وكانت الوليمة واجتمع كثير من الأفاضل الذين شرّفني الاجتماع بهم، وكنت أرى من كان حولي منهم يتهامسون وتقول نظراتهم وقسمات وجوههم كأنهم يفتقدون واحداً، يترقبونه يتلهفون على حضوره، ثم سمعت اسم زيدان: أين الأستاذ زيدان؟ لماذا لم يحضر الأستاذ زيدان؟
وكأنهم لمّا يئسوا من حضوره خلصوا نَجِيّاً. ثم تخيّروا واحداً منهم أقاموه إلى جنبي، وكنت أتكلم على سجيتي، تأتي المناسبة بقصة فأقصها، فإذا هو يسرد قصة تكون مثلها أو قريبة منها أو هو يظنّ ذلك، وإن رويت أبياتاً من الشعر روى أبياتاً، وإن ذكرت طرفة جاء بطرفة. فراق لي ذلك ورأيت فيه شيئاً جديداً، وكنت أنا الذي يتخيّر الموضوع ويفتتح الكلام. وطال المجلس، وعرفت بضاعة الرجل كما يعرف المصارع قوة عضلات خصمه ومبلغ علمه بأبواب المصارعة بعد جولات يجولها معه، وإذا هو قد وعى شيئاً كثيراً مما في كتب الأدب المتأخرة (كالمستطرَف والكشكول) وعنده بعض الأخبار مما هو أسبق زماناً وأعلى شأناً، ونظرت فإذا أنا أستطيع أن أتكلم في موضوع لا يُحسِنه ولا يستطيع أن يجاريني فيه فأسدّ عليه طريق هذه المناظرة السخيفة، ولكني ذكرت أن المقام مقام مجاملة لا مساجلة، وأنا لم ألقَ الرجل من قبلُ ولعلّي لا ألقاه بعد يومي، فأعرضتُ عن هذا الخاطر وارتفعت بنفسي عنه وتركته يتكلم وأقللتُ من الكلام، ثم سكتُّ فرأيت البِشر على وجوه النفر الذين قدموه وبريق الظفر في عيونهم. هذا ومعالي الشيخ الداعي لم يلتفت إلى شيء من هذا، ولعلّه لم يرَه.
стр. 2977
وكان من بركات هذا الاجتماع أن ردّني إلى نفسي ونفى عني ما كنت أحسّه من الضياع، وعرّفني بإخوة كرام.
ولمّا خرجنا أبى (جزاه الله خيراً) إلاّ أن يوصلني بسيارته، وسألني عن أحوالي في الشام وعن أخي ناجي الذي كان يقرأ له بعض ما يكتب، فخبّرته أنه من قضاة دمشق ومقرّه في دوما. قال: لماذا لا يأتي فيعمل هنا؟ ففتح لي باباً للكلام كنت أتمنى ولوجَه وأتهيّب قرع بابه. وكان من بركات هذا الاجتماع أن استقدمه وجعله مستشاراً قانونياً بوزارة المواصلات التي كان يتولاها يومئذ من وزارة الحج، فلما انفصلَت وزارة الحج بقي يعمل فيها مستشاراً إلى الآن (١)، لأن معالي الشيخ عبد الواسع أبقاه، فله الشكر والشكر لمعالي الشيخ محمد عمر، وجزاهم الله خيراً.
* * *
كنت أمضي في الكلية ساعتين أُلقي فيهما درسي، فإذا قُضي الدرس فتّشت عمّن أكلّمه ومشيت مع أبعدهم داراً وأطولهم طريقاً، حتى إذا وصل ودخل بيته لم يبقَ لي مكان أذهب إليه ولا مَن آنس به. وكان ذلك قبل قدوم أخي إلى المملكة. وأين أذهب والكلية أغلقت أبوابها وانصرف مدرّسوها وطلاّبها، والدار ينتظرني فيها الفراغ والملل وضيق الصدر، وقد سئمت منظر البِركة والنظر إلى الشجرات من حولها، حتى إنني من طول نظري إليها كدت أحفظ عدد فروعها وأوراقها؟
стр. 2978
لم أكن أريد مَن يطعمني أو يسقيني ولا أفتّش عمّن يُسعِدني ويُعطيني، إنما أريد من يؤنس وحدتي ويفرّج كربتي، لأنني لا أجد ما أعمله فيما بقي من نهاري. فإذا أمسى المساء وكان الليل لم أستطع المنام، ولم تكن مكتبتي معي ولا اقتنيت غيرها كما صنعت الآن. وكنت طول عمري مرتبطاً بمجلة أو جريدة أكتب فيها، فأنا أبداً في تفكُّر في الموضوع الذي أكتب فيه، أو جمع لأجزائه، أو عكوف على إنشائه، أو انتظار المجلة أو الجريدة التي أجده منشوراً فيها. وكنت من أوائل الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي أذيع الأحاديث من إذاعة الشرق الأدنى في يافا (التي أُنشئَت بعد إذاعة مصر بسنة واحدة)، لم ينقطع حديثي إلاّ فترات قليلة خلال هذه المدة الطويلة. فغدوت الآن (أعني سنة ١٣٨٣) في الرياض ولا جريدةَ ولا مجلة أكتب فيها، ولا إذاعةَ أُعِدّ الأحاديث لها، ولا عمل أؤدّيه، لأن الكلية كانت أيامَ الحجّ في شبه عطلة وقد ذهب كل من أعرفه للحج وكادت تخلو شوارع الرياض من الناس.
الأستاذ الصبّاغ ترك أولاده عند زميله الأستاذ اللبابيدي وذهب مع أهله إلى الحج، والأستاذ عمر عودة الخطيب ترك أولاده عند الأستاذ الشيخ مصطفى الخنّ وذهب مع أهله إلى الحج، وذهب أخي ناجي الذي كنت آنس به بعد أن قدم الرياض وسكن معي في تلك الدار، فلم يبقَ أحدٌ أزوره. كنت أذهب إلى دار الشيخ مصطفى الخنّ فأجده بين القُدور والأطباق يُعِدّ الطعام لهذا الفيلق من الأولاد حرسهم الله، وكنت أقعد معهم أحاول أن أحدّثهم وأكتب لهم لوحات بخطّ الثلث والفارسي (وأنا أجيد
стр. 2979
الكتابة بهما وبالقلم الديواني).
وذهبت مرة إلى دار اللبابيدي أسأل زوجته مِن وراء الباب عن حالها مع أولادها وأولاد الصباغ، فشكت إليّ ما تلقى، فأخذتني نوبة مفاجئة من الأريحية والكرم ليتني ما أحسست بها! فقلت لها: هاتيهم ليُمضوا اليوم عندي في الحديقة. ويا ليتني لم أقُل، فقد جنيت على نفسي وجلبت الهمّ لها! وقلت أطبخ لهم طعاماً مثلما يطبخ الشيخ الدكتور مصطفى الخن (ولم يكن قد صار دكتوراً) ونسيت أنه أشبه الناس بأخي ورفيقي الشيخ مصطفى الزرقا على بعد ما بينهما في السن، يشبهه في إتقان كل عمل يعمله وفي سعة صدره وطول باله، فأردت أن أتشبّه به، فكان مثلي مثل القرد والنجّار في كتاب كليلة ودمنة.
أعددتُ لهم طعاماً وصببته لهم في الأطباق ووضعت لهم الملاعق، وحاولت أن أعمل من أطفال صغار رجالاً كباراً. فعبثوا بالطعام وكَبّوه ولطّخ به الصغار وجوههم وأيديهم، ثم كفّوا عن الأكل وأبوا أن يُتِمّوا طعامهم لأنه لم يعجبهم ولأنهم يريدون مثل الطعام الذي تصنعه لهم أمهاتهم في بيوتهم. وأنّى؟ ثم كانت الطامة إذ نفشوا (١) في الحديقة فعاثوا فيها، وكانت فيها شجرة رُمّان قد أزهرت وعقدت، وكنت أنتظر يَنْعَها، فقطعوا زهرها وكسروا أغصانها، ثم جاؤوا إلى البركة يريدون أن ينزلوا فيها فحُلْتُ بينهم وبينها. وكان للأستاذ الصباغ ولد صغير جداً نسيت
стр. 2980
اسمه (أظنه الآن صار أباً بعد أن مرّ على هذه الحادثة التي أحدّث بها أربع وعشرون سنة) فغطس في المياه، فوثبتُ فأخرجته وقد ابتلّت ثيابه كلها!
فلم يبقَ في صبري بقية فشتمتهم وهدّدتهم بالضرب، وجئت بقضيب خوّفتهم به، ولكن الضرب لا يأتي الصغير بالثياب وثيابي لا تصلح له ولا أستطيع أن أدعه بأثوابه التي ينقط منها الماء. فنزعتها عنه وأخذت قميصي فربطته من حوله، وهو يصرخ ويأبى، ووضعت فوقه عمامة (غترة) لففته بها، وهو يرفض هذا الزيّ العجيب. والحقّ معه، ولكن ماذا أصنع له؟ ثم قلت لكبيرهم (وهو لطفي ابن الأستاذ الصباغ، وأحسبه صار الآن أستاذاً معروفاً) قلت له: يالطفي الله يرضى عليك أريد أن أنام نصف ساعة، فأسكتهم ولا تدعهم يوقظوني بصراخهم.
قال: نعم. وكدت أغفو وإذا به يصرخ صرخة توقظ الأموات، قال لهم: اسكتوا، عمو الشيخ قد نام، هل تريدون أن توقظوه؟ فأيقظني بصراخه ولم أعُد أستطيع أن أنام! ثم قالوا إنهم جاعوا ويريدون طعاماً، فلم أدرِ ماذا أصنع لهم، وأخذتهم إلى بيّاع أمام الباب في دكان تُقام من العيدان ومن صفائح الحديد (يسمّيها العامة هنا «صَنْدَقَة») وكان يمانيّاً أو حضرميّاً اسمه يَسْلَم، فقلت له: اعرض عليهم ما عندك من الحلويات ومن السكاكر ومن البسكوت. فأبى أكثرهم إلاّ طعاماً كطعام بيوتهم، وقبل فريق منهم أن يأخذوا مما عُرض عليهم وأدخلوه معهم الدار، فامتلأت الدار كلها بكسارة البسكوت وعلب الحلويات، وصارت تحتاج إلى تنظيف شامل كامل.
стр. 2981
فما كان مني إلاّ أن استأجرت سيارة حشرتهم فيها وأعدتهم إلى دار المرأة المسكينة التي أخذتُهم منها، وقلت لها: خذي استلمي الله يقوّيك ويعينك، أما أنا فقد رفعت الراية البيضاء وسلّمت واعترفت بالعجز.
* * *
أمضيت تلك الأيام، أيام الحج، في الرياض كما يُمضي السجينُ أيامَ سجنه؛ لم أكن أنظر إلى أحد لأنني لا أعرف أحداً، كنت أجول في الطرق وحدي لا يلتفت أحد إليّ، فأحسّ كأني صرت كالشجرة المغروسة على جانب الطريق أو العمود الذي حمل المصباح الذي يضيء في الليل الطريق، يراه الناس كلهم ولكن لا يهتمّ به أحد منهم. بل إن الشجرة والعمود كانت أثبت مني وجوداً وكان الناس أكثرَ بهما اهتماماً، لأنها إن قُطعت الشجرة أو انكسر العمود أحسّوا بفقدهما وسألوا عنهما، وأنا لم يكن يشعر أحدٌ إن حضرت أو غبت أو سرت في الطريق مع السائرين أو خلا مني الطريق.
إني لأذكر هذا الآن بعدما استمررت عشرين سنة بلا انقطاع أحدّث الناس في الرائي ومن الإذاعة، يسمعونني كل يوم ويرونني كل أسبوع. أفتحسبون هذا الذي صرت إليه نعمة؟ لا والله، حلفت لكم لتصدّقوا. ليست الشهرة نعمة يُستراح إليها ويُحرَص عليها، ولا ما كنت فيه في الرياض نعمة أرضى برجوعها؛ لقد فقدت هنالك شخصيتي وكدت أنسى وجودي، وأضعت هنا الآن حرّيتي.
стр. 2982
لقد تقلّبَت بي في المملكة الأمور وتحوّلت الأحوال، حتى كاد يختلط عليّ حلوها بمُرّها وأبيضها بأسوَدها.
كنت في الرياض كمن يلبس طاقية الإخفاء التي ورد ذكرها في قصص ألف ليلة، فأنا أمشي بين الناس ولا يُبصِرني أحد من الناس كأنني استحلت إلى خيال، وأسير اليوم كأني أحمل على رأسي مصباحاً يجلب إليّ أنظار الناس، فلا أستطيع أن أدخل حديقة أو أقف على بيّاع لأن الناس يُشيرون إليّ. أما من منزلة بين المنزلتين؟ هل خلت الدنيا من التوسّط والاعتدال؟ أكُتب عليّ أن أعيش في الظلمة حتى لا أكاد أبصر طريقي أو أحدّق بعيني في عين الشمس فلا أرى شيئاً؟
إني لأعجب ممّن يسعى للشهرة ويراها شيئاً جميلاً. ما الشهرة؟ هي أن تتفتح عليك الأعيُن كلها ويراقبك الناس جميعاً فتفقد بذلك حرّيتك.
* * *
إني لأذكر تلك الأيام فأتمنى أن لا يمرّ عليّ مثلُها!
كنت في النهار كالضائع بين الناس، فإن أقبل الليل أدبر عني المنام وأقبلَت عليّ سود الأحلام، فلا أهنأ بيقظتي ولا بنومي. وإذا خرجتُ إلى حديقة المنزل سدّت عليّ هذه الجدران العالية الاتصال بالناس فشعرت كأنني سجين، ولو كنت في الفندق لنزلت إلى البهو فرأيت الناس، إن لم أرَ النزلاء رأيت الخدم، وإن لم أرَ من أكلّمه كلّمت النادل أن يأتيني بالشاي أو بالشراب
стр. 2983
البارد. وما بي حاجة للشراب ولا للشاي ولكن لأسمع صوتي، فقد نسيت من طول الصمت في تلك الأيام في الرياض رنّة صوتي في الأذن!
* * *
стр. 2984
-٢٣٠ -
لمّا كنت أستاذاً في الكلّيات والمعاهد
كان في كل قرية من قرى الجبل في الشام ولبنان بيّاع واحد عنده من كل شيء شيء؛ إن شئتَ طعاماً وجدت عنده ما تحتاج إليه من طعام، إن أردت الثياب فعنده الثياب معدة والقماش الذي تُصنع منه الثياب، وإن أردت الأقلام والدفاتر وما يحتاج إليه ولدك في المدرسة وجدت عنده كل ما يحتاج إليه ولدك في المدرسة. وعنده من أدوات المطبخ ومن فرش الدار ومن مصابيح الإضاءة ما يطلبه أهل القرية، بل إن عنده علبة الأسبرين وبعض المسكّنات وقارورة زيت الخَرْوَع وبعض المسهّلات والمليّنات ... فلا يطلب أهل القرية شيئاً يحتاجون إليه إلاّ وجدوه عنده.
وإن شئتم مثلاً أقرب وأعلى قدراً فهو السوق الشاملة (السوبرماركت) التي عرفناها أول ما عرفناها في مصر من أكثر من خمسين سنة عند «عمر أفندي» (الذي صار اسمه «أوروزدي باك») وعند شيكوريل وصيدناوي، ثم وجدناها على مقياس أكبر في مدن أوربا الكبار.
وفي مقابلها وكالات المصانع والشركات: الأولى فيها
стр. 2985
الأنواع الكثيرة ولكن بمقادير قليلة، والوكالة فيها الكثير الكثير ولكن النوع واحد أو هي أنواع معدودة.
هذا مثال العالِم المتخصص الذي قصر جهدَه على علم من العلوم فأحاط به وجمعه من أطرافه وغاص في أعماقه، والرجل الموسوعي (كما يُقال اليوم) أو الأديب (كما كان يُدعى قديماً)، وهو الذي أخذ من كل شيء بطرف كما دعاه ابن خلدون. هذا هو الفرق بينهما.
لمّا جئت الكلية امتحنت نفسي فوجدت أني إن لم أبلغ أن أكون من الصنف الأول فأنا ملحَق به، أستطيع تدريس علوم الدين وعلوم العربية، ولكن بقليل من الإعداد وبعد قليل من المراجَعة، وأمّا الذي هو أسهل عليّ وأحَبّ إليّ فهو الأدب والفقه.
أما الأدب فلأني كنت عاكفاً عليه عمري كله: اقرأ الشعر وأنقده وأفهمه وأحفظ منه الكثير، وقد بقيَت في ذهني إلى الآن بقايا تبلغ مئات ومئات من الأبيات المفردة والمقطوعات، وبعض القصائد المطوَّلات، لا أزال أحفظها وأرويها. ولي في شرحه للطلاب طريقة قلّ اليوم سالكوها لعلّي استفدتها من اثنين: من الأستاذ أحمد الإسكندري لمّا كنت أحضر دروسه في دار العلوم العليا (التي صارت تُدعى اليوم كلية دار العلوم) من ستين سنة كاملة، والشيخ عبد القادر المبارك الذي لم أرَ فيمَن قرأتُ عليه (وكنت تلميذاً له) ولا فيمَن رافقتُه في التدريس (وكنت زميلاً له) من كان في درسه حياة كحياة درس الشيخ المبارك.
ثم إنني درست أروع ما في الأدب الفرنسي: أدب كورناي
стр. 2986
وراسين وموليير ولافونتين وباقي الأدباء المنهجيين (أي الكلاسيك)، وأدب روسو وشاتوبريان ولامارتين ودوموسه وهوغو وأعلام الأدباء الرومانسيين. ثم اطّلعت (مجبَراً في المدرسة لا مخيَّراً) على أدب الواقعيين والوضعيين وأصحاب المذاهب التي جدّت من بعد؛ كنا نُلزَم على عهد الفرنسيين في الشام بكل ما يُلزَم به الطالب الفرنسي في باريس، ونحفظ من مختارات الشعر والنثر مثل الذي يحفظ.
وأما الفقه فلأنني قرأت «مراقي الفلاح» في المدرسة (وكان مقرَّراً على طلاب الثانوية) وقسماً كبيراً من «فتح القدير»، قرأته على أبي ثم على المفتي الفقيه الشيخ عطا الكَسْم مع تلاميذ أبي الذين انتقلوا إليه لمّا مات أبي، وكتباً أخرى على مشايخ أُخَر، وكتباً قرأتها وحدي ثم لمّا وليت القضاء، عكفت على الفقه وانقطعت إليه حتى صار لي نوع إلمام بالفقه الحنفي والمعرفة بكتبه.
ثم لمّا طبع أخونا الكريم الأستاذ زهير الشاويش كتبَ مذهب الإمام أحمد للشيخ علي آل ثاني أمير قطر، وكانت له ﵀ مشاركة في العلم وفي الأدب، أهداها كلها إليّ. وأنا لا يأتيني كتاب فأنام حتى أقرأه، فإن كان كبيراً يضيق الوقت عن قراءته تصفّحته وقرأت مقدّمته ونظرت في فهرسه، واطّلعت على بعض فصوله حتى أُلِمّ بموضوعه وأعرف أسلوبه. فألممت بذلك بالمذهب الحنبلي، لا أقول إني صرت فقيهاً فيه ولكن أقول إني أَنِست به ولم أعُد غريباً عنه، وصرت أقلّده في بعض الأحكام. وكنت أعرف الشيخ عبد القادر بَدران ﵀، فرجعت إلى كتابه «المدخل» فازددتُ معرفة بمذهب الإمام أحمد.
стр. 2987
فلما كُلفت بوضع مشروع قانون الأحوال الشخصية (وهو الذي صدر سنة ١٩٥٣، وهو المعمول به الآن في الشام بعد تعديل طفيف) اضطُررت إلى الرجوع إلى أُمّات الكتب (١) ككتاب «المُغني» لابن قُدَامة الذي أحببته حتى لا أعدل الآن به كتاباً غيره، و «المجموع» للنووي، والفتاوى لابن تيمية، وكتب علم الخلاف كبداية المجتهد، وكتب أحكام القرآن للجَصّاص ولابن العربي، وكتب فقه الحديث كسبل السلام ونيل الأوطار.
وكنا على عهد الطلب نقرأ الحُكم وندع دليله، بل ما كنا نسأل عن الدليل ونكتفي بعزو القول إلى إمام المذهب. فتعلمت من السيد رشيد رضا والشيخ بهجة البيطار والشيخ عبد الوهاب خلاّف والسيد الخضر حسين، ومما قرأت من كتب الشيخ سعيد الباني والشيخ جمال القاسمي، ومن دراسة علم أصول الفقه في كلية الحقوق على الفقيه الطبيب مفتي الشام الشيخ أبي اليسر عابدين ﵀ ورحم كل من ذكرت، تعلّمت أنه لا يكفي بيان حُكم الله أن يُعزى إلى أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من العلماء، لأنهم جميعاً غير معصومين من الخطأ، وأن العلم قال الله قال رسوله. فما لم ترد فيه آية صريحة أو حديث صحيح صريح أو إجماع ثابت أو قياس صحيح، فليس مما يُلزَم المسلم بقبوله ولا مما يمتنع عليه ردّه، على أن يردّه بدليل لا بمجرد التشهّي والعناد.
* * *
стр. 2988
ولكني لمّا جئت الكلّيات، وهما كلّيتان: كلية الشريعة وكلية اللغة العربية، والكليات جمع وإطلاق لفظ الجمع على الاثنين مذهب صحيح، فقد قال تعالى: ﴿وداودَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فيه غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِم شَاهِدين﴾. أقول: لمّا جئت الكليات وجدت للفقه بفروعه كلها أساتذة يدرّسونها هم أعلم مني، ولم أجد من علوم العربية خالياً من مدرّس إلاّ البلاغة. والعجيب أن الاهتمام كله كان في الكليات بالبلاغة، وأن الوقت أو أكثره لها. وأنا أرى أن دراسة البلاغة على هيئتها التي انتهت إليها الآن تكاد تكون تعباً في غير طائل، فهي لا تجعل دارسها بليغاً ولا تصله بروائع الأدب كما كانت أولَ أمرها، لمّا كانت نقداً منظَّماً يمشي مع الأدب، فكلما ابتدع الأدباء جديداً جاء هؤلاء النقّاد فوضعوا له اسماً وصنّفوه مع أشباهه ونظائره، حتى لخّص القزويني كتاب السكّاكي فوقفت البلاغة عند هذا التلخيص وعلقت به، فما استطاعت الخلاص منه ولا جاء من يُعينها على التخليص من قيد التلخيص. وانحصرت شواهدها في نطاق محدود، فلا يزال المدرّسون يكرّرونها ويعيدونها حتى ملّوا وملّ الطلاب منها، ولم يبقَ للبلاغة إلاّ نفع قليل في فهم بعض آيات الكتاب والسنّة وما وصل إلينا من روائع ما قال الأولون.
فاخترت مادة الإنشاء حين لم أجد غيرها. والإنشاء يضعونه في المناهج تكملة عدد لا يُقيمون له وزناً، ولو أنصفوا لجعلوه في رأس الموادّ التي يُطلَب إجادتها من الطلاب، لأن الدعوة إلى الله إنما تكون بالقلم واللسان، عليهما يقوم البيان وبهما يثبت الإيمان وتتفاوت أقدار الإنسان.
стр. 2989
ولكن الأسلوب الذي يُتّبع في هذه المادة في البلاد العربية التي عرفت أكثرها يزيدها هواناً على هوانها عند المدرسين والطلاب، إذ يُكلَّف الطلاّب، بل يُكلَّف التلاميذ في المدرسة الابتدائية الذين لم يبلغوا أن يُسمَّوا طلاباً، بالكتابة في موضوع يختاره لهم المدرس، ولا يكون في الغالب إلاّ موضوعاً بارداً بعيداً عن حياة الطلاب ميتاً لا روح فيه، ثم لا يرسم للتلميذ الخطة التي يسير عليها ولا ينصب له مثالاً ينحو نحوه أو يحتذيه. وأنا رجل قد احترفت الكتابة وأنا أكتب من ستين سنة، وما أخذت يوماً في درس الإنشاء درجة عالية.
اخترت درس الإنشاء لأني وجدت فيه مجالاً أتحرّك فيه. وقد تعجّب معالي الوزير الشيخ حسن لمّا علم ﵀ أنني اخترت درس الإنشاء، وكان يراني أصلح لِما هو أكبر منه كالفقه أو النحو أو البلاغة، ولكني وجدت لها أساتذة يدرّسونها، ثم إني إن تسلّمت تدريسها كنت كالذي يمشي مقيَّداً في مجال ضيّق، قد رُبطَت رجلاه وكُتّفت يداه بمنهج محدود وكتاب معيَّن لا يملك أن يخرج عنه، ولا عمل له إلاّ أن يفسّر عبارته ويُظهِر مقصد مؤلّفه. كأنه وهو أستاذ في الجامعة يعلّم في مدرسة متوسطة، والجامعة إنما كانت ليتجاوز فيها الطالب عهدَ التلقّي وإعمال الذاكرة وحدها إلى عهد المناقشة وتشغيل الفكر، وأن يتولى هو العمل لا أن يعتمد في عمله كله على أستاذه.
وأنا مهما تمسّكت بفضيلة التواضع فلا أُنكِر أن لديّ ما أستطيع أن أدرّس به غير الإنشاء من المواد، فأنا طول عمري معتزل في بيتي أمضي أكثر يومي في ليلي ونهاري في المطالعة،
стр. 2990
من حين تعلّمت القراءة وأنا ابن عشر سنين إلى الآن (وقد جاوزت الثمانين)، أقرأ كل يوم عشر ساعات أو أكثر، فما ظنّك بمن يقرأ كل يوم عشر ساعات على مدى سبعين سنة في جميع العلوم والفنون؟ وكنت بحمد الله أحفظ كل ما أقرأ وكل ما أسمع، فصرت الآن أحفظ الموضوع ولكن أنسى أين قرأته أو ممن سمعته.
* * *
نهجت في درس الإنشاء نهجاً جديداً لا عهد للمدارس ولا للجامعات بمثله، فلمّا ذاق الطلاب حلاوته ورأوا ساعة الدرس تضيق عنه سألوني وقتاً آخر أكمل لهم فيه ما شرعت به، فكانوا يحضرون برضاهم واختيارهم في غير ساعات الدوام، ويدخل معهم وينضمّ إليهم طلاب من الفصول الأخرى وطلاب من كلية الشريعة، ولمّا شاع أمر هذه الدروس صار يحضرها فريق من طلاب الجامعة ومن غيرهم.
وأنا كنت أقترح من قديم أن نبدأ في تدريس الأدب من أدباء عصرنا لأن أساليبهم أقرب إلينا وموضوعاتهم أمسّ بنا، لا من العصر الجاهلي (كما كنا نفعل) ثم ننتقل منه إلى العصر الأموي فالعباسي. فلمّا استلمت مادة الإنشاء في كلية اللغة العربية وجدت فيها مجالاً لتحقيق هذا الاقتراح. لا أن أجعله درساً في تاريخ الأدب، بل أن أعرض على الطلاب ألواناً من أساليب الكتّاب أبيّن لهم مزاياها وعيوبها.
ولست أذكر الآن كل ما ألقيته، ولم أكن كتبته فاستبقيته، ولكني أذكر أني عرّفتهم بأساليب طائفة صالحة من كتّاب العصر،
стр. 2991
كالرافعي؛ وهو من أصحاب الأساليب المتميزة، فتجد اسمَه في كل فقرة مما يكتب وإن لم يضع اسمه على ما كتب. وميزة الرافعي في توليده المعاني، ولكنه -مع هذه القدرة على التوليد- لا يخلو من الوقوع في التعقيد، لا سيما إن كتب فيما كان يسمّيه «فلسفة الحب والجمال» في مثل كتاب «السحاب الأحمر». وكنت أنصح الطلاب أن لا يعمدوا إلى تقليده، لأنهم سيعجزون عن مثل توليده ويقعون في تعقيده! وأكثر ما كنت أنصحهم بقراءته من كتب الرافعي «تحت راية القرآن» و «وحي القلم»، أما «السحاب الأحمر» وأمثاله فأوصيهم بالابتعاد عنه.
وطه حسين؛ وأسلوبه صحيح فصحيح ولكنه خالٍ من الجمال الذي يستهوي القارئ ويشدّه إليه، ثم إنه يكرّر ويعيد، ولذلك سببان أولهما أنه مكفوف يملي إملاء، ثم أنه مدرّس، ومهنة الكاتب ربما بدت ملامحها في آثاره. وتقليد طه حسين سهل، وإن كنت أنصحهم دائماً أن لا يعمدوا إلى تقليد أحد من الكتّاب بل أن يقرؤوا ما تميل نفوسهم إليه، ثم ينظروا أثره فيها ثم يكتبوا في تصوير هذا الأثر، فيرَوا أنه سيبدو في الأسلوب الذي سيكتبون به.
والمازني؛ وأسلوبه من السهل الممتنع، فهو يكتب كما يتحدث فيحسّ قارئه أنه يستطيع أن يكتب مثله، فإن جرّب رآه عاجزاً مقصّراً عنه. ثم إن المازني أوتي براعة في السخرية حتى من نفسه فتجيء سخريته عفوية غير متكلّفة، فإن تَعمّد الطالب مثلَها ربما جاءت متكلَّفة ثقيلة.
أما العقّاد فلا خلاف في أنه مفكّر كبير وكاتب قدير، ولكنه
стр. 2992
ليس من أصحاب الأساليب الأدبية التي يعرف الناظرُ إليها صاحبهَا وإن لم يَرِد اسمه معها. وعلى الضدّ منه زكي مبارك، فهو صاحب أجمل أسلوب في العربية في هذا العصر، ولكنه ضحل الأفكار. ولقد قرأت كتابه «ليلى المريضة في العراق» ثلاث مرات، مرة لمّا كان ينشره مقالات في الرسالة، ومرتين لمّا جُمعَت هذه المقالات في كتاب، ولا آبى أن أقرأه مرة رابعة، ثم إن سألتَني بعد هذا كله: ماذا يعني بليلى المريضة بالعراق؟ أهي امرأة بعينها أم هي رمز من الرموز وكناية من الكنايات؟ لقلت لك إنني لا أدري!
ومن الكتّاب من يكتب بأسلوب الصحفيين، لكنه أعلى منها. والأسلوب الصحفي بليغ في موضعه ولكنه لا يصلح للأدب، فليس فيه مزيّة تستدعي الإعجاب ولا عيب يستوجب النقد. ومن هؤلاء توفيق الحكم وأحمد أمين وحسين (لا حسنين) هيكل. وأكثر ما يُفيد ناشئةَ الأدب من هؤلاء وينير لهم طريق الكتابة هو أحمد أمين، لأنه يأخذ من الحياة مشهداً يشهده أو قصة يسمعها أو خبراً يقرؤه فيبني مقالته عليه، و «فيض الخاطر» في رأيي أنفع كتاب يتعلّم فيه المبتدئ الإنشاء.
ولست أريد الآن (ولا أقدر إن أردتُ) أن ألخّص كل ما قلت لهم وما ألقيت عليهم، أو أن أستقصي كبار كتّاب العربية فأصف أساليبهم جميعاً، ولكني أقول إني حرصت على أن أربّي في الطلاب الحسّ الأدبيّ، وأن يفرّقوا بين الأدب الأصيل والأدب المقلَّد، بين الذهب الخالص والنحاس المطليّ بالذهب. وكنت أنبّههم إلى أن المقاييس تختلف، فما يرجح في ميزان الأدب قد يكون مرجوحاً في نظر الدين، ورُبّ أديب أو شاعر يملأ اسمُه
стр. 2993
الدنيا ويشغل أدبه الناس لا يساوي عند الله طرفاً من جناح ذبابة، كابن هانئ وأبي نواس من الأولين، وكثير من الشعراء والأدباء في الآخِرين.
وكنت أنبّههم إلى نصوص في الأدب لا يلتفت إليها المدرّسون وواضعو المناهج، ويشتغلون عنها بما كتب الحريري والصاحب بن عبّاد في المقامات، وما في ذلك كله إلاّ رصفألفاظ وتلاعب بها، كساحر السيرك حين يُخرِج من كفّه عشرات المناديل الملوَّنة ويأتي بما يحسبه الناس حقاً وهو باطل في باطل.
كنت أُرشِدهم إلى نصوص في السيرة فيها قصص أدبية كاملة، تجمع مع صحّة الحديث ومع أنها حقّ لا يداخله شيء من الباطل، تجمع شروط القصة كلها؛ كقصة الإفك حين ترويها أم المؤمنين عائشة، وقصة كعب بن مالك لمّا تَخلّف عن تبوك، وقصة عمر لمّا سمع أن الرسول طلق نساءه. وكنت أنبّههم إلى كلمات تسمو إلى أعلى درجات الفصاحة والبيان ولا يكاد يهتمّ بها أساتذة الأدب والإنشاء، كتوقيعات الخلفاء والأمراء التي تجدونها في مثل «العقد الفريد»، كلمات قليلة تجمع من بلاغة اللفظ ومن عمق المعنى ما لا يكون في الكلام الطويل. وفي كتب الفقه الأولى قبل أن تفسد الملَكة ويختلّ الأسلوب كالأم للشافعي والمبسوط للسّرَخْسي. وقد كنت أقرأ فيه صفحات كثيرة لا لمعرفة الحكم الفقهي ولكن للاستمتاع بذلك البيان!
وبقية الكلام في الحلقات الآتية إن شاء الله.
* * *
стр. 2994
-٢٣١ -
تفسير بعض الآيات
لا أزال في الحديث عن أيامي في الرياض، وإني لأعجب من نفسي: لقد كان لي يومَ ذهبتُ إلى الرياض زوج ولي بنات، فلماذا تركتهن في دمشق وقدمت الرياض وحدي؟ إني لأفكر فلا أجد لذلك إلاّ سببين: الأول أني أردت أن أجنّبهن مشقّة الغربة وآثرت أن أحتملها وحدي، والثانية أنني قضيت شطر عمري منفرداً؛ كنت في صغري لا أجد أحداً ألعب معه لأنني كبير إخوتي فليس فيهم من هو في مثل سنّي، ولم تكن لي ولا لأحد من إخوتي رفقة من أبناء الجيران، وما كنت ألعب في الزّقاق (ولم أقُل في الشارع لأنه لم يكن في دمشق شارع!) ولا كان لي من رفاق المدرسة من تُجاوز صلتي به بابَ المدرسة، فكنت إذا خرجت منها مشيت وحدي إلى الدار.
ولمّا كبرت وغامرت في الحياة العامة، وجريت مع من جرى في ميدان السياسة وعملت مع من عمل في الأدب وفي الصحافة، كنت مع الناس من غير أن أداخلهم، حتى حين كنت أعلو المنابر وأخطب في الجماهير تلك الخطب التي كانت تشتعل اشتعالاً وتشعل الحماسة في صدور سامعيها، كنت وحيداً قبل
стр. 2995
الخطبة وكنت أعود وحيداً بعدها. وحين احترفت الصحافة لم تجاوز صلتي بأهلها حدودَ المهنة، فلا أحضر مجالسهم ولا أدخل مداخلهم.
ثم صرت معلّماً أولياً في قرى دمشق، فكنت أنام في القرية أحياناً: في سَقْبا في الغوطة الشرقية أولاً، ثم في زاكية من أعمال قَطَنا على ذيل جبل الشيخ، ثم في بغداد مدرّساً فيها، وفي البصرة في جنوبي العراق وفي كركوك في شماليه، وفي بيروت في الكلية الشرعية التي صارت تُدعى الآن أزهر لبنان. وبعد إعلان الحرب الثانية ذهبت مدرّساً إلى دير الزور سنة ١٩٤٠، ثم جئت الرياض.
وظننت أني ألِفت الوحدة بعدما صحبتها هذه السنوات الطوال وأنها سَهُلت عليّ وصارت كالطبع لي، ولم أدرِ أن ما قاسيت منها من قبل ملأ الكأس حتى قالت قَطْني، وأنه لم يبقَ إلاّ قطرة واحدة لكي تفيض، فجاءت أيامي في الرياض القطرةَ التي فاضت منها الكأس وكانت القشّةَ التي زعموا أنها قصمت ظهر البعير؛ فثقُلَت عليّ الوَحدة فيها حتى كلّت نفسي عن حملها، وما كنت أشكوه من قبلُ وجدتُه صار الآن هيّناً بجنب ما شكوته من الوحدة فيها.
وكانت أمامي وأنا أكتب هذه الحلقة مجموعة كاملة جديدة من مجلة «الرسالة» تفضّل معالي الصديق النبيل الشيخ إبراهيم العنقري فأهداها إليّ، وهممت على عادتي بالاعتذار عن قَبولها، ثم تصوّرت متعة نفسي بها وعظم أثرها فيها فأخذتها شاكراً فضل
стр. 2996
مُهديها. ورأيتها تردّني خمسين سنة في طريق العمر فتحملني إلى عهد كان من أجمل عهود حياتي، تردّني إليه حين استحال أن تردّ تلك الأيام عليّ وتحملها إليّ. وسأكتب عما كان لهذه الهدية من الأثر في نفسي وما أثارت من الخواطر والذكريات.
لمّا رأيت مجموعة «الرسالة» ذكرت أن لي فيها مقالة عن الوحدة نُشرت قبل خمسين سنة كاملة، أدَع ما في أولها من كلام عن فلسفة الوحدة وأنقل هنا فقرات مما قلت فيها (١). قلت:
عجزت عن احتمال هذه الوَحدة وثَقُل عليّ الفراغ الذي أحسّه في نفسي، فخالطت الناس واستكثرت من الصحابة، فوجدت ذلك أنساً لنفسي وجمعاً لشملي، فكنت أتحدّث وأمرح وأمزح وأُضحِك وأَضحك حتى ليظنّني الرائي أسعدَ خلق الله وأطربَهم. بَيد أني لم أكن أفارق أصحابي وأنفرد بنفسي حتى يعود هذا الفراغ الرهيب وترجع هذه الوحدة الموحشة.
انغمست في الحياة لأملأ نفسي بمشاغل الحياة وأُغرق وحدتي في لُجّة المجتمع، واتصلت بالسياسة وخببت فيها ووضعت، وكتبت وخطبت، فكنت أحسّ وأنا على المنبر بأني لست منفرداً وإنما أنا مندمج في هذا الحشد الذي يصفّق لي ويهتف، ولكني لا أخرج من النديّ وينفضّ الناس من حولي وأنفرد في غرفتي حتى يعود هذا الفراغ أهول مما كان وترجع الوحدة أثقل، فكأنها ما نقصَت هناك إلاّ لتزداد هنا، كالماء تسدّ
стр. 2997
مخرجه من الصّنبور (الحنفية) فينقطع، ولكنك لا ترفع يدك حتى يتدفق ما كان قد اجتمع فيه. فماذا يُفيدني أن أُذكر في مئة مجلس أو أن يمرّ اسمي على ألف لسان، وأن يتناقش فيّ الناس ويختصموا، إذا كنت أنا في تلك الساعة منفرداً مستوحشاً متألماً؟
(إلى أن قلت): لذلك صرت أكره أن ألتقي بالناس وصرت أنفر من المجتمعات لأني لم أجد في كل ذلك إلا اجتماعاً مزيّفاً. وجدتُني غريباً بين الناس فتركت الناس، وانصرفت إلى نفسي أكشف عالَمها وأجوب فيافيها، وأخوض بحارها وأدرس نواميسها، وجعلت من أفكاري وعواطفي أصدقاء وأعداء، وعشت بحب الأصدقاء وحرب الأعداء.
(إلى أن قلت): وسيظلّ الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله، ويفكّروا دائماً بأنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم؛ هنالك تصير الآلام في الله لذّة، والجوع في الله شبعاً، والمرض صحّة، والموت هو الحياة السرمدية الخالدة. هنالك لا يبالي الإنسان أن لا يكون معه أحد، لأنه يكون مع الله.
* * *
ولكن هل بلغت أنا هذه المنزلة؟ ياأسفي! إني لأقرأ هذا الكلام الذي كتبته من خمسين سنة شمسية فأراه حقاً، ولكن أرى نفسي عنه بعيداً؛ أراني لا أزال أفتّش عمّن أضيع بالحديث معه عمري أو عن كتاب أو مجلة أمزّق بها حياتي، وأنا أعلم أن هذا العمر هو رأس مالي.
ولقد فسّرت سورة العصر من زمن بعيد، بعيد جداً، تفسيراً
стр. 2998
ما نقلتُه من كتاب، ولعلّ غيري قال مثله، ولكني لم أنقله عنه. وفهمت لماذا قال الشافعي ﵀: "لو لم يُنزِل الله من القرآن إلاّ هذه السورة لكفت الناس". سورة من أربع عشرة كلمة فقط جمعت فلسفة هذه الحياة وقوّمتها (ولا تقُل قيّمتها)، فقدرَت قيمتها وبيّنَت أن الخسران مآل كل من يحياها، ووضّحَت الطريق إلى اجتناب هذا الخسران. وكانت دستوراً للفرد وللجماعة وقانوناً للدنيا وللآخرة.
كل ذلك في أربع عشرة كلمة فقط، فهل تأذنون لي أن أقطع سرد ذكرياتي، وأن أقف وقفة قصيرة لعلّها أنفع لكم وأجدى عليكم من تلكم الذكريات؟ أقف لألخّص في كلمات ما كنت شرحته من قبلُ مرات عن هذه السورة، وإن لم يكن الكلام فيها من صميم الذكريات.
أقسم الله بالعصر. ونحن إنما نُقسِم بالشيء الذي نبالغ في تعظيمه وتقديسه، لذلك لم يَجُزْ لنا القسم بغير اسم الله وصفاته. ولكن الله يقسم ببعض مخلوقاته، لا تعظيماً لها بل تنبيهاً إلى بعض خصائصها ومزاياها لنستفيد منها. أَقسَم بالضحى والليل إذا سجى، لمّا انقطع الوحي عن رسول الله ‘ فثَقُل انقطاعه عليه واستعجل عودته إليه، فأفهمه الله بهذا القسم أن الله جعل لكل شيء موعداً، فالليل لا يأتي مع الضحى بل لا بدّ من انتظار موعد الليل. وأقسم بالتين والزيتون. لا اللذين نأكلهما كما قال بعض المفسّرين، فما شأن التين والزيتون اللذين نأكلهما بجبل الطور وهما ثمرتان وهذا جبل؟ ولكن الله أقسم بهما رداً على الكفّار الذين عجبوا أن يبعث الله محمداً في مكة ولم يعجبوا أن يبعث
стр. 2999
موسى وعيسى في الشام وفلسطين (١) وهما بلد التين والزيتون، ولا أن يكلّم الله موسى عند جبل الطور، فأفهمهم أن بلد التين والزيتون وأن طور سينين كمكة البلد الأمين، فما يجوز أن يكون في تلك يجوز أن يكون في مكة.
و «العصر» هنا كما أفهمه مُطلَق الزمان، فالإنسان الذي قُدّر له أن يعيش تسعين سنة إنما تكون تسعين يوم مولده، كعطلة الشهر للموظف لا تكون شهراً إلاّ حين بدايتها، فكلما مرّ الزمان عليها نقص شيء منها. والمليون إن كنت تسحب منه واحداً بعد واحد جاء وقت فرأيت أن المليون صفر، وهنالك الخسر.
تذهب الحياة بذهاب العمر، ويذهب معها ما فيها من المال والبنين والذهب والفضة والجاه والسلطان، ويحوزه كلَّه هذا القبر الضيق، ثم يُهال عليه التراب، ثم يلفّه النسيان، فكأنه ما كان. فما الذي يبقى إذن؟ يبقى الإيمان والعمل الصالح: ﴿إلاّ الذينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالحاتِ﴾.
ثم لخّص بأربع كلمات المنهج الكامل للواحد وللجماعة؛ الكلمة الأولى هي «الحقّ»، فالمناهج والمذاهب والنِّحَل والمبادئ منها الحقّ ومنها الباطل، فالمؤمن يختار ما كان منها حقاً، ولكنه قد لا يقوى على تنفيذه وقد يشقّ عليه، فلا بدّ من «الصبر» على هذه المشقّة.
فالحق هو اختيار الطريق الصحيح، والصبر هو سلوك هذا
стр. 3000
الطريق وتجنُّب الخروج عليه. هذا كله للفرد، فأين شموله للجماعة؟ إنه بكلمة «تواصَوا»، كلمة واحدة حوّلته منهاجاً عاماً، يوصي به كل مسلم أخاه وأخوه يوصيه به، وهذا هو التواصي وهذا هو التعاون والاجتماع على اختيار الصحيح من المناهج وعلى تطبيقه التطبيق الكامل.
فما الذي تركته هذه السورة التي هي أقصر سور القرآن ولم تذكره؟ وهل إيجازٌ بعد هذا الإيجاز؟ وهل إعجاز بعد هذا الإعجاز؟ وهل طريق أقوم من هذا الطريق؟ (١)
* * *
نعم؛ لقد خرجت عن خطّ الذكريات، ولكن ما خرجت لاضطجع على كتف طريقها فأستريح ولا لألعب وألهو، ولكن تركته لأقطف لكم من جوانبه باقة من أغلى الأزهار ولآتيكم بسلّة من أنفس الثمار.
ثَقُلَت عليّ الوحدة في الرياض. وكنت من قبلُ أمضي بعضَ يومي في الكلية، ثم لمّا ألِفت الطلاب وألفوني صاروا
стр. 3001
يجتمعون عليّ، يحسبون أن عندي علماً فهم يسألونني وأنا أجيبهم بالقليل الذي أعرف جوابه من سؤالاتهم. وكنت أجالسهم فأطيل مجالستهم، ويزداد إقبالهم عليّ فأزداد حباً لهم ودنواً منهم.
أمّا الأساتذة فلم يُكتَب لي أن أخالطهم، ولم تجاوز صلتي بهم صلة الكرة بالكرة في كومة من الكرات، تجاورها وتلامسها ولكن لا تداخلها ولا تخالطها. إلاّ واحداً منهم شاباً ذكياً مكفوفاً كان من صغار المدرّسين في الكلية، ولي معه قصتان: الأولى أنه كان يجادلني في بعض ما كتبت في تأويل ما لا بدّ من تأويله وما لا يمكن أبداً حمله على ظاهره كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فنسيَهم﴾ مع قوله تعالى ﴿وَمَا كانَ ربُّكَ نَسِيّاً﴾ وقوله ﴿لا يضِلُّ ربّي ولا ينسى﴾، ويشتدّ أحياناً في نقدي وتدفعه حماسة الشباب إلى الهجوم الشديد عليّ.
وأنا ما لم أكن غضبانَ أحتمل أشدّ النقد، بل إنني أقرأ في الرائي (التلفزيون) رسائل تَرِد عليّ فيها سبّي وشتمي وأرى الجرائد وفيها مقالات كلها نقد لي وسبّ وشتم فلا أبالي بها. ومرّت عليّ أيامٌ كانت جرائد دمشق كلها تهجم عليّ فيها، ومنها واحدة نسبَ إليّ كاتبٌ فيها ما لو نُسب عُشره إلى غيري لَما استطاع أن ينام في الليل ولا أن يلقى الناسَ في النهار، إنه جمع من صفات الشر ما لم يكَد يجتمع في إبليس! فما حرّك شعرة من جسدي، بل كتبتُ أنصحه وأدلّه على أسلوب الهجاء وأقول له: لو أخذتَ بعض ما نَسَبْتَ إليّ لربما صدّقه الناس، لكنك جمعتها كلّها فلم تجد من يصدّقها!
جمع هذا المدرّس الشابّ كثيراً من الأقوال التي كتبتُها
стр. 3002
في أوقات مختلفة (١)، منها ما لا أقول به الآن ولا أرتضيه. وأنا رجل مرّ بمراحل، فقد كانت نشأتي الأولى على يد مشايخ كلهم صوفي، فكان من ثمرات ذلك أن كرّهوا إليّ ابن تيميّة مثلاً وابن عبد الوهاب. ثم سافرت إلى مصر سنة ١٣٤٧هـ لأدرس فيها، وأنا ابن عشرين سنة متفتح القلب للتلقّي، فحوّل خالي محب الدين ومَن عنده من روّاد المطبعة السلفية وجهتي، وجعلوني أحب ابن تيميّة وابن عبد الوهاب بعد أن كنت أكرههما. ثم دنوت حيناً من الشيخ زاهد الكوثري عن طريق صديقنا حسام الدين القدسي، ونشرا لي أول ما أصدرت من مطبوعات وهو «رسائل الإصلاح» التي نُشرت سنة ١٣٤٨هـ وأقامت الدنيا عليّ، وردّ عليها كثير كان أشدَّهم الشيخ أحمد الصابوني الحلبي. ثم صحبتُ الشيخ بهجة البيطار فرجعت إلى ما كنت عليه مع خالي محب الدين الخطيب، وانتهيت الآن بحمد الله إلى طريق الصواب، فلا ألتزم التزاماً كاملاً إلاّ بما صحّ عن المعصوم الذي هو الرسول ﵊، وما جاء في كتاب الله الذي لا يدانيه الباطل ولا يقاربه.
стр. 3003
كان هذا المدرّس الشابّ يطيل مناقشتي في كتاباتي القديمة، ولا يصدّق أني مررت بها ولم أقف عليها وأني رجعت عن كثير منها، فقلت له: اكتب رسالة تردّ بها عليّ. فتعجّب وقال: ألا تغضب؟ قلت: لا. فكتب رسالة طبعها له بعض أهل الخير ووُزّعت مجاناً.
وكان من خبر هذا المدرّس الشابّ أنه تزوّج فدعا كل من في الكلية من مدرّسين وموظفين إلى وليمة ضخمة أقامها، ولم أذهب إليها كما أنني لا أذهب إلى أمثالها، فلما لقيتُه بعدها (وكنت أعرفه فقيراً) سألتُه: لماذا أقمتَ هذه الوليمة؟ فقال: إنها الوليمة الثالثة التي لا بدّ منها، واحدة لأهلي وأهل العروس، والثانية نسيت أنا لمن، وهذه الثالثة. قلت: لا تؤاخذني إن سألتك: من أين أتيت بالنفقات؟ فضحك ضحكاً كالبكاء، بل لقد كان يبكي فعلاً ويقطر الدمع من عينيه المطفأتين، قال: كان لي بيت فبعته!
فعلّقت على ذلك في الرائي (التلفزيون) أنقد هذه العادات وأدعو الناس إلى تركها وأقول لهم: إن الزواج هو عمارة بيت، فهل صيّرتم الزواج بعاداتكم خراب البيت؟
* * *
لم يكن لي في الرياض مَن أزوره إلاّ معالي الشيخ محمد عمر، وكان أخي عنده، ووكيل الوزارة وهو معالي وزير المواصلات الآن، والدكتور منير العجلاني في وزارة المعارف. والبيوت التي كنت أغشاها، وكنت أفتّش عن مبرّرات لزياراتها لأنني كنت أرغب فيها وأخاف أن أُزعِج أهلها، وربما مررت أحياناً
стр. 3004
من أمام الباب ثم رجعت فمررت أمامه خمس مرات وأنا لا أجرؤ أن أقرع الباب خشية أن أضايق مَن وراءه، منها دار الشيخ محمد الصبّاغ، وكنت أجد فيها أنس النفس وراحة القلب، وكان معه جاره الأستاذ تيسير العيتي، وهو مدرّس فاضل، وزوجته بنت شيخ مدرّسي الرياضيات في سوريا الذي أحسبه قارب اليوم مئة عام من عمره أو زاد عليها، هو الأستاذ درويش القصاص. ودار الأستاذ عمر عودة الخطيب، ودار الأستاذ سليمان الحافظ الذي كان يسكن معه حَمُوه صديقنا الأستاذ عبد الرؤوف الحنّاوي، رحمة الله عليه وعلى من توفّاه من كل من ذكرت في هذه الحلقة.
ومن طرائف ما وقع لي أننا كنا في دمشق تعوّدنا على الاجتماع في المدرسة الأمينية عقب صلاة الجمعة، واستمررنا على ذلك أكثر من أربعين سنة، نتغدى فيها ويشتري لنا الآذن (أي الفرّاش) ما نريد ويسقينا مديرها الشيخ شريف الخطيب ﵀ أيضاً الشاي الأخضر. فانقطعتُ في الرياض عن هذا الاجتماع، فجدّدناه في دار الأستاذ السعدي، وهو شابّ رضيّ الخلق كريم النفس سكنت معه مدة قليلة. ونجتمع أحياناً في غيره من الدور.
وكنت يوماً خارجاً من صلاة الجمعة فرأيت الأستاذ سليمان الحافظ وحماه (أعني أبا زوجته) الأستاذ الحنّاوي، فقالوا: هلمّ معنا إلى الغداء. فقلت: لا إلاّ أن يكون عندكم صَفيحة (و «الصَفيحة» أكلة شامية كان يتعذّر، بل يستحيل أن تكون في تلك الأيام موجودة في الرياض) فضحكا وقالا: نعم، عندنا صفيحة. ومرّا على جزّار شاميّ قد صنعها لهما فأخذاني معهما إلى دارهما!
стр. 3005
وطالما أنِستُ بهذه الدار كما كنت آنس بدار الشيخ محمد الصباغ الذي صار الآن دكتوراً، ولا أدري أيّ اللقبَين أحَبّ إليه: الشيخ أم الدكتور؟
وكان الطلاّب يسألونني في اجتماعي بهم في غير وقت الكلية، فسألني واحد منهم مرة عن قوله تعالى: ﴿الرحمنُ على العرشِ استوى﴾، فقلت له: أليس القرآن قد نزل بلسان عربيّ مبين؟ قال: بلى. قلت: فالعربية إذن وُضعت قبل نزول القرآن؟ قال: نعم. قلت: ووُضعت لمعانٍ أرضية مادية، لأشياء رآها الإنسان من نبات وحيوان وجماد فوضع لها أسماء، بل إنها من تعليم الله لآدم حين علّمه الأسماء كلها؟ قال: نعم. قلت: حتى الكلمات التي تدلّ على معنى مجرّد لا تخرج من كونها أرضية مادية. فلما خبّر ربُّنا بأنه استوى على العرش لم نستطع أن نقول إنه ما استوى فننفي ما أثبته الله، ولا نرجع إلى المعنى القاموسي فنقول إنه استوى، أي قعد على العرش كما يقعد المخلوقات، لأن الله ليس كمثله شيء والخالق لا يُشبِه المخلوق. فلم يبقَ إلاّ أن نقول إننا نؤمن بأن الله استوى على العرش لا كما يستوي المخلوق على كرسيه، فلا ننفي ما أثبت الله، ولا نشبّه الله بخلقه، ولا نعدل عن المعنى الذي يفهمه العربي الأصيل لهذه الكلمة إلى معنى غيره، إلى آخر ما كان.
فلما كثرت الأسئلة، وكان قد جاء موعد المحاضرات، كُلّفت بمحاضرة فجعلت عنوانها «طريقة جديدة في تثبيت العقيدة» حضرها جمعٌ كبير من المشايخ والعلماء وأساتذة الكلية وطلاّبها كلهم، ولا أعمد إليها باختصار أو تلخيص فإنها نواة ما وضعته بعد ذلك في كتاب «تعريف عامّ بدين الإسلام» (الذي طُبع منه إلى
стр. 3006
الآن بإذن مني وطُبع سرقة من وراء ظهري نحواً من ثلاثين طبعة، وتُرجم إلى الإنكليزية وإلى الأردية، واستأذنني ولدي الأستاذ طارق الحاج إبراهيم، وله أخ يعمل في إسبانيا، في ترجمته إلى الإسبانية فأذنت له. وعلمت أنه تُرجم بقلم بليغ بأسلوب رفيع في لغة الإسبان، وقدّم له أستاذ يُعَدّ هناك من أكبر الأساتيذ) (١).
وخرج الطلاب من المحاضرة يتساءلون، وتساءل معم كثير من غيرهم، يقولون: هل مال إلى التأويل؟ هل قال بالتشبيه والتمثيل؟ هل جنح إلى التعطيل؟ فقالوا بأنهم ما سمعوني أقول شيئاً من ذلك. فتبيّن لي وجوب تجديد أسلوب تدريس العقيدة.
إن الذين ألّفوا كتب العقيدة الصحيحة إنما ردّوا على الشُّبَه التي كانت على أيامهم، فكانت كتبهم دفعاً لها وحماية للمسلمين منها، كما كانت قلعة أجياد في مكة في يوم من الأيام تحمي البلد، فلما جدّت أسلحة لم تكن على عهد مَن بناها وبنى أمثالها صارت تحفة أثرية وعمارة تاريخية. لقد تبدّلَت طرق الهجوم على الإسلام فوجب أن نجدّد طرق الذَّبّ عنه ودفع الأعداء عن حِماه.
إنه لم يعُد ينفعنا أن نردّ على الفِرَق التي بادت وفني أهلها
стр. 3007
ولم يبقَ منها إلاّ ما رُوي في الكتب من عقائدها، وأن نشتغل بالمذاهب الجديدة التي تكيد للإسلام كيداً أشدّ من كيد الأولين. إن محاربة الإسلام اليوم تقوم على مخطّطات مُحكَمة، تضعها عقول كبيرة جداً شريرة جداً وتؤيّدها جهات قوية جداً وتُنفَق عليها أموال كثيرة جداً، ودرسُ التوحيد في مدارسنا لا يقوى على ردّ هذه الشُّبَه، لا لأن الإسلام ضعيف يخشى هجومها، بل لأن التقصير ممّن يضع المناهج وممّن يؤلّف الكتب وممّن يُلقي الدروس. إنه ليس في الإسلام قصور، ولكنّا نحن المقصرون.
* * *
стр. 3008
-٢٣٢ -
من المستشفى المركزي في الرياض
إلى مستشفى المواساة في دمشق
عرفتم أني انتقلت في شتاء سنة ١٩٦٣ (١٣٨٣هـ) إلى الرياض، وانتقل معي من دمشق شتاؤه وبرده، ولكن لم تنتقل مدافئه ولا الوسائل التي كنا نتخذها لدفعه؛ فكأنه عدوّ داهم بلدة كانت آمنة مطمئنّة لم تستعدّ لحربه، بل هي لم ترتقب هجومه. وأحسب أنه من تلك السنة بدأ الناس في الرياض يستعدّون للشتاء بالمدافئ: ما كان منها يوقَد بالحطب، وهو قليل، وما يوقَد بالنفط وما يُشعَل بالكهرباء.
وكنت امرءاً يؤذيه البرد ويهون عليه معه حرّ الصيف مهما اشتدّ، لا لأني شيخ يقول:
إذا جاءَ الشتاءُ فأَدْفئوني ... فإنّ الشيخَ يؤذيهِ الشتاءُ
لأنني لم أكن قد صرت يومئذ شيخاً بل كنت كهلاً في الخامسة والخمسين، وكنت لا أزال على بقية صالحة من قوة الشباب واحتماله. وأنا بحمد الله حمداً كثيراً قوي البناء متين الأعضاء، أمشي سويّاً قوياً ثابت الخطو، لكنني تزحلقت في حياتي مرات،
стр. 3009
ثم ما زلت أعود فأتزحلق فأقع على ظهري أو جنبي، فأبقى مُلقى أياماً ربما طالت حتى صارت أسابيع وشهوراً. وكان الذي أتزحلق به حصاة صغيرة جداً لا تزيد في مقدارها على الحمصة، بل ربما نقصَت عنها. ولو كانت على الطريق لدعست عليها (ولا تقُل دهست) أو لتنحّيت عنها، ولكنها كانت حيث لا تصل يدي إليها ولا أملك أن أحرّكها فأدفع أذاها، كانت في الكُلْية أو في حوضها (وهذا أهون ما يكون من شرّها) أو كانت في الحالب. وهو مجرى ضيّق، إذا كانت ساكنةً فيه سكَتَ عني ألمُها، فإن تحرّكت أو شدّ عليها فضاق عنها كان الذي عرفت من ألمها. فهذا الألم يجيء في لحظة، كما يجيء القدَر النازل نعوذ بالله منه، ويذهب في لحظة، فكأن الذي كان ما كان.
* * *
وبتّ الليلة لا أشكو شيئاً، فلما كان هزيع من الليل سُمع في الحيّ صوت: آه، يقتلعها مرسلُها من قرارة القلب ويبعثها مسربَلة بالألم، يسمعها الجيران مرّة كل دقيقتين، ثم صارت مرّتين كل ثلاث دقائق، ثم تسارعت حتى صارت تمشي مع دقة الثواني في الساعة، فكلما قالت الساعة «طق» قال هذا الصوت «آه»! وكان مطلقها هو أنا. وكنت أعرف هذه الآلام من القديم، ما شكوت في عمري غيرها. تقول التي تصاب من النساء بها (وهي تعرف آلام الولادة) أن آلامها تُشبِه آلام الولادة، فهل سمعتم بما تقاسي الوالدة حين الطلْق وما تتحمل حتى يخرج الولد إلى هذه الدنيا؟ لذلك كان أحطّ الناس وأخسّ الناس وألأم الناس من يعقّ أمه، وينسى صنيعها له ويعاملها بالشرّ والأذى.
стр. 3010
ولي مع هذا المرض تاريخ طويل طويل، دخلتُ معه المستشفيات في دمشق والمستشفى الأميركي في بيروت ومستشفى الرياض هذه المرة، ودخلت مستشفى قصر العيني في مصر مرة، ودخلت بعض المستشفيات في أوربا، وما أشكو في ذلك كله إلاّ هذه الحصاة. وربما حدّثت القراء يوماً حديثها إن سمحوا بذلك ووعدوا أن يصبروا عليه.
وسمع صوتي جارُنا في غرفته التي بناها خلسة فنقمت عليه بناءها، ولكنني وجدتها الآن نعمة. وما في الدنيا شرٌّ لا خيرَ معه ولا خيرٌ لا شرَّ معه إلاّ طاعة الله وابتغاء الآخرة، فهذا هو الخير الخالص. وكان جارنا، صاحب الدار، يعلم أنه ليس معي من يحتشمه من النساء، ولم يكن أخي ناجي تلك الليلة في الدار، ففتح الباب بالمفتاح (وهو معه) ودخل عليّ، ودخل معه جار آخر سمع من صراخي ما سمع فأقبل معه لمّا أقبل، جفَوا فراشهما الدافئ في هذا الليل البارد وجاءا يؤدّيان حقّ الجار على الجار، فجزاهما الله خيراً.
وجعل يسائلني، وما بي طاقة على الجواب إلاّ أن أختلس لحظة بين آهتين من آهاتي، وسمعني في هذه اللحظة أذكر اسم الأستاذ محمد الصباغ والأستاذ سليمان الحافظ، فاتصل بهما. ولم يكن في الرياض في تلك الأيام هواتف في البيوت، ما كانت فيها إلاّ هواتف قليلة تُدار باليد، ولكن الحيّ حيّ عسكري فسَهُلَ عليه أن يتصل بمن يذهب إلى أحد الأستاذين فيخبرهما بما أنا فيه.
ومن مزايا المسلمين أنهم عند الشدة يصيرون كأبناء الأم الواحدة والأب الواحد، وما من ذلك شيء إلاّ شيئاً قليلاً عند
стр. 3011
الذين نسمّيهم بأهل الحضارة من أهل أوربا أو أميركا (وكان أجدادنا يدعون أوربا «أورَفّي»، بتشديد الفاء). ولست أعمّم الحكم ولكن أقول عمّن رأيت منهم وعمّا سمعت عنهم.
ولم يكن الطب في المملكة في تلك الأيام قد بلغ عُشر ما نجده عليه الآن ولا أقلّ من العُشر، ولكن المستشفى المركزي في الرياض كان عامراً بالأطباء، وكان مديره شاباً نبيلاً سامي الخلق حسن العشرة محبوباً، لا يردّ طالب إسعاف ولو لم يكن يعرفه، فكيف بهؤلاء الإخوان وفيهم مَن هو صديقه ورفيقه؟ وكان في المستشفى جناح أُعِدّ لكبار المرضى من ذوي الأقدار والمنازل، فأنزلوني فيه كرماً منهم. وكان فيه ممرّضتان يبدو أنهما ألِفتا رؤية المتمارضين من الشباب ممّن كان ينزل عندهما رغبة في لقائهما، كان همهم هذا اللقاء لا التداوي والشفاء. فما أدري كيف ضربهما العمى فلم تبصرا في رأسي ووجهي الشيب والصلع، وأصابهما الصمَم فلم تسمعا صراخي؟ وأظنّ أنهما حسبَتاني مثل أولئك الشباب ولم تدركا أني إلى حقنة مورفين (وما كان يسكّن الآلام في تلك الأيام غيره) أحوَج مني إلى معاقرة كؤوس الجمال ومطارحة أحاديث الغرام. فتلفّتَت إحداهما تقول: حضرة الأستاذ من طنطا؟ وتكركر ضاحكة: هئ هئ، من طنطا بتاعتنا؟ هئ هئ!
والمرأة إن ضحكَت غالباً قالت: «هي هي»، والرجل يقول: «ها ها»، والولد يقول: «هو هو». فصببتُ نقمتي كلها عليها، ووجّهت إليها كلاماً ما سمعَته حتى انكمشت وتضاءلت وكفّت عما كانت فيه. وجاء مدير المستشفى يزورني يسأل عن حالي مع طائفة من الإخوان الكرام وعما آمر به، فقلت له: أول ما أطلبه أن
стр. 3012
تصرف عني هذه الممرضة الحمقاء.
فلما تدفّق الإخوان عليّ وتَكرّم بزيارتي الوزيران الصديقان الشيخ محمد عمر توفيق وزير المواصلات ووزير الحج بالنيابة، والشيخ حسن رحمة الله عليه وزير المعارف ووزير الصحة بالنيابة، زادت عناية القوم بي واهتمامهم بمرضي.
وتَبيّن أنه لا بدّ من عملية جراحية، ففضّلت أن أعملها في الشام؛ لا لأنه لم يكن في مستشفى الرياض أطباء يقدرون عليها، بل لأن هناك من أعرفه من قديم وهناك أهلي وأقربائي، والمريض يأنس بزيارة أهله وأقربائه. وكان على رأس الأطباء الذين يُعنَون بي في الشام الدكتور حسني سبح، وهو شيخ جاوز التسعين (وقد بلغني أنه توُفّي من قريب، ﵀، وهو بقية جماعة كانوا أساتذة أطباء الشام جميعاً. منهم الدكتور حمدي الخياط، وقد خلّف ولداً عبقرياً نابغاً طبيباً عالِماً هو الدكتور هيثم الخياط، ومنهم الدكتور عِزّة مريدن، وكان يومئذ عميد كلية الطب في الشام، ومنهم الأخ الطبيب الحبيب الدكتور مظهر المَهايني، الذي أجرى لي في مستشفى كلية الطب من قبلُ ثلاثَ عمليات لم يأخذ عليها لنفسه أجراً. فجزاه الله وجزاهم خيراً.
* * *
وأخذوني إلى مستشفى المواساة الذي أقامه جماعة من كرام الشاميين بسعي من الدكتور حسني سبح رحمة الله عليه، الذي توفّي وهو رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، وهو أحد الأطباء الذين جمعوا بين الطب في أحدث ما سما إليه وبين اللغة العربية، إحاطة بها وتحقيقاً لفصيحها وشواردها. وسأكتب عنه إن شاء الله
стр. 3013
فصلاً طويلاً حين أعود فأكتب عمّن عرفت من الرجال.
ودمشق كما يعرف الناس أجمل مدينة على وجه الأرض، وموضعُ مستشفى المواساة (الذي كان يُدعى من قبل مَصْطبة الهبل) أجمل موقع في دمشق. وكان مديرُه أحسنَ مدير لمستشفى عرفته في عمري وأضبطَه لعمله، على رقّة فيه ولطف، وهو الأستاذ كامل الرّوماني، وكان من قبل زميلاً لنا في التعليم، ولست أدري أهو حيّ فأهديه سلامي أم قد توفّاه الله فيمَن توفّى من أصحابي فأسأل الله الرحمة له؟ وعرفت عدداً من الأطباء الشباب يومئذ الذين كانوا يتدرّبون في هذا المستشفى، منهم الدكتور مأمون العظمة الذي صار بعدُ طبيباً كبيراً.
وكان في غرفة إلى جنب غرفتي رفيقُ عمري وشقيق نفسي أنور العطار، مريضاً مثلي، لا يقدر أن ينتقل إليّ حتى أراه ولا أستطيع أن أنتقل إليه فأزوره، فكنت معه كما قال المعرّي في هذا البيت الذي تضمّن معنى عجيباً وتشبيهاً نفيساً غريباً، حين قال:
كتَجَاوُرِ العينينِ لم يتلاقيا ... وحِجازُ بينِهِما رقيقُ جِدارِ
وكان إخواننا يخافون أن يقع لي ما وقع في المرّة الماضية (سنة ١٩٥٧) في مستشفى المُجتهِد، وهو أكبر مستشفيات وزارة الصحّة في دمشق في تلك الأيام، حين جاء طبيب داخلي يتدرّب فيه وكان شيوعياً خبيثاً، فأدخل في دمي جرثومة نادرة هي التي تُسمّى بالعربية «العُصَيّات الزّرقاء»، فكان من أثر ذلك أن بقيت في هذا المستشفى ثم في مستشفى كلية الطب حين انتقلت إليه أربعة عشر شهراً.
стр. 3014
ذكر الإخوان ذلك فخافوا أن يقع مثله، فندب نفسَه ولدي الأستاذُ زهير الشاويش فأبى إلاّ أن يقف على العملية، وجاهد وجالد وسعى حتى سمحوا له أن يلبس ما يلبس الأطباء وأن يضع مثل القناع الذي يضعونه وأن يقف معهم يراقب ما يصنعون. وما كنت أخشى الدكتور مظهر فهو أخي وصديقي، ولكن أخشى بعض صغار الأطباء، ومَن لدغه الثعبان خاف الحبل.
وأنا أسائلكم ياأيها القراء: لو كان لي ولد من صلبي هل كان يصنع أكثر مما صنع الأستاذ زهير أو هل كان يصنع مثله؟ فجزاه الله وجزى إخواننا المخلصين خيراً.
ولمّا كنت في مستشفى كلية الطب كان أخي عبد الغني مريضاً في عمارة أخرى من عمارات المستشفى، وكان الذي أجرى له العملية هو الدكتور مظهر المهايني. وكان من خبر أخي أن جداراً من بناء كان يبنيه انهار عليه ففتّت عظام فخذه، حتى لقد خبّرني الدكتور مظهر أنه رصف قطع العظام كما تُرصَف قطع الفُسَيفساء الصغيرة، ووفّقه الله ونجحت العملية ولكن قصرَت إحدى الساقين قليلاً. والدكتور مظهر المهايني جرّاح عامّ، ولكن الله وفّقه فنجح في كل عملية أجراها في حياته الطويلة مع العمليات، فأرجو ممن يعرف مكانه أن يبلغه هذا الذي كتبته عنه، وأن يُخبِره أنني مهما عشت فلن أنسى حبّه وبراعته وفضله عليّ.
ولم تعاودني النوبة بعد ذلك اليوم. وكلما صوّرت كُلْيتي صورة شعاعية بدَت الحَصاة في مكانها (ولكنها لا تُحدِث حدثاً ولله وحده الحمد ولم يعُد لها ألم)، حتى في الصورة التي استخرجها اثنان من
стр. 3015
أعظم مصوّري الأشعة هما الدكتور عيد ابن صديقنا الشيخ ياسين عرفة في دمشق والدكتور بيضون ابن صديقنا وزميلنا في محكمة النقض الأستاذ محمد علي بيضون، وهو يعمل اليوم في مستشفى عرفان وتُحال عليه حتى من المستشفيات في أميركا الحالات التي تحتاج إلى صورة لا يقدر إلاّ قليل من الأطباء على مثلها.
ومن الذين لمستُ براعتهم في التصوير الشعاعي ومعرفتهم به الدكتور الإسكندراني الذي عرفته في المستشفى العسكري بجدة. وأشهد شهادة حقّ لا أبتغي عليها جزاء ولا أنتظر من أحد شكراً، أن الطب في المملكة قد سما حتى قارب أن يصل إلى الذروة التي لا نعرفها إلاّ في قليل من بلاد أوربا وأميركا.
* * *
ومرّت السنة وقاربت نهايتها، وبعثوا يسألون المعاقِدين (الواحد «معاقِد» والاثنان «متعاقدان»): من يريد منهم تجديد العقد؟ فقلت لهم وأنا راضٍ شاكر عارف بالفضل: أعفوني من التجديد.
فحاول الإخوان أحسن الله إليهم استبقائي وظنّوا بأن شيئاً آذاني، فأخبرتهم صادقاً أنني ما وجدت والله إلاّ كل خير من سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم، وهو المشرف الأعلى على الكليات، ومن أخيه الشيخ عبد اللطيف، وهو المشرف القريب عليها، ومن الأخ الكريم الشيخ عبد العزيز المسند الذي كان يديرها، ومن مدير الكلية ومن الزملاء ومن الطلاب. ماوجدت من الجميع إلاّ خيراً سأظل أذكره وأشكره، ولكن القلوب بيد الله يوجّهها حيث يشاء، وقد صرف الله قلبي في تلك السنة عن الرياض