لقادة المسلمين. وتكلم في فصول أخرى عن رجال ما فيهم أحد من غير النصارى، كالبطريرك غريغوريوس حداد وإلياس الرابع وأمثالهما، وأهمل ذكر غيرهم ممن كانوا أجلّ منهم قدراً وأبقى ذكراً من رجال المسلمين. وتكلّم في فصول أخرى عن يوسف الحكيم وسليم جنبرت وحدهما لأنهما نصرانيان.
أفليست هذه هي الفرقة التي يقول إنه ينكرها ويأباها ويعلم أن الحقّ في سواها؟ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وذكر معهما جُول جمّال، هذا الذي سُخّرت وسائل الإعلام كلها في مصر والشام لتعظيم ما عمل وصبّ الثناء على رأسه على هذا العمل، ولم يدّخروا في تعظيمه صورة ولا إليه طريقاً إلاّ أثبتوا الصورة وكبّروها وعبّدوا الطريق وسلكوها، فسُمّيت باسمه المدارس وأُدخلت قصته في مناهج الدراسة قبل أن يتحقق أحد منها أو يتثبّت من صحّتها.
стр. 2730
وأرادت الدولة على عهد الرئيس شكري بك أن تُقيم له حفلة تأبين رسمية، فاختاروا أكبر رؤساء الدين عند النصارى ليتكلم فيه باسم النصارى واختاروني أنا لأتكلم عن المسلمين. فأبَيتُ، وبعث إليّ الرئيس بأخينا الدكتور سعيد فتّاح الإمام، وهو رجل معروف، يبلغني الأمر، فلم أستجِب. فهتف بي الرئيس (أي كلّمني بالهاتف) فقلت له: ياسيدي، أنت اليوم رئيسنا في الحكم وكنتَ من قبل زعيمنا في النضال، نأتمر بأمرك ونمشي أنا وطلاّب البلد الذين كنت أقودهم وراءك، لا نعصي لك أمراً، ولكني أستعفيك اليوم من هذا المقام. قال: وما السبب؟ قلت: ياسيدي، أنت شاركت في الثورة السورية الكبرى بنفسك ومالك، ورأيت ما صنعنا من البطولات، وعرفت كم بذلنا من الشهداء وكم أرقنا من الدماء، فلماذا نسيتموهم جميعاً وأفردتم هذا الشابّ بهذا التكريم؟ ألأنه نصراني وهم مسلمون؟
ولم أذهب، وذهب صديقنا ﵀ الأستاذ محمد المبارك فتكلّم في الحفلة بما فتح الله به عليه.
* * *
الكتاب اسمه «الدولة والقومية العربية والدين والوحدة». وليس هذا اسماً مألوفاً لكتاب، ولكنه قائمةٌ تُعدّد موضوعات الكتاب! والغريب أنه لا يقصد بالدين دينه هو وهو نصراني ولكن ديننا نحن المسلمين، وهو يتكلم في الصفحة ١٢٤ تحت عنوان: «الزاوية الإسلامية» في العقيدة فيفسّر آيات من القرآن، مثاله فيها مثال مسلم كتب في عقيدة البوذيّين مثلاً وذهب يشرح كتابهم
стр. 2731
الذي يقدّسونه، وما أنزله الذي أنزل القرآن، ويأتي بشيء لا يعرفه أحبارهم ولا رهبانهم، ولو سمعوا به لأنكروه وردّوه على قائله، بل لأدّبوه، لأنه يدخل فيما ليس من شأنه ويتكلم بما لم يُحِط به علمه ولم يبلغه فهمه.
وللطب حُماته والذائدون عنه، فإن انتحل صفةَ الطبيب مَن ليس من أهله ففتح عيادة أو كتب وصفة لاحقوه قضائياً فعاقبوه، وكذلك من ادّعى أنه مهندس وما هو بمهندس فرسم خريطة حاكموه وجازوه. فما لنا نرى بابين مفتوحَين لا حارس عليهما ولا بوّاب، يدخلهما مَن شاء، وهما أخطر من الطبّ ومن الهندسة، هما الدين والسياسة؟ فمن أراد تكلم في الدين ولو خالف الأئمّة من الأولين والآخرين، أو أفتى ولو جاء بما لم يقُل به أحد من المفتين، حتى وصل الأمر إلى الخواجة حنّا مالك مؤلف هذا الكتاب، فصار يفسّر القرآن الذي لا يؤمن هو بأنه من عند الله، وليس عنده من العلم بالعربية وعلومها ولا من معرفة دقائقها وأسلوب أهلها ما يجعله أهلاً للتصدّي لتفسير القرآن، وهو لا يُقيم لسانه ببيت شعر ينقله في هذا الكتاب ولا يتنبّه إلى خلل فيه حين أبدل كلمة بكلمة فاختلّ الوزن وضاع المعنى، بل هو يروي نشيداً كان مشهوراً على أيامنا يهتف به الطلاّب في مدارسهم، فيأتي به على غير وجهه.
فما للدين لا يجد من يحميه؟ لقد كانوا يقولون قديماً:
لقدْ هزَلَتْ حتّى بدا من هُزالِها ... سَلاها وحتّى سامَها كلُّ مُفلِسِ
فماذا نقول وقد زاد بها الهُزال حتى لم يبقَ منها إلاّ العظام،
стр. 2732
وحتى أقدمَت عليها السباع والضباع والهوام؟!
إن المؤلّف يسرد ترجمة لنفسه في أول كتابه كتبها بقلمه، فلم يجد من مؤهّلاته العلمية إلاّ أنه نال إجازة (أي ليسانس) الحقوق من كلية دمشق سنة ١٩٢٤، قبلي أنا بتسع سنين، وأنه احتلّ مناصب عدّدها ونال أوسمة سردها، وكل ذلك لا ثقل له في ميزان العلم. فإذا سرد مؤلَّفاته لم يذكر إلاّ هذا الكتاب الذي هو لمامة من المراجع القريبة والمجلات الدورية، اعتمد فيه على غير المسلمين أو على مسلمين كانوا أجهل بالإسلام وشراً عليه ممن يقول إنه من غير المسلمين. ومذكرات قال إنها جاهزة للطبع، أي أنها لا تزال في بطن أمها لا يدري أحد متى يكون مولدها وهل تكون ذكراً أم أنثى سوية أو مشوَّهة؟ وإن كنا لا نرجو لها إلاّ التمام والكمال. ومما أثبت فيه أدبه وعلمه أن له سبع مقالات، سبعاً فقط خلال ثلاثين سنة من سنة ١٩٢٤ إلى سنة ١٩٥٤.
* * *
وأنا من يوم أدركت ما حولي أرى النصارى في بلدي يعيشون كما يعيش المسلمون، لهم من الثمرات والخيرات مثل ما لنا، بل ليس لنا في الحقيقة مثل الذي لهم منها! ما ظلمنا يوماً واحداً منهم، وإن ذكرنا النابغين منا ذكرنا نابغيهم، وإن كانت مناصب أحللناهم في أرفعها وأعلاها، حتى إن مدير مدرستنا الابتدائية التي كنت أدرُس فيها في أوائل العشرينيات (لا العشرينات) من هذا القرن في حيّ المهاجرين، وهو حيّ إسلامي وبابُ المدرسة يقابل بابَ المسجد وتطل مئذنته عليها ويُسمَع أذانه فيها، كان
стр. 2733
مديرها نصرانياً وكان له زملاء من النصارى وكنا نبرّهم ونقسط إليهم. بل إن أستاذنا فارس الخوري ولّيناه رياسة مجلسنا النيابي ورياسة حكومتنا، ولم نأبَ ذلك عليه لأنه لم يكن على ديننا. ولا أقول إن ذلك جائز أو مشروع ولا أفتي بمثله ولكن أقرّر ما كان، وإن كان الأستاذ فارس الخوري قد مات -كما شهد من كان يصحبه وكما دلّت عليه القرائن كلها- مات مسلماً.
وجدت في هذا الكتاب سؤالاً لو ألقيناه نحن المسلمين لقاموا علينا وقالوا إننا نفرّق الجميع ونصدّع بناء الأمة الواحدة، ولكن قائله نصراني وذنب النصارى مغفور! كنا إذا تكلمنا في موضوع المسلمين والنصارى ولو في دفع تهمة عنا أو ردّ بهتان علينا أو شكوى من ظلم نالنا قالوا لنا: إنكم تفرّقون الجمع وتمزّقون وحدة الأمة وتُعطون المستعمر سلاحاً يحاربنا به. مع أننا عشنا نحن المسلمين مع النصارى واليهود قروناً طِوالاً ما شكوا يوماً من ظلم وقع عليهم منا أو حقّ لهم سُلب منهم بأيدينا أو بسببنا، بل إننا كنا نخالف في بعض العهود ديننا فنحكّمهم في رقاب المسلمين ونجعل لهم سبيلاً عليهم، وذلك محرَّم في ديننا.
حتى دخلَت أصابع الطامعين فينا الذين كنا نسمّيهم المستعمرين، وما هم إلاّ المخرّبين أو المستخربين (كما نسمّي المكفّرين بالمبشرين!) فصدّعَت هذه الأصابع وحدتنا. وجاء -من بعد- مَن يوقد نار الفتنة وهي مُطفأة ويوقظها وهي نائمة كمؤلّف هذا الكتاب (وأنا أعرفه حقّ المعرفة، وكان يوماً من الرؤساء في القضاء) فكتب كتابه هذا الذي حاول أن يجعل فيه النصارى أمة قائمة برأسها منبتّة عنا مباينة لنا، حتى إنه عقد فصلاً عنوانه «الملّة الأرثوذوكسية».
стр. 2734
وإذا كانت مهنة الإنسان يَظهر أثرُها فيما يقول وفيما يكتب، وكان الأستاذ حنا مالك مؤلّف هذا الكتاب عاش حياته كلها في النيابة العامة حتى بلغ أعلى درجاتها، فإن كتابه مرافعة طويلة ولكن في قضية باطلة! والكتاب ينفع من يقرؤه من النصارى، وإذا كان يدعو ظاهراً إلى نبذ الفرقة فهو يعمل على تثبيتها، وهو يذكّرنا بأن النصراني -وإن عاش حياته كلها مع المسلمين، يخالطهم ويداخلهم ويجد المودّة والعطف والإكرام منهم، حتى يغرّهم منه لطفه ولينه فيخلطوه بأنفسهم ويعطوه من المناصب والمراتب والمزايا ما لا يعطونه لإخوتهم وأبنائهم- فإن ذلك كله لا يجعله (كما يبدو من كتابته لا مما أدّعيه أنا عليه) لا يجعله واحداً منا.
نحن قد نُبدي التعصّب ولكنا متسامحون، وغيرنا ممن يعيش بيننا يُظهِر التسامح وهو متعصب. ونحن في العادة نهرب من إثارة هذه الموضوعات، نُغمِض أعينَنا عنها وهي عن أيماننا وعن شمائلنا وهي ماثلة بين أيدينا، فهل نصير كالنعامة التي كذبوا عليها فزعموا أنها تدفن رأسها في الرمل، تظنّ أنها إن لم ترَ عدوّها فإنه لا يراها؟ وهي لا تفعل ذلك ولكنها فرية افتروها عليها، وهي لا تملك لساناً تردّ به عن نفسها، أما أنا فإني أملك بحمد الله لساني وقلمي.
لقد جاء في هذا الكتاب سؤال وضعه عنواناً كبيراً لفصل طويل هو: «هل النصارى كفار؟». إنه عنوان يُخيف كل راغب في وحدة الصفّ محبّ لدوام الألفة خائف من التصدّع والانقسام، لذلك نبتعد عنه. ولقد أُلقيَ عليّ هذا السؤال من قبلُ في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ ومن كبار رجال
стр. 2735
الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء، وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية. ألقي عليّ وأجبت عنه.
ذلك أنه كان من عادة رؤساء الجمهورية في دمشق أنهم يَدْعون القضاة والعلماء ومَن يسمّونهم برجال الدين إلى مائدة الإفطار في رمضان. وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسين هاشم بك الأتاسي وشكري بك القوّتلي رحمة الله عليهما، فجمع أحدُهما بيننا نحن قضاة الشرع والمشايخ ورجال الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يُتحدّث به في أمثال تلك المجالس، أحاديث تمسّ المشكلات ولا تخترقها وتَطيف بها ولا تداخلها، ففاجأَنا مرة واحدٌ من كبارهم يعتب علينا أننا ندعوهم كفاراً.
فجزع الحاضرون ووجموا وعرَت المجلسَ سكتةٌ مفاجئة، فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى أنا الجواب؟ وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ قال: نعم. قلت: ومَن هم الذين تدعوهم مؤمنين به؟ أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى. قلت: وماذا تسمّي من لا يعتقد بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت. قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أُسُس الدين وأصول العقائد، وكذلك نحن، فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد وأن القرآن أنزله الله عليه وآخر لا يؤمن بذلك فنسمّيه كافراً، فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا طبعاً. قلت: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمن بما لدى النصارى أو كافر به؟ فسكت وسكتوا. قلت: أنا أسألك، فإن لم تُجِب أجبتُ عنك. أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن