← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الذي لم يُكمِل التاسعة عشرة، وهو شابّ عزب، إلى إنكلترا ليتعلم اللغة فيها. فحاولت أن أبيّن له مخاطر ما هو مُقدِم عليه، وهو يجادلني يُصرّ على أن الإنكليزية ضرورة له في عمله. فقلت له: ناشدتك الله أن تصدُقني، وأنا لا أعرفك إلاّ صادقاً. لو كان في البلد الذي تبعث به إليه مرض سارٍ احتمالُ أن يُصاب به عشرة في المئة، أكنت مرسله أم كنت تقول إن الصحة أثمن من تعلُّم الإنكليزية؟ فتردّد قليلاً ثم قال: لم أكن إذن مرسله. قلت: فلماذا لا تهتمّ بدين الولد وأخلاقه مثل اهتمامك بصحّته، واحتمال أن يُصاب في دينه ثمانون في المئة لا عشرة؟ واللغة العربية أكمل اللغات ما عرفها التاريخ إلاّ كاملة، حتى تعجّب من ذلك أرنست رينان. وهي أوسع اللغات، ولا يغرنّكم أن في القاموس المحيط ستين ألف مادة وفي لسان العرب ثمانين ألفاً وأن المعاجم الإنكليزية فيها مئات الآلاف، لأن مثلنا ومثلهم مثل رجل له سبعة أولاد فقط، لكنهم خرجوا جميعاً من صلبه وولدتهم امرأته، وآخر عنده مئة ولد ولكنهم لقطاء وملمومون لمّاً من الملاجئ والشوارع. العربية كبنت الأصل المعروفة النسب، لذلك نفهم اليوم شعر المهلهل وعُدَيّ بن زيد، وكثير من شعراء الجاهلية الذين كانوا قبل ألف وخمسمئة سنة، بل نفهم الأفْوَه الأَوْدي إذ يقول: لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سُراةَ لَهُمْ ... ولا سُراةَ إذا جُهّالُهم سادوا والبيتُ لا يُبتنى إلاّ لهُ عَمَدٌ ... ولا عِمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ

стр. 2872

نفهم هذا الكلام مع أن صاحبه، أي الأفوه الأودي، كان كما يقولون يعيش في عهد قريب من عهد المسيح بن مريم عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى جميع رسله. فهل يفهم الإنكليز اليوم شعر مَن كان قبل شكسبير؟ وهل يفهم الفرنسيون شعر القرن الثالث عشر الميلادي؟ لقد قُلت من قديم كلمة تناقلها الناس وقرّظها وأيّدها أستاذنا عزّ الدين التنوخي، هي أن العربية تأتي في الدرجة الأولى، أمّا الدرجة الثانية والثالثة فشاغرتان فارغتان، وفي الدرجة الرابعة الفرنسية والألمانية معاً، أما اللغة الإنكليزية فتجيء متأخرة في المرتبة. وأنا لا أعرف منها إلاّ ثلاث كلمات: إذا أردت أن أرجو أحداً ذكرت اسم «إبليس»، وإن أردت أن أرحّب به قلت له: «ويلَكُم»، وإذا سألت عن شيء قلت للبيّاع: «هَمَج»! وفهمت أنها لغة ليس لها قواعد مضبوطة، وأن أكثرها سماعي، وأن فيها حروفاً تُقرأ تارة على شكل وتارة على شكل آخر؛ فهي لغة عرجاء، ولكن يقظة قومها سيّرَتها في أرجاء الأرض وجعلَتها اللغة الأولى. ولست أدري لماذا يُدرس الطب والهندسة في كثير من بلدان العرب بالإنكليزية، وهو يُدرس في الشام من أكثر من ستين سنة باللغة العربية فما ضاقت به ولا عجزَت عن أداء ما تحتاج هذه الدراسة إليه. وقد نهض بهذا العبء جماعة من الأساتذة مضوا جميعاً إلى رحمة الله، ما قامت به حكومة ولا قامت به مؤسسة. وأنا أذهب في ذلك مذهباً وسطاً، هو أن تدريس الطبّ يقتضي استعمال كلمات من اللغة العامّة وكلمات هي مصطلحات

стр. 2873

خاصة بأهل الطبّ، فما كان من اللغة العامة (كأسماء أعضاء الجسد وشرح عمليات الجراحة ووصف مكانها وإعداده لها) هذا وأمثاله ندرسه بالعربية، وهذا ما عليه الأمم كلها. هل يدرّس الفرنسيون طلابَ الطبّ عندهم بالإنكليزية؟ أو الإنكليز بالفرنسية؟ أو الألمان بالطليانية؟ أمّا المصطلحات فما كان منها عالَمياً فإننا نلقّنه كما هو، لئلاّ نقطع ما بين الطبيب إذا تَخرّج وبين الاستزادة من العلم. * * * وأنا أقول هذا هنا لأن أخانا أبا الحسن، فوق عنايته بالدعوة إلى الله وأنه ركن من أركانها وعضو ظاهر من أعضائها، يهتمّ بالأدب الإسلامي، وقد أنشأ له هو وأخونا الأستاذ عبد الرحمن رأفت الباشا (رحمة الله عليه) وآخرون رابطةً تربط أهله، تجمعهم وتشدّ من أزرهم وتُعينهم في أمرهم. ولا يزال في الناس من يختلط عليه أمر تعريف «الأدب الإسلامي»، ويُدخِل فيه كتابات إسلامية ليست أدباً وكتابات أدبية ليست موافقة للإسلام. والذي أفهمه أنا بذهني الكليل وفهمي القليل، أن الأدب الإسلامي هو ما كان أدباً مستكملاً شرائطه جامعاً عناصره، سواء في ذلك أكان قصيدة أم كان قصة أم كان مسرحية أم كان رواية، فالشرط فيها أن تكون بالميزان الأدبي راجحة لا مرجوحة، وأن يكون الأثر الذي تتركه في نفس قارئها إذا انتهى منها مرغّباً له في الإسلام دافعاً له إلى الاقتراب منه. لا أن تكون بحثاً فقهياً ولا تاريخياً، ولا شرح حديث ولا تفسير آية،

стр. 2874

فهذا كله ليس أدباً وإن كان شيئاً أغلى وأثمن وأعلى من الأدب. ولقد كنت ممن دعا الأستاذ أبا الحسن إلى تأليف كتاب «روائع إقبال»، ذلك أننا ما زلنا نسمع بإقبال، وبأن له شعراً علا فيه حتى وصل إلى طبقة قلّ مِن الشعراء مَن يصل إليها أو يحلّق فيها، ثم نقرأ ما تُرجم منه فلا نجد فيه مصداق ما سمعنا. ورأيت أنّ أقدر من يستطيع أن ينقله إلينا أبو الحسن، لأنه متمكن من اللسانين أديب في اللغتين، في العربية وفي الأوردية. وصدر الكتاب، وإذا هو لم يترجم قصائد إقبال ولكنه لخّصها، ولولا أن أُغضِب أباالحسن (وأنا واثق أن الحقّ لا يُغضِبه إن شاء الله) لقُلت إننا لا نزال في حيرتنا نردّد سؤالنا وننتظر من ينقل شعر إقبال إلينا. وما ذلك عن تقصير من أبي الحسن، لأنني لمّا بلغت لكنو وقابلته قلت له إن صديقنا علي حيدر الركابي (ابن الفريق رضا باشا الركابي الذي بلغ في الجيش العثماني قديماً رتبة لم يبلغها عربي غيره، رحمة الله عليه وعلى ولده علِيّ) كان قد نقل إليّ معاني قصيدة سمعت الثناء عليها، هي «مقبرة القرية» للشاعر الإنجليزي غراي، فلمّا فهمت هذه المعاني تصوّرت أنها لي، فصغتها صياغة أدبية لا أخرج فيها عنها ونشرتها في الرسالة سنة ١٩٣٥ (١)، فعلّق عليها كثير واستحسنوها، وقالوا إنها من باب ترجمة فيترجرالد «رباعيات الخيام» إلى الإنكليزية. فطلبت من الأستاذ أبي الحسن أن يختار لي تلميذاً من

стр. 2875

تلاميذه النابغين الذين يعرفون اللسان الذي كان يَنظم به إقبال ويُحسِنون العربية، فاختار لي واحداً أغلب الظنّ أنه الأستاذ محمد الرابع الندوي وهو ابن أخته، وكان ذلك من ثلاثين سنة وقد صار الآن أستاذاً كبيراً. فسألته أن يختار لي من أجود قصائد إقبال، فاختار واحدة عنوانها كما أذكر «نداء الجبل» أو شيء قريب من هذا، وترجمها لي ترجمة حرفية حاول أن يوضحها. فلم أفهمها، وما فهمته منها ما استطعت أن أسيغه ولا أن أبتلعه فضلاً عن أن أهضمه، وفكّرت في ذلك فوجدت أن ترجمتها غير ممكنة لأن الذوق العربي لا يستطيع أن يقبلها. إن ذوقنا أقرب إلى الوضوح، فإن عمدنا إلى بعض التغطية الفنية (إن صحّت هذه التسمية) جئنا باستعارة، فإن زدنا مزَجنا بها كناية وأتينا بهما معاً، فسمّيناها استعارة مكنية. فإذا أنا أرى في لغة هذه القصيدة (وأحسبها الفارسية) أن إقبالاً يكاد يُدخِل فيها ثلاث استعارات في ثلاث كنايات، وهذا ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العرب، ولو استطعنا أن نعبّر عنه ما فهموه ولا تذوّقوه. * * * قلت لكم إني لمّا قرأت وصف أبي الحسن لبلدة أسرته الأولى رايلي بريلي، وهي تبعد عن لكنو مسافة القصر أي ثمانين كيلاً، ذكرت بردى ورأيت فيها شبهاً منه، فلما زرت لَكْنَو جعلت كلما مشيت فيها أو نظرت إليها أجد ذكرى دمشق ماثلة أمامي. ولعل من تتمّة الكلام أن أذكر كيف لقينا أبا الحسن في لكنو. كان ذلك في رحلة المشرق التي مرّ في ذكرياتي كلام كثير عنها،

стр. 2876

لقد زرنا من مدن الهند أربعاً هي: بومباي وكلكتا ودهلي (التي يسمّيها الإنكليز دلهي بتقديم اللام) ولكنو. ولقد كنت أذكر اسم لكنو مرة أمام جماعة من أهل الفضل فما عرفها منهم أحد، فقلت لهم إنها مدينة أبي الحسن الندوي فعرفوها. فكيف تريدون مني أن أعرّف القراء في هذه المقدّمة برجل هو أشهر من بلده، حتى إنها لتُعرَف به قبل أن يُعرف بها؟ كنا أنا والشيخ أمجد كلما جئنا بلداً وجدنا مَن يستقبلنا فيها ويدلنا ويأخذ بأيدينا، فلما وصلنا لكنو وصلناها مطمئنَّين لأنها بلد صديقنا الحبيب أبي الحسن، فيها داره، ومن دخل بيت صديقه فقد دخل بيته. ولكنا لمّا وصلنا لم نجد في استقبالنا أحداً، لأنهم ترقبوا وصولنا بالقطار وانتظرونا في المحطة لم يقدّروا أن نأتي بالطيارة. ولم نكن نعرف لسان القوم لنكلمهم به فوقعنا في لُجّة ما معنا فيها سفينة، ولا نحن ممن يحسن السباحة، فكيف ننجو منها؟ كيف نُقيم في بلد لا نعرفه ولا نعرف فيه أحداً ولا نُحسِن النطق بلسان أهله؟ فرجعت إلى لغة الخرس، لغة البشر الأولين، بعد أن تفرّقوا في البلدان ونسوا الأسماء كلها التي علّمها الله أباهم آدم، وشرعوا يتعلمون النطق من جديد يُصدِرون أصواتاً يوضّحونها بإشارات، فإذا فُهم مرادهم منها وعادوا إلى مثلها استغنوا بالصوت عن الإشارة، فنشأت كلمات تراكم بعضها على بعض فكانت الألسن واللغات (١).

стр. 2877

ومن الكلمات ما يُفهم في كل مكان، منها كلمة أوتيل (وإن كان الإنكليز يلفظونها «هُطِل» بضم الأول وكسر الثاني، ووقعت لي في هذا حوادث ستأتي عندما أتكلم في ذكرياتي عن الهند إن شاء الله). فلما قلت كلمة «أوتيل» وفهموا عني علمت أن مكتب شركة الطيران التي جئنا معها في فندق كبير في القسم الجديد من المدينة، الذي يُدعى إن صحّ ما أذكر «حضرت كنج». وكنج كما علمت هو النهر المقدس، ويمرّ من لكنو. وما عندنا نحن المسلمين شيء مقدس لذاته ولكن عندنا أمكنة وردت الآثار بأنها أفضل من غيرها. وبلغنا الفندق، وكان من الفنادق الكبيرة، له غرف واسعة جداً وأمامها سطح أوسع منها يُطِلّ على منظر من أجمل المناظر التي رأيناها، تظلّله أشجار من أضخم ما رأيت في عمري من الأشجار، والقردة تلعب على أغصانها وتمرح فيها. ومن عجائب المناظر أن الوليد منها يتعلّق ببطن أمه ثم تقفز به القفزة الهائلة من غصن إلى غصن. واستطعنا بالإشارة أن نأخذ أحسن غرفتين في الفندق. وصعدنا إليهما تحت الأمطار، وأمطارُ الهند كأمطار مكة، ولكنها لا تستمرّ مثلها ساعة أو ساعتين، بل استمر هطولها اليوم كله والليلة التي جاءت بعده. وأصبحنا من الغد والمطر نازل لم ينقطع ولم يخفّ ونحن محبوسان في الفندق، لا المقصد الذي جئنا من أجله حققناه ولا صديقنا الندوي وجدناه، فضاق صدر الشيخ أمجد وطفق يأمرني بأن آخذه إلى أبي الحسن، يكرّر الأمر يلين به تارة ويشتدّ به أخرى، يكرّره ثلاث مرات كل نصف ساعة!

стр. 2878

وأنا حائر لا أريد أن أُغضِبه، ولا أعرف الطريق إلى أبي الحسن، ولا أعرف لسان القوم لأسألهم عنه، ولا أجد حولي من يفهم عني فيترجم لي. فلما نفد صبره قلت: أنا ذاهب أفتّش عنه. وما كنت أدري أين أفتّش عنه في بلد كبير، فأخذت سيارة وأشرت إلى السائق أن يمشي بي، وأنا أتأمل وجوه الناس، والسيارة تلفّ الشوارع والعداد يعدّ عليّ، وكلما عرض لنا مفرق طريقين أخذت الأيمن منهما، لست أدري إلى أين يوصلني، واسم الفندق معي حتى إذا يئست رجعت إليه. ما زلنا نمشي حتى لمحت وجه شابّ وقع في قلبي أنه مسلم. وللمسلم نور في وجهه يُدرِكه المسلم، فوقفتُ السيارةَ وأشرت إليه، فأقبل عليّ فقلت له: السلام عليكم ورحمة الله. فأجاب بلسان عربي متين: وعليكم السلام ورحمة الله. فقلت له: أتعرف أبا الحسن الندوي؟ وكان لقاؤه في تلك الساعة أحب إليّ من عطيّة كبيرة أُعطاها وكان هو طلبتي ومقصدي. قال وقد انطلقت أساريره وبرقت عيناه: نعم، وأنا من تلاميذه، فهل أنت الشيخ أمجد أو الطنطاوي؟ قلت: نعم، أنا الطنطاوي. فأقبل عليّ معانقاً ومرحّباً، وتعانقنا وتصافح قلبانا. وأذكر أن اسم الفتى كان عبد المحسن، أحسن الله إليه إن كان حياً ورحمه إن كان قد سبقنا إلى لقاء الله، وأخذني إلى الندوة. أرأيتم الضالّ في الصحراء جوعان عطشان قد هدّه وبرّح به التعب وكاد يصل إلى حافّة اليأس، وإذا هو أمام مضارب أهله

стр. 2879

ومنازل ذويه؟ أنا ذلكم الرجل. لقد كانت هذه إحدى الفرحات التي فرحها قلبي طول عمري. ولقيت أبا الحسن وصحبه وتلاميذه. ولا تزال بقايا تلك الفرحة تشرق في نفسي إلى الآن كلما ذُكرَت أمامي لكنو، أو سمعت اسم الندوة أو اسم أحد من أهلها. كنت مرة في مقابلة إذاعية في الرائي (في التلفزيون) فسألني المحدّث (وأحسبه كان الأستاذ ماجد الشبل) عن المكان الذي أتمنى أن أقضي فيه بقية أيامي، قلت: إن لم أستطع أن أعود إلى بلدي، وبلدي دمشق، ولم أقدر أن أبقى بجوار بيت الله هنا في مكة، فإن أحبّ مكان إليّ هو لكنو، وأن أقيم في معهد ندوة العلماء، فأجمع فيها بين الظلّ والماء وصحبة العلماء. وللحديث بقية. * * *

стр. 2880

-٢٢٢ - أبو الحسن الندوي (٣) أمّا دمشق فلأنها التي أبصرتُ الدنيا أول مرة من خلالها وأول أرض مسّ جسمي ترابها. نقّلْ فؤادَكَ حيثُ شئتَ مِنَ الهوى ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأوّلِ ولولا ما ركّب الله في النفوس من حبّ الأوطان لهُجر كثير من البلدان، واجتمع الناس كلهم حيث الحياض والرياض وأماكن الجمال أو الكسب والربح وجمع المال، ولَما رأيت شامياً يهاجر إلى نيويورك فيبقى فيها عشرين سنة لا يرى نفسه فيها إلاّ غريباً مسافراً نازلاً في فندق كبير، يحنّ أبداً إلى قريته قد اجتمعَت أمانيه في العودة إليها، وما قريته إلاّ عشرون بيتاً من الحجر حول نبع في رأس جبل دون بلوغها تسلُّق الصخر وسلوك الوعر، ما فيها سوق عامرة ولا عمارة عالية ولا تسليه عنها أسواق نيويورك ولا عماراتها، وإذا عاد إليها ألقى عصاه واستقرّ به نواه. لذلك قرن الله في القرآن القتل بالإخراج من الديار. وإذا كان

стр. 2881

فراق الدنيا هو الموت فإن دنيا الإنسان الصغرى وطنه، وإن فارقه وأُخرجَ منه فقد مات الموت الأصغر. ولكن إذا جاء الدين هان في سبيله كل شيء حتى حبّ الديار، لذلك يؤثر كل مسلم حرم الله في مكة على بلده، وإن رآه قد حاق به المكروه افتداه ببلده وآثر أن يسلم بيت الله ولو كان ثمن سلامته خراب بيته. أمّا لكنو التي فيها ندوة العلماء فلقد حلَت صورتها في عيني لمّا رأيتها، فلما خبرتها ازدادت حلاوة على حلاوتها. ولست أدري هل الصورة التي في ذهني هي صورتها حقيقة أم هي كاللوحة الفنية، لا تصف الحقيقة كما تصفها الصورة الشمسية (الفوتوغرافية) ولكنها على ذلك أثمن منها، تُباع بالآلاف على حين لا تُشترى الشمسية بأكثر من العشرات، ذلك لأنها لا تنقل للمشاهد الواقع وحده بل تنقل إليه عواطف الذي صوّرها وخياله وأمانيه ونظره إلى الكون. وأنا لست بالمصوّر البارع الفنان، ولكني أحاول أن أصف بالقلم واللسان بعض ما يصفه بالخطوط والألوان. ولم يرغّبني في دار الندوة جمال منظرها وحده، ففي الأرض مناظر كثيرة فيها ما ليس في لكنو من ألوان الجمال، بل لأن المثُل العليا التي يطمح البشر إليها والدنوّ منها من قديم الأزمان إلى الآن هي الحقّ والخير والجمال، والثلاثة فيها: الجمال في موقعها، والخير في أهلها، والحقّ في الغاية التي تعمل لها وتسعى إليها. يقول الناس (ونقول معهم) إن الدعوة الإسلامية المنظَّمة

стр. 2882

بدأت بإنشاء جمعية الشبان المسلمين في مصر سنة ١٣٤٦هـ، وقد كنت يومئذ أحدَ الشبان الذين كان لهم شرف شهودها، والذين بقي منهم أطال الله أعمارهم الإخوة الأساتذة عبد السلام هارون وعبد المنعم خلاف ومحمود شاكر. وإنشاء الجمعيات الإسلامية والعمل المنظَّم في الدعوة خير لأنه من باب التعاون على الخير، والله قال لنا في آية واحدة ﴿وتعاوَنوا﴾ وقال ﴿ولا تعاوَنوا﴾: ﴿وتَعاوَنوا على البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنوا على الإثمِ والعُدوانِ﴾. وأنا لا أذمّ الاجتماع ولا آباه، ولكن الذي آباه وأذمّه هو أن يُتّبع في العمل الإسلامي أسلوب الأحزاب السياسية. ولقد كان قبل إنشاء جمعية الشبان وقبل ظهور جماعة الإخوان، كان حول الشيخ تلاميذ مرتبطون به، يعمل ويعملون غالباً على ما يُرضي الله، يمشون (إلاّ من انحرف منهم) على المحجّة البيضاء، يحسب كل من تلاميذه أنه أخصّهم به وأقربهم إليه. فلما اتبعَت بعض الجماعات أسلوب الأحزاب وجعلوا لها رئيساً وجعلوا لها وكيلاً، وأنشؤوا لها مجالس وكانت مناصب وألقاب، ازدحموا على هذه المناصب وتسابقوا إلى هذه الألقاب، فجرّ ذلك إلى ما تعرفون من الانشقاقات والاختلافات. ثم إن بعضها مال إلى السياسة كل الميل. والإسلام لا ينفصل عن السياسة إلاّ إن انفصلت سورة الأنفال وسورة براءة (وهما في السياسة الدولية) عن القرآن، ولكن السياسة في الإسلام كمَن يرى ميدان المعركة من نافذة الطيّارة، يُحيط بصره بها وربما أدارها بالهاتف ووجّهها، ولكنه لا ينزل إلى أرضها ولا يشارك

стр. 2883

فيها لا يسابق إلى غنائمها. ولعلّي لم أحسن التمثيل، فلا تناقشوني فيه، «فليس من دأب المحصِّل المناقشة في المثال» كما كان يقول مشايخنا. ومنها جماعات جعلت كلّ همّها في دعوى تهذيب النفس وتصفيتها بالمراقبة والمجاهدة وتركَت العلم فلم تُقبِل عليه، مع أن العلم بالشريعة هو المصباح الذي يُنير لنا طريقنا، فإن أطفأناه وزعمنا -كما زعموا- أن الله يهدينا بغيرها ضللنا كما ضلّوا. إنهم يحتجّون على عادتهم دائماً بجملة من آية، يُغمِضون عيونهم وآذانهم عن سباقها وعن سياقها، عمّا جاء قبلها وبعدها، فلا يرونه ولا يسمعونه. أخذوا من قوله تعالى جملة ﴿واتّقُوا اللهَ ويعلّمُكمُ اللهُ﴾ فاحتجّوا بها على ترك العلم، ونسوا أن التقوى بامتثال أمر الله وأمر رسوله، واللهُ ورسولُه أمَرا بطلب العلم وجعلا طلب بعضه فرضاً كفرض الصلاة، وأن الله يقبل من الأعمال ما خلص له على أن يكون موافقاً لما شرعه. وآخرون اقتصروا على العلم وحده بلا تقوى، فكان سلوكهم عقلياً خالصاً خالياً من الروح. وإذا ذهبَت الروح ذهبت الحياة، والعلم بلا تقوى علم ميت ربما رمى صاحبه في جهنم، لأن إبليس كان عالِماً فلم ينفعه علمه لمّا عصى ربه! أمّا جماعة أبي الحسن من النَّدْويين فقد أخذوا بالحسنيَين، بالعلم الذي ينمّي العقل ويُرشِد إلى الطريق، وبالتقوى التي تخلّص الروح وتُنجي في الآخرة. والدنيا اليوم مقبلة على المذاهب الروحية ما كان حقاً منها وما كان باطلاً، وذلك ثمرة هذه الحضارة

стр. 2884

المنغمسة في المادة القائمة عليها، أو هو «ردّ فعل» كما يعبّرون في هذا الأيام، وأكثر تصرفات البشر من باب ردود الفعل. والناس إنما يطلبون ما يفقدون ويزهدون فيما يجدون. ولقد جاءنا في مكة من اثنتي عشرة سنة وفد كبير من الأميركيين المسلمين من البيض منهم ومن السود، قعدوا معي في الحرم ساعات طوالاً، كان يترجم بيني وبينهم الدكتور مجاهد الصوّاف، ابن أخي الأستاذ الشيخ محمد محمود الصواف. فكان مما قالوه لي: إنكم تقولون في الدعوة إلى الإسلام إنه دين العلم وإنه دين النظافة وإنه دين التنظيم، ونحن أوسع منكم علماً ومدننا أشدّ نظافة ومجتمعنا أكثر تنظيماً، فما هذا الذي نحتاج إليه ولا هذا الذي نريده؛ إنما نريد ما يُنعِش أرواحنا، نريد الجانب الروحي من الإسلام. والذي قالوه حق نبّهوني إليه وقد كنت غافلاً عنه؛ إن الإسلام للحياة كلها يُصلِحها ويسدّد خُطاها، والحياة مادة وشيء وراء المادة. والإسلام للناس جميعاً، والناس مؤلَّفون من جسم ونفس وروح. والدعوة الصحيحة إلى الإسلام هي التي تجمع الحسنيَين، على أن يكون هذا المزج بين مطالب الروح وحاجات الجسد مزجاً شرعياً. والله جعل كل شيء بقدَر، فكما تتّحد العناصر بنسب معيّنة فلا تأتلف ذرّة الأوكسجين إلاّ مع ذرتين من الأيدروجين، كذلك جعل توازناً دقيقاً مُحكَماً بين الروحيات والمادّيات. ومن الناس من يميل ميزانه إلى إحدى الكفّتَين. فتكون دعوة للعقل ودعوة للقلب من غير أن ننحرف مع

стр. 2885

الصوفية أو غيرها، وعلى أن نلزم طريق الكتاب والسنّة، وفي الكتاب والسنّة غَناء. * * * وهذا ما عليه جماعة الندوة: اشتغال بالعلم مع تثبيت الإيمان وإصلاح القلب، وترفُّع عن المعارك السياسية التي لا غاية لها إلاّ الوصول إلى كراسي الحكم والتي يسلك أصحابها إلى ذلك كل طريق، المستقيم منه والملتوي، ويتخذون كلّ ذريعة، الطيبة والخبيثة. والإسلام يريد أن تكون الغاية حسنة وأن يكون الطريق إليها مستقيماً آمناً، بعيداً عن أساليب الأحزاب السياسية التي فيها المناصب والألقاب وفيها التزاحم عليها والتسابق إليها. وفي أبي الحسن والندويين -مع ذلك كله- عناية بالأدب. والدعوة لا تكون إلاّ باللسان والقلم، وقوام اللسان والقلم الأدب، وإذا كان من الأدباء الذين يُعرفون اليوم بالإسلاميين من يكتب ويقول غير ما يعمل، ومنهم من لا يؤدّي الفرائض ولا يدع المحرَّمات ولا يلتزم بالسلوك الإسلامي، ومنهم من كتب في الإسلام لمّا رأى الكتب الإسلامية مقصودة وبضاعتها رائجة فجعل يسوق ما يُعجِب السوق، حتى إني لقيت في المكتبة العربية عند الأستاذ العالِم الشاعر أحمد عبيد من أكثر من أربعين سنة أديباً معروفاً يدعوه الناس أديباً إسلامياً، له اسم ذائع وله ذكر شائع. وطال المجلس فكان من حديثه أنه متمسك بالإسلام يدافع عنه ويحامي دونه، ولكنه قد يُضطرّ إلى القعود إلى موائد الخمر مسايرةً لأهلها، وربما شرب القليل منها! وأنه ربما ترك الصلاة أو

стр. 2886

أخّرها، ولكنه مسلم متمسك بالإسلام يدافع عنه ويحامي دونه! وأنه ربما خرج مع نسائه وهنّ كاشفات الأعناق والصدور مبديات السيقان والنحور يساير بذلك زمانه، ولكنه متمسك بالإسلام يدافع عنه ويحامي دونه! وما زال يسرد من أمثال ذلك ما فضح به نفسه وبيّن أنه مؤمن بلسانه بعيد بفعله وسلوكه عن الإسلام. أما أبو الحسن وجماعته فإنهم ملتزمون بالإسلام قولاً وعملاً، كتاباً وسلوكاً؛ يعمل ما يعمل ابتغاء رضا الله لا رضا الناس. والرسول ﵊ كره التكلّف، وأنا لم أرَ فيمن عرفت من الناس من هو أبعد عن التكلّف وأقرب إلى البساطة من أبي الحسن، فهو يلبس أيسر لباس وأرخصه وأبعده عن الزهو والتعالي، قميص طويل تحته سراويل واسعة. وهو لباس أكثر مَن عرفت من علماء الهند. قرأت له أولاً ثم عرفته واتصل حبلي بحبله، في الهند ثم في موسم حجّ سنة ١٣٨١هـ، وكان من قبلُ قد قدم دمشق أستاذاً زائراً في جامعتها وما كُتب لي أن ألقاه لأنني معتزل بعيد عن مجامع الناس، أمضيت شبابي في ذلك وامتدّ معي إلى شيخوختي، فأنا لا أكاد أخرج من داري ولا ألقى إلاّ نفراً من إخواني ومن أصحابي. فلما عرفت أبا الحسن في لكنو من قرب صار أحد الذين اصطفيتهم وأحببتهم واحترمتهم. والناس عندي أصناف ثلاثة: منهم من أحبه وأحترمه، ومنهم من أحترمه لعلمه وفضله ولكني قد لا أحبه لغلظته وثقل ظله، ومنهم من أحبه ولكني لا أحترمه. فكان أبو الحسن من

стр. 2887

النفر القليل الذين أوليتهم حبي واحترامي، والذين أنطلق حين أكون معهم على سجيّتي، أظهر ما أُخفيه وما أكتمه عن الناس أبديه، أقول ما يخطر على بالي، أكون آمناً معهم مطمئناً إليهم واثقاً بهم. من هؤلاء الأستاذ الزيات والدكتور عبد الوهاب عزام والشيخ شلتوت، ومنهم بل من أوائلهم الشيخ بهجة البيطار، وممن كان هذا حالي معه لمّا تشرّفت بلقائه -على ندرة ما ألقى من أمثاله- الأمير عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود، وناس أمثالهم لا أُحصيهم منهم السيد الخضر حسين، ومنهم الآن الأمير ماجد، ومنهم أستاذنا محمد كرد علي، والأستاذ عارف النكدي، والأستاذ النشاشيبي، بعد خلاف كان بيني وبينه أول الأمر ومنازلة في الصحف من أجل كتابه «الإسلام الصحيح» الذي لم أجده صحيحاً فكتبت في نقده، رحم الله مَن مات ممن ذكرت وأطال حياة من بقي وأسعده فيها. وقد جمعني الحج سنة ١٣٨١هـ وأنا مقيم في مكة بأبي الحسن، وبالشيخ المعمَّر الصالح الشيخ مخلوف مفتي مصر الأسبق، والشيخ القلقيلي الذي كان مفتي الأردن وكان صديقاً عزيزاً. فدُعينا إلى القصر الملكي في الأبطح (أي في المعابدة)، فاعتذرت على عادتي، ولكن المفتيَين وأخي وصديقي الأستاذ الصوّاف ألزموني الحضور. وكانت جلسة مباركة، حضر أولها الملك سعود رحمة الله عليه، ثم تولّى رياستها المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، فولّى إدارتَها عنه أخانا أباالحسن، فبدا لي في ذلك المجلس جانبٌ جديد من عبقريته المتعددة الجنبات لم أكن أعرفه من قبل، وهو أسلوبه في الإدارة.

стр. 2888

وهو أسلوب زياد، تَشبّه فيه بالرجل الذي دعاه رسول الله بالعبقري ولم يَدعُ بذلك غيرَه، عمر بن الخطاب: شدة من غير عنف ولين من غير ضعف. وأنا أقول من قديم إن القوة قد تكون مع اللين أكثرَ مما تكون مع الخشونة؛ فالفأس على لينها ونعومتها تقطع الحَطَبة على خشونتها. وكانت هذه الجلسةُ نواةَ رابطة العالَم الإسلامي، وكان هؤلاء الأعضاء هم المؤسسين الأولين لها، وكنت واحداً منهم، ولكنني لعلمي أنني لا أصلح لها اعتذرت عنها. واجتمعت به في تلك السنة في المجلس الأعلى في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وخرجت منه أيضاً، وإن بقيت فيه وفي الرابطة وفي كل عمل إسلامي جندياً يعاون على كل ما ينفع المسلمين. لكنني لا أربط نفسي بأحد، فأنا أمشي في طريقي لا أبدّله، فمن وجدته يمشي فيه رافقته وأعنته -على ضعفي وعجزي- على ما يريد من الخير، وإن انحرف عنه أو سلك غيره لم أمشِ معه. * * * عرفت أبا الحسن من قريب في مكة وفي المدينة وفي دمشق، وعرفته قبل ذلك في الهند لمّا زرت لكنو سنة ١٩٥٤، فوجدته في الأحوال كلها مستقيماً على الحقّ عاملاً لله، متواضعاً زاهداً زُهداً حقيقياً؛ لا زهد المغفَّلين الذين يعيشون وراء أسوار الحياة لا يدرون ما الدنيا ولا يعرفون ماذا فيها، بل زهد العالِم العارف بالدنيا وأهلها. فقد رأى الشرق والغرب وزار الأمصار

стр. 2889

والحواضر ولقي الكبار والصغار، وعاش صدر حياته في قصر صدّيق حسن خان العالِم السلفي الأمير الكبير، أسكنوه فيه بعد موت أبيه، فذاق حياة الترف والنعيم ولكنه زهد فيها، فزُهده ليس زهد الحرمان، ليس زهد الجائع الذي لم يجد الطعام فوطّن نفسه على فقده، بل زهد الذي فقد شهوة الأكل والأكلُ أمامه؛ يحضر المؤتمرات، ولكنه يجتنب الفنادق الكبار التي يُنزِلون فيها الوفود وينزل في بيوت تلاميذه، وما أكثر هؤلاء التلاميذ. وإذا كان مَن بنى حصناً أو قاد جيشاً عُدّ من العظماء، فأبو الحسن بنى للإسلام من نفوس تلاميذه حصوناً أقوى وأمتن من حصون الحجر، بنى أمة صغيرة من العلماء الصالحين والدعاة المخلصين. لقد تمنيت إن لم يُكتب لي أن أعود إلى دمشق، ودمشق وطني: وحَبّبَ أوطانَ الرجالِ إليهِمُ ... مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا وإن لم يُكتب لي أن أستمرّ بجوار بيت الله الحرام، أن أذهب إلى لكنو؛ لأنني عشت فيها أياماً قصيرة لكن ذكراها بقيَت عميقة في نفسي لا يمحوها كرّ السنين. مرّ عليها الآن ثلاث وثلاثون سنة ولا أزال أحسّ حلاوتها تحت لساني وطيبها في نفسي، لأني وجدت فيها الدين والدنيا، وجدت فيها أنس النفس وراحة الروح، وجدت المحبة تجمع بين أفرادها، ووجدت أبا الحسن قد أكرمه الله فاستكمل مزايا الداعية الإسلامي الذي نطلبه ونفتّش عنه. وتحت يدي وأنا أكتب هذه المقدّمة محاضرة لي ألقيتها في مكة في موسم حجّ سنة ١٣٧٣هـ. وأنا في العادة لا أكتب

стр. 2890

محاضراتي فتضيع عند الناس، وأسال الله أن لا تضيع عنده، لكن هذه المحاضرة كتبها إخوان ودوّنوها فبقيَت لديّ. كان موضوعها «طرق الدعوة إلى الله» (١)، ركّزت ذهني فيها على ما أعرف من طرق الدعاة، من السّرهندي الذي دُعي مجدّد الألف الثاني، لأنه عمد إلى صرح الكفر الذي شاده الإمبراطور أكبر في الهند، فجاءه من القواعد بلين وهدوء، كهدوء الماء ولينه إذ يتسرّب إلى أساس البناء حتى إذا تشرّبه ألانه ثم جرفه فهدّه. لقد هوى بناء الكفر وقام من أحفاده الإمبراطور الذي قبس من نور الشيخ، بل من ضياء الإسلام، فسار على هذه الطريق، وهو أورنك زيب. فأقام صرح الإيمان، والإيمان معه دائماً العزّ والنصر وله الدوام إلى آخر الدهر، ولو قامت في سبيله العقبات واعترضته الموانع فإن النصر له والعاقبة للمتقين. ثم تكلّمتُ عن طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي كان من نتيجتها ومن تحالفه مع الإمام محمد بن سعود أن وحّد الله الجزيرة ونقلها من حال إلى حال. ومن الدعاة من كان أسلوبه في الدعوة بثّ الأفكار وتنبيه الناس، ومَن عمد إلى الصحف والمجلات يدعو فيها إلى الإسلام. وقد وجدت عند أبي الحسن وندوة العلماء النافعَ من هذه الطرق كلها؛ فهم يتخذون وسيلة التعليم، وهي أصدق الوسائل التي يتوسل بها الدعاة، وإن كان ثمرها قد يتأخر في الظهور ولكنه مضمون. وما قيمة عشر سنين في تاريخ الأمم التي تمتدّ أجيالاً

стр. 2891

وأجيالاً؟ فأولى ما يقوم به الدعاة إلى الله هو أن يُعنَوا بالتعليم لإعداد جنود لمعركة الكفر والإيمان ولو بَعُدَ موعدها، فلقد أضعنا عشرات وعشرات من السنين. أنا شهدت في حياتي سبع عشرات من يوم كنت يافعاً وأدركت ما حولي ضاعت علينا، ولو أننا سلكنا فيها هذا الطريق الواضح لوصلنا. أليس هذا هو طريق رسول الله ﵊؟ ألم تنتقل الدعوة الإسلامية من واحد إلى واحد؟ لقد دعا الرسول ‘ إلى ما يشبه المحاضرة مرة واحدة لمّا جمع الناس عند الصفا، فانبرى له أبو لهب بتلك الكلمة الفاجرة، فلم يدعُ الناسَ بعدُ إلى مثلها، بل كان إذا دهم المسلمين أمرٌ دعاهم وحدهم إلى الصلاة الجامعة في المسجد. * * * فيا أخي أبا الحسن، اثبت أنت وجماعتك على ما أنتم عليه، فإنني لا أعرف اليوم في أساليب الدعاة من هو أصحّ منكم أسلوباً، واعذرني إذا لم أكتب المقدّمة التي أمرتني بها. إن المقدّمات إنما تكون للتعريف بمؤلّف مجهول، وأنت أعرف مني ومثلك لا يحتاج إلى مَن يقدّمه للناس. على أني أستطيع أن أكتب مثل ما كتبتُ عنك وأن أكتب عن أخيك الدكتور رحمة الله عليه، الذي وجدت عنده لمّا ذهبت مُستشفِياً إلى عيادته ثلاثةَ ألوان من الطب لا تكاد تُعرف في غير الهند: الطب الذي درسه ويدرسه الناس في الجامعات، والطب الذي يدعونه الطب العربي القديم أو الطب اليوناني، وله كلّيات ولأدويته معامل أذكر منها معمل همدرد في باكستان (إن لم أكن نسيت الاسم أو حرّفته)،

стр. 2892

والطب الهملوباتي الذي عرفته منه، ولي معه قصة طريفة سيأتي إن شاء الله خبرها في ذكرياتي عند الكلام عن زيارتي للهند. وبعد ياأخي أبا الحسن، لقد امتثلتُ أمرك وكتبت، ولكن هذا الذي كتبته كله لا حاجة إليه ولا محلّ له من الإعراب، فعمَّ أُعرِب وأنت مستغنٍ بمعرفة الناس إياك وبما احتواه كتابك، فاقبل معذرتي، وأسأل الله أن يشدّ من أزرك وأزري وأن يوفقك ويوفقني، وأن ينفع الناس بعلمك وفضلك وجهادك. والسلام عليك ورحمة الله. * * *

стр. 2893

-٢٢٣ - في مطلع العام ١٩٨٧ قعدت أكتب هذه الحلقة من الذكريات وأمامي على الجدار «تقويم أم القرى»، وتحت يدي جرائد قديمة أقلّبها، أشغل عقلي بها لينطلق عقلي الباطن حراً يفكّر كما يريد، يعمل وحده كما يعمل المِحساب (الكمبيوتر) إذا ألقيت إليه بأصول المسائل، يدور حتى يصل إلى جميع فروعها. ووقع نظري على التقويم فإذا العام الغربي الجديد (١٩٨٧) يبدأ اليوم، وإذا أنا أستخرج عدداً قديماً من جريدة «فتى العرب» صادراً سنة ١٩٣٠ (١٣٤٨هـ)، وكنت يومئذ محرّراً فيها، وفي العدد مقالة لي عنوانها «نشيد الوداع» أودّع بها العام الذي مضى وأستقبل العام الذي قدم. إنها مصادفة ما تعمّدتها، ولكني تمسّكت بها لمّا وجدتها. مقالة مرّ عليها الآن تسع وخمسون سنة قمرية، تبدّل فيها أسلوبي كما تبدّلَت الدنيا كلها من حولي، فهل عليّ من حرج إن أنا أعدت نشرها هنا؟ إنها مكتوبة على صورة فقرات مرقَّمة، لست أدري ماذا أردت بترقيمها، ولست أرتضي كل ما جاء فيها، وإن كانت مني لا أستطيع أن أُنكِرها. هل تملك أن تتبرأ من ولدك إن لم

стр. 2894

يعجبك بعض فعاله؟ وها هي ذي لا أبدّل فيها شيئاً (١): ١ - مالت الشمس إلى المغيب، ولم يبقَ منها إلاّ خيوط تنفذ من بين قطع الغمام المتناثر حيال الأفق، تلفظ نفَسَها الأخير كما يلفظ نفَسَه هذا العامُ الراحل. ٢ - دنت قافلة الحياة السائرة في بيداء الزمن من محطّها، فتباطأت في سيرها وقاربت خَطْوَها، فأمسيت أشعر بطول هذه الساعات الباقية في عمر العام، ورحت أرقب عقرب الساعة المائلة أمامي فلا أراه يتحرّك، فضجرت وأحسست كأن هذا الفلك يدور وهو على عاتقي. ٣ - بعد ساعة واحدة يُتِمّ الفلكُ دورةً جديدة من دوراته التي لا تُحصى، فلا يترك بعدها إلاّ أنقاضاً مهدَّمة، وأجساداً محطَّمة، وقلوباً مهشَّمة؛ كأنما هو رحى تطحن الأمم والشعوب. ثم يخرج منها النداء أن: لِدُوا وابنوا وأمّلوا، ولكنْ للموت والخراب واليأس. بعد ساعة واحدة ينقضي هذا العام فتبتلعه هوّة الماضي، ويفتح التاريخ ذراعَيه ليضمّه إلى الأعوام التي مرّت قبله، ويولّفها رزمة واحدة ثم يلقيها في بحر الأبد، ثم تفنى عند جلال الله الباقي. بعد ساعة واحدة يدَع هذا العام مكانه من الوجود للعام الجديد، ثم يذهب فيتبوّأ مكانَه من عالَم العدم. ٤ - بعد ساعة واحدة تُختَم من هذا العام صفحة كُتب أكثر سطورها بدموع المظلومين، لتُفتح صفحة أخرى لا ندري عنها

стр. 2895

شيئاً، ولكنْ فيها سرورٌ وفيها ألمٌ وفيها خيبة أمل وفيها الواقع يضحك أبداً من هذا الإنسان، لأنه يراه هو الظالم ويراه هو المظلوم. وما الإنسان إلاّ عدوّ الإنسان: يكتب القوي سيرة حياته ويملؤها بآيات التبجيل والثناء، ولكن مِدادها دموع الأشقياء ودماء الأبرياء. ويُنشئ القويّ صرحَ مجده ويرفع ذُرى عظمته، ولكن أساسه جماجم المظلومين وعظام الشهداء. ويملأ القوي بالذهب خزائنه، ولكن دراهمها قد جُمعت من أيدي اليتامى وأفواه الفقراء. ٥ - بعد ساعة واحدة تحطّ القافلةُ رحالَها، فنتلفّت إلى الوراء فلا نرى إلاّ ظلاماً يلمع في وسطه نجم من الذكرى نتبيّن فيه العَلَم المربع الألوان (أي علم الدولة العربية التي قامت في دمشق سنة ١٩١٨) وهو يخفق على دمشق، فتخفق قلوبنا لجلال الذكرى ومرارة الفَقْد. فنحوّل أنظارنا إلى الأمام فلا نرى إلاّ الظلام. ولكن ما هذا النور الذي ينبعث من الأرض فيذهب صعداً إلى السماء، فيهدينا الطريق ويُترِع نفوسنا قوة وأملاً؟ لقد علمت: هذا بريق الدماء التي سقينا بها صحراء ميسلون وجنان الغوطة (أعني أيام الثورة). لقد علمت: لا يُزيح ظلمة المستقبل إلاّ هذا النور الأحمر. ٦ - تَزيّن الناس ولبسوا أحسن ثيابهم وراحوا يهنّئ بعضُهم بعضاً. لقد امتلأَت بهم الأسواق والشوارع والبيوت والمجامع، لقد ناءت برسائلهم قُطُر البريد، حتى ما ترى حيثما كنت إلاّ ثغوراً تبسم، وما في القلب سرور، وما تسمع إلاّ مقالة تُقال: كل عام وأنتم بخير. غير أني لا أفقه من هذا كله شيئاً.

стр. 2896

٧ - فيمَ الهناء وعلامَ السرور؟ أيهنّئون بتلك الأرواح التي دفعناها ثمن الحرية، فكان للبائع الثمن والمبيع؟ أم بالنفوس الكبيرة التي أزهقها الأقوياء، أم بالمنازل التي خرّبوا، أم بالدور التي أحرقوا، أم بالحقّ الذي غصبوا، أم بالحرمات التي انتهكوا؟ أم بالأزمة العامة والتجارة الكاسدة، والصناعة العاطلة والزراعة البائرة، والأخلاق الضائعة والرجولة المفقودة، والحدود المستباحة والجهالة المنتشرة؟ أما أن أشدّ البلاء أن لا نشعر بالبلاء، وأكبر المصيبة أن نجهل أنها المصيبة. فما لهؤلاء الناس وماذا اعتراهم؟ أيفرحون بهذا كله؟ إني لا أفقه من هذا كله شيئاً. ٨ - عزفتُ عمّا فيه الناس ورحت إلى شرفتي كئيباً، وكان الظلام قد ملأ الكون كما ملأ نفسي، فغشيني ذهول عميق وانطلق لساني يقول: أيها الراحل المودَّع، لقد كانت لنا آمال صببناها على قدميك يوم خرجنا لاستقبالك، وكنا كلما انقضى من عمرك يوم ولم تتحقق ارتقبنا بها يوماً آخر. هذا أمر لا آخر له، فأخبرنا عن آمالنا: ماذا صنعت بها، أدُستَ عليها وحطمتها وقطعت طريقك على رفاتها؟ * * * إلى آخر ما جاء في المقالة. وأنا إنما أنشرها على أنها صارت تاريخاً، فأسلوبها غير أسلوبي الآن وفيها ما أُنكِره إذا قرأته الآن. أدَع المقالة وأسأل نفسي: هل هذه السنة التي طلعت علينا هي سنتنا؟ أمّا عباداتنا الشهرية فتمشي أوقاتها مع مشي القمر: صيامنا وحجّنا. وأمّا دنيانا وعباداتنا اليومية فمع الشمس، فنحن نصيّف

стр. 2897

ونشتّي مع الشمس، والشهور القمرية تدور مع الأيام فتأتي صيفاً كما تأتي شتاء. على أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. إني لأفكّر الآن وأنا على أبواب الثمانين خارجاً منها لا داخلاً إليها، بعد خمسة عشر يوماً أستكملها، أفكّر في الذي رأيت في هذا العمر، والذي رأيته أكبر من أن يتّسع له فصل في هذه الذكريات. وما هذه الذكريات؟ كان من رفاقنا الأقدمين أخ أُولعَ بالكيمياء، يُنفِق عليها ماله ويضيع فيها جهده، حتى برع فيها وصار من علمائها. كان يقطّر العطر تارة، فإذا دخلتَ معمله شممتَ منه ريّا روض أريج أو جنة فوّاحة الأزهار، وتارة يستخرج مادة تشمّ رائحة الكنيف ولا تشمّها، وتسدّ منخريك ولو اختنقتَ عن أن تدخل الرائحة إليهما، أودعَها قوارير يضع عليها أوراقاً يلصقها بها تبيّن الذي فيها. ثم كبرنا ومرّ دهر وانصرف عن الكيمياء حتى ما يفكّر فيها. وزرته يوماً فسألته أن يُريني معمله، فقال: وماذا تريد منه؟ إنك لن تستطيع دخوله. فأصررت فأخذني إليه، فإذا العنكبوت قد عشّش على بابه والغبار قد تراكم فوق رفوفه، ونظرت إلى تلك القوارير فإذا هي فارغة كلها قد طار ما كان فيها. فجعلت أقرأ اسم العطر: عطر الورد أو الزنبق أو الفلّ أو الياسمين، وما ثَمّ عطر ولا شيء يشبه العطر. وأقرأ أسماء حامض الكبريت وما لست أدري ما هو، وما بقي منه شيء. أمّا القوارير التي لم يلصق بها اسمُ ما فيها فلم يعُد يعرف أحدٌ ما كانت تحتوي. هذا مثالي حين أكتب ذكرياتي، ذهبَت المسرّات والآلام

стр. 2898

وما بقي إلاّ صورة لها فارغة منها. فما فائدة كتابة الذكريات؟ لقد كنا نعيش في وادٍ جميل فيه نبعٌ صافٍ بارد، وفيه أرض خصبة تُنبِت من كل الثمرات، وعندنا قطيع من الغنم نأكل من لحمه ونلبس من صوفه، يحبسنا الجَبَلان عن الناس فلا ندري بهم ولا يدرون بنا ولا نحتاج منهم إلى أحد. فجاء يوماً زلزالٌ أزاح جانباً من الجبل، فانكشفنا للناس فدخلوا علينا. وكان هذا الزلزال هو الحرب الأولى، حرب ١٩١٤، وقد أدركت قيامها. أخرجَتنا الحرب من عزلتنا وأدخلَت الغرباء علينا، فجاؤوا ومعهم ما لا عهد لنا به من أساليب الرفاهية وثمرات الحضارة، ومعهم أيضاً أوضارها وأمراضها، فعرفنا ما لم نكن نعرف فاتسعت عقولنا، ولكنا رأينا من الفساد ما لم نكن نألف ففسدت أخلاقنا ورقّ ديننا. كانت حياتنا كالبحيرة الساكنة، إن ألقيتَ فيها حصاة تنداح فيها الدوائر كما قال ابن الرومي. فإذا بصخرة ضخمة تُرمى فيها، فتقلب عاليها سافلها وتعكّر ماءها وتطمّ حدودها. لا أستطيع أن أحصر ما صنعَت بنا هذه الحرب. إنها بدّلت حياتنا تبديلاً لا يدركه إلاّ النفر القليل من الشيوخ الذين رأوا مثل ما رأينا، الذين عاشوا قبل قيام الحرب الأولى. لقد شهدت حربين عالميتين، رأيت قيامهما وقعودهما واشتعالهما وخمودهما، عشت دهراً وما في بلاد العرب ولا في أرض الإسلام بقعة لا يرفرف عليها علَم أجنبي (حاشا جزيرة العرب التي عصمها الله من أن تدقّ ثراها نعالُ جيوش أجنبية أو

стр. 2899

تخفق فوقها أعلامها). كان ذلك لمّا تركنا أسباب عزّتنا وقطعنا الحبل الذي يربطنا بربنا، وابتعدنا عن ديننا فأبعد الله النصر والعزّ عنا. رأيت عهداً كانت فيه بريطانيا العظمى –مثلاً- تحكم خُمس العالَم، لا تغيب عن أملاكها الشمس لأنها إن غابت عن قُطر طلعت في قُطر آخر، فعشت حتى رأيتها قد صارت من الدول الصغار، فقدت ما كانت تظنّه من البلاد باقياً لها، ضاعت الهند منها وكندا وأستراليا، فما بقي لإنكلترا إلاّ لندن وقسيمة من الأرض حولها، حتى هذه قد أخذَتها يوماً من أهلها غدراً ومكراً، كان أهل البلاد في خصام فاستنجد أحد المتخاصمين بقبيلتين جرمانيتين هما الأنكل والسكسون، فدخلوا فأنجدوه ثم قعدوا، فقال لهم: شكراً، في أمان الله. قالوا: بل نحن باقون، هذه بلادنا! وكما أخذت هذه البلاد من أهلها أعطت بلاداً أخرى لمن ليس له حقّ فيها ولا يربطه بها نسب ولا يجمعه سبب؛ أعطت أشرف بلد بعد الحرمين لأخسّ أمّة بعد الأبالسة، أعطت اليهود فلسطين. لقد كان انهيار بريطانيا العظمى الذي شهدتُه في حياتي كما شهده لداتي أكبرَ من انهيار روما القديمة التي كان سقوطها نهاية القرون الأولى. كما شهدتُ تفكُّك صرح الدولة العثمانية التي قامت على الإسلام فحكمها من لا يدين حقاً بالإسلام، بل يتظاهر به تظاهراً وهو له عدوّ، لمّا حكمها الاتحاديون فأضاعوها بسوء سياستهم وضعف عقيدتهم.

стр. 2900

لقد عشت بحساب التقويم ثمانين سنة قمرية بقي عليّ حتى أستكملها خمسة عشر يوماً فقط، ولكني عشت بحساب الحقيقة والواقع ثلاثمئة سنة! لقد شهدت من تحوّل الأحوال وتبدّل الأوضاع وتغيّر الأفكار ما لا يتمّ مثله إلاّ في ثلاثة قرون. كنت مرة في زيارة لجامعة الرياض (التي دُعيَت جامعة الملك سعود) بتكليف من معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، فدرت على كلّياتها السبع وحاضرت فيها، وأجبت عن أسئلة طلاّبها واستفدت من أساتذتها، فكان مما سألوني عنه: العقيدة والأخلاق في المجتمع الآن والمجتمع الذي كان ونحن صغار؟ فضربت لهم مثلاً بِركةً واسعة كانت مغبرّة الماء ولكن ماءها لا يزال طاهراً، فأقاموا في ناحية منها مصفاة حفروا لها بركة صغيرة، فامتلأت هذه البركة بماء نقي صافٍ ليس فيه شيء من اغبرار ماء البركة، وما خرج من المصفاة من أقذار وأوساخ ألقوه في بركة أخرى صغيرة فصار ماؤها نجساً أو قريباً من النجس، وبقي جلّ ماء البركة على حاله. قلت لهم: هذا مثال المجتمع أمس واليوم؛ كنا متمسكين بالإسلام ولكنه إسلام العوام، ففي العقيدة شيء دخل عليها ليس منها، وفي العبادات بدع ابتُدعت فيها، وفي المجتمع مخالفات للإسلام لم تكن على عهد الصحابة ولا التابعين، فصار عندنا الآن طبقة قليلة من الناس (أكثرهم من الشباب) قد صفَت عقيدتهم وخلَت من البدع عباداتهم واستقام في الحياة سلوكهم وعادوا إلى

стр. 2901

الإسلام، حتى إن من هؤلاء الشباب ومن الشابات الذين رأيتهم في النوادي التي حاضرت فيها في المملكة على اختلاف مدنها وفي سوريا وفي لبنان من قبلُ وفي مصر وفي العراق (وسطه وشماليه وجنوبيه) وفي كثير من مدن أوربا الغربية وفي باكستان والهند وأند ونيسيا ... رأ يت في أولئك الشباب مَن لو قلت إنه مثل شباب الصحابة لَما كنت مبالغاً ولا كنت مجانباً طريق الحقّ. كان عندنا في الشام ونحن صغار مدرّسون من فلسطين ومن تونس ومن المغرب ومدرّسون من الترك ومن الأكراد، سردت أسماء بعضهم فيما مضى من هذه الذكريات، فما كنا نسأل ولا نفكّر أن نسأل عن أجناسهم ولا عن أقوامهم ولا عن مواطنهم. كانوا مسلمين ويكفينا أنهم كانوا مسلمين. فنشأَت ونحن صغار فتنة القوميات، فقال الترك ترك وقال العرب عرب وقال الأكراد أكراد، فتفرّق الشمل الجميع (١)، وتعدّدَت الأمة الواحدة فصارت أمماً. كانت فتنة القومية. وتعبنا في جدال هؤلاء القوميين، نتبع في ذلك الأمير شكيباً وإخوانه (شكيب أرسلان) ويتبعنا من جاء بعدنا؛ كتبت في ذلك عشرات من الصفحات وألقيت في ذلك عشرات، عشرات حقاً، من الخطب والمحاضرات، لنبيّن للناس أننا لا نعادي العربية وإنما ندافع عن الإسلام، وأننا نعرف للعروبة قدرها ولكن تحت راية الإسلام. ثم كانت فتنة الاشتراكية، وخُدع ناس من أفاضلنا فقالوا:

стр. 2902

«اشتراكية الإسلام»، ألّف في ذلك صديقنا الداعية إلى الله الرجل الصالح الشيخ مصطفى السباعي ﵀. ولقد حضرتُ محاضرته في الجامعة السورية عن هذه الاشتراكية التي سمّاها إسلامية (على ندرة ما أحضر من المحاضرات)، وكان إلى جنبي في الصف الأول أخي ورفيقي في كلية الحقوق وأحد أصدقاء عمري الشيخ مصطفى الزرقا، فكنت أعترض أخانا الشيخ السباعي كلما اختار حكماً فقهياً ضعيفاً يراه أقرب إلى الاشتراكية وأقاطعه وأنا في مكاني. وكان بيني وبينه مناقشة بعد ذلك في الصحف قلت له فيها وقال لي. وأنا أشهد له (وقد مضى إلى لقاء ربّه) أنه ما أراد بما كتب إلاّ الخير وأن يقرّب الاشتراكيين إلى الإسلام. والشيخ السباعي أمتن ديناً وأكثر علماً من أن يكتب أو يقول ما يخالف الإسلام، ولكن الاشتراكيين كانوا أوسع حيلة وأقوى أداة وأكثر وسائل، فاتخذوا كتابه ذريعة لتقريب المسلمين من الاشتراكية، وما أراد إلاّ أن يقرّب الاشتراكيين إلى الإسلام. ونفخ عبد الناصر في بوقها، وجاء برجل طويل اللسان غير نظيف الجَنان، ثقيل الدم سقيم الفهم، ينعب من صوت العرب، يقول ما يستخفّ الحليم الوقور من العدوان على الحقّ بالسفاهة والمراء والباطل. ثم قام عبد الناصر يدعو إلى ما سمّاه «التحويل الاشتراكي»، فكتبتُ أردّ عليه في أحاديث ما علم أحدٌ قبل أن أكتب هذه السطور أني كاتبها، وأعطيتها واحداً من إخواننا الإذاعيين المعروفين هنا (وهو يتولى الآن منصباً إعلامياً كبيراً) فأذاعها من إذاعة المملكة، كان مما قلت فيها: إن مصر قبل الإسلام كانت تمشي في طريقٍ جاء عمرو بن العاص ليحوّلها عنه

стр. 2903

إلى طريق الإسلام، حتى صارت قلعة من أمنع قلاعه ومصباحاً من أضوأ مصابيحه، وصارت منار العلوم الإسلامية وعلماؤها أساتذة البلاد الإسلامية. فما الذي يُراد بالتحويل الاشتراكي إن لم يكن ردّهاً عن طريق الإسلام الذي جاء به عمرو بن العاص إلى طريق الماركسية التي جاء بها الدجال اليهودي كارل ماركس؟ ولمّا شهدتُ الجلسة التي وُلدَت فيها رابطة العالَم الإسلامي في موسم حج سنة ١٣٨١هـ، وقد مرّ حديثها، جرى ذِكر الاشتراكية. وانبرى المحاضرون يبرّئون منها الإسلام، فقلت: كيف وقد وردَت في القرآن؟ فعجبوا مني، فقلت: على رسلكم. ألم يقُل الله لمَن كان أستاذ ماركس (وهو إبليس): «وشاركهم في الأموال والأولاد»؟ فتلك هي الاشتراكية. فضحكوا. * * * لقد أمضيت حقبة من عمري في حلبة النضال أقاتل وحدي، على ضعف يدي وقلّة عزمي. حاربت على جبهتين. جبهة الجَهَلة الجامدين الذين يحرّفون الدين ويغشّون المسلمين، وجبهة الفاسدين المفسدين. وما حِدت بحمد الله عن هذا الطريق وما كتبت بقلمي متعمداً ما لا يُرضي ربي، وإن كنت لا أبرّئ نفسي من الخطأ. وأنا أكتب من ستين سنة كاملة، وآخذ على ما أكتبه أجراً لأنني كاتب محترف. كتبت آلافاً وآلافاً من المقالات. وأنا أحاسب نفسي الآن، وطالما حاسبتها قبل الآن، فأتساءل: هل أخْذ الأجرة من الناس يُذهِب ما آمُل من الثواب عند الله؟ وأخشى أن أكون

стр. 2904

قد قضيت لنفسي، وأنا أعرض قضائي على القراء لأسمع ما لهم فيه من آراء. أنا أولاً أسأل نفسي فأقول: يانفس هل كنت تكتبين مايخالف الدين ولو أُعطيتِ على كتابته الملايين؟ فأجد الجواب اليقيني الصادق أن: لا. وأسألها: إن لم يكن في الساحة من يُنكِر المنكَر غيرك يانفس، وكان الإنكار واجباً شرعاً، هل كنت تمتنعين عن إنكاره لأنك لم تُعطَي أجرة الكتابة؟ فأجد الجواب اليقيني الصادق أن: لا. وأنا أقول الآن ما كنت أقوله من قبل، هو أني ما بدّلت بحمد الله ولا غيّرت وما قلت يوماً كلمة الباطل وأنا أعرف بطلانه، وإن صرت أعجز أحياناً عن أن أعلن كلمة الحقّ. إن أول كتاب صغير نُشر لي سنة ١٣٤٨هـ، ما قلته فيه هو الذي قلته في آخر كتاب أُعيدَ طبعه لي سنة ١٤٠٦هـ، وإن تبدّل مني شيء فهو الأسلوب؛ كنت فتى فيه شدّة وفيه حدّة، فألانتني الأيام قليلاً وهدّأَت من حدّتي، وإن كانت لم تستطع أن تمحوها من نفسي: والشيخُ لا يَترُكُ أخلاقَهُ ... حتى يُوارى في ثرى رَمْسِهِ * * * وذو الشّوقِ القديمِ وإنْ تَعزّى ... مَشوقٌ حينَ يلقى العاشقينا تبدّل عليّ في هذا العمر الطويل كل شيء: العادات والأزياء وحجاب النساء وأدب الأدباء وشعر الشعراء؛ بدأَت في أيامنا فتنة

стр. 2905

الشعر المنثور، الذي سُئل عنه الأستاذ المازني يوماً فقال (على عادته في السخرية والتهكم): هو نثر مشعور. وأنتم تعرفون أن الزجاج إذا انشعر انكسر. أما هذا الكلام المصفوف صفاً الذي يُنشَر اليوم في الجرائد على أنه شعر وعلى أن أصحابه شعراء، فما فيه من الشعر إلاّ أنه طُبع على هيئة أبيات القصيدة، فهو شعر المسطرة! أمّا موسيقى الشعر وطرب الشعر وسموّ الشعر، فما فيه منه شيء. وهؤلاء أدباء على طريقة خادم موليير في قصته المعروفة حين علم أن كل ما ليس بشعر يكون نثراً، فجعل يرقص من الفرح لأنه يتكلم بالنثر ولا يدري. أنا أعرض الآن في خيالي شريط حياتي (وقد مُحي كثير من صوره، وإن بقي فيه كثير) فأرى عالَمنا الذي فُتحت عليه عيوننا ونحن صغار يختلف عن عالَم الناس الآن، بينهما هوّة أوسع من أن يقفز عليها الأديب بمقالة أو مقالات: دنيا ذهبَت وجاءت دنيا أخرى، عالَم بُدّل غيرَ العالَم. على أننا لا نستطيع أن نقول إن كل ما مضى كان خيراً ولا إن ما جاء شرّ كله (كما يقول لِداتي من الشيوخ في أحاديث الذكريات). وكيف ونحن الآن أعلم بحقائق الكون، وأوسع إدراكاً لمظاهر الحياة، وفقهاؤنا اليوم وإن كانوا أقلّ حفظاً للنصوص فهم أكثر فقهاً لها وإدراكاً لمقاصدها؟ * * *

стр. 2906

-٢٢٤ - مؤتمر القمة الإسلامي كان أقصى عمل العالِم أن يعمد إلى كتاب من الكتب فيجمع عليه تلاميذه، يشرح لهم عبارته ويوضح مقاصده، يفلّي العبارة ويقلبها ويحلّلها تحليلاً، يقف عند كل كلمة: لماذا قالها المصنّف ولم يقُل ما يرادفها ويؤدّي معناها؟ وعند كل ظرف وعند كل حرف عطف. وكانت هذه هي الطريقة الأزهرية لمّا أضاع علماء الأزهر ملكة الإبداع واقتصروا على الاتباع. وقد بدأت هذه المرحلة من القرن التاسع الهجري أو قبله بقليل، ولو رسمنا للعلوم خطاً بيانياً لوجدناه يبدأ دقيقاً مائلاً إلى الصعود، ثم يصير عريضاً، ثم يبلغ مداه فيستمرّ مستقيماً لا يعلو ولا ينزل، ثم يبدأ النزول. مثله مثل بضاعة جديدة حملها إلى البلد تاجر فأقبل الناس عليها، ثم تتابع ورودها، ثم كثرَت عند البائعين فجمعوها في مستودعات ضخمة ومخازن كبيرة. ثم انقطع الاستيراد واكتفى الناس بما في المخازن والمستودعات، يتوزعها الباعة يفتنّون في عرضها في الأسواق. وكان عصر الجمع أو عصر الموسوعات، وهو القرن التاسع الهجري، جُمعت فيه أصول العلوم في كتب

стр. 2907

واسعة، ككتاب «الإتقان» في علوم القرآن و «المزهر» في علوم اللغة و «نهاية الأرَب» و «صبح الأعشى». كل العلوم مرّ بهذه المراحل. آخذ واحداً منها أمثّل به عليها، هو علم (أو علوم) البلاغة؛ كان الأدباء والشعراء يخترعون المعاني الجديدة والأساليب الطريفة، فكان النقّاد كلما وجدوا شيئاً جديداً وضعوا له عنواناً وضمّوه إلى أمثاله، فكانت «البلاغة»، وهي النقد منظَّماً. ثم استمرّ الشعراء والأدباء يجدّدون، ووقف النقّاد (أي علماء البلاغة) عند كتابَي عبد القاهر الجرجاني وتلميذه السكّاكي، ثم جاء القَزويني فلخّص ما في كتاب السكاكي. ثم صارت «البلاغة» كلها تدور حول «التلخيص»، فمِن شارحٍ له ومن معلّق عليه، ومن مختصر للشرح ومن شارح للمختصر، ولم نعُد نجد عندهم جديداً. لذلك قُلت إن عمل العلماء اقتصر على العكوف على تراث الأوّلين، لا يخرجون عليه ولا يجاوزون حدوده. حتى إن شيخ مشايخنا في الشام الشيخ عبد المحسن الأسطواني الذي سبقَت الكتابة عنه في هذه الذكريات، وكان من تلاميذ جدّنا الشيخ محمد الذي قدم الشام من طنطا، كان يحدّثنا عنه يعدّد مزاياه، فذكر مزيّة أكبرها ورأيناها أمراً عادياً، هي أنهم كانوا يقرؤون على شيخ من مشايخ دمشق (سمّاه لنا ونسيت اسمه) فمرّت في الكتاب عبارة لم يدركوا غرض المصنّف ﵀ منها، فقلبوها على وجوهها وأخذوها من جميع أطرافها، فلم يَضِح لهم المقصود بها، فقال لهم شيخهم: اعرضوها على الشيخ محمد الطنطاوي. فلما جاؤوه بها ضحك وقال: دي غلطة من الناسخ. وأخذ القلم فصحّحها.

стр. 2908

وكان هذا هو الذي تعجّبوا منه: كيف يُقدِم على نسخة لمؤلّف قديم فيصحّحها من عند نفسه؟ ثم وجدوا نسخة أخرى من الكتاب فإذا الكلمة كما صحّحها. كان العلم كله رواية لا دراية وكان حفظاً لا دراسة، كالذي ينقل أمواله من مصرف إلى مصرف أو يُبدِلها من عملة إلى عملة، ولكن لا يزيدها ولا يضيف شيئاً إليها. لم يشذّ عن هذه الصفة من كل من عرفت من علماء بلدي (وأنا أكاد أعرفهم جميعاً) إلاّ الشيخ سعيد الباني من دمشق والشيخ بدر الدين النَّعْساني من حلب. حتى الشيخ جمال الدين القاسمي كانت كتبه كلها وكان تفسيره المشهور جمعاً لأقوال العلماء، ما حقّق -فيما أعلم- مسألة فجاء فيها بشيء جديد. وبقيَت هذه الخلّة عند المشايخ في دروس الدين إلى الآن، حتى في الجامعات. هل سمعتم أن طلاب الجامعة يُقرَّر عليهم في المادة كتاب واحد، يشرحه المدرس ويحفظه الطلاب ويُسألون منه يوم الامتحان؟ حتى في العلم الجديد الذي سمّوه الثقافة الإسلامية (وكان أول من درّسه نحو سنة ١٩٤٠ هو الشيخ راغب الطبّاخ في حلب وأنا في دمشق)، حتى هذا العلم الجديد صار له كتاب. ولا تزال تَرِدُ على برنامجي في الرائي (التلفزيون) شكاوى الطلاب من هذا الكتاب، وقد أرسل إليّ أحدهم نسخة منه أشار إلى أبواب فيه مقرَّرة عليهم. فلا يغضب مني مؤلّفوه، وهم من أصدقائي، إذا خبّرتهم صادقاً أنني أحسست لمّا قرأته كأني أريد

стр. 2909

أن أمزّق صفحاته أو أن تتمزق أعصابي، وكأنه لا يشفي نفسي إلاّ أن أضرب به أو برأسي الجدار! ووجدته أقوى الوسائل لتنفير الطلاّب من الثقافة الإسلامية وتسويدها في عيونهم. وأنا أذكر أول درس حضرته في كلية الحقوق في دمشق سنة ١٣٤٨هـ، من نحو ستين سنة، وقد دخل علينا الأستاذ فكان مما قال لنا: لقد انتقلتم اليوم من مرحلة التلقّي والحفظ إلى مرحلة الاعتماد على النفس والمشاركة في البحث، فأنا أُلقي عليكم المحاضرة وأدلّكم على المراجع، ولكني لا أُلزِمكم كتاباً تقرؤونه ولا أقبله منكم لو اقتصرتم عليه. أنا أريد أن أربّي العقل لا أن أقوّي الذاكرة، ففكّروا برؤوسكم لا برأسي أنا، وإذا انتهيتم إلى رأي يخالف رأيي وكان لكم عليه دليل قبلته منكم وأعطيتكم عليه الدرجة العالية في الامتحان. وكان هذا الأستاذ هو المسيو ستيف، المستشار التشريعي يومئذ للحكومة السورية. ولا يمنعني أنه فرنسي من أن اشهد له بالحقّ أنه عالِم. والنجّار وأرباب المهن يعلّمون الأجير أولاً بألسنتهم، ثم يُشهِدونه عملَهم، ثم يكلّفونه أن يباشره بيده فيقومون عليه يصحّحون له خطأه، ثم يدَعونه يستقلّ بنفسه. فهل يكون النجارون والحدادون وأصحاب المهن والصناعات أعرفَ بوجه الصواب من أهل الجامعات؟ وإذا قرّرنا كتاباً واحداً لطلاب الجامعة، يُلقي المدرّس عليهم ما فيه ويحفظون هم ما يُلقيه ثم يضعونه في ورقة الامتحان، لم يبقَ من فارق بين المدرسة المتوسطة والثانوية وبين

стр. 2910

الجامعة، وكان من نتيجة ذلك أن نركّب في هذه الكرات التي أقامها الله بين أكتافنا شريط تسجيل لا دماغاً حياً! لمّا كنت شاباً تُرجم إلى العربية كتاب أظنّ أن اسمه «التربية الحديثة» لأدمون دومولان، وقد نسيت اسم مترجمه، وهو باقٍ في مكتبتي في الشام التي لا أعلم هل يُكتب لي أن أعود فأراها أم أموت بعيداً عنها. كان لهذا الكتاب أثر بالغ في نفسي وفي نفوس الذين قرؤوه، لأنه جاء بشيء جديد (أو بشيء كان في تلك الأيام يُعَدّ جديداً). قرأته مرات وبقي في ذهني كثير مما فيه؛ من ذلك أن المؤلّف ذهب إلى إنكلترا ليدرّس في إحدى مدارسها، فقابل مديرها وأخرج له شهاداته، فنحّاها المدير مبتسماً وقال له: أنا لا أريد أوراقاً بل مدرّساً، وهؤلاء هم طلاّبك، فتفضل فألقِ الدرس عليهم. فكان مما تعلمته منه أن كفاية المرء لا تُقاس بشهاداته بل بعلمه وعمله. ولمّا أُسّس أول قسم للدراسات العليا في المملكة في مكة المكرمة كانت اللجنة التي وضعت نظام هذا القسم مؤلَّفة من عميد كلية التربية في تلك الأيام الأستاذ البغدادي، وأخي الدكتور أمين المصري رحمة الله عليه، وهو الذي سعى في إنشاء هذا القسم وألحّ في هذا السعي وصبر فيه على المتاعب، والدكتور إسحاق الفرحان الذي صار وزير المعارف ووزير الأوقاف في الأردن، فلم تغيّره الوزارة كما غيّرَت من الناس غيرَه وبقي يعيش فيها كما كان يعيش قبلها ويعمل للإسلام كما كان يعمل، وأنا.
следующие страницы →