← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

أحببت أن أقول لكم إن المرء لا يحسّ بالراحة إلاّ إن جاءت بعد التعب: «أُعِدّتِ الراحةُ الكبرى لِمَن تعِبا». ولا يشعر بلذّة العطلة إلاّ بعد مشقّة العمل، فعطلة يوم للموظف المرهق تعدل في لذّتها عطلة شهر لمثلي. وإذا شئتم مثالاً فتصوّروا مَن يمشي في الصحراء المنبسطة فلا يرى من حوله حيثما تلفّت إلاّ منظراً واحداً، ليس أمامه ما يأمل أن يصل إليه وليس وراءه ما يأسف عليه. ومَن يصعد في الجبال ويهبط الأودية، فهو يُسرِع أملاً بالمشهد الذي ينكشف له إن بلغ الذروة فينسى تعبَه بهذا الأمل الذي يأمُله، فإذا وصل إليه ووقف والتقط أنفاسه واستراح وتمتّع بهذا العالَم الجديد الذي أطلّ عليه وجد جزاء تعبه. وأنا أظنّ أن في السامعين من يشكّ في هذا الكلام ويقول: كيف تكون الراحة متعبة؟ ولو جرّب مثل تجرِبتي لصدّق مقالتي. كالفقير الذي يعيش على الخبز والفول، إذا وضعتَه مرة على المائدة الحافلة في الفندق الكبير يجد فيها من اللذّة ما لا يجده من يُقيم دائماً في هذا الفندق ويأكل دائماً على هذه المائدة. ومن يمشي كل يوم على رجليه، إذا أركبتَه يوماً السيارة الجديدة الفخمة يشعر في ركوبها من المتعة بما لا يشعر به صاحبها الذي يركبها كل يوم. فالعمل نعمة، إي والله، ومن أكبر النعم. وأنا أعلم أن العمال المرهَقين الذين يضربون بالمعاول من الصباح إلى المساء والموظفين المتعَبين والمعلمين الذين يدرّسون

стр. 2802

أربع ساعات أو خمساً كل يوم سيسخرون من هذا الكلام، لأنهم ينظرون إلى الغنيّ الذي يعيش من ريع أملاكه لا يكلَّف عملاً فيحسبون أنه في نعيم ويتمنون لأنفسهم مثل حياته. ولو علموا ما في البطالة والفراغ لحمدوا الله على نعمة العمل. هذا ملك بريطانيا الأسبق، الملك إدوارد دوق وندسور، الذي باع تاج المُلك بما توهّمه من نعيم الحب وترك العرش من أجل أرملة نَصَف، أي أنها على الحدود عند آخر الشباب («روائحُ الجنّةِ في الشبابِ» كما قال أبو العتاهية) وأول مراحل العجز، ولم يسمع قول الشاعر: فإنْ أتَوكَ وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإنّ أحسنَ نِصفَيها الذي ذهبا إنها كالروض يجفّ وينشف ويذهب عطره ويتساقط زهره، فلا يبقى منه إلاّ حطب به شوك. إن دوق وندسور هذا كان يملك المال والجاه والحب، وهو يتنقل في البلدان ينزل في أعظم الفنادق ويأكل أطيب الطعام ويركب أفخم السيارات، فهل تظنون أنه كان مستريحاً. لقد قرأت طرفاً من مذكّراته التي نشرها في حياته، فرأيته يشكو من ملل البطالة أضعاف ما يشكو العامل من مشقّة العمل. إنه يسهر الليل ويقوم في الضحوة الكبرى، فيُفطر حين يعود الفلاّح إلى بيته للغداء، يأكل لا شهوةً بل أداءً للواجب على حين يأكل الفلاح أكل المستمتع الهانئ الجوعان، وينتهي الطعام فلا يدري الدوق ماذا يعمل، إنه لا يرقب شيئاً ولا يذكر شيئاً لأن حياته كالنهر الهادئ. أرأيتم النيل حين يمشي -على عِظَمه وكبره- كالشيخ العاجز

стр. 2803

الذي يخطو بطيئاً وعينه في الأرض، أو دجلة أو الفرات حين يمشيان كما يمشي النيل؟ هل تقيسونها ببردى وهو يجري -على صغره وضيقه وقلّة مائه- في الوادي متوثّباً يعلوه الزبَد، تتدافع مياهه تدافُع صبية يزدحمون على باب الملعب، تتكسر أمواجه في شعاع الشمس فيكون لها بريق أيّ بريق؟ لو عاش دوق وندسور مع الفلاّح يشاركه حياته، ورأى القرية كلها تُفيق مع العصفور الذي يقفز على الأغصان والديك الذي يصيح على السياج، ومع الشمس التي تبسم للدنيا وهي تُلقي عليها تحية الصباح، لَعرف لذّة العيش ونأى عنه الضيق والملل. فيا أيها القراء، إن العمل نعمة، ولا يدفع عن الإنسان همَّ الوَحدة ولا ينسيه أحزان الدهر ولا يجعله يعرف قيمة العطلة أو العيد إلاّ العمل. وهذا كلام مجرّب عرف ثقل البطالة وملل الكسل، فاسألوا مجرّباً فلا يُنبئك مثل خبير. وأنا هنا -من أربع وعشرين سنة- تشابهت أيامي وتماثلت ليالي، فلا أستطيع أن أحدّد تاريخ حادثة مما حدث لي. ما عندي عمل رسمي، وإن كان عليّ ما هو أثقل من العمل الرسمي، هذه الذكريات مثلاً لا يعلم أحدٌ ماذا أقاسي منها، لأني مثل مسافر سلك طريقاً في البرّ ما فيه معالم ولا له حدود، فلما وصل إلى بلده واستقرّ فيها، ومرّ عليه الزمان فنسي طريقه إليها، قيل له: ارجع فحدّد معالم الطريق الذي مشيت فيه. وكيف؟ وما للطريق أثر ولا مع الرجل مصوَّر، وليس له رفيق يذكّره بما نسي. هذه الذكريات، وأحاديث الرائي!

стр. 2804

تقولون: ما الصعوبة في هذه الأحاديث وأنت تُلقيها ارتجالاً، وقد جعلتَها أجوبة على أسئلة السامعين والمشاهدين لتهرب من اختيار الموضوع؟ الصعوبة ياسادة أني أقرأ الأسئلة فأجد أكثرها قصصاً شخصية لا تهمّ إلاّ مرسلها، وأجد بعضها مكرَّراً مُعاداً سبق القول فيه، فأتخيّر من كل مئة سؤال ستّة أو سبعة، وبعضها أُعِدّ الجواب عليه إعداداً ثم أُلقيه ارتجالاً، أراجع من أجله الكتب. فهي تعب لي، وأحسّها تعباً للسامعين الذين لبثوا عشرين سنة ودخلَت عليهم السنة الحادية والعشرون وهم يستمعون إليها، فأحبَّ الصديقُ القديم الأستاذ حيدر مشيخ أن يريح منها سكان المنطقة الغربية، أهل الحرمين، ويخلّصهم من سماعها فأخرجها لهم وهم في المساجد في صلاة الجمعة، يقول الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، فيبدأ الحديث. وليس في المساجد جهاز للرائي، وإذا خرجوا منها وصلوا إلى المنازل بعدما انتهى الحديث أو ذهب أكثره. * * * تركتكم في الحلقة الماضية وقد انتقلتُ إلى محكمة النقض في دمشق. والعُرف المتّبَع (لا القانون المكتوب) على أن المستشارين فيها لا يقيَّدون بالدوام، فهم يأخذون المرتَّب على عمل يؤدّونه لا على وقت يُمضونه، على حين أن سائر الموظفين (١) يأخذونها على الاثنين معاً. فمَن جاء من المستشارين

стр. 2805

المحكمة درس قضاياه ومَن حملها إلى بيته يدرسها فيه، وإن كان الحقّ أن القضايا لا يجوز أن تخرج أوراقها من المحكمة أبداً. قلت إني أدرس القضايا، قد تعوّدت عليها فلم تعُد تهولني بضخامة حجمها ولا بكثرة ورقها، لأني تعلمت لمّا طال عليّ العمل في المحكمة كيف أدرسها ومن أين أبدأ فيها، وما يجب أن أقرأه من أوراقها وما لا حاجة لقراءته منها. وكنت أنظر بمنظارين: منظار العدل أولاً، والقانون ثانياً. فإن كان حكم القاضي الذي رُفع إلى محكمتنا لننظر فيه عادلاً وقانونياً صدّقته، أي أبرمته، وإن كان قانونياً غيرَ عادل حاولت أن أجد فيه ثغرة أدخل منها إلى نقضه، ولو كانت ضيّقة. وإن كان عادلاً مخالفاً لحرفية القانون وكان فيه ثغرات سددته، حفاظاً على العدل لا ممالأة للقاضي. وكنت أُعِدّ مشروع القرار ثم أعرضه على الأخوين، لأن كل غرفة في محكمة النقض تتألف من ثلاثة مستشارين، فإن وافقا أمضياه وإلاّ اجتمعنا للمذاكرة فيه. وإذا نقضنا الحكم وأصرّ القاضي عليه عُرض على الجمعية العمومية لمحكمة النقض، فإن أيّدَت ما ذهبنا إليه في الغرفة الشرعية التزم القاضي بما تقرره، وكانت له قوة وإن لم تبلغ قوة القانون. وكنت في كثير من الحالات التي نختلف فيها على مسالة فقهية أقول للرئيس: اسمح لي أن أسأل المفتي (وكان المفتي هو شيخنا أبا اليسر عابدين ﵀، فكان الرئيس يتردد أولاً، ثم رضي وصار من الأمور المعتادة أن نسأل المفتي.

стр. 2806

وفي الشام أربعة مفتين للمذاهب الأربعة، أكبرهم المفتي الحنفي الذي يُدعى مفتي الجمهورية، وقد عرفت أربعة: أولهم الشيخ أبو الخير عابدين والد الشيخ أبي اليسر، وكان والدي أمين الفتوى عنده، وهو الذي نشر «رسائل ابن عابدين» المشهورة التي أُعيدَ طبعها الآن ووُجدت في الأسواق بعد أن كانت نادرة يكاد يتعذّر وجودها، وكل رسالة منها تصلح أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة. والثاني الشيخ عطا الكَسْم، والد رئيس الوزراء في سوريا الآن، ولمّا توُفّي أبي وذهب تلاميذه (الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت والشيخ عبد الرزاق الحفّار ومن كان معهما) يقرؤون عليه (على الشيخ عطا الكسم) ذهبت معهم، وأنا في السنّ والعلم بمنزلة أولادهم. وكان فقيهاً على ما كانت تدلّ عليه كلمة الفقيه في تلك الأيام، وهو الذي يعرف أحكام المذهب المُفتى بها، ومن غير بحث في أدلّتها، أو نظر في قوة هذه الأدلة فهو القاضي أو المحامي الذي يحفظ نصوص القانون، وإن لم يعلم مستمدّها ولا معتمدها. والثالث الشيخ محمد شكري الأسطواني، وهو مثلهما لا يقلّ عنها. والرابع شيخنا الشيخ أبو اليسر، وهو صورة كاملة للفقيه في عُرف الناس في تلك الأيام، أظنّ أنه قرأ حاشية ابن عابدين وأقرأها عشرات المرات، عشرات حقيقة لا مبالغة. وكان حين أسأله بالهاتف أمام المستشارين أثناء انعقاد الجلسة يجيب فوراً، أو يستمهل قليلاً ثم يأتينا بالجواب ومكانِه من الحاشية ومن غيرها من كتب الفقه. ولم أعرف فيمن عرفت من فقهاء المذهب

стр. 2807

الحنفي مَن هو مثله إحاطة بما في الحاشية، والحاشية هي مرجع المُفتين في المذهب الحنفي من أكثر من مئة سنة، ولم أعرف مثله إلاّ قليلاً في علمه بالأصول وإحاطته بقواعده وتطبيقها على النصوص القانونية، وكان المحامون وبعض القضاة يرجعون إليه في ذلك. وعرفت جماعة من المفتين العلماء في المذاهب الثلاثة، منهم مفتي الحنابلة الشيخ جميل الشطي ﵀ ورحمهم. ثم انقرضَت هذه الطبقة من العلماء وخلف من بعدهم خلف ليسوا مثلهم، ولا أقول أكثر من هذا عنهم. * * * لم أكن أدَع على مكتبي قضية تبيت إلى الغد، بل كنت أنظر فيها وأكتب قرارها يوم وصولها، إلاّ في حالات نادرة تحتاج فيها القضية إلى الرجوع إلى كتاب لم يكن موجوداً في المحكمة أو سماع رأي خبير لا بدّ من انتظار الاجتماع به. وربما جاءت قضية في وسط النهار وقد تعبتُ وهممت بالانصراف فنظرت إليها فوجدتها معقّدة صعبة، فأدعها وأعود إليها من صبيحة الغد فإذا هي منبسطة هيّنة، وإذا ما توهّمته فيها من الصعوبة والتعقيد سببه ما كنت أحسّ به من التعب. وقعت لي وأنا في محكمة النقض وقائع ليست من صلب عملي فيها ولكنها جاءت معها، ربما عُدت إليها فتكلمت عنها: منها أني حضرت حلقة الدراسات الاجتماعية التي تنظّمها جامعة الدول العربية، وكنت أحد ممثلي سوريا فيها. ومنها رحلتي مع

стр. 2808

الأستاذ عبد القادر الأسود والزميل الأستاذ نورس الجندي إلى المملكة العربية السعودية بدعوة منها، وأمثال لهما سيأتي إن شاء الله ذكرها. وكانت الوحدة بين سوريا ومصر، وتَقرّر دمج محكمتَي النقض في البلدين في محكمة واحدة مكانها القاهرة، فجاءنا هذا الكتاب (أنشره هنا بحروفه): محكمة النقض في القاهرة، مكتب الرئيس الرقم ٨/ ١/١٣٠٦ والتاريخ ٣٠/ ٣/١٩٥٩، السيد المستشار محمد علي الطنطاوي: ندعو سيادتكم لحضور جلسة الجمعية العمومية للمحكمة التي ستُعقد في القاهرة الساعة الثانية عشرة ظهر يوم الثلاثاء ٦ من شوال ١٣٧٨ الموافق ١٤ من أبريل سنة ١٩٥٩ (٦ من نيسان سنة خمسة آلاف وسبعمئة وتسعة عشر) وذلك للنظر في ترتيب العمل في المحكمة، وتفضّلوا بقبول وافر الاحترام. الإمضاء: رئيس المحكمة. * * * وذهبنا إلى مصر. وأعدّوا لنا حفلة شاي في نادي القضاة، ولم يكن في منهج الحفلة ولا في ذهني أني سأُدعى إلى الكلام، ففاجأ الحضورَ زميلُنا الأستاذ نورس الجندي فأعلن أن الطنطاوي سيُلقي كلمة، وفوجئت حقيقة وألقيت كلمة كانت بحمد الله جيدة، وصرت بعدها محطّ الأنظار، وسارع القضاة إلى الجلوس والحديث معي. ولست أذكر مما قلته فيها إلاّ هذه الكلمات، قلت لهم:

стр. 2809

نحن في بلدنا لا نجمع بين الطعام والكلام، فإما حفلة للأكل نُعِدّ لها طعاماً شهياً وبطناً خالياً، وإما حفلة للكلام نهيّئ لها فكراً واعياً وبياناً صافياً. ثم إني قاضٍ وأديب، هذا عملي وتلك صناعتي، لذلك أتردّد بين وقار المهنة الذي من شأنه أن أزن كل كلمة بالميزان المعلَّق في صدر المحكمة (الذي قالوا إنه ميزان العدالة) وأن أعدّ من الواحد إلى اثنَي عشر قبل أن أنطق بها، وبين الأديب الذي من شأنه البيان والإعلان، وأن يكشف عما في نفسه ويُطلِع الناس على ما في قلبه، ويُبيحهم أعمق أسراره ويقول ما يُقال عادة وما لا يُقال. فهل أستطيع أن أجمع بين الأمرين؟ وهل ترون من العدل، وأنتم حماة العدل، أن أقوم أنا فأتكلم وتقعدوا أنتم فتأكلوا، فلا ينتهي الكلام حتى نفقد الطعام؟ أنا شاميّ المولد مصري الأصل، مولدي في دمشق وجدّي من طنطا، فأنا دليل من آلاف الأدلة على قضية لا تحتاج إلى دليل، هي أن الشام ومصر بلد واحد. ولي في الشام أهل ولي في مصر أقرباء، ولكني لا أعرف أقربائي في مصر. ولقد بحثت عنهم مرة، لا لأزداد لمصر حباً ومن مصر قرباً، فحبي لمصر وقربي منها قد كَمُلا فلا يحتملان الزيادة، بل كنت آمل أن ألقى فيهم قريباً غنياً لا يكون له وارث، فأوفّر على الدولة عناء البحث عن وارثه وأفوز بثرائه. ثم خفت أن يكون أقربائي هنا أفلسَ مني فيرثوني هم، فأكون «كالعير الذي ذهب يطلب قرنين فرجع بلا أذنين» كما جاء في المثل. ونشأت ياسادة على التشوّق إلى مصر والرغبة في زيارتها، فلما تحقّق الحلم جئت مصر بعد أن أمضيت على الطريق يومين

стр. 2810

واستأذنت في المجيء حكومتين غاصبتين؛ خرجتُ من دمشق بإذن من باريس ودخلت مصر بإذن من لندن! وما لأهل باريس ولا لأهل لندن حقّ في الشام ولا في مصر حتى أستأذنهما في الخروج وفي الدخول. وكان ذلك سنة ١٩٢٨، وكنت أحمل شهادة البكالوريا، فقدّمت طلباً إلى الجامعة المصرية فلما أبطأ الجواب دخلت دار العلوم، ولم أكملها. وكنت أتوقع من الطلاّب أن يرحبوا بي ترحيب الأخ للأخ، ولكني وجدتهم ينفرون مني نَفرة الأُلاّف من الغريب، ثم يضحكون من لهجتي ويسخرون من كلامي، ووجدت أكثرهم لا يعرفون عن الشام إلاّ أنها التي يأتي منها «قمَر الدين» في رمضان والصابون النابلسي، لذلك كان الصبيان في الحارات يضحكون مني إذا سمعوا كلامي، يقولون القولة المعروفة (وأعتذر إليكم من إيرادها): «شامي ... حامي». ولم يكن الأدباء والعلماء بأعرف بالشام وأهله من العامة والطلاّب؛ فلقد جاءتني مرة رسالة من الأستاذ أحمد أمين لا تزال عندي بين أوراقي، عليها أي على ظرفها تحت العنوان: دمشق، فلسطين! وكانوا يخلطون بين دمشق وبغداد وبيروت ويقولون: "كلهم إخواننا العرب". وقد خبّرني صديقنا وزير العدل الآن (أي يوم ألقيت الكلمة) الأستاذ نهاد القاسم أن ضابطاً مصرياً كبيراً زاره وخبّره أنه نُقل إلى الإقليم الشمالي في الجمهورية العربية المتحدة، فسأله: هل نُقلت إلى دمشق؟ قال: لا، بل إلى الإقليم الشمالي. فسأله: إلى حلب؟ قال: لا، إلى الإقليم الشمالي.

стр. 2811

وتبين أنه لم يفهم من الإقليم الشمالي إلاّ ما كان شمالي القاهرة! وإن سمح لي سعادة الرئيس الحاضر هنا (مع أسمى تقديري وأصدق احترامي) أن أقول لقلت إن سيادته أيضاً ... وقطعت الكلام وقعدت، فصفّقوا وصاحوا من أرجاء القاعة: أتمِمْ أتمِمْ، فقمت وقلت: إذا أتممت ربما غضب مني سيادة الرئيس. قال: لا، أكمل. فقلت: إن سيادة الرئيس أيضاً لا يعرفنا، بدليل أن بطاقة الدعوة إلى هذا الاجتماع مكتوب فيها "أبريل سنة ١٩٥٩ المقابل لنيسان سنة ٥٧١٩"، وهذه هي السنة العبرية. فهل حسب سيادته أننا يهود؟ ثم قلت: وأنا أعود فأقرّر أني أقول هذا مع الاعتذار الشديد لسيادته والاحترام العميق. وهذا الذي قلته عن إخواننا في مصر كان ينطبق عليهم لمّا كانوا معتكفين في ديارهم لا يكادون يخرجون منها، وإن نُقل موظف فيها من الوجه البحري إلى الوجه القبلي أقام الدنيا وأقعدها وحسب أنه نُفي إلى آخرها. أمّا الآن فقد تبدّلَت الحال، وانتشر المدرّسون المصريون والأطباء المصريون في جميع البلاد العربية وعُرفوها وعاشوا فيها، وكان لهم في كل ميدان من ميادينها أعظم الأثر. فعذراً مما قلت لأنني سردت تاريخاً. * * * كنا نجتمع في دار القضاء العالي، وأذكر أنها كانت في شارع فؤاد، ولست أدري بماذا يدعونه الآن لأنهم في مصر مولَعون بتبديل الأسماء؛ فقد كان لبّ البلد ميدان العتبة الخضراء ثم سُمّي ميدان الملكة فريدة، ولست أدري ما يُسمّى الآن، وميدان قصر

стр. 2812

النيل ثم سُمّي ميدان التحرير، وميدان باب اللوق دُعي مرة ميدان الزهور ومرة ميدان الفلكي ... هذا والشعب في مصر لا يحفل بهذا كله ويبقى على الاسم الذي عرفه وألفه. ذهبت في إحدى سفراتي أزور الأستاذ الزيات، وكان قد انتقل إلى المنيل إلى شارع سمّاه لي شارع مسجد السلطان قايتباي. فأخذت سيارة وذهبت إلى المنيل أسأل عن هذا الشارع فلم يعرفه أحد ممن سألته عنه، وطُفت في المكان خمسة أشواط وأنا لا أعرف أين يقع هذا الشارع، حتى كانت مصادفة من أعجب المصادفات أرويها لكم على حقيقتها وأحسبكم ستشكّون فيها؛ هي أنني وقفت على باب محلّ تجاري أسأل صاحبه عن الشارع، فاهتمّ بي ولكن ما عرفه، فرفعت رأسي وإذا لوحة باسم الشارع على الجدار فوق هذا المحلّ! فلما نبّهته إليها عجب كثيراً وضحك طويلاً وأقسم أنه لم يرَ اللوحة إلاّ الآن. وجاءني مرة وأنا في الشام أحد إخواننا هنا، سعودي فاضل من أصدقائنا، يسألني عن شارع سمّاه لي فما عرفته، فأخذت سيارة وانطلقت بها وهو معي ليدلّني عليه لأنه قال إنه يعرف أول الطريق إليه، وإذا هو حيّ الشعلان. وهذا الحيّ كان جديداً أنشأه الشيخ النوري الشعلان شيخ مشايخ «الرولة» (وهم فرع كبير من عنزة) وكان يحكم القريات لمّا كانت الجزيرة إمارات وحكومات كثيرة ضعيفة قبل أن يوحّدها الملك عبد العزيز رحمة الله عليه، فنزل الشام واشترى هذا البستان وأقام فيه مسجداً وإلى جانب المسجد قصراً كبيراً، ثم تتابع البنيان وصار حياً كاملاً. * * *

стр. 2813

اجتمعنا في هذه الرحلة بنخبة كريمة من كبار قضاة مصر، استفدت من مجالستهم وتعلّمت منهم ما لم أكن أعلم من اجتهادات المحاكم الأجنبية ومن المباحث القانونية، وإن لم أجد عند مَن لقيت منهم اطّلاعاً واسعاً على الفقه الإسلامي. جدّدتُ في هذه السفرة العهد بمن عرفته من رجال مصر، عند خالي محب الدين الخطيب في المطبعة السلفية، وقد عرفت فيها جماعة كالعالِم الجليل أحمد تيمور باشا والشيخ العلامة الخضر الحسين والشاعر أحمد زكي أبو شادي، ومن كانوا يومئذ شباباً مثلي فصاروا من بعدُ من أعلام الأدب وأرباب الكلام، كالأساتذة محمود شاكر وعبد السلام هارون وعبد المنعم خلاّف والدكتور الدردير. وعند الأستاذ الزيات في الرسالة، كالأساتذة العقاد والرافعي والمازني وزكي مبارك، ومن قابلت عند الأستاذ أحمد أمين في لجنة التأليف والترجمة والنشر، ومن عرفته في مجلس الشيخ عبدالمجيد سليم ممن لست أحصيهم عداً. وكانت تلك الزيارة آخرَ عهدي بمصر، ما زرتها بعدها ولا أعرف ماذا طرأ عليها وماذا تغيّر فيها. وإن لي في العراق معارف وفي فلسطين وفي الأردن وفي باكستان والهند وأندونيسيا، وحول المراكز الإسلامية في ألمانيا وهولندا وبلجيكا، فهل يكتب الله لي أن أجدّد العهد بمعارفي في تلك البلاد؟ * * *

стр. 2814

-٢١٧ - أشتات من الذكريات رجعت من مكة في الإجازة في صيف ١٩٦٦ ووصلت عمّان، فإذا أنا أجد عدداً من جريدة «الحياة» فيه نبأ رفع الحصانة عن القضاة في سوريا أربعاً وعشرين ساعة، وصدور القرار بتسريح عدد منهم من الذين لا يوائمون العهد ولا يمشون معه ولا يسايرونه في تقدميته واشتراكيته. وكان الاسم الأول في هذه القائمة اسم عبد القادر الأسوَد رئيس محكمة النقض، والثاني اسم علي الطنطاوي. وقد مرّ قراء الجريدة بهذا الخبر مروراً عابراً، لم يدروا أنه خاتمة قصة طويلة لا يعرفها إلاّ أنا، قصة ربع قرن، فيها من الأحداث والوقائع ومن النوادر والطرائف ومن الدروس والعبر ما يملأ كتاباً كاملاً. قصة بدأَت بإعلان قديم رأيته على عمود الكهرباء (١) في ساحة المرجة في دمشق سنة ١٩٤١، وانتهت بهذا الإعلان الذي وجدته في جريدة «الحياة» سنة ١٩٦٦. قصة طويلة فيها مراحل تَحوّل فيها طريقي مرات، وما حوّلَته

стр. 2815

إلاّ هِناتٌ هَيّنات كأنها حُصَيّات ألقتها في طريقي المصادفات: كُناسة أُلقيَت من نافذة الوزارة فدخلت عليّ من نافذة المحكمة، وصداقة مع الوزير نشأت من محاضرة ألقيتها في جمعية التمدن في دمشق! ومن قبلُ صحبتُ ابن خالتي الشيخ طه الخطيب فزرت معه المدرسة الأمينية، فعلقت رجلي بالفخّ واشتغلتُ بالتعليم من تلك السنة (١٣٤٥هـ) إلى الآن. وزرت الأستاذ معروف الأرناؤوط مع أخي أنور العطار ﵀ في جريدته «فتى العرب» سنة ١٩٣٠، فاشتغلت بالصحافة زمناً من عمري. وضللت مرة طريقي وتوجهت إلى غير غايتي وحاولت أن أعمل بغير ما أظن أني خُلقت له، فاشتغلت بالتجارة وما أنا من أهلها ولا أصلح لها، فردّتني إلى الطريق مقابلة عارضة للأستاذ محمد علي الطيبي ﵀، تلميذ أبي وخليفته في عمله بالمحكمة. كلها أحداث صغيرة ربما سُمّيت مصادفات، وما في الكون مصادفات؛ إن هي إلاّ أمور مقدَّرات محسوبات. ألا تعرفون قصة البدوي التي حدّثت يوماً بها من إذاعة دمشق من أكثر من ربع قرن؟ لقد فصّلتها يومئذ وأوجزها اليوم. بدوي كان يعيش في صحراء (١)، ما عرف المدن ولا زارها ولا أظلّته سقوفها، يقيم حيث طاب له المقام وحيث يجد الكلأ والماء، ينصب خيمته فتكون هي دنياه يستغني بها عن الدنيا، ويُطلِق أنعامه فتكون له الغذاء والسقاء. أخذوه مرة إلى المدينة

стр. 2816

فأنزلوه دارة حديثة (أي فيلا) فيها الماء حاراً وبارداً وفيها الكهرباء وفيها مكيفات الهواء، وفيها كل ما يحتاج إليه الناس. فتهيّبَ دخولها أولاً ونصب خيمته في حديقتها. وذهب يستقي الماء حيث يجد الماء، ثم دفعه الفضول مرة فدخل خائفاً يترقّب أن يصيبه شيء فيناله بأذى، وأظلم عليه الليل وهو فيها فذهب يتلمس طريقه إلى الباب ليخرج منها، فوقعت يده على زر الكهرباء فأضاء المكان، ولمس صنبور الماء (الحنفيّة) فسال منها الماء، فعجب من هذه «المصادفات». سماها مصادفات لأنه لم يعلم أن الذي بنى الدارة مدّ فيها أنابيب الماء وأسلاك الكهرباء وأقامها على هندسة وعلى تقدير! ثم بلغ به الأمر أن ذهب إلى صاحبها الذي استأجروها له منه فقال له: أنا لن أدفع إليك شيئاً من المال. قال: ولماذا لا تدفع لي؟ فقال له: لقد صرت إلهاً، أستطيع أن أُسيل الماء من الحديد وأن ألمس الجدار فأحوّل الليل إلى نهار، وأن أسخّر الكون كله بما عرفته من العلم! أليس هذا هو مثل الملحدين الكفار؟ لمّا أطلق البشرُ أولَ قمر صناعي حسب ناسٌ منهم أنهم شاركوا الله في ملكه، تعالى الله وأستغفره من هذا المقال، ولم يدروا أنهم كأمّة من النمل أخذت إحداها قشّة صغيرة فحملتها ثم أفلتَتها في مجرى الريح، فحملتها الرياح مسافة أمتار، فحسبت أنها سيّرت كوكباً كالكواكب التي سيّرها الله في الفضاء. وما النملة ولا قومها هم الذين أوجدوا الريح وأثاروها، وما طارت القشة بقوة النمل ولكن بقدرة خالق النمل.

стр. 2817

إن لكل عصر وَثَنيّات، ووثنية هذا العصر المبالغةُ في تقدير العلم. إنهم يقولون كما قال الأولون: إنما أوتيته على علم عندي. وما العلم؟ أليس العلم معرفة قوانين الله في الوجود؟ وما الذي عرفناه من هذه القوانين؟ وما الذي بلغه علم العلماء؟ كشفوا قانون الجاذبية، ولكن هل عرفوا ما هي الجاذبية؟ ودرسوا الكهرباء وآثارها وجعلوا منها علماً يُدرس في المدارس والجامعات، ولكن هل عرفوا ما هي الكهرباء؟ وعندهم علم يُدعى علم النفس يدرس أطوارها وأحوالها، ولكن هل علم أحدٌ ما هي النفس؟ إنهم لا يعلمون إلاّ ظاهراً من الحياة الدنيا. يقولون: "إن العلم قهر الطبيعة". وما أكذب هذه الكلمة؛ إنها وقاحة وافتراء وقلّة حياء، إن علومنا كلها كشف للأقل الأقل من أسرار الطبيعة التي طبعها الله عليها، فكيف نقهرها بهذه العلوم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّهِ أنْ آتاهُ اللهُ المُلكَ، إذْ قالَ إبراهيمُ: رَبّيَ الذي يُحيِي ويُميتُ، قالَ: أنا أُحيِي وأُميتُ﴾. وما أحيا ولا أمات بعلمه ولا بإرادته، ولكن بقانون الله الذي وضع الأسباب للموت والحياة. فلما طلب منه ما يخالف قانون الله وقال له إن الله يأتي بالشمس من المشرق فَأْتِ بها من المغرب، بُهت الذي كفر. ولمّا نُقل أول قلب من إنسان إلى آخر ظنّوا أنهم ذهبوا يخلقون كخلق الله، تشابه الخلق عليهم، وحسبوا أن الجراحة لمّا تقدّمت وارتقت تستطيع أن تضاهي خلق الله. وماذا يصنع الجرّاح إلاّ أنه يشقّ الجلد ويخيط الجرح، ثم يقعد ينتظر لا يصنع شيئاً؟

стр. 2818

ما وصل هو الجلد وأعاده إلى مكانه ولكنه وصله الله. وما ينبت الزارعُ الزرعَ ولكن يُنبِته الله. إن كل ما نصنع هو أن نستعين بالطبيعة التي طبعها الله. وإني لأعجب من بعض الدعاة حين يقولون إن من مزايا القرآن أنه سبق العلم. إنهم كمَن يأتي إلى رجل بنى بيته على هيئة الكعبة فيقول له: إن الكعبة قد سبقت بيتك وجاءت على هذا الشكل من قبله! إن مثل القرآن والعلم كمثل سائق سيارة يمشي بها في السهل الواسع، يرى القمر أمامه مُطِلاًّ عليه من فوق الجبل فيسرع ليدرك القمر، والقمر في مكانه. إن القرآن لا تبلى جِدّته ولا ينفد مَعينه، فكلما ازددنا علماً وجدنا تفسيراً للقرآن جديداً لم يعرفه الأولون، لأن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأكوان ويعلم ما يجد فيها وما يؤول إليه حالها. وأحمق الناس الذين يزعمون من أعداء الإسلام أن محمداً ﵊ إنما تعلم من الرهبان، من بَحيرا. وما بحيرا وما مبلغه من العلم؟ وهل عرف بحيرا أو عرف أحدٌ على ظهر الأرض يوم نزل القرآن مراحلَ تكوّن الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث؟ فمَن أنبأ بهذا محمداً؟ إن أرسطو الذي كانوا يلقّبونه بالمعلم الأول لا يعرف من تكوّن الجنين في الرحم إلاّ أشياء رُويَت عنه يضحك منها الآن الطالب في المدرسة المتوسطة، فكيف عرف محمد ‘ ما لم يكن يعرفه أحد على ظهر الأرض ولم يعرفه الناس إلاّ بعده بأكثر من ألف سنة، وقد كان في بلد بعيد عن مراكز الحضارة في قرية ما فيها مدرسة أولية ولا كان فيها ممن يقرأ أو يكتب إلاّ أحد عشر رجلاً وامرأة

стр. 2819

واحدة، وكان هو نفسه أمياً لا يقرأ الكتاب ولا يخطّ القلم. فمن علّمه هذا إن لم يكن بوحي نزل عليه من السماء؟ * * * هذا النبأ الذي قرأته في جريدة «الحياة» أثار في نفسي مئات من الذكريات؛ لقد أدار فيها شريطاً طويلاً فيه من الأحداث والأخبار ما عرفتم بعضَه فيما سبق من هذه الذكريات، وما بقي بعضه في زوايا الذاكرة ينتظر ما يخرجه منها، وبعضٌ سقط من شقوقها وضاع. رأيت في هذا الشريط كيف عُيّنت في النبك، وأول حُكم حكمته في دعوى الإرث المزمنة، وخلافي مع حاكم الصلح، وكيف خرجت من هذا الخلاف منتصراً بعون الله لأنني كنت مع الحقّ ثم استلمت أنا المحكمة منه. وكان فيها رئيس للديوان اسمه عبد الوهاب حيدر أبوه مفتي المنطقة، وكان له أخ شابّ كان طالباً في تلك الأيام، وكان يزورنا فنرحّب به وربما سألني فأجبته. هذا الشابّ هو الوزير الذي أمضى قرار تسريحي. وما ألومه، لأنه كان يكتب ما يُملى عليه ويسير من حيث يسيره غيره. رأيت في هذا الشريط مجالسنا في النَّبْك، وكيف جمعتُ الموظفين على قراءة كتاب نافع بدلاً مما كانوا فيه من إضاعة الوقت في اللهو والكلام الفارغ. ثم كان انتقالي إلى دوما وما مرّ عليّ فيها حين بنيت جداراً فصل المحكمة عن غرف القصر وجعلها مستقلّة، وكيف منعت الوسطاء، حتى إنه جاءني مرّة شيخ بعمامة

стр. 2820

بيضاء من عين منين كانت تلحقه حيثما مشى قالة السوء، وكان معروفاً بأنه يشفع الشفاعات السيئة التي يكون له كِفْل منها، وكان له ولد هو صديق لنا يتبوأ منصباً عالياً في الدولة، جاء مرة مع ناس من أهل بلده لهم دعاوى في المحكمة. سمعت صوته من وراء الباب فخفت أن يسلّم عليّ ويوهمهم أنه يكلّمني في قضاياهم، فتردّدت بين واجب المجاملة وواجب الصدع بالحقّ، فآثرت رضا الله على رضاه، وخرجت إليهم وقلت لهم: هذا الشيخ لا صلة له بي ولا بالمحكمة، ولا أقبل منه تدخلاً في قضية ليس مدّعياً ولا مدّعىً عليه فيها، فإذا كان قد أوهمكم غير ذلك فلا تصدّقوه، وإذا كان قد أخذ منكم شيئاً على هذه الوساطة فاستردّوه. ودخلت وأغلقت الباب، وكان لذلك أثر عميق تحدّث به الناس حيناً. ثم ما كان من انتدابي لمحكمة دمشق، وسوء حالها، وسفر القاضي الممتاز للحجّ وانتدابي للعمل مكانه. ولا بأس أن أثبت هنا نصّ قرار الانتداب إلى المحكمة الشرعية في دمشق: بناء على سفر القاضي الممتاز السيد عزيز الخاني لقضاء فريضة الحجّ تُوزَّع الأعمال المنوطة به على الوجه الآتي: يقوم السيد عادل علواني برئاسة المجلس المشترك. ويقوم السيد صبحي الصباغ برئاسة المجلس العلمي ومجلس الأيتام. ويقوم السيد علي الطنطاوي بالمعاملات الإدارية، على ألاّ يذهب إلى دوما أثناء غياب القاضي الممتاز بل يقوم بأعمال المحكمة الشرعية بدوما حاكم الصلح السيد مصطفى المغربي. دمشق في ١٨/ ١٠/١٩٤٥. وزير العدلية. * * *

стр. 2821

وكنت أعرف عيوب المعاملات الإدارية وما يصنع فيها رئيس الديوان وأعوانه (ممن يمكن أن يُسمَّوا بهذا الاسم المستحدَث، وهو «مراكز القوى»، أي أنهم عصابة مسلَّطة على الناس تأخذ منهم الرشوات، فمن امتنع عن أدائها أبطؤوا في إيجاز معاملته وأرهقوه بالتأجيل وأزعجوه وآذوه حتى يُذعِن فيؤدّي ما طلبوه). كنت أعرف هذا وكتبت في أمره إلى القاضي الممتاز رحمة الله عليه فلم يأتِ كتابي بثمرة، فلما تسلّمت الأعمال الإدارية أصلحت فيها إصلاحاً جزئياً، لم أستطع -لقِصَر الوقت ولأنني منتدَب غير أصيل- أن أقطع أسباب الداء وأن أعمل على الشفاء. فلما آل الأمر إليّ فيما بعد بدّلت وضع المحكمة كله، وسعيت حتى تخلصت من جميع من كان فيها من الموظفين إلاّ قليلاً منهم من الصالحين المصلحين. هذا الذي أودعتُه صفحتين من صفحات هذا الكتاب استغرقَت أحداثه خمساً وعشرين سنة. ثُمّ انقضَتْ تلكَ السُّنونُ وأهلُها ... فكأنّها وكأنّهمْ أحلامُ ذهب ذلك كله كما يذهب العمر ولم يبقَ منه إلاّ رسوم وأطلال: ذكريات في النفس يتربص بها النسيان، وأوراق قليلة في الدّرْج ينتظرها الضياع. لقد وجدتُ من هذه الأوراق الكثير، كل واحدة منها تحدّث حديثها، ولا يفهم حديثَها إلاّ صاحبها. ولها وجه آخر لو أبصرتموه لأبصرتم فيه مآسي وأفراحاً ومسرّات وأحزاناً، ولكن مَن يستطيع أن يعرفها وأن يصفها؟ إن لكل عقد زواج عقدتُه قصة

стр. 2822

فيها الرغبة والأمل قبله والتشوّق والانتظار، وترقّب ليلة الزفاف والشوق إليها والخوف منها، وشهر العسل، وشهور بعده ما فيها عسل ولا حلاوة كحلاوة العسل، وانتظار الحمل ومتاعب الحمل، ومشقّات الولادة، والسعادة بالولد والتعب بالولد ... وقصة كل طلاق والمأساة التي جرّت إليه والتي نتجت عنه. كل واحدة من هذه القصص لو أن كاتباً صاغها صياغة أدبية لكان منها رائعة من الروائع. والأم المطلَّقة التي يحين موعد انتزاع الولد منها وتسليمه إلى أبيه، لانتهاء مدة الحضانة التي هي من شأن النساء وابتداء عهد التربية التي يتولاها الرجال. كل دعوى لها قصة، وما قصةٌ منها تشبه الأخرى ولو كان الموضوع واحداً. لو كتبت هذه القصص أو بعضها. وكيف؟ وأنى؟ لجاء منها كتاب هو قصة الحياة الإنسانية كلها. وإذا كان القاضي المدني يحكم في الأموال لا يجاوزها والقاضي الجنائي يقيم الحدود ويدرأ بها الجنايات، فإن القاضي الشرعي، أو قاضي الأحوال الشخصية، هو قاضي الحياة الإنسانية كلها بما فيها من بياض وسواد وحلاوة ومرارة وسعادة وشقاء. هذا كله في الدنيا، فما لي عند الله؟ أنا ما تعمّدت الحيف ولا حِفْت يوماً وأنا أعلم، ولكن كيف بما لم أعلم. كانوا يأخذون عليّ أني لا أدع المتقاضين يتكلمون كما يريدون. وما كنت أمنع أحداً أن يُدلي بحُجّته، بل كنت أمنع الكلام الذي لا جدوى منه ولا نفع فيه.

стр. 2823

كانت المرأة مثلاً تدّعي أن زوجها طلّقها، فأسأله ولا أريد منه إلاّ أن يقول «نعم» فيكون قد أقرّ وانتهت الدعوى أو أن يقول «لا» فأكلّف المرأة الإثبات، وإذا به يقصّ عليّ قصة طويلة لا تنفع في الدعوى ولا تؤثّر في الحكم وما يكون منها إلاّ إضاعة الوقت على المتقاضين. هذا الذي أمنعه من الكلام. على أنني أسأل الله أن يتجاوز لي عما أخطأت فيه، وأن يُرضي عني بكرمه مَن ظلمتُه بغير قصد مني ويعوّض عليه الحقّ الذي ضاع منه بخطئي. * * * أعوج على أوراقي فأستنطقها، كما كان الشعراء يعوجون على الديار ويستنطقون الآثار. أقلّبها الآن فأجد صورة مرسوم رقم ٩٥٠، وهذا نصّه: إن رئيس الجمهورية بناء على أحكام الدستور وعلى أحكام قانون السلطة القضائية رقم ١٣٣ تاريخ ٨/ ١٠/١٩٥٣ وعلى المرسوم التشريعي رقم ١٥ المؤرَّخ في ٤/ ١٠/١٩٥٣ المتضمن تحديد تعويض الموظفين، وعلى اقتراح وزير العدل يرسم ما يلي: المادة (١) يحدد تأليف لجنة الإشراف على مجلة القانون التي تُصدِرها وزارة العدل من السادة الآتي ذكر أسمائهم، ويحدّد التعويض الشهري لكل منهم وفقاً للمبلغ المعين إزاء اسمه: عارف الحمزاوي الأمين العام لوزارة العدل رئيساً، التعويض ١٥٠ ليرة. علي الطنطاوي المستشار في محكمة التمييز، ١٥٠ ليرة. ظافر الموصلّي القاضي البدائي

стр. 2824

في دمشق، ١٥٠ ليرة. سليم صنيج قاضي الصلح بدمشق، ١٥٠ ليرة. محمد الذهبي رئيس الديوان بوزارة العدل أميناً للسرّ، ١٠٠ ليرة. أحمد الفياض المساعد في وزارة العدل مساعداً، ٧٥ ليرة. المادة (٢) يُعتبر هذا التعيين بالنسبة لكل من السادة سليم صنيح ومحمد الذهبي وأحمد الفياض من تاريخ قيامهم بالعمل الواقع في ١/ ١/ ١٩٥٦، ويُعتبر بالنسبة للآخرين من تاريخ ١/ ٦/١٩٥٦، على ألاّ يتجاوز مفعول هذا المرسوم تاريخ نفاذ قانون موازنة عام ١٩٥٦. المادة (٣) تُصرف التعويضات المذكورة من الاعتمادات المرصدة باسم مجلة القانون في موازنة وزارة العدل. المادة رقم (٤) يُنشر هذا المرسوم ويُبلّغ لمن يجب لتنفيذ أحكامه. دمشق في ٢٣/ ٢/ ١٩٥٦، رئيس الجمهورية شكري القوتلي، رئيس مجلس الوزراء سعيد غزي، وزير العدل منير العجلاني. * * * أثبتُّ هذا المرسوم بنصّه ليعرف القراء «الصيغة» التي كانت تصدر بها المراسيم. ومن خبر هذا المرسوم أنها لمّا أُنشئت كلية الشريعة في جامعة دمشق دُعيتُ لأدرّس فيها، وكُلّفت بمادة دعوها «فقه السيرة»، استحدثوها كما استحدثوا مادة «الثقافة الإسلامية»

стр. 2825

و «نظام الإسلام». وكنت أول من درّس فقه السيرة (كما كنت أول من درّس الثقافة الإسلامية)، ولم يكن لها منهج، فوضعت لها منهجاً وسيّرت الطلاب فيه معي، وكان منهم مدرّسون في المدارس الثانوية ومنهم مَن هو في منزلتهم ومن أمثالهم. وبدأنا في تحقيق مصادر السيرة وتمييز الصحيح من أخبارها من الضعيف والموضوع، وكلّفتهم المشاركة في ذلك، فأعدّوا مباحث كان منها الطيب الناضج ومنها ما هو دون ذلك، وكان ما أعدّه أحدهم تصنيف رواة الطبري. ونحن نرى اليوم أساتذة يُشار إليهم ويُعتمد عليهم يوثّق أحدُهم ما يورده من أخبار بأنه في تاريخ الطبري الجزء كذا والصفحة كذا. وليس هذا بالعزو العلمي بل ربما دلّ على جهل هذا الأستاذ، لأن الطبري صرّح بأنه يجمع في كتابه الصحيح الثابت وغير الصحيح وغير الثابت، ويُسقِط عن نفسه التبعة بذكر الراوي. وعلى من ينظر في كتابه أن يعرف درجات الرواة ومنازلهم من الضبط والعدالة، فإن منهم مَن لا يُعتمَد عليه ولا يُوثَق به (كأبي مخنف مثلاً ومحمد بن السائب الكَلْبي وأمثالهما). ولو أن هذه الرسالة التي كتبها الطالب في رواة الطبري طُبعت لنفعت الناس. كان فقه السيرة علماً جديداً مستحدَثاً لم يكن فيه كتب فتعبتُ في إعداد المحاضرات التي ألقيها على الطلاب، ثم ألّف فيه بعد سنوات طوال أساتذة أفاضل كالشيخ محمد الغزالي، الداعية المعروف، والدكتور سعيد رمضان البوطي، وهو عالِم ابن عالِم، أبوه الشيخ المعمَّر الصالح مُلاّ رمضان. كما ألّف فيه غيرهما.

стр. 2826

ومن مزايا تاريخ الطبري أن سيرة ابن إسحاق التي شاع أنها مفقودة، هذه السيرة موجودة في تاريخ الطبري روايةً عن محمدبن سلمة عن ابن إسحاق، وابنُ هشام في مختصره يرويها عن الطبري. وقد تنبّهت إلى هذا وكتبت أنبّه عليه من نحو خمسين سنة، وانتدبت أخي ناجي القاضي، ثم بنتي بيان المحاضرة في الجامعة في جدة، ثم ابن بنتي مجاهد المهندس، إلى استخراج هذه السيرة من تاريخ الطبري ومقابلة أخبارها على كتب التاريخ وطبعها وحدها. وأظن أن بعضهم يعمل في ذلك الآن. * * * وما طالت أيامي في كلية الشريعة، لأنهم قرّروا اتّباع سنّة السوء المتّبَعة في الجامعة وهي جمع الطلاب والطالبات معاً في قاعة الدرس، فأبَيت ذلك، واجتمع مجلس الكلية وكان فيه شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار والأصدقاء المصطفيان الزرقا والسباعي والأستاذ المبارك والدكتور معروف الدواليبي، رحم الله مَن مات منهم وأطال حياة الباقين، فكانوا جميعاً عليّ يقولون: إن البنات محجَّبات، وليس الاجتماع خطوة ممنوعة ولا دليلَ على منعه. وأنا أراه باباً إن فتحناه دخل منه الحرام. وذكّرت أخي الأستاذ الزرقا بأنه كان معنا -لمّا كنا ندرُس معاً في كلية الحقوق في أوائل الثلاثينيات- فتاة تأتي بالملاءة مغطّى وجهُها فلا تكشفه إلاّ في الفصل، ثم إنها (وأستغفر الله من هذا الكلام) لا يمكن أن تُغري أحداً بالحرام! فانظر اليوم إلامَ انتهى الأمر؟ وجادلتهم فلم يُفِدني جدالهم، فقلت لهم: إني أُعيد الدرس

стр. 2827

للطالبات مجّاناً، ولأن أكون معهن وحدي أهون من أن يكنّ مع الطلاب مجتمعين، ولا آخذ على الإعادة أجراً. فأبوا وأبيت وعُدت إلى محاضراتي، فما راعني إلاّ طالبة صفيقة الوجه، أي سميكة الجلد، تدخل عليّ الفصل، فقلت لها: اخرجي. فلم تردّ ومشت كأنها لا تسمعني، وكان نظرها إلى الأرض فهي لا تراني. فقلت لها: لو كنتِ رجلاً لأمسكت بأذنيك ورميتك وراء الباب، ولكنك أنثى ولا أمدّ يدي إلى امرأة، فإن لم تريدي أن تخرجي فسأخرج أنا. وخرجتُ ولم أعُد إلى التدريس في الكلية، فلم يمرّ إلاّ قليل حتى جاءني هذا المرسوم بلا طلب ولا استشراف نفس إليه ولا علم به، فعوّض الله عليّ من الرزق ما خسرته بتلك الكلية. ومَن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه. وقد صدق ما ظننت فصارت كلية الشريعة اليوم -كما قالوا- كسائر الكلّيات في اختلاط البنين والبنات. بل لقد فعل إبليس فيها فعلته، حين وسوس إلى بعض الملحدين والمفسدين أن يُدخِلوا أبناءهم كلية الشريعة، لا ليدرسوا الشريعة ولا ليُحيطوا علماً بها، بل ليحملوا شهادتها ويتمتعوا بمزاياها فيصيروا هم مدرّسي الدين، فيغزونا من داخل حصوننا ويعيشوا معنا وهم عدوّ لنا. وهؤلاء شرّ من العدو الذي يقابلنا سافرَ الوجه ظاهراً للعيان بيده السيف والسنان. والبقية في الحلقات القادمة إن شاء الله. * * *

стр. 2828

-٢١٨ - زياراتي القديمة لمكة سكنت أجياد إحدى وعشرين سنة، فكنت ربما أُطِلّ على الشارع في السحَر من داري في الطبقة الثامنة فأرى الذاهبين إلى الحرم لصلاة الفجر أوزاعاً متفرقين، فأميزهم من هيئاتهم ومشيتهم وأعرف ناساً منهم، فإذا قُضيَت الصلاة وخرجوا يملؤون الشارع لم أعُد أميّز واحداً من واحد لأنهم ازدحموا وتداخلوا واستتر بعضهم ببعض. هذا مثال ذكرياتي؛ كانت قليلة وكانت واضحة محفورة على صفحة قلبي كأنها النقر في الحجر، فلما كثرت وتداخلت لم أعُد أميّزها ولا أستطيع أن أحصرها. أريد أن أكتب عن المملكة، عن مكة، العاصمة الروحية لها ولبلاد المسلمين كلها. وأنا حين أهمّ بالكتابة عن بلد لا أصف طبيعة أرضه ولا أحدد مساحته وحاصلاته، ولكن أحاول أن أصف مدى شعوري به ومبلغ ما له في نفسي. وهل أستطيع أن أصوّر المشاعر والعواطف التي ينطوي عليها قلبي لمكة، أم القرى وقِبلة المسلمين ومبعث النور وأحبّ البلاد إليّ بعد بلدي، لا بل

стр. 2829

قبل بلدي، فهي بلدي الأول وبلد كل مسلم؛ ما يسرّني أن يسلم بلدي بأذاها، بل إني أدفع عنها الأذى ببلدي وداري وأهلي، لأنها إن سلمت فكل شيء سالم وإن أصابها شيء لم يسلم لنا بعدها شيء، لأنها تكاد تكون لنا كل شيء. أرأيتم المغناطيس كيف يجذب قطع الحديد من حوله؟ كذلك تجذب مكةُ الناس. ولست أدري لماذا يذهب أهلها فيسيحون في البلدان والبلدانُ كلها تكون كلَّ سنة هنا، تدور حول هذا البيت من الغرب إلى الشرق كما تدور الأفلاك على قطبها، فكأن كل حاجّ كوكبٌ وهذا المطاف هو الفضاء الأرحب الذي تسبح فيه النجوم والكواكب. لقد قرأت مرة لناقد فرنسي تقريظاً لقصة لم يجد أبلغَ في الدلالة على عمق أثرها في نفس قارئها من أن يقول: "إني أتمني أن أنساها ثم أعود فأقرأها من جديد، فأستمتع بها كما استمتعت أول مرة". إذا كان هذا يُقال في قصة أدبية فماذا ترونني أقول في بيان شعوري لمّا رأيت الكعبة أول مرة؟ كنت أتوجّه إليها في صلاتي وأنا في بلدي، كما يتوجّه إليها كل مسلم وبينه وبينها صحارى وبحار وجبال وأنهار ومدن كبار وصغار، يتخيّلها على البعد يحنّ إليها ويتمنى رؤيتها. وما نعبد الكعبة ولا نعظّمها لِذاتها، ولا نقدّس جدرانها وبابها ولا كسوتها وأثوابها، ولكننا نحبها لأنها بيت ربنا الذي نتوجه إليه حين نقف بين يديه. وإن قلت «بيت ربي» فإنما أعني البيت الذي شرّفه بنسبته إليه، وتعالى الله عن أن يُحيط به بيت أو أن يحدّه زمان

стр. 2830

أو مكان، وهو الذي كان قبل أن يُخلق الزمان والمكان. كنت كالعاشق الذي نأَت به الحياة عن صاحبته فهو دوماً في شوق إليها، إن لمح البرق من نحو أرضها ذكّره بها لَمَعانُ البرق، وإن لمح النجم الذي تراه هزّه إليها لَمْحُ النجم، يمدّ يديه ليعانقها ونفسُه مَشوقة إليها وبينه وبينها الآماد البِعاد، فإذا حمله رحله إليها جعل كلّما دنا منها خطوة أحسّ أنْ قد فُتح له باب ورُفع له من دونها حجاب، حتى إذا انزاحت الحُجُب واختُصرت المسافات وذاب البعد رآها عياناً ولمسها، وألقى بصره عليها، وعانقها قلبه قبل أن تعانقها يده وقبّلها فؤاده قبل أن يقبّلها فمه. ويا أسفا! لقد فقدت بإقامتي في مكة ذلك الشعور الذي هزّ قلبي يوماً هزّة ما أظنّ أني شعرت بمثلها. كحّلت عيني بمشهد الكعبة أول مرة سنة ١٣٥٣هـ، في رحلتنا تلك التي حدّثتكم حديثها مفصّلاً. الرحلة التي كشفنا فيها طريق السيارات من دمشق إلى مكة، والتي صرمنا فيها ثمانية وخمسين يوماً على الطريق، نعتسف البوادي، نقتحم المجهول، نغوص في الرمل، نربط الحبال بأعناقنا ونجرّ سياراتنا لنُخرِجها من تلك الرمال. صلينا الشمس التي تُلهِب قحوفَ الرؤوس وتعصر الأجسام فتُسيل منها ماءها عرقاً، ثم لا نجد من الماء ما نشربه فنعوّض به ما سال من أجسادنا. لقد طالما ضللنا الطريق أياماً، بل ما كان أمامنا طريق نهتدي إليه أو نضلّ عنه، إنما خرجنا لنفتح هذا الطريق! قطعنا عند «خور حمار» قبل مدائن صالح بضعة أكيال فقط (كيلومترات) في نهار

стр. 2831

كامل، عطشنا وجُعنا وتعبنا، وبلغ منا التعب أني كنت أضع تحت رأسي وسادة أو شيئاً أجده أجعله كالوسادة، وأغفو من حين يلامس رأسي الأرض. لقد بتنا ليلة والله والعقارب تدبّ من حولنا، ولقد خفت منها ولكني لم أجد قوّة أستعين بها على قتلها. ورأينا النمر يحوم من حولنا، نمر كما قال الدليل، لا تحسبوه ثعلباً ولا ذئباً، لكن لم أجد قوّة أهرب بها من النمر! واختلفنا في العودة، شأننا نحن العرب في كل أمر نعالجه مجتمعين فلا نخرج منه إلاّ متفرقين. فعدنا أنا والشيخ ياسين الرواف رحمة الله عليه في سيارة واحدة صاحبها السيد جمال الحفار، من دمشق ﵀ وأخوه السيد علي، قطعنا البادية وحدنا في هذه السيارة على غير طريق. ما أكلت فيها من المدينة إلى دمشق إلاّ أُقّة (والأقة كيل وربع الكيل) من التمر شريتها من المدينة. ولكن كل ليل معه نهار، وكل شتاء بعده ربيع، وكل شوكة إلى جوارها وردة، ومع هذه الشدة وهذا الهول الذي وجدناه في الصحراء وجدنا في الصحراء حسنات تكاد تمحو تلك السيئات: نسيم الليل الرخيّ الناعش الذي يُحيي الأرواح، وأن تستلقي فترى من فوقك السماء الصافية مرصَّعة بالنجوم، وأن ترى الفجر حين يشقّ أديمَ الشرق شقاً ثم يتمدّد عليه ويغمره بالضياء. هل يعرف سكان المدن ما الفجر؟ ومَن منهم رأى الفجر؟ وهل يراه مَن حبس نفسه في صناديق من الإسمنت تُشعَل فيها المصابيح الليل والنهار، حتى لا يفرّق أحدنا بين الليل والنهار إلاّ بالنظر إلى الساعة أو سماع الرادّ (الراديو)؟ لقد حملنا تلك المشاقّ كلها، ولكن ربحنا منها مشاعر

стр. 2832

وذكريات أستطيع أن أتحدث عنها اليوم وقد مرّ عليها ثلاث وخمسون سنة. فخبّروني: ما الذي يستبقيه المسافر في الطيارة حين يقطع هذه المسافة كلها في ساعتين؟ ما الذي يستبقيه من ذكريات سفره؟ وما الذي يحدّث به عنها بعد عشر سنين؟ لقد ربحنا بهذه الحضارة الوقت ولكن خسرنا العواطف والذكريات. بل أين مكة التي نُقشت صورتها على صفحة قلبي نقشاً لا يزول؟ كانت تعيش كلها ما بين المعابدة والبيبان، وكانت تتكدس بيوتها من حول الحرم، تأوي إليه كما يأوي الطفل الصغير إلى حِجر أمه لا تستطيع أن تبتعد عنه. إن مكة الآن أجمل وأكمل وأبدع وأوسع؛ أوسع بلا شك وأبدع، ولكن الإنسان يحبّ ما هو له. هل تبادل بولدك فتُعطيه وتأخذ أجمل طفل في الدنيا؟ فالماضي لي، صار ملكي، صار قطعة من ذكرياتي، لذلك أحتفظ بصورته في نفسي. * * * أما زيارتي مكة سنة ١٣٥٣هـ فقد عرفتم في هذه الذكريات أطرافاً من حديثها كنت أودعتها كتابي «من نفحات الحرم». والزيارة التي تليها كانت في حِجّتي سنة ١٣٧٣هـ التي صحبتُ فيها وفد المؤتمر الإسلامي في القدس. وهو المؤتمر الذي لم أحضر غيره، والذي جمع ممثّلين عن أقطار المسلمين كلها، والذي انتخب لجاناً ثلاثة (١) جعلوني رئيس إحداها، وهي «لجنة

стр. 2833

الدعاية»، ثم كلّفوني الرحلة التي تكلّمت من قبل عنها، فلا أُعيد الكلام فيها، فزُرت فيها باكستان والهند وسنغافورة والملايا وأندونيسيا. وكان الذي جرّني إليها وإلى هذه الحِجّة من بعدها، والذي كان هو سبب تشرّفي بالحياة هنا في المملكة، هو أخي وصديقي الشيخ محمد محمود الصوّاف، كما كان سبب كتابة هذه الذكريات ولولاه لَما كتبتها، هو وولدي وصديقي الأستاذ زهير الأيوبي. جئت في وفد المؤتمر مع الأستاذ سعيد رمضان والأستاذ كامل الشريف. وكامل أشهد أنه من أكمل الرجال، عرفته في المؤتمر شاباً صغير السنّ كبير العقل، رزيناً في أدب، بليغاً من غير فضول، لا يحسّ جليسه بثقله. ورُبّ جليس تجالسه تحسّ أنه يجثم على صدرك كأنه كتلة ضخمة متحجرة من الثلج في يوم بارد. كان الأستاذ سعيد يذهب هنا وهناك، فهو رجل خَرّاج وَلاّج، وأبقى أنا وكامل، يُصغي إذا تكلمت أنا ويُحسِن ويُفيد إذا تكلّم هو. كان يرفق بي فلا أجد منه إلاّ ما يسرّ. ثم صحبتُه كرّة أخرى إلى طهران لمّا انتخبونا لنسعى لإنقاذ صديقنا نواب صفوي ﵀ من الموت الذي حكموا به عليه، ولذلك

стр. 2834

حديث آخر (١). نزلنا في فندق مصر، وكان هو الفندق الوحيد في مكة أو كان أكبر الفنادق وأفخرها (٢). وليس عندي من آثار تلك الحِجّة إلاّ خلاصة المحاضرة التي ألقيتها في حفلة تعارف الحُجّاج في قاعة الفندق وحضر جانباً منها الملك سعود ﵀. ولم أُعِدّها ولم أحضّرها، وما من عادتي أن أُعِدّ المحاضرات، إنما أفكّر فيها وفي أعمالي كلها في اللحظة الأخيرة، حتى إنهم لو كلّفوني بمحاضرة أو مقالة يريدونها بعد شهر أو شهرين لَما فكّرت فيها ولَما أخطرتُها على بالي إلاّ حين يبقى دون الموعد يوم أو يومان، هنالك أجمع لها ذهني وأحتشد لها فيوفّقني الله بفضله فيها. ولا يضرّني ضيق الوقت إذا تركّز الذهن وكان كعدسة البلّور التي تجمع أشعة الشمس، فتحرق بها الورق لو اجتمع الشعاع في مكان ضيق المساحة قليل الطول والعرض. كان عنوان المحاضرة «طرق الدعوة إلى الله»، من قرأها حسب أني اشتغلت بإعدادها وقتاً طويلاً. بيّنت فيها أساليب الدعاة وطرق الدعوة: طريق الدعوة إلى الله بإصلاح الملك أو الحاكم، يجعله الداعي قصدَه ويبلغ في إصلاحه جهده، كما فعل السَّرْهَنْديّ في الهند حين رأى الإمبراطور أكبر يكفر ويحمل الناس على الكفر ويحاول أن يمحو الإسلام من تلك البلاد ومن نفوس أهلها، وكان

стр. 2835

الجيش معه والزعماء يؤازرونه والحكم له والمال تحت يده، وكان الشعب عاجزاً ضعيفاً لا يستطيع أن يأمره بمعروف ولا أن ينهاه عن منكَر، فجعل الشيخ يتصل بأسرته وحاشيته لعلّه يستخلص منهم واحداً للإسلام، وما زال يعمل هو وأولاده وتلامذته حتى وُفّق إلى ما يشبه المعجزة، حين أخرج الله به وبتلاميذه من صلب ذلك الإمبراطور المرتدّ الكافر ملكاً كان من أفضل ملوك الإسلام، ومن أعدلهم وأتقاهم وأشدّهم حزماً وأكثرهم إصلاحاً، وكان بقية الخلفاء الراشدين (كما لقّبته في كتابي «رجال من التاريخ»)، هو عالم كير أورَنْك زيب بن شاه جيهان بن جيهان كير بن أكبر. وهذا الطريق قصير المدى، عاجل النفع، سريع الثمرة، ولكن ثمرته تبقى ما بقي هذا الحاكم الصالح، فإن زال زالت. وطريق الدعوة الشعبية التي يحميها الحاكم، فيؤيّدها بسلطانه ويردّ عنها الأذى بسيفه، كما فعل الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نجد حين حالف الإمام محمد بن سعود، ووجّها همّتهما للدعوة إلى الله باللسان وبالسنان حين لا ينفع اللسان، فنجحَت واستمرّت. وطريق الدعوة الشعبية التي تحميها الثورة المسلّحة، كما فعل أحمد بن عرفان في الهند حين جنّد أتباعه وحمل أمامه راية الجهاد، وواتاه النصر حتى أقام دولة إسلامية في شمالي الهند تحكم بالكتاب والسنّة وتوشك أن تُعيد الهند كلها إلى الإسلام، لولا أن الإنكليز لمّا عجزوا عن هدمها بقوة النمر حاربوها بمكر الثعلب، وأثاروا عليها المسلمين من رجال القبائل القوية المسلحة فهدموا دولتهم بأيديهم، فكانت النتيجة الفاجعة، إذ ذهبت الدولة

стр. 2836

الإسلامية الناشئة وعادت الهند إلى الإنكليز بدلاً من عودتها إلى الإسلام (١). وكما فعل عز الدين القسّام، هذا الشيخ المؤمن القوي الذي استحى من الله أن يُقرئ تلامذته أحكام الجهاد في كتب الفقه وأنه يكون فرضاً على المسلمين جميعاً إذا احتلّ الكافر الأرض الإسلامية، ثم يذهب إلى داره فيأكل الرز واللحم ويشرب الشاي وينام مطمئناً إلى أنه قام بكل ما يطلبه الإسلام من الرجل المسلم؛ فخرج معهم بعد أن تدرّب على القتال ودرّبهم، وباشر الجهاد فعلاً، يوقع بالإنكليز ويحارب اليهود لإعلاء كلمة الله ولتخلص فلسطين لأهلها، ولبث على ذلك حتى سقط شهيداً. والدعوة ببثّ الأفكار وعرض الحقائق على أفراد الناس في المجالس والمجامع والطرق وفي كل مكان، بالأسلوب المناسب والتعبير الموافق لما تقتضيه الحال، من غير دخول في جدل أو اشتباك مع مخالف، كما فعل جمال الدين الأفغاني. وله جملة واحدة مشهورة يلخّص فيها مذهبه هذا، هي: «قُل كلمتك وامشِ». وكما فعل الشيخ طاهر الجزائري، الذي زاد عليه بأنه إذا

стр. 2837

رأى مخالفاً له أظهر له التواضع وتجاهل ما يعرفه أمامه، وجاءه بكتاب من الكتب التي تصحّح له خطأه وتردّه عنه فقال له: إني وجدت هذا الكتاب في مكتبتي ولم أعرف ما فيه، وأنا أحبّ أن تراه ثم تخبرني هل هو نافع لي لأقرأه أم هو من الكتب الضارة؟ ويترك له الكتاب، فلا تمر أيام ويستكمل قراءته حتى يكون قد رجع عن خلافه. وهذه طريقة مضمونة النتائج، ولكنها طويلة والثمرة فيها بطيئة الظهور. والدعوة إلى الله بالتعليم والإقراء وتأليف الكتب العلمية ونشر القديم النافع منها، وبالدروس والمحاضرات المستمرّة، كما فعل وليّ الله الدهلوي بالهند ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر وعبد الحميد بن باديس في الجزائر. والدعوة عن طريق الصحف والمجلات والمقالات والمباحث، كما فعل محب الدين الخطيب، وهو أبو الحركة الإسلامية الجديدة في مصر، كان قلمه أول قلم دعا إليها، وكانت مطبعته «السلفية» أول مطبعة وُقفت عليها، وكانت مجلته «الفتح» أول مجلة إسلامية في مصر. وكما فعل أمير البيان شكيب أرسلان الذي كان كاتب الإسلام الأول. والمحاضرة طويلة، وهي في كتابي فصول إسلامية. * * * وجاءت سنة ١٣٨١هـ فرأيت من حقّ زوجي عليّ أن أذهب بها إلى الحجّ. وإذا كانت نفقة المرأة واجبة على زوجها يضمن

стр. 2838

لها ما هو ضروري لها، فإن من هذه الضروريات حجّ بيت الله، حجّة الفرض، إن كان يستطيع أن يضمنها لها. ولكن فكّرت: كيف أذهب بها وأنا أعجز الناس عن النهوض بأمر نفسي في الحضر، فكيف أنهض بأمرها وأمري في السفر؟ وحِرتُ ماذا أصنع وفكرت فيمن يأخذ بيدي، في أخ مخلص لا يُشَكّ في إخلاصه قدير لا يُمارى في مقدرته، فوجدته؛ إنه الشيخ الصوّاف. فأبرقت إليه ليحجز لي مكاناً في فندق مصر في أجياد، ولكني استحييت أن أعود فأبرق إليه بوصولي، فوصلت مطار جدة بعد موهن من الليل (أي بعد منتصف الليل)، وكان في الطيارة جماعة من دمشق منهم من أعرفه معرفة ومنهم من كان بيني وبينه صداقة، فلما هبطنا من الطيارة شُغل كل منهم بأهله ومتاعه فلم يلتفت إليّ أحد منهم ولم يعرج عليّ، ووقفتُ كالأصمّ في الزفّة -كما يقولون- لا يُبدئ ولا يُعيد ولا يعرف له متجَهاً ولا مقصداً. وأنا كما قلت لكم أُدعى إلى خطبة في مئة ألف أو يزيدون بلا استعداد لها ولا احتشاد لإلقائها فأقوم إليها لا أجد مشقّة فيها، وأكتب المقالة في نصف ساعة لا أحسّ صعوبتها، ولله عليّ أفضال لا أنكِرها وأعمال صعبة سهّلها لي وأقدرَني عليها، ولكني أعجز عمّا يستسهله الناس وأغرق في شبر ماء على حين أجد مَن يسبح في اللجّ العميق. هنالك وقد كدت أصل إلى حافّة اليأس جاءني رجل لا أعرفه يسأل عني باسمي، وعند الضيق يأتي الفرج. فعجبت منه

стр. 2839

واستوضحته، وإذا هو رسول من عند وكيل للمطوفين معروف في جدة، اسمه أبو زيد، وكان نسيب كاتب عندنا في المحكمة في دمشق ذي نجدة ووفاء اسمه السيد كمال الأظن، فأبرق له ليساعدنا، فأخذَنا إلى مكتبه وأقعدنا وأتانا بالشراب البارد والقهوة الحارة، وبعث من يُنجِز لنا معاملاتنا. فلما رأى ذلك مَن كان في الطيارة معنا أقبلوا علينا بعد أن كانوا مُعرِضين عنا، وسألوه أن يدلّهم على السوق فبعث معهم من يدلّهم ويشتري لهم، فلما رأوا ذلك اشتروا على حسابه ما كانوا يحتاجون إليه وما ليسوا إليه في حاجة (ولم أعلم بذلك إلاّ بعد حين)، وأحضر لنا سيارات حملتنا إلى مكة فركبوا هم ونساؤهم وأولادهم معنا! وكذلك يصنع الطمع وضعف الوازع الخلقي. رجل لا يعرفونه، لماذا يستغلّون كرمه؟ أنا المقصود بالإكرام كنت متحرّجاً أخاف أن أُزعِج الرجل أو أن آخذ منه أكثر مما ينبغي، وأحاول أن أتملص من قيود كرمه التي قيّدنا بها، وهؤلاء وجدوا طعمة فأكلوها لم يسألوا عن مصدرها (١). فإذا كان في القراء من يعرف مستقَرّ السيد كمال، أو نسيبه هذا السيد أبو زيد، فليبلغهما أن ربع قرن مضى لم يُنسِني فضلهما، وأنني سأبقى ذاكراً لهما شاكراً حسن صنيعهما. * * * وكان معنا في الفندق بعض الشباب من جماعة الرئيس

стр. 2840

عبدالناصر (الذي حجّ في تلك السنة إن صحّ ما أذكر)، وكنا معهم في مناقشات دائمة وجدال. وكان اجتماع في القصر في مكة، وهو الاجتماع الذي انبثقَت عنه رابطة العالَم الإسلامي، وهممت بالاعتذار عنه ولكن الشيخ العالِم الفاضل المعمَّر المفتي الشيخ محمد حسنين مخلوف، قوّاه الله ومدّ في عمره لنفع المسلمين، والمفتي الصديق القَلْقيلي ﵀، ضغطا عليّ وألزماني بأن أذهب معهما إلى هذا الاجتماع. وكان هو الاجتماع الأول لِما دُعي فيما بعد برابطة العالَم الإسلامي، وكان برياسة الملك سعود ﵀ والمفتي الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وكُلّف بإدارة الجلسة أخونا الداعية الفاضل الأديب السيد أبو الحسن النَّدْوي. فكنت إذن من الهيئة التأسيسية الأولى لرابطة العالَم الإسلامي، ولكني -على عادتي- اعتذرت عنها، فأنا لم أنتسب في عمري كله إلى جماعة أو حزب وإنما أعمل وحدي، أمشي على الطريق السويّ فأساير كل من أجده يمشي فيه، أعاون على ضعفي وعجزي كل داعٍ إلى الخير، ولكني لا أربط نفسي به ولا أُلزِمها السير معه. ودُعينا مرة إلى المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (ولست أدري ما اسمه على التحقيق)، فحضرتُ جلسات وشاركت في الرأي وعملت ما استطعت، ووجدت أفاضل أجلّة استفدت منهم، منهم الشيخ الشنقيطي صاحب «أضواء البيان». ولكنني لمّا انتُخبت في هذا المجلس (أو هذه
следующие страницы →