-٢٢٤ -
مؤتمر القمة الإسلامي
كان أقصى عمل العالِم أن يعمد إلى كتاب من الكتب فيجمع عليه تلاميذه، يشرح لهم عبارته ويوضح مقاصده، يفلّي العبارة ويقلبها ويحلّلها تحليلاً، يقف عند كل كلمة: لماذا قالها المصنّف ولم يقُل ما يرادفها ويؤدّي معناها؟ وعند كل ظرف وعند كل حرف عطف. وكانت هذه هي الطريقة الأزهرية لمّا أضاع علماء الأزهر ملكة الإبداع واقتصروا على الاتباع. وقد بدأت هذه المرحلة من القرن التاسع الهجري أو قبله بقليل، ولو رسمنا للعلوم خطاً بيانياً لوجدناه يبدأ دقيقاً مائلاً إلى الصعود، ثم يصير عريضاً، ثم يبلغ مداه فيستمرّ مستقيماً لا يعلو ولا ينزل، ثم يبدأ النزول.
مثله مثل بضاعة جديدة حملها إلى البلد تاجر فأقبل الناس عليها، ثم تتابع ورودها، ثم كثرَت عند البائعين فجمعوها في مستودعات ضخمة ومخازن كبيرة. ثم انقطع الاستيراد واكتفى الناس بما في المخازن والمستودعات، يتوزعها الباعة يفتنّون في عرضها في الأسواق. وكان عصر الجمع أو عصر الموسوعات، وهو القرن التاسع الهجري، جُمعت فيه أصول العلوم في كتب
стр. 2907
واسعة، ككتاب «الإتقان» في علوم القرآن و «المزهر» في علوم اللغة و «نهاية الأرَب» و «صبح الأعشى».
كل العلوم مرّ بهذه المراحل. آخذ واحداً منها أمثّل به عليها، هو علم (أو علوم) البلاغة؛ كان الأدباء والشعراء يخترعون المعاني الجديدة والأساليب الطريفة، فكان النقّاد كلما وجدوا شيئاً جديداً وضعوا له عنواناً وضمّوه إلى أمثاله، فكانت «البلاغة»، وهي النقد منظَّماً. ثم استمرّ الشعراء والأدباء يجدّدون، ووقف النقّاد (أي علماء البلاغة) عند كتابَي عبد القاهر الجرجاني وتلميذه السكّاكي، ثم جاء القَزويني فلخّص ما في كتاب السكاكي. ثم صارت «البلاغة» كلها تدور حول «التلخيص»، فمِن شارحٍ له ومن معلّق عليه، ومن مختصر للشرح ومن شارح للمختصر، ولم نعُد نجد عندهم جديداً.
لذلك قُلت إن عمل العلماء اقتصر على العكوف على تراث الأوّلين، لا يخرجون عليه ولا يجاوزون حدوده. حتى إن شيخ مشايخنا في الشام الشيخ عبد المحسن الأسطواني الذي سبقَت الكتابة عنه في هذه الذكريات، وكان من تلاميذ جدّنا الشيخ محمد الذي قدم الشام من طنطا، كان يحدّثنا عنه يعدّد مزاياه، فذكر مزيّة أكبرها ورأيناها أمراً عادياً، هي أنهم كانوا يقرؤون على شيخ من مشايخ دمشق (سمّاه لنا ونسيت اسمه) فمرّت في الكتاب عبارة لم يدركوا غرض المصنّف ﵀ منها، فقلبوها على وجوهها وأخذوها من جميع أطرافها، فلم يَضِح لهم المقصود بها، فقال لهم شيخهم: اعرضوها على الشيخ محمد الطنطاوي. فلما جاؤوه بها ضحك وقال: دي غلطة من الناسخ. وأخذ القلم فصحّحها.
стр. 2908
وكان هذا هو الذي تعجّبوا منه: كيف يُقدِم على نسخة لمؤلّف قديم فيصحّحها من عند نفسه؟ ثم وجدوا نسخة أخرى من الكتاب فإذا الكلمة كما صحّحها.
كان العلم كله رواية لا دراية وكان حفظاً لا دراسة، كالذي ينقل أمواله من مصرف إلى مصرف أو يُبدِلها من عملة إلى عملة، ولكن لا يزيدها ولا يضيف شيئاً إليها. لم يشذّ عن هذه الصفة من كل من عرفت من علماء بلدي (وأنا أكاد أعرفهم جميعاً) إلاّ الشيخ سعيد الباني من دمشق والشيخ بدر الدين النَّعْساني من حلب. حتى الشيخ جمال الدين القاسمي كانت كتبه كلها وكان تفسيره المشهور جمعاً لأقوال العلماء، ما حقّق -فيما أعلم- مسألة فجاء فيها بشيء جديد.
وبقيَت هذه الخلّة عند المشايخ في دروس الدين إلى الآن، حتى في الجامعات. هل سمعتم أن طلاب الجامعة يُقرَّر عليهم في المادة كتاب واحد، يشرحه المدرس ويحفظه الطلاب ويُسألون منه يوم الامتحان؟ حتى في العلم الجديد الذي سمّوه الثقافة الإسلامية (وكان أول من درّسه نحو سنة ١٩٤٠ هو الشيخ راغب الطبّاخ في حلب وأنا في دمشق)، حتى هذا العلم الجديد صار له كتاب.
ولا تزال تَرِدُ على برنامجي في الرائي (التلفزيون) شكاوى الطلاب من هذا الكتاب، وقد أرسل إليّ أحدهم نسخة منه أشار إلى أبواب فيه مقرَّرة عليهم. فلا يغضب مني مؤلّفوه، وهم من أصدقائي، إذا خبّرتهم صادقاً أنني أحسست لمّا قرأته كأني أريد
стр. 2909
أن أمزّق صفحاته أو أن تتمزق أعصابي، وكأنه لا يشفي نفسي إلاّ أن أضرب به أو برأسي الجدار! ووجدته أقوى الوسائل لتنفير الطلاّب من الثقافة الإسلامية وتسويدها في عيونهم.
وأنا أذكر أول درس حضرته في كلية الحقوق في دمشق سنة ١٣٤٨هـ، من نحو ستين سنة، وقد دخل علينا الأستاذ فكان مما قال لنا: لقد انتقلتم اليوم من مرحلة التلقّي والحفظ إلى مرحلة الاعتماد على النفس والمشاركة في البحث، فأنا أُلقي عليكم المحاضرة وأدلّكم على المراجع، ولكني لا أُلزِمكم كتاباً تقرؤونه ولا أقبله منكم لو اقتصرتم عليه. أنا أريد أن أربّي العقل لا أن أقوّي الذاكرة، ففكّروا برؤوسكم لا برأسي أنا، وإذا انتهيتم إلى رأي يخالف رأيي وكان لكم عليه دليل قبلته منكم وأعطيتكم عليه الدرجة العالية في الامتحان.
وكان هذا الأستاذ هو المسيو ستيف، المستشار التشريعي يومئذ للحكومة السورية. ولا يمنعني أنه فرنسي من أن اشهد له بالحقّ أنه عالِم.
والنجّار وأرباب المهن يعلّمون الأجير أولاً بألسنتهم، ثم يُشهِدونه عملَهم، ثم يكلّفونه أن يباشره بيده فيقومون عليه يصحّحون له خطأه، ثم يدَعونه يستقلّ بنفسه. فهل يكون النجارون والحدادون وأصحاب المهن والصناعات أعرفَ بوجه الصواب من أهل الجامعات؟ وإذا قرّرنا كتاباً واحداً لطلاب الجامعة، يُلقي المدرّس عليهم ما فيه ويحفظون هم ما يُلقيه ثم يضعونه في ورقة الامتحان، لم يبقَ من فارق بين المدرسة المتوسطة والثانوية وبين
стр. 2910
الجامعة، وكان من نتيجة ذلك أن نركّب في هذه الكرات التي أقامها الله بين أكتافنا شريط تسجيل لا دماغاً حياً!
لمّا كنت شاباً تُرجم إلى العربية كتاب أظنّ أن اسمه «التربية الحديثة» لأدمون دومولان، وقد نسيت اسم مترجمه، وهو باقٍ في مكتبتي في الشام التي لا أعلم هل يُكتب لي أن أعود فأراها أم أموت بعيداً عنها. كان لهذا الكتاب أثر بالغ في نفسي وفي نفوس الذين قرؤوه، لأنه جاء بشيء جديد (أو بشيء كان في تلك الأيام يُعَدّ جديداً). قرأته مرات وبقي في ذهني كثير مما فيه؛ من ذلك أن المؤلّف ذهب إلى إنكلترا ليدرّس في إحدى مدارسها، فقابل مديرها وأخرج له شهاداته، فنحّاها المدير مبتسماً وقال له: أنا لا أريد أوراقاً بل مدرّساً، وهؤلاء هم طلاّبك، فتفضل فألقِ الدرس عليهم.
فكان مما تعلمته منه أن كفاية المرء لا تُقاس بشهاداته بل بعلمه وعمله.
ولمّا أُسّس أول قسم للدراسات العليا في المملكة في مكة المكرمة كانت اللجنة التي وضعت نظام هذا القسم مؤلَّفة من عميد كلية التربية في تلك الأيام الأستاذ البغدادي، وأخي الدكتور أمين المصري رحمة الله عليه، وهو الذي سعى في إنشاء هذا القسم وألحّ في هذا السعي وصبر فيه على المتاعب، والدكتور إسحاق الفرحان الذي صار وزير المعارف ووزير الأوقاف في الأردن، فلم تغيّره الوزارة كما غيّرَت من الناس غيرَه وبقي يعيش فيها كما كان يعيش قبلها ويعمل للإسلام كما كان يعمل، وأنا.
стр. 2911
ولعلّي نسيت بعض من كان حاضراً معنا. فرجع الأستاذ البغدادي والدكتور المصري إلى مكة بعد أيام، وبقيت في الرياض أحاول أمرين: الأول أن لا تكون الشهادة هي الشرط اللازم الكافي (كما يقول أهل الرياضيات)، وأن يكون للوزير الحقّ في أن يستثني خُمس الأساتذة أو عُشرهم من شرط الشهادة، وقلت لمعالي الوزير (١): خبّرني ياسيدي، هل تستطيع إذا اقتصرتَ على الشهادة وجعلتها وحدها مقياس الرجال وبعث الله جدّك الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هل تستطيع أن تجعله معلماً في مدرسة أولية في قرية من القرى؟ وهل يستحيل على الله أن يجعل في هذا العصر من هو كجدّك في علمه وعمله وهو مثله لا يحمل شهادة؟ بل إن أمامنا ياسيدي مثلاً ظاهراً، هو الأستاذ العقّاد ﵀.
ولولا الحياء لضربت من نفسي مثلاً فقلت إنني كتبت ما كتبت وحاضرت ودرّست في الأدب وفي علوم الدين وما أحمل شهادة في واحدة منهما. ولمّا كنت أناقش الشيخ السباعي في اشتراكية الإسلام كتبت مقالة حاولت فيها أن أكون رفيقاً رقيقاً ما استطعت وأن أكلمه كلام الصديق المحب (وأنا أحبّه والله حقاً، رحمة الله عليه) لا كلام الناقد الشانئ، فجاءته «الحِمصيّة»، والعفو من إخواني أهل حمص، فقال لي: إنك لست اختصاصياً في العلوم الشرعية، لذلك أُعفي نفسي من الردّ عليك.
وجاءني عشيةَ نَشْرِ مقالته بعدما ذهب ثلث الليل جماعة من
стр. 2912
إخواني، أذكر منهم الأستاذ نهاد القاسم وزير العدل المركزي أيام الوحدة ﵀، والتاجر الأديب رفيق المدرسة سنة ١٩١٩ الأستاذ هُدى الطباع، وأظن ظناً أنه كان معهم أخي الدكتور معروف الدواليبي رئيس وزراء سوريا سابقاً. فلما فتحتُ لهم الباب قالوا ضاحكين: لا ندخل دارك ولا نشرب قهوتك حتى تَعِد بأن تلبّي طلبنا. قلت: فهمت؛ لن أردّ عليه. فتعجّبوا وقالوا: من خبّرك بالذي نريد؟ قلت ضاحكاً: ذكائي. فكّرت ما الذي جمعكم في هذه الساعة وما الذي جاء بكم، فخطر لي أنكم كنتم في سهرة فقلتم: إن الطنطاوي سيردّ على السباعي والسباعي سيعود فيردّ على الطنطاوي، وكلاهما معدود من دعاة الإسلام، ولن نستطيع أن نستردّ ما قيل فلنعمل على تدارُك ما سوف يقال.
قالوا: والله هذه هي الحقيقة.
ولقد لقيت كثيراً حين ضعت بين الأدب وبين الفقه: إذا كان مجمع فقهي أقصوني عنه وقالوا: هذا أديب، وإن كان اجتماع أدبي قالوا: هذا شيخ فقيه. وأنا لا آسى على عضوية المجمع ولا على حضور الاجتماع، ولو جرّوني إليه بالسلاسل لَما ذهبت إليه، ولا رغبة لي فيه، ولكنني أقرّر الواقع.
* * *
الأمم كالأفراد تصحّ وتمرض، وتشبّ وتشيخ، وتنام وتصحو. ويظهر أن نشأتي كانت في أيام مرض أمتي لا في أيام صحّتها:
стр. 2913
جاءَ الزمانَ بنوهُ في شبيبتِهِ ... فسَرَّهُمْ وأتيناهُ على الكِبَرِ
وأنها كانت في عهد نومها لا في حين يقظتها. وما أذكر أنه مرّ عليّ يوم في شبابي إلاّ والذي بعده كان شراً منه، وأن ما بكينا فيه منه بكينا بعده عليه؛ ذلك أننا كنا -نحن المسلمين- في نَومة طويلة امتدّت إلى أوائل القرن الماضي، ثم صحونا على صوت منا يهتف بنا أن نعود إلى ينابيع قوتنا ومصدر عزّتنا، هو صوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصوت غريب عنا ينبّهنا إلى ما جدّ عند غيرنا فأقبلوا عليه وبقينا نحن نعيش على قديمنا الذي نشأنا فيه، هو الحملة الفرنسية على مصر.
لقد كان المسلمون دولة واحدة، فانشعبت منها شعبة لمّا ذهب عبد الرحمن الداخل الأموي إلى الأندلس فأقام فيها إمارة صارت بعده دولة أخرى، ثم توالى الانقسام وازداد التفرّق، حتى إذا انتهت الحرب الأولى صارت سوريا (التي كانت على عهد العثمانيين ولاية واحدة) صارت دولاً: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة جبل الدروز. وشهادتي الابتدائية في أعلاها طُغَراء «دولة دمشق» وفي أدناها توقيع حاكم هذه الدولة حقي بك العظم!
هوت دولة الخلافة كما قال شوقي: «هوَتِ الخلافةُ عنكِ والإسلامُ». أمّا الخلافة فنعم، أما الإسلام ياأمير الشعراء فلا يهوي أبداً، وإنما هو إلى ارتفاع وإلى سموّ والعاقبة له. كان أعداء الإسلام عاملين على هدم الخلافة، وتولّى كِبر ذلك اليهود، شياطين البشر وسبب كل أذى وضرر، الذين يُفسِدون بأموالهم
стр. 2914
وبنسائهم، أرادوا أن يُغرُوا بالمال السلطانَ عبد الحميد فخيّب أملهم وضرب وجوههم بأموالهم، فأعملوا فيه كيدهم ومكرهم، فسوّؤوا اسمه وشوّهوا صحيفته وافتروا عليه ونسبوا كل رَزيّة إليه، فجعلوه مثال الاستبداد والظلم يُحصي على الناس بالجاسوسية أنفاسهم ويُغرِق في مياه البوسفور كِرامهم. ونشأنا نحن على ذلك واعتقدته حيناً، لأن فريقاً من أساتذتنا (كخالي محب الدين، ومِن قبله بقليل محمد كرد علي) كانوا يميلون إلى القول به. وكل إنسان يُخطئ ويُصيب والعصمة من الله لرسله وحدهم. وأخذ ذلك أدباء النصارى فنفخوا فيه ووسعوه، وكنت مُقبِلاً تلك الأيام -كأمثالي من الشباب- على قصص جرجي زيدان وفيها هذه الفرية مدسوسة بين سطورها، كما دسّ فيها على الإسلام وعلى تاريخه، واستمرّ ذلك حتى حصحص الحقّ وأزهق الله الباطل.
ولقد نشر أخي الأستاذ سعيد الأفغاني في مجلة «العربي» على عهد الدكتور أحمد زكي (١)، رسالة من السلطان عبد الحميد نفسه إلى الشيخ أبي الشامات في الشام، أرجو أن يعود المعنيّون بالتاريخ إليها، فإنها وثيقة ثمينة جداً نادرة المثال.
سخّر اليهود إخوانهم من الاتحاديين فضعضعوا هذا البنيان وهزّوا صرح الخلافة، وأرادوا أن يمحوا شعار العربية عنها وأن يجعلوها تركية، ثم أدخلوا الدولة حرباً ما لها فيها شأن ولا لها منها نفع ووضعوها مع الفرقة الخاسرة، ثم جاء مَن نحر ناقة الله فأحل قومَه دار الخسار، فتفجّر هذا الكوكب الضخم فصار شُهُباً صغاراً.
стр. 2915
وأنا لا أريد أن أكتب تاريخاً وإنما أسرد ذكريات، فيميل بي القلم يميناً أو شمالاً، ثم أعود إلى طريقي.
* * *
لقد عشت أكثر شبابي وسماءُ بلاد العرب ملبّدة بالغيوم لا يبدو فيها من الشمس شعاع، حتى إذا كانت سنة ١٩٧٣ (إن لم أكن قد أخطأت التاريخ) وكان قد مرّ عليّ عشر سنوات وأنا أدرّس في جامعات المملكة، في الرياض أولاً ثم في مكة، وأذيع من إذاعتها، كنت قادماً بالطيارة من الرياض إلى جدة، فاتفق أن كنت قريباً من الشيخ السقّاف رحمة الله عليه، الذي كان وزير الخارجية أو يقوم مقام وزير الخارجية، فخبّرني خبراً ملأ قلبي مسرّة، هو أن المملكة وجّهت الدعوة إلى وزراء خارجية الدول الإسلامية ليعقدوا مؤتمرهم ليكون تمهيداً لمؤتمر القمة الإسلامي، وأبلغني عن المقام السامي بأن أكون في الفندق الذي ينعقد فيه اجتماع الوزراء، حتى إذا عرضَت مسألة شرعية وكان لي علم بها ورأي فيها سُئلت عنها.
فركبني والله همّ أحسست منه كأن صخرة قد وُضعت على كتفَيّ، ولم أدرِ كيف أعتذر عنها وأتخلص منها. وكان قد دُعي إلى هذا مثلي الشيخ الصوّاف والدكتور أمين المصري، فشكوت إليه ورجوت أن يخلّصني، فأخذني إلى لقاء الملك رحمة الله عليه. وقاموا إلى الغداء فأقاموني معهم، وأنا أتحرّج أن آكل في الفندق أمام الناس فكيف على مائدة الملك؟ ولم يكن على المائدة إلاّ هو ﵀ والدكتور معروف الدواليبي والدكتور أمين المصري
стр. 2916
والشيخ الصواف وأنا. وكان عليها ضيفان أحسبهما من الصحفيين من لبنان، وجعلوا يأتون بطبق بعد طبق، وأنا لا يحتمل أكلي كله ستّ دقائق فكيف أنتظر حتى ينتهي الطعام؟
وجاؤوا بطبق فيه شيء حسبته من المعجَّنات، فأخذت الشوكة لأمسكه بها ثم أقطعه بالسكين (كما رأيت الناس يصنعون)، وإذا هو صلب لا تنزل الشوكة فيه، وإذا هو ينطّ (وكلمة «نطّ» فصيحة) من الطبق، وأنا يجلّلني الخجل ولا أدري ما العمل، وأقول لنفسي: ويحكِ يانفس ما الذي جاء بك إلى مائدة الملك؟ ومتى كنتُ أصلح لها؟ وأجد أن الحقّ كله على الشيخ الصواف الذي أدخلني هذا المدخل، الذي يراه الناس نعمة يحرصون عليها وأجده أنا عذاباً أهرب منه، وتمنيت أن أجد شقاً في الأرض أو زاوية في الغرفة أختبئ فيها. وليس يعلم إلاّ الله كيف أمضيت مدّة الطعام، ولكن الذي أعلمه أنني قمت وأنا جائع.
ولم أجد مجالاً لأكلم الملك ليُعفيني مما دعوني إليه وما أهمّني حقاً، فعدت إلى الشيخ الصواف، وأحسب أنه هو الذي جرّ عليّ هذا كله، فاقترح أن يذهب بي إلى وزير الخارجية. فقابلت السقاف ﵀ وقلت له: إن دار بنتي قريبة من وزارة الخارجية، وسأبقى إلى جنب الهاتف فإن طلبتموني جئت، ولكني أستحلفك بالله أن تُعفيني من النزول في الفندق ومن أن أكون من الوفود.
وكان هذا هو الاجتماع التمهيدي الأول للقمة الإسلامية التي توالى عقدها، والتي تنعقد للمرة الخامسة في هذه الأيام في الكويت. إنه من يوم ذهب عبد الرحمن الأموي إلى الأندلس
стр. 2917
سنة ١٣٨هـ إلى حين انعقاد القمة الإسلامية الأولى، في هذا التاريخ الطويل الذي امتدّ أكثر من ألف ومئتَي سنة لم يجتمع حُكّام المسلمين في مكان واحد تحت سقف واحد ولم يتفقوا على رأي واحد، حتى اجتمعوا هذه المرة، اجتمعوا بعد التفرّق وتقاربوا بعد التباعد، وصدروا ببيان واحد فيه رأي واحد. لا أقول إنه أعاد الوحدة ولا جدّد الخلافة، ولا أقول إنها رجعت به دولة عمر بن الخطاب ولا دولة عمر بن عبد العزيز ولا دولة الرشيد ولا المأمون، بل أقول إنها بداية مرحلة جديدة ومولد عهد جديد.
إنه الفجر بعد الليل الذي طال حتى كدنا نيأس فيه من رؤية النهار. والفجر فجران: الفجر الذي تبدو فيه خيوط النور متفرقة على حاشية الأفق، ثم يأتي بعده الفجر الصادق الذي يملأ الأفق نوراً ويطلع على الدنيا نهاراً حقيقياً، والذي ينادي عنده المؤذن: «حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم» فينفض النائمون الأغطية عنهم وينهضون يستقبلون يوماً جديداً بعزم جديد، ينبّهون العزائم بالوضوء الذي يُزيل عن أعضائهم بقايا المنام، ثم يستمدّون العون من الله بالصلاة التي يستنزلون بها النصر ويرجون الفلاح.
وقد يكون هذا الحدَث فجراً كاذباً لا يجب به الصوم ولا تصحّ فيه صلاة الفجر، ولكنه فجر على كل حال. إن لم يكن نهايةَ الليل فإنه دليل على أننا صرنا في أواخر الليل، وإن لم يكن بداية النهار فإنه دليل على أننا دنونا من النهار.
وكل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر: السنديانة الضخمة تبدأ نبتة صغيرة يستطيع العصفور أن يتناولها بمنقاره، والمنارة العالية تبدأ
стр. 2918
سدّة واطية يقدر الولد أن يتخطاها برجله، والإنسان يُولَد قطعة جامدة من اللحم والعظم لا تنطق ولا تتحرك. ثم تكبر السنديانة حتى تصير دوحة راسية لا تزعزعها الأعاصير، وترتفع المنارة حتى تغدو صرحاً عالياً لا يصل إلى ذُراه إلاّ النسر والعقاب، وينطق الولد الأبكم حتى يأتي بروائع البيان وخوالد القصائد، ويمشي حتى يجزع الأرض ثم يعلو الجبل ثم يركب الفضاء إلى القمر.
وهذا المؤتمر إن بدأ صغيراً فسيكبر إن شاء الله، وستجتمع في مثله القلوب كما اجتمعت فيه الأجساد والآراء، ثم يصير المؤتمر جامعة للدول الإسلامية، ثم تصير الجامعة اتحاداً، ثم يغدو الاتحاد وحدة. وحدة إسلامية كما أمر الله أن تكون، أمة واحدة الله ربّها ومحمد إمامها، والقرآن دستورها، والحكم لها والعلم فيها، تمتدّ من غانة إلى فرغانة، تجمعها الكعبة التي نُطيف بها ونقوم صفوفاً من حولها، دوائر وسط دوائر، وهي مركز مدارها وقطب رحاها.
لا تستكثروا شيئاً على الله، فالله الذي منح أجدادكم السيادة والسعادة والحضارة والسلطان هو الله باقٍ لا يزال، قادر على نصركم إن نصرتموه، يدافع عنكم كما وعدكم، ولكنّ لكل شيء سبباً؛ فمَن حرث وزرع أعطاه الله الثمر، ومن درس وقرأ منّ الله عليه بالنجاح، ومن تداوى نال من الله الشفاء. وسببُ نصركم أن تنصروا ربكم، وتتبعوا شرعكم، وتتمسّكوا بدينكم.
يا أيها الإخوان، إلى متى نقول هذا الكلام فلا يستمع له أحد؟
* * *
стр. 2919
-٢٢٥ -
الفقيدان الوزير والمدير،
ومن قبلهما فقدنا الأمير
كنت أهمّ أن أكتب في الحلقة الماضية عن «مدرسة التلفزيون»، عن اقتراح رفعتُه إلى وزارة المعارف من نحو عشرين سنة ودارت فيه رسائل رسمية وشخصية بين ثلاثة هم: وزير المعارف الشيخ حسن بن عبد الله بن حسن، ووكيلها الشيخ عبد الوهاب عبدالواسع، ومدير مدارس الثغر الشيخ عبد الرحمن بن صالح التونسي. وكنت أرتّب هذه الرسائل وأحاول أن ألخّصها وأن أجلو للقراء صورة عنها، وبينما أنا في ذلك إذ جاءت الجريدة وفيها نبأ أحسست أنه مسّ أعصابي مسّ تيار الكهرباء، نفضني نفضاً، ومعه نبأ مثله، فزُلزلتُ زلزالاً؛ ذلك هو نبأ المصاب بالوزير وبالمدير، أسأل الله لهما الرحمة، وللوكيل (الذي هو اليوم وزير الحجّ والأوقاف) طولَ العمر ودوام التوفيق.
لقد سقط الشيخ حسن كما يسقط المجاهد في المعركة يمضي شهيداً سعيداً، قضى وهو ينظر في داره في المعاملات الرسمية التي لا ينظر غيره فيها إلاّ في المكتب وفي ساعات
стр. 2920
الدوام، وبعضهم يسرق جانباً من ساعات الدوام فلا يكون فيها في المكتب، وبعضهم يسوّف ويؤجّل ويدع أصحاب الحاجات يتقلبون من انتظار إنجازها على الجمر. وأذّن المغرب فقام ليلبّي داعي الله، وطلب كأساً من الماء فجاؤوه به، ولكن المقدار عاجله فلم يشرب الماء.
فقعدت أفكر: أهذه هي الدنيا التي نتزاحم عليها ونتسابق إليها ونجعلها أكبر همّنا؟ أفي مثل ردّة الطرف ولمحة البرق يصير الإنسان الحيّ الذي كان ملء الأنظار والأسماع ذكرى تُذكر وحديثاً يؤثر؟ أمّا كأس الماء فإني أسأل الله أن يشربها من أيدي الحور العين في جنة النعيم بفضل الله ورحمته، إننا ندعو ولا نملك له ولا لأنفسنا شيئاً.
ومن قبلُ فاجأني وهزّني نعي الشيخ إبراهيم بن عبد العزيزبن إبراهيم. ثلاثة عرفت آباءهم قبل أن أعرفهم.
أما الشيخ إبراهيم فكان فتى يافعاً يوم عرفت أباه وأنزلني ضيفاً عليه مع الشيخ ياسين الروّاف في قصر الإمارة، أيام مقامنا في المدينة المنورة. وقد جالست الشيخ إبراهيم يومئذ فرأيت ذهناً متوقداً وذكاء حاداً، ورغبة في العلم والأدب واطّلاعاً على آثار الكبار من أدباء ذلك الزمان، كالعقّاد والمازني والرافعي والزيات وهيكل (حسين لا حسنين). ثم سافرت وانقطع ما بيني وبينه، حتى قدمت المملكة سنة ١٩٦٣ وكان وكيل إمارة مكة المكرمة، فلم يُنسِه طول المدى ولا كبر المنصب أنني جالسته ساعات قبل نحو ثلاثين سنة، فدعاني. وحاولت -على عادتي- الفرار من الدعوة،
стр. 2921
فسدّ عليّ مسالك الهرب حتى استسلمت وألقيت السلاح. وكانت جلسة استمرّت خمس ساعات، ولو استمرت خمسة أيام لَما مللتها ولا ضقت بها، لأنني وجدته قد نضج وكملَت فضائله وازدادت معارفه.
أمّا الشيخ حسن والشيخ عبد الرحمن فلم ألقَهما في قَدْمتي تلك إلى المملكة سنة ١٣٥٣هـ لأنهما وُلدا سنة ١٣٥٢.
* * *
وكذلك يغدو الإنسان في هذه الدنيا حديثاً بعده. ولكن الحديث عن هؤلاء الثلاثة يعبق منه العطر وترتاح له كل أذن ويصدقه كل سامع، وإذا ذكر فَقْدَهما المفاجئ قطر من عينه الدمع فشاركَت فيه كل عين وأسِيَ له كل قلب.
ما عرفت لهؤلاء الثلاثة كارهاً، فكأنهم وسعوا الناس بحسن الخلق ولين المعاملة، مع الاستقامة على طريق الحقّ. وإذا كانت ألسنة الخلق أقلام الحقّ كما يقول الناس، فإني لأرجو أن يكون هذا الكثير الطيب الذي كُتب عنهم شهادة عند الله لهم.
أنا ما كنت ألقى الشيخ حسن والشيخ عبد الرحمن عليهما رحمة الله مرتين في السنة، ولكني كنت مطمئناً عليهما اطمئنان الأخ على أخيه وهو بعيد عنه، فإن أصابته مصيبة شاركه مصابه وإن أنعم الله عليه نعمة فرح بها له.
ولم أكن أتوقع أبداً أن أقرأ خبر وفاتهما، لذلك صُدمت به لمّا سمعته، كما صدمني من قبلُ خبر وفاة الشيخ إبراهيم لمّا
стр. 2922
قرأته، لأنني عرفت آباء الثلاثة قبل أن أعرفهم. ولو كان الموت يأتي بالدَور يُصيب الأكبر فالأكبر لكنت أنا سابق الثلاثة، ولكن لله حكمة تقف دونها أفهام الناس.
أمّا الشيخ عبد الله بن حسن فقد كان يوم قدمتُ المملكة قاضي القضاة، وكنت أزوره كل يوم في المحكمة التي كانت في شمالي الحرم ودخلَت الآن فيه لمّا وُسّع وجُدّد بناؤه، وكان صدّاعاً بالحقّ مقيماً للشرع، ورأيت منه -على ذلك- شفقة وعاطفة ورقّة قلب. كان متعبداً صالحاً، ما جئت للحرم للصلاة مدّة إقامتي القصيرة في مكة إلاّ وجدته في الصف الأول يقرأ القرآن ينتظر الصلاة. ومَن كان في انتظار الصلاة كان في صلاة. وكان يفتي على مذهب الإمام أحمد، فإذا جاء الحديث الصحيح على غير المعتمَد في المذهب أخذ بالحديث. وهذا هو الحقّ، ولقد وفّقني الله إليه بعدما لبثت دهراً من عمري حنفياً لا أعدل بمذهبي شيئاً ولا أدعه بحال، وأنا أستغفر الله الآن مما كنت عليه وأحمده على ما صرت إليه.
وأمّا الشيخ صالح التونسي فكان شيخي، لزمتُه سنين وسنين يوم كان مقيماً في دمشق، وكان مدرّساً لنا في المدرسة الجقمقية عند الباب الشمالي للجامع الأموي، وقد سبق الكلام عنه وعنها في هذه الذكريات. وكان صديق أبي، فأرسلني إليه أقرأ عليه دروساً خاصة في غرفته في المدرسة البادرائية، وهي مما بنى الأجداد من المدارس.
وكنت قبل ذلك أقف على حلقته في الجامع الأموي يوم
стр. 2923
كانت حلقات الدروس في هذا الجامع كثيرة، وكانت الحلقة الكبرى منها تحت قبة النسر يتولاّها أكبر علماء الحديث في البلد، وكان مدرّسها على عهدنا الشيخ بدر الدين الحسَني شيخ علماء الشام. وكانت حلقة الشيخ صالح تمتاز منها كلها لأنها كانت كالمدرسة الجامعة، فيها حديث وفيها قواعد في المصطلح وفي الأصول وفيها تاريخ وشعر وأدب، وكان الشيخ فصيح العبارة طلق اللسان كثير السجع، يأتي معه عفواً بلا تكلُّف بلهجته التونسية الجميلة.
وفي هذه الحلقة عرفت أول مرة الأستاذ سعيد الأفغاني سنة ١٣٣٨هـ، واستمرّت صحبتنا العمر كله ثم صار عديلي، جدّ زوجتَينا (والد أمّهما) الشيخ بدر الدين الحسني.
وقدّمت القول بأن الشيخ صالح كان شديداً فما كنا نحبّه ونحن صغار، فلما كبرنا وأدركنا مبلغ ما استفدنا منه من علم ومن أدب، بل ومِن دين ومن خُلُق، أحببناه. ثم ودّعَنا وهاجر إلى المدينة المنورة فكان مدرّس المسجد النبوي، وكان ذلك في الأربعينيات من هذا القرن الهجري، لأنني لمّا جئت المدينة في رحلتنا تلك من أربع وخمسين سنة كان قد مرّ عليه زمان وهو فيها.
وفي المدينة تزوّج (كما أظن) ووُلد له الفقيد الأستاذ عبدالرحمن ﵀، ومن قبله الأستاذ الطيّب الذي بلغ أعلى السلّم في الرتَب العسكرية، على علم وفضل وسعة اطلاع، أطال الله عمره. وله إخوة ما عرفتهم. وفهمت أن عمّ أمهم هو شيخنا وأستاذنا في المدرسة السلطانية الثانية في دمشق سنة ١٣٣٧هـ
стр. 2924
وهو الشيخ زين العابدين التونسي، الأخ الأصغر لشيخ مشايخنا السيد الخضر الحسين، الذي ولي مشيخة الأزهر وأسّس جمعية الهداية الإسلامية في مصر يوم أُسّسَت جمعية الشبان. وكنت ألقاه في المطبعة السلفية عند صديقه خالي محب الدين، وهو صديقه، كما ألقى العالِم النبيل المؤرّخ المحقق أحمد تيمور باشا، وكانا متشابهَين في سعة العلم وشدّة الحياء وكثرة التواضع ولين الجانب.
وعندي عن الشيخ صالح ﵀ الكثير الكثير، ولو جمعت ذهني يوماً لكتبتُ له ترجمة كاملة، أسأل الله أن يوفّقني إليها.
* * *
أكتب هذا الكلام وأمامي رسائل كثيرة من الشيخ حسن والشيخ عبد الرحمن رحمهما الله، والشيخ عبد الوهاب عبد الواسع أطال الله عمره، لو أنني نشرتها وأمثالَها لجاء منها كتاب فيه تاريخ وفيه أدب وفيه فوائد، كما نشر الأمير شكيب أرسلان رسائل السيد رشيد رضا، وكما نشر الشيخ أبو ريّة رسائل الأستاذ الرافعي.
وكانوا من تواضعهم يكتبون بخطوطهم، وإذا كانت معاملة رسمية (وفي المعاملات الرسمية بعض الجفاف) بلّلها الوزير الشيخ حسن بكلمات يكتبها بخطه الرقعيّ الجميل يضعها إلى جنب العنوان الرسمي، أقلها كلمة «الأخ»، ويضع مع السلام في آخر الرسالة دعوة صالحة أو تحية حلوة، تحوّلها من رسالة نمطية روتينية رسمية إلى رسالة أخوية عاطفية.
стр. 2925
أما الأستاذ عبد الرحمن فلم يكتب إليّ يوماً إلاّ بخطه، وكان يصدّر رسائله بعبارات تدلّ على نبله وعلى أدبه لا على أني أستحقّها أو أني أهل لها.
ولولا أن الانكماش مستقرّ في طبعي وأن حب العزلة والهرب من المجالس غالب عليّ، ولو أني تعودت أن أغشى المجالس وأن أدنو من الأعلام لكتبت عنهما وعن غيرهما ما لا يكتب مثله كثير من الناس؛ ذلك لأنني مُنحت بحمد الله عيناً تلحظ وذهناً يحفظ وأذناً تلتقط وقلماً يعبّر، ولو أني تعودت مخالطة الرجال وغشيان مجالسهم التي كانت مفتوحة لي ترحّب بي لكتبت الكثير الكثير.
مرّ عليّ الآن وأنا أعمل في المملكة نحو ربع قرن، لو أني كتبت عن أيامها مفصّلاً لَما خلت نصف أحداثها من ذِكر وزير المعارف الشيخ حسن ﵀ (الذي صار بعدُ وزير التعليم العالي) ووكيل الوزارة الأستاذ عبد الوهاب (الذي صار بعدُ وزير الحج والأوقاف) وصديقهما وصديقي الأستاذ عبد الرحمن ﵀.
وأنا قلما أزور أحداً، ولكنني زرت الشيخ حسن في داره في الرياض، ودعاني إلى طعامه فتلفّتُّ أجد المهرب فما استطعت، فأجبت، ووجدت في طعامه الشفاء لأنه رجل صالح كريم. وزرته في داره في الطائف وفي دار أمه في مكة، إلى جنب مسجد أبيه الذي جُدّد الآن ﵀ ورحم أباه، وأشهد أنه كان من أبرّ الناس بأمهاتهم، وهذا من دلائل الصلاح. ولا نزكّي على الله
стр. 2926
أحداً ولكن نشهد بما علمنا. ومن دلائل صلاحه هذه الورقة التي كانت يكتبها لنفسه وهو في مجلس الوزراء في اليوم الذي توُفّي فيه في لحظات راحة تأتي خلال المذاكرات، ومثل هذه الأوراق تدلّ على ما في عقل صاحبها الباطن، فمن الناس من يرسم عليها صوراً أو يكتب شيئاً لا معنى له، وهذه ورقة كتبها لنفسه، لولا أن الله توفّاه فبقيَت على مكتبه في مجلس الوزراء فاطّلعَت عليها فنشرَتها بخطّه جريدةُ الرياض (عدد ٢١ جمادى الأولى ١٤٠٧) لَما علم بها أحد، فهي شيء بينه وبين ربه.
وهذه هي الكلمة منشوره بخطه، فيها: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيّه من خلقه، أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم اهدِنا لِما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. ربنا لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك اللهمّ وأتوب إليك.
وكتبت الجريدة تحتها: كان هذا الدعاء هو آخر ما خطّه بيده معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ ﵀ في آخر جلسة حضرها لمجلس الوزراء، أطلع عليه خادمَ الحرمين الشريفين صاحبُ السموّ الملكي الأمير سعود الفيصل الذي وجده مكتوباً في الملف الذي أمام مقعد الفقيد الراحل، تقبّل الله دعاءه وتغمّده بواسع رحمته وغفرانه.
هذا ما كتبَته الجريدة، وأنا أقول مخلصاً من قلب مؤمن:
стр. 2927
اللهمّ آمين، فقولوا «آمين» ياأيها القراء واستغفروا له وللفقيد الآخر، واستغفروا الله لأنفسكم وللمسلمين.
ولا تظنوا أني ذهبت إليه أزوره في جدة وفي مكة وفي الطائف وفي الرياض لحاجة لي، لا، ولكن مشيت في حاجات الناس لمّا كانت لي طاقة على المشي فيها، أمّا الآن فقد صرت متقاعداً، وحقّ لي ذلك فأنا أكتب هذه الحلقة عصر يوم الجمعة ٢٣ جمادى الأولى من عام ١٤٠٧، وقد وُلدت فجر يوم الجمعة ٢٣ جمادى الأولى عام ١٣٢٧.
فهذه ثمانون سنة كاملة، ودخلتُ اليوم في الحادية والثمانين. والفقيدان الشيخ حسن والأستاذ عبد الرحمن لم يُكمِلا الخامسة والخمسين، ولو كان لي من الأمر شيء ولو ضمنت حسن الخاتمة لفديتهما بنفسي، لأنهما ولأن أمثالهما أنفع لهذه الأمة مني.
* * *
أنا في كل يوم أودع راحلاً كريماً يحمل معه قطعة من نفسي وحزمة من ذكرياتي، وما الحياة إلاّ مجموعة الذكريات. ولقد قلت من قديم إن المرء يحيا بمنظر الحيّ من سطح داره، ومنعطف الشارع من نافذة غرفته، والمنارة التي يرى ذروتها منها، والوجوه التي ألِف أن يراها، والأصوات التي تعوّد أن يسمعها، فإن نقص شيء منها نقص شيء من حياته هو.
لقد ودعت في المملكة أعزّة كنت أحبهم، منهم من لم يكن يدري بي ولا بحبي لأنه كان في الذروة وأنا على السفح؛
стр. 2928
ودّعت الملك المؤسّس العبقري عبد العزيز الذي بنى دولة أقامها على تقوى الله، وساسها سياسة أدهشت دهاقين السياسيين ممّن درس في الجامعات وعاش في مراكز الحضارات، وهو الذي لم يدرس إلاّ في جامعة الحياة وهو الذي عاش شطراً من حياته في هذه الصحراء. الصحراء التي لا تعرف النفاق لأنها مكشوفة، ليس فيها كما في المدن سقوف ربما أخفت تحتها الموبقات ولا جدران ربما حجبت الجرائم والخطيئات، الصحراء التي لا يعيش فيها إلاّ الأقوياء، تعيش فيها أُسْد الفلاة ولكن لا تعيش فيها الجراثيم ولا المكروبات. الصحراء التي فقدنا كثيراً من مجدنا لمّا نسينا أخلاقها، كما نسيها يوماً جنود هانيبعل (هانيبال) الذين هبطوا منها على روما من فوق جبال الألب، فلما عاشوا فيها واستسلموا إلى الدعة وألِفوا عيش المدن استرخوا وضعفوا. لذلك ترك ابن تاشفين الأندلس، جنة الأرض، وعاد إلى الصحراء خشية أن يحلّ بجنده ما حلّ بجند هانيبال.
وودّعت من إخواني هنا نفراً كراماً كانوا إخوة حقاً وكانوا أصدقاء. وما كل أخ صديقاً. وكلهم أصغر مني سناً، الدكتور محمد أمين المصري، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ ظافر القاسمي، ومَن كان بعضهم من تلاميذي كالأستاذ عبد الرحمن رأفة الباشا.
فحتّى متى أبقى ويظعَنُ إخوةٌ ... أُوَدّعُ منهمْ راحلاً غيرَ آيِبِ؟
* * *
أشهد أني ما راجعت الوزير الشيخ حسن ﵀،
стр. 2929
ولا الوكيل يومئذ الأستاذ عبد الوهاب أبقاه الله، ولا وسّطت الأستاذ عبد الرحمن ﵀ إلاّ كان الجواب بالإيجاب. وقد جاءني من أسبوع زوج بنتي الصغرى يذكّرني بأفضال الأستاذ عبد الوهاب عليه يوم نُقل (من غير رضاه) من جدة إلى الرياض قبل ثلاث وعشرين سنة، ولم يكن قد صار زوج بنتي، فكلّمت الأستاذ عبد الوهاب فلما اقتنع بأنه مظلوم أمر بإعادته فوراً.
وإذا كان الشيخ حسن رحمة الله على روحه أقربَ إلى اللين فإن الشيخ عبد الوهاب كان أدنى إلى الحزم، وكلاهما كان مع الحقّ وفي اجتماعهما التكامل. ولمّا كانت قضية إنهاء عقود طائفة من الأساتذة السوريين من أكثر من عشر سنين، بوشاية ما لها أصل تولّى كبرها ناسٌ لم يبقَ منهم أحد، منهم من فارق هذا البلد ومنهم من فارق الدنيا كلها غفر الله لهم وسامحهم، كلّمت الوزير الشيخ حسن، فكان منه ومن الأستاذ عبد الواسع أن أعادهم لمّا تبيّن له أن الحقّ معهم، وكان للأستاذ عبد الرحمن فضل كبير في ذلك.
كان الثلاثة دائماً معاً، وهم مَثَلٌ عالٍ للصداقة الصافية. ولمّا ولي الأستاذ عبد الرحمن إدارة مدارس الثغر زُرته فوجدت منه بعض اللين، فخِفت عليه -لا أكذب القراء- لأن سلفه ﵀ كان موصوفاً ببعض الشدة من غير ظلم، وفي مدارس الثغر أبناء الأكابر وهم غالباً مدلَّلون يصعب قيادهم، وقد تعوّدوا على ما كان من سلفه، فكيف يقوم أودهم ويضمن طاعتهم؟ ثم تبيّن لي أنه ليس كل ليّن ضعفاً. وأنتم تعرفون مَثَل الفلاح لمّا كان عليه المعطف الثقيل فتنافسَت الريح والشمس أيهما يستطيع أن ينزع
стр. 2930
عنه معطفه؟ فعصفَت الريح وزعزعت الأشجار وأثارت الغبار، فبرد الفلاّح فأضاف إلى المعطف عباءة، ثم طلعَت الشمس صامتة هادئة فسَرَت الحرارة في جسده فألقى عنه المعطف.
كان الأستاذ عبد الرحمن يسوس الطلاب سياسة أب رفيق ولكنه حازم، وكان مع الأساتذة أخاً لطيفاً ولكنه أخ مُطاع. كنت أزوره في النهار تارة وأزوره في الليل حينما أقدم جدة، فأراه مع الطلاب يبشّ في وجوههم وينبسط إليهم ولا يعلو عليهم، وكذلك يعامل الأساتذة والمدرسين.
كنت أحدّثه يوماً عن التلبية في الحج، إذ تُذاع من الإذاعة والرائي بنغمة رتيبة ليس فيها حماسة المسلم ولا تتجلّى فيها روعة المناجاة، وقلت له: لو وجدت مَن يلبّي معي لجعلت لإلقائها أسلوباً آخر. فقال: لولا أني تعِب لذهبت معك فلبّيت مع الشباب، تقول أنت ما تقول فإذا وصلتَ إلى التلبية لبّينا معك. وسمع ذلك وكيلُ المدرسة، وأظنّ أن اسمه الأستاذ أبو الخير، فذهب معي إلى الرائي (التلفزيون) وذهب بعض المدرسين، وكان فيهم مدرّس من الشام نسيت اسمه له صوت جميل ومعرفة بالألحان، فسجّلنا التلبية بأسلوب جديد أذاعوه وأُعجب به الناس، ثم لم يعودوا إلى إذاعته. فانظروا كيف استطاع بلينه أن يجعل وكيل مدارس الثغر يذهب فيكون في جوقة (كومبارس) في الرائي لايجد في ذلك بأساً، ولو أمره بذلك أمراً لاستنكف وعصى.
* * *
هؤلاء الثلاثة الذين عرفت آباءهم حقّ المعرفة، ثم عرفتهم
стр. 2931
وأحببتهم وخالطتهم، ثم فُجعت بهم، كانوا نماذج في حُسن الخلق وفي نبل النفس، وفي محبتهم الناسَ ومحبة الناس إياهم، وفي الإقبال على العمل والدأب عليه، والذين حزنتُ عليهم حقاً ودعوت لهم من قلبي بالرحمة والغفران ولآلهم وذويهم بالصبر والسلوان: للأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز، الأخ الأكبر للشيخ حسن الذي كان وزير المعارف قبله، والفريق (الجنرال) الأستاذ الطيب، وهو الأخ الأكبر كما أظن للأستاذ عبد الرحمن، ولأولادهم الذين لم أشرف بمعرفتهم، لا لأن مثلهم يُجهل مكانه بل لأنني فرضت على نفسي من سنين عزلة كاملة، فلا أخرج من داري إلاّ إلى المسجد أو إلى الإذاعة أو الرائي. ولقد عرفت من أنسباء الأستاذ عبد الرحمن أن معالي الأستاذ الكاتب الفاضل الشيخ عبد العزيز السالم هو عديله (وربما سُمّي مسلم ابن عبدالله المسلم في مقالاته الجِياد)، فلهؤلاء مني أجمل العزاء ولمن اختاره الله إلى جواره الرحمة والغفران.
* * *
стр. 2932
-٢٢٦ -
تعليق على الحلقة السابقة: لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ
حَسِب قوم ممن قرأ الحلقة السابقة من الذكريات أني أحدثت في التلبية حدَثاً أو ابتدعت فيها بدعة أو أنني استبدلت بالمأثور منها أمراً مخترَعاً، وأنا أعوذ بالله أن أكون مخالفاً سنّة أو داعياً إلى بدعة، ذلك أن صيغة التلبية لا يُعدَل عنها ولا يُستبدل بها لأنها من رسول الله ﷺ ، ولكن كلامي كان عن اللهجة التي تؤدّى بها.
إن لهجة الكلام تكون أحياناً أبلغَ في الدلالة على مقصد المتكلم من معاني ألفاظه. إن كلمة «صباح الخير» مثلاً (وهي تحيّة أكثر الناس، وإن كان الأفضل في تحية أهل الإسلام إفشاء السلام) صباح الخير قد تكون شتيمة إذا ألقيتها على رفيقك وأنت مزموم الحاجبَين مضموم الشفتين غير ناظر إلى عينيه بعينيك، وقد خفضت بها صوتك وأطلت بعدها صمتك. وربما كان منها أجمل سلام أو كانت مناغاة غرام إذا قلتها وقد برقت عيناك وانبسطت شفتاك، وهززت معها رأسك هزّة المودّة ورقّقت بها صوتك. وربما كان معناها أني «لا أباليك ولا أشعر بوجودك» إذا قلتها كأنك تُلقي نشرة الأخبار تتحدّث عن الرياح والأمطار. والعفو من إخواننا المذيعين، فما أردت إلاّ ضرب الأمثال.
стр. 2933
بل ربما نطقتَ بالشتيمة وأنت ضاحك السنّ مبتهج النفس، فيفهم منها رفيقك أنك تحبه وتودّه وترفع الحُجُب بينك وبينه وتخلطه بنفسك.
فهل تظنون أن الصحابة الكرام -حينما كانوا يلبّون- يلبّون بهذه اللهجة الرتيبة المتكرّرة الإيقاع، أم يلبّون من قلوب ملأها الإيمان؟ وللإيمان وَقْدة تبدو حرارتها على اللسان فتسري إلى السامع فتهزّه، كما تسري الكهرباء في جسد من يلمس سلكها فيصير مشحوناً بها، فمَن وضع يده عليه سرى تيّارها إليه.
هل تظنون أن الصحابي عندما كان يلبّي كان ذهنه في النغمات والإيقاع، يحاذر أن يخرج عليها أو أن ينشز عنها؟ هل سمعتم بأن الصحابة أو التابعين وأن أهل الصدر الأول كانوا يلبّون هذه التلبية الجماعية، يتقدّمهم واحد يقول فيُعيدون ما قال، كأنهم أطفال في مدرسة الحضانة يتعلمون حروف ألف باء؟ أم تحسبونهم كانوا يلبّون ليسمعهم الناس؟ كان كل واحد منهم يربط بالله قلبه ويخاطبه وحده، ينسى مَن معه، يسدّ الأبواب كلها من حوله فلا يبقى إلاّ باب واحد هو الذي فوقه، الباب الذي يظلّ مفتوحاً دائماً لا يُسَدّ أبداً: باب الله الذي فتحه للداعين وقال لهم: ادعوني أستجب لكم.
لذلك كان موقف عرفات منبع عزّة المؤمنين. إن القلوب كالمذاخر (١)، كلما ضعفَت فيها كهرباء الإيمان شحنَتها «عرفات» بطاقة جديدة منها فعادت كما كانت.
* * *
стр. 2934
أترونني خرجت عن موضوع الذكريات؟ إذن فقولوا للجريدة تبدّل العنوان. أنا لا أريد أن أقتصر في ذكرياتي على رواية ما فعلت ولا ما رأيت وما سمعت، فإن فيما أستطرد إليه وأتكلم أحياناً فيه ما هو أنفع للقراء من ذكرياتي. أنا لا أتكلم الآن عن الحج فللحج وقت يحسن الكلام فيه، ولكنها مناسبة عرضت فأحببت أن أستفيد منها:
إذا هبّتْ رياحُكَ فاغتنمْها ... سيأتي بعدَ هَبّتِها سُكونُ
وهذا الكلام ينفع اليوم كما ينفع وقت الحج. والتلبية أولاً والتكبير ثانياً هما شعار الحج، وهما يَحسُنان في كل حين. وصيغ الذكر كثيرة، ولكن الله جعل لكل مقام مقالاً ولكل عبادة ذكراً، فمن قرأ القرآن في الركوع والسجود كان مُسيئاً، وإن كان القرآن أفضل من التسبيح.
فلماذا لا نلبّي نداء ربنا في الحج وفي غير الحج؟ لماذا نلبي بألسنتنا ولا نلبي بقلوبنا؟ لماذا لا يظهر أثر تلبيتنا في سلوكنا وفي أعمالنا وفي كل مظاهر حياتنا؟ دعا محمد، صلّى الله على محمد، إلى ما فيه عزّ الدنيا ومجدها وسعادة الآخرة ونعيمها، فقامت قريش تمنع الناس أن يلبوا دعوة محمد ‘ وتؤذي من لبّى وتُذيقه العذاب ألواناً. وإن كان كل ما صنعت قريش من ألوان التعذيب لا يبلغ ما نراه أو نسمع به اليوم من الكفرة الملحدين الذين تَسلّطوا على بعض بلدان المسلمين. فأين قريش المشركة الآن؟ لقد صارت هي نفسها مع من لبّى دعوة محمد، لأن الله غالبٌ على أمره والباطل كان أبداً زهوقاً، وسيُزهِق الله باطل أعداء الإسلام
стр. 2935
اليوم كما أزهقه بالأمس ويبقى الإسلام حتى تقوم الساعة.
إنه سيأتي على الناس زمان لو سألتَ ألفاً من أهله عن كارل ماركس وعن شارون وشامير لَما عرف واحدٌ منهم مَن ماركس ومن شارون وشامير. لا تعجبوا من هذا الكلام ولا تحسبوه أضغاث أحلام، فإن فيما مضى إشارة إلى ما سيأتي. ألم يكن القرامطة يوماً متسلطين على الناس يعيثون في الأرض فساداً؟ ألم يقتحموا الحرم على الحجاج فيذبحوهم مِن حول الكعبة ويأخذوا الحجر الأسود معهم، ولا يقوى أحد يومئذ على صدّهم؟ فمَن يعرف اليوم من هم القرامطة وما قصتهم؟ لقد محقهم الله من الأرض (وإن بقيَت بقيّة قليلة منهم تلبس غير ثيابها وتبدو للناس بغير جلدها). محقهم الله ومحا ذكرهم من الأذهان لمّا لبى المسلمون داعي الله وكسروا الأقفال عن قلوبهم، فتدبّروا القرآن ثم عملوا بما في القرآن.
وأنا ما جئت فيما ذكرته في الحلقة الماضية بشيء جديد، لأن كل جديد في الدين مردود، والدين كمل وما بعد الكمال إلاّ النقص. ولكني كنت أتحدث مع الأستاذ عبد الرحمن التونسي رحمة الله عليه عن الشام وعن العَراضات التي تخرج فيها في المناسبات، إذ يَقدُمُ القومَ واحدٌ منهم يُلقي عليهم قولاً يهتفون بعده بهتافات ألفوها وتعوّدوها، فيبعث ذلك الحماسة في نفوسهم ويوري نارَها في أعصابهم. فقال لي: لماذا لا تجعلون في التلبية من يصنع هذا؟ لا أن يعلّمهم كيف يلبّون، بل أن يبعث حرارة الإيمان في قلوبهم حتى يظهر أثرها على ألسنتهم. هنالك كان ما قلت لكم من أنني هتفت بإدارة الرائي (التلفزيون) في جدة وسألتهم: هل يسجّلون لنا هذه التلبية ثم يعرضونها على الناس؟
стр. 2936
فقالوا: نعم. وسألنا من كان حولنا: هل يذهبون معنا؟ فذهب كثير من الطلاب وذهب بعض الأساتذة والمدرسين، وقال الأستاذ عبد الرحمن (وهو صادق فيما يقول) إنه لولا وعكة ألمّت به ذلك اليوم لذهب معنا، وسمع ذلك وكيل المدرسة الأستاذ أبو الخير فقال: أنا أذهب معكم.
ولست أحفظ ما قلته في ذلك اليوم ولست أدري في أي سنة كان، ولكنه كان قبل أكثر من عشر سنين، بل إني أظن أنه كان قبل أكثر من خمس عشرة سنة، الله أعلم فلست أدري، فأنا أذكر الحوادث القديمة في حياتي ولكنني لا أذكر الجديد. لأن القديم صادف قلباً خالياً وذهناً واعياً، وكانت أحداثه قليلة فاستقرّت وبقيت. فالآن حين وهن القلب وونى الذهن، وكثرت الأحداث وتشابهت عليّ الأيام، لم أعُد أستطيع أن أعي ولا أن أحفظ.
تشابهَت الأيام لأني لا أعمل عملاً موقوتاً كأعمال الموظفين، فعمل الموظف كمن يمشي على طريق معبَّد فيه الصُّوى (أي الإشارات)، يعرف منها أين بلغ وكم قطع. ومَن كان مثلي لا عمل له كان كالذي يمشي في الأرض البراح، لا جادة يتبعها ولا محطات يقف عليها.
والشريط الذي سجّل عليه الرائي هذه التلبية وبثّها وسمعها ورآها الناس، هذا الشريط ليس عندي. لم أجد عندي إلاّ جُزازات، قطع أوراق كنت كتبتها كالمذكرات لي بما أقوله، أمثّل عليها الآن ببعضها.
نقول جميعاً: "لبّيكَ اللهم لبّيكَ، لبّيكَ لا شريك لك، إن
стр. 2937
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبّيكَ اللهم لبّيك". وأقول أنا مثلاً: "أمرتنا فأطعنا ونهيتنا فاجتنبنا"، أقولها وحدي وهم يرددون معي: "لا شريك لك". فنطلب منه، ولا رب غيره فندعوه: "إن الحمد والنعمة لك"، أنت المحمود بكل لسان وأنت المنعم على كل إنسان، أنت ملك الملوك وأنت الواحد القهار.
يا أيها الأخ المسلم، إذا ناداك أبوك قلت: لبّيك. وإن دعاك أستاذك أجبت: لبّيك. فهذا ربّ العالَمين يدعوكم إلى تصحيح توحيده فقولوا: لبّيكَ اللهم لبّيك (وهنا نلبي جميعاً). يدعوك إلى اتّباع شرعه، فقولوا لبّيكَ اللهم لبّيك (وهنا نلبي). يدعوك إلى الجهاد في سبيله: فقولوا: لبّيكَ اللهم لبّيك. هذا كلام ربكم في قلوبكم يقول لكم: جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فقولوا: لبّيكَ اللهم لبّيك. هذا صوت محمد يرنّ في أسماعكم يحثّكم على امتثال أمر ربكم، فقولوا: لبّيكَ اللهم لبّيك. يدعوكم لتنقذوا قبلته الأولى التي صلّى إليها، لتخلّصوا مسراه الذي سرى إليه، لتحرّروا معراجه الذي عرج منه. يدعوكم لتنصروا الله حتى ينصركم الله، فقولوا: لبّيكَ اللهم لبّيك.
اللهمّ إنك دعوتنا فجئنا نقول: "لبّيك اللهم لبّيك"، إننا وقفنا ببابك ننادي: لبّيك اللهم لبّيك"، قمنا في رحابك نصرخ: "لبّيك اللهم لبّيك، لبّيكَ لا نشكو إلاّ إليك، لبّيك لا نرجو الخير إلاّ من يديك، لبّيك توكّلنا عليك، لبّيك اللهمّ لبّيك، لا شريك لك. ما لنا إله غيرك، فهل تردّنا عن بابك وقد جئنا نقول: لبّيك اللهم لبّيك؟ لبّيك ربنا وتعاليت، لبّيك لك الحمد، لبّيك منك النعم، لبّيك ياواحد ياأحد يا فرد يا صمد.
стр. 2938
هذا كتاب ربكم يناديكم أن تجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، أن تستشعروا عزّة إيمانكم، فقد جعل الله العزّة المطلقة له ﷻ وجعل العزّة في الدنيا لرسوله وللمؤمنين. فأين عزّة المؤمنين ومسرى نبيّهم في أيدي اليهود؟ وأين عزّة المؤمنين وقبلتُهم الأولى وحرمهم الثالث بيد اليهود؟ أين عزة المؤمنين يامن يتوجهون إلى الكعبة من كل أرض في الأرض ومِن تحت كل نجم في السماء؟ أين تلك العزّة -وأنتم تسعمئة مليون- إذا تركتم أقلّ الأمم وأذلّ الأمم تأخذ منكم أقدس بقاعكم بعد الحرمين الشريفَين؟ يامسلمون، مسجدكم الأقصى بيد اليهود لم يعُد المسجد الآمن الذي يجد فيه المسلم السلام، ولم يعُد ما حوله لنا ترفرف عليه رايتنا وتحكمه شريعتنا. فاذكروا وأنتم عند القبلة، القبلة الأولى، اذكروا الأقصى:
المرأةُ الشَّلاّءُ تحمي بيتَها ... أنُبيحُ بيتَ الخالقِ المعبودِ؟
هوَ حِصنُ حقٍّ غابَ عنهُ حُماتُهُ ... هُوَ قلعةٌ لكنْ بغَيرِ جنودِ
لا العطرُ والنَّدُّ المصفّى طِيبُهُ ... لكنَّ ريّاهُ شذى البارودِ
يُصْلَى المُصلّي النارَ في جَنَباتِهِ ... والمسلمونَ بِنَومةٍ وهُجودِ
أينامُ مَنْ تُقري المدافعُ سَمعَهُ ... صوتاً يُزلزلُ قُنّة الجُلمودِ
أينامُ مَنْ يمشي اللهيبُ بدارِهِ ... يَشوي حَميمُ لظاهُ رملَ البيدِ
وأنا لست بشاعر، ولكني أحياناً أرصف أبياتاً إن لم تكن شعراً فإنها تعبّر عن شعور. وقد ارتجلتُ هذه المقطوعة في الحفلة الكبرى التي أقيمَت لقضية فلسطين في كراتشي، وكان حاضرها الملك سعود والرئيس الباكستاني، فقلت لهما:
стр. 2939
أيضيعُ بينَكما مصلّى أحمدٍ ... ويَعودُ هيكلَ معبدٍ ليهودِ؟
وأكملتها بالأبيات التي رويتُها.
* * *
إن مَن يسمع صوت قطة في الشارع تموء من الألم لا يستطيع أن ينام، ومن يدقّ جاره بالمطرقة على جداره لا يستطيع أن ينام، فكيف ننام وأصوات المشرَّدين الهائمين من الأطفال والعجائز، من النساء والضعفاء، تملأ آذاننا، تخرج من شقوق الخيام التي مزّقتها الرياح ومرّت في جوانبها، وأثقلها الثلج الذي هبط عليها ولفّها الصقيع وجمّدها، في جبال الأفغان وفي المخيمات في لبنان؟
أتنامون على أصوات الاستغاثة من حلوق إخوانكم وأخواتكم، على أصوات المدافع والصواريخ يصبّها عليهم أعداؤهم وأعداؤكم؟ هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا، وإخوانكم هناك في فلسطين (١) يذبّح أبناءهم اليهودُ ويؤذون نساءهم، ينسفون منازلهم، يهدمون معاقلهم، يسرقون أرضهم؟ كاللص يدخل عليك في الظلام دارك فيحتلّ جانباً منها فيدعوك إلى التفاوض. أفيفاوض ربّ الدار الحرامي؟ إذن فعلى العقل وعلى العدل السلام.
وإن قام من أولادك من يطلب بالحقّ أمسكوا به وأحالوه إلى
стр. 2940
محاكمهم، إلى محاكم الحرامية، بتهمة مقاومة الاحتلال! ويلكم ما أصفق وجوهكم وأشدّ وقاحتكم! أفي الدنيا شعب احتُلّت بلاده ظلماً لا يقاوم الاحتلال؟ إن مقاومة الاحتلال فضيلة، بل هي فريضة، ولا تُعَدّ جريمة إلاّ في شريعة خنازير البشر إخوان «الشين»: شارون وشامير والشيطان الرجيم، الذين هم إخوانه وأعوانه لعنة الله عليه وعليهم.
كم من أمهات هناك ثاكلات وبنات مهتّكات، وبيوت مخرَّبات ودموع مسفوحات، وأعزّة كرام ذلّوا وأغنياء احتاجوا، شُرّدوا وسكنوا بعد القصور الخيام، وصاروا بعد البذل والعطاء محتاجين إلى القوت وإلى الغطاء. فإن لم تدافعوا عنهم بالسلاح ولم تبذلوا من أجلهم الأرواح فجودوا بالأموال، فإن الجود بالأموال نوع من الجهاد.
* * *
هذا وأمثاله ما كنت أقوله ذلك اليوم، وهذا ما أقوله اليوم. وهو كلام كان حقاً يوم قلته، وهو حقّ دائماً، سمعناه بالأمس وعلينا أن نسمعه اليوم وغداً، وإنْ سمعنا فعلينا أن نحقّق الذي سمعناه؛ أوجب ذلك علينا ربنا وجعله من دلائل إيماننا وأسباب نصرنا في دنيانا ونجاتنا في آخرتنا. إنه تذكرة لنا، فما لنا عن التذكرة معرضون؟
وكان مما قلت خلال التلبية التي كنا نؤدّيها (لا بهذه النغمة المكرَّرة المعادة الإيقاع، بل بمثل هتاف الجند في المعركة والضارعين إلى الله في المساجد، الذين يراقبون الله يدعونه
стр. 2941
مخلصين واثقين من الإجابة): أين الرجال يامسلمون؟ أين الأبطال؟ أين أرباب الأموال يُمِدّونهم بأموالهم؟ أين أصحاب المقال ينصرونهم ببيانهم وأقوالهم؟ أين الشعراء وما لهم لا يرسلون القصائد التي تهزّ حبّات القلوب؟ ألا يعلمون أن من الشعر وأن من البيان وأن من الخطب ما يبعث الحياة في الصخر الصلد، وما يزلزل الجبال الرواسي، وما يُلهِب أمواج البحر، وما يصنع الأعاجيب وما يجعل من الأمة الواهنة الخاملة أمة تقحم الصعاب وتهجم على الموت؟ فكيف وهذه أمة محمد: البطولة في دمائها، والشجاعة إرث لها، والعزّة من ثمرات إيمانها؟ والنصر معها إن كانت مع الله، ومَن كان مع الله فلا يخشى كبيراً لأن الله أكبر من كل شيء.
أين الشعراء؟ هل شغلهم عن هذا الذي نريد عكوفهم على وصف الغيد، وهذا الخزي الجديد الذي سمّوه شعر «الحداثة» الذي لا يدفع إلى طريق المعالي ولا إلى ذرى المجد؟ إنه شعر «الحدث الأصغر» الذي يدفع إلى دخول الحمّام للاستبراء منه والاستنجاء! كان للجاحظ تعبير عجيب فيمَن أعمى الله بصيرته حين زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً وراح يتمدّح به، كان يقول عنه: «إن هذا لا يجيء إلاّ بخذلانٍ من الله».
أوَليس من الخذلان أن القطّ يستر بالتراب ما يخرج منه وهؤلاء يُظهِرونه ويفخرون به؟ أفلا يصحّ فيهم ما قال الجاحظ؟
* * *
أنا لا أتعجل الكلام عن الحج في غير وقت الحج، ولكني
стр. 2942
أشرت في الحلقة الماضية إلى واقعة فهمها ناس على غير وجهها، فجئت الآن أبيّنها.
كان مما قلت لهم في ذلك اليوم أن أبا الأنبياء إبراهيم بوّأ اللهُ له مكان البيت وقال له: ﴿وأذِّنْ في الناسِ بالحَجّ﴾، فأذّن به فاستجاب له المؤمنون يلبّون: ﴿يأتوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضامِرٍ﴾، يأتون من البرّ والبحر والجوّ، بكل رَكوبة سخّرها الله لهم ودلّهم عليها بالعقل الذي منّ به عليهم: ﴿يأتينَ مِنْ كلِّ فَجٍّ عميقٍ﴾، من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب، من قلب إفريقيا ومن أقاصي آسيا ومن مدن أوربا، من المناطق الاستوائية التي تتلظّى حراً إلى البطاح الباردة التي تنام وتصحو على الجليد: ﴿لِيشهَدوا مَنافِعَ لهمْ﴾. والإسلام كله منافع تُجلَب ومفاسد تُدرأ، وخير في الدنيا وخير في الآخرة، ﴿ويَذكُروا اسمَ اللهِ في أيّامٍ مَعْلوماتٍ﴾، وذكر الله هو غاية الغايات وهو مقصد الحياة.
المؤمنونَ قدِ استجابوا للنداء ... نداءِ ربِّ العالَمينَ وأسرَعوا
سارَتْ رَكائبُهُمْ ضُحىً قد أحرَموا ... والشوقُ يَحفِزُ والمدامعُ تدفَعُ
ومشَتْ قوافلُهُم حَدا الحادي بها ... يُصغي لَهُ رَملُ الفلاةِ فيمرَعُ
جَدّوا المسيرَ وأعنقوا حتى بدا ... لهُمُ وراءَ الأُفْقِ نورٌ يسطَعُ
فتيقّنوا أنْ قدْ رأَوا أرضَ الهُدى ... ودنا الوصولُ فهلّلوا وتضرّعوا
وتجاوبَت تلكَ البِطاحُ بقولِهِمْ ... لبّيكَ ربّي والبطائحُ خُشّعُ
لبّيكَ والدنيا تردّدُ قولَهُمْ: ... لبّيكَ ربّي، أنصِتوا وتَسمّعوا
"لبّيك اللهم لبّيك" (وهنا نلبي جميعاً)، دعاكم إلى بابه أكرمُ الأكرمين فقولوا: لبّيك إننا مقبلون عليك، نقصد رحابك ونلزم
стр. 2943
بابك، نرجو ثوابك ونخشى عقابك. لبّوا حتى يلبي معكم ثرى عرفات وجبالها، لبوا حتى تلبي معكم الأرض ومن عليها، لبوا حتى تلبي معكم السماوات السبع ومَن فيها. لا تقولوها تراعوا بها النغمات والإيقاع، لا تقولوها ليسمعها الناس، بل أخلوا قلوبكم مما سوى الله واحصروا أفكاركم في امتثال أمر الله، اربطوا به قلوبكم، ليلبِّ كل واحد منكم وحده بينه وبين ربه ولو اختلطت الأصوات، تصوروا أن الله يناديكم فأجيبوا ملبين: "لبّيك اللهم لبّيك"، نحن منك ومردّنا إليك، "لبّيك اللهم لبّيك" ولا اعتماد إلاّ عليك، لبّيك جئنا مسلمين لك مجاهدين في سبيلك.
«لبّيك»، هذا هتافنا عند المواقيت، عند حدود دولة الحج، ننزع ثيابنا عن أجسادنا ونخلع عنا ما لا يُرضي ربنا، ونستجيب لربّ العالمين نقول: "لبّيك اللهم لبّيك". وعند أنصاب الحرم، الحرم دار السّلام إن عمّت الأرضَ الحربُ، دار الأمان إن شمَل الدنيا الخوفُ، الحرم حيث كل حي آمن، الناس والحيوان والنبات، ليس ها هنا حرب ولا قتال، الأشجار ها هنا لا تُقطع، الحيوان ها هنا لا يُصاد، الناس ها هنا آمنون، لا عدوان على أحد. لبّيك لبّيك لبّيك.
لبّيكَ ربّي قد أتيتُكَ تائباً ... أيُرَدُّ محتاجٌ أتى يتضرّعُ؟
لبّيكَ جُدْ بالعفوِ عنّي ليسَ لي ... أملٌ بغيرِ العفوِ منكَ ومطمعُ
لبّيكَ ربي، المسلمونَ تَفرّقوا ... مَن ذا يوحّدُهمْ سواكَ ويجمَعُ؟
بَعُدوا عن الشّرعِ القويمِ فرُدَّهُمْ ... ربّي إلى الشرعِ القويمِ ليرجِعوا
لبّيكَ يااللهُ والثقَلانِ والدنيا تلبّي
لبّيكَ عُدنا للجهادِ أعِدْ لنا النصرَ الموفَّرْ
اللهُ أكبرُ، ما السجونُ وما السلاسل والقيودْ؟
اللهُ أكبرُ ما السيوفُ وما البنادقُ والجنودْ؟
اللهُ أكبرُ، مَنْ يكونُ حليفَهُ يخشى اليهودْ؟
سنعودُ للأقصى، إلى يافا ونابُلْسٍ نعودْ
وترِفُّ رايتُنا على حَيفا على أرضِ الجُدودْ
ونرى صلاحَ الدينِ عاد وجُدِّدَتْ تلكَ العهودْ
* * *
هذه هي الحلقة التي كنا سجّلناها وأشرتُ إليها في الحلقة الماضية. ما جئت ببدعة ولا دعوت إلى ترك سنّة، وإنما حاولت أن أبثّ في نفوس مَن حولي حماسة الإيمان وروح الجهاد. أمّا هذه الأبيات الموزونة فلا تسمّوها شعراً، وما أنا بشاعر، ولكنها جاءت على لساني فكتبتها كما جاءت.
* * *