← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

-٣٢ - ظهور الدّعوة الإسلامية في مصر لا أزال في الكلام عن سفرتي الأولى إلى مصر سنة ١٩٢٨. وقد تعجبون إذ أؤرّخ تارة بالتاريخ الميلادي وتارة بالهجري؛ إني أكتب التاريخ كما هو عالق بذاكرتي. وكان خيراً لنا جميعاً وأولى بنا أن نقتصر على التاريخ الهجري، وإن احتجنا إلى توضيحٍ وضَعنا الميلادي بين قوسين. شهدت في تلك السفرة بداية الدعوة الإسلامية «المنظَّمة». لا أقول إنها لم تكُن دعوة قبلها أو لم يكُن دعاة، فكل من عرفت من مشايخي وكثير من أساتذتي كان من أكبر ما يهتمّون به ويُقبِلون عليه دلالة الناس على الله وإرشادهم إلى طريق رضاه، كانت الغاية واحدة ولكن تعدّدَت الطرق إليها بتعدّد اجتهاد أصحابها، وما انقطعت الدعوة أبداً، ولكنا كنا في «عصر انتقال» كالذي مر به المسلمون في صدر الدولة العباسية ومرّ به الرومان لمّا اختلطوا باليونان، ولقد كانت هذه الظاهرة (١) موضوع أول محاضرة ألقيتها سنة ١٣٤٥هـ وأنا يومئذٍ طالب، ولا تزال «الظاهرة» موجودة،

стр. 317

لذلك أعود إلى الكلام فيها كلما عادت دواعي الحديث عنها. وضربت في تلك المحاضرة مثلاً لها لا أزال أعود إليه لأني لم أجد إلى الآن مثلاً أصدق منه: بردى حين يلتقي بنبع الفيجة فيمشيان معاً نحو مئة متر لا يختلطان، تملأ كأسك من بردى من اليمين ماءً نظيفاً لكن فيه شيئاً من العكر، وتملؤها من الشمال من الفيجة ماءً عذباً زلالاً ليس في الدنيا أعذب منه ولا أصفى ولا أبرد (١). ثم يمتزجان فيكون منهما نهر جديد ليس في صفاء الفيجة ولا في اغبرار بردى. هذا مثال الأمم في مراحل الانتقال؛ حين تلتقي حضارتان ويمتزج شعبان، أو تجتمع عقليتان وثقافتان. وكل شعب من الشعوب العربية جاز هذه المرحلة، بعضهم خلص منها أو نأى عنها، وبعضهم لا يزال فيها. كان في مصر مثلاً (أيام سفري إليها) مشايخ وأفندية، أزهر وجامعة، محاكم شرعية ومحاكم مدنية ... يختلفان في الزيّ وفي التفكير وفي تقويم (لا تقييم) (٢) الحياة، يمشيان كالخطّين المتوازيَين يتجاوران ولا يتلاقيان، يتكلمان بلسانَين ويفكّران بعقلين، فلا يكاد الشاب يفهم ما يقول الشيخ ولا يرتضي تفكيره، ولا كان الشيخ يعرف الطريق إلى إفهام الشاب وإثارة اهتمامه بما يفكر هو فيه.

стр. 318

وكانت هذه هي العلة الكبرى. ولقد ظهر أفراد جمعوا طرفَي الخيط ولكنهم كانوا قلائل، حاولوا أن يقرّبوا العلوم الجديدة (أو الفكر المعاصر) من الإسلام، منهم من صنع ذلك باعتدال كالشيخ محمد عبده في مصر وصاحبه السيد رشيد رضا، ومنهم من أوغل فيه حتى جانَب الحقّ وخالف (أو كاد يخالف) الإسلام كالسيد أحمد خان في الهند، وأفراد بلغوا الغاية في تحصيل العلوم «الجديدة» والأستاذية فيها وكانوا على إلمام تامّ أو اطّلاع كافٍ على العلوم الإسلامية، من أظهرهم محمد أحمد الغمراوي في مصر وأحمد حمدي الخياط في دمشق، وكلاهما كان من أساتذة الجامعة. * * * لذلك كانت الحاجة إلى أسلوب جديد في الدعوة غير أسلوب الكثير من المشايخ، على ما كان لهم من علم وفضل وتقوى. ونبّه الناسَ إلى هذه الحاجة «الفتنةُ الكمالية» في تركيا وبروز جماعة كأنهم تأثروا بها وأرادوا (ولو لم يشعروا) التمهيد لمثلها، وظهر ذلك في كتب شبلي شميل وسلامة موسى، وفي كتاب «في الشعر الجاهلي» وكتاب «الإسلام وأصول الحكم» (١). وكانت الصرخة قوية حتى سمعها الذين كانوا مستغرقين في النوم، فهبّ ناس منهم وأدركوا الخطر. فكُتِبَت الردود: أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين ألف «نقض كتاب الشعر الجاهلي»،

стр. 319

ولطفي جمعة وآخرون لا أذكرهم الآن بأسمائهم ولكن الله يذكرهم ويشكر لهم ويجزل ثوابهم، والدكتور الغمراوي بكتابه «النقد التحليلي» الذي خاطب فيه طه حسين بلسانه ونقض عليه بنيانه بمِعْوَله، ورجع بالحقّ إلى الينابيع التي استقى منها بالباطل، وقدّم للكتاب أميرُ البيان الذي كان سفيراً دائماً في أوربا، سفيراً للعرب وللمسلمين ينبّههم ويدافع عنهم، ينفق من جيبه لا من خزانة دولة ولا من صندوق جمعية، يعيش عيش الكفاف يقرأ ويكتب، والذي كتبه الأمير شكيب أرسلان بقلمه وبخطه يعدل ما كتبه عشرة من أكبر كتّاب العصر، وله فوق ذلك شعر جيد. والذي جمع هذه الأقلام وكان لها بمثابة مركز القيادة أو مكان الأركان (أركان الحرب) مجلة «الفتح». مجلة «الفتح» كان لها عمل عظيم عظيم في تنبيه المسلمين وإيقاظهم وإرشادهم، والتمهيد لهذه الصحوة الإسلامية التي نراها ونحمد الله عليها اليوم، والتي نسأله دوامها وتصحيح مسارها ودرء الأذى عنها. ولعل الله يُلهِم واحداً من طلاب الدراسات الإسلامية في جامعاتنا إعداد رسالة أو أطروحة عنها. ولقد كانت قبلها «المنار»، وللمنار أثر لا ينكر في العقيدة وفي العلم وفي (توعية) المسلمين، وفي مجموعتها -لمن استطاع الحصول عليها- كنز تُستخرَج منه عشرات من الكتب، كما فعل الصديق العامل الدائب على التأليف الدكتور صلاح الدين المنجّد حين استخرج فتاوى السيد رشيد رضا وأفردها بالطبع. أنشأ محب الدين «الفتح» في آخر سنة ١٣٤٤ (١٩٢٦)،

стр. 320

وكان من أثر الازدواجية بين المشايخ والأفندية أنه جاء بشيخ أزهري هو الشيخ عبد الباقي سرور نعيم (كما أذكر) فجعله رئيس تحريرها! كانت «الفتح» أوعى مجلة إسلامية، توجّه حتى في عناوين الأخبار العامّة التي تنقلها عن وكالات الأخبار فتحوّل بالعنوان مغزى الخبر عمّا تريده الوكالة إلى ما يوافق خطة «الفتح» ويريده الإسلام. ومن المجلات الواعية التي عرفتها، أقول منها ولا أسمّيها كلها، «البصائر» مجلة جمعية علماء الجزائر التي كان يشرف عليها ويكتب بقلمه البليغ افتتاحياتها الصديق الشيخ البشير الإبراهيمي، و «الضياء» للأستاذ مسعود الندوي في الهند، و «المجتمع» التي تصدر اليوم في الكويت، و «الرائد» التي تصدر في الهند فيما تُصدر المؤسسة الإسلامية الجليلة «ندوة العلماء». لمّا وصلت مصر كان قد مر على ظهور «الفتح» سنتان، ولكنها استطاعت أن تكون بتوفيق الله مجلة العالَم الإسلامي. وكان لها مواقف مشهودة في الرد على «الشعر الجاهلي»، الكتاب الذي جاء بالكفر الصريح والذي شغل مصر عن قضيتها الكبرى (ولعل هذا من جملة مقاصد مَن كتبه ومَن سرقه كاتبُه منه وهو مارجليوث، ومَن دفع إليه أولاً ودافع عنه ثانياً)، وكتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وهو كتاب أسوأ من الأول لأن الأول فيه الكفر الصريح يراه المسلم فيعرفه، وهذا فيه الكفر المغطّى لا ينتبه إليه إلاّ النبيه، فينال منه وهو لا يشعر. وقد ثبت أن هذا أيضاً مسروق.

стр. 321

وكان للفتح موقف عظيم في التنبيه إلى خطر «الظهير البربري». والظهير باصطلاح المغاربة كالمرسوم الملكي عندنا، أصدره الفرنسيون يريدون به إماتة أحكام الإسلام وإحياء أعراف البربر الذين أرادوا فصلهم عن المسلمين، كما أُريد ذلك في الجزائر من ثلاث سنين، فأبى الله ذلك والمسلمون، لأن البربر من يوم أن شرّفهم الله (كما شرّفنا) بالإسلام صاروا هم أهله وهم حُماته، لا فرق بين عربي وبربري، بل لا فرق بين عربي وعجمي ولا بين أبيض وأسود، هذا هو حكم الإسلام. * * * كانت بداية الدعوة «المنظمة» بإنشاء جمعية الشبان المسلمين. وكان الذي فكّر بإنشائها صاحب «الفتح» محب الدين الخطيب، وقد سمعت ذلك منه، وخلاصته أنه في سنة ١٣٤٦ (١٩٢٧)، قبل وصولي إلى مصر بسنة أو نحوها، كان أصحاب دور النشر، ومنهم صاحب المطبعة السلفية وهو محب الدين، يجتمعون لتكوين رابطة بينهم أو نقابة لهم في دار الشبان المسيحية، وهي إحدى المؤسسات التبشيرية (أي التنصيرية التكفيرية). فلما رآها فكّر أن يكون للشبان المسلمين جمعية مثلها، فعرض الفكرة على صديقَيه الأستاذين الجليلَين: السيد محمد الخضر حسين والوجيه العالِم أحمد تيمور باشا، وعلى مجموعة من الشبان (الشبان يومئذٍ وهم جميعاً في مثل سني)، منهم الأساتذة عبد السلام هارون وعبد المنعم خلاّف ومحمود شاكر، وكل هؤلاء من أصدقائي. ولئلا يتنبه إليها أعداء الإسلام (وما كان أكثرَهم يومئذٍ وأكثرَهم في هذه الأيام!) تواصوا أن يكون

стр. 322

نشر الفكرة بحكمة والدعوة إليها بلا إعلان. وكان كل من سَمّيت من الشبان يدعو أصدقاءه فيَقبلون بها ويُقبلون على الانضمام إلى أهلها. وكان اجتماعهم وكان لقاؤهم بالشيوخ الثلاثة، الخضر وتيمور ومحب الدين، في المطبعة السلفية في شارع الاستئناف، وهو شارع صغير يتصل بميدان باب الخلق. حتى إذا قويت الفكرة وانتشرت وكَثُرَ أتباعها ولم يعُد يُخشى عليها عُقد أول اجتماع عامّ لإقرار قانون الجمعية وانتخاب مجلسها الإداري في دار سينما كوزمو، ودفع أجرة الدار شوقي أمير الشعراء من ماله، وأُعلِنَ عن الجمعية وانتُخِب لرياستها عبدالحميد سعيد الذي آتاه الله بسطة في الجسم وسعة من المال ووجاهة في الناس، وكان عضواً دائماً في مجلس النواب، والسيد محبّ الدين الخطيب أميناً عاماً، وأحمد تيمور باشا أميناً للصندوق. واستؤجرت للجمعية دار كبيرة في شارع قصر العيني بجانب مجلس النوّاب، لمّا وصلتُ مصر كانت فيها. ثم أنشأ السيد الخضر الحسين «جمعية الهداية الإسلامية». * * * جمعية الشبان المسلمين لم تكُن تجديداً في فهم الإسلام، ولم يكُن لها عمل جِدّيّ في الدعوة إليه ولا كانت تصحيحاً لمعتقدات العوامّ ولا محاربة لبدع كانوا يتوهمون أنها من الإسلام، وإنما كانت (وأنا هنا لبيان الحق لا للمجاملات) كانت تنظيماً ظاهرياً فقط. ولعلّ اشتغال أعضائها بالرياضة وإقامة الحفلات لها أكثر من اشتغالهم بالعلم والدعوة. وجمعية الهداية

стр. 323

كانت تنظيماً ظاهرياً لعمل المشايخ في الدعوة إلى الله، تلقى فيها محاضرات لا تكاد تحس أن فيها جديداً. أمّا الدعوة «المنظّمة» الحقيقية فقد بدأت على يد شابّ اسمه حسن البنا. كان ممّن يتردد على خالي محب الدين في المطبعة السلفية، عرفته من يومئذٍ هادئ الطبع رضيّ الخلق، صادق الإيمان طلق اللسان، آتاه الله قدرة عجيبة على الإقناع، وطاقة نادرة على توضيح الغامضات وحلّ المعقّدات والتوفيق بين المختلفين. لم يكُن ثرثاراً بل كان يحسن الإصغاء كما يحسن الكلام، وضع الله له المحبة في قلوب الناس (١)، تخرّج في دار العلوم في السنة التي دخلت فيها الدار (٢)، لم ألقَه فيها إنما لقيت سيد قطب وكنت معه في فصل واحد على ما أذكر، وكلاهما أسنّ منّي بثلاث سنوات. وأنا على طريقتي التي لزمتها عمري كله؛ لم أدخل يوماً حزباً ولم أنتسب إلى جماعة، ولا ربطت فكري بفكر غيري إلاّ أن يكون الله ألزمني باتباع رأيه وإطاعة أمره، من مبلّغ حكم الله أو حاكم مسلم لا يأمر بما يخالف شرع الله، أو أب أو أستاذ يأمر بخير يحبه الله. بل إن المسلم يسمع كلمة الحق من كل من يُنطِقه الله بها، صغيراً كان أم كبيراً. أنا أسير في الخط الذي أُريت أنه الطريق الصحيح، فمَن وجدته يمشي معي فيه أيّدته وناصرته،

стр. 324

وإن حاد عنه ضالاًّ هديتُه، وإن كان متعمّداً نصحته أو زجرتُه، لذلك أيّدت بقلمي وبلساني الإخوان المسلمين في مواقف ونقدتهم في مواقف، وما رجوت شكراً على تأييد ولا وجدته، ولا خفت لوماً على نقد ولا باليته، وذلك كله على ضعفي الذي أقرّ به ولا أنكره وعلى إيثاري دائماً العزلة والانفراد. * * * أقمت تلك المرّة في مصر أقل من شهرين، ولكني استفدت منها فوائد لا تُنال في سنتين. عرفت في «السلفية» جلّةً من رجال العلم والأدب؛ أحمد تيمور باشا الذي كان في سمو خلقه وفي سهولة طبعه وفي تواضعه -على رفعة قدره- مثلاً للناس، يزور المطبعة كل يوم فإنْ كان خالي مشغولاً لم يعطّله بل قرأ شيئاً ممّا يجد، وإن كان فيها زوّار تحدث إليهم، وكان طويل الصمت بعيداً عن الادّعاء. كان في المطبعة يوماً جماعة من أهل الفضل يتناظرون في أمر «الطربوش»: ما أصله ومن أين جاء؟ والباشا ساكت كأنه لا يعلم عن الموضوع شيئاً، وكانت المطبعة تدور في الداخل تطبع رسالة له عن الطربوش، تقصّى فيها خبره وجمع تاريخه! ويشبهه في هذا السيد الخضر، الأخ الأكبر لشيخنا الشيخ زين العابدين التونسي وأستاذ شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار. وممن لقيت في «السلفية» الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، وكان مَن يكلمه يكتب له الجملة فيقرؤها لأنه لا يسمع أبداً. ولقيت عنده الشيخ كامل القصاب وكنت أعرفه من بعيد، وهو رجلٌ حياتُه تاريخ، له في السياسة أثر وفي التعليم آثار، وسأكتب

стр. 325

(إن شاء الله) عنه وعمّن لقيت في «السلفية». وممّا استفدته في مصر أنْ قَوِيَ فيها قلمي، وانتقلت من الأسلوب الحماسي المحشوّ بالمبالغات والجمل التي لها دويّ كدويّ صوت الطبل وهي فارغة مثله، إلى أسلوب هو أقرب إلى الرصانة. وتجلّى ذلك في باب التعريف بالكتب في مجلة «الزهراء»، ومن رأى آخر عدد صدر من «الزهراء» والذي قبله وجد أكثره بقلمي. وممّا استفدته تبدُّلُ طريقتي في الخطابة، من الحماسة والصراخ وكثرة الإشارات وذلك الذي نشأنا عليه، إلى الحديث الهادئ. وكل ذلك أعود إن شاء الله إلى تفصيل القول فيه. وكان أكثر ما اهتممت به لمّا عدت إلى دمشق وسعيت إلى الدلالة عليه، ووُفّقت والحمد لله في نقله من حيّز القول إلى حيّز العمل، هو إنشاء الجمعيات الإسلامية واتحادات الطلاب، وكلاهما لم يكُن معروفاً في الشام. * * * عدت وكانت السنة الدراسية في بدايتها، وكنت (كما أسلفت) أحمل شهادة البكالوريا (١) في شعبة العلوم، وكانت البكالوريا على قسمين: الأول في نهاية السنة الحادية عشرة من سِنِي الدراسة، والثاني في نهاية الثانية عشرة. وكان فيه شعبتان:

стр. 326

شعبة للرياضيات وشعبة للفلسفة. فانتسبت إلى الفلسفة بلا تردد. وأُقِرّ الآن -بعد تخرّجي فيها بثلاث وخمسين سنة- أنها جدّدت فكري ووسّعَت أفقي وتركت في نفسي أثراً عميقاً لا يمّحي، ولكنها كانت خطيرة جداً؛ لولا أن الله سلّمني منها وأنه -بفضله- جعل عندي من سالف دراستي ذخيرة وفيرة من علوم الدين وأساساً راسخاً (أسأل الله بقاءه) من الإيمان، لأضلّتني. كما أقرّ أن سفري إلى مصر، على رغم أنها بلد الأزهر ومثابة العلماء، وأن إقامتي فيها كانت قصيرة وكانت في وسَطٍ إسلامي، أنها -على هذا كله- كادت تفتنني وتُبدّل سلوكي. فليتّقِ الله الذين يبعثون بأولادهم إلى بلاد لا يُسمَع فيها أذان ولا يُتلى فيها قرآن، وفي نفوسهم ظمأ قاتل وحولهم أنواع البارد المسموم من حلو الشراب. إذا كنت أنا الناشئ في بيت العلم والدين كدت أفسد في مصر وأنا ابن عشرين، فماذا تكون حال من يذهب في مثل تلك السن إلى أوربا أو أميركا أو روسيا؟ * * *

стр. 327

-٣٣ - العودة إلى دمشق وإنشاء جمعية الهداية الإسلامية لقد عدت من مصر ومعي شيء جديد، في نفسيّتي وفي تفكيري وفي تجارِب حياتي. أولها: إلْف أعواد المنابر والتمكّن من أسباب الخطابة. ولقد كنت أخطب من قبل سفري إلى مصر، بل لقد ألّفت مسرحيات للطلاب وكنت أساعد على إخراجها، وكانت تُمثَّل ليالي متتابعات يُقبِل الناس عليها لا يملّونها. بل لقد اخترعت فناً جديداً في إلقاء الشعر، أعلّم الطلاب إلقاء كلّ قصيدة كأني ألحّنها لهم ليغنّوها، هنا يُمَدّ الصوت وهنا يُشَدّ، وهنا يعلو وهنا ينخفض ... وقسمت الإلقاء إلى إلقاء تعبيري، وإلقاء حماسي، وإلقاء عاطفي، وإلقاء تمثيلي. وربما جاء تفصيل هذا الإجمال فيما يأتي من المقال. وثانيها: أني ذقت لذة العمل في الصحافة، لا كاتباً فيها أو «مراسلاً» لها من خارجها، بل عاملاً فيها من داخلها. وبدأت من فوق، من مجلة الزهراء التي كانت يومئذٍ المجلة الأدبية الأولى.

стр. 328

والثالثة: أني شهدت مولد الجمعيات الإسلامية فحملت خبرها إلى دمشق. وكان في دمشق جماعة من كرام التجار وبعض طلبة العلم يتلاقون -على عادة الشاميين- في «دَوْر» بينهم. والدور أن يجتمعوا أياماً معدودات عند واحد منهم، اجتماعاً فيه تسلية وليس فيه معصية، فإذا كان اليوم الأخير في دور الرجل صنع لهم صنيعاً: صدر كنافة أو صينية قوزي، أو الصفيحة والشعيبيّات، وهي أكلات لا يغني سماع وصفها عن ذوق طعمها، ولا يعرف مذاقها إلاّ من ذاقها. والذي عرّفني بهم وأخذني إليهم رجل كان أحد الذين أثّروا في حياتي وأفضلوا عليّ، رجل عاش عمره كله من غلّة ضيعةٍ له في حرستا قرب دوما، فلم يكُن يعمل ليكسب مالاً بل ليكسب أجراً: لا يقع منكر إلاّ كان أول من يسرع إلى إنكاره، ولا يسمع بمحتاج إلاّ كان أول من يجمع له ما يسدّ حاجته، لا يبالي في سبيل ما يراه الحقَّ بعُرْف مجتمَع ولا بمداراة إنسان، لا يفرّق عندما ينطق بالحقّ إن كان الذي أمامه بوّاب المدرسة أو وزير المعارف. كان الشيخ تاج الدين الحسني قريبَه (١) (ابن ابن عمته) فكان ينصحه وقد يُغلظ له القول، وإن رأى منه انحرافاً ردّه إلى الصواب. وكان موقفه من كل رئيس أو وزير يلقاه كموقفه من الشيخ تاج، رئيس الدولة ثم رئيس الجمهورية، ذلك لأنه كان مؤمناً معتمداً على الله ولأنه كان مستغنياً بضيعته عن مال الحكّام،

стр. 329

أعني مال الله الذي جعله تحت أيدي الحكّام. والعالِم لا يذلّ إلاّ إذا مدّ يده بطلب أو تشوّف قلبه إليه، فإما أن يكون العالِم غنياً بماله، وإما أن يكون غنياً بالقناعة بما قسم الله له من رزق والعزّة بما أكرمه الله به من إيمان. وكان عالي الصوت شديداً في الجدال، خطته الهجوم أبداً حتى في الدفاع، ولكنه كان رجّاعاً إذا بدا له الحق يُقِرّ به ويدع غضبه إليه. كان من أصفى الناس قلباً، ينسى إساءة الناس إليه كما ينسى إحسانه إليهم، وهذه -لَعَمري- ذروة النبل. صحبته خمسين سنة كما صحبت شيخنا الشيخ بهجة البيطار، فكنت أحسّ معهما كأنّي أمام والد أحبُّه حب الولد لأبيه وأنطلقُ معه على سجيّتي. وكنت أجد هذا الحس مع الشيخ محمد نصيف في جدة، وسأعود إلى الحديث عنهما إن شاء الله، ولكن ذكّرني بهما مشابه من صلتنا بهذا الرجل الذي كنّا نجيئه متى شئنا، فنجد بابه ونجد قلبه مفتوحَين لنا، إن جعنا أكلنا، وإن نعسنا نمنا، وإن شغلنا أو مللنا انصرفنا. وكذلك كانت الحال مع الشيخ بهجة والشيخ نصيف. فرحم الله هذا الرجل ورحمهما، ورحم أمثال أولئك الناس. لم نجد والله بعدهم مثلهم ولم يسدّ أحدٌ مسدّهم، فاللهُمّ ارحمهم وأحسن جزاءهم. أمّا هذا الرجل فهو الشيخ عبد القادر العاني، الذي تُوفّي في دمشق من أقل من سنتين عن أكثر من تسعين عاماً. أخذني إليهم وما سنّي من سنّهم ولا تفكيري من تفكيرهم، فأنا شابّ وهم كهول، وأكثرهم من التجار. وأنا -كما عرفتم من سالف حديثي- أجهلُ خلقِ الله بالتجارة وأبعدهم عنها، ولكني

стр. 330

لما عرفتهم ألفتهم وأنست بهم. كانوا مخلصين وكانوا ظِرافاً. وأنا إنما يصعب عليّ دخول المجلس؛ هنا العقبة الكؤود، فإذا تخطيتها وصرت في المجلس وجدت عندي من طرائف الأخبار ونوادر السّيَر، ومن النكات والمضحكات، ما أمسك به أطراف الحديث فأشدها وأرخيها كما أشاء. حدّثتهم -فيما حدّثت به- عن إنشاء الجمعيات في مصر، وأوجزت لهم قانون الشبان المسلمين والهداية الإسلامية، وقلت: لماذا لا تحوّلون هذا «الدور» إلى جمعية، تنفعون بها الناس وتُرضون الله، ويكون لكم حظّ من ميراث النبوّة وهو الدعوة إلى الله. واختاروا قانون «جمعية الهداية الإسلامية» واسمها، وأعدّوا الأوراق لأخذ الرخصة الرسمية. ولم يكُن يحتاج إصدار مجلّة غير سياسية أو تأليف جمعية غير سياسية إلاّ إلى إخبار (مجرد إخبار) يُقدَّم إلى وزارة الداخلية. ومن ظرف هؤلاء الإخوان ومزاحهم أننا كنا نفكر فيمن يكونون أعضاء في الجمعية، فقلت لواحد منهم: ما رأيك بفلان (وكان حاضراً معنا) هل تراه يصلح عضواً؟ قال: هو «عضو» عزيز علينا لا نستغني عنه، لكن يجب ستره! وأُلّفت الجمعية وأعلنّا عنها في ردهة المجمع العلمي العربي (في المدرسة العادلية الأثرية)، سمح لنا بذلك رئيس المجمع أستاذنا محمد كرد علي. وكنت أنا الذي تَشرّف بالإعلان عنها في محاضرة دُعيَ الناس إليها، وأعلنت -أيضاً- عنها وذكرت قصة

стр. 331

إنشائها وخلاصة قانونها في مقالة (عندي نسخة منها) نُشرت في «القبس» عند صديقنا الأستاذ نجيب الريّس في عدد ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٣٠. * * * وجاءت ذكرى المولد، وأرادوا الاحتفاء به -على عادة المسلمين الآن في جميع البلدان- بقراءة قصة المولد، وكان الخاصّة من الرجال يقرؤون «مولد البرزنجي» والنساء «مولد العروس». والعجيب أن سِيَر الرجال تبدأ من الولادة، والناس إذا وصلوا في «المولد» إلى خبر ولادته ﷺ وقفوا وصلّوا عليه الصلاة الإبراهيمية وأكلوا السكر (الملبَّس) وتفرقوا. وفي الموالد كلها ما ليس بصحيح، بل ما هو مخالف للقرآن وللصحيح من الحديث، وأنا أكتب في إنكاره من مطلع شبابي؛ منه: أن جدّه عرف يوم مولده أنه هو النبي المنتظَر، وأمه عرفت وناداها منادٍ لمّا حملت به يخبرها بأنه النبي المنتظَر ويأمرها أن تسمّيه محمّداً، وأن بَحيرا وغيره من النصارى عرفوا أنه هو النبي واليهود عرفوه، بل إن «مولد البرزنجي» يؤكّد أن «وحوش المشارق والمغارب» عرفت خبره وتباشرت به، وأنها غاضت بحيرة ساوة وفاض وادي سماوة وتهاوت الشرفات من إيوان كسرى ... ثم أقلبُ الصفحة فأجد مقابل هذا كله الحديث الصحيح بأن محمّداً ﷺ جاءه الوحي وقال له: «اقرأ» وهو لم يعرف تماماً أنه النبي المنتظَر، وأنه ذهب إلى خديجة مرعوباً فأخذته إلى ابن

стр. 332

عمّها ورقة بن نوفل، أي أنه صار نبياً فعلاً وهو لم يعلم بذلك تماماً، والله يقول له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ﴾. فكيف عرف أولئك كلهم؟ حتى الوحوش عرفت أنه هو نفسه النبي؟! والأناشيد التي تصحب المولد (والتي أنكرتها من مطلع شبابي) أكثرها غزل بجمال الرسول أو كلام عنه لا يصلح لأن يكون مدحاً له. قلت لهم: بدلاً من تلاوة هذه القصة والمشاركة في الكذب على رسول الله وإساءة الأدب معه، أُعِدّ أنا محاضرة ألقيها، وتطبعها الجمعية وتوزّعها بدلاً من «الملبّس». قالوا: فكيف بالقيام عند ذكر الولادة؟ قلت: سبحان الله! ومن قال إن هذا القيام من فرائض الإسلام؟ إنه بدعة لا أصل لها. قالوا: كيف يكون مولد بلا قيام؟ قلت: أنا أقيمهم لكم إن شئتم. قالوا: كيف؟ قلت: إن الخطيب المتمكن يحرّك السامعين كما يريد، يقودهم بلسانه وبحركات يده ولو كان فيهم من هو أعلم منه وأجلّ وأكبر، هذا سحر المنبر. وألقيت المحاضرة في ربيع الأول سنة ١٣٥٠، وكانت أول احتفاء بالمولد ليس فيه كذب ولا غناء ولا طرب؛ كانت نوعاً جديداً من الموالد، وإن كانت الموالد كلها جديدة، أي مبتدَعة لم تعرفها القرون الأولى التي كانت أفضل القرون. * * * لقد مرّ على هذه المحاضرة اثنتان وخمسون سنة (١)،

стр. 333

وألقيت بعدها محاضرات الله أعلم بعددها، ولكن الناس نسوا ونسيت أنا ما قلت فيها، وهذه طُبعت فبقيَت فيا ليتني طبعت كل محاضراتي! وهل تنفع شيئاً «ليت»؟ هل تصدّقون أني لمّا قرأتها كنت أحس كأني أقرأ شيئاً كتبه غيري. قلت لكم في مطلع هذه الذكريات إن الإنسان في تبدّل دائم: خلايا جسده، ميول نفسه، كثير من أفكاره ... وممّا يتبدّل في الكاتب أسلوبه. وإن كان في كل ما يكتب أمارة تدل عليه؛ شيء في المقالة تحسّه ولا تلمسه يخبرك أن كاتبها فلان وإن لم يكُن في ذيلها اسم فلان، وهذا الشيء هو الأسلوب. لقد حاول النقّاد تعريف الأسلوب تعريفاً منطقياً بعد أن عرّفوه معرفة حسّية فلم يقدروا له على تعريف، فكأن أسلوب الرجل في خصائصه هو الرجل نفسه كما قال «بوفون». إنك تميز زيداً من عمرو من شكله من صوته، من مشيته، لكنك لا تستطيع أن تقول كيف ميّزتَه. وتعرف أن ليلى جميلة وأن المتنبي عبقري، ولكنك تعجز عن تحديد سرّ الجمال في ليلى: هل هو في عينيها أم في بسمة شفتيها؟ وعن حصر عبقرية المتنبي: هل هي في تركيب ألفاظه، أو في اختراع معانيه، أو في حكمه وأمثاله التي سارت كل مسار؟ * * * فرحت بهذه المحاضرة إذ وجدتها مطبوعة، وأحسست كأنها صورة التُقطت لي في مرحلة من عمري ليس عندي نسخة منها، وقد مضى زمانها وتبدّلت أنا حتى كأني غير صاحبها. صورة لي في المراحل الأولى من سفرتي الطويلة على طريق الأدب. إنها

стр. 334

ليست كصورتي اليوم عند قرّاء «المسلمون»، ولا كصورتي في «المدينة» و «رابطة العالَم الإسلامي»، ولا كصورتي في «الرسالة» و «الثقافة»، أو صورتي قبل ذلك في «الأيام» و «النصر» و «فتى العرب» و «ألف باء»، الصحف الشامية التي ماتت كلها. وأنا أقرأ كتاباتي الأولى فلا أرتضيها الآن، ولكن ما قيمة حكم الإنسان على عمله ومدى صحة تقويمه إياه؟ إن محمد عبدالوهاب يظن أن أغانيه الأولى («يا جارة الوادي» وأخواتها) دون ما جاء به بعد وما يجيء به الآن، مع أن كثيراً من الناس (وأنا منهم) يرون أن أجمل ما غنّاه أغانيه الأولى من أخوات «جارة الوادي». هذه المحاضرة ممّا لا أرتضيه الآن، ولكني أنقل فقرات منها هنا ليرى القرّاء كيف كنت أكتب في تلك الأيام، ولأن هذه المحاضرة لم تدخل في كتاب من كتبي المطبوعة، بل طبعتها «جمعية الهداية الإسلامية» في ورقات ووزعتها على من حضر المحاضرة لمّا أُلقِيَت من اثنتين وخمسين سنة، فكم من القرّاء كان موجوداً لمّا وُزّعت؟ وكم ممّن كان موجوداً قد احتفظ بها؟ وصفت في المحاضرة حال العالَم قبل مولد الرسول ‘، وكيف انقطع وحي السماء وشاخت دول الأرض، وانزاحت الحضارة العادلة عن أكثر بقاعها، واقتسم العالَمَ الدولتان الكبريان: فارس والروم كما يقتسمه اليوم الروس والأميركان، وقلت: إنه كان يعرض لكسرى الفرس أو قيصر الروم خاطر من الطمع أو يحس من نفسه فضلاً في القوة، فينهض ليقاتل الآخر. يصطرع الملِكان ويغرق الألوف من الناس في دمائهم وتزهق

стр. 335

أرواحهم. في سبيل مَن؟ في سبيل الشيطان، لا في سبيل الحق ولا في سبيل الرحمن. فسدت من قبل الأخلاق في روما حتى اجتمع على العُري الكامل الرجال والنساء في الحمّامات، حتى تزوّجَت ابنة شيشرون أبي الوطن بأربعة رجال في وقت معاً. عمّ الجهل والظلام وسادت الدعارة والفسوق ... إلى أن قلت: لم يعُد في بلاد الحضارة أمل ببزوغ الفجر المرتقب، فهل يبزغ من وراء الرمال، من بوادي الجزيرة؟ ووصفتُ حال العرب وكيف كانوا منشقّين على أنفسهم، متباينين في قبائلهم، لا راية تجمعهم ولا حكومة تُخضِعهم، حكمهم إلى سيوفهم، آلهتهم شتى وأربابهم أصنام، يخشون كسرى ويرجون قيصر، قبعوا في باديتهم وقنعوا بجزيرتهم. إلى أن قلت: ثم كان أمر، وكانت عشيّة أو ضحاها فإذا الافتراق اتحاد، وإذا الضعف قوة، وإذا هذا الشعب الجاهل يحمل مشعل العلم، وهذه الجزيرة القاحلة تعنو لها أرض الجنان والأنهار وينهار أمام أهلها عرش كل ظالم جبار. ماذا حدث؟ مَن هزّ هذه الصحراء الجدباء ومَن نفخ في هذا الشعب الجاهل فأخرج منهما أمة عالمة قوية كانت المثل الكامل للأمة الفاضلة؟ من الذي أزاح الله به الظلام عن الكون وأطلع به شمس الهداية والخير على الدنيا؟ قفوا، طأطئوا الرؤوس شكراً لله الذي أرسله رحمة للعالمين. وقرنت كلمة «قفوا» بإشارة اليد الممدودة إلى القيام،

стр. 336

فنهضوا جميعاً. ولما قلت: «صلوا عليه وسلموا تسليماً» قرؤوا الصلاة الإبراهيمية على عادتهم في المولد، لا على أنها واجبة هنا أو أنه لا بدّ من قراءتها. وكان ممّا قلت: إننا قد اجتمعنا هنا في ذكرى مولده ‘ لنفيض على العالَم من أنوار سيرته السامية وتاريخه الجليل، إننا قد اجتمعنا هنا لنثبت للدنيا كلها أن الإسلام دين الله، وأن القرآن كتابه الذي جعله المنهاج لنا فلا يقبل منهاجاً غيره منا. إننا قد اجتمعنا هنا لنُطمْئن إخواننا المسلمين فوق كل أرض وتحت كل نجم بأنّ دين الله لن يُغلَب ولن يزول، وأن العاقبة لأهلها ولو مسّهم القرح ونالهم الأذى. إننا قد اجتمعنا هنا لنصرة الفضيلة ونشر العدل، وإيصال الخير الذي بُعث به محمّد إلى الدنيا كلها. كان ميلاده نعمة وسلوكه قدوة، ومبعثه هدى ورحمة، ودينه شمساً ساطعة اهتدى الناس بهديها وساروا على ضوئها، فتبارك الله، وبورك الرسول، ونعمت الذكرى. ولد والعالم في ظلام، والناس في ضلال، والحضارة في تقهقر، فعمّ النور واهتدى الناس وازدهرت الحضارة. كان الباطل ظافراً والجهل فاشياً والظلم محكماً، فلما وُلد ظهر الحقّ وساد العلم وظفر العدل، فكان مولده رحمة للعالمين وهدى للناس أجمعين ... إلى آخر المحاضرة فهي طويلة. وكانت خاتمتها: ألا فلنجدّد في هذا اليوم إيماننا ولنتعاهد على الرجوع إلى ديننا. لنتصافح ولنتناصح، ولنكُنْ يداً في الحقّ واحدة علّ الله يمنّ علينا بنصر

стр. 337

من عنده، وما النصر إلاّ من عند الله. لنتيقظ لتلك الفئة التي تزعم أنها منّا، وتؤْثر على ديننا وكتاب ربنا ضلالات الملحدين وبدع المبتدعين، ومَن في تلك الفئة؟ إن فيها أبناءنا وإخواننا أفسدتهم علينا هذه المدارس وهذه المجتمعات، أخذَتهم منا مؤمنين وردّتهم إلينا كافرين بدينهم، مزدرين لفضائلهم، أعداء لآبائهم وعترتهم. ونحن؟ نحن غافلون نائمون، لا نواجه عدواً ولا ندرأ خطراً ولا نُنكِر منكراً. إننا راجعون إلى ربنا، وسيسألنا عن دين أضعفناه ومجد أضعناه، فبماذا نجيب؟ لقد نزلَت فينا المصائب وتوالت النكبات، حتى صرنا إذا أصابتنا السهام تكسرت النصال على النصال، فلم نعد نشعر بآلامها. لقد طفح الكيل وتكاثف الظلام، فإلى النور، إلى الحياة. قوموا اليوم بين يدي ربكم وأقبلوا عليه بقلوب مخلصة وحّدها الدين، ثم اسألوه أن يفرّج عن المسلمين وأن يمدكم بنصره ومعونته. ادعوا، فقد دعا الرسول ‘ يوم بدر وألحّ في الدعاء، ولكنْ بعد أن أعدّ الجيش وصفّ الجند واتخذ الأسباب كلها التي يقدر عليها، ثم سأل الله ما لا يقدر عليه إلاّ الله، وهو تحقيق النصر. فاعملوا وتوكلوا، أعدّوا وادعوا، اسعوا وسَلوا، وإذن يجيب الله دعاءكم ويعطيكم سؤالكم. هذا ما قلته في ربيع الأول سنة ١٣٥٠هـ في يوم إعلان تأليف أول جمعية إسلامية في سوريا. * * *

стр. 338

-٣٤ - تقلّبات على الطريق الذي يريد أن يشتري بيتاً أو يستأجره يقلّب بيوتاً كثيرة، يبصر مزاياها وعيوبها ثم يختار ما هو أصلح له منها. ولقد كانت سنة ١٩٢٩ والتي بعدها إلى سنة ١٩٣١، كانت لي مرحلة اختبار واختيار، ما كانت بصنعي بل بصنع الله لي: خالطت المشايخ حتى صار لي في ميدان الدعوة صوت مسموع، وإن لم يكُن أعلى الأصوات. وصرت من قادة الطلاب، وإن لم أكُن أكبر القُوّاد. وصرت من فرسان المنابر ومن حَمَلة الأقلام، وإن لم أكُن سابق الفرسان ولا من أكبر الكتّاب. وأصبحت معلّماً ولكن في مدرسة أهلية، واشتغلت بالمسرح تأليفاً ومعاونة في الإخراج ومعلّماً للتمثيل، ونلت الشهادة وكتبت تحت اسمي «بكالوريوس آداب وفلسفة» ... وكانت كلها بدايات: في الربيع تخضرّ الأرض وتنشقّ عن نبتات صغيرة، منها زهور برّية أو حشائش خلقت لتعيش شهور الصيف فقط، ومنها ما يعيش سنين، ومنها خوط شجرة زيتون ربما بلغ عمرها القرون. كانت كلها بدايات. منها ما وقف وانقضى عهده فصار من

стр. 339

الذكريات، ومنها ما استمر إلى الآن. استمرّ -والحمد لله- عملي في الدعوة، وفي التعليم، وفي الكتابة، وفي الخطابة، وانتهى عهد المسرح وقيادة الجماهير كما انتهى من قبله عهدي بالتجارة، والحمد لله أيضاً، فما ندمت على ما انصرفت عنه ولا على ما بقيت فيه. ولما انتهت السنة الدراسية عدت إلى مصر ناوياً الإقامة فيها، وقدّمت أوراقي للجامعة، وقابلت الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب والدكتور عبد الوهاب عزام، فكان اللقاء الوحيد مع الأول، وكان اللقاء مع الثاني بداية مودّة وصداقة ومحبّة استمرت حتى توفّاه الله: في مصر وفي دمشق وفي كراتشي، وسيأتي إن شاء الله الكلام عنه. اخترت الجامعة ولكن الله ما اختارها لي، فقد كان خالي محبّ الدين على رأس من يردّ على طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي» وكانت «المطبعة السلفية» مركز الحملة عليه ودفع ما جاء به، ودخولي الجامعة يباعد ما بيني وبينه، وأنا إنما جئت مصر لأكون معه لا عليه. فدخلت دار العلوم العليا، وليس عندي شيء مكتوب يذكّرني بأيامها، وما كان في ذاكرتي ذهبَت به الأيام والليالي، فلست أذكر إلاّ أني كنت أركب الترام من باب الخلق إلى المنيرة، يمشي بي في شارع ضيّق ملتوٍ هو شارع الخليج الذي لم يعُد اليوم ضيّقاً ولا ملتوياً، وكان على جانبيه أبنية عتيقة تكاد تكون خرِبة فصار على جانبيه اليوم عمارات ضخمة عالية. ولا أذكر من أساتذتها إلاّ الشيخ أحمد الإسكندري، مؤلف «الوسيط» الذي كنا نقرأ فيه تاريخ الأدب العربي، ووكيل المدرسة

стр. 340

الشيخ حسن منصور، وكان بارعاً في التفسير وكان مهيباً يخشاه الطلاب، وأننا كنا نتغدى الظهر في المدرسة ثم نخرج. وممّا أذكره أنهم أرادوا أن يؤلفوا فرقة للتمثيل فجاؤونا بشابّ له اسم غريب لا أزال أحفظه هو فتوح نشاطي، أعدّ عبارات جعل يختبر بها الطلاب ليرى مَن يحسن منهم الإلقاء ومن يصلح منهم للتمثيل، فلما وصل الدور إليّ دهش ودُهش الطلاب جميعاً، والتفتوا إليّ بعد أن كانوا لا يحسّون بوجودي، وصرت المقدَّم عنده وعندهم، وصار هذا «الجدع الشامي» (١) مضرب المثل في إجادة الإلقاء والمقدرة على التمثيل، ولم يعلموا أني كنت «أستاذاً» في دمشق لهذا الفن قبل أن أكون «طالباً» مبتدئاً فيه في مصر. ما أعجب الإنسان، وما أعجب حياة الإنسان! لقد سألوني عشرين مرة في درس الإنشاء: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ فكتبت: أريد أن أكون طبيباً، وأن أكون محامياً، وأن أكون وأن أكون، فما كان شيء ممّا أردت أن أكونه ولكن كان ما أراد الله أن أكون. لا، لا أقول مقالة الجاهلين «أن الإنسان مسيَّر». إنه ليس مسيَّراً بل هو مخيَّر، لم يُجبِر الله كافراً على الكفر ولا عاصياً على العصيان، بل أعطاه العقل الذي يفكّر والإرادة التي تقرّر والأعضاء التي تُنفّذ، وفتح أمامه الطريقَين وقال: هذا طريق الجنة

стр. 341

وهذا طريق النار. من خرج من بيته وكان سليم الرّجلَين يستطيع أن يمشي إلى المسجد ويستطيع أن يمشي إلى الخمارة، فأين الإكراه؟ يقول جول سيمون: "أنا مخيَّر وأنا أريد أن أرفع يدي، فمن يراهنني على أني لا أستطيع رفعها؟ "، فإذا قدرت على رفعها أقدر أن أرفعها لأنقذ غريقاً أو لأغرق بريئاً، فهل العملان سواء؟ لا، ليس الإنسان مسيَّراً بل هو حرّ مختار يصنع ما يشاء، ولكن في حدود البشرية. السيارة تمشي، ليست كالصخرة الراسية، ولكنها تمشي في الطريق المعبَّد وبالسرعة المحدّدة، لا تصعد درَج العمارة ولا تسابق «البوينغ». وأنا مخيَّر ولكن لا أقدر أن أجعل أنفي أجمل ولا قامتي أطول ولا أن أجعل أمسي يعود (١). الإنسان مثل الزورق في البحر، يسيّره راكبه، يحدّد وجهته ويعيّن غايته، ولكن قد تأتي موجة عالية أو ريح عاتية، فتوجهه جهة لا يريدها إلى غاية لا يقصدها. في يدي الآن ورقة مصفرّة من القِدَم مكتوب فيها: «المملكة المصرية، دار العلوم العليا، نادي التمثيل والموسيقى، نمرة مسلسلة (٧٠)، وصل من حضرة العضو محمد علي طنطاوي مبلغ ١٠ قروش صاغ قيمة اشتراكه عن شهر أكتوبر سنة ١٩٢٩، تحريراً في ١٥ أكتوبر سنة ١٩٢٩. الخاتم الرسمي، أمين الصندوق محمد علي الضبع».

стр. 342

علي الطنطاوي ممثّل أو موسيقي! وتصورت ماذا تكون خاتمة هذه القصة التي بدأت بهذا «الوصل» لو هي اكتملت فصولاً. إلى أين كان يصل بي هذا الطريق الذي وضعت رجلي في أوله يوم صرت عضواً في نادي التمثيل والموسيقى لو أني تابعت السير فيه؟ كنت أبدأ فأمثّل في المدرسة، ثم أشارك في رواية على المسرح، ثم أدخل فرقة من الفرق، ثم يُسجّل اسمي في القائمة التي تبدأ بجورج أبيض لتنتهي بإسماعيل ياسين، فيكون علي الطنطاوي اليوم ممثّلاً عجوزاً متقاعداً، يعاشر النساء ويشهد الرقص، ويسهر الليل وينام النهار، ويعود بلا صحّة ولا مال ولا دنيا ولا آخرة. ولم يكُن يحول بيني وبين هذه النهاية شيء، فالاستعداد له في نفسي كبير والرغبة فيه قوية، ولكن الله صرفني عنه. أصبحت يوماً فإذا خاطر قويّ لم أملك له دفعاً يدفعني لترك دار العلوم ونادي التمثيل فيها، والعودة إلى دمشق. وكان هذا الخاطر هو الموجة التي حوّلَت زورقي إلى ما هو خير لي، فاللهُمّ لك الحمد. * * * عُدت إلى دمشق فإذا موعد القبول في الجامعة قد مضى، وكان في نفسي طاقة هائلة إذا لم تصادف عملاً تذهب فيه تذهب بي أنا، وكنت مكلَّفاً بنفسي وبأمي وإخوتي، فإذا لم أجد كسباً حلالاً ضعت وأضعتهم. فلا بدّ لي إذن من عمل أوجّه إليه طاقتي ومورد أنفق منه على أهلي. ومن أين المورد؟ هل أعود إلى التجارة التي جرّبتها فما أطقتُها ولا صدّقت أني نجوت منها؟ هل أقبل وظيفة

стр. 343

وأنا أنكر على من يكون موظفاً في حكومة يوجّهها المستعمرون كما يشاؤون؟ لم يبقَ أمامي إلاّ التعليم. حياتي كلها موجات يبعثها الله فتوجّه زورقي إلى حيث يريد؛ منعطفات ما كان شيء منها بتدبيري واختياري بل باختيار الله لي. وأعود فأكرّر أني لست مسيَّراً، وأن من يزعُم أن الإنسان مسيَّر يُقِرّ في نفسه بأنه أحمق. الإنسان مخيَّر ولكن دائرة اختياره ضيّقة ومدى حرّيته في الانطلاق قصير، لذلك كان علينا التفكير، وعلينا أن نستشير ثم نستخير، فنسأل الله أن يبلغنا من الخير ما نعجز عن بلوغه إلاّ بعونه. من ذلك أنه كان في دمشق مدرسة أهلية أثرية اسمها «المدرسة الأمينية»، قريبة من الأموي، كانت أقدم مدرسة للشافعية في دمشق، عمرها قريب من عمر الأزهر، مديرها ابن خالتي الشيخ شريف الخطيب. وكان يعلّم فيها أخوه الشيخ طه، فجئت أزوره يوماً من أيام سنة ١٣٤٥هـ فيها فعلقت رجلي بالفخّ. وكانت هذه الزيارة «منعطَفاً» كبيراً في طريق حياتي (١)؛

стр. 344

إذ دخلت على التلاميذ فألقيت عليهم درساً، فأحببت التدريس فاشتغلت به. ثم أقام «الحفلة» السنوية، وكان يدعو إليها وجوه الشاميين من علماء وموظفين وتجار، وكلّفني أن أكون خطيبها. وكنت أكتب خطبي، فأعددت خطبة قال مَن سمعها (ما قال لي ولكن قال عني فبلغني) بأنها كانت شيئاً جديداً ما ألِف الناس يومئذٍ مثله ولا عرفوه، في موضوعها وأفكارها، وفي أسلوبها وإنشائها، وفي طريقة إلقائها. وكان ذلك سنة ١٣٤٥ هجرية وأنا شاب في زهرة الشباب، حسن الوقفة، جهير الصوت، صحيح النطق، ولولا الحياء لقلت إني جميل الصورة أيضاً! تلك كانت بدايتي في التعليم وفي الخطابة، وفي هذه المدرسة (ثم في غيرها) كانت بداية اتصالي بعالَم المسرح والتمثيل، وفيها اخترعت فنّ الإلقاء (١). تدفّق في نفسي ينبوع من النشاط ومن الابتكار. جئت بالمحراث القوي وبالبذر الجيّد وبالسماد الصالح، ولكني أعملت محراثي ونثرت بِذاري في أرض لا تصلح للزراعة، فحملت المشاقّ وكثرة الإنفاق، ولم أخرج بطائل. ولو كان هذا الجهد في الجامعة أو في مدرسة ثانوية، عند من يقدّره قدره ويهتم به، لجاء بأطيب الثمر وأكثره ولم يذهب هدراً مع تلاميذ صغار لا قدّروه في حينه ولا حفظوه بعده، بل إن أكثرهم لم يكمل دراسته، بل انصرف إلى أعمال الدنيا فلم تعُد تربطه رابطة بالعلم والأدب. * * *

стр. 345

فلما اضطُررت الآن إلى العمل رجعت إلى «الأمينية» أعلّم فيها بالأجر. وما الأجر؟ أربعة قروش إلاّ ربعاً على الساعة، والقرش هللة (هلالة) هنا أو مليم في مصر. هذا هو الأجر! وهذا شيء لا يشتري خبزاً ولا يُشبع أسرة، فعملت في مدارس أُخَر: في «الجوهرية» عند الشيخ عيد السفرجلاني، أستاذي في «الجقمقية» الذي مرّ بكم ذكره. وكان من تلاميذي فيها واحد نبغ حتى صار من شيوخ التعليم ومن العلماء، وأمضى شطراً من عمره موجّهاً للمدرّسين، مشرفاً على وضع المناهج وتأليف الكتب في العلوم الدينية لأنه كان مفتّش التربية الدينية في وزارة المعارف، وهو أحد تسعة كانوا أوفى مَن مرّ بي من الطلاب، وقد مرّ بي آلاف وآلاف وآلاف من سنة ١٣٤٥ إلى الآن، هو الأستاذ عبدالرحمن الباني. وفي «المدرسة التجارية» التي عملت فيها من ستّ سنين (١) ثم تركتها لما قدّموا عليّ الشيخ أحمد الدقر فأعطوه الدرس. وفي «الكامليّة»، المدرسة التي كانت يوماً من أعظم مدارس دمشق فصارت مدرسة ابتدائية، أنشأها الشيخ كامل القصاب العالِم المعلّم الوطني المصلح، وكان يعلّم فيها ألمع رجال دمشق كالدكتور عبد الرحمن شهبندر، وتخرّج فيها جلّة من الأساتذة كالدكتور أحمد حمدي الخيّاط أستاذ أطباء دمشق، والدكتور أسعد الحكيم. كان يديرها لمّا جئت أدرّس فيها الصديق

стр. 346

الخطيب الأستاذ جودة المارديني، وكان أوّل شيخ يلبس الحلة الإفرنجية (البنطال والجاكيت) ويعقد العقدة (الكرافات) ويحلق لحيته، فكنّا ونحن صغار نعجب منه وقليل منا يُعجَب به. ثم جاء مديراً لها ابن الشيخ كامل. ولهذه المدارس وأيامي فيها أخبار طوال، إذا جرّت المناسبة إليها ذكرتها. وكان من المدارس الأهلية «الكلية العلمية الوطنية» التي كانت للمربّي الشيخ أبي الخير الطباع ثم للدكتور منيف العائدي الأستاذ في كلية الطب، وكانت تتبع مناهج وزارة المعارف وتُعِدّ الطلاب لامتحان البكالوريا، وكان يدرّس الأدب العربي فيها الأديب الشاعر العالِم الأستاذ خليل مردم بك، فسمحَت الجامعة للطلاب غير السوريين بدخولها بالشهادة الثانوية وأعفتهم من نيل البكالوريا، فأنشأت الكلية صفاً (فصلاً) سمّته «صفّ الجامعة»، يُدرَس فيه كل ما يُدرَس في «صف البكالوريا»، وطلبت من الأستاذ مردم بك أن يعلّم فيه فاعتذر ورشّحني لتدريس الأدب في هذا الصف، فدعَوني وجعلوا لي أجراً عُشر الليرة الذهبية (أي ٥٥ قرشاً) على الساعة، وكان أجراً كبيراً بحساب تلك الأيام. وقد جمعت محاضراتي فيها عن بشّار بن برد، أخذتها من دفتر أحد الطلاّب وطبعتها في كتاب صدر على عجل سنة ١٩٣٠، ولم أُعِد طبعه ولا أنوي إعادته لأني لا أرتضيه. * * * كانت مرحلة بدايات، ومن هذه البدايات احترافي الصحافة.

стр. 347

وكنت قد اتصلت بها من قبل لمّا نشرت أول مقالة لي في «المقتبَس» عند الأستاذ أحمد كرد علي، أبي بسام وعبد الرزاق وشقيق أستاذنا الكبير منشئ المقتبس محمد كرد علي. وفي كتابي «من حديث النفس» تفصيل هذا الكلام (١) فلن أعود إليه، ولكن أقول إني "كتبت المقالة وقرأتها على رفيق عمري أنور العطّار ﵀، وكان يومئذٍ يجرّب قول الشعر، فأشار عليّ أن أنشرها. فاستكبرت ذلك، فما زال يزيّنه لي حتى لِنت له وغدوت على إدارة «المقتبس»، وكانت في شارع السنجقدار (القديم) قبل أن يخربه المنتدبون وقبل أن يعيد الناس بناءه، وكانت في صف المسجد من جهة المرجة. ولا أدري كيف وجدت الجرأة على أن أصعد السلّم وأن أسلّم على الأستاذ وأدفع إليه المقال". ولم يكُن من إخواننا من يعرف طريق صحيفة أو يُقدِم على طلب النشر فيها، وكنا يومئذٍ مصابين بمرض الخجل الذي شُفي منه أكثر شباب اليوم، بل جازوه إلى الجهة الأخرى ... التي تقابل الخجل. "فأخذ المقالة فنظر فيها، فرأى كلاماً مكتهلاً ناضجاً ورأى أمامه فتى صغيراً فَطيراً، وكان ذلك في أوائل سنة ١٩٢٦، فعجب أن يكون هذا من هذا. وكأنه قد شكّ فأحب أن يتحقق، فاحتال عليّ حتى امتحنني بشيء أكتبه له زعم أن المطبعة تحتاج إليه وليس عنده مَن يكتبه ولا يحسن تأجيله. ففهمت وأنشأته له إنشاء

стр. 348

من يسابق قلمه فكره، فازداد عجبه مني ووعدني بنشر المقالة غداة الغد". خرجت من إدارة الجريدة "وأنا أتلمس جانبَيّ أنظر هل نبتت لي أجنحة أطير بها لفرط ما استخفّني من السرور، ولو أني بويعت بالإمارة أو أُعطيت البشارة ما فرحت أكثر من فرحي بهذا الوعد". وسرت كأني راكب حوّامة (ولم تكُن قد اختُرعت الحوّامات)، فأنا أمشي على الأرض ولكن لا تمسّ أقدامي الأرض، "وما أحسبني نمت تلك الليلة ساعة، ولو نمتها لحلمت فيها بما ينالني من المجد حين يُنشر المقال فيقرؤه الناس، فيدَعون أعمالهم ويتركون ما بأيديهم ليشيروا إليّ فيقولوا: هذا هو كاتب المقالة! وجعلت أترقّب الصباح ترقّب عاشق هيمان ينتظر وصلاً بعد طول هجران، حتى إذا انبثق الصباح نزلت فأخذت الجريدة، فإذا فيها المقالة وبين يديها كلمة ثناء لو قيلت للجاحظ لرآها كبيرة عليه". رحمك الله يا أبا بسام ورحم تلك الأيام. لقد نشرت بعدها أكثر من ألفَي مقالة، فما عرفت مثل تلك الفرحة. إن الفرحات الأولى لا تُعاد، ترى الكعبة ألف مرّة فلا تحسّ أمامها مثل الذي أحسستَه في المرّة الأولى، وتقرأ القصّة مرات فلا تشعر بالمتعة التي شعرت بها عند القراءة الأولى. وعدت إلى احتراف الصحافة سنة ١٩٣٠، وحديث هذه العودة في «العدد» القادم، إن أحياني الله إلى العدد القادم. * * *

стр. 349

-٣٥ - احتراف الصّحافة هذه صفحة جديدة من كتاب الذكريات، لا أنقل لكم كل ما فيها بل أنقل عناوينها ورؤوس فقراتها، أي أنني أُجمِل ولا أفصّل. هي صفحة احترافي الصحافة. أما من حيث قرب هذه المهنة من نفسي فهي أحبّ إليّ من كل مهنة مارستها، ولو خُيّرت الآن لاخترتها دون ما سواها، بشرط أن أكون أنا وحدي المشرف على المجلة، وأن أكون حراً لا رأي فوق رأيي، ولا مُكرِه لي على نشر ما لا أريده أو طيّ ما أريده، وأن يكون معي من آتاه الله من المعرفة والإدراك ما يعينني به على عملي فيها، وأن يكون موافقاً لي لا مخالفاً؛ لا أريد أن يرى الخطأ مني ويسكت عنه مجاملة لي، بل أن ينبّه إليه بالأسلوب المناسب في الوقت المناسب، ثم إذا عزمت على الأخذ به أو إهماله لم يعترضني، لأن التبعة عليّ فمن حقي إذن أن يكون الحكم إليّ، وأن يمنّ الله عليّ بالمصحّح الحاذق؛ فإن مصيبة المطبوعات بمصحّحي المطبعة، ولو أن الخطأ كان تصحيفاً أو تحريفاً لهان الأمر، ولكن البلية حين يبدّل بكلمة في

стр. 350

الأصل لم يفهمها كلمةً من عنده أو يزيد على النص كلمة ليست فيه أو ينقص منه كلمة هي فيه. ولو قعدت أحصي ما قاسيت من المصحّحين لجاء معي كتاب صغير أو رسالة كبيرة. لذلك أرجو من يريد يوماً أن يجمع مقالاتي أن يعرضها عليّ إن كنت حياً، أو ينظر في الأعداد التالية للعدد الذي نشرت فيه المقالة فلعلّ فيها تصحيحاً لغلط. وإني أرجو من أصحاب المجلاّت أن يجعلوا فيها مصحّحين أدباء، بشرط أن يتقيدوا بالأصل الذي كتبه صاحب المقالة، لا أن يحسبوها وظيفة إنشاء لطالب فيمرّوا عليها بالقلم الأحمر يعدّلون ويبدّلون، وأن يجعلوا لهم على التصحيح أجراً يقارب أجر رئيس التحرير، ثم يحاسبوهم على كل غلطة تفلت منهم بحسم اثنين في المئة من هذا الأجر. * * * قلت لكم إن أول اتصالي بالصحافة كان سنة ١٩٢٦ (١٣٤٤) لمّا نشرت مقالة في المقتبس، ثم ذهبت إلى مصر بدعوة من خالي محبّ الدين الخطيب، وكان نزولي عليه، فشاركت في تحرير مجلّتيه «الفتح» و «الزهراء». أما «الفتح» (واسمحوا لي أن أعود إلى الحديث عنها) فهي أول جريدة إسلامية، بل لقد كانت الجريدة الإسلامية الوحيدة؛ لم يكن صدر -فيما أعلم- غيرها، وكانت أسبوعية، ولكنها عالية الصوت مسموعة الكلمة، معروفة في الأوساط الإسلامية في بلاد الإسلام جميعاً، لها من التأثير فيها أكثر ممّا لجرائد ذلك

стр. 351

البلد. وكانت تُعنى بأمور المسلمين كلها على السواء، هي أثارت الدنيا على فرنسا يوم الظهير البربري، وهي أقامت الناس على إيطاليا لما صنعته في طرابلس، وكانت تجري فيها أقوى الأقلام الإسلامية كقلم شكيب أرسلان والرافعي ومحب الدين. وأمّا «الزهراء»، مجلّة الأدب الإسلامي، فكانت لمّا جئت مصر في دور النَّزْع، صدر منها أربع مجلّدات (١)، فلما دخلَت سنتها الخامسة نضب موردها وقلّ مالها، وأفلسَت، ولكنها كانت تجاهد جهاد المحتضَر لتدفع عن نفسها الموت، وقد صدر منها بعد وصولي عددان فقط، كتبت أنا أكثر ما نُشر فيهما. ولا أقول إن الذي كتبتُه كان من الأدب الجيّد، ولكن أقول إنه كان فوق محاولات المبتدئين ودون كتابة المطبوعين المجوِّدين. كان هذا في مصر سنة ١٩٢٨، فلما عدت إلى الشام واضطُررت إلى العمل لأفرّغ طاقة من النشاط كانت في نفسي، ولأكسب شيئاً من المال أعود به على أهلي، أخذني أخي أنور العطار إلى الأستاذ معروف الأرناؤوط (وكانت له معرفة به) فربحت -كما سترون- الكثير من أدبه، ولكني لم أصل إلى كثير ولا قليل من ماله. كان معروف أديباً ولم يكن صحفياً، لا أعني الأديب الذي أخذ من كل شيء بطرف كما قال ابن خلدون، فمعروف لم يأخذ إلاّ شيئاً واحداً هو الأدب، أخذه من أطرافه كلها وترك له كل شيء. ولا أعني الأديبَ الذي روى الشعر وحفظ الأخبار ووعى

стр. 352

التاريخ، فمعروف لم يكن راوية ولا حافظاً ولا مؤرّخاً. ولا أعني الأديبَ في عُرف العامّة، وهو الرجل المهذّب الحواشي الرقيق الطبع العفّ اللسان، فما كان لسان معروف عفيفاً ولا نظيفاً، وكان إذا غضب نطق بأشنع السّباب وأبشع الشتم، وكله من تحت خط الاستواء في جسد الإنسان ... أي من تحت «الزنّار»! ولكن أعني الأديب الذي تجالسه فتجالس «طفلاً» كبيراً، وتراه فترى صفاء الطفولة وجمالها، وتسمع له فينقلك -إذا كان راضياً رائق المزاج- إلى عالَم ما فيه إلاّ الجمال والحب، عالَم القلب. وتقرأ له فينقلك إلى دنيا غير دنيا الناس، يصوّر لك (في رواياته) فيافي الجزيرة وأودية فلسطين ومفاتن إسطنبول مزيَّنةً بالسحر والشعر، مضمَّخةً بالطيب والعطر، حتى لتظنها جِنان الأحلام وتشكّ (إن كنت تعرف هذه البلاد) هل هي التي يصفها معروف أم أن في قلم معروف سحراً. فمَن جالس معروفاً فقد عرف الكاتب الأديب، ومن قرأ لمعروف ولم يجالسه لم يعرف إلاّ جانباً من هذا الأديب الكاتب، ومن لم يقرأ له ولم يجالسه فقد فاته حظّ من الأدب العربي الحديث. هذا كله على ألاّ تعامله ولا تتخذه قدوة لك في الحياة. أستغفر الله وأسأل الله له الرحمة، فلقد كان مؤمناً لا يشرك بالله شيئاً. وكان يظهر إيمانه على أسَلات (١) قلمه: لمّا غلب اليونان بمعونة الحلفاء على أزمير في نهاية الحرب الأولى وجعلت

стр. 353

عساكرهم تجول في طرق إسطنبول تنبّهَت الصليبية في نفس كاتب نصراني في الشام، فكتب متشفياً معرّضاً بالسلطان العظيم محمد الفاتح. وتألّم معروف كما تألّم المسلمون ولكنه ما تكلم، حتى إذا طُردوا من أزمير وعادت إلى الترك المسلمين، كتب مقالة تستحق أن تُسطّر -كما كان يقول الأوّلون- بماء الذهب، وقعت على قلوب المسلمين برداً وسلاماً وعلى قلوب «الآخرين ...» جمرة وضِراماً. وكان في المدرسة أجهلَ الناس بالحساب، فلما كبر عُني به حتى أتقنه وصار من كبار الحاسبين، وبلغ من حذقه أنه حفظ عن ظهر قلب عدد أيام الأسبوع وشهور السنة، وأدرك عشر العشرة ومعشار المئة، وعرف قطر الدائرة وقاعدة المثلث، وصار يعرف أن ستة في سبعة تساوي سبعة وثلاثين، وفي رواية سبعة وأربعين، ولم يحقق أيها الصحيح منهما فالمسألة فيها قولان! ولكنه لم يصل إلى معرفة الباقي من الريال (المجيدي) بعد شراء علبة الدخان، فكان يشتم البيّاع كل مرة عشرين شتيمة، منها أربع على الأقل من الشتائم المبتكَرة التي لم ينطق بها قبله أحدٌ من الهجّائين، لا الحطيئة ولا جرير ولا دعبل ولا المتنبي، ويتهمه بالسرقة والاحتيال، حتى يجتمع ثلاثة من المارة ويعدّوا القروش ثلاثاً من المرات، ويحلفوا له ثلاثاً من الأَيْمان على أن البياع لم يسرقه ولم يحتَلْ عليه. وكان قليلَ البضاعة في الأدب العربي، ولكنه كان مطّلعاً على الأدب التركي، وكان آية في معرفة الأدب الفرنسي لا سيما شعر الحب والعاطفة، وكنت تسمع منه تلخيص قصيدة لموسّه

стр. 354

أو قطعة لشاتوبريان فتظنه أشعر من شاتوبريان ومن موسّه، ولقد سمعت منه قصة «جوسلان» للامارتين ثم قرأتُها، فوجدت تلخيص معروف أحلى من شعر لامارتين! ولمّا شرع يؤلّف «سيد قريش» لم يكن قد جدّد دراسته للتاريخ فكان مستشاره الحاج فلان (طمست اسمه بعد أن كتبته) وهو رجل قرأ في زمانه التاريخ ونسيه ثم نسي أنه نسيه، فكان معروف كلما سأله عن حادثة من الحوادث يكدّ ذهنه وينبش ذاكرته، ويتلمّس من بين المعلومات القديمة التي غطّى عليها غبار الزمان حقائق لم تصل إلى علم أحد من المؤرّخين فيقول له ما مثاله: طلع العرب يوم «ذي قار» من الرياض وهجموا على الظهران، وكان يقودهم أبو الأسود الدؤلي الذي وضع علم الفقه، وكان بطل المعركة الوليد بن هارون الرشيد الذي قال فيه المتنبي: قادَ الجيوشَ لسبعَ عشرةَ حِجّةً ... كادَ المعلّم أن يكونَ رسولا ومعروف يدوّن هذه الحقائق ويجعلها دعائم لبنائه القصصي، ثم يصب فيها عبقريته الفنية ويجمّلها بفنه العبقري، حتى إذا أتمّ كراريس من الكتاب وطبعها جاء مَن ينبّهه إلى هذا التخليط العجيب، فثار وفار ومزّق ما طبع، وسَمّى صاحبنا «أباجهل» وراح يخصّه في الحضور وفي الغياب بأجمل ما تفيض به قريحته من السباب، وذاك يضحك منها ولا تزيده إلاّ شحماً ولحماً وزيادة في الوزن وفي حب الأكل (١).

стр. 355

كان في دمشق يومئذٍ (أي سنة ١٩٣٠) أربع جرائد: «المقتبس» و «ألف باء» و «الشعب» و «فتى العرب»، وجرائد أخرى ليست في منزلة هذه الجرائد ولا هي مُطّردة الصدور مثلها. وكانت إدارة «فتى العرب» في العمارة الصغيرة التي كانت بين قصر الحكومة (السراي) والبلدية وسينما غازي وهُدمت، وكانت تشتمل على دكّانَين فوقهما بهو واسع، وكانت هيئة التحرير (وهي مؤلّفة من الأستاذ معروف ومنّي!) في دكّان، والإدارة والتوزيع في دكّان يشرف عليهما موظف واحد ... وكان فوقه المطبعة وعُمّالها. وكان عمالها من الصفوة المختارة لأن خط معروف كان أعجب خطّ رأيته، وكان الناظر إليه أول مرّة لا يدري هل الذي يراه خرابيش ولد مبتدئ أم نوع من الخطّ المسماري القديم. لذلك لم يكن يقدر على قراءته إلاّ من تعوّد عليه من مَهَرة العمال. هنا كتب معروف رواياته «سيد قريش» و «عُمَر بن الخطاب» (التي لم يكن فيها عن عُمَر إلاّ العنوان) و «طارق بن زياد» و «فاطمة البتول»، كان يكتبها في هدأة من الليل حين تخلو الساحة من الناس ويسكن الجوّ وتصفو النفس، وأمامه بردى، وإن كان بردى يصل إلى المرجة عجوزاً وانياً، ليس هو بردى الشاب الذي يقفز على صخرات الوادي يتوثب من القوة ويكاد يتفجر بالنشاط. ولم يكن قد جاء دمشقَ هذا البلاء الذي عكّر صفاء الليل وأطار نوم النائم، وزاد أوجاع المريض وعطّل عن دراسته الطالب، لم يكن في دمشق كلها إلاّ رادّ (راديو) واحد جاء به محمد علي بك العابد، ثم جاء الأمير سعيد الجزائري (حفيد الأمير عبد القادر)
следующие страницы →