← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الذي يقدّسونه، وما أنزله الذي أنزل القرآن، ويأتي بشيء لا يعرفه أحبارهم ولا رهبانهم، ولو سمعوا به لأنكروه وردّوه على قائله، بل لأدّبوه، لأنه يدخل فيما ليس من شأنه ويتكلم بما لم يُحِط به علمه ولم يبلغه فهمه. وللطب حُماته والذائدون عنه، فإن انتحل صفةَ الطبيب مَن ليس من أهله ففتح عيادة أو كتب وصفة لاحقوه قضائياً فعاقبوه، وكذلك من ادّعى أنه مهندس وما هو بمهندس فرسم خريطة حاكموه وجازوه. فما لنا نرى بابين مفتوحَين لا حارس عليهما ولا بوّاب، يدخلهما مَن شاء، وهما أخطر من الطبّ ومن الهندسة، هما الدين والسياسة؟ فمن أراد تكلم في الدين ولو خالف الأئمّة من الأولين والآخرين، أو أفتى ولو جاء بما لم يقُل به أحد من المفتين، حتى وصل الأمر إلى الخواجة حنّا مالك مؤلف هذا الكتاب، فصار يفسّر القرآن الذي لا يؤمن هو بأنه من عند الله، وليس عنده من العلم بالعربية وعلومها ولا من معرفة دقائقها وأسلوب أهلها ما يجعله أهلاً للتصدّي لتفسير القرآن، وهو لا يُقيم لسانه ببيت شعر ينقله في هذا الكتاب ولا يتنبّه إلى خلل فيه حين أبدل كلمة بكلمة فاختلّ الوزن وضاع المعنى، بل هو يروي نشيداً كان مشهوراً على أيامنا يهتف به الطلاّب في مدارسهم، فيأتي به على غير وجهه. فما للدين لا يجد من يحميه؟ لقد كانوا يقولون قديماً: لقدْ هزَلَتْ حتّى بدا من هُزالِها ... سَلاها وحتّى سامَها كلُّ مُفلِسِ فماذا نقول وقد زاد بها الهُزال حتى لم يبقَ منها إلاّ العظام،

стр. 2732

وحتى أقدمَت عليها السباع والضباع والهوام؟! إن المؤلّف يسرد ترجمة لنفسه في أول كتابه كتبها بقلمه، فلم يجد من مؤهّلاته العلمية إلاّ أنه نال إجازة (أي ليسانس) الحقوق من كلية دمشق سنة ١٩٢٤، قبلي أنا بتسع سنين، وأنه احتلّ مناصب عدّدها ونال أوسمة سردها، وكل ذلك لا ثقل له في ميزان العلم. فإذا سرد مؤلَّفاته لم يذكر إلاّ هذا الكتاب الذي هو لمامة من المراجع القريبة والمجلات الدورية، اعتمد فيه على غير المسلمين أو على مسلمين كانوا أجهل بالإسلام وشراً عليه ممن يقول إنه من غير المسلمين. ومذكرات قال إنها جاهزة للطبع، أي أنها لا تزال في بطن أمها لا يدري أحد متى يكون مولدها وهل تكون ذكراً أم أنثى سوية أو مشوَّهة؟ وإن كنا لا نرجو لها إلاّ التمام والكمال. ومما أثبت فيه أدبه وعلمه أن له سبع مقالات، سبعاً فقط خلال ثلاثين سنة من سنة ١٩٢٤ إلى سنة ١٩٥٤. * * * وأنا من يوم أدركت ما حولي أرى النصارى في بلدي يعيشون كما يعيش المسلمون، لهم من الثمرات والخيرات مثل ما لنا، بل ليس لنا في الحقيقة مثل الذي لهم منها! ما ظلمنا يوماً واحداً منهم، وإن ذكرنا النابغين منا ذكرنا نابغيهم، وإن كانت مناصب أحللناهم في أرفعها وأعلاها، حتى إن مدير مدرستنا الابتدائية التي كنت أدرُس فيها في أوائل العشرينيات (لا العشرينات) من هذا القرن في حيّ المهاجرين، وهو حيّ إسلامي وبابُ المدرسة يقابل بابَ المسجد وتطل مئذنته عليها ويُسمَع أذانه فيها، كان

стр. 2733

مديرها نصرانياً وكان له زملاء من النصارى وكنا نبرّهم ونقسط إليهم. بل إن أستاذنا فارس الخوري ولّيناه رياسة مجلسنا النيابي ورياسة حكومتنا، ولم نأبَ ذلك عليه لأنه لم يكن على ديننا. ولا أقول إن ذلك جائز أو مشروع ولا أفتي بمثله ولكن أقرّر ما كان، وإن كان الأستاذ فارس الخوري قد مات -كما شهد من كان يصحبه وكما دلّت عليه القرائن كلها- مات مسلماً. وجدت في هذا الكتاب سؤالاً لو ألقيناه نحن المسلمين لقاموا علينا وقالوا إننا نفرّق الجميع ونصدّع بناء الأمة الواحدة، ولكن قائله نصراني وذنب النصارى مغفور! كنا إذا تكلمنا في موضوع المسلمين والنصارى ولو في دفع تهمة عنا أو ردّ بهتان علينا أو شكوى من ظلم نالنا قالوا لنا: إنكم تفرّقون الجمع وتمزّقون وحدة الأمة وتُعطون المستعمر سلاحاً يحاربنا به. مع أننا عشنا نحن المسلمين مع النصارى واليهود قروناً طِوالاً ما شكوا يوماً من ظلم وقع عليهم منا أو حقّ لهم سُلب منهم بأيدينا أو بسببنا، بل إننا كنا نخالف في بعض العهود ديننا فنحكّمهم في رقاب المسلمين ونجعل لهم سبيلاً عليهم، وذلك محرَّم في ديننا. حتى دخلَت أصابع الطامعين فينا الذين كنا نسمّيهم المستعمرين، وما هم إلاّ المخرّبين أو المستخربين (كما نسمّي المكفّرين بالمبشرين!) فصدّعَت هذه الأصابع وحدتنا. وجاء -من بعد- مَن يوقد نار الفتنة وهي مُطفأة ويوقظها وهي نائمة كمؤلّف هذا الكتاب (وأنا أعرفه حقّ المعرفة، وكان يوماً من الرؤساء في القضاء) فكتب كتابه هذا الذي حاول أن يجعل فيه النصارى أمة قائمة برأسها منبتّة عنا مباينة لنا، حتى إنه عقد فصلاً عنوانه «الملّة الأرثوذوكسية».

стр. 2734

وإذا كانت مهنة الإنسان يَظهر أثرُها فيما يقول وفيما يكتب، وكان الأستاذ حنا مالك مؤلّف هذا الكتاب عاش حياته كلها في النيابة العامة حتى بلغ أعلى درجاتها، فإن كتابه مرافعة طويلة ولكن في قضية باطلة! والكتاب ينفع من يقرؤه من النصارى، وإذا كان يدعو ظاهراً إلى نبذ الفرقة فهو يعمل على تثبيتها، وهو يذكّرنا بأن النصراني -وإن عاش حياته كلها مع المسلمين، يخالطهم ويداخلهم ويجد المودّة والعطف والإكرام منهم، حتى يغرّهم منه لطفه ولينه فيخلطوه بأنفسهم ويعطوه من المناصب والمراتب والمزايا ما لا يعطونه لإخوتهم وأبنائهم- فإن ذلك كله لا يجعله (كما يبدو من كتابته لا مما أدّعيه أنا عليه) لا يجعله واحداً منا. نحن قد نُبدي التعصّب ولكنا متسامحون، وغيرنا ممن يعيش بيننا يُظهِر التسامح وهو متعصب. ونحن في العادة نهرب من إثارة هذه الموضوعات، نُغمِض أعينَنا عنها وهي عن أيماننا وعن شمائلنا وهي ماثلة بين أيدينا، فهل نصير كالنعامة التي كذبوا عليها فزعموا أنها تدفن رأسها في الرمل، تظنّ أنها إن لم ترَ عدوّها فإنه لا يراها؟ وهي لا تفعل ذلك ولكنها فرية افتروها عليها، وهي لا تملك لساناً تردّ به عن نفسها، أما أنا فإني أملك بحمد الله لساني وقلمي. لقد جاء في هذا الكتاب سؤال وضعه عنواناً كبيراً لفصل طويل هو: «هل النصارى كفار؟». إنه عنوان يُخيف كل راغب في وحدة الصفّ محبّ لدوام الألفة خائف من التصدّع والانقسام، لذلك نبتعد عنه. ولقد أُلقيَ عليّ هذا السؤال من قبلُ في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ ومن كبار رجال

стр. 2735

الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء، وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية. ألقي عليّ وأجبت عنه. ذلك أنه كان من عادة رؤساء الجمهورية في دمشق أنهم يَدْعون القضاة والعلماء ومَن يسمّونهم برجال الدين إلى مائدة الإفطار في رمضان. وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسين هاشم بك الأتاسي وشكري بك القوّتلي رحمة الله عليهما، فجمع أحدُهما بيننا نحن قضاة الشرع والمشايخ ورجال الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يُتحدّث به في أمثال تلك المجالس، أحاديث تمسّ المشكلات ولا تخترقها وتَطيف بها ولا تداخلها، ففاجأَنا مرة واحدٌ من كبارهم يعتب علينا أننا ندعوهم كفاراً. فجزع الحاضرون ووجموا وعرَت المجلسَ سكتةٌ مفاجئة، فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى أنا الجواب؟ وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ قال: نعم. قلت: ومَن هم الذين تدعوهم مؤمنين به؟ أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى. قلت: وماذا تسمّي من لا يعتقد بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت. قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أُسُس الدين وأصول العقائد، وكذلك نحن، فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد وأن القرآن أنزله الله عليه وآخر لا يؤمن بذلك فنسمّيه كافراً، فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا طبعاً. قلت: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمن بما لدى النصارى أو كافر به؟ فسكت وسكتوا. قلت: أنا أسألك، فإن لم تُجِب أجبتُ عنك. أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن

стр. 2736

الله ولابأنهم ثلاثة الأب والابن والروح القدس والثلاثة واحد ولا بمسألة الفداء، ولا بأمثال ذلك مما هو من أصول عقائد النصارى. وأنت عندي كافر لأنك تقول بها، فلماذا تُنكِر عليّ ما تراه حقاً لك؟ إن ديننا ظاهر مُعلَن ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار، والقرآن يُتلى في كل إذاعة في الدنيا (حتى إنني سمعته مرة من إذاعة إسرائيل) والقرآن يقول: ﴿لقَدْ كفَرَ الذينَ قالوا إنّ اللهَ هُوَ المَسيحُ﴾ ويقول في الآية الثانية: ﴿لقَدْ كفَرَ الذينَ قالُوا إنّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ﴾؛ فالكفر والإيمان إذن مسألة نسبية، ما تسمّيه أنت كفراً أسمّيه أنا إيماناً، وما أسمّيه أنا كفراً تسمّيه أنت إيماناً، واللهُ هو الذي يفصل بيننا يوم القيامة. فسكتوا. * * * تقولون: لماذا أتكلم أنا عن هذا الكتاب في هذه الذكريات؟ والجواب: لأن هذا الكتاب ردّني إلى ما كنت قطعته من ذكرياتي في القضاء وجعلني أعود إليها ابتداءً من الحلقة الآتية إن شاء الله، والثاني أن لكل متّهَم أن يدافع عن نفسه، وأنا لم يتهمني وكيل النيابة الذي هو أصغر أعضائها بل اتهمني أكبر رئيس فيها، ولم تُعلَن التهمة بين جدران المحكمة الأربعة بل أُعلنت في هذا الكتاب، فقد قال (وأنا أنقل نصّ ما قاله عني لأدافع عن نفسي، ولاحظوا أنني أنقل كلامه بألفاظه وحروفه). قال: صرح مرة شخص سوري مسلم كان يحتلّ مركزاً رفيعاً بقوله إنه كمسلم يفضّل أحقر شخصية إسلامية باكستانية أو أندونيسية على أعلم وأرفع رجل عربي غير مسلم كرجل الدولة

стр. 2737

العلاّمة فارس بك الخوري، وكان ﵀ وقتئذ رئيساً لمجلس النواب السوري. ملاحظة: أنا لم أقُل هذا الكلام كما رواه، ولكن قلت إن آخر مسلم في الهند أو الباكستان أقرب إليّ من فارس الخوري (١). ولم أقُل «أحقر شخصية إسلامية» فلا تجتمع الحقارة والإسلام في نفس واحدة لأن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. ولمّا نُشر هذا الكلام لقيت الأستاذ فارس بك نفسَه، فظننته غضبان وحاولت أن أكلمه، فقال لي بالحرف الواحد: ولماذا أغضب وقد جعلتَني أقرب النصارى إليكم؟ أعود إلى كلام الأستاذ حنا (٢) مالك، يقول: فهل مثل هذا الاعتقاد يتفق وفكرة المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد وفي ظل دستور واحد؟ بل هل يتفق مع جوهر الدين وفلسفته ومع مفهوم القومية العربية؟ ثم قال: تصريح آخر للمواطن السوري المنعوت عنه أعلاه (يقصدني أنا): وبعد مضي ثلاثين سنة ونيف على تصريح هذا المواطن العربي الكريم يعود وينشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر في ٢٨/ ١٢/٨٢ مقالاً طويلاً بعنوان «أحد عباقرة العرب في هذا العصر» ويقصد به دولة المرحوم فارس بك الخوري، ويعدّد الكثير الكثير من صفاته المتميزة وشخصيته المثالية وعلمه الواسع الجامع وعقله الكبير

стр. 2738

الراجح، ومع هذه العبقرية الفذّة والصفات المتميزة المتوفرة في شخص المرحوم دولة فارس بك الخوري فإن صاحب المقال يستهلّه بالقول: ولكن آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه! ويقول لمن لامه لقسوته فيما مضى: يريدون أن نجعل الكافرين كالمسلمين وأن ندعو بدعوة الجاهلين وندع كلام ربّ العالمين «إنما المؤمنون إخوة»، فننكر أخوّة الإيمان ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان؟ كلاّ ولا غرابة، قلتها في أول حياتي وأقولها الآن. انتهى ما نقلته من كلامه. وأنا لم أقل «ولا غرابة» بل قلت «ولا كرامة»، ولكن الأستاذ حنا مالك لا يستطيع أن يميز بين اللفظين! * * * إنني أقول الآن وأنا في الثمانين من عمري ما قلته ونشرته في مطلع شبابي: إن آخر مسلم في الدنيا أقربُ إليّ من فارس الخوري ومن غير فارس الخوري. ومَن لا يقول هذا القول لا يكون مسلماً لأن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب ومن رابطة اللسان، والله يقول لنوح عن ولده لمّا وعده الله بأن ينجّي أهله، فقال: ربِّ إن ابني من أهلي، فصحّح له ربّ العالَمين مقاييس القرابة وبيّن له أن رابطة الإيمان أقوى من رابطة الأبوة فقال: ﴿إنّهُ ليسَ مِنْ أهلِكَ، إنّهُ عَمَلٌ غَيرُ صالحٍ﴾. فأنا إذن لا أهاجم أحداً ولكن أدافع عن نفسي، فإذا كنتم لا تريدون ما يدعو إلى التفرقة بين أبناء هذا الشعب وتخشون ما يصدّع وحدة الأمة التي تزعمونها فامنعوا أمثال هذا الكتاب، بل

стр. 2739

قفوا (١) الحرب في لبنان بين أهل النصرانية وأهل الإسلام، وكفّوا أيدي المنصّرين الذين يتسمّون بالمبشّرين، ثم لا تسوّونا بهم، فنحن المسلمين نؤمن برسالة موسى وعيسى ومحمد، ولكن عليكم بمن يؤمن ببعض ويكفر ببعض. ثم إن علينا أن نَقِي ديننا من أن يخوض فيه الجاهلون وأن يتكلم فيه مَن ليس من أهله، وأن يأتي الخواجة حنا مالك فيفسّر لنا قرآننا ويعلّمنا ما لم يعلمه علماؤنا وأئمتنا ويأتينا بشيء يخالف ديننا، ويتهمنا بأننا المفرّقون، وهو وأمثاله الذين يفرّقون هذه الأمة ويجعلونها شيعاً وأحزاباً ويدعون إلى عصبية دينية. أما نحن فقد أثبتت تجارِب أربعة عشر قرناً أننا عشنا مع النصارى، بل لقد عشنا مع اليهود، وأعطيناهم أكثر مما هو لهم، ولم نظلم أحداً منهم ولم نعاون عدواً عليهم، وإن كان منهم من أعان علينا كلَّ عدوّ دخل بلادنا. * * * هذا والموضوع -كما قلتُ- خطير يتحاشاه الناس ويبتعدون عن الكلام فيه، مع أن خوفنا منه كخوف بنتي الصغيرة من ظلام الحديقة في الليل، يُزيله أن تُوقِد عودَ كبريت أو تُشعِل شمعة أو تضيء كشّافاً منوِّراً فترى، وأن الخوف من هذا الموضوع وَهْم في وهم، والله تعالى قد أدّبنا فبيّن لنا أن لا نُوادَّ من حادّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخوتنا أو عشيرتنا، وسمح لنا بأن نعاشر بالحسنى من لم يعادِنا في ديننا ولم يُخرِجنا من ديارنا:

стр. 2740

﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عنِ الذينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدّينِ ولم يُخرِجوكم مِن دِيارِكُم أنْ تَبَرّوهُم وتُقسِطوا إليهِمْ﴾. والذي أرجوه ألاّ يفسِّر أحدٌ كلامي على غير وجهه، وألاّ يقوّلني شيئاً لم أقُله، وأن يعلم أنني لستُ من دعاة التفرقة ولا الخلاف بل من دُعاة المودّة والائتلاف، ولكن في حدود عقيدتي وإسلامي. * * *

стр. 2741

-٢١٢ - إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح كتب الأستاذ أحمد أبو الفتح في «الشرق الأوسط» يوم السبت ٦/ ٩/١٩٨٦ مقالة قيمة كعادته جاء فيها قوله: لقد كتبت في جريدة «الوفد» في مصر عدة مقالات أطالب فيها العلماء أن يعلنوا آراءهم فيما ارتكبه عبد الناصر ضدّ الإخوان المسلمين وغيرهم، ممن تمّ شنقهم أو تعذيبهم دون أيّ مبرّر إلاّ شعوره بأنهم لا يرضون على سياسته، وأحياناً تحت تأثير تقارير كاذبة لفّقها علماء لا ضمير أو دين يردعهم، ومع ذلك لم أجد أيّ استجابة. انتهى كلامه. وأحسب أن الأستاذ الكريم قد ظلم العلماء، فأنا واحد من صغار طلبة العلم، لو جُمع ما كتبته في هذا الموضوع لجاء منه كتاب كامل. لذلك استأذن القراء أن أنقل لهم هنا واحدة من هذه المقالات كانت قد طُبعت في رسالة صغيرة سنة ١٣٧٤هـ (١٩٥٤) لمّا ذهبَت القافلة الأولى من الإخوان المسلمين إلى الجنة إن شاء الله عن طريق مشانق عبد الناصر، وقد طُبع منها أكثر من نصف مليون نسخة ووُزّعت في الأقطار العربية وتُرجمت إلى اللغة الأردية، وخبّروني أن خلاصتها قد تُرجمت إلى الإنكليزية ونُشرت في جرائد باكستان.

стр. 2742

ولكنها مع ذلك لم تُنشَر في مجلة ولا في جريدة، وقد قلّت نسخها بين أيدي الناس، بل إنها فُقدت، حتى إنني فتّشت عن هذه النسخة أياماً طوالاً حتى وصلت إليها بعد أن مضى على طبعها ثلث قرن كامل. وها هي أنقلها إليكم بحروفها من غير أن أبدّل فيها أو أغيّر، وأرجو أن لا تتحرّج الجريدة من نشرها لأنها قد صارت تاريخاً. وما ظنّك بمقالة طُبع منها أكثر من نصف مليون ومرّ على طبعها أكثر من ثلاثين سنة، ولم يقرأها مع ذلك -فيما أظن- واحد في المئة من قراء «الشرق الأوسط»؟ وها هي ذي، وعنوانها «هذا يوم الحِدَاد العامّ»، وقد كُتب على الغلاف «بقلم الأستاذ علي» وأولها: لو كان الأمر إليّ لَما جعلته يوم حداد بل يوم بِشر وابتهاج، ولَما صيّرته مأتماً بل عرساً، عرس الشهداء الأبرار على الحور العين، ولَما قعدت مع «الإخوان» (وإن لم أتشرف بالانتظام في سلكهم) أتقبل التعزيات بل التهنئات. وهل يرجو المسلم شيئاً أكبر من أن يموت شهيداً؟ وهل يسأل الله خيراً من حسن الخاتمة؟ إني لأتمنّى (والله شاهد على ما أقول) أن يجعل منيّتي على يد فاجر ظالم، فأمضي شهيداً إلى الجنة ويمضي قاتلاً إلى النار، فتكون مكافأتي سعادتي به ويكون عقابه شقاؤه بي. هذا هو العقاب لا عقابك ياجمال، عقاب الله «الناصر» لأوليائه القاهر فوق أعدائه، الذي ستقف أمامه وحدك ليس معك جيشك ولا دبّاباتك ولا سلاحك ولا عَتادك، تُساق إليه وحيداً

стр. 2743

فريداً، لا تستطيع إنكلترا أن تجيء معك ولا أميركا، فيسألك عن هذه الدماء الزكية: فيمَ أرقتها؟ وعن هذه الأرواح الطاهرة: فيمَ أزهقتها؟ وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات: فيم رمّلتهن؟ وعن أولئك الأطفال البُرَءاء: فيمَ يتّمتهم؟ وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله المجاهدة في سبيله: فيمَ شمّت بها أعداء الله ورسولِه؟ فإن كان عندك دفاع فأعدّه من الآن لتُدلي به أمام محكمة الجبّار، التي لا تحكم بالموت شنقاً بل بالحياة الدائمة التي يصغر الشنق ألف مرة عن عذاب لحظة واحدة منها، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا حزب ولا أعوان، ولا سيف ولا مدفع؛ يوم تتبدّل الموازين وتتغيّر المقاييس، ويكون الفضل للفاضل والصدر للصالح، فيذلّ أعزّة ويعزّ أذلاء، وينزل عالون وتعلو سوقة، يوم ينادي المنادي: لمن المُلك اليوم؟ للطغاة؟ للقادة؟ «للبكباشية» (١)؟ لسادة بيكنغهام والبيت الأبيض؟ كلاّ لا جرم؛ بل لله الواحد القهار. فعِش مهما عشت وسُد مهما سُدت، فهل تقدر أن تجد لك طريقاً لا يمرّ بك على المحشر ولا يقف بك موقف الحساب؟ هل تعرف لك مُلكاً غير مُلك الله تفرّ إليه كما يفرّ المجرم السياسي من دولة أساء إلى حاكمها إلى دولة أخرى تحميه منها؟ وهل تظنها تدوم لك ياجمال عبد الناصر؟ لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

стр. 2744

ولقد حكم مصرَ من قبلك فاروق ومن قبله المماليك، ومن قبلهما فرعون وهامان، فأين اليوم فرعون والمماليك وفاروق؟ أين مَن بنى وشيّد؟ أين من طغى وبغى وقال أنا ربكم الأعلى؟ لقد ساروا جميعا في ركاب ملَك الموت ترافقهم دعوات المظلومين حتى وردوا على من لا يضيع عنده مثقال ذرّة في السماوات والأرض. فاتّقِ ياأيها الرجل دعوات المظلومين في الأسحار فإنها السهام التي لا تُخطئ، واعتبر بمن مضى قبل أن تصير أنت عِبرة لمن يأتي، وابكِ على نفسك قبل أن لا تجد من يبكي عليك. أما أنتم ياأيها الشهداء فهنيئاً لكم، طبتم فادخلوها خالدين؛ فلقد فزتم بثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. لقد شيّعَتكم في كل بلد من بلدان هذه الأرض المسلمة الملايينُ ممن لم يكن يعرفكم وتعرفونه، ولكن الله ملأ قلوبهم جميعاً حباً بكم وألسنتَهم هتافاً بأسمائكم، بوادر في الدنيا مما أعدّ الله لكم من التكرمة في الآخرة. إن النساء في الخدور والأطفال في المدارس والتجار في الأسواق، الذين فاروا من أجلكم وثاروا، فترك الطالب درسه والتاجر كسبه، وخرجوا جميعاً إلى الشوارع والأسواق غضباً لكم وحزناً عليكم، فإن ضنّ عليكم الظالمون بالماء غسلوكم هم بالدموع الجواري، وإن بخلوا عليكم بالقبور دفنوكم في الأفئدة البواكي، ثم مشوا بكم في مواكب النور التي لا تفتأ تتسلسل وتتعاقب سائرة في الزمان، من لدن حمزة وجعفر وشهداء الفتح في بدر والقادسية واليرموك، ومَن قتل الطغاةُ الظالمون من مثل الحَجّاج وهولاكو وتيمور، إلى شهداء النضال من أجل الاستقلال

стр. 2745

في الجزائر وليبيا والغوطة في الشام والرّميثة في العراق والقناة في مصر، لقد سلككم الله في هذه المواكب التي بدأت يوم بدأت في الأرض دعوات الخير والإيمان على لسان نوح وهود وموسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم جميعاً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فهل في التكريم أبلغ من هذا يانساء الشهداء ويا أولادهم؟ ويا من فجعهم هذا الظالم بالزوج وبالأب وبالأخ وبالولد؟ الموت حتم ما من الموت بدّ، وكل حيّ إلى ممات، فهل يستطيع صديق أو قريب إذا دهم الموتُ دارَ صديقه أو قريبه إلاّ أن يواسيه ويسلّيه ويبكي معه؟ ألا يهوّن الفجيعةَ على صاحبها أن يجد من يشاركه فيها؟ فلِمَ لا تهوّن فاجعتكم عليكم ياأهل الشهداء أن دنيا الإسلام كلها غرقت بالدمع بكاء معكم وعجّت بالدعاء على الظالمين غضباً لكم؟ لقد شاركتكم البكاءَ عيونٌ لم تكتحل قطّ برؤية شهدائنا وشهدائكم. أقسم بالله العظيم إن ابنتي الصغيرة بكت حتى احمرّت البارحة مقلتاها من البكاء. فيا إخواني ويا أخواتي ويا بناتي ويا أبنائي، إن فقدتم الوالد والأخ فإن كل مسلم على وجه الأرض أخ لكم اليوم، هو معكم والله معهم ومعكم والله خير من الجميع. لقد أحال بيتي مأتماً الليلة البارحة صورةٌ مقطوعة من مجلة، صورة العالِم الجليل عبد القادر عودة رحمة لله على روحه يوم خرج من السجن وابنُه يقدّم إليه حلوى شراها له من «خَرجيّته» (أي من مصروفه اليومي) فتلَت عليّ الصورةُ قصةً مكتوبة على

стр. 2746

صفحات القلب بمداد العيون. قصة هذا الولد الذي كان يسأل أمه: أين بابا؟ فلا تستطيع أن تقول له إن بابا سجين، وتداري دمعها وتغالب بكاءها، تقول: إنه مسافر. فيقول: متى يعود بابا ياماما؟ فتقول: يعود قريباً ياحبيبي. فيرقب عودته، إن رأى طعاماً طيّباً قال: سأحفظه لبابا، وإن ألبسوه جديداً أبى وقال: ألبسه يوم يعود بابا، وإن بكت أخته الصغرى أسكتها وقال: اسكتي غداً يأتي بابا. وطالت الأيام وهو يوفّر الملاليم التي يأخذها ليشتري بها الحلاوة لبابا، فجاء بابا، وكانت الفرحة الكبرى، وقدّم إليه الحلوى وقعد هو على ركبة بابا وأخته على الركبة الأخرى، يقبّل هذا خداً وتقبّل تلك خداً ويقولان: لماذا أطلت الغيبة يابابا؟ لا تسافر مرة ثانية يابابا. فماذا يقولان الآن وقد سافر مرة ثانية ولكن إلى حيث لا يعود المسافرون؟ وبماذا تُجيب الأم إن سألاها: أين بابا ومتى يعود بابا؟ وإلى متى ينتظران يوفّران له الملاليم ويُعِدّان له الحلاوة؟ وإلى متى يحتمل قلب الأم لذع النار وهما يسألان كل لحظة: أين بابا؟ هل تقول لهما: إن أباكما العالِم الجليل، المجاهد المناضل، قد شنقه عبد الناصر؟ فما ذنب هؤلاء ياعبدالناصر؟ ما ذنب هذه الأم؟ بل ما ذنب الرجل الذي قتلته وفَجعتَ به هذه الأسرة وحطّمت به هذه القلوب؟ أكل ذلك لأنهم قالوا لمعاهدتك هذه إنها عمل غير صالح؟ أتحسب أنك تهنأ بمجلسك وحولَك زوجُك وأولادك، وخيار المؤمنين تركتَ زوجاتهم أرامل وأولادَهم أيتاماً وبيوتَهم في وحشة المقابر؟ يا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحق.

стр. 2747

أوَتعرف -لك الويل- بمن ضحّيت؟ ضحّيت بمن كان أعلم المسلمين بالشرع (١) الجنائي في الإسلام، ومن سنحتاج إليه غداً فلا نجده ولا نجد مثله، فنبكي عليه حزناً وأسفاً ويضحك عدوّنا شماتة وسروراً. بمن ألّف الكتاب الجليل «التشريع الجنائي في الإسلام» الذي تُرجم إلى كثير من لغات الناس وتقرّر تدريسه في الجامعات، وتزاحم الجميع على تكريم مؤلّفه وبعثوا يطلبونه، فقيل لهم: إنه لا يستطيع أن يحضر حفلات التكريم لأن عبدالناصر كرّم علمه وفضله بحبل المشنقة! يا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ. بسيد المجاهدين الفرغلي، بالشيخ الذي أفزع بريطانيا حتى جعل راديو فايد (٢) ينادي كل يوم ثلاث مرات بأن من جاء برأسه فله خمسة آلاف جنيه (٣) فجاءهم برأسه عبد الناصر. فيا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ. بالذي لاحت عمامته مرة للإنكليز فغلبَت هذه العمامةُ مدافعَ الإنكليز، وكان ذلك في آب (أغسطس) سنة ١٩٥٣، أي في السنة الماضية، يوم اختفى الطيار البريطاني فأنذروا حكومة مصر بالويل والثبور إن لم يَعُد وأمهلوها للتاسعة من صبيحة الغد، وانطلق صلاح سالم يتكلّم في الإذاعة كلام المُستطار اللُّبّ يُبدئ ويُعيد ولا يعرف أحدٌ ما الذي كان يريد، إلى قريب الفجر.

стр. 2748

وكان الغد، وحبست مصر كلها أنفاسها ترقب ما يكون بعد انقضاء الإمهال الإنكليزي. وبلغت الساعة التاسعة، وهي ساعة الهول، فوقفَت أمام دار محافظة القناة سيارتان: سيارة تحمل موفد الإنكليز بالتهديد والوعيد، وسيارة تحمل الفرغلي ومعه نفر من الإخوان، جاء يعلن نصرته للحكومة رغم ما كان بين الحكومة وبين الإخوان في تلك الأيام. فلما رأى الإنكليزي الشيخ انطفأت الجمرة وسكت الغضب وذهب الوعيد، وأعلنوا أنهم وجدوا الطيار المفقود! وهذه واقعة يعرفها الناس جميعاً ما جئت بها من بنات الخيال. لقد كان الشيخ الفرغلي أعدى أعداء الإنكليز فكافأه عبد الناصر على ذلك بحبل المشنقة. فيا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ. لقد كانوا جميعاً من أئمة التقى ومصابيح الهدى، من الذين يقومون الليل يقطعونه تسبيحاً وقرآناً ويجاهدون في النهار يملؤونه جهاداً وإحساناً. والله يأمر بتكريم الصالحين، والعقل يقضي بإجلال العلماء، والمصلحة توجب تشجيع العالِمين، والإنكليز يريدون غير ذلك كله، فترك عبد الناصر ما يأمره به الله ويقضي به العقل وتوجبه المصلحة لِما يريده الإنكليز. وأشهد لقد قرأتُ أخبار المشركين وتعذيبهم لمن آمن من قريش وما فعل أعداء الإسلام بالمسلمين من الطغاة الجبارين، كهولاكو وجنكيز، وما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس، وما تصنع إسرائيل في فلسطين في دير ياسين وقبية ونحّالين (١)،

стр. 2749

فلاوالله ما آلمني شيء كما آلمني ما صنع عبد الناصر وأعوانه بهذه النخبة الصالحة من المسلمين. لأن تلك أخبار نسمع بها فربما هوّنها علينا بُعدُ العهد وأنها ربما كانت فيها مبالغة راوٍ أو غلوّ ناقل، وهذه رأيناها رأي العين. ولأن أولئك كفرة فجرة وهؤلاء يزعمون أنهم مؤمنون، ولأن أولئك فعلوها كسباً لدنيا يريدونها وهؤلاء فعلوها ليكسب الإنكليز الدنيا بها، فلزمهم قول رسول الله ﵊: «أخْسَرُ الناسِ مَن باعَ دينَه بدنيا غيره». ولو كان في هؤلاء الشهداء قاتل أو مجرم وحاكموه محاكمة ثم عاقبوه قصاصاً لَما اعترضهم أحد، أما أن يكونوا من خيار المؤمنين، وأن يكون ذنبهم أنهم أعدّوا السلاح للعدوّ بعلم رجال الحكومة، وأنهم دُرّبوا على القتال والتدريب بعلم رجال الحكومة، وأنهم أعلنوا رأيهم في المعاهدة وحقّ الرأي واحد من حقوق الإنسان، وأن تحاكمهم هذه المحكمة وليست محكمة فيها قضاة، وأن تكون المحاكمة بهذا الأسلوب وما هو بأسلوب المحاكمات، وأن يكون الحكم على هذه الصورة وما على مثلها تصدر الأحكام، فهذه قصة فظيعة، فظيعة، فظيعة. بلغ من فظاعتها أنْ أجمع الناس على اختلاف البلدان والألسن والألوان والمذاهب والأديان على استنكارها. ولست أدري بأيّ لسان يتكلم هؤلاء بعد اليوم عن فاروق وعهد فاروق، والذي فعله فاروق من المعاصي يُعَدّ بجنب ما عملوه هم طاعة، ونجس فاروق بالنسبة إليهم طهارة، ونار فاروق جنّة عبدالناصر! وما أمدح فاروقاً ولكن العَوَر يُمدَح إن ذُكر العمى.

стр. 2750

ولست أدري كيف يلبس هؤلاء الجند ويحملون شارة العسكرية، وما سلكوا سبيل البطولة ولا استنّوا بسَنَن الفروسية عند الفرسان. الفارس مَن يبارز خصمه في الميدان وينازله مسلَّحاً، أما الذي يُبدي البطولة والخصمُ أعزل مقيَّد، وحوله الرهط من الأنصار وخصمه مفرد، فهذا ليس من الفروسية في شيء. إن هؤلاء الإخوان قد مضوا شهداء أبراراً ونالوا مجد الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فارتقبوا أنتم ماذا تنالون في دنياكم وأخراكم؟ (أعود فأذكّر أن هذا الكلام نشر سنة ١٩٥٤). وبعد، فهذا هو العالَم الإسلامي كله يلبس اليوم ثياب الحداد ويجلس للعزاء، ما خرج على هذا الإجماع إلاّ النفر الذين غضب الله عليهم من أعوان الظالم، ومن مشايخ السوء في مصر الذين أصدروا ذلك البيان المحشوّ كذباً وافتراء ونفاقاً وتحريفاً للآيات عن مواضعها. لقد سمعنا من قديم أن الثورة كالقطة تأكل أبنائها، وهذي ثورة فرنسا شاهد على ما أقول وهذه أحداثها تنطق بها كتب التاريخ، وما وقع فيها سيقع في أمثالها: الذي جاء بالمقصلة قُطع رأسه بها، والذي نصب المشانق عُلّق عليها، والذي أوقد النار كان لها حطباً، ولَنار الآخرة أشد نكالاً وأبقى. والثورة الفرنسية لم تقتل متعمّدة أفذاذ العلماء ولم تعرض لدعاة الخير، وكانت ثورة أمة على عصابة آثمة، لم تكن ثورة عصابة آثمة على أمّة كاملة فُجعت بحريتها وكرامة أبنائها. أما أنتم ياأيها الإخوان المسلمون (وأذكر أني لم أتشرف

стр. 2751

يوماً بالانتساب إلى الإخوان ولا إلى غيرهم) فاعلموا أن المحن تدريب وتمرين، وكلما تقدّم الجندي خطوة صَعُب التدريب عليه وقسا، فإذا وصل إلى أقساه فقد بلغ آية القوة وصار جندياً كاملاً. وأنتم بلغتم الغاية اليوم حين امتُحنتم الامتحان الأكبر، امتحان الدم، ونجحتم. نجحتم والله ولم تزعزع المشانقُ إيمانَ هؤلاء الإخوان ولا هزّت أعصابهم، ولقد قابلوا الموت مقابلة انحنت إكباراً لبطولتها وعظمتها هاماتُ الرجال في كل مكان. واذكروا أن الشيخ الإمام حسن البنا ﵀ كان قد أنذركم أنها لا تزال أمامكم مصائب شداد واختبارات صعاب، وقد أقدمتم عليها وأنتم عارفون بها. والعاقبة لكم، إنها واللهِ لكم لأنكم تمشون على هدي الإسلام، المستقبل لكم فلا تزعزعكم الأحداث ولا تفتنكم عن إيمانكم، على أن تبقوا صفاً واحدا لا تُفرّق بينكم الدنيا ولا يقسمكم النزاع على الزعامات، وأن تجعلوا إمامكم دائماً كتابَ ربكم. وبعد، فيا أهل الشهداء الصبرَ الصبرَ. إن دموع العالَم الإسلامي كله قد مازجت دموعكم، وقلوبَهم جميعاً قد قاسمت الأسى قلوبَكم، وكلهم أخ لكم وصديق، ومأتمكم صار مأتم دنيا الإسلام كلها، والله معكم والله خير من الجميع. وهنيئاً لمصر، فقد كان للشام جمال دَعَوه -حقاً أو باطلاً- بالسفّاح، فصار لكم جمال هو «السفّاح» حقاً. * * *

стр. 2752

-٢١٣ - عودة إلى ذكريات القضاء أكتب هذه الحلقة في اليوم الأول من المحرم (سنة ١٤٠٧هـ)، اليوم الذي يخرج فيه الناس كلهم من بيوتهم، ينثرون أزرار الورد وأوراد الياسمين ويرشّون ماء زمزم على رأس القادم الجديد، وأنظارهم منصبّة كلها على يديه يحاولون أن يروا أو أن يشمّوا الهدايا التي يأملون أن يحملها إليهم. قد أنساهم استقبالُ الرفيق الذي قدم رفيقَهم القديم الذي سافر، فالاستقبال أمل ورجاء والوداع نبل ووفاء، وما أكثر الآملين وأقلّ الأوفياء. التلميذ الذي أهمل الدراسة حتى رسب نسب رسوبه إلى الحظّ وإلى الزمان السيّئ، فهو يرجو النجاحَ ويرقب الحظّ في الزمان الحسن، أي في العام الجديد. والتاجر الذي زهد في العمل ومال إلى الكسل يطلب الربح من غير عمل من العام الجديد، وكل واحد له أمل يريد أن يتحقّق له في العام الجديد. فما الذي أطلبه أنا وما هي آمالي؟ الشابّ الواقف في أول الطريق يراه واضحاً ويرى غايته دانية، أما أنا فإني أستقبل العام وأنا في المحطة الأخيرة، لم تبقَ

стр. 2753

أمامي غاية أعمل على بلوغها. الشاب حياته أمامه وأنا أيامي قد خلّفتها ورائي، أياماً طويلة رأيت فيها ضياء النهار يعقبه ظلام الليل، ورأيت ظلام الليل يأتي بعده ضياء النهار، شهدت هذا المشهد أكثر من عشرة آلاف مرّة فاستوى عندي الضياء والظلام. سررت وتكدّرت، فإذا السرور الآن وإذا الكدر ذكرى في النفس لا شيء منه في اليد، لا الفرح دام ولا الآلام. شبّهت يوماً لذّات الدنيا بالسراب، وهأنذا أعود إلى هذا التشبيه؛ أعود إليه وأنا أعلم أن أثقل الكلام الحديث المُعاد، ولكني لا أجد تشبيهاً أدق منه ولا أصدق ولا أقرب إلى الواقع. كنت في المدرسة أرمي إلى هدف ظاهر هو أن أرتقي من صفّ إلى صفّ، فارتقيت حتى طويت مراحل المدرسة ومن بعدها الجامعة ونلت شهادتها، فلم يبقَ لي في المدرسة ولا في الجامعة هدف أرمي إليه. ودخلت الوظيفة فكان أملي أن أعلو فيها درجة درجة، أعدّ الأيام لأصل إلى العلاوة أو إلى الترقية، فبلغت أعلى درجاتها، صعدت حتى صرت في رأس السلّم، فلم يبقَ إلاّ أن أقف (ولا يقف أحدٌ عمرَه على السلّم) أو أن أصعد، وما تحت رجلي درجة أصعد عليها، فاضطُررت إلى أن أعود فأهبط من حيث صعدت. وكذلك الدنيا: ما طارَ طيرٌ وارتفعْ ... إلاّ كما طارَ وقَعْ وإذا أنا في هذا كله: أكلتُ حَلاوةً وشرِبتُ ماءً ... كأني ما أكَلتُ ولا شرِبتُ

стр. 2754

وتمنيت أن أكون كاتباً تملأ مقالاته الصحف، ومؤلّفاً تتصدر مصنفاته المكتبات، وخطيباً ترتجّ من تحته المنابر ويملأ حديثه المجالس، فبلغتُ ذلك أو بعضَ ذلك (أو توهّمت أني بلغته) فإذا هو أيضاً سراب. تبصر السراب حينما تكون بعيداً عنه تحسبه ماء، فإذا جئته لم تجده شيئاً ووجدت الله عنده. فهل وعظَتني الأيام حتى صرت أذكر الله الباقي ولقاءه المحتوم عند رؤية السراب الخدّاع؟ لقد استقبلت وودّعت من الأعوام ثمانين معدودة عدّاً، فهل أودّع هذا العام الذي أستقبله اليوم أم هو استقبال بلا وداع؟ لقد فقدت أبي وأنا في مطلع الشباب واضطُررت إلى أن أكتسب قبل سنّ الاكتساب، وتعلّمت ودرست على ضيق الحال وقلّة الأسباب، وأكرمني الله فعلّمني وكفاني فما أحوجني أن أمدّ يدي يوماً إلى أحد ممن خلق الله. ودخلت سوق الأدب قبل أن تزدحم بالقُصّاد فكنت فيها من الرُّوّاد، وسار اسمي في الناس وأنا لم أخلع بعد رداء الشباب، وأغدق الله نِعَمه عليّ بلا حساب، فيا ربّ لك الحمد. وكنت أرجو (كما يرجو كل شابّ) أن أتزوج، ولكن ليس في يدي ما أتزوج به من المال، فحملني الله إلى بغداد حيث جمعت منها ما قدرت به على الزواج. ورزقني النسل، ولكنه صنّفني في الصنف الأول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إناثاً ويَهَبُ لمَنْ يَشاءُ الذّكورَ، أو يُزَوّجُهمْ ذُكراناً وإناثاً ويجعَلُ مَن يَشاءُ عَقيماً﴾، فسُررتُ بالبنات ورأيتهن من أجمل الهبات، وما أعدِل -صدّقوني- بواحدة منهن اثنين من الذكور لو رزقني الله ذكوراً. ولقد استأثر الله بإحداهن فأكرمها بالشهادة فصبرتُ ورضيت، وأرجو أن يرزقني الله ثواب

стр. 2755

الصبر وأن يديمه عليّ، وجعلهن جميعاً وله الحمد صالحات متعلّمات داعيات إلى ما يُرضي الله. وتزوّجن ورُزقن بنين وبنات صالحين وصالحات، وتزوّج أبناؤهن وبناتهن ورُزقن ذرية أفضل الله علينا فجعلها صالحة؛ فصارت بناتي جدات، وصرن يَقُلن لحماتي (التي توفّاها الله من شهرين اثنين، المرأة الصالحة بنت من كان يُدعى في الشام «المحدّث الأكبر» وكان كبير العلماء، الشيخ بدر الدين) صارت حفيدتي تقول لها (كما جاء في المَثَل): «يا سِتّي كلّمي سِتّك» (أي: ياجَدّتي اذهبي إلى جَدّتك). * * * وضاق بنا بلدنا، البلد الذي أحببته حباً قلّ أن يحبّ مثلَه أحدٌ بلدَه، وكتبت عنه ما لم يكتب مثلَه ابنُ بلد عن بلده، ثم قضى الله أن أُحرَم منه وأن أُبعد عنه، فنزلت بلداً أشرف منه شرفاً وأعلى عند الله مقاماً، نزلت أحبّ بلاد الله إلى الله: مكة أم القرى، مشرق النور ومنبع الإسلام. ووجدت فيها من ملوكها وأمرائها ومن شعبها، وجدت شيئاً أكون ألأمَ الناس لو أهملت ذكره ونسيت شكره. وعرفت خمسة من الملوك، رحم الله من مضى ووفّق من بقي، بعضهم من قرب وبعضهم من بُعد، ولكنني أحببتهم جميعاً لأنهم صنعوا لهذا البلد أكثر مما صنع ملوك بني أمية وملوك بني العباس ومَن جاء بعدهم من الملوك جميعاً. صنعوا له العجائب؛ نقلوه من صحراء تموج فيها قبائل متخاصمة متحاربة ما عندها إلاّ حكومات هزيلة ضئيلة، فجعلوها

стр. 2756

كلها حكومة واحدة قوية عظيمة، ومشوا فيها في طريق التطوّر والرقيّ شوطاً ما مشت مثله حكومة في الدنيا، لا أستثني، لأن الذي قطعَته المملكة في هذا الأمد القصير لا تقطع مثلَه الأممُ في الزمان الطويل. وإنهم ليستحقّون مني أضعاف هذا الثناء، ولكن مشكلتي أنني من يوم نشأت كان يحكم بلدنا مَن ليس منا ولا طريقه من طريقنا، أي الاتحاديون خلال الحرب الأولى (ولم أقُل الترك، فالترك مسلمون خدموا الإسلام وأقاموا له دولة كانت ثالثة الدولتين الكُبريَين: دولة الأمويين ودولة العباسيين، وإن كانت براعتها وعبقريتها في الحرب والقتال أكثر من براعتها في الفكر والعلم. ولكن أعني الاتحاديين، أعني أنور وجمالاً وطلعت وجاويد وتلك الزمرة التي جاء أكثرها من الدونمة، وهم من نسل اليهود الذين أُخرِجوا من الأندلس. واليهودي هو اليهودي ولو بدّل ثيابه وملامح وجهه واستعمل أعقد وأصعب طرق التنكّر، أي الماكياج). ثم جاء الفرنسيون، وهم غرباء عنا لا دينهم من ديننا ولا لسانهم من لساننا ولا عاداتهم من عاداتنا. ثم دالت دول وتبدّلت وجوه وقلّ فيها من يمثّل الشعب الشامي في تمسّكه بإسلامه وبالصالح من عاداته؛ لذلك كنا نهرب من الثناء عليهم. واستمرّ ذلك حتى استقرّ في عقلي الباطن، على أن الحقّ أن الحكام هنا ليسوا كأكثر مَن عرفنا من حكامنا، فهم منا أنسابهم معروفة لنا وأبوابهم مفتَّحة أمامنا، وهم يحرصون ما استطاعوا على إسداء الخير لنا، فإذا منعني ما ذكرت من إعلان الثناء عليهم فإن كل عمل عملوه وكل طريق مهّدوه وكل معهد فتحوه إنما هو قصائد باقية في مدحهم.

стр. 2757

ولقد وفّقهم الله الآن إلى مداواة مرض أعيا نُطُس (١) الأطباء، مشكلة أعجزَت كبار المفكّرين هي مشكلة الذبائح في الحجّ؛ فما زلنا نسمع الشكوى منها من أكثر من أربعين سنة من كل حاجّ يعود بعد أن رأى في مِنى آثارها من إضاعة المال وإفساد الهواء، ولم يبقَ أحدٌ إلاّ فكر في حلّ لها، فجاؤوا بحلول منها ما هو مستحيل ومنها لا تُحتمَل نفقاته ومنها ما هو أقرب إلى المشروعات الخيالية. لم يبقَ أحد لم يفكّر في حلّ لها، وكنت واحداً ممن قدّم حلاً فقهياً مؤقَّتاً، فرأينا هذه السنة عياناً ما هو أعظم من ذلك كله: حقيقة شاهدناها سبقت جميع خيالاتنا، ما تخيّل أحدٌ أن من الممكن أن تُجمَع هذه الذبائح وأن تُسلَخ وتُنظَّف ثم تحملها الطيارات إلى المحتاجين من المسلمين في مشرق الأرض ومغربها، فتصل صالحة غضّة نظيفة شهية. فلله الحمد أولاً، ثم أصدق التهنئة لهم على هذا الذي وُفّقوا إليه، وأسأل الله أن يجعله في صحف حسناتهم فلقد كان والله شيئاً عظيماً. وما عُدت بعد اليوم أيأس من حلّ المشكلات الباقية كلها على ما نرى من تعذُّر أو تعسُّر حلّها: مشكلة الطواف ومشكلة الرمي ... إنهم سيحلّونها بإذن الله كما حلّوا مشكلة الذبائح ومشكلة الازدحام في الطرق، وأسأل الله لهم التوفيق. * * * وأنا أقول هذا كما قرأته في الصحف وكما سمعته من الناس، لأني معتزل وليس عندي من تفاصيله شيء، فكأنني

стр. 2758

سجين وإن لم يُحكَم عليه بالسجن، لا أكاد ألقى أحداً لِما ركّب الله في فطرتي التي لا أملك تغييرها ولا تبديلها من حبّ العزلة والابتعاد عن مجامع الناس، وإن دنوتُ منهم ولقيتهم فإنما ألقاهم وبيني وبينهم صحيفة الجريدة أو لاقط الإذاعة! ولطالما خطبت الخطب ترجّ البلد وتكون حديث الناس ويكون لها أكبر الأثر، ثم أذهب إلى بيتي فأغلق عليّ بابي وأنفرد بنفسي. وأنا هنا من نحو ربع قرن، ما رأيت والله من أحد ما يسوء، ما لمست إلاّ محبّة صادقة ووداً خالصاً، ولكن على البعد؛ فأنا لا ألقى أحداً، لا أزور ولا أكاد أُزار، ألِفتُ الوحدة حتى لم أعُد أطيق الفرار منها وضقت بها حتى لم أعُد أطيقها، فأنا (ولا مؤاخذة على هذا المثال فإنما أتكلّم عن نفسي) أنا كحمار السانية (١) التي يسمّونها في مصر «الساقية»، يدور فيها مغمض العينين، فإذا أُطلِق منها وفُكّ سراحه بقي يدور كما تعوّد الدوران. ولطالما لمست هذا الحبّ الخالص: أشاعوا من بضع سنين (كما أشاعوا السنة الماضية) أنني متّ، فلمست من الناس حزناً عليّ لا أستحقّه، جاءني مندوبون من الصحف وسط الليل يسألون عني وكتب كاتبون فضلاء يرثونني، وهذا من كرم هذا الشعب الذي لا يزال على الفطرة النقية، وأنا أسأل الله أن يسجّل في صحيفتي ما دعا لي به الآلاف المؤلَّفة من الناس حين سمعوا الخبر فقالوا: ﵀. فما الذي أريده الآن إلاّ رحمة الله؟ ما عُدت أريد من الدنيا

стр. 2759

إلاّ أن يُبقي الله علي صحّتي وأن يُديم ستره عليّ، وأن يختم لي بالحسنى، وأن يُصلِح لي أهلي وأن يحفظهم بعد موتي. هذا الذي بقي لي من الآمال في الدنيا. * * * أعود الآن بعد هذه المقدّمة الطويلة التي قد يُنكِر عليّ بعض القراء شيئاً مما قلت فيها، أعود إلى الكلام عن أيامي في محكمة دمشق التي قطعتُها في الحلقة ١٢٥ لأصِل ما قطعت. فهل تدرون ما وجدت؟ لا تحسبوا أني أسوق صورة أدبية أو آتي بخيال شاعر، لا، ولكن أقول الحقّ: وجدت أنني أكتب عن شخص آخر ليس أنا. إني أشعر أن بين جوانحي الآن اثنين، واحداً يتذكّر وآخر هو موضع الذكرى! لا تقولوا إني أتفلسف، فأنا أسأل: هل الذي كان قاضياً ممتازاً في محكمة دمشق سنة ١٩٥١ هو أنا؟ أسألكم ما معنى «أنا»؟ ماذا تقصد حين تقول «أنا»؟ جسدك؟ إنه لم يبقَ في جسدي خلية واحدة مما كان فيه تلك السنة إلاّ خلايا المخّ التي زعموا أني أتذكّر بها وأفكّر بها، وما هي للفكر إلاّ كالأشرطة والمصباح للكهرباء، لا بدّ منها ولكنها ليست هي الكهرباء. فما الكهرباء؟ لا يدري أحد. كشف نيوتن قانون الجاذبية وجاء آينشتاين وعدّل فيه، وما وضع نيوتن ولا عدل آينشتاين القانون بل كشفاه، والقانون وضعه ربّهما وربّ العالمين. ولكن هل عرفا أو عرف أحد ما هي الجاذبية؟ لماذا ينقطع النور إن انقطع السلك أو احترق المصباح (اللمبة)؟ هل لأن السلك والمصباح هو الكهرباء؟

стр. 2760

إن كان معنى «أنا» جسدي فقد ذهب وجاء غيره، وإن كان عواطفي وآرائي فقد تبدّل كثير منها، لذلك أتحدّث عن أيامي في المحكمة كما أتكلم عن حلم رأيته في منام ثم استيقظت فامّحَت الأحلام. وما الحياة إلاّ منام، وفي الأثر: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا». عجب قوم لماذا دُعيتُ أنا (كما قلت في الحلقة الماضية) للكلام في حفلة جول جمّال باسم المسلمين على حين يتكلم البطريرك باسم النصارى. إنه عندهم الرئيس الروحي، فهل كنت كذلك؟ نعم، هذا الذي كان. وليس في الإسلام أكلروس ولا رؤساء روحيون، ولكن الفرنسيين -إمعاناً في التفرقة وليجعلوا المسلمين كأنهم طائفة من الطوائف- أقاموا للمسلمين رئيساً كما للنصارى رئيس، وجعلوه قاضي دمشق الممتاز ونائبه، أو الرئيس الثاني بعده، هو مفتي الجمهورية. وكان القاضي الممتاز الشيخ عزيز الخاني ﵀ قائماً بهذا المنصب أحسن القيام وكان أهلاً له كل الأهلية، فهو في جمال طلعته وكمال خلقته وشدة هيبته وقدرته على مخالطة الكبار والصغار في تواضع لا يمسّه كِبر وعزّة لا يلامسها صَغار كان في هذا مفرَداً في بابه، كان ليّناً ولكن لينه لا يمنعه إن اقتضت الحال أن يكون أثبت في الحقّ من الجبال، فجاء من بعده أخونا وزميلنا الأستاذ الشيخ صبحي الصباغ ثم جئت أنا، وما له ولا لي مثل تلك الهيئة ولا تلك الهيبة ولا البسطة في الجسم، فعجزت وعجز عن القيام ببعض ما كان يقوم به الشيخ عزيز ﵀، فكتبت كتاباً رسمياً حلّ بعده المفتي محلّ القاضي، وهذا نص الكتاب أثبته هنا للتاريخ:

стр. 2761

إلى رياسة مجلس القضاء الأعلى. لمّا كان القاضي الممتاز لا يخرج عن كونه قاضياً من قضاة الدولة وكان وصف الممتاز إنما يُنال بالقِدَم، وهو درجة من درجات العمل وليس وظيفة مستقلّة، وكان اعتباره ممّن يُسمَّون بالرؤساء الروحيين ووضعه معهم في برامج الاحتفالات ومواقف التشريفات إنما نشأ من عوامل شخصية، فأرجو التكرم بمخابرة الأمانة العامة لرياسة الجمهورية لتعديل البرامج المقبلة، وأن يكون تشرف القاضي الممتاز بالدخول على فخامة الرئيس مع إخوانه القضاة لا مع الرؤساء الروحيين، وأن تكون الرياسة الدينية للمسلمين (وإن كانت لا وجود لها في الحقيقة عندنا) لسماحة المفتي العام لا للقاضي الممتاز. وتفضّلوا بقبول احترامي الفائق. الإمضاء: علي الطنطاوي قاضي دمشق الممتاز. التاريخ ١٦/ ٤/١٩٥١. وكان منصب القاضي الممتاز يعدل في تسلسُل القضاة منصب المستشار في محكمة التمييز (محكمة النقض)، فجاءني هذا الكتاب أثبته بنصّه للتاريخ أيضاً: الجمهورية السورية، من رئاسة مجلس القضاء الأعلى إلى حضرة قاضي الشرع السيد علي الطنطاوي. إن في محكمة التمييز شواغر لوظائف مستشارين ينبغي إملاؤها، فإن كنتم ترغبون في الانتقال إليها بمرتَّبكم وراتبكم الحاليَّين تفضلوا بتسطير موافقتكم في أدناه. التاريخ ٢٠ شباط ١٩٥١، الرقم ٧٣ واردة، الإمضاء: رئيس مجلس القضاء الأعلى وجيه الأسطواني. * * *

стр. 2762

وقد نسيت أن أقول لمن لم يعرف حال القضاء في سوريا أنه مستقلّ لا دخل للحكومة فيه ولا يملك وزير العدل تعيين قاضٍ ولا نقله ولا عزله، وأن الأمر كله إلى مجلس القضاء الأعلى وهو مؤلَّف من كبار القضاة. لمّا جاءني هذا الكتاب تردّدت كثيراً وأرِقتُ ليالي أفكّر وأوازن، ففي كل من العملين مزايا دنيوية ونفع للمسلمين أرجو عليه المثوبة الأخروية، فالقاضي الممتاز كالضابط الذي يقود الجند في المعركة، يأمر وينهى يعيش وسط المعمعة، يحسّ حلاوة النصر ومرارة الهزيمة، يحفّ به أتباعه يسألونه ويستأمرونه ويرجعون إليه، يعيش حياة كلها حركة ونشاط لا مجال فيها لكسل ولا ملل. والمستشار كالضابط الركن، يغلق عليه بابه مع ضباط الأركان، يرسمون الخطط ويُعِدّون للمعركة ويوجّهونها ولكن من بعيد، لا يدخل عليهم أحد ولا يراجعهم أحد، بل لا يكاد يحسّ بوجودهم. وللقاضي الممتاز مجال لسماع شكاوى الناس وإصلاح ما يمكن من الفساد، وله رياسة كثير من المجالس كمجلس الأوقاف، ثم إنه ينال علاوات فوق مرتَّبه، والمستشار يجد وقتاً يستريح فيه ويتفرّغ لأمور أخرى، فهو يكتب ويؤلّف ويبتعد عن مشكلات الناس. ميزان كلما رجحت فيه كفّة طاشت الأخرى، ثم عادت هذه فرجحت وطاشت الأولى. وليس أصعبَ على الإنسان من التردّد؛ إني أشعر في مثل هذه الحال أن الأفكار تضطرب في رأسي حتى إنها تضرب جوانبه، فأحسّ الصداع في صدغي. فاتّبعت سنّة الإسلام، ففكّرت وأطلت التفكير ثم كنت أستشير، ثم رأيت أنه

стр. 2763

لا الفكر ولا المشورة توصل دائماً إلى الصواب لأن المستقبل بيد الله، لذلك شُرِعت الاستخارة، فاستخرت الله الاستخارة الشرعية، فصلّيت ركعتين ودعوت بدعاء الاستخارة، لم أنتظر أن أرى في المنام ما يصرفني إلى إحدى الوجهتين ولا عملت عمل العامّة فذهبت إلى شيخ فقلت له: بيّتْ لي استخارة، ثم سألته في الصباح ماذا رأى، فإن رأى مناماً يسرّ كان الأمر خيراً وإن رأى ما يسوء كان شراً! هذه استخارة عامّية لا الشرع يقول بها ولا العقل يُقِرّها، وإذا كان هذا الذي وكّلته بأن يستخير لي قد أصابه عُسر في الهضم أو جاءته الحُمّى فرأى في منامه أضغاث أحلام، فما علاقتي أنا بها؟! استخرت الله الاستخارة الشرعية فرجح لديّ أن أوافق على الانتقال، ولكن ما مرّ على ذلك يومان حتى ندمت وكتبت أسترجع موافقتي، فجاءتني الموافقة على بقائي في مكاني. بقيت في المحكمة الشرعية في دمشق وتركت الأمر لله، وللحديث بقايا ستأتي إن شاء الله في الحلقات المقبلات. * * *

стр. 2764

-٢١٤ - في محكمة النقض في دمشق قلت لكم إن رئيس مجلس القضاء الأعلى خيّرني بين أن أبقي قاضياً ممتازاً في محكمة دمشق أو أن أنتقل مستشاراً في محكمة النقض، وعرفتم أني تردّدت وتحيّرت ثم عزمت على البقاء. وبعد أن وافقت على النقل سحبت موافقتي فجاءني هذا الكتاب برقم ٢٩ وتاريخ ٢٧/ ٢/١٩٥١ وإمضاء رئيس مجلس القضاء الأعلى وجيه الأسطواني، يقول فيه: بناء على عدولكم عن هذه الموافقة فإني أعيدها إليكم ودمتم. ولي عن محكمة النقض (التي كانت تُسمّى محكمة التمييز) ذكريات جمّة من قبل أن أكون فيها، ذلك أن أبي كان رئيس ديوانها سنة ١٩١٨، ولي هذا المنصب بعد أن ترك (ولست أدري كيف ترك) المديرية العامة بمدرسة الاتحاد والترقّي التي كانت أرقى ثانوية في دمشق على عهدها وكان الناس يدعونها المدرسة التجارية. ولم يكن أبي معدوداً رسمياً في قضاة المحكمة، بل كان في رأس سلّم المساعدين القضائيين ودون مرتبة المستشارين،

стр. 2765

ولكنهم كانوا يدعونه إلى كل جلسة تُدرس فيها دعوى مدنية لها صلة بالفقه. ولا تنقطع صلة الدعاوى المدنية (الحقوقية) أبداً بالفقه، فكان يشارك في المناقشات ويؤخذ رأيه في الآراء، وكان الحكم يصدر حيث يكون رأيه، سمعت ذلك من كثير من أعضاء المحكمة فيما بعد، كما سمعته من رئيسها يومئذ وأنا صغير ولكني واعٍ مدرك، وكنت تلميذاً في آخر المرحلة الابتدائية. وكان الرئيس هو الأستاذ مصباح محرّم، وهو قاضٍ كبير نسيه الناس كما نسوا من أمثاله الكثير، لأن مكانهم في أذهانهم امتلأ بأسماء المغنّين والممثّلين ولاعبي الكرة في الملعب واللاعبين بمصالح الأمم من السياسيين في المجالس والأحزاب. وكنت أذهب من المدرسة أحياناً إلى المحكمة لأرى أبي فأعود معه إلى الدار، فكان الرئيس يستدعيني إلى مكتبه ويسألني ويحاول أن يحدّثني، فكنت أتهيّبه أولاً فلا أتكلم، ثم لمّا طال العهد وتوالت الدعوات انطلق لساني، ويظهر (والله أعلم) أني كنت على شيء من الذكاء وسرعة البديهة، وكنت قد قرأت (ولعلّكم تعجبون إذ تسمعون أني قرأت في تلك السنّ) كتباً كثيرة منها «حياة الحيوان» للدميري، وقد سبق ذكره، وكتباً أدبية من كتب ما يدعونه عهد الانحطاط كـ «الكَشْكول» و «المِخْلاة» و «المستطرف»، ولم أفهمه كله ولكني كنت أحفظ كل ما أقرأ، أقول هذا وقد قلته من قبلُ تحدُّثاً بنعمة الله عليّ، فكان في ذهني طائفة صالحة من الأخبار والأشعار. فكان الرئيس يُسَرّ بي ويستنطقني، وكان يدعو أحياناً بعض

стр. 2766

أعضاء المحكمة (الذين يُسمَّون اليوم بالمستشارين) ليستمعوا مني، منهم العالِم الأديب النبيل الشيخ مسعود الكواكبي الحلبي، الذي أحفظ له في نفسي أوفى حظ من الحب المقرون بالاحترام، ثم صار يزورنا في الدار حيث يجتمع فيها ناس من جلّة علماء البلد يومئذ هم أصحاب أبي وأصدقاؤه، لا يكادون يفترقون، وأنا أدخل عليهم بالشاي والفاكهة والطعام ثم أقعد في طرف المجلس حيث لا يتنبّه إليّ أحد، ولكني كنت كالمسجّلة التي تُثبِت على شريطها كلَّ صوت يخرج من حولها. وإذا مدّ الله في العمر وصبّ القوة في الذاكرة واستمررتُ في نشر هذه الذكريات ولم يملّ منها القراء فسأكتب ما بقي في ذهني منها، وإن لم يبقَ إلاّ القليل. كانت هذه المجموعة تخرج إلى بعض المتنزَّهات، فتقضي اليوم كله في مذاكرات ومناظرات وسرد نوادر ورواية نكات وطعام وشراب. ولم يكن الناس يجاوزون في الوادي الهامَةَ والجُدَيْدة وبَسّيمة وعين الفيجة، وبين أبعدها وبين دمشق عشرون كيلاً، مع أن بين دارَي بنتين لي اليوم في جدة أربعة وعشرين. ما كان الناس يقصدون الزّبَداني ومَضايا وبلودان، بل يكتفون من الوادي بما دون الفيجة. وربما ناموا في تلك القرى، فكان الفلاحون من أصحاب الدور التي يستأجرونها يفرشون لنا الحشايا والفرش على الأرض، وننام عليها كما ينام أكثر أهل دمشق، فإذا أصبح الصباح طووها ونضّدوها ووضعوها في فجوة تكون في الجدار في كل بيت من بيوت الشام تشبه الخزانة ولكن ما لها رفوف ولا أبواب تُدعى «اليوك» (وما عرفت ولا حاولت يوماً أن أعرف من أين جاء هذا

стр. 2767

الاسم) ثم يُسدِلون عليها ستاراً يكون غالباً مزوَّقاً مطرَّزاً. وكان نساء دمشق فوق أعمالهن الكثيرة التي تقوم بها اليوم الآلاتُ الكهربائية، كُنّ فوق ذلك يطرّزن ويَخِطن ويُبدِعن في التطريز والخياطة، ولا تزال زوجتي تصنع ذلك إلى الآن، وعندها قطع كبيرة من القماش قد طرّزتها بيدها فيها صور وفيها أوراد وأزهار تصلح الواحدة منها لتكون لوحة فنية. * * * وكان يُعجّبني (بتشديد الجيم) من الشيخ مسعود أنه كان ينام بجبّته لا يخلعها وعمامته على رأسه لا يضعها، ثم يصبح وما فسدت العمامة ولا تأثر الثوب، لأنه كان يضطجع على جنبه الأيمن فلا يتحرك شعرة واحدة حتى يصبح! رأيت ذلك منه مرات لا أُحصيها. والشيخ مسعود مهذّب اللفظ رفيع الخلق، علمت من بعدُ أنه أديب، وأنه من أوائل الذين انتُخبوا أعضاء في المجمع العلمي العربي (الذي يسمّونه الآن مجمع اللغة العربية)، وأنه يُحسِن التركية والفرنسية، وقد تعلمها على كبر. كان أولَ من جاء يعزّينا يوم مات أبي، وأذكر أنه سألني عن قريب لنا فقلت إنه شقيق أبي من الرضاعة، فقال لي مبتسماً: لايُقال شقيقه من الرضاعة ولكن يُقال أخوه. وكانت نصيحة لطيفة أُلقيَت بلهجة ناعمة، ولكنها حزّت في نفسي لأنني كنت -في تلك السنّ- أرى مثل هذه الغلطة تقع مني شيئاً كبيراً.

стр. 2768

كان الشيخ مسعود أحدَ الذين جدّدوا في خطب الجمعة. وقد كانت تُلقى من دواوين مطبوعة بعبارات مسجوعة بلهجة منغَّمة تكاد تكون مملّة منوّمة، فكان الشيخ مسعود من أوائل من خطب بالأسلوب الذي نسمعه اليوم. كان سنة ١٣٢٦هـ (قبل مولدي بسنة) نقيب الأشراف في حلب، ونقابة الأشراف في الأصل منصب من مناصب الدولة، وعمل القائم عليه أن يُحصي أبناء علي بن أبي طالب وأن يوزّع أوقافَهم الكثيرة التي وقفها الناس عليهم، فصار على عهد العثمانيين منصب تشريف ليس معه عمل. انتُخب عضواً في المجمع العلمي سنة ١٣٤٢، وهو أخو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي صاحب «أم القرى» و «طبائع الاستبداد»، الذي تَجدّد ذكره وعظم أمره أيام الوحدة مع مصر لأنهم عدّوه من روّاد القومية العربية، على حين أن الذي دعا إليه هو والسيد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وأمثالهم هو يقظة العرب، وجمع شتاتهم وتوحيد صفوفهم، وعودتهم إلى مكانهم الذي كان لهم، ودفع أذى الاتحاديين والملحدين من الترك عنهم، ما دعوا إلى قومية ساطع الحصري وقسطنطين زريق وسامي شوكت. وكان الشيخ مسعود أحدَ الرجال الذي تركوا في نفسي أثراً عميقاً (ولست بقادر على إحصائهم)، ولم يكن من المشايخ المعتزلين الذين يعيشون وراء حدود المجتمع، يكتفون باختيار كتاب بعد كتاب يُقرئونه تلاميذَهم، يشرحون عبارته ويكشفون غوامضه لا يكادون يزيدون عليه، يهتمّون بالكتب أكثر من

стр. 2769

اهتمامهم بالعلم، يحسبون أن هذا غاية المطلوب منهم في خدمة الإسلام، لا يعرفون من أخبار الدنيا وأوضاع الناس شيئاً. بل كان ممن له مع التضلّع في الفقه وعلوم الدين قدم في الأدب راسخة وقلم في الكتابة بليغ، لا الكتابة الأدبية الخالصة بل الكتابة العلمية، ومَن كانت عنده مجموعة مجلة المجمع العلمي العربي في أجزائها الأولى أو رجع إليها في المكتبات العامة رأى له مقالات كثيرة في نقد الكتب التي كانت تُنشر على أيامه وفي تصحيحها. ولمّا ظهرت حقيقة أعضاء حزب الاتحاد والترقّي في محاربة العربية توصُّلاً إلى محاربة الإسلام وفي كيدهم له في الخفاء، واستمرارهم على ذلك حتى ظهر مصطفى كمال فألقى القناع الأبيض المزوَّر فظهر من ورائه الوجه الأسود القبيح، لمّا بدأت تظهر نوايا الاتحاديين أُلِّفت أحزاب وتجمّعت جماعات لمقاومة دعوتهم إلى تتريك العناصر العثمانية، فكان منها «الجمعية المحمدية» ومنها «حزب الحرّية والائتلاف» الذي كان الشيخ مسعود من أكبر العاملين له والساعين لإنشائه. تَنبّه العرب لمكايد الاتحاديين، ولكنهم على عادتهم يخالفون دائماً أمر ربهم فيعمدون إلى التفرّق والانفراد بدل التجمّع والاتحاد، فيعمل كلٌّ وحده وفق اجتهاده ولا يعملون معاً، لذلك لم تفلح واحدة من هذه الجماعات وهذه الأحزاب وبقي حزب الاتحاد والترقّي هو الحاكم، حتى أدخلَنا بسوء رأيه وفساد طويّته في الحرب العالمية الأولى، وجعلنا في الجانب الخاسر، فكان السبب في انهيار هذا الصرح العظيم الذي ظلّ

стр. 2770

يقارع الأحداث ويثبت على الزلازل والهزّات خمسة قرون: صرح الدولة العثمانية، على ما كان منها. * * * لبثتُ أزور المحكمة بعد موت أبي بطلب من الرئيس مصباح بك ﵀، يحدّد لي الوقت الذي لا تكون فيه جلسات مذاكرة بين الأعضاء، فإذا جئت وجدت عنده الشيخ مسعوداً وبعض أعضاء المحكمة، فأسمع من الأحاديث وأتلقّى من النصائح، وأعرف من الرجال ما يكون لي كنزاً آخذ منه فلا يفنى. وممن عرفته في تلك الأيام من أعضاء المحكمة (أي من مستشاريها) الشيخ علي عيّاد، وهو عالِم مغربي، وكنا نسمّي «مغربياً» كلَّ من جاءنا من شمالي القارة الإفريقية مما يجاوز مصر، فالطرابلسي (أي الليبي) مغربي والتونسي مغربي والجزائري والمراكشي كلهم كانوا عندنا مغاربة، لا يكاد معظمنا يفرق بينهم، بل لم يكن في ذهني -على ما درسته من الجغرافية- تصوّر واضح لمواقع هذه الأقطار! والشيخ علي هو والد الدكتور كامل عيّاد. ومنهم يوسف بك الحكيم، وكان كما أذكر الرئيس الثاني لمحكمة التمييز، أي محكمة النقض. وقد عاش عمراً طويلاً، وكنت أزوره في داره في ساحة النجمة في دمشق، وكان يذكر أبي ويثني عليه، وقد ولي وزارة العدل. ومنهم الأستاذ الشيخ سليمان الجوخدار، وقد سبق لي عنه في هذه الذكريات كلام طويل، وقد ولي الوزارة أيضاً وكان من أقوى الوزراء.
следующие страницы →