← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مخلصين واثقين من الإجابة): أين الرجال يامسلمون؟ أين الأبطال؟ أين أرباب الأموال يُمِدّونهم بأموالهم؟ أين أصحاب المقال ينصرونهم ببيانهم وأقوالهم؟ أين الشعراء وما لهم لا يرسلون القصائد التي تهزّ حبّات القلوب؟ ألا يعلمون أن من الشعر وأن من البيان وأن من الخطب ما يبعث الحياة في الصخر الصلد، وما يزلزل الجبال الرواسي، وما يُلهِب أمواج البحر، وما يصنع الأعاجيب وما يجعل من الأمة الواهنة الخاملة أمة تقحم الصعاب وتهجم على الموت؟ فكيف وهذه أمة محمد: البطولة في دمائها، والشجاعة إرث لها، والعزّة من ثمرات إيمانها؟ والنصر معها إن كانت مع الله، ومَن كان مع الله فلا يخشى كبيراً لأن الله أكبر من كل شيء. أين الشعراء؟ هل شغلهم عن هذا الذي نريد عكوفهم على وصف الغيد، وهذا الخزي الجديد الذي سمّوه شعر «الحداثة» الذي لا يدفع إلى طريق المعالي ولا إلى ذرى المجد؟ إنه شعر «الحدث الأصغر» الذي يدفع إلى دخول الحمّام للاستبراء منه والاستنجاء! كان للجاحظ تعبير عجيب فيمَن أعمى الله بصيرته حين زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً وراح يتمدّح به، كان يقول عنه: «إن هذا لا يجيء إلاّ بخذلانٍ من الله». أوَليس من الخذلان أن القطّ يستر بالتراب ما يخرج منه وهؤلاء يُظهِرونه ويفخرون به؟ أفلا يصحّ فيهم ما قال الجاحظ؟ * * * أنا لا أتعجل الكلام عن الحج في غير وقت الحج، ولكني

стр. 2942

أشرت في الحلقة الماضية إلى واقعة فهمها ناس على غير وجهها، فجئت الآن أبيّنها. كان مما قلت لهم في ذلك اليوم أن أبا الأنبياء إبراهيم بوّأ اللهُ له مكان البيت وقال له: ﴿وأذِّنْ في الناسِ بالحَجّ﴾، فأذّن به فاستجاب له المؤمنون يلبّون: ﴿يأتوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضامِرٍ﴾، يأتون من البرّ والبحر والجوّ، بكل رَكوبة سخّرها الله لهم ودلّهم عليها بالعقل الذي منّ به عليهم: ﴿يأتينَ مِنْ كلِّ فَجٍّ عميقٍ﴾، من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب، من قلب إفريقيا ومن أقاصي آسيا ومن مدن أوربا، من المناطق الاستوائية التي تتلظّى حراً إلى البطاح الباردة التي تنام وتصحو على الجليد: ﴿لِيشهَدوا مَنافِعَ لهمْ﴾. والإسلام كله منافع تُجلَب ومفاسد تُدرأ، وخير في الدنيا وخير في الآخرة، ﴿ويَذكُروا اسمَ اللهِ في أيّامٍ مَعْلوماتٍ﴾، وذكر الله هو غاية الغايات وهو مقصد الحياة. المؤمنونَ قدِ استجابوا للنداء ... نداءِ ربِّ العالَمينَ وأسرَعوا سارَتْ رَكائبُهُمْ ضُحىً قد أحرَموا ... والشوقُ يَحفِزُ والمدامعُ تدفَعُ ومشَتْ قوافلُهُم حَدا الحادي بها ... يُصغي لَهُ رَملُ الفلاةِ فيمرَعُ جَدّوا المسيرَ وأعنقوا حتى بدا ... لهُمُ وراءَ الأُفْقِ نورٌ يسطَعُ فتيقّنوا أنْ قدْ رأَوا أرضَ الهُدى ... ودنا الوصولُ فهلّلوا وتضرّعوا وتجاوبَت تلكَ البِطاحُ بقولِهِمْ ... لبّيكَ ربّي والبطائحُ خُشّعُ لبّيكَ والدنيا تردّدُ قولَهُمْ: ... لبّيكَ ربّي، أنصِتوا وتَسمّعوا "لبّيك اللهم لبّيك" (وهنا نلبي جميعاً)، دعاكم إلى بابه أكرمُ الأكرمين فقولوا: لبّيك إننا مقبلون عليك، نقصد رحابك ونلزم

стр. 2943

بابك، نرجو ثوابك ونخشى عقابك. لبّوا حتى يلبي معكم ثرى عرفات وجبالها، لبوا حتى تلبي معكم الأرض ومن عليها، لبوا حتى تلبي معكم السماوات السبع ومَن فيها. لا تقولوها تراعوا بها النغمات والإيقاع، لا تقولوها ليسمعها الناس، بل أخلوا قلوبكم مما سوى الله واحصروا أفكاركم في امتثال أمر الله، اربطوا به قلوبكم، ليلبِّ كل واحد منكم وحده بينه وبين ربه ولو اختلطت الأصوات، تصوروا أن الله يناديكم فأجيبوا ملبين: "لبّيك اللهم لبّيك"، نحن منك ومردّنا إليك، "لبّيك اللهم لبّيك" ولا اعتماد إلاّ عليك، لبّيك جئنا مسلمين لك مجاهدين في سبيلك. «لبّيك»، هذا هتافنا عند المواقيت، عند حدود دولة الحج، ننزع ثيابنا عن أجسادنا ونخلع عنا ما لا يُرضي ربنا، ونستجيب لربّ العالمين نقول: "لبّيك اللهم لبّيك". وعند أنصاب الحرم، الحرم دار السّلام إن عمّت الأرضَ الحربُ، دار الأمان إن شمَل الدنيا الخوفُ، الحرم حيث كل حي آمن، الناس والحيوان والنبات، ليس ها هنا حرب ولا قتال، الأشجار ها هنا لا تُقطع، الحيوان ها هنا لا يُصاد، الناس ها هنا آمنون، لا عدوان على أحد. لبّيك لبّيك لبّيك. لبّيكَ ربّي قد أتيتُكَ تائباً ... أيُرَدُّ محتاجٌ أتى يتضرّعُ؟ لبّيكَ جُدْ بالعفوِ عنّي ليسَ لي ... أملٌ بغيرِ العفوِ منكَ ومطمعُ لبّيكَ ربي، المسلمونَ تَفرّقوا ... مَن ذا يوحّدُهمْ سواكَ ويجمَعُ؟ بَعُدوا عن الشّرعِ القويمِ فرُدَّهُمْ ... ربّي إلى الشرعِ القويمِ ليرجِعوا لبّيكَ يااللهُ والثقَلانِ والدنيا تلبّي

стр. 2944

لبّيكَ ربَّ العالَمينَ وأنتَ يااللهُ ربّي لبّيكَ صوتُ محمدٍ أبداً بآذاني وقلبي يا مسلمونَ وأينَ أنتمْ ... مِنْ هُدى الهادي محمّدْ؟ عودوا إلى النهجِ القويمِ ... فإنَّ هذا العَودَ أحْمَدْ عودوا يَعُدْ مجدُ الجدو ... دِ ويومُ بدرٍ يتجدّد وترَوا صلاحَ الدينِ عادَ ... ويومُ حِطّينَ الممجَّدْ محمدٌ نادى فلبّينا الندا ... لم نستمعْ في الحقِّ أقوالَ العِدى في شِرْعةِ الإسلامِ رُشدٌ وهُدى ... وإنّ فيها عزَّنا طولَ المدى إنّها شِرْعةُ ربِّ العالَمينْ ... حينَ آخى بينَ كلّ المؤمنينْ كلّ مَن صلّى إلى قِبلتِنا ... كلّ مَنْ سارَ على شِرعتِنا فهْوَ مِنّا وَهْوَ مِنْ إخوَتِنا إن يختلفْ لسانُنا، أوْ تختلفْ ألوانُنا ... أوْ تبتعدْ بُلدانُنا، فحسبُنا إسلامُنا لبّيكَ قولوها أعيدوا (وهنا نلبي جميعاً) ... لبّيكَ قولوها تسُودوا لبّيكَ إنّا مؤمنونَ ومسلمونْ ... لبّيكَ إنّا نحوَ بيتِكَ سائرونْ لبّيكَ إنّا آيبونَ وتائبونْ لبّيكَ إنّا عازمونَ على الجهادْ ... لبّيكَ إنّا نحوَ بيتِكَ سائرونْ لبّيكَ أمدِدْنا بنصرِكَ ياسميعُ ويا مُجيبْ لبّيكَ حتّى نستردَّ القدسَ والبلدَ السليبْ وترفَّ رايتُنا على يافا على القُطرِ الحبيبْ لبّيكَ نصرَكَ إنّ مَنْ تنصُرْهُ يُنصَرْ لبّيكَ إنْ كبُرَ الخصومُ فأنتَ يااللهُ أكبَرْ

стр. 2945

لبّيكَ عُدنا للجهادِ أعِدْ لنا النصرَ الموفَّرْ اللهُ أكبرُ، ما السجونُ وما السلاسل والقيودْ؟ اللهُ أكبرُ ما السيوفُ وما البنادقُ والجنودْ؟ اللهُ أكبرُ، مَنْ يكونُ حليفَهُ يخشى اليهودْ؟ سنعودُ للأقصى، إلى يافا ونابُلْسٍ نعودْ وترِفُّ رايتُنا على حَيفا على أرضِ الجُدودْ ونرى صلاحَ الدينِ عاد وجُدِّدَتْ تلكَ العهودْ * * * هذه هي الحلقة التي كنا سجّلناها وأشرتُ إليها في الحلقة الماضية. ما جئت ببدعة ولا دعوت إلى ترك سنّة، وإنما حاولت أن أبثّ في نفوس مَن حولي حماسة الإيمان وروح الجهاد. أمّا هذه الأبيات الموزونة فلا تسمّوها شعراً، وما أنا بشاعر، ولكنها جاءت على لساني فكتبتها كما جاءت. * * *

стр. 2946

-٢٢٧ - كيف جئتُ المملكة ؟ هل زرتم مرّة متحف الشمع؟ حيث ترى الناس على هيئاتهم في بيوتهم وأسواقهم ومجامعهم، بألوان جلودهم وملامح وجوههم وحركات أيديهم، حتى إنك لَتهمّ أن تدنو منهم فتمدّ يدك إليهم وتُلقي بأذنك إليهم لتسمع كلامهم! ترى الرجل في بيته مع أهله أو مع ضيوفه، والمرأة في غرفتها مع زائراتها والخادمة تدور بالقهوة أو بالشراب عليهن، أو ترى الأسرة حول طعامها تمدّ إليه أيديها وتملأ به أفواهها، وتُبصِر صاحب القهوة مع روّادها وصبيانها، والطبيب في مستشفاه مع مرضاه، وتُبصِر الحياة كلها بمشاهدها أمامك، ولكن ما ثَمّ حياة ولا فيما ترى روح؛ إنما هي أشباح بلا أرواح، ترى المحدّث ولكن لا تسمع الحديث ولا تطرق أذنيك نبراتُه ورنّاته، ولو رُكّبت في هذه التماثيل مسجّلات فسمعت حديث أصحابها لَما سمعت إلاّ أصواتاً ميتة من جسد ميت. هذا مثال ذكرياتي التي نشرتها، وهذا ما تجدونه في ذكريات الأدباء مهما بلغوا من العلوّ في سلّم الأدب؛ إن الذي يضعونه فيها تماثيل الشمع. وهَبْني وصفت المكان حتى كأنك فيه والأشخاصَ

стр. 2947

حتى كأنك معهم والحديثَ كأنك تسمعه، فأين ما وراءه من خَطَرات الأفكار ونزعات النفوس، وأين المشاعر التي نشأت عنه والعواطف التي دفعت إليه؟ وهَبْني أوتيتُ بياناً عبقرياً وصوّرتها تصويراً، فهل تَذَكُّر ما كان كالشعور بما هو كائن؟ لقد قدّمت في هذه المذكّرات قصة ردّي على أستاذنا في كلية الآداب، شاعر الشام شفيق جبري ﵀، لمّا كتب في كتابه «المتنبي» أن الأدب أُلهِيّة شريفة، وأنشأت في الردّ عليه فصولاً ونشرت في ذلك رسالة مطبوعة تلقّفَتها أيدي القارئين، وكان ذلك سنة ١٩٣٠ (١٣٤٨هـ)، وهأنذا أعود بعد نحو ستّين سنة فأعتذر إليك ياأستاذي، وأقول بأن من الأدب ما هو أُلهِية يتلهّى الكاتب الأديب بما يتخيّل فيها عمّا يرى من حقائق الحياة، وأعني بذلك الأدب الشخصي أو أدب العواطف والذكريات والأماني. فصول جميلة مَن أنعم النظر إليها سُرّ بها، ولكن لم يبقَ في يده شيء منها. فأنا أُلهي نفسي بكتابتها عن الإحساس بفقدها، كالأم تودّع ولدها الذي ركب الطيارة وترك معطفه عندها، فهي تشمّ المعطف وتضمّه كأن صاحبه فيه، وصاحبه قد طار. هذا ما وجدته لمّا عُدت أقرأ هذه الذكريات؛ لم أجد من الأحداث إلاّ ما يجده الأب الذي يفقد ولده حين يرى أمامه جسده، جسداً كاملاً ولكن بلا روح، ومظهراً ولكن بلا جوهر. حتى هذا القدر الضئيل الذي قدرتُ عليه لم أستوفِه كله، فلقد تركت مما قصصت من ذكريات فجوات أرجأتُ ملأها، ثم بعدتُ في سيري عنها فلم أعُد إليها، وأشياء لم أتحدّث عنها.

стр. 2948

تكلمت عن الفقيدَين الكريمَين الشيخ حسن بن عبد الله وزير المعارف والشيخ عبد الرحمن التونسي مدير مدارس الثغر، ولكني لم أستوفِ الكلام عنهما. وأمامي الآن ظرف كبير فيه رسائل خاصة منهما وكتب رسمية وقرارات وزارية في مشروعات كنت اقترحتها، منها «مشروع تأهيل النابغين»، وأنا أرى الآن العناية بالنابغين وتكريمهم وتشجيعهم، ومشروع «مدرسة التلفزيون» الذي انتهى أمره بعد مراسلات استمرّت شهوراً إلى أن صدر فيه قرار وزاري باسم «مشروع التثقيف التلفزيوني»، تَقرّر فيه تفريغي من عملي في الجامعة لأكون المشرف عليه. واقتراح رفعتُه إلى الوزارة من قديم بتحويل كلية التربية إلى جامعة لا تكلّف الدولة قرشاً، بأن توسَّع الأقسام حتى تصير كلّيات، حتى إنني اقترحت من ذلك اليوم أن تُسمّى «جامعة أم القرى»، قبل إنشاء جامعة أم القرى بسنوات طوال. وسأكتب إن شاء الله عن ذلك كله بمقدار ما تتّسع له صفحات الجريدة وصدور قُرّائها. ولكن عليّ أن أذكر قبل ذلك كيف جئتُ المملكة لأعمل فيها، فامتدّت فيها أيامي وطال فيها مقامي، حتى لم أعُد أزور دمشق إلاّ لماماً، مرة في السنوات ذوات العدد، ثم حِيلَ بيني وبينها، فمرت الآن ثماني سنوات ودخلَت التاسعة وأنا لم أرَها، بل أنا لم أجاوز في هذه السنين كلها حدود مكة وجدة. فكيف كان ذلك؟ * * * كنت كلما زرت المملكة وقابلت من أعرف من أعلامها

стр. 2949

رأيت منهم دعوة صادقة بأن أقيم فيها وأن أكون عاملاً صغيراً بين العوامل الكبار جداً على نهضتها، وكنت أجيب بالشكر ولا يخطر على بالي يوماً أن ذلك سيتحقق. فلما ضاق العراق بأخينا الشيخ الصوّاف على عهد عبدالكريم قاسم وكثرت الإساءات إليه، وامتدّت الأيدي للعدوان عليه حتى شاع خبر مقتله، وكأن الذي ركّب قصة هذه الشائعة كان أديباً موهوباً وقصصياً حاذقاً فجاءت قصة تستدرّ الدمع من عيون الصخر. وسمعتُها، وكان لي يومئذ حديث دائم في إذاعة دمشق فجعلت حلقة منه في رثائه، فبكيت وأبكيت السامعين. فلما هرب من العراق استقرّ حيناً في الشام أيام الوحدة، فضايقوه فذهب إلى مكة فاستقرّ فيها، وصار يعرض عليّ أن أعمل فيها معه. ولكني كنت مستريحاً في عملي مكتفياً في رزقي، ما أجد ما أشكو منه، وإن كانوا وكلوا أيام عبد الناصر مَن يلازمني في ذهابي وإيابي، لا يفارقني إذا خرجت من منزلي حتى يصل معي إلى محكمتي، فإذا دخلتها بقي على بابها يلازمه لا يبتعد عنه حتى أخرج فيعود معي، واستمرّ ذلك حتى عرفته وعرفني وألفته وألفني، وصرت أكلّمه وأنصحه فيسمع مني، فلما رأوه قد مال إليّ بدّلوه. وما كان ذلك ليضرّني، وإن كان يؤذيني ويثقل على نفسي. وعاد الصواف يُلِحّ عليّ بالعمل في المملكة، فكنت أشكره وأُفهِمه أنني غير مفارق بلدي، حتى جاءتني يوماً برقية بأن الملك سعوداً رحمة الله على روحه وافق على أن أعمل في مكة أستاذاً في كلية الشريعة. وما كان في تلك الأيام -على ما أعلم- من كلية

стр. 2950

عالية في المملكة سواها. ثم جاءني بعد حين بطريق رسميّ صورة من كتاب أرسله معالي وزير المعارف الشيخ حسن ﵀ وأسكنه بفضله ورحمته جنّته) إلى الصوّاف يستقدمني فيه. وسارت الأوراق في طريقها تدفعها السفارة في دمشق، وأنا أسير معها كأنني أمشي مغمض العينين أو كأنني شاربٌ مخدّراً! فأنا أمشي حيث يمشون بي، حتى لم يبقَ إلاّ أن أُعطى ما يُدعى «أمر الإركاب»، أي الكتاب الرسمي إلى شركة الطيران السعودي لتحملني إلى مكة. واتفق أن قدم الشام في تلك الأيام وكيل وزارة المعارف، وأذكر أن اسمه الأستاذ الدمنهوري ﵀. فذهبت أزوره في الفندق أسلّم عليه وأتعرف إليه، وإذا أنا أواجه فكرة طرأت على ذهني فجأة، ليس لها مقدّمات ظاهرة ولا أسباب معروفة، عجبت منها أنا قبل أن يعجب منها غيري، هي أن أعتذر عن السفر وأعود إلى القصر العدلي، إلى المحكمة التي ودّعت أهلها آنفاً. وخبّرت سعادة الوكيل بذلك وقلت له: لا تعجب ياسيدي، فأنا والله في عجب من ذلك، ولكن القلوب بيد الله والله يحول بين المرء وقلبه، لذلك أمرَنا فقال: ﴿وَلا تَقولَنَّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلكَ غداً إلاّ أنْ يَشاءَ اللهُ﴾. إن المرء ربما استطاع أن يحكم بعقله على يومه، أمّا غده فباب مُغلَق ليس معه مفتاحه ولا يُبصِر ما وراءه. وحاول الوكيل ﵀ أن يثنيني عن هذا الذي عزمت عليه، ولكن الخاطر كان أقوى من أن يردّني عنه شيء، فقبِل ذلك آسفاً كما قال.

стр. 2951

وأذكر بوضوح أنني هبطت سلّم الفندق وأنا أتعجب من نفسي: ما الذي دفعني إلى هذا القرار الذي جاءني مفاجئاً فملأ عليّ جوانب نفسي وأمسك بزمام إرادتي وقادني إلى الاعتذار؟ وصدّقوا أني لم أعرف ذلك إلى الآن، ولكنني أعرف أني ما ندمت عليه بل كنت مسروراً به، أحسّ كأن حملاً ثقيلاً كان على كتفي وأُلقيَ عنه. وذهبتُ إلى المحكمة ولقيت الإخوان كأن شيئاً ما كان. ومن يعمل مستشاراً في محكمة النقض لا يحسّ أنه مرتبط بزمان أو بمكان، بل يشعر أن حوله مدى واسعاً يتصرف فيه بحرّيته، ما عليه إلاّ أن يدقّق في القضايا التي تُحال عليه يدرسها وحده في مكتبه إن شاء في المحكمة (ولكل مستشار غرفة ومكتب) أو يأخذها إلى داره، وذلك أمر متعارَف، وإن كان الأَولى ألاّ تخرج القضايا من باب المحكمة. * * * ومرّت السنة وأنا مستريح في عملي، لا يضايقني إلاّ ما كان يضايق الناسَ كلهم في ذلك العهد. حتى إذا جاءت العطلة الصيفية خُبّرت أن لجنة سعودية لاختبار الأساتذة قد نزلت دمشق، ولعلّكم تعجبون إن عرفتم أن رئيس اللجنة التي أخذَتني إلى المملكة هو صديقنا الشيخ عبد العزيز المسند، وكان يومئذ شيخاً بالاسم ولكنه كان شاباً بالفعل. ولم يأخذني إلى مكة أستاذاً في كلية الشريعة كما كان مقرَّراً من قبل، ولكن إلى «الكلّيات والمعاهد» في الرياض. وكنت قد زرت الرياض قبل ذلك مرتين، مرة سنة ١٣٥٣، أي قبل أربع

стр. 2952

وخمسين سنة من كتابة هذه الحلقة، يوم كانت الرياض شبه قرية حولها سور له أبواب، وكان موضع شارع الوزير صحراء، وكانت البطحاء بطحاء حقيقة، وكان بين الرياض ومنفوحة فضاء ما فيه عمارة. ومن يعرف الرياض الآن لا يستطيع أن يتصور كيف كانت في ذلك الزمان. أما الزيارة الثانية فكنت قد رتّبتها مع سعادة السفير الشيخ عبد العزيز بعد ذلك بنحو اثنتين وعشرين سنة، حين دعا جماعة من القضاة لزيارة المملكة زيارة رسمية، فذهبنا ثلاثة: رئيس المحكمة العليا الأستاذ عبد القادر الأسود، وزميلنا المستشار في محكمة النقض الأستاذ نورس الجندي، وأنا. وكانت الرياض قد اتسعت قليلاً وخرجت من السور، وظهر شارع الوزير، وإن كان البناء فيه قليلاً، وأُقيمَ فيها فندق أظنّ أن اسمه فندق زهرة الرياض (أو لعلّي أخطأت الاسم وأنسانيه طول المدى). جئنا الرياض عن طريق جدة بعد أن أقمنا في جدة أياماً، كان مقامنا خلالها في فرع لفندق الكَنْدَرة. وكنا نقضي أكثر يومنا عند وجيه جدة الأفندي الشيخ محمد نصيف، نجلس إلى مائدته ونستفيد من مكتبته ونأخذ من حديثه، وحديثه تاريخ ناطق وفوائد مجتمعة رحمة الله عليه. ثم زرنا مكة، ولم يكن قد تمّ تجديد الحرم ولا اكتملت توسعته، ثم ذهبنا بالطيارة إلى الرياض، ثم ركبنا القطار إلى الظهران وعُدنا منها إلى الشام. وقد وجدت في الرياض لمّا جئتها للعمل فيها في زيارتي الثالثة لها سنة ١٩٦٣ (١٣٨٣هـ) جماعة من إخواننا المدرّسين

стр. 2953

السوريين، منهم الأستاذ الدكتور محمد الصبّاغ والشيخ الدكتور مصطفى الخَن والأستاذ عمر عودة الخطيب والأستاذ عبدالقدوس أبو صالح، ومنهم من غاب الآن اسمه عن بالي ولكن ما غاب فضله وكرمه عن صفحة قلبي. واستأجرت داراً، كانت دارَ مجلة راية الإسلام، تواجه دار الإفتاء وتجاور المسجد الثاني في الرياض والمكتبة الكبيرة الملحَقة به. وسرّني أنها دار ليس فوقها ولا تحتها مسكن لأحد، فأنا أنام آمناً أن يوقظني أحد بقرع الجدار إلى جنبي أو رفع الصوت من تحتي أو الدقّ على السقف من فوقي، ولكن ساءني منها أنني أصبحت ففتحت باب الشرفة أنظر منها، فإذا أنا أطلّ على خربة يدخل إليها الناس ليقضوا فيها حاجاتهم! فلا تسأل عن قبح الرائحة ولا عن سوء المنظر. ففتّشت عن دار غيرها بعد أن أقمت فيها أياماً، كان الناس يسألونني فيها: أين نزلت؟ فأقول: في «المَشَخّ»، على وزن «المَلَزّ»، وشتّان ما بينهما! والملزّ كلمة فصيحة. قال جرير: وابنُ اللَّبونِ إذا ما لَزّ في قَرَنٍ لم يستطعْ صولةَ البُزْلِ القَناعيسِ والكلمة من عامي الشام الفصيح، وما أكثر الفصيح في العامية الشامية على قبح لهجتها وعلى رخاوة النطق بها؛ فيقول المعلم عندنا لتلاميذه: "لزّوا السطور"، أي قاربوا بعضها من بعض. فكلمة «المَلَزّ» لسباق الخيل عربية فصحية، كما أن الكلمة التي وضعتُها مازحاً (كلمة المشخّ) فصيحة أيضاً، وما كل صحيح فصيح ولا كل فصيح مليح. * * *

стр. 2954

وأخذني الإخوان إلى مكان العمل، إلى «الكلّيات والمعاهد»، وكان هذا هو اسمها، وقد صارت اليوم «جامعة الإمام محمد بن سعود». وكانت في عمارة إلى جنب البلدية تجتمع فيها الكلّيتان، وخُبّرت الآن أن الدولة بنت لها بناءً كبيراً واسعاً لا أعرف أين يقع. وكان المشرف على «الكليات والمعاهد» هو الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، نائباً عن أخيه المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم الذي كان المفتي وكان رئيس الكليات والمعاهد ورئيس الجامعة الإسلامية في المدينة ورئيس رابطة العالَم الإسلامي، وكانت له رياسات أخرى، رحمة الله عليه وعلى الشيخ عبداللطيف وعلى كل من ذكرت وأذكر في هذه الفصول. وكنت قد عرفته من قبلُ، وعرفت الشيخ عبد العزيز بن باز طوّل الله عمره وقوّاه ووفّقه، فلقد لمست منه العلم الواسع والخلق الرضي والإخلاص لله في العمل. رحّب بي الشيخان الأخوان رحمة الله عليهما، وكان المشرف الفعلي على الكليات هو صديقنا الشيخ عبد العزيز المسند، ومعرفتكم به تُغنيكم عن وصفي له. وكان مدير الكلّيتين رجلاً فاضلاً سمح الخلق، يحب الجميع ويحبه الجميع، وكان بابه مفتوحاً دائماً يدخل عليه من شاء، فكنت أجلس عنده كل يوم سُوَيعة آنس به. وكان يجتمع عليه الطلاب في فرصة الظهر يستأذنونه في الخروج، ولم يكن يُسمَح بالخروج من الباب إلاّ لمن يحمل ورقة موقَّعة منه، فكان

стр. 2955

إذا جاءه الطالب أخذ ورقة الإذن بيده وشرع ينصحه بلسانه، يقول: إن الخروج ياولدي ممنوع إلاّ في حالة الضرورة، فلماذا تضيع وقتك وتُتعِب نفسك؟ ثم يقول له: ما اسمك؟ فيكتب اسمه في الورقة، ويرجع فيقول: ولماذا لا تبقى في الكلية؟ ويسأله: في أي كلية أنت؟ ويكتب ذلك في الورقة. وكنت أعجب من طول باله وسعة قلبه وحسن خلقه، وأعتذر لأني نسيت اسمه. وعطشت يوماً وأنا عنده فقلت له مازحاً: متى تكون صلاة الاستسقاء؟ قال: ولماذا السؤال؟ قلت: لأنني أرجو أن يأتي الله بالمطر فإنني عطشان. فضحك وقال لرجل يتربّع على كرسي إلى يساره (وكنت أنا على الكرسي على يمينه) قال: يافلان، هات ماءً للشيخ. فإذا هو فرّاش، وإذا الفرّاشون يجلسون مع الرئيس في مكتبه! وجدت ذلك في كل دائرة كنت أدخلها، وقد وجدته أولاً عند صديق الشباب والكهولة الدكتور منير العجلاني لمّا كان كبير المستشارين في وزارة المعارف، وكنت أزوره كل يوم أو يومين. وعطشت مرة أخرى فقلت للقاعد على هذا الكرسي: من فضلك هات لي كأس ماء. فدُهش المدير وقال: ألا تعرف الشيخ فلاناً؟ وإذا هو رجل رفيع المنزلة عالي القدر! فصرت بعدها إذا مِتُّ من العطش لم أطلب ماء لأنني لا أعرف الفرّاش من أمير المؤمنين. وهذه هي الطبيعة العربية الإسلامية، وهذه التي يسمّونها

стр. 2956

الديمقراطية (وهي كلمة يونانية مؤلَّفة من كلمتين: «ديموس» أي الشعب و «كراسي» أي الحُكم، ومعناها «حكم الشعب»). فالديمقراطية عندنا حقيقة مشاهَدة صارت طبيعة فينا، وهي عند غيرنا دعاية تكاد تكون لفظاً بلا معنى. وكان الأعرابي يدخل مجلس رسول الله ‘ فيسأل: أيكم محمد؟ لأنه ﵊ لم يكن يمتاز منهم في لباس ولا مجلس ولا شارة خاصة به تدلّ عليه. وجاءني مرة الفرّاش وأنا ألقي محاضراتي، فوقف في الباب وقال على مسمع من الطلاب: المدير يريدك. فكبر ذلك عليّ وأبَته نفسي، وسمع ذلك أخي، بل ولدي وابن شيخي، الأستاذ عاصم ابن الشيخ محمد بهجة البيطار، وكان يدرّس في الغرفة التي تجاورني، فخرج وقال لي: لا تنزعج يا أستاذ فهذه هي عادتهم، إنهم على السليقة الصافية، فقُل له: تعالَ أنت. فقلتها، فإذا هو يجيء والله حافياً مسرعاً يقول لي: إنهم يطلبونك على الهاتف من قصر وليّ العهد. فخجلت منه واعتذرت إليه. وكان لهذا الهاتف قصة ربما ذكرتها يوماً. ولي مع المديرين والعمداء أمثال لهذه الواقعة، منها واحدة مع مدير ثانوية البصرة أيام حكمة سليمان بعد الانقلاب العربي الأول الذي قام به بكر صدقي سنة ١٩٣٧، وأخرى مع عميد كلية التربية في مكة. وكنت في تلك الأيام شديد الاعتزاز بالكرامة، آبى أموراً لا يأبى مثلَها الناس وأُنكِرها ولا يُنكِرونها، كنت أظن أنها تخدش كرامتي، ثم علّمتني الأيام أن ذلك كله من الأوهام،

стр. 2957

وأن الكرامة ليست بناء واهياً تُسقِطه نفخة فم أو لمسة يد كالبيت الذي يبنيه الأطفال من قطع الخشب أو من فارغ العلب، ولكن الكرامة عند الكِرام أسطوانة من الصخر لو هبّت الرياح الأربع لَما زعزعَتها، وأن الذي يهتمّ بهذه الصغائر لا يكون كبيراً، فلم أعُد بعدُ أباليها ولا أهتمّ بها، إلاّ إن أحسست نيّة متعمَّدة في الإساءة إليّ أو قصداً إلى تحقيري، هنالك يعاودني الداء القديم فلا أقبل ذلك من أحد مهما كان. ووجدت غرفة الأساتذة في الكلية واحدة تجمع أساتذة الكلّيتين (كلّية الشريعة وكلّية اللغة العربية) وكانت واسعة جداً فيها طاولة كبيرة جداً وحولها أكثر من ثلاثين كرسياً، يجتمع فيها الأساتذة، لكن يقعد النجديون في جهة منها والمعاقِدون (أي المتعاقدون) في جانب، وقلما يكون بينهم حديث مشترَك. فكرهت هذا التفريق من أول يوم، وقعدت مع الشيوخ النجديين تارة ومع إخواننا من الشاميين والمصريين تارة أخرى، ووجدت من الفريقَين أحسن الاستقبال وأجمل الترحيب. ووجدت جوّ الكليتين في الجملة جوّ صفاء ومحبّة، وإذا وُجد الإسلام فلن تجدوا إلاّ المحبّة والصفاء. وأمّا الطلاب فأشهد (وأنا أعلّم من سنة ١٣٤٥هـ، من قبل أن أكمل تعليمي) بأنهم من أكثر مَن رأيت من الطلاّب أدباً مع المدرسين ورغبة في الاستفادة منهم، وتكريماً للمُسِنّين منهم. * * *

стр. 2958

-٢٢٨ - وقفة على المخيَّمات كان عليّ أن أُكمِل ما شرعت فيه من قصة قدومي للمملكة وبقائي فيها، ولكن عرض لي ما استوقفني، فقفوا قليلاً معي. إنها الكلمة التي قرأتها أمس للأستاذ محمد معروف الشيباني يقول فيها: ما أظن أيام الحَجّاج بن يوسف التي عاث فيها ضرباً وتنكيلاً وقتلاً للمسلمين وعلمائهم بأشدّ وطأة من هذه الأيام التي يتعرّض فيها مسلمون عُزْل فيهم نساء وأطفال للموت جوعاً، لأن حَجّاج هذا الزمان وشرذمته قرّروا حصارهم ومنع الماء والغذاء والدواء عنهم. وإذا كان الحصار الآن قد تعدّى المئة يوم حتى أكل سكّان المخيَّمات لحوم القطط والكلاب والفئران، وسقطت نساؤهم برصاص القنص وهنّ يحاولن الاقتراب من ترعة ماء قذر ليروين ظمأهن بعد أن نضب الماء، بينما المحاصرون يسكبونه زلالاً في كؤوس الخمر التي تُدير رؤوسَهم نشوة واحتفاء بهذا النصر المؤزّر ... (إلى أن قال): نودّ أن نسمع من علماء المسلمين الأفاضل تقييمهم لِما حدث ويحدث ... إلى آخر الكلمة. * * *

стр. 2959

لا تظلم الحَجّاج ياأستاذ وتضعْه مع هؤلاء في نسق واحد، وتجعَلْه قريناً لهم محسوباً معهم؛ فالحَجّاج عصى وخالف وقتل على الظن وسَفَك الدماء، ولكنه ما عاث في الأرض فساداً، بل حاول أن يُصلِح ما كان فيها من فساد فأخطأ الطريق وأساء الوسيلة. لقد قضى على الفتن ونشر الأمن، وكان فيه نبل العربي وكان في قلبه -بعد ذلك- بقية من إيمان وأثارة من إنسانية، وكان ربما ذُكّر فذكر وعاد إلى الحقّ وعدل. ولست أدافع عن الحَجّاج، ولقد بسطت رأيي فيه في ثلاث قصص كنت نشرتها في «الرسالة» و «الرواية» من خمسين سنة كاملة ثم أودعتها كتابي «قصص من التاريخ» (١)، وأتمنى الآن أن يأتي مثله ليُقِرّ الأمن في لبنان. أمّا حُكم الإسلام في هذا الذي وقع ويقع في المخيمات في لبنان فلا والله، لا الإسلام دين الحقّ يجوّزه ولا النصرانية ولا اليهودية، ولا تُقِرّه أعراف اللصوص وقُطّاع الطرق، ولا طبائع الذئاب في الغاب والحيّات والعقارب في الجحر والسرداب ... كل أولئك يُنكِرونه ويأبونه ويصرخون -لو كان لهم لسان- بالبراءة منه، ولو نُسب إلى واحد منهم فعله لعُدّت نسبته إليه إهانة له. لا إله إلاّ الله، إنه على كل شيء قدير، يخلق على هيئة الإنسان مَن ليس فيه شيء من الإنسانية! وإلاّ فكيف يتلذّذ هؤلاء

стр. 2960

برؤية طفل رضيع ما جنى جناية ولا ارتكب إثماً، على صدر أم ما حملت سلاحاً ولا خاضت حرباً، يُمنع الطعام والشراب عنها حتى يجفّ ثديها ويغيض في عروقها دمها، وتموت مرتين قبل الممات: مرّة من جوعها ومرة من تمزُّق قلبها حزناً على ولدها الذي يذوي ويذوب بين يديها؟ أهذا إنسان؟ ماذا كان الإنسان سيفعل لو أبصر على جانب الطريق كلبة هزيلة قد ولدت، فلما جاءت تُرضِع جِراءها من أطْبائها (أي أثدائها) لم تجد فيها لبناً، والمولود ينبح حتى أخفى الجوع صوته، والأم تتلفّت حولها ينطلق لسانها الأعجم من غير كلام، وتُلقي عيناها الحائرتان قصيدة استغاثة يسمعها ويستجيب لها كل من كان في قلبه من الإنسانية أدنى ميراث ومن كان له قلب وفي قلبه من الشعور أيسر نصيب، فجاءها رجل بقليل من الحليب تتقوّى به الأم وتعيش به الوليدة، فأقبل صبي ليس له عقل يُدرِك ولا قلب يعطف فرمى الرجل بحجر أصاب الإناء فكبّ ما كان فيه، ووقف يمنعه أن يدنو منها أو أن يسعفهما لئلاّ تفسد عليه لذّته بمنظر موتهما. هذا والذي يراه حيوان أعجم. فكيف لا أقطع حديث ذكرياتي وأقف اليوم لأصف مشهداً ما رأيت مثله في عمري الذي طال، ولا قرأت مثله في أخبار الأولين وأساطير الماضين، وما أظن أنه وقع مثله في مغارات اللصوص وقُطّاع الطرق ولا في أوكار المجرمين؟ إنه شيء لا أعرف له في اللغة العربية اسماً يدلّ عليه، فيا ضيعة عمري في دراستها ورواية أشعارها ومعرفة أخبارها وكشف

стр. 2961

أسرارها! لقد تبيّن لي اليوم أني جاهل بها لأني لا أجد ألفاظاً تعبر عما في نفسي من الإنكار ومن الاحتقار، ولما لا أعرف كيف أعبّر عنه من المشاعر على ما يصنع أناس يقولون إنهم من البشر مع الأطفال والنساء في المخيمات في لبنان. لقد كتبتُ من قبل في هذه الذكريات عن الخبيثَين بيغن وشارون، وقلت: ليكونا ملعونَين على كل لسان لعنة مسلسَلة في الذراري ممتدّة في الزمان، متنقلة في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء، تتحوّل مرضاً في أجسامهم ما له دواء وقلقاً في نفوسهم ما منه شفاء. فما أقول عمّن يصنع بالأمهات وبالأطفال شراً مما صنع ذانك الشيطانان؟ يرى الطفل يذوب جسده كما تذوب الشمعة، وتغور عيناه من الجوع كما يغور النبع الذي جفّ مَعينه، ويمشي الموت في أعضائه فيموت ألف مرة قبل أن يصل إلى الموتة الأخيرة ... ماذا أقول عمّن يصنع هذا؟ لو قلت إنه وحش برّيّ لشتمت الوحش وأسأت إليه، لأن الوحش ربما رقّ قلبه ولانت نفسه وأدركه شيء من الشفقة والرأفة، فماذا أقول لمن خلقهم الله على صورة البشر ولكن حرمهم من تلك الرقّة التي ربما داخلت قلوب الوحوش؟ لو قرأنا مثل هذا الذي نرى عن طغاة القرون الأولى، من قبل أربعة آلاف سنة، لَما محَت أربعةُ آلاف سنة هذا الإثم ولَما غفرناه لهم بالتقادم ومرور الزمان. ماذا أقول؟ أقول كلمة واحدة أبكي فيها على نفسي وأرثي بها قلمي. لقد كان لي قلم ربما رقّ حتى إنني لو وضعته على لهب

стр. 2962

النار لأطفأها، وربما اشتدّ وحمي حتى لو رميت به أمواج البحار لأشعلها فجعلها ألسنة النار، ولو شئت لاستدررت به الدمع من عيون الجلاميد، ولو واجهت به أسلحة الظالمين لوقف وحده في وجوه الظالمين. فما لي اليوم قد شِختُ وشِبتُ وعجزت حتى صرت أرى هذا كله فلا أصنع شيئاً؟ أصخرة أنا؟ ما لي لا تحرّكني هذه الفواجع؟ أم أنه أدركني ما أدرك قومي من السبات فصرنا نُمسي ونصبح نائمين لا نسمع ولا نرى ولا يهزّنا مشهد ربما هزّ رواسي الجبال؟ لو أن مجرماً عدا على طفل رضيع فحرمه لبن أمه وثنّى بالأم فمنعها الطعام الذي جعله الله قواماً لحياتها وحوّله لبناً لولدها، لقامت على هذا المجرم الدنيا وزُلزلت به الأرض وتصايحت من حوله بالإنكار الألسنة والأقلام. فهل يكون الظلم المفرد جريمة والظلم الشامل بطولة؟ هل يكون: قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفَر ... وقتلُ شعب آمن مسألة فيها نظر؟ ولكن أين النظر؟ لو كنا ننظر ونُبصِر لرأينا أن ما يحدث في المخيمات لم يصنع مثلَه نيرون ولا جنكيز ولا الذئاب في الغاب، ولا العقارب والحيّات في الشقوق والجحور! لقد أثبت العلم أن الثعبان لا يلسع إلاّ دفاعاً عن نفسه، وأن الحيّة ربما طلبت الدفء فدخلت في لحاف الإنسان وهو نائم فلا تمسّه إلاّ إذا تحرّك. وكذلك تصنع العقرب، تحسب أنه يريد بها الشرّ بحركته فتدفع بسمّها الشرّ عنها. والذئب لا يؤذي الإنسان ما لم يؤذِه الإنسان.

стр. 2963

أفيكون فيمن نعدّهم بشراً مَن ينزل في مرتبته عن الذئب والحيّة والعقرب؟ والناس يتحاربون منذ كانت الحروب، ولكن الفارس المسلَّح لا ينازل إلاّ فارساً مسلَّحاً، ما عهدنا رجلاً شريفاً وبطلاً معروفاً يحارب النساء والأطفال. وربما حاصر الجيشُ قلعةَ عدوّه ليسلّم، ولكن ما عهدنا مقاتلاً شريفاً يحاصر نساء وأطفالاً حتى يموتوا. أنا أفهم أن يُمنع وصول السلاح إلى الجند المحاصَرين، أما أن يُمنع وصول الطعام إلى الجائعات والجائعين من النساء والأطفال ممن لا يحمل السلاح ولا يخوض المعارك فشيء لا نستطيع أن نفهم له معنى. إنْ كان الذي يفعل هذا يُعَدّ إنساناً فأنا أخجل بعد اليوم أن أكون من بني الإنسان! أين الإنسانية وأين العدل؟ العدل موجود له وزارة، ولكن وزير العدل له اسم مثل اسم مجوّع النساء وقاتل الأطفال، فهل في الدنيا مفارقة مضحكة ضحكاً يفطر من الألم الأكبادَ ويمزّق القلوب كهذه المفارقات؟ فقولوا لمعالي الوزير: أهذا هو العدل الذي نصّبوك لتكون وزيره ولتُقيمه بين الناس؟ قولوا له: أما لك أطفال؟ أتنام إن كان طفلك يبكي من الجوع؟ ماذا تملك لنفسك لو مدّت أيديها أولئك الأمهات اللواتي جوّعت أطفالهن فدعون الله في سواد الليل أن ينتقم منك، وأن يُريك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وأن يكتب على أطفالك وعلى نسائك مثل الذي صنعتَه بأطفال المخيمات ونسائها، وأنت ترى ولا تملك دفعاً ولا منعاً؟

стр. 2964

قولوا لقائد كتائب «أمل» الشيعية: ألقوا عن وجوهكم قناع الشيعة، فإن أمير المؤمنين علياً ابن عمّ رسول الله ﷺ وزوجَه سيدتنا فاطمة أم الحسنين لا يرضيان بكم شيعة لهما. أعليٌّ (رضي الله عن علي) قال لكم: جوّعوا المسلمين حتى تضطرّوهم إلى أكل القطط والكلاب والفئران؟ أعليٌّ قال لكم: حاربوهم وسالموا اليهود؟ أعليٌّ قال لكم: دعوهم حتى يهزلوا من الجوع ويصبحوا عظاماً مكسوّة جلوداً، وكلوا أنتم واسمنوا حتى لا تتّسع لكم ثيابكم؟ إن سيدنا عليّاً وآله ﵁ وعن آله) كانوا أتقى لله وأبرّ بالإنسانية، وكانوا أكبر قلوباً وأسمى مقاماً من أن يتخذوا الجناة القساة البغاة شيعة لهم. لا والله ما كان عليٌّ ﵁ ليرضاكم شيعة له. * * * تذكُر الحَجّاجَ ياأخا شيبان؟ فهل بلغك أن الحَجّاج صنع مثل هذا؟ أم أن الحَجّاج أراد أن يُطفئ الفتنة وأن يُعيد الاستقرار إلى بلد قد زلزلَته الأحداث والفتن، ولكنه لم يداوِ الداء بما يوافق الشرع بل جار وظلم؟ وأعود فأقول مرة ثانية إني ما أدافع عن الحَجّاج وما أُقِرّ الظلم، وحكم الشرع فوق رأس الحَجّاج ومَن كان وراء الحجّاج يؤيّده ويمدّه بالقوة وبالسلطان، وللشرع ربّ يحميه وعنده العذاب لمن يخالف شرعه أو يُلحِد فيه. فيا من عطس إبليس في منخره ومشى في عروقه مع دمه فأوهمه أنه يستطيع أن يحارب الله: إن ما تحشدون من جيوش وما تملكون من مدافع ودبابات وطيارات وقنابل ذرّية ونووية، كل ذلك لا يقوى على أصغر مخلوق من مخلوقات الله، مخلوق بلغ

стр. 2965

من صغره ومن هوانه ومن ضآلته أنها لا تراه العيون وأنها لا تدركه المجاهر الكهربية (الإلكترونية). هذا هو الإيدز سلّطه عليكم، فها أنتم هؤلاء تضجّون منه وتشكون وترتجفون منه خوفاً وهلعاً، ولاتقدرون له على شيء. ولو وُفِّقتم إلى الوصول إلى ما جعله الله دواء له (والله ما أنزل داء إلاّ أنزل له دواء) ولو أنكم فررتم منه لابتلاكم بما هو أشدّ وأقسى. فيا أيها الذين يظنّون أنهم يقدرون أن يحاربوا الله وأن يجاهروه بالكفر وبالعصيان: إنكم مساكين، مساكين تستحقّون الشفقة عليكم والسخرية بكم، تحاربون الله وأنتم عاجزون عن حرب أهون مخلوق من مخلوقات الله! أفلا يخشى هؤلاء الذين يتلذّذون بمشهد الأطفال وهم يموتون من الجوع بين أيدي أمهاتهم ويمنعون الرِّفد عنهم، ألا يخشون الإيدز وما هو شرّ من الإيدز أن يُبتلى به نساؤهم وأطفالهم، وأن يذوبوا أمام أعينهم فلا يملكون شيئاً لهم؟ وهذا كله في الدنيا، أفلا فكّرتم بما هو وراء الدنيا؟ أنسيتم أن في الدنيا موتاً، وأن بعد الموت نشراً وحشراً ووقفة بين يدَي ربّ الأرباب يوم الحساب، ثم بعد ذلك جهنم؟ وما جهنم؟ إن هؤلاء، بل إننا جميعاً في سَكْرة، في غفلة، في نَومة عميقة، فمتى نصحو؟ ومتى نتنبّه؟ ومتى نفيق فنفكّر في جهنم؟ إن نار الدنيا ياأيها الناس نعمة، تدفّئ المَقرور وتُنضِج الطعام ولها المنافع الجسام، ولكن نار الآخرة محض عذاب. فمن يستطيع أن يحتمل نار الدنيا التي هي نعمة؟ أما عند

стр. 2966

هؤلاء في بيوتهم موقد غاز؟ قولوا لهم: ليضعوا فوقه حديدة حتى تحمرّ، ثم لينظروا هل يقدرون أن يرفع أحدهم ثوبه ويقعد عليها دقيقة؟ ربع دقيقة؟ ثانية واحدة؟ فما لهم يعرّضون أنفسهم لنار جهنم؟ إن المجرم يُحكَم عليه بالحبس الاحتياطي ثلاثة أيام فلا يباليها، يقول: وما ثلاثة أيام؟ أقضيها -كما يقول عُتاة المجرمين- على جنب واحد. فهل تدرون ما ثلاثة الأيام في جهنم؟ هل تعرفون كم هو طولها؟ إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدّون، فالذي مضى من يوم هاجر سيدنا محمد عبدُ الله ورسوله ﵊ إلى الآن يوم ونصف يوم فقط. والذي مضى من يوم وُلد سيدنا عيسى عبد الله ورسوله ﵊ إلى الآن أقل من يومين! فهل تدرون ما معنى أن يُحكم على العاصي بشهر واحد في جنهم؟ معناه أنه يمضي ثلاثين ألف سنة. فكيف بمن يُقضى عليه بالبقاء فيها سنين من سنوات الآخرة؟ فكيف بالكافر الذي يُحبس فيها حبساً مؤبداً، أي بمَن يخلد فيها؟ فويل للقاسية قلوبهم الذين لا يفكّرون إلاّ في حاضرهم، الذين يخلدون إلى الأرض فلا يرفعون رؤوسهم إلى السماء، الذين يغترّون بما نالوا من قوة ومن مال ومن سلطان ومن جند وأعوان! أيظنون أنهم باقون في هذه الدنيا أبداً؟ هل خلد من قبلهم أحد فيها حتى يخلدوا؟ ألم يَمُت من هو أقوى منهم وأغنى وأكبر سلطاناً وأكثر جنداً وأعواناً؟ ياأسفي! إن مِن أضيَع الكلام في هذه الأيام كلام الواعظين. ياأسفي على المسلمين! إنهم كثير ولكنهم غثاء كغثاء السيل، إنهم قريب من ألف مليون ولكنهم متفرقون

стр. 2967

منقسمون متناحرون متباغضون. رفع الاستعمار يده المباشرة عنهم ولكنه ترك فيهم بيوضَه فخرجت منها فراخ كانت شراً منه، فصنعت بنا ما لم يصنعه المستعمرون. * * * يا أيها القراء، أنا ما لي في هذه المعارك ناقة ولا جمل وما لي فيها نعجة ولا دجاجة، وما لي في جماعة «أمل» عدوّ أريد أن أنتصف منه ولا لي في أهل المخيمات صديق أحب أن أنتصر له؛ إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت، وأن لا تنطبق على المسلمين الأوصافُ التي وصف الله بها الكافرين حين قال: ﴿بأسُهُمْ بينَهُمْ شَديدٌ﴾، وأن يتّصف المسلمون بما وصفهم به الله حين قال إنهم: ﴿أشدّاءُ على الكُفّار رُحَماءُ بينَهُمْ﴾، وأن لا نسمع عن بلد إسلاميّ أن أهل الرأي فيه يتجادلون في شرع الله: هل يطبّقونه أم يأخذون شرائع الكافرين بدلاً منه؟ وإن منهم مَن يخالف إخوانه من المسلمين ويحالف أعداءه من الكافرين! أنا رجل متقاعد خرجتُ من الميدان من زمان، بل إنني سأخرج من هذه الحياة عما قريب، لا أعلم متى فالآجال بيد الله، ولكنني لا أطمع أن أعيش مثل الذي عشته، ولا نصفه، ولا ربعه. ولو أردت الراحة لجفّفت قلمي وطويت أوراقي وأرحت الناس مني، ولكن الله أوجب على مَن علم الحقّ أن يبيّنه للناس، والحقُّ أننا جرّبنا استعمال كل دواء فما شفى، وسلكنا كل طريق فما أوصل. الدواء الشافي والطريق الموصل هو الإسلام وحده، على أن يكون رجوعنا إليه بالمحبّة وبالتعاون لا بالنزاع والخصام، وأن نضع جميعاً، حُكّاماً

стр. 2968

ومحكومين، خوفَ الله وتصوُّر موقف يوم الحساب أمام أعيننا، وأن نعمل على ما يُنجينا في غدنا يوم العرض على ربنا. إن فعلنا فلن يحكم حاكمٌ منا بغير ما شرع الله، ولن يؤثِر أحدٌ من علمائنا رضا الناس على رضا الله، ولن يَشغلوا الناس بالمعارك الفرعية عن المعركة الكبرى، معركة الكفر والإيمان. وليعلم الناس جميعاً -في لبنان وفي غير لبنان- أن هذه الحال لايمكن أن تدوم: لا يصلُحُ الناسُ فَوضى لا سُراةَ لَهُمْ ... ولا سُراةَ إذا جُهّالُهم سادوا وليعلموا أن أدنى العذاب في الدنيا عذاب الضمير، وربما تنبّه الضمير الغارق في سباته. هذا بيغن لم يعُد يستطيع أن يلقى الناس، فقبر نفسه في بيته قبل أن يُقبر وتوارى عن الأنظار. ولكن كيف يتوارى من الله؟ لمّا كان حكم صدقي باشا في مصر (والذي شكوناه منه لا يعدل نقطة من كأس مما وجدناه بعده) قال فيه حافظ إبراهيم مقطوعة لم يجرؤ على نشرها، ولكن تناقل الناس أبياتاً منها، ومنها: لاهُمَّ (١) أَحيِ ضميرَهُ ليذوقَها ... غُصَصاً وتَقتُلَ نَفْسَهُ الآلامُ فأول العقاب في الدنيا عذاب الضمير إذا تيقّظ. إذن فليحاول هؤلاء إصلاح ما أمكن إصلاحه مما أفسدوه، وهيهات أن يقدروا! هل يردّون الروح على من مات؟ هل يأملون أن

стр. 2969

يفقد الناس كلهم ذاكرتهم فينسوا ما كان؟ إن هذا الذي نرى في المخيمات سيُقرأ تاريخه في المدارس بعد ألف سنة، فيصبّ المدرّس والتلاميذ اللعنات على أجداث مرتكبيه ولو فنيَت عظامهم واستحالت تراباً. * * * أنا أكتب هذه الكلمة يوم الجمعة ٢٢/ ٦/١٤٠٧هـ، ولعلها لا تُنشر حتى تكون هذه الغمة قد انكشفت وقد عاد هؤلاء إلى إنسانيتهم وإلى دينهم فرفعوا الأذى عن أهل المخيمات، ولعلّ الله يُلهِمهم أن يتوبوا التوبة الصادقة النصوح، ومن شروطها أن تؤدّي الحقّ الذي أضعتَه بظلمك أو أن تعوّض صاحبه عنه حتى يسامحك به، وأن تقوّم سَيرك وتعدّل وجهتك فلا تعود إلى مثله. فهل نعيش حتى نرى المسلمين قد عادوا إخوة متصافين؟ * * *

стр. 2970

-٢٢٩ - منزلي في الرياض ما كان مطلبي الأول يوم قدمت الرياض سنة ١٣٨٣هـ طعاماً يملأ المعدة ويُقيم الأوَد، فليس يخلو البلد من مطعم فيه من الطعام ألوان أو شوّاء عنده من اللحم أشكال، فإن لم يكن ففطيرة (سندويش) تحملها إلى حديقة عامة تجد فيها ركناً تأكلها فيه وقارورة شراب بارد تسيغها بها، فإن لم تجد ففي الماء غَناء. ولكن المطلب الأول مكان تأوي إليه، تشعر فيه بالقرار وتحسّ فيه الأمان. وكان إخواننا المدرّسون ينزلون في شقق صغيرة (أو غرف من شقق) ينفرد فيها الرجل مع أسرته، قد فُرشت أيسر فرش وأرخصه: بساط فوقه حشية ينام عليها ووسادة يستند إليها، وما لا بدّ منه للطاعم من الأطباق والكاسات والملاعق والشوكات. فإن كان عزَباً أقام في غرفة أو اجتمع في الغرفة الواحدة اثنان. وقد تَفرّد أخونا الأستاذ عزّة النص رحمة الله عليه، فأخذ جناحاً صغيراً في فندق اليمامة، وكان أكبر فنادق الرياض، استأجره مُشاهَرة واتخذه له داراً، يستريح فيه من تدارك الفرش ومن إعداد الطعام ومن تعب الخدمة والتنظيف.

стр. 2971

وقد خطر لي أن أصنع مثله، فقد كنت آخذ أكبر مرتَّب يأخذه أستاذ جامعي في المملكة، لأنهم كانوا يقدّرون راتب الأستاذ المعاقِد في الجامعة بثلاثة أضعاف راتبه في بلده، وقد كنت في بلدي آخذ مثل راتب وكيل وزارة. ثم إنهم كانوا يعدلون يومئذ كل مئة ليرة سورية بمئة وثلاثين ريالاً (إن لم أكن قد أخطأت أو نسيت). خطر لي هذا، ولكن وجدت أني أكره الفنادق ولا أحس الاطمئنان فيها، وقد نزلت كبارها وصغارها وغاليها ورخيصها في شرقي الأرض وفي غربيّها، فكنت أنام فيها مشتَّت الذهن فاقد الأمن، كأني أنام على رصيف الشارع لا أدري مَن ينظر إليّ ولا مَن يدنو مني! وقد طالما حاولت أن أتخلص من هذا الشعور الذي ما له سبب فما استطعت. لذلك كنت أستأجر داراً مفروشة، أغلق عليّ بابها لا يراني فيها أحد ولا أرى منها أحداً، آكل فيها ما أريد وأنام كيف أشاء، وإن كانت أغلى من الفندق، وإن كانت إقامتي في البلد شهراً واحداً. كما أنني لا أجد الراحة في السكن الموقَّت أو المشترَك كما صنع جمهور الإخوان، فطلبت من الصديق الأستاذ سليمان الحافظ، المستشار القانوني في وزارة الدفاع، أن يجد لي داراً مفروشة، فوجدها في الحيّ العسكري في طريق المطار، أعني المطار الذي صار الآن قديماً. وهي ثلاث غرف متداخلة يُفضي بعضها إلى بعض، فيها فرش ليس بالفخم ولا الغالي وحولها حديقة واسعة مونقة، ولكنني شعرت لمّا دخلتها بضيق الصدر من أول دقيقة قضيتها فيها، ذلك لأن لها أسواراً عالية تجعلها أقرب

стр. 2972

عمري في دمشق أسكن في الجبل، أفتح النافذة فأجمع دمشق كلها بنظرة واحدة وغوطتيها اللتين تعانقانها وتحفّان بها من الشرق ومن الغرب والبساط الأخضر الممتدّ إلى الجنوبي منهما حتى يلامس أقدام هضبة الكسوة وجبل المانع، فإن رحلت عن دمشق اخترت الطبقات العالية من العمارات الكبيرة، أسكن فيها فأرى منها بعض ما كنت أرى من نافذتي في دمشق. منظر لا كمنظر دمشق (١). وقد ذكرت الغوطتين هنا لأنني أصف ما كان، وقد ذهبَت الآن الغوطة الغربية وذهب بعض الشرقية، أكلتهما صناديق الإسمنت التي يتكدس فيها الناس كَسَمَك السردين في العلب، وضاعت تلك البساتين التي كانت تتعانق متصلة مترابطة الأيدي حتى يزيد طولها عن الأكيال. ولو عقلنا يومئذ لتركناها مسرحاً للنظر ومصفاة للهواء ومثابة للجمال، وبنينا عماراتنا من حولها على سفوح جبال المِزّة وفي سهل بَرْزة وعلى هضاب قاسيون. وقد صنعنا ذلك الآن، ولكن بعد فوات الأوان! * * * ما لي كنت أتكلم عن منزلي في الرياض فجرّتني عواطف القلب إلى داري في دمشق وإلى أيامي فيها؟ سقى الله تلك الأيام!

стр. 2973

كان في طريق المطار القديم في الرياض حيّ لصغار الضباط فيه دار لرجل مدني يعمل مع الجيش. و «المدني» المنسوبُ إلى المدينة المنورة، ولا أدري لماذا يُصِرّ أحد إخواننا من الأدباء من أهل المدينة على قوله في النسبة إليها «مديني»، مع أن المديني، المحدّث المشهور، منسوب إلى مدينة المنصور في بغداد لا إلى المدينة المنورة. ثم إن المدني في الاصطلاح اليوم من لم يكن عسكرياً. وجدت الدار صغيرة متداخلة ولكن حولها حديقة واسعة في وسطها بِركة كبيرة تصلح للسباحة (ولي مع السباحة قصّة ربما قصصتها عليكم يوماً قريباً، ما فيها منفعة ولكن ربما كان فيها متعة، ونحن نطلب في هذه الحياة بعض المتع والتسليات). أعجبتني الدار واتفقنا على أن تكون أجرتها أربعة آلاف ريال في السنة، وكانت أغلى دار قد استأجرها الإخوان لا تزيد أجرتها عن بضع مئات في العام. وأحببت أن أُحصي المتاع وأن أكتبه فأبى، وحسبت إباءه ثقة منه بي، فإذا هو مبيّت نية في نفسه لا ينوي مثلَها شريف، ذلك أني تسلمت الدار وأخذت مفتاحها وذهبت إلى الكلّية، فلما عدت وجدت ما كان فيها ينقص شيئاً بعد شيء؛ كان على السرير غطاء مطرَّز كالذي يكون في الأعراس (وأنا لا أريده ولو طلبه لدفعته إليه) ولكن ساءني أن يأخذه في غيابي، ثم سدّ الباب الخلفي للدار وبنى غرفة جديدة أقام فيها هو وأهله، فقيّدَتني وسلبتني بعض حرّيتي. أمّا الحديقة فلا أنكر أنها جميلة، ولكن الجدار العالي من حولها يُشعِرني كأنني محبوس فيها كما يُحبَس

стр. 2974

العصفور في قفص من ذهب. هنالك وأنا كالذي يختنق غرقاً في لُجّ البحر مُدّت إليّ يد قوية كريمة تُخرِجني إلى الهواء الطلق، إلى النسيم الرخي على البرّ الآمن، كانت يد معالي الشيخ محمد عمر توفيق. وكنت قد عرفته قراءة له قبل أن يُكتب لي اللقاء به؛ عرفته من كتاب «طه حسين والشيخان»، فعجبت لمّا قرأته أن أجد كاتباً حجازياً لا نعرفه ولم يصل إلينا اسمه، ينقد بحكمة البنّاء الحاذق لا بمعول العامل المخرّب بناء شاده أوسع أدباء العربية شهرة طه حسين، ثم لا يضعف عنه ولا يروعه منه انتشار اسمه وكثرة أوليائه. فسألت عنه فعلمت أنه أديب معروف وله منصب عالٍ، ثم إنه يكاد يكون نصف شامي، ذلك أن الترك في خوالف أيامهم شرّدوا على عهد فخري باشا كثيراً من أهل المدينة عن منازلهم فهاجروا إلى الشام، فكانوا ضيوفاً كراماً واتصلَت العِشرة بينهم وبين أهل دمشق، ثم صارت مصاهرة، وكان من ذلك أن جدّ الشيخ محمد عمر صاهر شيخ مشايخنا الشيخ جمال الدين القاسمي. كما عرفت جماعة من أهل المدينة، منها الشيخ الخياري الذي كان يسكن شيخنا الشيخ الكافي في داره، وأحسبه كان يدفع أجرة الدار كلها وهم يُعِدّون له الطعام، أو لعلّ الصلة بينهم وبينه شيء آخر فما أعرفها على حقيقتها. وممن عرفنا من أهل المدينة الذين قدموا علينا أيام الحرب الأولى وفي أعقابها شيخ صوفي خرافي مكفوف البصر طلق اللسان، اسمه الشيخ العطية، كان يدرّس في الأموي فتجتمع عليه العامة وتتّسع حلقته حتى لا تكاد تقاربها حلقة أخرى، واتخذ داراً في حيّ النّوفرة بجوار المسجد،

стр. 2975

فكان يُقيم فيها ما يدعوه الناس بحلقات الذكر. وما هو بالذكر المشروع وإنما هو مزيج من البدع ومن الشعوذات ومن الرقص كما كان يدعوه العلماء، ومن ذلك ما قاله ناظم «الوَهْبانية» التي يستشهد ابن عابدين في حاشيته كثيراً بما جاء فيها، ومن قوله فيها: ومَنْ يستحلّ الرقصَ قالوا بكُفرِهِ ... ولا سيّما بالدُّفِّ يلهو ويزمرُ وتفصيل ذلك في الجزء الثالث من حاشية ابن عابدين التي هي عمدة الفتوى في المذهب الحنفي. وممن عرفنا من أهل المدينة مؤذّن مدني حسن الصوت، علّم بعض المؤذّنين عندنا النغمة المدنية في الأذان، وممن أخذ عنه الشيخ مصطفى العقّاد أبو وجيه، رحمة الله عليهم جميعاً. ومنهم رجل فاضل صالح قوّام الليل كثير الصالحات، كانوا يسمّونه الشيخ توفيق الصغير، وهو والد معالي الشيخ محمد عمر. ولعلّي واهم ولعلّ هذا ليس اسمه، أو لعلّه اسمه ولكنه ليس والد صديقنا الوزير. * * * أَحبّ معالي الشيخ محمد عمر أن يعرّفني بكبار الأدباء في وليمة يدعوهم إليها. وأنا أكره الولائم وأهرب منها، ولكني كنت في حالة من الضيق لا يفرّجها عني إلاّ مثل هذه الاجتماعات، وإن تمنيت أن يكون الاجتماع على الكلام من غير طعام، فإن لم يكن بدّ من شيء فالشاي والكعك أو الفَرانيّ (جمع فُرنيّة، وهو الكاتو).

стр. 2976

وكانت الوليمة واجتمع كثير من الأفاضل الذين شرّفني الاجتماع بهم، وكنت أرى من كان حولي منهم يتهامسون وتقول نظراتهم وقسمات وجوههم كأنهم يفتقدون واحداً، يترقبونه يتلهفون على حضوره، ثم سمعت اسم زيدان: أين الأستاذ زيدان؟ لماذا لم يحضر الأستاذ زيدان؟ وكأنهم لمّا يئسوا من حضوره خلصوا نَجِيّاً. ثم تخيّروا واحداً منهم أقاموه إلى جنبي، وكنت أتكلم على سجيتي، تأتي المناسبة بقصة فأقصها، فإذا هو يسرد قصة تكون مثلها أو قريبة منها أو هو يظنّ ذلك، وإن رويت أبياتاً من الشعر روى أبياتاً، وإن ذكرت طرفة جاء بطرفة. فراق لي ذلك ورأيت فيه شيئاً جديداً، وكنت أنا الذي يتخيّر الموضوع ويفتتح الكلام. وطال المجلس، وعرفت بضاعة الرجل كما يعرف المصارع قوة عضلات خصمه ومبلغ علمه بأبواب المصارعة بعد جولات يجولها معه، وإذا هو قد وعى شيئاً كثيراً مما في كتب الأدب المتأخرة (كالمستطرَف والكشكول) وعنده بعض الأخبار مما هو أسبق زماناً وأعلى شأناً، ونظرت فإذا أنا أستطيع أن أتكلم في موضوع لا يُحسِنه ولا يستطيع أن يجاريني فيه فأسدّ عليه طريق هذه المناظرة السخيفة، ولكني ذكرت أن المقام مقام مجاملة لا مساجلة، وأنا لم ألقَ الرجل من قبلُ ولعلّي لا ألقاه بعد يومي، فأعرضتُ عن هذا الخاطر وارتفعت بنفسي عنه وتركته يتكلم وأقللتُ من الكلام، ثم سكتُّ فرأيت البِشر على وجوه النفر الذين قدموه وبريق الظفر في عيونهم. هذا ومعالي الشيخ الداعي لم يلتفت إلى شيء من هذا، ولعلّه لم يرَه.

стр. 2977

وكان من بركات هذا الاجتماع أن ردّني إلى نفسي ونفى عني ما كنت أحسّه من الضياع، وعرّفني بإخوة كرام. ولمّا خرجنا أبى (جزاه الله خيراً) إلاّ أن يوصلني بسيارته، وسألني عن أحوالي في الشام وعن أخي ناجي الذي كان يقرأ له بعض ما يكتب، فخبّرته أنه من قضاة دمشق ومقرّه في دوما. قال: لماذا لا يأتي فيعمل هنا؟ ففتح لي باباً للكلام كنت أتمنى ولوجَه وأتهيّب قرع بابه. وكان من بركات هذا الاجتماع أن استقدمه وجعله مستشاراً قانونياً بوزارة المواصلات التي كان يتولاها يومئذ من وزارة الحج، فلما انفصلَت وزارة الحج بقي يعمل فيها مستشاراً إلى الآن (١)، لأن معالي الشيخ عبد الواسع أبقاه، فله الشكر والشكر لمعالي الشيخ محمد عمر، وجزاهم الله خيراً. * * * كنت أمضي في الكلية ساعتين أُلقي فيهما درسي، فإذا قُضي الدرس فتّشت عمّن أكلّمه ومشيت مع أبعدهم داراً وأطولهم طريقاً، حتى إذا وصل ودخل بيته لم يبقَ لي مكان أذهب إليه ولا مَن آنس به. وكان ذلك قبل قدوم أخي إلى المملكة. وأين أذهب والكلية أغلقت أبوابها وانصرف مدرّسوها وطلاّبها، والدار ينتظرني فيها الفراغ والملل وضيق الصدر، وقد سئمت منظر البِركة والنظر إلى الشجرات من حولها، حتى إنني من طول نظري إليها كدت أحفظ عدد فروعها وأوراقها؟

стр. 2978

لم أكن أريد مَن يطعمني أو يسقيني ولا أفتّش عمّن يُسعِدني ويُعطيني، إنما أريد من يؤنس وحدتي ويفرّج كربتي، لأنني لا أجد ما أعمله فيما بقي من نهاري. فإذا أمسى المساء وكان الليل لم أستطع المنام، ولم تكن مكتبتي معي ولا اقتنيت غيرها كما صنعت الآن. وكنت طول عمري مرتبطاً بمجلة أو جريدة أكتب فيها، فأنا أبداً في تفكُّر في الموضوع الذي أكتب فيه، أو جمع لأجزائه، أو عكوف على إنشائه، أو انتظار المجلة أو الجريدة التي أجده منشوراً فيها. وكنت من أوائل الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي أذيع الأحاديث من إذاعة الشرق الأدنى في يافا (التي أُنشئَت بعد إذاعة مصر بسنة واحدة)، لم ينقطع حديثي إلاّ فترات قليلة خلال هذه المدة الطويلة. فغدوت الآن (أعني سنة ١٣٨٣) في الرياض ولا جريدةَ ولا مجلة أكتب فيها، ولا إذاعةَ أُعِدّ الأحاديث لها، ولا عمل أؤدّيه، لأن الكلية كانت أيامَ الحجّ في شبه عطلة وقد ذهب كل من أعرفه للحج وكادت تخلو شوارع الرياض من الناس. الأستاذ الصبّاغ ترك أولاده عند زميله الأستاذ اللبابيدي وذهب مع أهله إلى الحج، والأستاذ عمر عودة الخطيب ترك أولاده عند الأستاذ الشيخ مصطفى الخنّ وذهب مع أهله إلى الحج، وذهب أخي ناجي الذي كنت آنس به بعد أن قدم الرياض وسكن معي في تلك الدار، فلم يبقَ أحدٌ أزوره. كنت أذهب إلى دار الشيخ مصطفى الخنّ فأجده بين القُدور والأطباق يُعِدّ الطعام لهذا الفيلق من الأولاد حرسهم الله، وكنت أقعد معهم أحاول أن أحدّثهم وأكتب لهم لوحات بخطّ الثلث والفارسي (وأنا أجيد

стр. 2979

الكتابة بهما وبالقلم الديواني). وذهبت مرة إلى دار اللبابيدي أسأل زوجته مِن وراء الباب عن حالها مع أولادها وأولاد الصباغ، فشكت إليّ ما تلقى، فأخذتني نوبة مفاجئة من الأريحية والكرم ليتني ما أحسست بها! فقلت لها: هاتيهم ليُمضوا اليوم عندي في الحديقة. ويا ليتني لم أقُل، فقد جنيت على نفسي وجلبت الهمّ لها! وقلت أطبخ لهم طعاماً مثلما يطبخ الشيخ الدكتور مصطفى الخن (ولم يكن قد صار دكتوراً) ونسيت أنه أشبه الناس بأخي ورفيقي الشيخ مصطفى الزرقا على بعد ما بينهما في السن، يشبهه في إتقان كل عمل يعمله وفي سعة صدره وطول باله، فأردت أن أتشبّه به، فكان مثلي مثل القرد والنجّار في كتاب كليلة ودمنة. أعددتُ لهم طعاماً وصببته لهم في الأطباق ووضعت لهم الملاعق، وحاولت أن أعمل من أطفال صغار رجالاً كباراً. فعبثوا بالطعام وكَبّوه ولطّخ به الصغار وجوههم وأيديهم، ثم كفّوا عن الأكل وأبوا أن يُتِمّوا طعامهم لأنه لم يعجبهم ولأنهم يريدون مثل الطعام الذي تصنعه لهم أمهاتهم في بيوتهم. وأنّى؟ ثم كانت الطامة إذ نفشوا (١) في الحديقة فعاثوا فيها، وكانت فيها شجرة رُمّان قد أزهرت وعقدت، وكنت أنتظر يَنْعَها، فقطعوا زهرها وكسروا أغصانها، ثم جاؤوا إلى البركة يريدون أن ينزلوا فيها فحُلْتُ بينهم وبينها. وكان للأستاذ الصباغ ولد صغير جداً نسيت

стр. 2980

اسمه (أظنه الآن صار أباً بعد أن مرّ على هذه الحادثة التي أحدّث بها أربع وعشرون سنة) فغطس في المياه، فوثبتُ فأخرجته وقد ابتلّت ثيابه كلها! فلم يبقَ في صبري بقية فشتمتهم وهدّدتهم بالضرب، وجئت بقضيب خوّفتهم به، ولكن الضرب لا يأتي الصغير بالثياب وثيابي لا تصلح له ولا أستطيع أن أدعه بأثوابه التي ينقط منها الماء. فنزعتها عنه وأخذت قميصي فربطته من حوله، وهو يصرخ ويأبى، ووضعت فوقه عمامة (غترة) لففته بها، وهو يرفض هذا الزيّ العجيب. والحقّ معه، ولكن ماذا أصنع له؟ ثم قلت لكبيرهم (وهو لطفي ابن الأستاذ الصباغ، وأحسبه صار الآن أستاذاً معروفاً) قلت له: يالطفي الله يرضى عليك أريد أن أنام نصف ساعة، فأسكتهم ولا تدعهم يوقظوني بصراخهم. قال: نعم. وكدت أغفو وإذا به يصرخ صرخة توقظ الأموات، قال لهم: اسكتوا، عمو الشيخ قد نام، هل تريدون أن توقظوه؟ فأيقظني بصراخه ولم أعُد أستطيع أن أنام! ثم قالوا إنهم جاعوا ويريدون طعاماً، فلم أدرِ ماذا أصنع لهم، وأخذتهم إلى بيّاع أمام الباب في دكان تُقام من العيدان ومن صفائح الحديد (يسمّيها العامة هنا «صَنْدَقَة») وكان يمانيّاً أو حضرميّاً اسمه يَسْلَم، فقلت له: اعرض عليهم ما عندك من الحلويات ومن السكاكر ومن البسكوت. فأبى أكثرهم إلاّ طعاماً كطعام بيوتهم، وقبل فريق منهم أن يأخذوا مما عُرض عليهم وأدخلوه معهم الدار، فامتلأت الدار كلها بكسارة البسكوت وعلب الحلويات، وصارت تحتاج إلى تنظيف شامل كامل.
следующие страницы →