أعضاء المحكمة (الذين يُسمَّون اليوم بالمستشارين) ليستمعوا مني، منهم العالِم الأديب النبيل الشيخ مسعود الكواكبي الحلبي، الذي أحفظ له في نفسي أوفى حظ من الحب المقرون بالاحترام، ثم صار يزورنا في الدار حيث يجتمع فيها ناس من جلّة علماء البلد يومئذ هم أصحاب أبي وأصدقاؤه، لا يكادون يفترقون، وأنا أدخل عليهم بالشاي والفاكهة والطعام ثم أقعد في طرف المجلس حيث لا يتنبّه إليّ أحد، ولكني كنت كالمسجّلة التي تُثبِت على شريطها كلَّ صوت يخرج من حولها. وإذا مدّ الله في العمر وصبّ القوة في الذاكرة واستمررتُ في نشر هذه الذكريات ولم يملّ منها القراء فسأكتب ما بقي في ذهني منها، وإن لم يبقَ إلاّ القليل.
كانت هذه المجموعة تخرج إلى بعض المتنزَّهات، فتقضي اليوم كله في مذاكرات ومناظرات وسرد نوادر ورواية نكات وطعام وشراب. ولم يكن الناس يجاوزون في الوادي الهامَةَ والجُدَيْدة وبَسّيمة وعين الفيجة، وبين أبعدها وبين دمشق عشرون كيلاً، مع أن بين دارَي بنتين لي اليوم في جدة أربعة وعشرين. ما كان الناس يقصدون الزّبَداني ومَضايا وبلودان، بل يكتفون من الوادي بما دون الفيجة.
وربما ناموا في تلك القرى، فكان الفلاحون من أصحاب الدور التي يستأجرونها يفرشون لنا الحشايا والفرش على الأرض، وننام عليها كما ينام أكثر أهل دمشق، فإذا أصبح الصباح طووها ونضّدوها ووضعوها في فجوة تكون في الجدار في كل بيت من بيوت الشام تشبه الخزانة ولكن ما لها رفوف ولا أبواب تُدعى «اليوك» (وما عرفت ولا حاولت يوماً أن أعرف من أين جاء هذا
стр. 2767
الاسم) ثم يُسدِلون عليها ستاراً يكون غالباً مزوَّقاً مطرَّزاً. وكان نساء دمشق فوق أعمالهن الكثيرة التي تقوم بها اليوم الآلاتُ الكهربائية، كُنّ فوق ذلك يطرّزن ويَخِطن ويُبدِعن في التطريز والخياطة، ولا تزال زوجتي تصنع ذلك إلى الآن، وعندها قطع كبيرة من القماش قد طرّزتها بيدها فيها صور وفيها أوراد وأزهار تصلح الواحدة منها لتكون لوحة فنية.
* * *
وكان يُعجّبني (بتشديد الجيم) من الشيخ مسعود أنه كان ينام بجبّته لا يخلعها وعمامته على رأسه لا يضعها، ثم يصبح وما فسدت العمامة ولا تأثر الثوب، لأنه كان يضطجع على جنبه الأيمن فلا يتحرك شعرة واحدة حتى يصبح! رأيت ذلك منه مرات لا أُحصيها.
والشيخ مسعود مهذّب اللفظ رفيع الخلق، علمت من بعدُ أنه أديب، وأنه من أوائل الذين انتُخبوا أعضاء في المجمع العلمي العربي (الذي يسمّونه الآن مجمع اللغة العربية)، وأنه يُحسِن التركية والفرنسية، وقد تعلمها على كبر.
كان أولَ من جاء يعزّينا يوم مات أبي، وأذكر أنه سألني عن قريب لنا فقلت إنه شقيق أبي من الرضاعة، فقال لي مبتسماً: لايُقال شقيقه من الرضاعة ولكن يُقال أخوه. وكانت نصيحة لطيفة أُلقيَت بلهجة ناعمة، ولكنها حزّت في نفسي لأنني كنت -في تلك السنّ- أرى مثل هذه الغلطة تقع مني شيئاً كبيراً.
стр. 2768
كان الشيخ مسعود أحدَ الذين جدّدوا في خطب الجمعة. وقد كانت تُلقى من دواوين مطبوعة بعبارات مسجوعة بلهجة منغَّمة تكاد تكون مملّة منوّمة، فكان الشيخ مسعود من أوائل من خطب بالأسلوب الذي نسمعه اليوم. كان سنة ١٣٢٦هـ (قبل مولدي بسنة) نقيب الأشراف في حلب، ونقابة الأشراف في الأصل منصب من مناصب الدولة، وعمل القائم عليه أن يُحصي أبناء علي بن أبي طالب وأن يوزّع أوقافَهم الكثيرة التي وقفها الناس عليهم، فصار على عهد العثمانيين منصب تشريف ليس معه عمل.
انتُخب عضواً في المجمع العلمي سنة ١٣٤٢، وهو أخو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي صاحب «أم القرى» و «طبائع الاستبداد»، الذي تَجدّد ذكره وعظم أمره أيام الوحدة مع مصر لأنهم عدّوه من روّاد القومية العربية، على حين أن الذي دعا إليه هو والسيد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وأمثالهم هو يقظة العرب، وجمع شتاتهم وتوحيد صفوفهم، وعودتهم إلى مكانهم الذي كان لهم، ودفع أذى الاتحاديين والملحدين من الترك عنهم، ما دعوا إلى قومية ساطع الحصري وقسطنطين زريق وسامي شوكت.
وكان الشيخ مسعود أحدَ الرجال الذي تركوا في نفسي أثراً عميقاً (ولست بقادر على إحصائهم)، ولم يكن من المشايخ المعتزلين الذين يعيشون وراء حدود المجتمع، يكتفون باختيار كتاب بعد كتاب يُقرئونه تلاميذَهم، يشرحون عبارته ويكشفون غوامضه لا يكادون يزيدون عليه، يهتمّون بالكتب أكثر من
стр. 2769
اهتمامهم بالعلم، يحسبون أن هذا غاية المطلوب منهم في خدمة الإسلام، لا يعرفون من أخبار الدنيا وأوضاع الناس شيئاً. بل كان ممن له مع التضلّع في الفقه وعلوم الدين قدم في الأدب راسخة وقلم في الكتابة بليغ، لا الكتابة الأدبية الخالصة بل الكتابة العلمية، ومَن كانت عنده مجموعة مجلة المجمع العلمي العربي في أجزائها الأولى أو رجع إليها في المكتبات العامة رأى له مقالات كثيرة في نقد الكتب التي كانت تُنشر على أيامه وفي تصحيحها.
ولمّا ظهرت حقيقة أعضاء حزب الاتحاد والترقّي في محاربة العربية توصُّلاً إلى محاربة الإسلام وفي كيدهم له في الخفاء، واستمرارهم على ذلك حتى ظهر مصطفى كمال فألقى القناع الأبيض المزوَّر فظهر من ورائه الوجه الأسود القبيح، لمّا بدأت تظهر نوايا الاتحاديين أُلِّفت أحزاب وتجمّعت جماعات لمقاومة دعوتهم إلى تتريك العناصر العثمانية، فكان منها «الجمعية المحمدية» ومنها «حزب الحرّية والائتلاف» الذي كان الشيخ مسعود من أكبر العاملين له والساعين لإنشائه.
تَنبّه العرب لمكايد الاتحاديين، ولكنهم على عادتهم يخالفون دائماً أمر ربهم فيعمدون إلى التفرّق والانفراد بدل التجمّع والاتحاد، فيعمل كلٌّ وحده وفق اجتهاده ولا يعملون معاً، لذلك لم تفلح واحدة من هذه الجماعات وهذه الأحزاب وبقي حزب الاتحاد والترقّي هو الحاكم، حتى أدخلَنا بسوء رأيه وفساد طويّته في الحرب العالمية الأولى، وجعلنا في الجانب الخاسر، فكان السبب في انهيار هذا الصرح العظيم الذي ظلّ
стр. 2770
يقارع الأحداث ويثبت على الزلازل والهزّات خمسة قرون: صرح الدولة العثمانية، على ما كان منها.
* * *
لبثتُ أزور المحكمة بعد موت أبي بطلب من الرئيس مصباح بك ﵀، يحدّد لي الوقت الذي لا تكون فيه جلسات مذاكرة بين الأعضاء، فإذا جئت وجدت عنده الشيخ مسعوداً وبعض أعضاء المحكمة، فأسمع من الأحاديث وأتلقّى من النصائح، وأعرف من الرجال ما يكون لي كنزاً آخذ منه فلا يفنى.
وممن عرفته في تلك الأيام من أعضاء المحكمة (أي من مستشاريها) الشيخ علي عيّاد، وهو عالِم مغربي، وكنا نسمّي «مغربياً» كلَّ من جاءنا من شمالي القارة الإفريقية مما يجاوز مصر، فالطرابلسي (أي الليبي) مغربي والتونسي مغربي والجزائري والمراكشي كلهم كانوا عندنا مغاربة، لا يكاد معظمنا يفرق بينهم، بل لم يكن في ذهني -على ما درسته من الجغرافية- تصوّر واضح لمواقع هذه الأقطار! والشيخ علي هو والد الدكتور كامل عيّاد.
ومنهم يوسف بك الحكيم، وكان كما أذكر الرئيس الثاني لمحكمة التمييز، أي محكمة النقض. وقد عاش عمراً طويلاً، وكنت أزوره في داره في ساحة النجمة في دمشق، وكان يذكر أبي ويثني عليه، وقد ولي وزارة العدل.
ومنهم الأستاذ الشيخ سليمان الجوخدار، وقد سبق لي عنه في هذه الذكريات كلام طويل، وقد ولي الوزارة أيضاً وكان من أقوى الوزراء.
стр. 2771
ومنهم رجل نسيت اسمه كبير السنّ، أذكر هيئته كأني أراه الآن أمامي لا أعرف ما دينه، ولكنه لم يكن مسلماً. رسخ في ذاكرتي قوله الذي لم يكن يفتأ يقوله لأبي، وهو أن الشكّ يكاد يقتله وأنه يريد أن يعتقد عقيدة يطمئنّ إليها، حقاً كانت أم كانت باطلاً، ليخلص بها من هذا الشك الذي يمزقه ويكاد يسحقه، فمَن استطاع أن يوصله إليها أعطاه نصف مرتّبه طول حياته! فكان الأستاذ الكواكبي وأبي وغيرهما يكلمانه ويطيلان الكلام فلا يصنعون معه شيئاً، لأن ما استقرّ في نفسه من الشُّبَه يدفعه لأن ينقض هذه الأدلّة العقلية التي يأتونه بها بشبهات جدَلية، فكان ذلك مما جعلني (وأنا الصغير) أحمد الله على أن لي عقيدة أعتقدها أسكن إليها وأطمئن بها، فما في الدنيا أقتل للعقل وأذهب للسعادة من أمثال هذه الشكوك.
وكان في ديوان المحكمة الذي كان أبي رئيسَه جماعة من المساعدين (أي من الكُتّاب)، صاروا كلهم فيما بعد من أكابر القضاة ثم مضوا كلهم حيث يمضي كل حي. منهم الأستاذ محمد علي الطيبي، وكان مساعد أبي وقد ولي رياسة الديوان بعده، ثم صار الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في دمشق، وهي مرتبة قضائية عالية. وكان هادئ الطبع ساكن الجوارح، ما رأيته يوماً يغضب ولا يسخط، وله فضل عليّ لست أدري أذَكرتُه في حلقة ماضية أم لم أذكره، فأنا أكتب الحلقة ولا أعرف ما الذي قبلها ويختلط عليّ ما هو مستقرّ في ذاكرتي بما هو مُودَع في مقالاتي.
ذلك أنه كان السبب في ردّي إلى الدراسة بعد أن تركتها وحاولت ما لم أُخلَق له من الاشتغال بالتجارة، فرجعت إلى
стр. 2772
شعبة الأدب في الصفّ العاشر من مكتب عنبر وأكملت مسيرتي في طريق الدراسة، والفضل لله أولاً وأخيراً ثم لهذا الأستاذ ﵀ (١).
وأسرة الطيّبي في دمشق كأسرة الكواكبي في حلب، من الأسر العلمية. وكان أبوه عالِماً عُرف بأنه مرجع في الفرائض والمواريث. ومن عجائب أمر الأب أنه تزوج بعدما جاوز الثمانين من عمره ووُلد له ولد كان بينه وبين أخيه الأستاذ محمد علي أكثر من ثمانين سنة! وممن أعرفه تزوّج على كبر وأنجب الشيخ علي ظبيان، وهو والد الأستاذ نديم الذي ذكرته عند الحديث عن بروكسل والأستاذ الصحافي الأديب تيسير ﵀ الذي تكلمت عنه من قبل.
وممن كان كاتباً في الديوان الأستاذ عارف الحمزاوي الذي صار الأمين العامّ لوزارة العدل، أي وكيل الوزارة. وأسرة الحمزاوي (أو آل حمزة) من أقدم الأسر الشامية، ومنهم المفتي الشيخ محمود حمزة أو الحمزاوي، أشهر المفتين في الشام في القرن الماضي.
стр. 2773
وممن كان كاتباً في الديوان الأستاذ صبحي القوّتلي الذي صار الرئيس الأول لمحكمة النقض، محكمة التمييز، ولست أؤكّد ذلك وأشكّ: هل كان مع أبي في ديوان المحكمة على عهد الدولة العربية في أعقاب الحرب الأولى أم كان تلميذه في المدرسة التجارية؟ وهو من أنزه القضاة الذين عرفتهم، وله قلم بليغ وله اطّلاع واسع، وكان يُكثِر قراءة القرآن وتدبّره من غير رجوع إلى كتب التفسير، فيصل بذهنه إلى أشياء منها ما هو جديد مقبول ومنها ما هو مردود. ومثله في ذلك أستاذنا في مكتب عنبر الأستاذ حسن يحيى الصبان.
فمما كان يقوله الأستاذ القوتلي أن حديث «لا يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله» مخالف للقرآن لأن الله يقول: ﴿ادخُلُوا الجنّةَ بِما كُنتمْ تعمَلُون﴾، وفي القرآن آيات كثيرة في هذا المعنى. ويقول إن صحيح البخاري فيه أصحّ الأحاديث رواية ولكن الناس بالغوا في تقديره حتى وصلوا إلى تقديسه، مع أن المحدّثين يقرّرون أن الحديث -مهما كانت درجته ومهما كانت منزلة راويه- إذا خالف القرآن ولم يمكن التوفيق بينه وبين الآية نحكم بأن الرسول لم يقُله، لأن الرسول ‘ لا يقول ما يخالف القرآن مخالفة تامّة. (أقول: وهذه القاعدة مدوَّنة في كتب المصطلح، تجدونها في أصغر كتاب في هذا العلم لأكبر عالِم فيه، هو «شرح نخبة الفِكَر» لابن حجر). وكنا إذا قلنا له إن الباء في الآية بمعنى غير الباء في الحديث أجاب بأن ذلك أيضاً أثر من آثار تقديس صحيح البخاري، فالنحويون اخترعوا هذه الفروق للباء ليثبتوا أنه ليس بين الحديث والآية اختلاف!
стр. 2774
وممن كان في الديوان الأستاذ إبراهيم السيوفي، وكان في تلك الأيام أصغر مَن فيه ولكنه أثقلهم حملاً وأكثرهم شغلاً، وقد صار من بعدُ قاضياً. ومنهم الأستاذ نصوح الكيلاني، وكان فوق عمله في المحكمة معدوداً من كبار رجال الفنّ ومن أهل الموسيقى ومن أحسن العازفين على القيثارة (الكمان)!
* * *
أرجع إلى رئيس المحكمة الأستاذ مصباح محرَّم. وأنا لا أزال أذكر لحيته البيضاء وشاربَيه الكبيرَين، وما تفيض هيئته ولهجته وسعة علمه وصدق مقالته من فرض الاحترام على جليسه، فقد كان عالِماً في الحقوق وكان مدرّساً في كلّيتها (وكنا نسمّيها معهد الحقوق) يدرّس مادة «الصكوك القضائية»، وله فيها كتاب وصل إلى أيدينا وقد دخلنا الكلية سنة وفاته (١٣٥٠هجرية) وصل إلينا كتابه ممن كان قبلنا من الطلاب وكنا نراجع فيه.
وكان الأستاذ مصباح محرم متمكناً من العربية صحيح العبارة بعيداً عن اللحن وعن الضعف، وكان له شِعر يرتفع عن نَظْم النظّامين وينزل عن شعر الشعراء المطبوعين، وهو على كل حال مبرّأ من هذا الذي يُنشَر الآن على أنه شعر وما هو بشعر! وعندي لوحة فيها جملة «بسم الله الرحمن الرحيم» كان أهداها إلى أبي مصوَّرة عن قطعة كتبها السلطان محمود بخطّ الثلُث، بلغ فيها الغاية في جمال الخطّ وحسن الترتيب.
وكان مصباح بك متديناً يراقب الله ويمشي على شرعه. وولده أستاذنا الدكتور محمد محرم كان رئيس قسم الأمراض الجلدية في
стр. 2775
كلية الطب بدمشق، وكان أول من أخصى (١) (أي تخصّص) في الأمراض الجلدية في الشام، وكان أديباً وعالِماً بالعربية، جاءنا مدرّساً في مكتب عنبر سنة ١٣٤٥هـ، ومنه سمعت أول مرة كلمة «حَنْجَرة» بفتح الحاء، وكان أساتذتنا يضمّونها.
وقد قرأت من نحو شهرين في هذه الجريدة واحدة من مقالات متسلسلة عن القناة الهضمية لطبيب اسمه الدكتور شماعة (أو شيء يشبه هذا الاسم) فيها أن الحَنجرة أول أعضاء الجهاز الهضمي وأن الطعام يمرّ منها، وضحكت وأنا أقرؤها حتى دخلَت ذرة من الطعام في حنجرتي بدلاً من أن تدخل في البلعوم فكدت أختنق! فكيف يدخل الطعام إليها ويمرّ منها؟ هل هذا جهل في الطب أم باللغة؟ وكلاهما قبيح من طبيب.
وعرَتني مرة حكّة قوية تأتي مفاجأة في موقع يجب ستره فكنت أُضطرّ أن أقف إلى جانب الطريق لأحكّ الموضع، فذهبت إليه (أي الدكتور محمد محرم) وأنا خائف من هذا الذي عراني لا أدري ما هو، ففحصني وطمأنني وقال لي: إنك لا تحتاج إلاّ لبعض المهدّئات الخفيفة وليس بك شيء. وكتب لي اسم الدواء. ولقيته بعد ذلك بمدّة فسألني فخبّرته أن ما أشكو منه قد زال، ثم ضحكت وقلت: ياسيدي، إنني لم أشترِ الدواء ولم أستعمله،
стр. 2776
ولكن ما قلتَه لي كان سبباً كافياً لأن يشفيني الله (١).
ولا يُنكِر أحدٌ أثرَ الإيحاء النفسي في بعض الأمراض، لا سيما الجلدية منها. وقد قدّمت القول بأن الثآليل (ونسمّيها في الشام «التواليل»، وهي التي تظهر في الجلد فلا تؤلم ولا تنزف ولكنها تشوّهه) يحتالون عليها بحيل نفسية فيشفي الله منها. من ذلك أنهم يضعون حبّة عدس أو شعير فوقها ويقرؤون شيئاً ويُلقون هذه الحبة في بئر ويُفهِمون المريض أنها إذا تحلّلت وفنيت في الماء برئ مما يقاسيه، وأشياء من هذا القبيل لا أثر لها في الحقيقة في المرض ولكنها فيما يبدو نوع من الإيحاء.
* * *
كان الأستاذ مصباح بك ﵀ أيام العثمانيين مفتّشاً على القضاة، فأخبرني حَمي (على وزن أبي، أي والد زوجتي) الأستاذ صلاح الدين الخطيب ﵀ ورحم كل من ذكرت، الذي كان يومئذ عضواً (أي مستشاراً) في محكمة النقض، خبّرني أن مصباح بك جاء يافا مرة يفتّش محكمتها وكان قاضيها الشيخ أبو النصر الخطيب (وهو عم مصباح وعم أمي)، فلما انتهى من تفتيش المحكمة أخذه القاضي معه إلى الدار، فرآهما رجل من أهل البلد فمشى معهما، والقاضي يظن أنه صديق المفتّش لذلك لم يسأله، والمفتش يحسب أنه صاحب القاضي لذلك لم يكلمه. حتى إذا وصلوا الدار ودخلوها وهمّوا بالقعود إلى مائدة الطعام
стр. 2777
تبيّن أن لهذا الرجل قضية، أي دعوى في المحكمة. عند ذلك استأذن القاضي أن يفارق الدار لضرورة عاجلة لا بد منها، وخرج والمفتّش والرجل يتعجبان، وغاب ساعة حتى جاء برجل آخر وقال للأول: هذا خصمك، فما عندك من أقوال فقله أمامه ليردّه عليك.
وكان الشيخ أبو النصر معروفاً بالنزاهة في القضاء، وكانت له نوادر كثيرة ربما تكلمت عنها إن وفّق الله في يوم من الأيام.
* * *
стр. 2778
المحتويات
الحلقة (١٨٤) افتتاح أسبوع التسلّح في دمشق ... ٥
الحلقة (١٨٥) من أخبار العلم والعلماء في دمشق قبل نصف قرن ... ١٩
الحلقة (١٨٦) فتنة التجانية في الشام ... ٣٣
الحلقة (١٨٧) في الكلية الشرعية في دمشق ... ٤٧
الحلقة (١٨٨) حلقة خاصّة في تصنيف العلوم ... ٦١
الحلقة (١٨٩) في الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية ... ٧٧
الحلقة (١٩٠) كيف وُضع مشروع قانون الأحوال الشخصية؟ ... ٩١
الحلقة (١٩١) مصر قبل أربعين سنة ... ١٠٥
الحلقة (١٩٢) في إدارة التشريع في وزارة العدل ... ١١٩
الحلقة (١٩٣) ترشيحي في انتخابات الشام سنة ١٩٤٧ ... ١٣٣
الحلقة (١٩٤) عودة إلى الحديث عن مصر ... ١٤٥
الحلقة (١٩٥) حلقة مفردة: وحي صورة ... ١٥٩
الحلقة (١٩٦) وقفة استراحة ... ١٧١
الحلقة (١٩٧) بقايا من ذكريات رمضان ... ١٨٥
الحلقة (١٩٨) في «آخِنْ» عاصمة شارلمان ... ١٩٧
الحلقة (١٩٩) رحلتي من فرانكفورت إلى آخن ... ٢٠٩
الحلقة (٢٠٠) الدعوة الإسلامية في ألمانيا ... ٢١٩
стр. 2779
الحلقة (٢٠١) في مسجد آخن مع القساوسة والهيبيين! ... ٢٣١
الحلقة (٢٠٢) السفر إلى المؤتمر ... ٢٤٣
الحلقة (٢٠٣) إلى الوزير الشاعر عبد الله بلخير ... ٢٥٧
الحلقة (٢٠٤) صلاة الجمعة في مسجد بروكسل ... ٢٧١
الحلقة (٢٠٥) أيام لا تُنسى في بروكسل ... ٢٨٣
الحلقة (٢٠٦) في منطقة الآردن ... ٢٩٧
الحلقة (٢٠٧) خواطر في الحياة والموت، في طرق هولندا ... ٣٠٩
الحلقة (٢٠٨) طريق الحج ... ٣٢١
الحلقة (٢٠٩) الخط الحديدي الحجازي ... ٣٣٣
الحلقة (٢١٠) في صحبة الحيوان ... ٣٤٥
الحلقة (٢١١) كتاب جديد أثار في نفسي ذكريات قديمة ... ٣٦١
الحلقة (٢١٢) إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح ... ٣٧٥
الحلقة (٢١٣) عودة إلى ذكريات القضاء ... ٣٨٧
الحلقة (٢١٤) في محكمة النقض في دمشق ... ٣٩٩
стр. 2780
من آثار المؤلف
١ ـ أبو بكر الصديق ... ١٩٣٥
٢ ـ قصص من التاريخ ... ١٩٥٧
٣ ـ رجال من التاريخ ... ١٩٥٨
٤ ـ صور وخواطر ... ١٩٥٨
٥ ـ قصص من الحياة ... ١٩٥٩
٦ ـ في سبيل الإصلاح ... ١٩٥٩
٧ ـ دمشق ... ١٩٥٩
٨ ـ أخبار عمر ... ١٩٥٩
٩ ـ مقالات في كلمات ... ١٩٥٩
١٠ـ من نفحات الحرم ... ١٩٦٠
١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ... ١٩٦٠
١٢ـ هتاف المجد ... ١٩٦٠
١٣ـ من حديث النفس ... ١٩٦٠
١٤ـ الجامع الأموي ... ١٩٦٠
١٥ـ في أندونيسيا ... ١٩٦٠
١٦ـ فصول إسلامية ... ١٩٦٠
١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ... ١٩٦٠
١٨ـ فِكَر ومباحث ... ١٩٦٠
стр. 2781
١٩ـ مع الناس ... ١٩٦٠
٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ... ١٩٦٠
٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ... ١٩٦٠
٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ... ١٩٧٠
٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ... ١٩٨٥
٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ... ١٩٨٥ـ ١٩٨٩
٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ... ٢٠٠٠
٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ... ٢٠٠١
٢٧ـ فصول اجتماعية ... ٢٠٠٢
٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ... ٢٠٠٢
٢٩ـ نور وهداية ... ٢٠٠٦
إلى القرّاء الكرام
لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب.
مجاهد مأمون ديرانية
mujahed@al-ajyal.com
стр. 2782
ذكريات
علي الطنطاوي
الجزء الثامن
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزريع
стр. 2783
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الخامسة
٢٠٠٦
دار المنارة
للنشر والتوزريع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 2784
-٢١٥ -
وداع المحكمة الشرعية
لماذا تحلو ذكرى الماضي ولو كان مُرّاً؟ هل تذهب الأيام بالمرارة وتصبّ في الأحداث -إن مضت- سكّراً وعسلاً، أم قد حلَت في عيني لأني فقدتها؟ ومن نكد الدنيا أن مسرّتها مشوبة بالألم وأن المرء لا يستحلي الشيء إلاّ إن خلت يده منه، وقد كان يزهد فيه لمّا كان في يده، وأنه يشتهي ما يُمنَع منه ويملّ مما يُعرَض عليه.
خرجنا مرة مع الأسرة أوائل إقامتي في مكّة من بضع وعشرين سنة إلى حديقة الزاهر، وكانت عروس الحدائق وفرحة المرتاد، وفي نيّتنا أن نبقى فيها إلى الليل. فنادوا أن باب الحديقة سيقفل ساعتين لضرورة عمرانية تقتضي الإغلاق، فمَن كان مستعجلاً فليخرج الآن أو فليبقَ حتى يُعاد فتح الباب. لمّا أحسست أني مُنعت من الخروج ضاقت بي الحديقة واسودّت في عيني، وشعرت بما يشعر به السجين بين جدران السجن!
وكنت أدرّس الأدب في بغداد من نصف قرن كامل، وكان ممن ندرس شعره وحياته من الشعراء شوقي، وكانت قصيدته
стр. 2785
«ياجارة الوادي» يومئذ بصوت عبد الوهاب على كل لسان وفي كل مكان، فاخترتها للطلاّب ليحفظوها فيما يحفظون من شعر شوقي. فلما صارت واجباً عليهم كُرّهَت إليهم، وقد كان أكثرهم يحفظها ويحاول أن يغنيها.
لذلك شعرت لمّا تردّدتُ بين البقاء في المحكمة الشرعية أو الانتقال إلى محكمة النقض، شعرت بالضيق لأنني كلما مِلت إلى جانب وتصوّرت أني أفارق الآخر حلا بعيني ما تصوّرت أني مفارقه، لأن الطمع طبع في الإنسان، لا يقنع، حتى إنه «لو كان له وادٍ من ذهبٍ لابتغى له ثانياً» كما قال رسول الله ﵊، «ولا يملأ عينَ ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب».
اللهم إننا تبنا إليك فتُب علينا.
وقد عرفتم أني كنت أوّل قاضٍ انتقل بمحكمته إلى القصر العدلي لمّا أُنشئ، فأخذت الزاوية الجنوبية الغربية. وخيرُ بيوت الشام ما كان مفتوحَ النوافذ على الجنوب، يليه ما كانت نوافذه على الغرب؛ الأول ينال من الشمس حظاً كاملاً في بلد يمتدّ الشتاء فيه أربعة أشهر وتكون الشمس فيه متعة الشتاء، والثاني حظّه منها النصف. وما كان مفتوحاً على الشرق أخذ الربع، وما كانت نوافذه على الشمال عاش في شتاء دائم.
والعرف في الشام أن الحكومة إن أزمعت إنشاء حيّ جديد اشترت البيوت القديمة كلها من أصحابها بأثمانها فتملّكَتها، ثم هدمتها ونقلت أنقاضها وقسّمت الأرض نظيفة بعد تنظيمها بين
стр. 2786
أصحاب هذه البيوت بمقدار ما كانت تساوي بيوتهم. فلما أُقيمَ القصر العدلي أجّلوا إزالة البيوت القديمة من حوله وأرجؤوا فتح الشوارع: الشارع الذي ترونه الآن غربيّ القصر والشارع الجنوبي منه. فكنت أنظر من غرفتي فأرى مثل آثار الدرعية، أرى بيتاً بقي منه جدار واحد وغرفةً فوقه ذهب نصفها.
وأنا لا يُصيبني ويحرّك سواكن نفسي كالوقوف على الأطلال. إنني أرمّمها في خيالي وأصلحها كما يرمّم البيتَ العتيق مالكُه حتى يُعيد إليه من بهائه ما يمكن أن يعود! كنت أنظر إلى الغرفة التي بقي نصفها فأراها ونصفها معها، ومع صاحبها نصفه الآخر من البشر: الزوج وزوجته، والجدران ساترة، والباب مُغلَق. أراها وقد عادت الحياة إليها ورجع إليها أهلوها، حتى إني لأسمع لغط صبيانها وأحاديث نسائها وقرع قباقيبهنّ على بلاطها! مع أنها قد زالت الجدران فانكشف المخبوء وذاعت الأسرار، وصار مَن فيها كأنهم يمشون في السوق بلا ثياب.
كم تُخفي هذه الأبواب وراءها، وهذه السقوف كم تخبّئ تحتها! لي مقالة كان عنوانها «في الليل» نشرها الأستاذ الزيات في الرسالة سنة ١٩٤٣ كان مما قلت فيها:
إن الطبيعة ظاهرها كباطنها، لا يُضمِر الجبلُ نفاقاً ولا السهلُ يبطن حقداً ولا السحابُ ينطوي على مكر، ثم أنظر إلى هذه السقوف التي كانت تبدو لي تلك الليلة بهية برّاقة، يقطر منها النور بعدما اغتسلت بضياء القمر وماء المطر، فأفكّر فيها: ماذا تحت هذه السقوف؟ كم تحتها من خبايا وعجائب ومؤتلف ومختلف!
стр. 2787
كم من معبد لمتهجّد متنسّك إلى جنب مخدع لمستهتر متهتّك، هذا خلا بربّه وذاك بحبّه، فتجاورت منهما الظلمة والنور.
وكم من سرير لميت يحفّ به أهله يبكون، ومضجع لعروسين أحاط بهما الأقرباء يضحكون، ومَن يبيت يتبرّم بالولد ومن يتألم من العقم، وشاكٍ من التخمة وباكٍ من الجوع، ومسرور يتمنى لو طال الليل ومنكود موجَع ينتظر النهار، وكادح للعيش ناصب لا يستريح نهاره ولا يكاد ينام ليله، همّه المال يجمعه ويركمه قد حرم نفسه من أجله الطيبات، ولو كُشف له الغطاء لعلم أنه إنما سخّره الله لآخر فهو يجمعه له ويكدح من أجله، وذاك نائم لا يفكّر فيه ولا يباليه، حتى يجيء وقته فيأتيه ...
(إلى أن قلت): وكم من أديب، أديب حقاً، قد طاعت له عَصِيّات الكَلِم وذلّت له العوالي من قطوف البلاغة، قد انزوى في خُصّه لا يدري به أحد، ودَعِيّ جاهل، لصِّ مَعَانٍ وصَفّاف كلمات، قد جُمِع له المجد الأدبي من أطرافه فكان له الاسم السائر والمال الوافر! ومُتَمَشْيِخ قد لبس مسوح الزاهدين واتّزر بإزار الصالحين، قد عرّض لحيته وكوّر عمامته وأدلى عذبته وطوّل سبحته، ودعا الناس إلى الزهد في الدنيا ونبذ الأموال ورمي النقود في الطرقات لأنها وسخ الدنيا، فلما أطاعوه ورموها خالفهم إليها فالتقطها ...
(إلى أن قلت): كم تحت هذه السقوف من شاعر يعتقد أنه خُلق روحاً بلا جسم وأنه يتغدى بالحب ويتعشى العواطف، قد أغلق بابه وطفق يعدّ نقوده التي يستوحيها الخيال ويستلهمها الشعر،
стр. 2788
فلما رآها قليلة لا تزال انصرف إلى نظم قصيدة عاطفية جديدة يستدرّ بها المال! ونصير للفضيلة سخّر قلمه لها ووقف صحيفته عليها، قد هرب من بيته وانصرف في تلك الساعة إلى عشيقته ليقرأ عليها مقالته الجديدة في ذم العشق وامتداح الوفاء الزوجي! وفلاّح عاكف على لبَنه يخلطه بالماء، وكلما صبّ فيه شيئاً نظر إليه وذاقه، فلما اطمأنّ أنه لم يَعُد يحتمل زيادة قعد يفكّر في أيمان جديدة يحلف بها غداً على أن اللبن خالص لم يمسسه ماء!
وباتت ثلاثون ألف فتاة ينتظرن الزواج وبات ثلاثون ألف فتى ينتظرون الزواج، وما حال بين الطائفتين إلاّ غلاء المهور وكثرة التكاليف وسخف العادات، وجهل الآباء الذين يَحسَبون بناتهم دوابَّ تُباع في سوق البقر فهم يتغالون بأثمانها، والذين لا يمتثلون أوامرَ الشرع فيمنعوا الخاطبَ الكفء أن يرى البنت ثم يُطلِقونها في الطرقات متبرجة سافرة فيراها البَرّ والفاجر وكل ذي عينين، حتى الحمار!
وخلال ذلك عشرون ألف شابّ لا ينقصهم شيء من مال ولا صحّة ولكنهم لا يزالون يشكون الملل ولا يدرون ماذا يصنعون، فيُقبِلون على الملاهي أو يقلّدون الكفار فينتحرون، ولو دقّقوا لعلموا أنهم إنما ينقصهم الإيمان.
وخمسمئة ألف من سكّان دمشق نسوا همومهم وناموا كالقتلى.
(والمقالة في كتابي «صور وخواطر»).
* * *
стр. 2789
وكنت أنظر فأرى أمام غرفتي بقايا جدار فيه محراب المسجد الذي كان في المشيرية، أقامه الأتراك أيام حكمهم وبقي على عهد الفرنسيين لمّا كانوا متسلطين على الشام، فلما هُدمت الدور هُدم معها.
وكان في المحكمة الشرعية لمّا كانت في سوق الخياطين مسجد إمامه الرسمي الشيخ صادق أبو قورة، وإمام مسجد المشيرية الشيخ يحيى المكتبي الذي يدعوه الناس الشيخ يحيى زمّيتا، وكلاهما من تلاميذ الشيخ بدر الدين شيخ العلماء والمحدّث الأكبر.
وكان الشيخ يحيى أقرب الناس إليه، وكان وكيله في أعماله ورسوله إلى الرؤساء والوزراء في حاجات الناس التي يرفعونها للشيخ. وطالما أنقذ الشيخ يحيى بإمامته في المشيرية (التي صارت لمندوب المفوّض السامي الفرنسي) طالما أنقذ ناساً من الثوار وغيرهم ممن كان يُمسك بهم الفرنسيون وكان مصيرهم الموت، أنقذهم الله به باسم الشيخ بدر الدين وبحسن حيلته ولطف مدخله إلى أولئك الحاكمين.
أمّا الشيخ صادق فكان أيضاً ممن يلازم الشيخ بدر الدين. رجل يغلب عليه صفاء القلب، يقول أحياناً كلاماً مغطّى عجيباً لايكاد يُفهَم. ومن العجائب ما أخبرني به أخي أنور العطار، ﵀ ورحم الشيخ صادقاً وكل من ذكرته، أن للشيخ صادق أخوين أحدهما اسمه الشيخ عمر المسالخي والثاني اسمه الشيخ علي المستوي.
وكان إلى جنب المشيرية مسجد (هو مسجد عيسى باشا)
стр. 2790
وأمامها مسجد. أمّا الذي إلى جنبها فقد أُقيمت في مكانه عمارة كبيرة جعلوا للمسجد طبقة منها، وفي الطبقة التي تحتها مصرف (بنك) وفي الطبقة التي فوقها مصرف (بنك)، خطبت فيه مرة خطبة الجمعة فقلت للناس: إني أقوم على هذا المنبر أقول إن الله حرّم الربا، فيقول لي مَن هو تحتي: كذّاب، ويقول الذين هم فوقي: كذّاب!
وجعلُ المساجد طبقة في عمارة كبيرة بدعة لم أعرفها في غير الشام وبيروت، وهي حرام لأن أرض المسجد وسماءه له فلا يجوز أن يُملَك ما تحته ولا ما فوقه.
وأمّا المسجد الذي كان أمامها فقد أقاموا في موضعه العمارة التي فيها دوائر الأوقاف.
ذكرنا ما ذهب من المساجد، وآخرها مسجد «دكّ الباب» في دمشق. وما أكثر ما ذهب من المساجد والمدارس القديمة، حتى إن من يمشي في الأزقّة والحارات حول الجامع الأموي في دمشق يري بيوتاً مملوكة على أبوابها نقش على الحجر بأنها مدارس أو مساجد فيها اسم بانيها وما وقف عليها من الأوقاف.
ولكنْ ظلمٌ أن نذكر السيئة ونَدَع الحسنة. صحيح أننا سرقنا أو هدمنا مدارس كثيرة ومساجد في أرض المسلمين الواسعة، ولكننا أنشأنا مساجد أكثر منها: كلما أُقيمَ حيّ جديد في بلد رأيت المساجد تقوم معه، هذه أحياء جدة الحديثة مثلاً: المسجد فيها إلى جنب المسجد، وكلها (والحمد لله والدعاء بالخير لبانيها) كلها شامخة البنيان راسخة الأركان عامرة بالعبادة والإيمان. وفي
стр. 2791
الأحياء الجديدة من دمشق مثل ذلك، وكنت أتمنى بدلاً من المساجد الصغيرة الكثيرة أن يقوم في كل حيّ مسجد جامع يؤمّه الناس يوم الجمعة.
* * *
لمّا هدموا ما حول القصر وهُدم معه المسجد وبقي محرابه مواجهاً لنافذة غرفتي ذهبتُ أدعو الجمعيات الإسلامية، وسعيت عند وزارة العدل واستعنت بالمخلصين من العلماء المُصلِحين لإعادة المسجد أو إقامته في طرف من القصر لمّا كانوا يبنونه. فما أفلحنا لأن الاسم كان للوزير السوري والفعل للمستشار الفرنسي. ولقد أخذ صديقنا شاكر السباعي (وهو الذي كان كبير المساعدين القضائيين في وزارة العدل ﵀ صورة المحراب، يحسب أن الصورة تُعيد الأصل!
فلما يئستُ من إعادة المسجد أخذت غرفة كبيرة من القسم الذي اخترته للمحكمة فجعلتها مسجداً، وأقرّت ذلك الوزارة ووعدَت بفرش هذه الغرفة، وجاء الشيخ يحيى (الذي كان إمام المسجد) بسجّادة عَجَمية كبيرة غالية من داره كانت في تلك الأيام تُباع بثمن كبير فوضعها في هذه الغرفة، ومات ﵀ وهي فيها، فكلّمت ولديه (أحدهما كان يعمل هنا مستشاراً في وزارة الإعلام) ليطالب بثمنها لأنه لم يَقُل إنه تبرّع بها، فما كانا أقلّ من أبيهما كرماً واحتساباً فأبيا أن يطالبا بشيء، فجزى الله الشيخ يحيى وجزاهما خيراً.
* * *
стр. 2792
وكانت وزارة العدل في الطبقة التي هي فوق المحكمة، وكنت أبقى في المحكمة وحدي بعدما ينصرف الموظفون والمراجعون فأتغدى فيها، يأتيني الطعام كل يوم من مطعم قريب اسمه «مطعم الأمراء» (في أول سوق الحميدية). وأنا أعرف صاحبه وأباه من قبله وأعرف جدّه من قبلهما، وكانوا كلهم من السِّمان، من الوزن الثقيل أو الذي هو فوق الثقيل.
والسمان عادة يكونون خِفاف الروح ويكونون من أظرف الناس، كأن الذي زاد في شحمهم ولحمهم خفّف من دمهم! هذا هو الغالب عليهم، فإن وجدتم فيهم من ثَقُل دمه كما ثقُل جسمه فتلك هي المصيبة الكبرى. ولَحَملُ صخرة تصعد بها إلى الجبل أهون من مجالسة سمين ثقيل الدم!
ولعلّ سبب سمن أصحاب المطعم أنهم يرون أمامهم طعاماً طيباً، هو لهم يدعون بما شاؤوا منه فيكون أمامهم، وأن عملهم يقتضيهم الجلوس النهار كله لا يقومون ولا يتحركون. وإذا كثر الطعام وقلّت الحركة عوقب المرء بحمل عشرة أكيال (كيلوغرامات) أو خمسة عشر من الدهن والشحم يقوم بها وينام بها. وهذا ما يقع لأكثرنا، ولقد عمدت من بضع سنين إلى حِمية قاسية بلا مرض وجوع طويل بلا موجب، وإلى الاختصار من الطعام على ما حدّده الطبيب بعدما حَسَبه بالحرّات (أي الكالوري) وحدّد لي حداً لا أتعدّاه، فكنت أشرع بالأكل وأنا جائع وأقوم عن الأكل وأنا جائع، وصبرت على ذلك شهوراً فقلّ وزني أربعة وسبعين.
стр. 2793
لا، ليست أربعة وسبعين كيلاً (كيلوغراماً) بل أربعة وسبعين غراماً.
لقد شغلني ذكر الطعام عن إتمام الكلام. كنت أبقى في المحكمة وينظّف الفرّاشون غرف الوزارة فوقنا، وأحياناً يُلقون بالكُناسة من الشبّاك، فربما دخل بعضها أو دخل غبارها إلى غرفتي، فأزجرهم وأكلّم رؤساءهم. وكنت يوماً في غرفتي ساعة العصر، وكان في غرفة المحاكمة مجلس تحكيم يعقده الحكَمان وبيننا باب مفتوح، أسمعهم وهم يسألون الزوجين ومَن شاءا من الأقرباء والشهداء، لأن للحكمَين سلطاناً ليس للقاضي، فهما مُطلَقان غير مقيَّدَين بقانون المرافعات وحكمهما نابع من قناعتهما وتابع لها لا لقانون مكتوب.
وكان الحكمان هما الصديقان رفيقا الصبا والشباب الشيخ ياسين عرفة والشيخ كامل القصّار، فسمعت ضجّة، وإذا بفرّاش الوزارة يُلقي بالكُناسة من النافذة فيدخل بعضها عليهم. وجاؤوني ببعض ما أُلقيَ فيها من أوراق ممزَّقة، فنظرتُ فلمحت في قصاصة منها اسمي، فأخذتها ودخلت غرفتي بما وجدت منها وعكفت عليه أجمع هذه القطع الممزَّقة وأحاول أن أعيدها، وأضعت في ذلك أكثر من ساعة حتى كادت تكتمل الصفحة وقرأت ما أمكن قراءته منها، فإذا هي كتاب رسميّ لإبلاغي أنه "بموجب المرسوم الجمهوريّ رقم ١٤٥٠ وتاريخ ٢٧/ ٤/١٩٥٣ قد نُقلت مستشاراً في محكمة النقض".
* * *
стр. 2794
لمّا خيّروني حيّروني وأزعجوني، فلما تركت الأمر لله وجاء النقل بلا طلب مني ولا علم سابق به قبلت ما جاء من عند الله ورضيت به.
ورأيت أنه قد انقضت أيامي في المحكمة. وكل ما في الدنيا إلى انقضاء، الدنيا محطةٌ نحطّ فيها ثم نتحمل راحلين عنها. وأخذت أجمع أوراقي وأستعدّ للرحيل، فوجدت أوراقاً كل واحدة منها لها قصة، منها ما أذكر الآن قصته كاملة ومنها ما مُحي بعضها من ذهني وبقي بعضها (كأنقاض المنازل التي أراها من غرفتي وأتكلم الآن عنها) ومنها ما نسيت قصته ومُحي من ذهني ولم يبقَ إلاّ الورقة التي وجدتها.
هذه ورقة فيها كتاب رسمي من وزارة العدل رقم ٣٣٩٣ تاريخه ٥/ ٥/١٣٦٥ (٦/ ٤/١٩٤٦) يقرّر فيها الوزير تأليف لجنة من السادة القضاة راسم الأخرس وصبحي الصباغ وعلي الطنطاوي "لبحث مشروع القانون المعروض على مجلس الوزراء لتأليف مجالس الأوقاف الإسلامية وتحديد سلطاتها" وفي ذيل الكتاب ملحَق بأن "الاجتماع غداً الساعة التاسعة بالوزارة".
فماذا كان في هذا الاجتماع؟ وماذا صنعت به؟ وما الذي عملَته اللجنة؟ وهل اقتصرَت على هذا الاجتماع فكان جلسة واحدة، أم توالت الجلسات وتعاقبت الاجتماعات؟ صدّقوني إن قلت لكم إنه ليس في ذهني عن ذلك شيء.
وهذا كتاب آخر من وزير العدل تاريخه ١٧/ ١/١٩٤٩ فيه القرار الوزاري رقم ٦٧٤ ونصّه: "وزير العدل: بناء على المرسوم
стр. 2795
التشريعي رقم ٨٠ المؤرَّخ في ٣٠ حزيران (أي يونيو) سنة ١٩٤٧ يقرّر ما يلي: المادة الأولى: يُنتدَب السيد علي الطنطاوي القاضي بدمشق قاضياً بوادي العجم علاوة على وظيفته، ويخصّص مواعيد لدمشق ومواعيد لوادي العجم حسب الدعاوى في كل منهما. المادة الثانية: يُذاع هذا القرار ويبلَّغ من يجب". وتحت ذلك كما هي العادة: نسخة إلى دائرة التفتيش، المكتب الإداري، المحاسبة، النيابة العامة في دمشق، المحكمة الشرعية، الجريدة الرسمية ليُنشر فيها، وزارة المالية.
خصّصتُ لوادي العَجَم (وقصبتُه بلدة قَطَنا) يوماً في الأسبوع، فكنت آخذ معي أهلي فأمضي فيها يوماً أرى فيه الدعاوى في المحكمة، ثم نقصد أحد المتنزَّهات على سفح جبل الشيخ الذي يبقى السنة كلها معتمراً بعمامته البيضاء من الثلج التي تعلو عن البحر نحواً من ثلاثة آلاف متر، نقعد عند نبع من الينابيع (التي لا يُحصيها هنالك العدّ، حتى إن في قرية عرنة وحدها عشرات منها) فنبقى فيها إلى المساء.
ووجدت بين المتقاضين ناساً من قرية زاكية التي كنت معلّماً فيها سنة ١٩٣١ (أو نحوها، فما عدت أذكر الآن)، ووجدت الذين كانوا أطفالاً عندي في المدرسة صاروا رجالاً، وكان منهم طفل صغير أذكر أن اسمه سعد لم يكن يتجاوز عمره لمّا كان في المدرسة ثماني سنين، وكنت أُعجَب بحدّة ذكائه، فوجدته شاباً كبيراً معقوف الشاربَين تبدو عليه ملامح الفتوّة والقوة، فحاول أن يكلّمني كما كان يصنع في المدرسة فتجاهلته وتظاهرت بأني لا أعرفه، ولم أقابل لهفته في الإقبال عليّ إلاّ
стр. 2796
بتكلّف الإعراض عنه، لا كِبْراً فما في طبعي بحمد الله الكِبْر ولكن أداء لأمانة القضاء، فإن القاضي (في الأرياف خاصة) إن عقد صلة بينه وبين بعض أهلها، ولو كانت صلة نظيفة مشروعة، استُغلّت أبشع استغلال وأُكلت بها حقوق الناس، لذلك كان على القاضي فيها أن يعتزل الناس عزلة كاملة فلا يزور أحداً ولا يقبل زيارته في بيته.
وكان في قَطَنا شيخ جليل القدر هو رفيق شيخنا الشيخ أبيالخير الميداني، اسمه إبراهيم الغلاييني، وكان عالِماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر صدّاعاً بالحقّ، له سطوة علىالمنحرفين من أهل البلد وهيبة في صدور الناس، فكنت أزوره أحياناً.
واستمر هذا الانتداب إلى أن نصبت الحكومة قاضياً أصلياً للمنطقة.
ومما أذكر من أخبار محكمة قطنا أنه كان فيها كاتب نبيه قويم السيرة، وكان يدرس في كلية الحقوق، فجاء الامتحان فلم يسمحوا له بأدائه لأنه استوفى حظّه من الإجازات، فقدّرت وضعه وأملت منه خيراً إن نال الشهادة في الحقوق، فأذنت له بالذهاب لأداء الامتحان وحملت تبعة ذلك، وكلّفت كاتباً آخر بأداء عمله وأعطيتُه من مالي تعويضاً رضي به. ولقد أكمل هذا الكاتب دراسته وصار بعد ذلك قاضياً من خيرة القضاة.
وأنا لست من الذين يخرجون على القوانين ويخالفونها، ولكن القانون -مهما بلغ من الدقة والإحكام- من وضع البشر وقد يتعارض أحياناً مع العدل، وأنا أرى في مثل هذه الحالة
стр. 2797
اتّباع طريق العدل ولو خالف صراحة القانون. أذكر ما كان مني ولاأدعو إلى مثله ولا أجعل ما صنعتُه قاعدة متبَعة.
ووجدت رئيس كتّاب هذه المحكمة رجلاً ذكياً جداً من أسرة وجيهة جداً، لكنه ليس أميناً. وأمسكتُ عليه سرقات أخفاها حتى لا يكاد المفتّش يصل إليها، فلما تيقّنت من انحرافه لاحقته، وما زلت أتابعه حتى أخرجته من المحكمة.
* * *
ووجدت بين الأوراق ورقة فيها كتاب رسمي من رئيس المحكمة العليا الذي كان رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو الأستاذ وجيه الأسطواني، تاريخه ١٩/ ١/١٩٥١. وهذا نصّه: "بما أن مجلس القضاء الأعلى مزمع على وضع مشروع قانون التوظيف القضائي في سوريا عملاً بالمادة ١٢٥ من الدستور، فنرجو موافاتنا بأسرع ما يمكن بما ترون من قواعد يحسن الأخذ بها فيما يتعلّق بشؤون تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وعزلهم وتأديبهم وما إلى ذلك، على ألاّ يتأخر الجواب إلى ما بعد الخامس عشر من شهر شباط القادم ١٩٥١.
وكذلك ترون أنه كان لكبار القضاة رأي مسموع، لا يُفرض عليهم ما لا يرضون من أحكام ولا يقدَّم إليهم ما لم يطبخوه أو يختاروه من الطعام. أُعطوا الحرية وكُلّفوا العدل فعدلوا. ولا يعدل القاضي إلاّ إذا كان حراً وكان «مُزاح العلّة» -كما كان يقول المتقدّمون- مستريحاً من هموم العيش. وحين كان أمير المؤمنين عمر يأكل الخبز بالزيت ويقنع بما قلّ من الرزق كان يجزل عطاء
стр. 2798
القضاة، ومن نظر في «تاريخ قضاة مصر» للكندي رأي تفصيل ما أجملت.
* * *
هذا وأنا أعتذر إلى القراء من هذه الحلقة، فلقد ملأت شطرها الثاني بصور رسائل رسمية وأرقام وتواريخ أعلم أنها لا تنال منهم اهتماماً ولا تُثير في نفوسهم عاطفة، ولا تبعث في رؤوسهم ذكرى وما لهم فيها متعة ولا منفعة. لكن عذري (وما أحسبه عذراً مقبولاً) أني أكتب ذكرياتي وأني أرى فيها ما لا ترون، وأن كل واحدة منها (وعندي من أمثال ما نشرت هنا الكثير) تبعث في نفسي عالَماً من الذكريات وقصة كاملة من قصص الحياة.
تقولون: وما لنا نحن ولها؟ نعم؛ ما لكم ولها؟ ولعلّي أسأت في عرضها، ثم إني أردت أن تكون الصورة التي أعرضها للقضاء والقضاة كاملة، فإذا جاءت حلقة من هذه الذكريات على غير ما ترضون فلعلّها تجرّ حلقة أخرى ترضون عنها.
* * *
стр. 2799
-٢١٦ -
في محكمة النقض في القاهرة
لقيَني قبل العيد جماعة من المعلمين من الذين يدرّس الواحد منهم أربعة وعشرين درساً في الأسبوع، يحضّر لها بالمراجعة والإعداد ويصحّح وظائف التلاميذ، ولَنقْلُ الحجارة أسهل من تصحيح الوظائف! ويضبط الفصل ويُديره، وضبط الفصل وإدارته أصعب من إدارة وزارة كاملة، لأن الوزير يكلّم ناساً كباراً يعقلون ويقدّرون النتائج ويفكّرون قبل أن يعملوا، والمعلّم يخاطب صغاراً لا يقدّرون العواقب، أيديهم إلى العمل أسرع من رؤوسهم إلى التفكير، بل لعلّهم لا يكادون يفكّرون! ومَن عند الوزير مسؤولون عن أنفسهم، ومَن في المدرسة من التلاميذ وراءهم أولياؤهم، إن أحسنتَ رعايتهم وصَدَقتَ في تعليمهم وتهذيبهم لم يشكروك لأنك إنما تؤدّي واجباً وجب عليك، وإن قصّرت في العمل أو شدّدت في العقوبة ذهب الأولاد إلى أبيهم مساءً يبكون، قالوا: ياأبانا المعلم ضربنا! وربما كان الأب عالي المكان أو كان من ذوي السلطان، فنال المعلم الأذى.
أعرف هذا لأني بلوته حيناً من الدهر، بل ابتُليت به ومسّني من أجله الضرّ. هذا وربما كان في المعلمين مقصّر بلا عذر، قاسٍ
стр. 2800
بلا مبرّر، يضرب الأولاد ضرب منتقم لا ضرب مربٍّ معلم، لذلك مُنع الضرب في المدارس وتُرك لراعي الإبل في البرّ لا للمعلم في المدرسة.
رأيت هؤلاء الإخوان المعلمين مبتهجين بالعيد فرحين بالعطلة، فقلت لهم: هنيئاً لكم عيدكم، ويا ليتني أجد عطلة أفرح بها! قالوا: أوَليس عندك عطلة ولا راحة؟ قلت: إني من سنوات طوال، من يوم انتقلت في الشام إلى محكمة النقض (محكمة التمييز) لا أشكو إلاّ شيئاً واحداً، هو دوام العطلة وطول الراحة؛ فقد ألِفت عملي في المحكمة وعرفته حتى ما أحسّ ولله الحمد تعباً في دراسة قضية ولا في إعداد حكم، ثم إن العمل قليل أو إني أُنجِزه بسرعة فأجده قليلاً، ويبقى وقتي فارغاً. ثم جئت المملكة أُدرّس في الكلية في الرياض أولاً ثم في مكة، ولا أحتاج في إعداد الدرس (والحمد لله) إلاّ إلى مراجعة قصيرة وموادّ المنهج حاضرة في ذهني، فيبقى وقتي فارغاً.
قالوا: فلماذا لا تملؤه بالقراءة؟ قلت: ومن يقرأ أكثر مني؟ أنا من سبعين سنة إلى الآن، من يوم كنت صبياً، أقرأ كل يوم مئة صفحة على الأقل، وأقرأ أحياناً ثلاثمئة أو أكثر، ما لي عمل إلاّ القراءة، لا أقطعها إلاّ أن أكون مريضاً أو على سفر. فاحسبوا كم صفحة قرأت في عمري. لقد قرأت أكثر من نصف مليون صفحة. وأعرف مَن قرأ أكثر مني كالأستاذ العقاد والأمير شكيب أرسلان ومحمد كرد علي ومحب الدين الخطيب ﵏.
فأنا لا أتكلم على القراءة ولا أشكو الضيق والفراغ، ولكن
стр. 2801
أحببت أن أقول لكم إن المرء لا يحسّ بالراحة إلاّ إن جاءت بعد التعب: «أُعِدّتِ الراحةُ الكبرى لِمَن تعِبا». ولا يشعر بلذّة العطلة إلاّ بعد مشقّة العمل، فعطلة يوم للموظف المرهق تعدل في لذّتها عطلة شهر لمثلي.
وإذا شئتم مثالاً فتصوّروا مَن يمشي في الصحراء المنبسطة فلا يرى من حوله حيثما تلفّت إلاّ منظراً واحداً، ليس أمامه ما يأمل أن يصل إليه وليس وراءه ما يأسف عليه. ومَن يصعد في الجبال ويهبط الأودية، فهو يُسرِع أملاً بالمشهد الذي ينكشف له إن بلغ الذروة فينسى تعبَه بهذا الأمل الذي يأمُله، فإذا وصل إليه ووقف والتقط أنفاسه واستراح وتمتّع بهذا العالَم الجديد الذي أطلّ عليه وجد جزاء تعبه.
وأنا أظنّ أن في السامعين من يشكّ في هذا الكلام ويقول: كيف تكون الراحة متعبة؟ ولو جرّب مثل تجرِبتي لصدّق مقالتي. كالفقير الذي يعيش على الخبز والفول، إذا وضعتَه مرة على المائدة الحافلة في الفندق الكبير يجد فيها من اللذّة ما لا يجده من يُقيم دائماً في هذا الفندق ويأكل دائماً على هذه المائدة. ومن يمشي كل يوم على رجليه، إذا أركبتَه يوماً السيارة الجديدة الفخمة يشعر في ركوبها من المتعة بما لا يشعر به صاحبها الذي يركبها كل يوم.
فالعمل نعمة، إي والله، ومن أكبر النعم.
وأنا أعلم أن العمال المرهَقين الذين يضربون بالمعاول من الصباح إلى المساء والموظفين المتعَبين والمعلمين الذين يدرّسون
стр. 2802
أربع ساعات أو خمساً كل يوم سيسخرون من هذا الكلام، لأنهم ينظرون إلى الغنيّ الذي يعيش من ريع أملاكه لا يكلَّف عملاً فيحسبون أنه في نعيم ويتمنون لأنفسهم مثل حياته. ولو علموا ما في البطالة والفراغ لحمدوا الله على نعمة العمل.
هذا ملك بريطانيا الأسبق، الملك إدوارد دوق وندسور، الذي باع تاج المُلك بما توهّمه من نعيم الحب وترك العرش من أجل أرملة نَصَف، أي أنها على الحدود عند آخر الشباب («روائحُ الجنّةِ في الشبابِ» كما قال أبو العتاهية) وأول مراحل العجز، ولم يسمع قول الشاعر:
فإنْ أتَوكَ وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإنّ أحسنَ نِصفَيها الذي ذهبا
إنها كالروض يجفّ وينشف ويذهب عطره ويتساقط زهره، فلا يبقى منه إلاّ حطب به شوك.
إن دوق وندسور هذا كان يملك المال والجاه والحب، وهو يتنقل في البلدان ينزل في أعظم الفنادق ويأكل أطيب الطعام ويركب أفخم السيارات، فهل تظنون أنه كان مستريحاً. لقد قرأت طرفاً من مذكّراته التي نشرها في حياته، فرأيته يشكو من ملل البطالة أضعاف ما يشكو العامل من مشقّة العمل. إنه يسهر الليل ويقوم في الضحوة الكبرى، فيُفطر حين يعود الفلاّح إلى بيته للغداء، يأكل لا شهوةً بل أداءً للواجب على حين يأكل الفلاح أكل المستمتع الهانئ الجوعان، وينتهي الطعام فلا يدري الدوق ماذا يعمل، إنه لا يرقب شيئاً ولا يذكر شيئاً لأن حياته كالنهر الهادئ.
أرأيتم النيل حين يمشي -على عِظَمه وكبره- كالشيخ العاجز
стр. 2803
الذي يخطو بطيئاً وعينه في الأرض، أو دجلة أو الفرات حين يمشيان كما يمشي النيل؟ هل تقيسونها ببردى وهو يجري -على صغره وضيقه وقلّة مائه- في الوادي متوثّباً يعلوه الزبَد، تتدافع مياهه تدافُع صبية يزدحمون على باب الملعب، تتكسر أمواجه في شعاع الشمس فيكون لها بريق أيّ بريق؟
لو عاش دوق وندسور مع الفلاّح يشاركه حياته، ورأى القرية كلها تُفيق مع العصفور الذي يقفز على الأغصان والديك الذي يصيح على السياج، ومع الشمس التي تبسم للدنيا وهي تُلقي عليها تحية الصباح، لَعرف لذّة العيش ونأى عنه الضيق والملل. فيا أيها القراء، إن العمل نعمة، ولا يدفع عن الإنسان همَّ الوَحدة ولا ينسيه أحزان الدهر ولا يجعله يعرف قيمة العطلة أو العيد إلاّ العمل. وهذا كلام مجرّب عرف ثقل البطالة وملل الكسل، فاسألوا مجرّباً فلا يُنبئك مثل خبير.
وأنا هنا -من أربع وعشرين سنة- تشابهت أيامي وتماثلت ليالي، فلا أستطيع أن أحدّد تاريخ حادثة مما حدث لي. ما عندي عمل رسمي، وإن كان عليّ ما هو أثقل من العمل الرسمي، هذه الذكريات مثلاً لا يعلم أحدٌ ماذا أقاسي منها، لأني مثل مسافر سلك طريقاً في البرّ ما فيه معالم ولا له حدود، فلما وصل إلى بلده واستقرّ فيها، ومرّ عليه الزمان فنسي طريقه إليها، قيل له: ارجع فحدّد معالم الطريق الذي مشيت فيه. وكيف؟ وما للطريق أثر ولا مع الرجل مصوَّر، وليس له رفيق يذكّره بما نسي.
هذه الذكريات، وأحاديث الرائي!
стр. 2804
تقولون: ما الصعوبة في هذه الأحاديث وأنت تُلقيها ارتجالاً، وقد جعلتَها أجوبة على أسئلة السامعين والمشاهدين لتهرب من اختيار الموضوع؟
الصعوبة ياسادة أني أقرأ الأسئلة فأجد أكثرها قصصاً شخصية لا تهمّ إلاّ مرسلها، وأجد بعضها مكرَّراً مُعاداً سبق القول فيه، فأتخيّر من كل مئة سؤال ستّة أو سبعة، وبعضها أُعِدّ الجواب عليه إعداداً ثم أُلقيه ارتجالاً، أراجع من أجله الكتب. فهي تعب لي، وأحسّها تعباً للسامعين الذين لبثوا عشرين سنة ودخلَت عليهم السنة الحادية والعشرون وهم يستمعون إليها، فأحبَّ الصديقُ القديم الأستاذ حيدر مشيخ أن يريح منها سكان المنطقة الغربية، أهل الحرمين، ويخلّصهم من سماعها فأخرجها لهم وهم في المساجد في صلاة الجمعة، يقول الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، فيبدأ الحديث. وليس في المساجد جهاز للرائي، وإذا خرجوا منها وصلوا إلى المنازل بعدما انتهى الحديث أو ذهب أكثره.
* * *
تركتكم في الحلقة الماضية وقد انتقلتُ إلى محكمة النقض في دمشق. والعُرف المتّبَع (لا القانون المكتوب) على أن المستشارين فيها لا يقيَّدون بالدوام، فهم يأخذون المرتَّب على عمل يؤدّونه لا على وقت يُمضونه، على حين أن سائر الموظفين (١) يأخذونها على الاثنين معاً. فمَن جاء من المستشارين
стр. 2805
المحكمة درس قضاياه ومَن حملها إلى بيته يدرسها فيه، وإن كان الحقّ أن القضايا لا يجوز أن تخرج أوراقها من المحكمة أبداً.
قلت إني أدرس القضايا، قد تعوّدت عليها فلم تعُد تهولني بضخامة حجمها ولا بكثرة ورقها، لأني تعلمت لمّا طال عليّ العمل في المحكمة كيف أدرسها ومن أين أبدأ فيها، وما يجب أن أقرأه من أوراقها وما لا حاجة لقراءته منها.
وكنت أنظر بمنظارين: منظار العدل أولاً، والقانون ثانياً. فإن كان حكم القاضي الذي رُفع إلى محكمتنا لننظر فيه عادلاً وقانونياً صدّقته، أي أبرمته، وإن كان قانونياً غيرَ عادل حاولت أن أجد فيه ثغرة أدخل منها إلى نقضه، ولو كانت ضيّقة. وإن كان عادلاً مخالفاً لحرفية القانون وكان فيه ثغرات سددته، حفاظاً على العدل لا ممالأة للقاضي.
وكنت أُعِدّ مشروع القرار ثم أعرضه على الأخوين، لأن كل غرفة في محكمة النقض تتألف من ثلاثة مستشارين، فإن وافقا أمضياه وإلاّ اجتمعنا للمذاكرة فيه. وإذا نقضنا الحكم وأصرّ القاضي عليه عُرض على الجمعية العمومية لمحكمة النقض، فإن أيّدَت ما ذهبنا إليه في الغرفة الشرعية التزم القاضي بما تقرره، وكانت له قوة وإن لم تبلغ قوة القانون.
وكنت في كثير من الحالات التي نختلف فيها على مسالة فقهية أقول للرئيس: اسمح لي أن أسأل المفتي (وكان المفتي هو شيخنا أبا اليسر عابدين ﵀، فكان الرئيس يتردد أولاً، ثم رضي وصار من الأمور المعتادة أن نسأل المفتي.