الإسلامية الناشئة وعادت الهند إلى الإنكليز بدلاً من عودتها إلى الإسلام (١).
وكما فعل عز الدين القسّام، هذا الشيخ المؤمن القوي الذي استحى من الله أن يُقرئ تلامذته أحكام الجهاد في كتب الفقه وأنه يكون فرضاً على المسلمين جميعاً إذا احتلّ الكافر الأرض الإسلامية، ثم يذهب إلى داره فيأكل الرز واللحم ويشرب الشاي وينام مطمئناً إلى أنه قام بكل ما يطلبه الإسلام من الرجل المسلم؛ فخرج معهم بعد أن تدرّب على القتال ودرّبهم، وباشر الجهاد فعلاً، يوقع بالإنكليز ويحارب اليهود لإعلاء كلمة الله ولتخلص فلسطين لأهلها، ولبث على ذلك حتى سقط شهيداً.
والدعوة ببثّ الأفكار وعرض الحقائق على أفراد الناس في المجالس والمجامع والطرق وفي كل مكان، بالأسلوب المناسب والتعبير الموافق لما تقتضيه الحال، من غير دخول في جدل أو اشتباك مع مخالف، كما فعل جمال الدين الأفغاني. وله جملة واحدة مشهورة يلخّص فيها مذهبه هذا، هي: «قُل كلمتك وامشِ».
وكما فعل الشيخ طاهر الجزائري، الذي زاد عليه بأنه إذا
стр. 2837
رأى مخالفاً له أظهر له التواضع وتجاهل ما يعرفه أمامه، وجاءه بكتاب من الكتب التي تصحّح له خطأه وتردّه عنه فقال له: إني وجدت هذا الكتاب في مكتبتي ولم أعرف ما فيه، وأنا أحبّ أن تراه ثم تخبرني هل هو نافع لي لأقرأه أم هو من الكتب الضارة؟ ويترك له الكتاب، فلا تمر أيام ويستكمل قراءته حتى يكون قد رجع عن خلافه. وهذه طريقة مضمونة النتائج، ولكنها طويلة والثمرة فيها بطيئة الظهور.
والدعوة إلى الله بالتعليم والإقراء وتأليف الكتب العلمية ونشر القديم النافع منها، وبالدروس والمحاضرات المستمرّة، كما فعل وليّ الله الدهلوي بالهند ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر وعبد الحميد بن باديس في الجزائر.
والدعوة عن طريق الصحف والمجلات والمقالات والمباحث، كما فعل محب الدين الخطيب، وهو أبو الحركة الإسلامية الجديدة في مصر، كان قلمه أول قلم دعا إليها، وكانت مطبعته «السلفية» أول مطبعة وُقفت عليها، وكانت مجلته «الفتح» أول مجلة إسلامية في مصر. وكما فعل أمير البيان شكيب أرسلان الذي كان كاتب الإسلام الأول.
والمحاضرة طويلة، وهي في كتابي فصول إسلامية.
* * *
وجاءت سنة ١٣٨١هـ فرأيت من حقّ زوجي عليّ أن أذهب بها إلى الحجّ. وإذا كانت نفقة المرأة واجبة على زوجها يضمن
стр. 2838
لها ما هو ضروري لها، فإن من هذه الضروريات حجّ بيت الله، حجّة الفرض، إن كان يستطيع أن يضمنها لها.
ولكن فكّرت: كيف أذهب بها وأنا أعجز الناس عن النهوض بأمر نفسي في الحضر، فكيف أنهض بأمرها وأمري في السفر؟ وحِرتُ ماذا أصنع وفكرت فيمن يأخذ بيدي، في أخ مخلص لا يُشَكّ في إخلاصه قدير لا يُمارى في مقدرته، فوجدته؛ إنه الشيخ الصوّاف. فأبرقت إليه ليحجز لي مكاناً في فندق مصر في أجياد، ولكني استحييت أن أعود فأبرق إليه بوصولي، فوصلت مطار جدة بعد موهن من الليل (أي بعد منتصف الليل)، وكان في الطيارة جماعة من دمشق منهم من أعرفه معرفة ومنهم من كان بيني وبينه صداقة، فلما هبطنا من الطيارة شُغل كل منهم بأهله ومتاعه فلم يلتفت إليّ أحد منهم ولم يعرج عليّ، ووقفتُ كالأصمّ في الزفّة -كما يقولون- لا يُبدئ ولا يُعيد ولا يعرف له متجَهاً ولا مقصداً.
وأنا كما قلت لكم أُدعى إلى خطبة في مئة ألف أو يزيدون بلا استعداد لها ولا احتشاد لإلقائها فأقوم إليها لا أجد مشقّة فيها، وأكتب المقالة في نصف ساعة لا أحسّ صعوبتها، ولله عليّ أفضال لا أنكِرها وأعمال صعبة سهّلها لي وأقدرَني عليها، ولكني أعجز عمّا يستسهله الناس وأغرق في شبر ماء على حين أجد مَن يسبح في اللجّ العميق.
هنالك وقد كدت أصل إلى حافّة اليأس جاءني رجل لا أعرفه يسأل عني باسمي، وعند الضيق يأتي الفرج. فعجبت منه
стр. 2839
واستوضحته، وإذا هو رسول من عند وكيل للمطوفين معروف في جدة، اسمه أبو زيد، وكان نسيب كاتب عندنا في المحكمة في دمشق ذي نجدة ووفاء اسمه السيد كمال الأظن، فأبرق له ليساعدنا، فأخذَنا إلى مكتبه وأقعدنا وأتانا بالشراب البارد والقهوة الحارة، وبعث من يُنجِز لنا معاملاتنا. فلما رأى ذلك مَن كان في الطيارة معنا أقبلوا علينا بعد أن كانوا مُعرِضين عنا، وسألوه أن يدلّهم على السوق فبعث معهم من يدلّهم ويشتري لهم، فلما رأوا ذلك اشتروا على حسابه ما كانوا يحتاجون إليه وما ليسوا إليه في حاجة (ولم أعلم بذلك إلاّ بعد حين)، وأحضر لنا سيارات حملتنا إلى مكة فركبوا هم ونساؤهم وأولادهم معنا!
وكذلك يصنع الطمع وضعف الوازع الخلقي. رجل لا يعرفونه، لماذا يستغلّون كرمه؟ أنا المقصود بالإكرام كنت متحرّجاً أخاف أن أُزعِج الرجل أو أن آخذ منه أكثر مما ينبغي، وأحاول أن أتملص من قيود كرمه التي قيّدنا بها، وهؤلاء وجدوا طعمة فأكلوها لم يسألوا عن مصدرها (١).
فإذا كان في القراء من يعرف مستقَرّ السيد كمال، أو نسيبه هذا السيد أبو زيد، فليبلغهما أن ربع قرن مضى لم يُنسِني فضلهما، وأنني سأبقى ذاكراً لهما شاكراً حسن صنيعهما.
* * *
وكان معنا في الفندق بعض الشباب من جماعة الرئيس
стр. 2840
عبدالناصر (الذي حجّ في تلك السنة إن صحّ ما أذكر)، وكنا معهم في مناقشات دائمة وجدال. وكان اجتماع في القصر في مكة، وهو الاجتماع الذي انبثقَت عنه رابطة العالَم الإسلامي، وهممت بالاعتذار عنه ولكن الشيخ العالِم الفاضل المعمَّر المفتي الشيخ محمد حسنين مخلوف، قوّاه الله ومدّ في عمره لنفع المسلمين، والمفتي الصديق القَلْقيلي ﵀، ضغطا عليّ وألزماني بأن أذهب معهما إلى هذا الاجتماع.
وكان هو الاجتماع الأول لِما دُعي فيما بعد برابطة العالَم الإسلامي، وكان برياسة الملك سعود ﵀ والمفتي الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وكُلّف بإدارة الجلسة أخونا الداعية الفاضل الأديب السيد أبو الحسن النَّدْوي.
فكنت إذن من الهيئة التأسيسية الأولى لرابطة العالَم الإسلامي، ولكني -على عادتي- اعتذرت عنها، فأنا لم أنتسب في عمري كله إلى جماعة أو حزب وإنما أعمل وحدي، أمشي على الطريق السويّ فأساير كل من أجده يمشي فيه، أعاون على ضعفي وعجزي كل داعٍ إلى الخير، ولكني لا أربط نفسي به ولا أُلزِمها السير معه.
ودُعينا مرة إلى المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (ولست أدري ما اسمه على التحقيق)، فحضرتُ جلسات وشاركت في الرأي وعملت ما استطعت، ووجدت أفاضل أجلّة استفدت منهم، منهم الشيخ الشنقيطي صاحب «أضواء البيان». ولكنني لمّا انتُخبت في هذا المجلس (أو هذه
стр. 2841
اللجنة العليا، فلست أدري الآن ما اسمها على وجه التحقيق) اعتذرت عنها وقلت لهم: أنا جندي من بعيد، لا أتقاعس عن عمل نافع أقدر أن أقوم به، فاكتفوا بهذا مني.
ودُعينا مرة إلى طعام عند قاضي المدينة الشيخ عبد العزيز قوّاه الله وأطال عمره (١)، وهو شيخ فاضل وخطيب من الخطباء البلغاء، وله في صوته صفاء عجيب يذكّرني بخطيب الجامع الأموي من نحو نصف قرن الشيخ عبد القادر الخطيب. ورُبّ خطيب يكون أجش الصوت وإن كان بليغ العبارة، فالعبارة والفكرة من عمل الرجل، ولكن الصوت صفاءه وعكره وانخفاضه وارتفاعه هبة من الله.
وأنا في العادة لا أجيب دعوة إلى طعام، لا مخالفة للسنّة ولا فراراً من الاجتماعات النافعة، ولكن لي فيها فلسفة قد تكون سخيفة، هي غلاء حرّيتي عليّ؛ فأنا آكل ما أشاء حين أشاء، وإذا دُعيت أطعموني طعاماً هو أطيب من طعامي في بيتي ولكن سلبوني حرّيتي في اختيار لون الطعام ووقت تناوله واختيار الآكلين معي منه، فتكون خسارتي أكبر من ربحي!
والحديث متصل، ستأتي بقيته في الحلقات المقبلات إن شاء الله.
* * *
стр. 2842
-٢١٩ -
حجة ١٣٨١: خواطر وأفكار
الدنيا دار ابتلاء واختبار، ليست دار إقامة واستقرار (والابتلاء والاختبار والمحنة والفتنة والامتحان كلها بمعنى واحد أو بمعانٍ متقاربة)، كذلك برَأها الله: كل مسرة فيها مَشوبة بألم، وكل صفاء مخلوط بكدر. وإن سألتموني ما هي متاعب الكتابة والنشر (وأنا مبتلى بهما من ستين سنة، أو هما المبتلَيان بي) لقلت لكم إنها «التطبيعات» كما كان يدعوها صديقنا وأستاذنا محمد إسعاف النشاشيبي ﵀، أو الأخطاء المطبعية كما يسمّيها الناس. ولو كانت كلها من أمثال «المطبعة السفلية» في موضع «المطبعة السلفية» لهان الخطب، لأن كل قارئ يتنبه لها من غير أن ينبّه إليها، ولكن فيها ما يحرَّف أو يصحَّف؛ والتحريف تبديل الحروف والتصحيف تغيير الحركات، حتى تجيء كلمة جديدة لا يدري حتى كاتبها الذي هو أنا ماذا كان أصلها. أمثّل بواحدة من كثيرات جاءت في مقالي الأخير، هي جملة "وأنا حين أهمّ بالكتابة عن بلد لا أصف طبيعة أرضه ولا تعمير مساحته ووصف ناقلاته". ما تعمير مساحته وما وصف ناقلاته؟ أنا والله لا أدري (١)!
стр. 2843
والثاني أنهم قالوا: كيف تقول إنك لا تُعِدّ المحاضرات ثم تكتب ما حاضرت به؟ أليس معنى هذا أنك تُعِدّها وتكتبها؟ لا، ليس معناه أني أعددتها وكتبتها، ولكن معناه (وهذا هو ما يقع لي، لا أكذب القراء) أنني بعد أن ألقيها أجدها منقوشة في ذهني فأكتبها. يحصل هذا معي كثيراً، أما هذه المحاضرة فقد كتبها إخوان ودوّنوها فبقيَت لديّ (١).
* * *
أنا أحب من المذكرات ما يَعرض لنا الحوادث مفصّلة، مبيّنة الأجزاء مكشوفة الخفايا. والفنّ كله في عَرض هذه التفاصيل، ولولاها لكانت كل قصة حب مثلاً ككل قصة حب: اثنان يتعاطفان ويتحابان، ثم يلتقيان أو يفترقان، فإن افترقا بموت أو إكراه أو عائق يعوق اجتماعَهما جاءت النتيجة على غير ما يحب القارئ وكانت مأساة (تراجيدي)، وإن اجتمعا جاءت وفق ما يحب.
وأعظم قصص الحب في آداب الأمم هي المآسي، ولولا ذكر التفاصيل لكانت قصة «قيس وليلى» كقصة «روميو وجولييت» و «بول وفرجيني» و «فرتر» و «رفائيل» و «غادة الكاميليا» و «مم وزين» في الأدب الكردي (وقد نقلها إلى العربية الأستاذ سعيد رمضان البوطي الدمشقي)؛ قصة واحدة مكررة ما تبدّل فيها إلاّ الأسماء والمواضع.
стр. 2844
وعلى ذلك يكون قرص الفَرانيّ (الكاتو) كأكلة خبز بالبيض المقلي لأنهما تتركبان من مواد واحدة، ولكانت أجمل النساء كأقبح النساء لأنها مثلها: لها وجه فيه فم وشفتان وفوقه أنف يجاوره عينان وعلى العينين حاجبان، ولكانت عنق الزرافة كعنق الضفدع لأن كل الأعناق في الوجود متساوية في عدد الفقرات!
وهذا من عجيب صنع الله؛ أن يخلق من المتشابه المؤتلف ما هو متباعد مختلف، ففي الوجود موادّ محدودة تُنتج مركبات كيماوية لا تكاد تُحَدّ. ومن اطّلع على تسلسل الكروموزومات في نواة الخلية وجدها مؤلَّفة من عناصر معدودة، ولكنها تُنتِج أشكالاً وصوراً لا تُعَدّ، كحروف الهجاء: محدودة معدودة ولكن الكلمات التي تتألف منها وتملأ ملايين الكتب في اللغات كلها لا يبلغها عدّ ولا يحدّها حدّ.
وهذا كلام لا صلة له بحديثي، وإنما هي خطرات خطرت على بالي وأنا أكتب مقالي فوجدت فيها نفعاً، فكرهت أن أستأثر بها فلا أُشرِك معي القراء فيها.
وقد فرغت من الاعتذار عن هذه الاستطرادات التي تسوقني العادة إليها فلا أستطيع الفكاك منها.
* * *
وإنما أردت أن أقول إنني حدّثتكم عن نزولي في حجّتي سنة ١٣٨١هـ في فندق مصر في أجياد لمّا سألت أخي الأستاذ الصوّاف أن يحجز لي فيه، ولكني لم أحدّثكم عما وجدته حين وصولي إليه.
стр. 2845
وصلنا إليه أنا وأهلي قُبَيل الفجر، وكنت أعرفه لمّا نزلت فيه في حجّتي سنة ١٣٧٣هـ، ولم يكن الطريق إليه من أول مكة ولا الطريق بينه وبين الحرم شارعاً واحداً عريضاً معبَّداً كالذي ترونه اليوم، بل كان بينه وبين الحرم عمارات منها دار البلدية فيما أذكر، وكان الطريق من شقّين عن يمينها وعن شمالها.
وصلنا فوجدنا الباب مفتوحاً، والبوّاب قاعداً على كرسيه ولكنه نائم. فأيقظته أسأله، فقال إنه ليس في الفندق أحد من القائمين عليه. قلت: إنني حاجز فيه غرفة، فمَن يدلّني عليها؟ فأجاب بنصف الجواب وأخذه النوم فأخذ النصفَ الثاني وأخذني معه إلى منامه، ورجع يحملني ويحمله إلى أحلامه، وأحسبه أكمل الكلام في وسط الأحلام. فيئست منه ورحمته، لأن من هؤلاء العمال من لا يمكَّن من النوم ليالي الحج.
والتاجر صاحب العمل الذي يسهر الليل كله يبيع ويشتري ويجمع النقود ويُحصي الأرباح لا يحسّ بالنعاس ولا يشعر بالتعب، ولكن العامل عنده يتعب. وليس الذي يُتعِب الناسَ العملُ ولكن يُتعِبهم أن يعملوا كارهين.
ورأيت أن الفجر قد اقترب فأخذت أهلي وذهبت إلى الحرم، وتركت حقائبي أمانة عند صاحب دكان كان في أسفل عمارة الكعكي، وكانت يومئذ تُبنى ما اكتمل بناؤها، قامت الطبقة الأولى والثانية منها. ووجدنا الحرم ممتلئاً فأممنا المَطاف وطفنا، وأذّن ونحن في الطواف فجاء من يأمر المرأة بالذهاب إلى مكان النساء. ونحن لا نعرف أين هو مكان النساء ولا نميز جانباً من الحرم من جانب، ولا نعرف شرقيّه من غربيّه ولا شاميّه من
стр. 2846
يمانيّه، فحارت زوجتي ماذا تصنع، وهي في وسط الرجال ولا تدري من زحمة الحجّ من أين تمضي، وكادت تُقام الصلاة.
وهذه مشكلة لا يدركها المقيم في مكة لأنه يعرف -كما عرفت أنا الآن- أركان الحرم، فإن ترك زوجته في مكان يعود إليها فيجدها فيه. أما القادم على مكة فتستوي الأمكنة كلها في نظره، لذلك أكرّر اقتراحاً ورد عليّ في برنامجي في الرائي (التلفزيون) وأؤيده، وهو أن تُرقَّم الأعمدة بأرقام ظاهرة. وما في ذلك من حرج ما دام لا يمسّ الدين وأحكامه، وما دام فيه نفع للمسلمين.
ولقد أضللنا مرة امرأة عجوزاً من أقرباء زوجتي، ضاعت في الحرم، وذهب أكثر من عشرين من إخواننا ومن نسائهم يفتّشون عنها فما وجدوها. وكيف يجدونها وقد ألقَت الأرض بأبنائها بين جدران الحرم فاختلط الناس وامتزجوا؟ وبقيَت ستّة أيام تشرب من ماء زمزم وتأكل مما يعطيها الناس، وهي من أسرة من الأسر الكبيرة الغنية الوجيهة في الشام. ولكن ماذا تصنع وكيف يجدها أهلها في زحمة الحجّ؟ فهل عند وزارة الحجّ والأوقاف أو عند لجنة أبحاث الحجّ حلّ لهذه المشكلة، التي تبدو لأكثر القراء من أهل البلد هيّنة أو لعلهم يرونها سخيفة مضحكة، ولكنها كبيرة مبكية عند أصحابها؟
* * *
أنا طالب علم اشتغلت بالتدريس دهراً، فقرأت أحكام الحجّ طالباً وأقرأتُها مدرّساً مرات لست أُحصيها. ولكن لما حججت أول مرة وجدت العلم الذي في الورق لا ينطبق دائماً على الواقع
стр. 2847
في الحياة؛ كنت أعرف حُكم الوقوف في مُزْدَلِفة والمبيت في مِنى، ولكني لا أعرف ما مزدلفة وما منى وما موضعهما وما شكلهما وكيف الوصول إليهما. ومعرفة الاسم لا تُغني عن رؤية المسمّى أو وصفه.
أكثر الناس يعرفون أسماء الكوفة والبصرة والمِرْبَد وعُكاظ ودُومة الجَنْدَل ومرج راهط وحطّين وعين جالوت وأمثالها، عرفوا أسماءها مما درسوا من التاريخ الماضي ولكنهم لا يعرفون ما حالها في الوقت الحاضر وما مآلها. فلو أن أحد الأساتذة المطّلعين أو الطلاب الذين يُعِدّون الأطروحات (أي رسائل الشهادات العالية للماجستير والدكتوراة) يحققون مواضعها ويدرسون حالها اليوم، وينشرون وصفها وصورها ويصفون مظاهر الحياة فيها، لكان من ذلك خير كثير.
وقد عرفت أنا هذه المواضع كلها وزرتها ووقفت عليها وأقدر أن أصفها، ولكني فقدت الهمّة الدافعة إلى العمل، فأنا كسيارة قوية المحرّك فيها البنزين ولكن ليس فيها هذا الزِّناد (المارش) الذي يقدح الشرارة الأولى لتسير.
أقول إني لمّا حججت أول مرة وجدت أن ما درَسته ثم درّسته للطلاب لم يُفِدني في معرفة طريقي. وكنت أمشي من حيث يمشي الناس، أسير أين ساروا وأقف إن وقفوا وأصنع مثل ما صنعوا، لا أعرف من أين سرت ولا إلى أين أسير، وإن كنت أُفتي مَن حولي وأبين لهم أحكام الحجّ لأنني أعرف ما في الكتب، ولكني لم أعرف من قبل ما على الأرض.
стр. 2848
فيا ليت مدرّسي الفقه -إن علّموا الطلاّبَ أحكام الحجّ- عرضوا لهم صور المشاعر وأماكن العبادة، ليصلوا علوم الدين بحياة الناس في هذه الدنيا.
ولولا أني أبعد عن موضوعي لعرضت لشيء أعلم أن ليس هنا مكانه، ولكنها ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين. هي أن دروس مدرّسي الدين وخطب خطباء المساجد ومواعظ الوُعّاظ لا تبلغ من نفوس الناس غالباً مبلغها المرجوّ لها لأنها تأتي بعيدة عن الحياة منفصلة عنها، فكأنها الآثار تُقتنى للإعجاب بها ولكنها لا تُستعمل للاستفادة منها. تُعرض في الرائي البرامج وهي شتّى، ولعلّ منها ما يخالف الإسلام (وأنا لا أقصر الكلام على المملكة بل أعمّم) ثم تُختم بتلاوة القرآن كما بُدئت بتلاوة القرآن، فتأتي التلاوة منفصمة عما كان قبلها وعما كان بعدها.
وننسى أن القرآن لم ينزل جملة واحدة كما نزلت الكتب من قبله وكما طلب الكفّار، بل نزل منجماً مرتبطاً بالحياة؛ تكون قصة أسرى بدر فينزل فيها قرآن، وتكون مسألة الإفك فينزل فيها قرآن، ينزل دائماً مقترناً بالأحداث لنفهمه دائماً مرتبطاً بالحياة ولنربطه بها.
* * *
وكان من حُجّاج تلك السنة رجل من دمشق كبير في سنّه وفي منصبه وفي منزلته في قومه، هو جميل بك الدهّان الذي كان يوماً مدير الأوقاف العامّ، الذي كان يومئذ بمثابة الوزير لأنها لم تكن قد صارت وزارة. فلما سمعتُ بقدومه ﵀ سألت عن
стр. 2849
مكانه وذهبت أزوره لمودّة كانت بيني وبينه، وقد دنوت منه لمّا أنشأ مجلة الأوقاف (وكنت قاضي دمشق) فجمع لها لجنة فيها أكثر أدباء البلد، مع أنها مجلة صغيرة تضيق عن جهد واحد منهم.
ومن ظرائف أخبارها أني تطوعت للإشراف على طبعها وتصحيح تجارِبها، فوجدت يوماً في الافتتاحية التي كتبها أستاذنا سليم الجندي (وكان هو رئيس التحرير) كلمة «مواضيع»، فعلّقت عليها بحاشية قلت فيها: "لا تُجمع كلمة «موضوع» على «مواضيع» بل «موضوعات»، كما قال شيخنا سليم الجندي في كتابه «إصلاح الفاسد من لغة الجرائد» الذي يردّ فيه على الشيخ إبراهيم اليازجي". وإبراهيم اليازجي لُغويّ معروف في لبنان، وأبوه نصيف اليازجي من قبله، وهو نصراني يلقَّب بالشيخ.
أقول إني زرت جميل بك فوجدته مع زوجته، وهي عجوز مثله، عند مطوّف لم يرعَ لهما حرمة السنّ ولا علوّ المنزلة، فأسكنهما في غرفة رطبة مظلمة تحتاج إلى شمعة في رأد الضحى، لا ترى الشمس ولا يصل إليها خيط من أشعّتها. فتألمت له وفكّرت بدعوته إلى النزول معي في الفندق، وذهبت أسأل عن أجرة النزول فيه فإذا هي كبيرة، فتنبّهت حينئذ لنفسي، وطلبت كشفاً بحسابي لأعرف ما يُطلب مني، فإذا هم حسبوا أجرة الغرفة من يوم حجزَها لي الأستاذ الصواف، وإذا المبلغ الذي اجتمع عليّ كبير ربما ثَقُل عليّ دفعه! وتحدّثت بذلك مع إخواننا من نزلاء الفندق وسألتهم: كم يدفعون؟ فعجبوا من سؤالي، ولمّا عرفت سرّ عجبهم كان عجبي أكثر، ذلك أنهم كانوا جميعاً ضيوفاً على الحكومة، لذلك تعجّبوا أن أنزل على حسابي.
стр. 2850
ويبدو أنهم بحثوا الأمر بينهم وذهب الأستاذ الصواف فتكلم فيه، فجاءني رجل يقرع عليّ باب الغرفة يقول إنه أحمد السوّاق. ولم أكن أعرفه ولا طلبت سوّاقاً، فسألته ما الذي جاء به، فقال إن الحكومة بعثت به إليّ وجعلت هذه السيارة تحت أمري يسوقها بي إلى حيث أريد، لأنني دخلت في زمرة الضيوف.
فسألتُ الشيخ الصواف عن هذا، فقال إنه كلّم أولياء الأمر فاعتذروا وألحقوني بضيوف الحكومة. فطلبت منه أن أشكر الذي استضافني، فأخذني إلى أمير مكة، وكان سموّ الأمير عبد الله ابن الملك سعود ﵀.
ووجدت هذا السائق من الطارئين على البلد ليس من أهله، وهو ذكي من أذكى مَن عرفت مِن الناس كذّاب من أكذب مَن عرفت من الناس، يكذب الكذبة ويُلبِسها ثوباً جميلاً ويجعل لها قصة يشوقك سماعها، يزيّنها لك بحلاوة لسانه حتى لَتحسب باطلها حقاً! ولم أكن أحتاج إليه ولا أعرف في مكة مكاناً أذهب إليه بالسيارة، فطلبت أن يُعفوني منها، ولكن كرمهم أبى إلاّ أن يُبقوها لي، فقلت له: أنا لا أحتاج منك إلى شيء فاذهب حيث شئت. فصار يذهب فيُركب الناس بالأجرة في سيارة الحكومة، وهي محسوبة عليّ ولا أدري.
وما وجدت أكذب منه إلاّ نادل (خادم) الفندق. وهو رجل من بلاد النوبة خفيف الروح ضاحك الوجه، يستلّ منك غضبك استلالاً، مهما تأمره يقُل لك: حاضر. يقول: دقيقة واحدة، وتمرّ الدقيقة والساعة بعدها ويمرّ اليوم ولا يُحضِر لك ما طلبتَ. وتارة
стр. 2851
يقول لك: اعتبر المسألة منتهية. وتنتهي حقاً، ولكن كما تنتهي حياة الأحياء بالموت!
وأنا أفضّل مَن يقول «لا» صادقاً على من يقول «نعم» ثم لا يصنع شيئاً.
وقد قلت لإخواني: إن محمداً هذا (أعني النادل) يقول لكم «حاضر» قبل أن يفهم المُراد منه، وسأثبت لكم ذلك. فدعوته وقلت: يامحمد. قال: حاضر. قلت: هات لنا فيلاً بخرطوم طويل. قال: حاضر، دقيقة واحدة. فقلت له: ما هو الحاضر وما الذي طلبته منك؟ فوقف ولم يدرِ بماذا يجيب. قلت: ما الذي طلبته منك؟ فتبيّن أنه لم يفهم المطلوب ولم يحاول أن يفهمه. قلت: يامحمد، المطلوب فيل بخرطوم طويل. فعدّها نكتة وضحك منها، وقال كلاماً أرغمني على الضحك فضاع عتبي عليه في وسط ضحكي منه.
* * *
مشى على ألسنة الخطباء وأقلام الكتاب أن الحجّ مؤتمر إسلامي، وما هو بالمؤتمر ولا حاله كحال المؤتمرات التي يجتمع فيها الناس لموضوع معين يتكلمون فيه، يُبدون فيه آراءهم ويعرضون فيه ما عندهم ويخرجون بمقرَّرات يقرّرونها.
وليس الحجّ كذلك؛ إن الحجّ عبادة قد حدّد الشارع أركانها وواجباتها وزمانها ومكانها، ولكنه قد يشبه المؤتمرات في الاجتماعات التي تكون فيه، ولا سيما في أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب؛ لا أننا نأكل فيها ونشرب من الصباح إلى المساء
стр. 2852
بل أننا أنهينا فيها أعمال الحج وجئنا يرى كلٌّ إخوانه، يسأل عن أحوالهم في بلادهم وعما يشكون منه فيساعدهم، وعما يحتاجون إليه مما يقدر هو عليه فيقدّمه إليهم. أليس المؤمنون إخوة بقرار من ربّ الأرباب أنزله في الكتاب وهو باقٍ إلى يوم الحساب: إنما المؤمنونَ إخوةٌ؟ ألا يتعهّد المؤمن أخاه فيعرف أحواله؟
ولقد اجتمعت في حجّتي هذه التي أتكلم عنها بطائفة من الأفاضل ربما ركّزت ذهني يوماً وكتبت عنهم، كالشيخ ابن بليهد، وهو من أوسع مَن عرفت من المشايخ أفقاً وأكثرهم اطّلاعاً، فكانت لي معه جلسات استفدت منها واستمتعت بها.
وكنا لا نعرف عن السنغال إلاّ الجنود الذين ساقهم الفرنسيون لحربنا والإيقاع بنا، والذين طالما شكونا منهم ومن قوّتهم وقسوتهم. فلقيت في الفندق في المدينة أستاذاً سنغالياً متخرجاً في السربون، يحمل شهادة من كلية فرنسا (كوليج دي فرانس)، وهي أعلى معهد ثقافي في فرنسا. فعجبت منه وشكوت إليه ما كنا نلقى من هؤلاء الجنود، فأفهمَنا أنهم مسلمون، ولكن الفرنسيين أوهموهم أنهم يقاتلون في سوريا أمّة كافرة مشركة تحارب الإسلام!
فتبيّن لي أن هذا من نتائج فُرقتنا نحن المسلمين وأننا لا نتعارف وأننا لا نلتقي.
ولقد حججت بعدها مرات، ولكل حِجّة قصة، ثم لم أحجّ بعد ذلك.
بل أنا أدعو المقيمين هنا إلى أن يفعلوا مثلي وأن يدَعوا المكان لغيرهم، فأماكن الحجّ محدودة. أرأيتم لو أن مطعماً فيه
стр. 2853
عشرون كرسياً والجائعون مئتان، أكان يحسن بك بعد أن أكلت وشبعت أن تشغل الكرسي فتأكل مرة ثانية طعاماً لا تحتاج إليه، وإخوانك الجائعون قائمون ينتظرون؟
أنا أعلم أن للحجّ ثواباً كبيراً، ولكن الفريضة مرة واحدة في العمر والباقي نافلة، والنوافل يُغني بعضُها عن بعض.
ولقد ضربت مرة مثلاً بالفرائض والنوافل برجل استأجر داراً في المصيف، لها حديقة واسعة فيها الأشجار وفيها الأوراد والأزهار والسواقي تجري من تحتها، ومن ورائها جبل موحش فيه الحشرات وفيه الوحوش، ولها أبواب على الحديقة وأبواب على الجبل، أمّا أبواب الحديقة فإن واحداً منها إن فتحته يُغني عن باقيها، وأمّا أبواب الجبل فعليك أن تسدّها كلها لأن الباب الواحد منها يُدخِل عليك ما تخشاه.
فالفرائض لا بد من القيام بها كلها والمحرَّمات لا بدّ من تركها كلها، وأمّا النوافل فهي أبواب شارعة إلى الجنة، فمن ترك حجّة النفل ونوى بذلك فتح المجال لغيره من المسلمين ممن لم يحجّ حجّة الفرض، وتَصدّق بالمال الذي أعدّه للحج أو أتى غير ذلك من النوافل الكبيرة، كان له فيه غنى.
ولقد كتبت مرة كتاباً عن عبد الله بن المبارك صدر في سلسلة كان عنوانها من أعلام الإسلام (١). وابن المبارك من الذين جمع الله لهم العلم والمال، فكان من كبار العلماء وكان من كبار
стр. 2854
الموسرين، وكان يحجّ سنة ويغزو سنة، ومن قرأ رسالتي عنه وجد له من البطولات في الحرب مثلَ ما يجد له من الطاعات في الحج.
نزل في إحدى حجّاته منزلاً مع إخوانه الذين كانوا يحجّون معه وعلى نفقته، لا يرزؤهم شيئاً من أموالهم، فطلب الطعام فجاؤوه بدجاجة وجدها ميتة، فألقاها على مزبلة قريبة من المكان الذي نزلوا فيه. فلما جُنّ الليل رأى شاباً يقوم إليها فيأخذها، وشعر به فاستدعاه فسأله، فتبيّن أن له أختاً وأنهما لا يجدان ما يأكلان، فهما يأخذان مثل هذه الدجاجة ليأكلاها لأن حاجتهما واضطرارَهما أحلّ لهما الميتة. لمّا رأى ذلك (وهذا هو الشاهد في القصة) دعا وكيلَه فقال له: استبقِ من نفقات حجنا هذا العام ما يكفي للرجوع إلى بلدنا، وكانت بلده في خراسان أي عند بلاد الأفغان، وأعطِ الباقي لهذا الشاب وأخته فإن ذلك أفضل من حجّنا.
ولو حج كلَّ سنة مَن في مكة جميعاً من أهلها ومن النازلين فيها لملؤوا المشاعر ولم يدَعوا مكاناً لغيرهم. وأنا أسألكم ياأيها القراء: كم نسبة مَن يجب الحج عليهم من المسلمين في المئة؟ لو قلتم بأن خمسة في المئة من المسلمين لم يحجوا ويجب عليهم الحج لكان مجموع ذلك خمسين مليوناً، لأن المسلمين نحو ألف مليون. فتصوروا: لو أن خمسين مليوناً نزلوا في لندن أو نيويورك أو في القاهرة أو في مثلها من المدن الكبار لضاقت عنهم وعجزت عن احتمالهم، فكيف بمكة؟
стр. 2855
لا تفهموا عني غير ما أريد، فأنا أعرف فضائل الحج وأعرف مزاياه، ولكن أدعو إلى ما هو أوفق لحكم الشرع وأظنه أنه أرضى لله، وأسأل الله أن يُلهِمني ويُلهِمكم ما يُرضيه.
* * *
стр. 2856
-٢٢٠ -
أبو الحسن النَّدْوي ومذكّراته (١)
أنا كلما هممت أن أمشي في ذكرياتي هذه كما يمشي الناس صرفني صارف فحوّلني ذات اليمين أو ذات الشمال، أو عثرَت رجلي بعائق قطعني عن مسيرتي ووَقَفني في مكاني.
أما الذي اعترضني اليوم فهو كنز ثمين، ما عثرت به فوقعت ولكن عثرت عليه فربحت؛ هو كتاب قيّم ستُصدِره المطبعة إن شاء الله عما قريب لداعية من أكابر الدعاة إلى الله في هذا العصر، وصديق من أكرم الأصدقاء، ومؤلّف مُكثر له كتب يعرفها الناس. ولكن لهذا الكتاب فضلاً (أي زيادة) عليها، لأنه يسرد سيرة المؤلّف الأستاذ السيد أبي الحسن الندوي، ومعه رسالة منه يشرّفني فيها فيكلّفني بأن أكتب له مقدّمة الكتاب.
وأنا لم أكن يوماً في موضع القيادة في الدعوة الإسلامية، ولكنني أمشي معها من يوم كنت أدرس في مصر سنة ١٣٤٧، فشهدت بداية الدعوة النظامية بإنشاء جمعية الشبان المسلمين، وعرفت رجالاً من أعيان الدعاة إلى الله ومن أكابرهم كما عرفت أبا الحسن؛ عرفت الشيخ البنا قبل أن تظهر جماعة الإخوان
стр. 2857
المسلمين، وكنت في فصل واحد في دار العلوم مع سيد قطب، وعرفت الشيخ البشير الإبراهيمي في مصر وفي دمشق وفي بغداد وفي القدس، وعرفت المودودي، ومحب الدين الخطيب خالي وأستاذي، والسيد الخضر الحسين شيخي وشيخ مشايخي، ومحمد محمود الصوّاف أخي وصديقي، ومصطفى السباعي أخي، وعصام العطار أخي وولدي. وعرفت بالسماع لا باللقاء النّورسي في تركيا، وممن لقيت الأستاذ علاّل الفاسي ولبثت معه أياماً في القدس وفي دمشق. والدعاة إلى الله كثير، ولكن مَن ذكرت من أبرزهم شخصية ومن أخلصهم إخلاصاً، ومن أسيَرهم ذكراً وأعمقهم أثراً.
وللصديق على صديقه حقوق أقلّها أن يأمره فيطيع أمره. فلما جاءني كتاب أبي الحسن فتحته لأرى ما فيه، فعلقت به وعكفت عليه أقلب صفحاته لا أستطيع أن أدعه، وكلما ازددت فيه إيغالاً ازددت به تعلقاً. وكنت أقرأ وأدوّن على صفحة بيدي ما يخطر على بالي من تعليقات أبني منها المقدّمة التي طُلبت مني، فأمضيت في ذلك خمس ساعات متصلات ما بسطت فيها رجلي ولا عدّلت جلستي، أكملت فيها جمع عناصر المقدمة. حتى إذا انتهيت منها تشهّدت وألقيت القلم، وقلت: الحمد لله، لقد فرغت. وأخذت كُداسَة (١) أوراقي التي سوّدتُها، أنظر فيها لأرى ثمرة تعبي وكدّي، فإذا أنا لم أصنع شيئاً!
البدوية تمخض اللبن ساعات لتستخرج الزبد منه فتملأ به
стр. 2858
إناءها، وأنا قد خرجت وملء إنائي الزبد، ولكن عملي كان عبثاً لأني لم أُعطَ لبناً أمخضه ليكون زبداً، بل كان الذي أُعطيتُه زبداً خالصاً، فإذا ثمرة تعبي أني نقصت منه بما أخذت ولم أزِد عليه بما تعبت.
أفكان أخي الحبيب وسميّي الأستاذ علي أبو الحسَن يسخر مني؟ أم كان يمتحنني؟ أم كان يريد أن يعجّزني؟ إن كان امتحاناً (وعند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان) فأنا أعترف أنني قد خرجت بالهوان ورسبت في الامتحان، وإن كان في الأمر تعجيز فقد أقررت بالعجز وألقيت السلاح ورفعت الراية البيضاء.
أنا أكتب في الصحف والمجلات من ستين سنة وكان أول كتاب نُشر لي سنة ١٣٤٨هـ، فما ضقت يوماً بمقالة ولا أحسست التعب بها كما أحسست عند هذه المقدّمة ومقدّمة كتاب أخي ناجي الطنطاوي (١). لا لأن مجال القول في أبي الحسن ضيق:
لقدْ وجَدت مجالَ القولِ ذا سَعَةٍ ... فإنْ وجدتَ لساناً قائلاً فقُلِ
وماذا أقول، وقد سدّ عليّ مسالك القول فلم يدَعْ لي مسافة أنملة لأدخل منها فأكتب عنها؟ لقد قرأت مذكّرات كثير من أدباء
стр. 2859
العصر، ممن سار فيها مع السنين وجاء بها مرتَّبة ترتيب الأيام في مجرى الزمان كأحمد أمين، ومَن اتخذ منها مواقف فصّلها تفصيل الأديب وعرضها عرض المنشئ البليغ كطه حسين، ومن أخذ مما رأى وسمع مشاهد علّق عليها، وإن لم يستوفِ عناصرها ولم يجمع أطرافها، كمحمد كرد علي. أما أخونا الأستاذ أبوالحسن فقد جمع في سيرته بين الحديث عن أصله ومنبته، وعن بيته وبلده، وعن دراسته وتحصيله، وعن أصحابه وتلاميذه، فلم يدَعْ شيئاً إلاّ قاله. فماذا ترونني قائلاً اليوم؟
لقد كتب عن أسرته، أهل أبيه وأهل أمه، وإذا هو المُعَمّ المخوَّل (١) كما كانت تقول العرب، وإذا هو عالِم من نسل علماء. ولقد عرفت من مطالعاتي أسراً توارث أبناؤها العلم فكانوا وكان نساؤهم من العلماء، كأسرة آل قدامة الذين منهم مؤلّف «المغني» أعظم كتب الفقه الإسلامي، وابن أخيه صاحب «الشرح الكبير»، والحافظ صاحب «المختارة» التي هي أصحّ كتب الزوائد على الصحيحَين. ولقد أُولِعت زمناً بتتبّع تاريخ هذه الأسرة فحصل معي من سِيَر نسائها العالِمات فضلاً عن رجالها العلماء أكثر من إحدى عشرة سيرة. ومن هذه الأسر في التاريخ القريب أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنتم تعرفون من نشأ فيها من العلماء، وأسرة ولي الله الدهلوي في الهند، وأسر من أمثالها كثير أحصيت الكثير من أخبارها.
وأسرة المُهَلَّب، القائد الذي ظلمناه فلم نضعه في مكانه
стр. 2860
مع القوّاد العِظام في تاريخ المعارك، والذي تسلسلت البطولة في نسله أربعة بطون فكان منهم رَوْح بن حاتم بن قَبَيصة بن المهلب. وأسرة طاهر بن الحسين في القيادة والسيادة. وأسرة قُتيبةبن مسلم، القائد الذي فتح من الأرض ضعف ما فتح نابليون، فذهب ما فتحه نابليون وعاد إلى أهله وبقيَت فتوح قتيبة للإسلام إلى يوم القيامة، وإن غشيَتها اليوم غاشية من الكفر والكدر فستعود إن شاء الله إلى إيمانها وإلى صفائها. وأسرة جرير في الشعر. وأسرة يمكن أن ندعوها بأسرة الوزراء، هي أسرة وَهْب الذي كان وزيراً، وابنه سليمان الذي كان وزيراً، وابن سليمان عبيد الله، والقاسمبن عبيدالله، ومحمد بن القاسم، وكلهم كانوا وزراء.
ولو عددت من هذه الأسر أسرة أبي الحسن الندوي لما أبعدت، فأبوه عالِم طبيب مؤلّف، وأخوه لأبيه عالِم طبيب، وأخته مؤلّفة ولها ترجمة «رياض الصالحين»، وأخته الأخرى عالمة وهي أم لعلماء كلهم اسمه محمد، عرفت منهم محمداً الرابع الذي كان شاباً يوم زرت الهند وكان -جزاه الله خيراً- يمشي معي يدلّني ويأخذ بيدي ويترجم لي، وعرفت أخاه محمداً الخامس الذي كان في إذاعة دهلي، وقد دُعيت إليها فسجلوا لي أربعة أحاديث، واستقبلوني بالترحيب والإكرام وودّعوني بالتحية والسلام وأعطوني عليها أكبر المكافآت، ثم لم يُذيعوا شيئاً منها لأني قلت فيها غير ما كانوا ينتظرون مني.
ولا تعجبوا من تسميتهم جميعاً بمحمد، فإنما صنع أبوهم ذلك تبرّكاً باسم محمد. وهذه عادة من عاداتنا في الشام، يضيفون إلى كل اسم اسمَ محمد، فأنا اسمي «علي» ولكنه في القيود
стр. 2861
الرسمية «محمد علي»، ولقد لقيت من ذلك نصَباً، إذ تأتيني رسالة مسجَّلة أو حوالة مالية فلا يدفعونها لي بل يطلبون مني أن آتيهم بابني محمد لتُسلَّم إليه، وما رزقني الله ابناً لأنني من الصنف الأول من الأصناف الأربعة التي وردت في القرآن في سورة الشورى!
ولعل من يتابع الإذاعات منكم تنبّه إلى أن إذاعة مصر أضافت إلى اسم أنور السادات يوم ولي الرياسة كلمة محمد فصاروا يقولون سيادة الرئيس محمد أنور السادات، وقد صنعوا مثل ذلك مع الرئيس حسني مبارك فصاروا يقولون محمد حسني مبارك، وما أدري: هل أخذنا هذه العادة منهم أو هم قد أخذوها منا؟
أما والد أبي الحسن فهو مؤرّخ الهند حقيقة، ولقد استفدت من كتابه العظيم «نزهة الخواطر» فوائد جليلة في تراجم عظماء الهند التي أودعتُها كتابي «رجال من التاريخ» وفي رسالتي عن أحمد بن عرفان، العالِم المجاهد الصالح المصلح الذي ذهب شهيداً في المعركة الإسلامية لإعلاء كلمة الله، أصدرتُ عنه رسالة في سلسلة لي عنوانها «أعلام التاريخ»، ثم كتب عنه الأستاذ أبوالحسن كتابَه الجامع بعد سنين، فكفى ووفى ولم يدَع بعده مجالاً لمقال.
* * *
يقول العرب:
إنّ الفتى مَن يقولُ ها أنَذا ... ليسَ الفتى مَن يقولُ كانَ أبي
أما إذا اجتمع العلم والأدب مع الحسب والنسب، فتلك
стр. 2862
الغاية التي لا غاية بعدها، ولولا أن يُظنّ أني صرت شاعراً مدّاحاً عملي الثناءُ لقلت إن أبا الحسن جمع الأمرين. وكان الشعراء إنما يمدحون ليأخذوا الجوائز والعطايا، وليس عند أبي الحسن ما يُعطيني منه جائزة أو عطيّة وليس عندي بحمد الله حاجة إليها، فأنا أقول ما أقول صادقاً لا متزلفاً.
إن أكثرنا يجهل تاريخنا في الهند. وتاريخ الإسلام في الهند يعدل ربع التاريخ العامّ، ذلك أننا -كما قلت من قبل- حكمنا هذه القارة الهندية نحواً من ألف سنة، وكانت يوماً لنا وحدنا وكنا نحن سادتها. ولئن كانت لنا في إسبانيا أندلس أضعناها فإن لنا هنا أندلساً أكبر، ولئن تركنا في الأندلس تلالاً من بقايا شهدائنا وسواقي من دماء أبطالنا فلقد خلّفنا في الهند أضعاف ما تركنا في الأندلس. ولئن كان لنا في الأندلس مسجد قرطبة وقصر الحمراء فإن لنا في كل شبر من هذه القارة دماً زكياً أرقناه، وحضارة خيّرة وُشّيَت جنباتها وطُرّزت حواشيها بالعلم والعدل والمَكرُمات والبطولات. وإن لنا فيها معاهد ومدارس كم أنارت عقولاً وفتحت للحقّ قلوباً، ولا تزال تفتح القلوب وتُنير العقول. وإن لنا فيها آثاراً تفوق بجمالها وجلالها «الحمراء»، وحسبكم «تاج محل»، أجمل بناء علا ظهرَ هذه الأرض.
ولقد وصلت دهلي وأقمت فيها زمناً، وكانت أكرا (التي فيها تاج محل) على مرمى حجر منا كما كانوا يقولون، ولكنني لم أزُرها ولم أرَها. وقد كتبت عنها مع ذلك ما أحسب أنه لم يُكتب مثله إلاّ قليل. كان مما قلت: وكان لشاه جيهان زوجة لا نظير لحسنها في الحسن ولا مثيل لحبّه إياها في الحب، هي ممتاز
стр. 2863
محل، فماتت. فرثاها، ولكن لا بقصيدة من الشعر، وخلّدها، ولكن لا بصورة ولا تمثال؛ لقد رثاها فخلّدها بقطعة فنية من الرخام ما قال شاعرٌ قصيدةً أشعر منها، فهي شعر وهي أغنية وهي صورة، وهي أعظم تحفة في فنّ العمران، هي تاج محل. هذا البناء العجيب الذي أدهش بجماله الدنيا، وما زال يدهشها، والذي لان فيه الرخام لهذه الأيدي العبقرية فجعلت منه أجملَ بناء شيد على ظهر هذه الأرض بلا خلاف، ونقشته هذا النقش الذي لم يُعرَف نقش في مثل دقّته وسحره. هذا الذي يأتي اليومَ السيّاحُ من أقصى أميركا ليشاهدوه ويسمعوا قصته، وهي أعظم قصص الحب: لقد صدع موت هذه الزوجة الحبيبة قلبَ الإمبراطور، فزهد في دنياه لأنها كانت هي دنياه، وحقر ملك الهند لأنها كانت عنده أجلّ من مُلك الهند، ولم يعُد له أرب بعدها إلاّ أن يملص من حاضره ويوغل بذكرياته في مسارب الماضي ليعيش بخياله معها، ينشق عطرها ويستجلي جمالها، ويسمع خفيّ نجواها ويحسّ حرارة أنفاسها، ثم استحال حبُّه إياها حباً لهذا القبر الذي شاده لها فجُنّ به جنوناً، وصار يحسّ في برودته حرارتها، وفي جموده خطراتها، وفي صمته حديثها، إلخ (١).
وقد قرأت الكتابين اللذين وصلا إليّ مما ألفه والد السيد أبي الحسن، كتاب «نزهة الخواطر» الذي جمع فيه من سِيَر أعلام الهند ومَن نشأ فيها ما لم يجمعه كتاب غيره، فهو يُغني في هذا
стр. 2864
الباب عن كل كتاب ولا يُغني عنه كتاب. وكتابه الآخر الذي نشره المجمع العلمي في دمشق وسمّاه (أي المجمع) «ثقافة الهند»، والذي أودعه المؤلف ما لا يستطيع مثلي أن يجده في خزانة كاملة يكبّ عليها يطالع ما فيها.
لقد تعلمت من هذين الكتابين ومن زيارة الهند منذ ثلاثين سنة (أي سنة ١٩٥٤) أننا بجهلنا تاريخَ الإسلام في الهند إنما نجهل ربع تاريخنا.
* * *
كتاب الأستاذ أبي الحسن ليس سرداً لأحداث حياته، ولكنه كتاب أدب فيه وصف للأمكنة كأنك تراها، وكتاب علم فيه ذكر العلماء ومجالس العلم، وسجلّ اجتماعي فيه وصف عادات الناس وأوضاعهم في الهند ... وكان مما قرأت عن المكان الذي نشأ فيه أنه بُني على طراز الكعبة بطولها وعرضها، إلاّ أنه نُقص من ارتفاعها عدّة أنامل تأدّباً معها واحتراماً لها، وسُقيَت قواعده بماء زمزم! ولم يقُل ماذا أرادوا بذلك، ولم يدّعِ أنه قربة إلى الله أو أنه عمل مشروع، لذلك لا أقول فيه شيئاً، لا أُقِرّه ولا أُنكِره وإنما أرويه وأذكره. وكان هذا البناء مسجداً ورباطاً ومدرسة ودار تدريب على الجهاد، ولم يجعلوا له -كما يقول- قبّة ولا منارة.
ووصَفَ النهرَ الذي يجري تحته فإذا هو يصف (أو كأنه يصف) نهر بردى، في قلّة مائه في الصيف وأنه إذا هطل المطر وكانت السيول هدر وزمجر، وربما طغى ودمّر. ويصف فيضانه العظيم سنة ١٩١٥ (وكان عقب ولادة الشيخ) يصفه وصفاً حياً
стр. 2865
كأنك تراه، ذكّرني ببردى لمّا فاض مثل ذلك الفيضان سنة ١٩١٨ فملأت مياهُه مدرستَنا وصارت مقاعدنا كالزوارق طافية على وجه الماء ونحن نتعلق بها، وكان يوماً من أجمل أيام حياتي في الصغر. وكنت في آخر الدراسة الابتدائية، وأنا قد سبقت الشيخ أبا الحسن في رؤية هذه الدنيا ولكنه سبقني في بلوغ ذُرى الفضائل فيها.
أرأيتم الذي يمسك طبق الأكلة المفضلة لا يستطيع أن يدَعه، والأكل منه يُتخِمه ويملأ معدته بما لا يهضمه؟ أنا ذلك الإنسان مع كتاب الشيخ. لو استمررت أقرأ فيه وأعلّق عليه لَما انتهيت حتى أجيء بمثله (في حجمه لا في فضله وعلمه)، ولا ألخّصه لأن مَن اختصر كتاباً أو لخّصه أساء إلى مؤلّفه.
إن أعظم قصص الحب الأدبية يمكن أن تُلخَّص في كلمتين: رجل تعلّق بامرأة فاجتمع شمله بشملها أو صرفه صارف عنها، إن كانت الأولى فهي قصة بهيجة يطمئنّ القارئ إليها، وإن كانت الأخرى فهي فاجعة أو مأساة يبكي منها. بل إن أعظم ما يتلو البشر من قصص، قصة يوسف التي نزل بها جبريل الأمين على قلب سيد المرسلين، والتي هي كلام الله لا يدانيه ولا يقاربه كلام بشر، لو أردت أن تلخّصها لقلت إن يوسف ألقاه أخوته في الجبّ فضاع منهم ثم وجدوه، وحزن أبوه لمّا فقده ثم سُرّ لمّا وجده.
أليست هذه خلاصة السورة كلها؟ فما الذي يبقى منها إن لخّصتها؟ وأنا أستغفر الله أن يُفهَم مني أني أقتبس كلام الخالق بكلام المخلوق، وإنما هو مثَل ضربته للناس.
لقد كلّفني الأستاذ أبو الحسن في غرة سنة ١٣٨٥هـ وشرّفني
стр. 2866
بأن أقدّم كتابه، «الطريق إلى المدينة»، فلم أجد فيه يومئذ من المشقّة ما أجد اليوم لأنه موضوع محدود، وقد كنت سلكت طريق المدينة قبله حين جزعنا الصحراء سنة ١٣٥٣ ولقينا الأهوال ورأينا الموت عياناً، لمّا جئنا نكشف هذا الطريق الذي تسلكه السيارات اليوم آمنة مطمئنة، يقطعه راكبها مستريحاً مسترخياً يلفّه الهواء المبرَّد في الصيف والمدفَّأ في الشتاء، فيصل بعد يوم واحد من دمشق إلى مكة وقد قطعنا نحن هذه المسافة في ثمانية وخمسين يوماً!
امتثلت يومئذ الأمر وكتبت، وستر الله ومرّت القضية بسلام. أما الآن فأنا أمام حياة كاملة، وحياة مَن؟ حياة أبي الحسن النَّدْوي، الداعية الكاتب المحاضر الأستاذ الذي كان له في كل بلد إسلامي ذِكر، وله فيه أصدقاء ومعارف، وله فيه مآثر ومناقب. فمَنذا الذي يقدر أن يلخّص حياة أبي الحسن في مقالة؟ إلاّ الذي يجمع البحر في قطرة ويختصر الروض في زهرة. ولو كنت أسنَّ منه وكنت في بلده وشهدت بدايته لكتبت عنها، ولكن الذي بيني وبينه في العمر ستّ سنوات، ثم إن بيني وبينه ما بين الهند والشام. أين الهند من الشام؟
لقد كانت أول معرفتي بأبي الحسن من كتابه «ماذا خسر العالَم بانحطاط المسلمين؟». لمّا رأيت هذا الكتاب لم أكن أعرف مؤلّفه فقلت: من هذا الباحث الهندي الذي يكتب بمثل هذا الأسلوب العربي النقي ويُحيط بأحوال المسلمين هذه الإحاطة؟ ثم علمت أنه هندي المولد ولكنه عربي الأرومة، وكم من العرب الأقحاح الذين عُرفوا بألقاب فارسية أو أعجمية. ولو أن أحدكم
стр. 2867
وضع مخطَّط بلاد فارس وقرأ أسماءها لم يجد بلداً إلاّ ومنه علماء وأدباء كثير ملأت أسماؤهم كتبَنا واستقرّت في أذهاننا: التبريزي والشيرازي والقَزويني والجُرْجاني والهَمَذاني والرّازي (نسبة إلى الري، وهي قرب طهران) والطّبَري (نسبة إلى طبرستان، أما النسبة إلى طبريّا فطَبَراني) والشَّهْرسْتاني والنّيْسابوري والإسفراييني، ومَن لست أُحصيهم عداً، ومن هؤلاء كثير من العرب الخُلّص. وحسبكم بمؤلف «الأغاني» الذي يُدعى الأصفهاني، وهو أموي مرواني صريح النسب من خلاصة العرب. ولقد جمعتُ أسماء هؤلاء لأضعها في كتاب، ثم علمت أن أحد الأدباء قديماً ألّف كتاباً في العرب الذين لُقّبوا بألقاب العجم، ولم أرَ الكتاب ولم أعرف مؤلّفه، فمن كان عنده علم به فليتفضل وليخبرني.
وكنت أحسب أن «النَّدْوي» لقَب أسرة يجمع بين أفرادها النسب، وكنت أسأل: ما قرابة السيد سليمان الندوي (الذي كان من أعاظم من كتب في السيرة) والسيد مسعود الندوي (محرّر مجلة «الضياء»، إحدى المجلات الإسلامية الواعية) والسيد أبيالحسن؟ ثم علمت فيما بعد أنهم لا يجمع بينهم النسب، وإنما يجمع بينهم العلمُ والأدب وهذا المعهدُ الذي ينتسبون إليه.
لم ينته الكلام وتتمّته تأتي إن شاء الله.
* * *
стр. 2868
-٢٢١ -
أبو الحسن النَّدْوي (٢)
أنا لا أعرف أهل معهد أو مدرسة لهم تعلُّق بمعهدهم أو مدرستهم كتعلق النَّدْويين بنَدْوتهم، ينتسبون إذا انتسبوا إليها لا إلى آبائهم، ويجتمعون عليها أكثر مما يجتمع أفراد الأسرة على أنسبائهم، فكل مَن دخلها حمل لقب «النَّدْوي» فعُرف به لا بلقب أهله. لا أعرف مثل ذلك إلاّ للأزهر، الذي انتسب إليه مِن طلبة العلم فيه جماعة فصاروا يُعرفون في بلادهم ويُعرف بنوهم من بعدهم بآل الأزهري.
أما «الأزهر» فشيخ طال به العمر ومرّت به الأحداث والغِيَر، أُقيمَ أولاً لغير الحقّ فأبى الله إلاّ أن يجعله للحقّ، وأن يكون مثابة العلم حين مرّت بالمسلمين عصور أقفرت فيها من أهلها منازل العلم، منها ما أُغلقت أبوابه وأُطفئت مصابيحه، وبقي الأزهر مفتَّح الأبواب ساطع الأنوار، يقصده الشباب والطلاّب من كل بلد من بلدان المسلمين. ثم أدركه الكِبَر ووَنَت منه الخُطا فقصر عن مسايرة الجامعات والمعاهد، فجاؤوا بالأطباء ليعالجوه، فسمعوا شكواه وعرفوا أوجاعه، ولكنهم (إما لنقص في علومهم، أو لغرض في نفوسهم، أو لرغبة أبداها لهم مَن كان إليه أمر انتخابهم
стр. 2869
واختيارهم) لواحد من هذه الأسباب رأوا أن يُريحوه بالسمّ يدسّونه له في الدواء، فإذا الأزهر الذي بقي أكثر من ألف سنة يحمل مشعل العلم فيضوّئ للسالكين السبيل، والذي أُقيمَ بأموال الأوقاف التي وقفها نفرٌ من المسلمين لتعليم أولاد المسلمين، والذي كان فحل الجامعات لأنه الجامع وهي جامعات ... إذا الأزهر الذي يجرّ وراءه أمجادَ عشرة قرون تكسّرت أمواجُها على جدرانه كما يتكسّر عاتي الموج على صخور الشاطئ، فيقعد الموج ويبقى الجدار قائماً، إذا الجامع الأزهر المتفرد وحدَه بتلك المزايا قد مات وهو كامل الأعضاء واقف على قدميه، وإذا هم قد أقاموا مكانه جامعة لا تمتاز من أي جامعة في الدنيا، بل تكاد تقصر عن كثير منها!
كان الأزهر للدين والدنيا، فجعلوه للدنيا، وكان لأبناء المسلمين يتعلمون فيه دينهم أولاً، لأنه بُني بأموال المسلمين بدافع من الدين لرضا ربّ العالمين، فصار ... وأنتم أدرى بما إليه صار.
أمّا «الندوة» فمثل الشابّ الناشئ في طاعة الله؛ ما لها قِدَم الأزهر ولا لها مثل أمجاده، ولكنها أُسّست من أول يوم على التقوى؛ رُسم لها الطريق السوي فمشت فيه، لا الطريق انحرف بها عن الغاية ولا هي قد تنكّبَت الطريق.
كانت طريقاً وسطاً بين الأزهر بعدما شاخ وتخلّف شيئاً قليلاً عن الركب ومعهد ديوبَنْد في الهند الذي أقيمَ على غراره ومشى يتبعه في مساره، وبين جامعة عُلَيكرة التي أنشأها أحمد خان لتساير الزمان؛ فلم تجمُد «الندوة» جمود ديوبند والأزهر
стр. 2870
القديم، ولم تَسِل وتَمِع ميَعَان عليكرة، بل أخذت من طرفَي الأمور بأحسنها وكانت تجرِبة كتب الله لها النجاح.
وكان المثل الأكمل لهذه الطريقة هو أبو الحسن؛ أمسك الخَيرَين باليدين، فما أضاع القديم ولا أهمل الانتفاع بالجديد. وإذا كان أول ما يؤخذ على أكثر علمائنا ومشايخنا والدعاة إلى الله منا أن جمهورهم لا يُحسِن لغة أجنبية، فأبو الحسن يُتقِن ثلاث لغات إتقاناً كاملاً، الثلاث التي هي أكثر أَلسُن الأرض ناطقين بها: العربية والأوردية والإنكليزية، ويعرف فوقها الفارسية. وإذا كان الشاعر القديم صادقاً حين قال: «فكلُّ لسانٍ في الحقيقةِ إنسان»، فأبو الحسن ثلاثة في واحد. لا أقول إنه كتثليث النصارى، تعالى الله لا إله إلاّ هو الربّ الواحد، بل أقول إنه جمع الفضل مثلثاً.
وإذا كان منا من يدفع أحياناً دين ولده وخلقه ثمن تعلُّم اللغات (والإنكليزية خاصة) فإن أبا الحسن تعلّمها في بلده من غير أن يفارق أهله. وما ذاك بالمستحيل، فإن أخي الدكتور عبد الغني الأستاذ الآن في جامعة أم القرى، الذي ابتُعث إلى باريس ليدرس الرياضيات في السوربون سنة ١٩٣٨، أي قبل نصف قرن، ما كان يعرف كلمة من الإنكليزية. فلما كسدت سوق الفرنسية وتمّت الغلبة للإنكليزية عليها درَسها بنفسه من غير معلّم حتى صار يقرأ نصوصها ويعرف قواعدها، بل درس بعد ذلك الألمانية وحده وأتقنها.
فما لنا نولي اللغة الإنكليزية من الاهتمام أكثر مما لها؟ كنت مرة في زيارة الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمة الله عليه، فوجدت عنده تاجراً من تجار الشام المعروفين يريد أن يبعث بولده
стр. 2871
الذي لم يُكمِل التاسعة عشرة، وهو شابّ عزب، إلى إنكلترا ليتعلم اللغة فيها. فحاولت أن أبيّن له مخاطر ما هو مُقدِم عليه، وهو يجادلني يُصرّ على أن الإنكليزية ضرورة له في عمله. فقلت له: ناشدتك الله أن تصدُقني، وأنا لا أعرفك إلاّ صادقاً. لو كان في البلد الذي تبعث به إليه مرض سارٍ احتمالُ أن يُصاب به عشرة في المئة، أكنت مرسله أم كنت تقول إن الصحة أثمن من تعلُّم الإنكليزية؟ فتردّد قليلاً ثم قال: لم أكن إذن مرسله. قلت: فلماذا لا تهتمّ بدين الولد وأخلاقه مثل اهتمامك بصحّته، واحتمال أن يُصاب في دينه ثمانون في المئة لا عشرة؟
واللغة العربية أكمل اللغات ما عرفها التاريخ إلاّ كاملة، حتى تعجّب من ذلك أرنست رينان. وهي أوسع اللغات، ولا يغرنّكم أن في القاموس المحيط ستين ألف مادة وفي لسان العرب ثمانين ألفاً وأن المعاجم الإنكليزية فيها مئات الآلاف، لأن مثلنا ومثلهم مثل رجل له سبعة أولاد فقط، لكنهم خرجوا جميعاً من صلبه وولدتهم امرأته، وآخر عنده مئة ولد ولكنهم لقطاء وملمومون لمّاً من الملاجئ والشوارع.
العربية كبنت الأصل المعروفة النسب، لذلك نفهم اليوم شعر المهلهل وعُدَيّ بن زيد، وكثير من شعراء الجاهلية الذين كانوا قبل ألف وخمسمئة سنة، بل نفهم الأفْوَه الأَوْدي إذ يقول:
لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سُراةَ لَهُمْ ... ولا سُراةَ إذا جُهّالُهم سادوا
والبيتُ لا يُبتنى إلاّ لهُ عَمَدٌ ... ولا عِمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ
стр. 2872
نفهم هذا الكلام مع أن صاحبه، أي الأفوه الأودي، كان كما يقولون يعيش في عهد قريب من عهد المسيح بن مريم عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى جميع رسله. فهل يفهم الإنكليز اليوم شعر مَن كان قبل شكسبير؟ وهل يفهم الفرنسيون شعر القرن الثالث عشر الميلادي؟
لقد قُلت من قديم كلمة تناقلها الناس وقرّظها وأيّدها أستاذنا عزّ الدين التنوخي، هي أن العربية تأتي في الدرجة الأولى، أمّا الدرجة الثانية والثالثة فشاغرتان فارغتان، وفي الدرجة الرابعة الفرنسية والألمانية معاً، أما اللغة الإنكليزية فتجيء متأخرة في المرتبة. وأنا لا أعرف منها إلاّ ثلاث كلمات: إذا أردت أن أرجو أحداً ذكرت اسم «إبليس»، وإن أردت أن أرحّب به قلت له: «ويلَكُم»، وإذا سألت عن شيء قلت للبيّاع: «هَمَج»! وفهمت أنها لغة ليس لها قواعد مضبوطة، وأن أكثرها سماعي، وأن فيها حروفاً تُقرأ تارة على شكل وتارة على شكل آخر؛ فهي لغة عرجاء، ولكن يقظة قومها سيّرَتها في أرجاء الأرض وجعلَتها اللغة الأولى.
ولست أدري لماذا يُدرس الطب والهندسة في كثير من بلدان العرب بالإنكليزية، وهو يُدرس في الشام من أكثر من ستين سنة باللغة العربية فما ضاقت به ولا عجزَت عن أداء ما تحتاج هذه الدراسة إليه. وقد نهض بهذا العبء جماعة من الأساتذة مضوا جميعاً إلى رحمة الله، ما قامت به حكومة ولا قامت به مؤسسة.
وأنا أذهب في ذلك مذهباً وسطاً، هو أن تدريس الطبّ يقتضي استعمال كلمات من اللغة العامّة وكلمات هي مصطلحات
стр. 2873
خاصة بأهل الطبّ، فما كان من اللغة العامة (كأسماء أعضاء الجسد وشرح عمليات الجراحة ووصف مكانها وإعداده لها) هذا وأمثاله ندرسه بالعربية، وهذا ما عليه الأمم كلها. هل يدرّس الفرنسيون طلابَ الطبّ عندهم بالإنكليزية؟ أو الإنكليز بالفرنسية؟ أو الألمان بالطليانية؟
أمّا المصطلحات فما كان منها عالَمياً فإننا نلقّنه كما هو، لئلاّ نقطع ما بين الطبيب إذا تَخرّج وبين الاستزادة من العلم.
* * *
وأنا أقول هذا هنا لأن أخانا أبا الحسن، فوق عنايته بالدعوة إلى الله وأنه ركن من أركانها وعضو ظاهر من أعضائها، يهتمّ بالأدب الإسلامي، وقد أنشأ له هو وأخونا الأستاذ عبد الرحمن رأفت الباشا (رحمة الله عليه) وآخرون رابطةً تربط أهله، تجمعهم وتشدّ من أزرهم وتُعينهم في أمرهم.
ولا يزال في الناس من يختلط عليه أمر تعريف «الأدب الإسلامي»، ويُدخِل فيه كتابات إسلامية ليست أدباً وكتابات أدبية ليست موافقة للإسلام. والذي أفهمه أنا بذهني الكليل وفهمي القليل، أن الأدب الإسلامي هو ما كان أدباً مستكملاً شرائطه جامعاً عناصره، سواء في ذلك أكان قصيدة أم كان قصة أم كان مسرحية أم كان رواية، فالشرط فيها أن تكون بالميزان الأدبي راجحة لا مرجوحة، وأن يكون الأثر الذي تتركه في نفس قارئها إذا انتهى منها مرغّباً له في الإسلام دافعاً له إلى الاقتراب منه. لا أن تكون بحثاً فقهياً ولا تاريخياً، ولا شرح حديث ولا تفسير آية،
стр. 2874
فهذا كله ليس أدباً وإن كان شيئاً أغلى وأثمن وأعلى من الأدب.
ولقد كنت ممن دعا الأستاذ أبا الحسن إلى تأليف كتاب «روائع إقبال»، ذلك أننا ما زلنا نسمع بإقبال، وبأن له شعراً علا فيه حتى وصل إلى طبقة قلّ مِن الشعراء مَن يصل إليها أو يحلّق فيها، ثم نقرأ ما تُرجم منه فلا نجد فيه مصداق ما سمعنا. ورأيت أنّ أقدر من يستطيع أن ينقله إلينا أبو الحسن، لأنه متمكن من اللسانين أديب في اللغتين، في العربية وفي الأوردية. وصدر الكتاب، وإذا هو لم يترجم قصائد إقبال ولكنه لخّصها، ولولا أن أُغضِب أباالحسن (وأنا واثق أن الحقّ لا يُغضِبه إن شاء الله) لقُلت إننا لا نزال في حيرتنا نردّد سؤالنا وننتظر من ينقل شعر إقبال إلينا.
وما ذلك عن تقصير من أبي الحسن، لأنني لمّا بلغت لكنو وقابلته قلت له إن صديقنا علي حيدر الركابي (ابن الفريق رضا باشا الركابي الذي بلغ في الجيش العثماني قديماً رتبة لم يبلغها عربي غيره، رحمة الله عليه وعلى ولده علِيّ) كان قد نقل إليّ معاني قصيدة سمعت الثناء عليها، هي «مقبرة القرية» للشاعر الإنجليزي غراي، فلمّا فهمت هذه المعاني تصوّرت أنها لي، فصغتها صياغة أدبية لا أخرج فيها عنها ونشرتها في الرسالة سنة ١٩٣٥ (١)، فعلّق عليها كثير واستحسنوها، وقالوا إنها من باب ترجمة فيترجرالد «رباعيات الخيام» إلى الإنكليزية.
فطلبت من الأستاذ أبي الحسن أن يختار لي تلميذاً من
стр. 2875
تلاميذه النابغين الذين يعرفون اللسان الذي كان يَنظم به إقبال ويُحسِنون العربية، فاختار لي واحداً أغلب الظنّ أنه الأستاذ محمد الرابع الندوي وهو ابن أخته، وكان ذلك من ثلاثين سنة وقد صار الآن أستاذاً كبيراً. فسألته أن يختار لي من أجود قصائد إقبال، فاختار واحدة عنوانها كما أذكر «نداء الجبل» أو شيء قريب من هذا، وترجمها لي ترجمة حرفية حاول أن يوضحها. فلم أفهمها، وما فهمته منها ما استطعت أن أسيغه ولا أن أبتلعه فضلاً عن أن أهضمه، وفكّرت في ذلك فوجدت أن ترجمتها غير ممكنة لأن الذوق العربي لا يستطيع أن يقبلها.
إن ذوقنا أقرب إلى الوضوح، فإن عمدنا إلى بعض التغطية الفنية (إن صحّت هذه التسمية) جئنا باستعارة، فإن زدنا مزَجنا بها كناية وأتينا بهما معاً، فسمّيناها استعارة مكنية. فإذا أنا أرى في لغة هذه القصيدة (وأحسبها الفارسية) أن إقبالاً يكاد يُدخِل فيها ثلاث استعارات في ثلاث كنايات، وهذا ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العرب، ولو استطعنا أن نعبّر عنه ما فهموه ولا تذوّقوه.
* * *
قلت لكم إني لمّا قرأت وصف أبي الحسن لبلدة أسرته الأولى رايلي بريلي، وهي تبعد عن لكنو مسافة القصر أي ثمانين كيلاً، ذكرت بردى ورأيت فيها شبهاً منه، فلما زرت لَكْنَو جعلت كلما مشيت فيها أو نظرت إليها أجد ذكرى دمشق ماثلة أمامي.
ولعل من تتمّة الكلام أن أذكر كيف لقينا أبا الحسن في لكنو. كان ذلك في رحلة المشرق التي مرّ في ذكرياتي كلام كثير عنها،