الذين نسمّيهم بأهل الحضارة من أهل أوربا أو أميركا (وكان أجدادنا يدعون أوربا «أورَفّي»، بتشديد الفاء). ولست أعمّم الحكم ولكن أقول عمّن رأيت منهم وعمّا سمعت عنهم.
ولم يكن الطب في المملكة في تلك الأيام قد بلغ عُشر ما نجده عليه الآن ولا أقلّ من العُشر، ولكن المستشفى المركزي في الرياض كان عامراً بالأطباء، وكان مديره شاباً نبيلاً سامي الخلق حسن العشرة محبوباً، لا يردّ طالب إسعاف ولو لم يكن يعرفه، فكيف بهؤلاء الإخوان وفيهم مَن هو صديقه ورفيقه؟ وكان في المستشفى جناح أُعِدّ لكبار المرضى من ذوي الأقدار والمنازل، فأنزلوني فيه كرماً منهم. وكان فيه ممرّضتان يبدو أنهما ألِفتا رؤية المتمارضين من الشباب ممّن كان ينزل عندهما رغبة في لقائهما، كان همهم هذا اللقاء لا التداوي والشفاء. فما أدري كيف ضربهما العمى فلم تبصرا في رأسي ووجهي الشيب والصلع، وأصابهما الصمَم فلم تسمعا صراخي؟ وأظنّ أنهما حسبَتاني مثل أولئك الشباب ولم تدركا أني إلى حقنة مورفين (وما كان يسكّن الآلام في تلك الأيام غيره) أحوَج مني إلى معاقرة كؤوس الجمال ومطارحة أحاديث الغرام. فتلفّتَت إحداهما تقول: حضرة الأستاذ من طنطا؟ وتكركر ضاحكة: هئ هئ، من طنطا بتاعتنا؟ هئ هئ!
والمرأة إن ضحكَت غالباً قالت: «هي هي»، والرجل يقول: «ها ها»، والولد يقول: «هو هو». فصببتُ نقمتي كلها عليها، ووجّهت إليها كلاماً ما سمعَته حتى انكمشت وتضاءلت وكفّت عما كانت فيه. وجاء مدير المستشفى يزورني يسأل عن حالي مع طائفة من الإخوان الكرام وعما آمر به، فقلت له: أول ما أطلبه أن
стр. 3012
تصرف عني هذه الممرضة الحمقاء.
فلما تدفّق الإخوان عليّ وتَكرّم بزيارتي الوزيران الصديقان الشيخ محمد عمر توفيق وزير المواصلات ووزير الحج بالنيابة، والشيخ حسن رحمة الله عليه وزير المعارف ووزير الصحة بالنيابة، زادت عناية القوم بي واهتمامهم بمرضي.
وتَبيّن أنه لا بدّ من عملية جراحية، ففضّلت أن أعملها في الشام؛ لا لأنه لم يكن في مستشفى الرياض أطباء يقدرون عليها، بل لأن هناك من أعرفه من قديم وهناك أهلي وأقربائي، والمريض يأنس بزيارة أهله وأقربائه. وكان على رأس الأطباء الذين يُعنَون بي في الشام الدكتور حسني سبح، وهو شيخ جاوز التسعين (وقد بلغني أنه توُفّي من قريب، ﵀، وهو بقية جماعة كانوا أساتذة أطباء الشام جميعاً. منهم الدكتور حمدي الخياط، وقد خلّف ولداً عبقرياً نابغاً طبيباً عالِماً هو الدكتور هيثم الخياط، ومنهم الدكتور عِزّة مريدن، وكان يومئذ عميد كلية الطب في الشام، ومنهم الأخ الطبيب الحبيب الدكتور مظهر المَهايني، الذي أجرى لي في مستشفى كلية الطب من قبلُ ثلاثَ عمليات لم يأخذ عليها لنفسه أجراً. فجزاه الله وجزاهم خيراً.
* * *
وأخذوني إلى مستشفى المواساة الذي أقامه جماعة من كرام الشاميين بسعي من الدكتور حسني سبح رحمة الله عليه، الذي توفّي وهو رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، وهو أحد الأطباء الذين جمعوا بين الطب في أحدث ما سما إليه وبين اللغة العربية، إحاطة بها وتحقيقاً لفصيحها وشواردها. وسأكتب عنه إن شاء الله
стр. 3013
فصلاً طويلاً حين أعود فأكتب عمّن عرفت من الرجال.
ودمشق كما يعرف الناس أجمل مدينة على وجه الأرض، وموضعُ مستشفى المواساة (الذي كان يُدعى من قبل مَصْطبة الهبل) أجمل موقع في دمشق. وكان مديرُه أحسنَ مدير لمستشفى عرفته في عمري وأضبطَه لعمله، على رقّة فيه ولطف، وهو الأستاذ كامل الرّوماني، وكان من قبل زميلاً لنا في التعليم، ولست أدري أهو حيّ فأهديه سلامي أم قد توفّاه الله فيمَن توفّى من أصحابي فأسأل الله الرحمة له؟ وعرفت عدداً من الأطباء الشباب يومئذ الذين كانوا يتدرّبون في هذا المستشفى، منهم الدكتور مأمون العظمة الذي صار بعدُ طبيباً كبيراً.
وكان في غرفة إلى جنب غرفتي رفيقُ عمري وشقيق نفسي أنور العطار، مريضاً مثلي، لا يقدر أن ينتقل إليّ حتى أراه ولا أستطيع أن أنتقل إليه فأزوره، فكنت معه كما قال المعرّي في هذا البيت الذي تضمّن معنى عجيباً وتشبيهاً نفيساً غريباً، حين قال:
كتَجَاوُرِ العينينِ لم يتلاقيا ... وحِجازُ بينِهِما رقيقُ جِدارِ
وكان إخواننا يخافون أن يقع لي ما وقع في المرّة الماضية (سنة ١٩٥٧) في مستشفى المُجتهِد، وهو أكبر مستشفيات وزارة الصحّة في دمشق في تلك الأيام، حين جاء طبيب داخلي يتدرّب فيه وكان شيوعياً خبيثاً، فأدخل في دمي جرثومة نادرة هي التي تُسمّى بالعربية «العُصَيّات الزّرقاء»، فكان من أثر ذلك أن بقيت في هذا المستشفى ثم في مستشفى كلية الطب حين انتقلت إليه أربعة عشر شهراً.
стр. 3014
ذكر الإخوان ذلك فخافوا أن يقع مثله، فندب نفسَه ولدي الأستاذُ زهير الشاويش فأبى إلاّ أن يقف على العملية، وجاهد وجالد وسعى حتى سمحوا له أن يلبس ما يلبس الأطباء وأن يضع مثل القناع الذي يضعونه وأن يقف معهم يراقب ما يصنعون. وما كنت أخشى الدكتور مظهر فهو أخي وصديقي، ولكن أخشى بعض صغار الأطباء، ومَن لدغه الثعبان خاف الحبل.
وأنا أسائلكم ياأيها القراء: لو كان لي ولد من صلبي هل كان يصنع أكثر مما صنع الأستاذ زهير أو هل كان يصنع مثله؟ فجزاه الله وجزى إخواننا المخلصين خيراً.
ولمّا كنت في مستشفى كلية الطب كان أخي عبد الغني مريضاً في عمارة أخرى من عمارات المستشفى، وكان الذي أجرى له العملية هو الدكتور مظهر المهايني. وكان من خبر أخي أن جداراً من بناء كان يبنيه انهار عليه ففتّت عظام فخذه، حتى لقد خبّرني الدكتور مظهر أنه رصف قطع العظام كما تُرصَف قطع الفُسَيفساء الصغيرة، ووفّقه الله ونجحت العملية ولكن قصرَت إحدى الساقين قليلاً. والدكتور مظهر المهايني جرّاح عامّ، ولكن الله وفّقه فنجح في كل عملية أجراها في حياته الطويلة مع العمليات، فأرجو ممن يعرف مكانه أن يبلغه هذا الذي كتبته عنه، وأن يُخبِره أنني مهما عشت فلن أنسى حبّه وبراعته وفضله عليّ.
ولم تعاودني النوبة بعد ذلك اليوم. وكلما صوّرت كُلْيتي صورة شعاعية بدَت الحَصاة في مكانها (ولكنها لا تُحدِث حدثاً ولله وحده الحمد ولم يعُد لها ألم)، حتى في الصورة التي استخرجها اثنان من
стр. 3015
أعظم مصوّري الأشعة هما الدكتور عيد ابن صديقنا الشيخ ياسين عرفة في دمشق والدكتور بيضون ابن صديقنا وزميلنا في محكمة النقض الأستاذ محمد علي بيضون، وهو يعمل اليوم في مستشفى عرفان وتُحال عليه حتى من المستشفيات في أميركا الحالات التي تحتاج إلى صورة لا يقدر إلاّ قليل من الأطباء على مثلها.
ومن الذين لمستُ براعتهم في التصوير الشعاعي ومعرفتهم به الدكتور الإسكندراني الذي عرفته في المستشفى العسكري بجدة. وأشهد شهادة حقّ لا أبتغي عليها جزاء ولا أنتظر من أحد شكراً، أن الطب في المملكة قد سما حتى قارب أن يصل إلى الذروة التي لا نعرفها إلاّ في قليل من بلاد أوربا وأميركا.
* * *
ومرّت السنة وقاربت نهايتها، وبعثوا يسألون المعاقِدين (الواحد «معاقِد» والاثنان «متعاقدان»): من يريد منهم تجديد العقد؟ فقلت لهم وأنا راضٍ شاكر عارف بالفضل: أعفوني من التجديد.
فحاول الإخوان أحسن الله إليهم استبقائي وظنّوا بأن شيئاً آذاني، فأخبرتهم صادقاً أنني ما وجدت والله إلاّ كل خير من سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم، وهو المشرف الأعلى على الكليات، ومن أخيه الشيخ عبد اللطيف، وهو المشرف القريب عليها، ومن الأخ الكريم الشيخ عبد العزيز المسند الذي كان يديرها، ومن مدير الكلية ومن الزملاء ومن الطلاب. ماوجدت من الجميع إلاّ خيراً سأظل أذكره وأشكره، ولكن القلوب بيد الله يوجّهها حيث يشاء، وقد صرف الله قلبي في تلك السنة عن الرياض
стр. 3016
زادها الله عمارة وازدهاراً وأمناً، وعُدت إلى الشام.
وكانت العطلة الصيفية وجاءت معها العطلة القضائية، فطُلبت على الهاتف، فرفعت السماعة، وإذا الذي يطلبني السفارة السعودية في شارع أبي رمّانة (وهو أقبح اسم لأجمل شارع). فذهبت لأرى ما الخبر، وتوقّعت وأنا أهمّ بدخول السفارة أنهم سيطلبون مني العودة إلى الرياض، فدعوت الله وأنا على الباب بدعاء الاستخارة المأثور وتركت الأمر لله، فلما دخلت وجدت السفير، وكان يشرّفني بصداقته وكنت أُكثِر من زيارته، ووجدت عنده شيخنا الشيخ بهجة البيطار ومبعوثاً من قِبَل سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم (رحمة الله عليه وعلى جميع من مضى من هؤلاء)، فقال السفير: إن سماحة المفتي يرغب أن تعود إلى العمل. وأيّده الشيخ بهجة، فقلت: أنتم الثلاثة لكم عليّ حقّ، تأمرون وأنا أطيع، ولكن لا تكلّفوني إلاّ بما لا أُطيق، وقلب الإنسان بين أصبعين من أصابع الرحمن يوجّهه حيث شاء والله يحول بين المرء وقلبه، وأنا لا أدري والله لماذا صرف الله قلبي عن العودة إلى الرياض في تلك الأيام، للوحدة التي وجدتها فيها أم للمرض الذي أصابني؟
وطال الحديث بيننا فقال السفير: تذهب إلى مكة؟ فقلت بلا تردُّد: نعم. فقال: على بركة الله.
* * *
وكان أمر القضاء في سوريا إلى مجلس القضاء الأعلى، وهو مؤلَّف من القضاة أنفسهم من سبعة من كبارهم، ما لوزير
стр. 3017
العدل معه أمر ولا نهي ولا له على القضاة حكم، وهذا هو استقلال القضاء. فخجلت أن أطلب منهم إذناً جديداً بأن أعود إلى المملكة وقد جئت منها بالأمس، ولكنهم جزاهم الله خيراً ما تأخّروا بإصدار هذا القرار. وكان أخي الشيخ الدكتور مصطفى السباعي على عزم الذهاب إلى مكة ليدرّس معنا في كلية الشريعة (أو في كلية التربية)، وكان قد أعدّ الأمر وسعى فيه صديقنا الشيخ الصوّاف، وهو الذي جاء بالأستاذ المبارك رحم الله السباعي والمبارك وجاء بآخرين، لأن الشيخ حسن ﵀ فوّضه في سنة من السنين أن يختار هو المدرّسين المعاقِدين.
واتفقنا على أن نسافر معاً، وكان له أخ في مكة بل أخوان اثنان ينتظرانه، فودّعته على أن ألقاه يوم السفر. فلما كانت صبيحة اليوم التالي رنّ جرس الهاتف، فذهبت أرى من المتكلم فإذا هو بسّام الأسطواني الذي كان يلازم الشيخ السباعي، وأحسبه هو الذي أنشأ دار القرآن للطباعة، فقال لي: عظّم الله أجركم بالدكتور. فخطر على بالي اسم كل دكتور أعرفه إلاّ الشيخ السباعي، لأنني لم أكن أدعوه بالدكتور بل بالشيخ ولأنني ما توقّعت أبداً بأن يسارع إليه الله الأجل، وإن كانت الآجال بيد الله لا تدري نفس متى تموت ولا بأيّ أرض تموت. وكنت أنتظر اليوم الذي أصحبه فيه إلى مكة، وكان مريضاً ولكنه صبر على مرضه وعلى ما يقاسي منه، جعل الله ذلك زيادة في ثوابه عنده رحمة الله عليه.
وجئت مكة.
* * *
стр. 3018
-٢٣٣ -
في مكة سنة ١٣٨٤ه ـ
أنا أقرأ الجرائد كلها وأشكر أصحابها الذين يبعثون إليّ بها، إلاّ قليلاً منها لا يصل إليّ، وأنا لا أخرج في العادة من داري لأشتريها وليس عندي من يُحضِرها لي، ومن هذا القليل جريدة البلاد. وقد حمل إليّ اليوم ولدي ومُخرِج برنامجي الأستاذ عبد الله رواس عددَين منها: في أحدهما مقالة عن رسالتي «حلم في نجد» التي نُشرت في مجلة من المجلات من أكثر من ثلاثين سنة وطبعها وحدها طبعاً جميلاً صاحبُ «دار الأصالة» في الرياض بإذن مني، وشكرت له أمانته وأصالته، وما وجدت لكثير من الناشرين أمانة ولا وجدتهم أُصَلاء. والمقالة للأستاذ عبد الله الداري، وهي أحلى من رسالتي التي كتبها عنها فله الشكر عليها.
وفي الثاني مقالة للشاعر الشاعر (ورُبّ معروف بالشعر ليس بشاعر) يصف فيها مرضه شفاه الله منه، وإن أعجز هذا المرض الأطباء فليس بمعجز الله، فالله على كل شيء قدير. لم يمنعه ما يكابد من المتاعب والأوجاع عن أن يجعل من مقالته قصيدة كلها درر، وإن كان درّها منثوراً، وأن يستبكي فيها من غير أن يبكي، ويستمطر الحب له دمعاً من عيون مُحِبّيه ودعاء صادقاً من قلوبهم.
стр. 3019
وللعامة من أهل الشام كلمة يقولونها للمريض إذا عاودوه، لو أن أديباً بليغاً أعمل فكره وبيانه لَما جاء بأجود منها ولا أجمع، هي قولهم: «أجر وعافية»؛ عافية من المرض في الدنيا وأجر عليه في الآخرة. كتبهما الله للأستاذ طاهر الزَّمَخْشري، وشكر له ما أفضل به عليّ فيما قاله عني.
لقد ذكّرني بزيارتي الأولى لمكة حرسها الله سنة ١٣٥٣هـ، وقد عرفت فيها جماعة من الأفاضل تكلّ اليوم ذاكرتي عن إحصائهم، منهم الأستاذ الشيخ محمد سعيد العامودي، والشيخ ابن بليهد، وشاعر الملك عبد العزيز الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم الغزّاوي، والأستاذ حسن عوّاد. وأطلعني الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار -وكنت أزوره في داره- على مقالة كتبها يومئذ عني، وكان كما أظن طالباً، قرأها عليّ من كتاب كان في يده، وما عرفت اسم الكتاب لأحتفظ بالمقال.
وممن كان يوليني يومئذ رعايته اثنان لا يكادان وأنا في مكة يفارقانني، ثم لمّا عدت إلى الشام كانا يراسلانني، أمّا أحدهما فقد شغلته الدنيا عني حتى إني لم أره (وأنا مقيم في مكة من قرابة ربع قرن) إلاّ مرة واحدة مصادفة على باب الحرم، وما بي حاجة إليه ولكن كنت أوثر أن أستديم ودّه. وأما الآخر فقد داوم على الودّ وحفظ العهد وبقي إلى أن توفّاه الله يواصلني، هو الأستاذ عبد الله المَزْروع.
وكان عند الأستاذ المزروع دفتر كلما قدم مكة حاجٌّ أو زائر له اسم في الناس استكتبه فكتب بخطه في هذا الدفتر، يصف ما شاهده ويصوّر ما أحس به. واجتمع له مقدار من خطوط هؤلاء
стр. 3020
النبلاء لم يجتمع لغيره، وكنت كلما ذكرت هذا الدفتر بعثتُ أسأل بناته الفُضْلَيات عنه وأرجو أن يصوَّر ويُطبَع مصوَّراً فتبدو فيه خطوط كاتبيه، فيكون منه مرجع تاريخي وأدبي واجتماعي لا أعرف له مثيلاً. وأنا أتمنى الآن أن يتحقق هذا الرجاء على يد مؤسسة تِهامة وقد تولّى الإشراف عليها الأستاذ محمد محمود.
* * *
كان ذلك من ذكريات زيارتي الأولى أثاره في نفسي ما كتب الأستاذ الزمخشري شفاه الله وعافاه، فلما جئت مكة هذه المرة أول العام الجامعي ١٣٨٤هـ كان أول من لقيته ممن أعرف الشيخ محمد علي الصابوني، وجدته في المطار حملَته الطيارة التي حملتني إلى جدة ومعه أهله وأولاده، فدلّني على فندق شبرا.
وأنا رجل مبتلى بالسهر جلّ نومي بعد صلاة الفجر، أنام حين يستيقظ الناس، فطلبت غرفة منعزلة فأعطوني غرفة تُفضي إلى أخرى، فأخذتهما ابتغاء الهدوء وخشية الإزعاج وأغلقت على نفسي البابين: الباب البرّاني والباب الجوّاني، فما كدت أغرق في النوم حتى أيقظتني حركة عند رأسي وكلام قريب يقع في أذني، فصحوت وقمت مذعوراً أحسب أن قد دخل عليّ أحد، وإذا الحركة والكلام من وراء الجدار الرقيق الذي يفصل بين المكانين. فشدّ ذلك أعصابي وأطار النومَ من أجفاني، فذهبت إلى الحرم، وكان يخلو في الليل حتى ما تلقى في المطاف إلاّ أفراداً يُعَدّون، فلم يَعُد الآن يخلو ساعة من ليل أو نهار.
ووجدت في المَطاف الدكتور عبد الحميد الهاشمي، وكان قد جاء المملكة قبلي بسنة، يطوف معتمراً ومعه أهله، وهي سيدة
стр. 3021
فاضلة من قوم فضلاء أبوها الشيخ إبراهيم زينَل، عرفته في كراتشي فعرفت فيه كرم النفس ونبالة الأصل. ورحّب الدكتور بي، وسألته عن مكان أنزله فدلّني على العمارة التي يسكن فيها، وهي عمارة الكعكي إلى جنب فندق شبرا، ضخمة عالية فيها عشرة أدوار ولها مصعد أحسب أنه أول مصعد رُكّب في مكة. وكانت المساكن في الأدوار الدنيا من العمارة من غرفتين وفي العليا من أربع، فأخذت داراً في الدور الثامن، وهو في الواقع تاسع أو فوق التاسع لأنه لا يوصل إلى المصعد من أرض الشارع إلاّ بارتقاء سُلّم فيه اثنتان وثلاثون درجة. أخذت الدار بأربعة آلاف ريال في السنة، وسألوني: متى تأتي بالأثاث؟ فضحكت وقلت: قريباً إن شاء الله.
ولم يكن عندي من الأثاث شيء. ووجدت بين سكان العمارة الأستاذ صلاح الدين الأزهري، ولم أكن أعرفه من قبل. وهو من اللاذقية، أزهريّ الاسم وأزهري الدراسة، وهو رجل نبيل كريم. ومن عجيب أمري أني ذهبت إلى أقصى الشرق حتى قاربت أستراليا وإلى أقصى الغرب حتى بلغت شمالي هولندا، ولم أرَ اللاذقية ولا الساحل السوري إلى الآن! لقيت من الأستاذ الأزهري كل رعاية وعناية، نزل معي إلى السوق فاشترينا سريراً وفراشاً وسجادة، وكان في السوق شابّ متخرج في كلية الشريعة، ولكنه آثر العمل الحرّ فاشتغل بالتجارة، فاشترينا منه أدوات المطبخ. ثم ذهب بي فاشترينا ثلاّجة. ولا نعرف أنواع الثلاجات، ولكن وجدنا اسمها «جبسون»، وكان رئيس أمريكا «جونسون»، فقلت بأنها رئيسة في الثلاجات كالرئيس جونسون في الدول، وإن اختلف فجاءت نقطته من فوق ونقطتها من تحت، ولم يبقَ
стр. 3022
في هذه الأيام فرق بين فوق وتحت، فقد اختلطت طبقات الناس ولم يعُد يميّز العالي من الواطي إلاّ قليل.
وأخذنا صندوق الثلاجة فجعلنا كل وجه منه وجهاً لنضد (طاولة)، ثم اشترينا خشباً ومنشاراً وما تحتاج إليه النجارة. أقول «اشترينا» و «أخذنا»، وإنما الذي اشترى وأخذ هو أخونا الأزهري جزاه الله خيراً. ثم صنعنا (أعني أنه صنع، وأنا أعمل تحت يده) طاولات للأكل وللكتابة، جميلة كاملة لا يعيبها إلاّ أنها تسقط بك إن استندت إليها وتميل معك إن ملت معها وتهتزّ إن هززتها! ثم اشترينا ستة من كراسيّ الخيزران، فاكتمل فرش الدار.
وزارني الأستاذ الشيخ سعيد العامودي مع صديق له شيخ لوبي (أي ليبي، من طرابلس الغرب) فصيح اللهجة يُشبِه في كلامه وفصاحة لسانه صديقَنا العالِم الأستاذ عبد الغني الباجقي رحمة الله عليه، وربما كتبت عنه إذا عُدت إلى الكتابة عمّن عرفت من الرجال. زارني الشيخ سعيد وصاحبه، فلم يكن عندي من فرش الدار الذي حسبته اكتمل إلاّ سجادة ليس حولها مساند ولا مخدات، فقعدوا عليها وظهورهم إلى الجدار.
* * *
وكان الأستاذ سعيد العامودي رئيسَ تحرير مجلة «الحج»، وكانت إدارتها في العمارة التي تقابل دارنا، فكنت كلما وجدت وقتاً فارغاً من العمل ملأته بالمتعة بمجلس الشيخ سعيد والاستفادة منه، وذكّرني بمجلس خالي محب الدين في المطبعة السلفية في مصر ومن كان فيه من مرتاديه، وعلى رأسهم اثنان كانا من الأعلام
стр. 3023
في مصر في تلك الأيام: أحمد تيمور باشا والشيخ الخضر الحسين التونسي الذي صار شيخ الأزهر، ومنهم الشيخ عبد الوهاب النجار والشيخ أحمد إبراهيم، وكنت ألقى فيها الرافعي أحياناً وأحمد زكي (أبا شادي) حيناً. وبمجلس أستاذي الزيّات في «الرسالة»، وأهل هذا المجلس هم كبار الأدباء الذين كانوا يكتبون فيها (وإن لم يجتمعوا جميعاً معاً)، كالرافعي والعقاد وزكي مبارك والمازني أحياناً. وبمجلس الأستاذ أحمد أمين في لجنة التأليف والترجمة والنشر (وكان رئيسها) ومَن يضمّ هذا المجلس من الأعلام الكبار في مصر. ومجلس الشيوخ في دمشق الذي سبق الكلام عنه، شيوخ الأدب والعلم لا شيوخ السياسة. ومجلس الأستاذ كرد علي في داره وفي المجمع العلمي، ومجلس الشيخ عبد القادر المغربي، ومجالس أخرى لست أُحصيها.
ولست أدري لماذا بدّلوا اسم مجلة «الحج» بعدما شرّق وغرّب وعرفه الناس وصار عنواناً لها وعلَماً عليها دهراً طويلاً؟ والناسُ يحرصون على الأسماء المشهورة لا يفرّطون بها، فمَن الذي أمات هذا الاسم ومحاه وسمّاه باسم جديد لا يعرفه أحد، فسمّوها مجلة «التضامن الإسلامي»؟
كما أنهم بدّلوا الآن اسم مجلة «رابطة العالم الإسلامي» وجعلوه «الرابطة» (فقط)! رابطة العلماء؟ رابطة الأدباء؟ رابطة سائقي السيارات ومرقّعي الإطارات؟ الرابطة اسم عامّ، ثوب يصلح لكل لابس، فكأنهم كرهوا اسم العالَم الإسلامي، وإن كتبوا كلمة «الإسلامية» بخطّ صغير لا يُرى إلاّ بالمجهر الكهربي (الإلكتروني).
* * *
стр. 3024
أقمت في عمارة الكعكي عشرين سنة، فما رأيت من صاحبَيها تعدّياً أو ظلماً أشكوه منهما، ولا لمست فضلاً أو نبلاً أذكره فأشكره لهما. إنما وجدت الفضل والنبل حقيقة عند الشيخ إبراهيم الجفالي رحمة الله عليه. والثلاثة من كبار رجال المال والأعمال، ولكن الرجال إنما تتفاوت أقدارها بما قدمت من فعال.
وكان عملي في كلية التربية، وهي بنت كلية الشريعة. وكلية الشريعة في مكة أمّ الكليات كلها وأول معهد عالٍ أُقيمَ للناس في هذا البلد، وكانت بنتها، كلية التربية، قد بلغت في تلك السنة السنّ التي تستغني فيها عن الحضانة، فخرجت تستقلّ بنفسها وتسكن وحدها، فانتقلت نقلة واحدة من أقصى المدينة، من «الزّاهر» حيث كانت كلية الشريعة إلى «الحوض»، حيث لم يكن إلاّ بناء صغير أُقيمَ ليكون مدرسة ابتدائية فاستولَت عليه الكلّية وجعلَته داراً لها.
وكنتُ إذا جاوزتُ الشُّشَّة وبلغت دار الملك فيصل عليه رحمة الله فقد بلغت آخر العمران، الطريق عندها شعبتان: شعبة إلى اليمين تسلكها إلى الكلية في الحوض ثم تنتهي إلى عَرَفات، وشعبة إلى اليسار تمشي فيها إلى «الشّرائع» (١). وما بعد دار الملك فيصل ﵀ (التي صارت الآن مقرّ إمارة العاصمة المقدسة) إلاّ الطريق يتمدّد وحده بين الجبال، حتى يصل إلى الثانوية العزيزية التي كانت تقوم منفردة في هذه المنطقة، ما معها غيرها وليس حولها من البنيان سواها. وكان قِبَلها جندي في غرفة صغيرة من الخشب كالتي يتخذها الحراس، قائمة في صلب الجبل يراقب
стр. 3025
منها الطريق، وكلما مررتُ به أشفقت عليه ورثيت لحاله.
وأنا أسكن اليوم في حيّ العزيزية، ومن حولي من كل جانب شوارع معبَّدات وعمارات عاليات وحدائق ذات بهجة فيها زرع ونبات وأشجار باسقات، فأحاول أن أتذكر: أين كان يقف ذلك الجندي؟ وأين كان مصنع الثلج الذي كنا نراه أبعد شيء عن مكة، ونذهب إليه في العَشيّات وفي الليالي المُقْمرات؟ لقد تبدّل كل شيء؛ مُحيت صورة ونُقشت صورة جديدة تماماً.
إن الأحياء التي وُجدت هنا أكبر مساحة من مكة التي عرفتها في أول زيارة لي إليها، فكيف إذن إن ذهبت إلى تبوك؟ سموّ الأمير دعاني لإلقاء محاضرة هناك ونسي أني لم أعُد أستطيع أن أرحل هذه الرحلات الطِّوال. إني أرى في الرائي (التلفزيون) مناظر تبوك فما أكاد أصدّق ما أرى؛ إن تبوك التي أعرفها ما فيها إلاّ المحطة تقف خالية تراقب هذا الخط الذي لا يمشي عليه قطار، وإلى جنبها غرف صغار كانت يوماً مستشفى ملحقاً بالمحطة (والصورةُ منطبعة في نفسي كأنني أراها الآن) وأمام المحطة فضاء واسع في صدره بيوت من الطين ما أظن أنها تزيد عن مئة بيت، وإلى شمالك وأنت تنظر إليها بستان واسع على نبع يشرب منه الناس لأن له صلة -كما يقولون- بغزوة تبوك!
* * *
كان نائب عميد كلية التربية لمّا جئتها الدكتور خالد القِرِمْلي، وكانت هيئة التدريس لا يصل عدد أفرادها إلى ستة عشر ما بين أستاذ ومدرّس ومعيد. وفي يدي الآن رسالة رسمية تاريخها ١٠/ ٢/١٣٨٥هـ (ورقمها ١٦٥/ ١) أُثبِتها هنا للتاريخ:
стр. 3026
"كلية التربية بمكة. إلى الأساتذة: علي الطنطاوي، رشيد العبيدي، الدكتور جعفر، الدكتور محمد المعتصم، الدكتور محمد الحاج حسن، الدكتور باقر سماكة، الدكتور إبراهيم المشهداني، الدكتور محسن الهمذاني، الدكتور مسارع الراوي، الدكتور محمد جواد رضا، الدكتور سيد رضوان علي، الدكتور علي توفيق قادر، الدكتور علي أبا حسين، الأستاذ فيّاض النجم، الأستاذ رشاد الزَّمْريق، الأستاذ حكمت عبد الكريم.
بعد التحية، بمناسبة انتهاء العام الدراسي ٨٤/ ٨٥ فإنه يتوجب عليّ إبلاغ إخواننا المدرسين الذين مُنحوا تأشيرة العودة للعمل في الكلية للعام الدراسي القادم وهم أوفر نشاطاً وأكثر قوة بأن حضورهم قد حُدّد بتاريخ ١٨/ ٥/٨٥ استعداداً لامتحان الدور الثاني الذي يبدأ في ٢٠/ ٥/٨٥، وإحاطتكم علماً بأن من يصل في الوقت المحدد تُصرف له الرواتب من تاريخ توقفها وأما من يتأخر عن ذلك فيُصرف له من تاريخ المغادرة ويُعتبر تاريخ بدء عقده. ويطيب لي أن أنتهز هذه الفرصة فأوجّه لإخواننا المدرسين جميعاً المجدَّدة عقودهم والذين حالت ظروفهم عن العمل في العام الدراسي القادم شكري الجزيل على ما بذلوا من جهد وإخلاص وحسن تجاوب خلال تأدية عملهم، متمنّين للجميع أياماً سعيدة. عميد كلية التربية بالنيابة، السيد محسن أحمد باروم".
وأنتم ترون أن أكثر مَن ذُكرت أسماؤهم من العراق؛ ذلك أنها لمّا بدأت النهضة التعليمية في المملكة اضطُرّت (كما يُضطرّ كل من كان في مثل حالها) إلى الاستعانة بإخوة لها هم أقدم عهداً بالتدريس في الجامعات وفي العمل في الدوائر. فكان الخبراء على
стр. 3027
عهد الملك المؤسّس عبد العزيز ﵀ أكثرهم من الشام، أي من سوريا، هم الذين وضعوا الأساس، أذكر منهم الآن الشيخ يوسف ياسين ثم خير الدين الزِّرِكْلي في الخارجية، ورشدي مَلْحَس الذي كان أخوه الأستاذ عبد الفتاح أستاذاً لنا في مكتب عنبر، وهو فلسطيني، والدكتور حمدي حمودة والدكتور بشير الرومي والدكتور مدحت شيخ الأرض، وهم من الشام، للصحّة. والشيخ كامل القصّاب، وقد ساعده الشيخ بهجة البيطار للمعارف. ثم جاء الحُسامي ونسيب السباعي ومن كان معهما للمالية.
وأقول بالمناسبة إن الأستاذ نسيب السباعي كان مدير المال في دوما يوم كنت القاضي الشرعي فيها، وكان فيها موظفون يمثّلون وزارات الدولة كلها، كبيرهم قائم المقام، يليه في التشريفات القاضي الشرعي، ثم القاضي المدني (أي حاكم الصلح)، ثم مدير المال. فلما قدمتُ المملكة كان أول مَن قصدته في الزيارة الأستاذ نسيب، فهرب مني، ولعلّه حسب أني جئته أطلب منه شيئاً، وأنا بحمد الله مستغنٍ عنه. وتجاهلني وفرّ من مقابلتي.
وكنا نأخذ سيارة الأجرة (التاكسي) إلى حيث شئنا من أحياء مكة بريالين، وكان أبعد مكان حديقة الزاهر التي كانت عروس الحدائق، فجاء مَن نَقَصها من أطرافها فأعطى المركز الإعلامي قسماً منها وأعطى ملاعب الأطفال قسماً، وما بقي جعلوه لقصور الأفراح. يُدخِلون الناس إلى الملاعب والقصور بالمال، وإنما جُعلت الحديقة لتكون للناس كلهم بالمجان! كنا نركب بريالين إلى حيث شئنا، فإذا قلت للسائق: أريد أن أذهب إلى الحوض، قال: بثلاثة. يشترطها عليّ من أول الطريق لئلاّ نختلف في آخره، والمثل
стр. 3028
العامي يقول: «شرطٌ في الحقل خير من خصومة في البَيْدَر».
* * *
وأنا أختار من العلوم عادة -إذا درّست- ما يكون مجال القول فيها واسعاً، فلا أتقيد بمنهج ضيق ولا كتاب معيَّن، بل لا يجوز في العرف الجامعي أن نُلزِم الطلاب بكتاب يدرّس المدرس منه ويراجع الطالب فيه. فإن كان الكتاب من تأليف أحد المدرّسين، وسايره زملاؤه فقرّروه على الطلاب لإرضائه أو لجلب منفعة له، كان ذلك أسوأ. فإن تبادلوا المنافع، يقرّر هذا كتاب ذاك أو يُعين على تقريره، فيعود الآخر فيجزيه صنيعاً بصنيع ويقرّر له كتابه (كما هو واقع الآن في بعض الجامعات في بعض البلاد) يكونوا قد بلغوا الغاية التي ليس في السوء غاية بعدها.
اخترت أن أدرّس الثقافة الإسلامية لأني كنت أولَ من درّسها في الشام لمّا وُضعت في المناهج من نحو خمسين سنة (ولم تكن معروفة قبل ذلك)، ولأن فيها مجالاً للتجديد النافع وللبحث المنتج، ولأن الطلاب جميعاً، طلاب الأقسام كلها، يدرسونها؛ فلا يبقى فيهم من لم يمرّ عليّ ويستمع مني. وأكثرُ القائمين الآن على إدارة الجامعة والتدريس فيها كانوا يومئذ (سنة ١٣٨٤هـ لمّا جئت مكة) كانوا طلاّباً.
وأنا في العادة يُحبّني الطلاب لأني لا أقيّدهم، بل أقول لهم: مَن شاء أن يخرج فليخرج، ومن أراد أن يدخل فليدخل، ومن لم يُعجِبه قولي فليفتح كتاباً فليقرأ فيه، ولو كان قصة من القصص أو مجلة من المجلات، أو يكتب رسالة أو يَنْظم شعراً أو يسمع ما
стр. 3029
يشاء، بشرط واحد: هو أن لا يُخرِج صوتاً، لا مِن فيه ولا من أي ثغرة أخرى فيه! ومن كان له سؤال فليطرحه عليّ، ولكن بعد أن أكمل الجملة وأصل إلى موضع يصحّ الوقف عليه، لا أن يدخل بسؤاله بين الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، فيقطع عليّ كلامي ويبعثر أفكاري. ومن كان له اعتراض فأنا أستمع اعتراضه، بشرط أن يكون عالِماً بما يقول وأن يكون له عليه دليل، وإن تبيّن أن الحقّ معه رجعت إلى قوله وشكرته عليه.
وقد وقع لي في أول قدومي مكة أن جاء ذِكر حكم فقهي في مسألة من المسائل في مذهب الإمام أحمد، فذكرت ما أعرفه، فقال لي طالب من الطلاب: إن الحكم في المذهب على غير هذا. فقلت له: درستَ الفقه في المدرسة المتوسطة ثم في الثانوية وأنت لم تتعلم بعد حكمَ هذه المسألة؟ وأطلتُ لساني عليه، وكان مهذَّباً فسكتَ، فلما رُحت إلى الدار رجعت إلى كتب الفقه، فإذا الذي قاله هو الصواب. أفتدرون ماذا صنعت؟ جئت من الغد فقلت للطلاب: سمعتم بالأمس ما قلته لأخيكم هذا. وقد تبيّن لي أن الحقّ معه وأنني أنا المخطئ، لذلك أعتذر إليه أمامكم، أعتذر إليه مرتين: مرة لأني خطّأته وهو المصيب، ومرة لأنني خالفت أخلاق العلماء فأطلت لساني عليه وظلمته بما أسأت به إليه.
وقد كان درساً عملياً أفاد الطلاب أكثر مما تُفيدهم الدروس النظرية التي ألقيها عليهم.
* * *
стр. 3030
-٢٣٤ -
في كلية التربية في مكة
اشتغلت بالتعليم قبل أن أكمل التعلّم، فكنت طالباً في أواخر المدرسة الثانوية ومعلماً لصغار التلاميذ في أوائل الابتدائية، ولبثت أعلّم: علّمت صغاراً وكباراً، وبنين وبنات، ومشايخ وأفندية، في المدارس العادية والمدارس الشرعية، في الثانويات وفي الجامعات، قبل أن ألي القضاء ومع ولايتي القضاء، فما شكوت ولله الحمد يوماً من اضطراب الفصل ولا من شغب الطلاب.
كنت أُطِلّ على الطلاب بوجهي فأبدأ الكلام فلا أدع ثغرة ينفذون بكلامهم منها، وأمضي فيه حتى أخرج من الفصل وأنا أتكلم. وكنت أتتبع المناسبات، فلا أمسك النكتة إن حضرَت ولا يؤذيني ضحك الطلاب إن أضحكَتهم، ولا أدع مسألة ولو كانت خاصة بي ينفعهم أو يُمتعهم سماعها إلاّ ذكرتها، وإن مرّ اسم كتاب وصفت الكتاب، أو اسم عالِم عرّفت بالعالِم. أحافظ على أصل الموضوع ثم أعلّق عليه ما يحتمله من الحواشي والتعليقات والفوائد، لأني عرفت بالتجرِبة أن الموضوع الأصلي قد يُنسى ولكن تبقى هذه الفوائد والتعليقات والحواشي. وقد نسيت الآن بعد إكمال الدراسة بستين سنة، نسيت أكثر المنهج الذي كان
стр. 3031
مقرَّراً، ولكني لا أزال أحفظ كلمات قالهنّ المدرس في بعض المناسبات.
ويبقى حبهم إياي ما بقي الامتحان بعيداً، فإذا حلّ الامتحان فهي نهاية الحب! وكان شيخنا الشيخ عبد القادر المبارك ﵀ يقول: إني أعطي ربع راتبي طول عمري لمن يقوم عني بالامتحان. وأنا من أكثر من نصف قرن أكتب عن الامتحان، أقول: فتّشوا عن طريقة أخرى تسدّ مسدّه وتقوم مقامه، فإنه ليس المقياس الصحيح.
ولقد عرضوا مرة مئة ورقة على مدرس ليقدّر ما تستحقّ من الدرجات فقدرها، ثم عرضوها عليه بعد حين فاختلف التقدير! وكلّفوا مرة أستاذاً كبيراً أن يكتب هو الجواب الصحيح الكامل، فكتبه، فبدّلوا فيه قليلاً وكتبوه بخطّ آخر وعرضوه عليه بين الأوراق فأعطاه درجة فوق الوسط! ويختلف حكم الأستاذ على الجواب باختلاف حاله: رضا وسخطاً وانبساطاً وانقباضاً. وقد يرى الغلطة الصغيرة حيناً ويمرّ حيناً آخر بالكبيرة فلا يراها، وإن كان في خصام مع زوجته، قد هاجت أعصابه وفسد مزاجه، ظهر ذلك في ميزان حكمه على أوراق الطلاب.
ثم إن الامتحان في بلادنا، البلاد العربية، أكثره امتحان للذاكرة وحدها لا للتفكير ولا للعلم. ولقد وقع لصديق لنا من قديم أن أرسل ولده يدرس الاقتصاد في إنكلترا، فاستوعب كتبه وأحاط بقواعده، فلما كان الامتحان لم يجئ السؤال مما حفظ، بل قالوا له: هذا مصرف رأس ماله كذا وله من الديون على الناس كذا وعليه كذا، ووصفوا له حاله ثم قالوا له: استعمل ما تعلمت
стр. 3032
خلال دراستك من العلوم برفع شأن المصرف.
وإذا كان الامتحان في الطب مثلاً لا يسألونه عمّا حفظ من أعراض الأمراض ودرجاتها وأدويتها، وإنما يعرضون عليه مريضاً ليكشف عليه وليفحص عن أمره، وليعرف حقيقة مرضه وليصل إلى دوائه.
وقد حاولت لمّا كنت مدرّساً في القسم العالي أن أبدّل من نظام الامتحان، وتحت يدي وثيقة رسمية أُثبِتها بنصها للتاريخ:
"كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مكة المكرمة، قسم الدراسات العليا، التاريخ ٣/ ٣/١٣٩٠ الرقم ٢٦٣/ ١٤. نُرفِق لفضيلتكم صورة من اقتراح الأستاذ علي الطنطاوي الذي أدلى به شفاهياً في جلسة قسم الدراسات العليا للاطّلاع عليه ودراسته في الجلسة القادمة التي تُعقَد يوم الإثنين ٥/ ٣/١٣٩٠هـ (الموافق ١١ مايو). عميد كلية الدراسات الإسلامية بمكة عبد الله عبدالمجيد بغدادي".
أما الاقتراح فهذا نصّه:
"السادة أعضاء مجلس قسم الدراسات العليا، السلام عليكم ورحمة الله
تنفيذاً لقرار المجلس الكريم في جلسة ٢٢ صفر أعرض عليكم خطّياً الاقتراح الذي كنت أدليت به شفهياً في الجلسة ليدرسه المجلس إذا وجد فيه ما يستحقّ الدراسة. هو أن القسم العالي إنما أُنشئَ ليتخرج فيه علماء في الشريعة. والعلم كما قالوا: «في الصدور لا في السطور»، ولا بدّ للعالِم من أن يكون في ذهنه
стр. 3033
صورة واضحة لقواعد العلم الأساسية ومسائله المشهورة، ولكنْ لا يُطلَب منه أن يستظهر فروع المسائل وغرائبها ولا أن يُحيط بدقائق العلم بحيث يُجيب كل مستفتٍ مِن حِفظه، ولا أن يعرف درجة كل حديث ومخرّجه ويحفظ ذلك عن ظهر قلب. بل يجوز له، بل ويحسن به، أن يرجع إلى الكتب قبل أن يُفتي. أي أن عمل العالِم أن يعرف المراجع أولاً، فإن كان مسؤولاً عن حكم فقهي عرف مظانّ وجوده، وإن كان يريد التحقّق من درجة حديث عرف أين يبحث عنه، ثم يقوّم هذه المراجع بأن يميّز ما يُعتمَد عليه ويُوثَق به منها وما لا يُوثَق به ولا يُعتمد عليه. ثالثاً: أن يعرف موضع المسألة من المرجع. رابعاً: أن يفهم العبارة إذا وصل إليها ويدرك المراد منها.
لذلك أقترح أن يكون الامتحان امتحانين: امتحاناً لاختبار ملَكة الطالب ومبلغ إلمامه بمسائل العلم واستظهاره لأُمّات (أي لأمّهات) مسائله، يُجيب فيها بلا استعانة بكتاب ولا رجوع إلى مرجع كما هي الحال في الامتحانات العادية. وامتحاناً أهمّ، يُلقى عليه فيه (في الفقه مثلاً) مسائل مما يقع للناس ويسألون عنه العلماء ليُفتي فيها، أو نُلقي عليه في الحديث حديثاً مما يشتهر على الألسنة ويتردد على الأقلام ليبيّن درجته ومبلغ الحُجّية فيه. ونسمح له أن يستعين بما شاء من المراجع القديمة، لا المباحث العصرية الجديدة، بشرط أن لا يكون عليه تعليقات خطّية ولا إشارات إلى بعض الصفحات ولا هوامش ولا تعليقات.
وإذا كان الامتحان الأول (أي اختبار الملَكة) شفهياً كان أحسن. وبذلك نختبر علم الطالب ومقدرتَه على المراجعة. أمّا أن
стр. 3034
يقتصر السؤال على مواد الكتاب الذي درسه أو المقدار الذي درسه من الكتاب فلا يختلف عن امتحان المرحلة الابتدائية والإعدادية.
هذا اقتراحي أقدّمه مع تحياتي، ٢٣ صفر ١٣٩٠هـ. علي الطنطاوي.
* * *
وأنا هنا كالطبيب الذي يعالج المريض؛ إن جامله وأرضاه فكتم عنه مرضه يكون قد خانه، بل لا بدّ أن نبيّن المرض لنجد له الدواء. والمشاهَد أن كثيراً من التلاميذ مشوا في الدراسة على غير طريق وأقاموا بناءهم على غير أساس، فكانوا -وهم طلاّب في الجامعة- يخطئون في النحو والصرف، بل هم لا يُحسِنون معرفة قواعد الإملاء! وأنا أكاد أحتمل من الطلاب كل شيء إلاّ أن أرى طالباً جامعياً عربياً ما أتقن ما يُطلَب إتقانه من تلميذ الابتدائية.
ولقد كنا في الشام على أيام الحكم الفرنسي نحاسب التلاميذ على قواعد الإملاء، وكل غلطة منها يُقتطَع عليه درجتان من عشر (وكانت الدرجات الكاملة عشراً)، فإن اجتمع للتلميذ خمس غلطات أُعطيَ صفراً، فلم ينفعه بعده أن ينال أعلى الدرجات في العلوم كلها.
فكيف أتغاضى عن مثلها من الطالب الجامعي في البلد العربي؟ من هنا، من الامتحان يتحوّل حب الطلاب لي بغضاً أو شيئاً قريباً من البغض، ويكون فتقٌ ما له رَتْق وعلّة ما لها دواء؛ لاالطالب بعدما وصل إلى الجامعة يستطيع أن يعود فيتعلم ما كان عليه أن يتعلمه في الابتدائية من مبادئ النحو والصرف وقواعد
стр. 3035
الإملاء، ولا أنا أستطيع، ولا يحتمل ضميري ولا يرضى لي ديني، أن أشهد لشابّ لا يعرف كيف يكتب أنه صار عالِماً.
وعُدت أشرح لهم قواعد الإملاء. وهي تُشرَح في بعض ساعة من الزمان إن أرادوا الفهم وأحسنوا الإصغاء؛ وهي أن الهمزة في أول الكلمة لا تكون إلاّ على الألف، أما التي تجيء في وسطها وتجيء المشكلات منها فقاعدتها هي: إن أقوى الحركات الكسر، ثم الضم، ثم الفتح. فإن كانت الهمزة مكسورة أو كان ما قبلَها مكسوراً كُتبت على نَبِرة (أي على سنّ). فإن لم يكن كسْر وكان ضمّ كُتبت على واو، وإن كانت مفتوحة فعلى ألف، إلاّ إن كان قبلها ياء (مثل: هَيْئَة) فتُكتب على سنّ. والهمزة في آخر الكلمة تَتبع حركةَ ما قبلَها، فإذا كان ما قبلَها ساكناً وُضعت على السطر وحدها.
في هذه الجُمَل المعدودة خلاصة شاملة عن كتابة الهمزة في وسط الكلمة. وكنت أسخر من نفسي إذ أعلّم أمثال هؤلاء أمثال تلكم الأشياء!
* * *
يا إخواننا، الدين النصيحة. وإني ناصح لكم، فاهتمّوا بمعلّم الابتدائية قبل أستاذ الجامعة، وأعطوه الكثير ثم طالبوه بالكثير، فإنه الأساس. والبناء الذي يعلو مئة طبقة في الهواء ولكن يكون أساسه ضعيفاً يهوي وينهار.
لا أعرف أمة في الدنيا يجهل أبناؤها لسانَها جهلَ أبناء العرب
стр. 3036
بلغة العرب. إني لأكاد أسمع اللحن المنكَر والخطأ الفاحش في كل مكان وأراه يمشي على كل لسان، حتى على ألسنة مَن نعُدّهم من كبار الأدباء، لا سيما إن قرؤوا نصاً مروياً. ولو عملتم مسابقة بين الأدباء في قراءة صفحة واحدة بلا غلط ولا تسكين أواخر الكلمات من كتاب أدبي (ككتاب البيان والتبيين مثلاً، أو أمالي أبي علي القالي أو كامل المبرّد) وجعلتم لذلك جائزة ما نالها إلاّ القليل.
وقد كنت وأنا شابّ أقول لإخواني: افتحوا لي أيّ كتاب واختاروا أية صفحة من هذا الكتاب وهاتوها أقرأها لكم، فإن أمسكتم عليّ غلطة فلكم حكمكم. وكنت أخطب مرتجلاً الساعة وما يقرب من الساعة وما يقرب من الساعتين فلا يزلّ لساني بلَحْنة، فسرى إليّ الآن الداء، بل أدركني الوَباء، فصرت أسمع في بعض أحاديثي المسجَّلة لحناً يسبق إليه لساني حيناً.
لا تبدؤوا الإصلاح من الجامعة بل من الابتدائية. إن جدار الإسمنت يومَ صَبِّه يُدخِل الصبي فيه أصبعه فتحدث فيه خَرقاً يبقى ما بقي الجدار، فإن جئتَ تُزيله بعدما يبس وصار كالصخر الجلمد أو أردت أن تُحدِث مثله وطرقته بالمطارق الثقال لم تصنع فيه شيئاً.
لسان الأمة من مقوّمات حياتها، فإن فرّطَت فيه فقد فرّطَت فيها. فإن جئت إلى أمتنا المسلمة، إلى أمة محمد ‘، لا سيما من كان من أبنائها عربياً، وجدت اللسان العربي الفصيح الصحيح حياتَه كلها، لأنه يرتبط به قرآنُه الذي هو قوام دينه ودنياه؛ لذلك يحرص جنود إبليس وخصوم الإسلام على إضعاف العربية
стр. 3037
وصرف أبنائها عنها، وما يريدون إلاّ أن يصرفوهم عن القرآن.
* * *
ما كنت وأنا أدرّس أريد أن أعلّم الطلاّب مسائل بعينها ليحفظوها، بل أن أضع في نفوسهم حب العلم حتى يتعلموا هم المسائل كلها. ما كنت أقصد أن يحفظوا بل أن يعرفوا كيف يراجعون؛ كنت أريد أن أعلّمهم صيد السمك لا أن أغدّيهم سمكاً. لذلك كنت أدفعهم إلى معرفة الكتب وما فيها ومحبتها ومعرفة الرجوع إليها.
وجرّبت في سنتين متعاقبتين في القسم العالي أن آذن للطلاب أن يحملوا معهم ما شاؤوا من المراجع، أو أن أجعل الامتحان في المكتبة حيث المراجع موفورة أمامهم ليرجعوا إليها. وكنت أختار لهم من فيض الرسائل الهائلة التي تَرِد على برنامجَيّ: «نور وهداية» في الرائي و «مسائل ومشكلات» في الإذاعة، أختار لهم بعضها مما يكون فيه مسألة فقهية، ليُجيبوا هم عليها بعد أن يرجعوا إلى ما شاؤوا من الكتب التي هي أمامهم. ولا يضرّ العالِمَ إذا أراد أن يفتح الكتاب، بل إن ذلك لَيحسُن به. وما أدري لماذا يُقبَل من المدرّس أن يفتح الكتاب وأن ينظر فيه عند إلقاء الدرس أو المحاضرة ولا يُقبَل ذلك من الطالب يوم الامتحان، بل نمسكه إذا فعله بالجرم المشهود ونُقيم القيامة على رأسه ونعقد مجلس الأساتذة لمحاكمته ولعقوبته. هل يُحرَّم على التلميذ ما يكون حلالاً للأستاذ؟!
* * *
стр. 3038
لم يكن في حيّ العزيزية لمّا جئتها سنة ١٣٨٤هـ إلاّ أبنية معدودة: كلية التربية، وكانت كما عرفتم بناء واحداً صغيراً، وإلى جواره بضعة مساكن، وقبله الثانوية المركزية ولا شيء غير ذلك. وكان الحيّ يُعرف بالحوض، أو «حوض البَقَر»؛ إذ كان فيه حوض يسيل إليه الماء من مجرى عين زَبيدة، فلما وسّعها الملك عبد العزيز رحمة الله عليه وضمّ إليها عيوناً أخرى سُمّيَت العزيزية، ثم صار ذلك اسماً للحيّ كله. وهو حوض قديم موقوف تشرب منه البقر والجمال والغنم.
وكنت أمرّ بالثانوية كل يوم في ذهابي إلى الكلية وفي عودتي منها، فدعَوني يوماً إلى إلقاء محاضرة فيها، فقبلت على أن تكون محاضرتي أجوبة على أسئلة الطلاب. ذلك أن أصعب شيء عليّ هو اختيار الموضوع الذي أتكلم فيه، لا لقلّة ما عندي بل لكثرته! ولا تحسبوا قولي من باب الفخر والحماسة والتفاخر بالعلم، بل هو من باب تقرير الواقع؛ فقد تعلمت القراءة وأتقنتها سنة ١٣٣٧هـ قبل سبعين سنة، ولم أكن ألعب مع الصبيان في الزقاق ولا أصاحب الأقران في الغدوات والروحات ولا أقعد في مقهى ولا أؤمّ ملهى، فكان وقتي كله للمطالعة. وكان في دارنا مكتبة كبيرة هي لأبي وكانت قبله لجدّي، فكنت أتخيّر منها الكتاب بعد الكتاب أفتحه فأنظر فيه، فإن فهمته وأعجبني موضوعه قرأته وإن لم أفهمه أعدته إلى مكانه. وكنت أقرأ كل يوم عشر ساعات أو أكثر منها ما لم أكن مسافراً أو أكن مشغولاً، وقلّما كنت أُشغَل أو أسافر. فما ظنكم بمن كان يقرأ كل يوم عشر ساعات واستمرّ على ذلك سبعين سنة؟ إنه لو كان أغبى الأغبياء لاجتمعَت عنده
стр. 3039
من هذه القراءات في كل موضوع يقع بصره عليه وتصل يده إليه، لاجتمع عنده حصيلة كبيرة. ولكني كنت أحتار: ما الذي أقدّمه منها في المحاضرة وما الذي أختاره لموضوعاتها؟ لذلك كنت أُحيل اختيار الموضوع على الحاضرين، يسألون وأجيب.
أمّا أصل المسألة فهو أنني ذهبت إلى مصر سنة ١٩٤٥، أي منذ اثنتين وأربعين سنة، بعد أن غبت عنها غيبة امتدّت سبع عشرة سنة. وكنت قد تركت الشيخ حسن البنا رحمة الله عليه وهو شابّ كسائر الشبان، وإن كان يميّزه عنهم تديُّن صادق وخُلُق عظيم يحبّبه إلى الناس جميعاً. فلما جئت هذه المرة وجدته قد صار عَلَم البلد وأظهرَ شخصية فيها: ذِكره في كل مكان واسمه على كل لسان، والإخوان صاروا أقوى الجماعات وأنشطها نشاطاً وأظهرها أثراً. فاحتفى بي في دار الإخوان بالحلمية الجديدة، وكان اجتماعٌ خطابيّ حاشد فيه غذاء للعقل وللقلب وفيه دعوة إلى الله.
وسألني عن الإخوان، فقلت إنهم قد بلغوا الغاية في اليقين والإيمان ولكن ما بلغوها في العلم والاطّلاع، وهم يحتاجون إلى مَن يعرّفهم بما لا بدّ منه من الحلال والحرام وأحكام الإسلام. قال: لماذا لا تساعدنا على ما تقترحه؟ قلت: أنا جندي في الجبهة الإسلامية، وإن كنت جندياً متطوّعاً، أُومَر فأنفّذ ابتغاء الثواب ورجاء الأجر، فكلّفني بما تريد مدةَ إقامتي هنا الآن، وأنا مقيم شهرين إن شاء الله.
فجمع لي جماعة يسمّونهم «أسرة»، وهم أفراد من أسر شتّى تجمعهم الصلة بالشيخ البنا وبجماعة الإخوان. وكانت لهم
стр. 3040
عادة مستحَبّة هي أن يعرّفوا بأنفسهم أولاً، وكانوا يقولون قديماً في مثل هذا المقام: ينتسبون، أي يكشف كلٌّ عن نسَبه ليُعرَف به. فلما عرّفوا بأنفسهم وجدت أن فيهم أستاذاً في الجامعة وتلميذاً في المتوسطة ونجّاراً وبدّالاً (ويدعون «البَدّال» «البَقّال»، والأولى أصحّ)، وربما جمعَت هذه الأسر بين فرّاش الدائرة ورئيسها!
فلما رأيت ذلك حرت كيف أكلّمهم وبأيّ أسلوب أخاطبهم، ومن هنا وتخلّصاً من اختيار الموضوع طلبتُ منهم أن يسألوا هم عمّا يريدون لأجيب أنا. وقلت لهم: إنني لا أعرف جواب كل مسألة، فما عرفت جوابه وكان الجواب مقرَّراً متفَقاً عليه أجبت به، وما كان فيه خلاف بين العلماء أشرت إلى هذا الخلاف، وما كان غائباً جوابه عني الآن وأستطيع أن أراجعه استمهلتكم فرجعت إلى الكتب وجئتكم بالجواب، وما لا أعرف جوابه أقول: «لا أدري». ومن قال «لا أدري» فقد أجاب؛ ذلك لأن الجواب درجات، فمَن أجاب بعلم وقال صواباً فهذا هو المطلوب، ومن قال لا أدري فقد أيأسك منه وأحالك على غيره، وهذا هو الحدّ الوسط، أما ما هو الأدنى وما لا يُقبَل من عالِم فهو أن يُجيب بجهل، فيغشّ السائل ويتعرض للإثم.
واتّبعت هذه العادة حتى ألِفتها وسَهُلَت عليّ، ومشيت عليها في كل محاضرة أُدعى إليها وفي أحاديثي في الإذاعة وفي الرائي، وقلّدني فيها جماعة من الأساتذة الأجلاّء، فمنهم من مشى قليلاً ثم وقف، ومنهم من استمرّ برنامجه إلى الآن ولكنه يكاد يقتصر على الأحوال الشخصية، يبين أحكامها ويؤلّف بحكمته وعلمه بين أعضاء الأسرة الواحدة، ولا يتعرض لغيرها من المسائل العلمية الأخرى.
стр. 3041
وأنا أتمنى لو أن أحاديث رمضان كانت على هذه الصورة، فإنني لا أمرّ بأيام هي أثقل عليّ من أيام الإعداد لأحاديث رمضان، لأن مَن فكّر في موضوع واحد أو موضوعات قليلة جمع لها ذهنه وحشد لها فكره، وأنا أسجّل كل رمضان ثلاثين حلقة في بضعة أيام، فيتشتّت الذهن ولا يكون التركيز. ثم إن عنوانها من أسباب صعوبتها عليّ، العنوان: «على مائدة الإفطار»، والأحاديث التي تُلقى على المائدة تكون في العادة خفيفة ظريفة تفتح الشهية وتُنعِش السامع، وأحاديثي هذه السنة ستكون -كما طلب المشاهدون لمّا استفتيتهم- أحاديثَ دينية جدّية نافعة. فماذا يقول عني مَن يسمعها وهو يأكل فتعطّل هضمه؟ أسأل الله المعونة عليها.
* * *
ووفّق الله وكان لقاء الثانوية المركزية بالعزيزية ناجحاً، ووجدتهم قد جمعوا فيه الأساتذة كلهم والطلاب جميعاً، أمّا الطلاب فإن بضاعتي تصلح لهم والأثواب على طول أجسادهم، وإن كان فيهم من هو أطول وأعرض وأذهب ارتفاعاً في الجوّ من ربع بني آدم، ولكن ما بال الأساتذة؟ المشكلة في الأساتذة. هل جاؤوا بهم ليمتحنوني؟ إذن سيجدونني راسباً وسأرفع الراية البيضاء وأعترف بالهزيمة سلفاً، لكنهم كانوا كراماً فغضّوا البصر عني فتسامحوا معي، فجزاهم الله خيراً.
ثم توالت الاجتماعات. فكنت مرة في المعهد العالي للمعلمين، ففاجأت الطلاب بسؤال: لماذا دخلتم هذا المعهد ولماذا اخترتم مهنة التعليم؟ وتبيّن لي أن أكثرهم، بل أن أكثر
стр. 3042
الناس يعملون ما يعملون بلا نيّة، ولو استحضروا نيّة لكان كل عمل لهم عبادة؛ يأكلون ويكون أكلهم عبادة، وينامون ويكون نومهم عبادة، ويجتمع أحدهم بأهله ويكون هذا الاجتماع عبادة ... تَبيّن لي أن أكثر الطلاب ما فكّروا بشيء من هذا، بل بلغوا سنّ المدرسة فأدخلوهم إليها، وانتقلوا من صف إلى صف حتى أكملوا الابتدائية، فدخلوا مع مَن دخل في المتوسطة، ثم تدرّجوا فيها درجة درجة سنة بعد سنة، حتى وصلوا إلى الدراسة العالية. فنبّهتُهم إلى النية وأثرها في أعمال الإنسان، وأنها هي التي تجعل المباح الذي لا يُثاب فاعله ولا يُعاقَب عبادةً تستحقّ من الله بكرمه الثواب.
وكان حديث الناس يومئذ في محاولة الصعود إلى القمر، وكان كثير من المشايخ يُنكِرون أنهم صعدوا. فسألني الطلاب، فقلت لهم: نعم، لقد وصلوا إلى القمر. فقام شيخ من ورائي من بين الأساتذة فقال بأن هذا مستحيل لأن القمر في السماء، والبشر لا يمكن أن يصلوا إلى السماء. فحاولت أن أردّ عليه رداً رفيقاً، فأبى واشتدّ في الإباء، فقلت للطلاب: إذا قيل لكم إن ما سمعتم من صعودهم إلى القمر كان كذباً فهل تكذّبونه؟ قالوا: لا، قد صعدوا حقيقة وجاؤوا بحجارة من القمر. فقلت للأستاذ: إذا كنت لا تستطيع أن تقنعهم بأن خبر الوصول إلى القمر خبر كاذب، وكانوا مقتنعين وأنا مقتنع معهم بأنهم وصلوا، وكنتَ تُصِرّ على أن الشرع يمنع الوصول إلى القمر، أفليس في ذلك حمل لهم على تكذيب القرآن أو الشك في الإسلام؟
وقلتُ للطلاّب: إن الإسلام لا يحملكم على إنكار ما ترون
стр. 3043
وما تشاهدون، والإسلام دين الواقع، والناس لا يتعلمون من العلم إلاّ ما أذن الله لهم بأن يتعلموه: ﴿ولا يُحيطونَ بشيءٍ مِنْ عِلمِهِ إلاّ بما شاءَ﴾. وليس القمر في السماء، القمر قريب منا، ولو أن مركبة كانت تسير بسرعة الضوء (ثلاثمئة ألف كيل في الثانية) لبلغوا القمر في ثانية وثلث الثانية. هذا بُعدُه عنا بسرعة الضوء، والشمس على بُعدِها الشاسع يصل ضوؤها إلينا في ثماني دقائق، وهذه الأجرام التي ترونها نقطاً مضيئة في السماء الصافية في الليلة الساجية منها ما يبعد عنا سنين ومئات من السنين وآلافاً وملايين، فما بُعد القمر بالنسبة لهذه الأجرام؟
ثم إنها كلها تسبح في هذا الفضاء الذي لم يدرك العلم مداه ولم يعرف عنه إلاّ أقلّ من القليل. هذا الفضاء حولَه كرةٌ كبيرة جداً تحيط به من جوانبه كلها، بناء من مادة حقيقية ليس خطاً وهمياً، فيها أبواب تُفتَح وتُغلَق، هذه هي السماء الدنيا، كرة تُحيط بالفضاء كله وما فيه ولها سُمكٌ، الله أعلم بسُمكها. وبعدها فضاء لا نعرف عنه شيئاً، ثم كرة أخرى تحيط بها من جوانبها لها سُمك كسُمكها وبعدها فضاء كفضائها، تلك هي السماء الثانية، وكذلك حتى تبلغ سبع سماوات لا يستطيع العقل ولا الخيال أن يُلِمّ بها أو أن يتصوّر ضخامتها، وبعدها مخلوقات هي أكبر من هذا كله وأعظم وأجلّ، هي الكرسي والعرش الذي هو أكبر من الكرسي. فأين القمر وبُعدُه عنا؟
وهذه الصورة الهائلة للسماء وما بعدَها مصغَّرةٌ تصغيراً لا يُدرِك العقل مداه ويعجز الخيال عن تصوُّره، مصغَّرة في الذرّة وما في الذرّة من كهارب بعضُها يدور وبعضها يُدار به.
стр. 3044
وأفضت في هذا الموضوع بمقدار ما أعرف. وهذا الوصف للسماء لم أقرأه في كتاب من كتب العلماء لأن العلم لم يصل إليه ولم يدركه، ولكن فهمته مما جاء في القرآن في وصف السماوات السبع وأنها طِباق، وأن السماء الدنيا قد زُيّنت بهذه الكواكب، فالكواكب إذن دونَها، وأن السماء مبنيّة بناء وأن لها أبواباً؛ كل ذلك مما استفدته من آيات القرآن وما فهمته منه بعقلي الكليل، ولعلّي إن شاء الله قريب من الصواب (١).
* * *
стр. 3045
-٢٣٥ -
يوم الجلاء عن سوريا
أشكر أخي الأستاذ الأكرم، فلقد كتب عن يوم الجلاء فذكّرني. وما كنت ناسياً، فما أنا بالذي ينسى يومَ الجلاء ولا يومُ الجلاء بالذي ينساه مثلي. والأستاذ أكرم شاميّ من نابلس، ولئن كانت زحلة -كما دعاها شوقي- جارة الوادي فنابلس جارة الجبل، جبل النار الذي طالما كتبت عنه لمّا كان مثابة الأبطال ومثوى الرجال (١).
ما نسيت، ولكن الليالي السود العوابس التي عشناها قبله وبعده حجبَت عنا هذا الفجر الباسم، الذي برق لنا ثم غاب عنا، فبكينا بعده على عهد كنا نبكي فيه على ما كان قبله.
قلّ مَن فرح بالجلاء مثل فرحي، لأنه قلّ مِن أرباب الأقلام في الشام مَن كتب عن الفرنسيين وعهدهم مثل كتابتي. وقد مرّ في هذه الذكريات شيء منها، وفي كتابي «دمشق» مقالات أخرى
стр. 3046
عنها. أما مقالتي عن يوم الجلاء فهي في العدد ٦٧٠ من «الرسالة» الذي صدر يوم ٦ أيار (مايو) سنة ١٩٤٦، رجعني إليه معالي الشيخ إبراهيم العنقري الذي تفضّل عليّ فأهدى إليّ مجموعة الرسالة كاملة، فله الشكر كاملاً.
ولا بأس عليّ أن أُعيد نشرها بعد إحدى وأربعين سنة لقرّاءٍ تسعون في كل مئة منهم ما عرفوها ولا قرؤوها، فهي عندهم جديدة.
ولكن الذين نظموا موكب الاحتفال ما تركوه خالصاً للوطن، بل أدخلوا فيه غرائزهم وشهوات نفوسهم، فظهرت الثمرة المسمومة للغرسة التي غرسها الفرنسيون في بلادنا. احتفلنا بجلاء جيوشهم عنا واستبقينا بعض رذائلهم فينا، وماذا يعوّضنا عن أعراضنا وشرف بناتنا إن نحن أضعناها وفرّطنا فيها؟ تلك هي المناظر التي أشار إليها الأستاذ أكرم ومرّ بها مرور الكرام فلم يعلن إنكارها، وأنا واثق أنه ينكرها وأنه يأباها لبناته ولنساء أسرته، وهُنّ أهل الصيانة والعفاف. أفيمكن أن يرضاها لبنات المسلمين ونسائهم؟
وأنا لا أُنكِرها الآن بعد إحدى وأربعين سنة، بل أنكرتها في حينها ونشرت ذلك في أكبر مجلة عربية هي «الرسالة»، بعد أن نشرت في تمجيد يوم الجلاء مقالتي التي ستجدون فقرات منها بعد هذا الكلام. الجلاء نعمة من الله. والمسلم إن أنعم الله عليه شَكَرَ النعمة بطاعة المُنعِم، ونحن شكرناها يومئذ بمعصيته، فخالفنا بهذا الذي صنعناه أحكامَ ديننا وخلائق عروبتنا.
стр. 3047
وكان مما قلت يومئذ في مقالتي التي أعقبَت الجلاء (١): شهدت بناتٍ في السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة، وشهدت بنتاً جميلة زُيّنت بأبهى الحلل وأُلبست لباس عروس وركبت السيارة وسط الشباب، قالوا إنها «رمز الوحدة العربية»! ولم يدرِ الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها. ومشى الموكب أمام الناس وفيهم والد هذه البنت لا يستحيي ولا يخجل. وبنت أخرى قالوا إنها «رمز سوريا الأسيرة قد فُكّت قيودها»، والشباب يُحيطون بها وهي تُبدي ما أمر الله بستره من أعضائها ... وأمثال هذا الهذيان الذي لا معنى له إلاّ استغلال اليوم الوطني في هدم أركان الفضيلة وتمزيق حجابها، وأُخذت صور هذا كله فنُشرت في الجرائد وعُرضت في السينمات!
* * *
وهذه مقالة يوم الجلاء (٢). كتبت بين يديها قوله تعالى: ﴿ما ظَنَنتُمْ أنْ يَخرُجُوا، وظنّوا أنّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهم مِنَ اللهِ، فأتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لم يَحْتَسبوا وقذَفَ في قُلوبِهِمُ الرُّعبَ، يُخرِبون بُيوتَهم بأيديهِمْ وأيدي المؤمنينَ، فاعْتَبروا ياأولي الأبْصارِ﴾.
стр. 3048
ثم قلت: ماذا في دمشق؟ ففي كل ميدان فيها عرسٌ وفي كل حي فرحٌ وفي كل شارع مهرجان. ما هذه الزحمة وما هذه الوفود؟ الطرقات كلها مُترَعات بالناس ما فيها موطئ قدم، وحيثما سرتَ رأيت قباباً من الزهر وستائر من الحرير، وعلى دمشق سماء من صغار الأعلام، ومصابيح الكهرباء قد انتظمتها حبال طويلة فدارت بها ثم انعقدت على أشكال العقود والتيجان، فكانت منظراً عجباً إذا رأيتها في الليل «حسبتَ سماءً رُكِّبَتْ فيها» (١) فسطعَت كواكبها ولألأت نجومها، وإذا أبصرتَها في النهار ظننت الربيع قد عاد مرة ثانية، فكان في كل شارع روضة فتّانة وفي كل بناء عريشة ورد وفل وياسمين، وأغلى الطنافس مبسوطات على الجدران وأحلى الصور معلَّقات على الطنافس، والسيوف المذهَّبة والتحف الغالية، ما يضنّ الناس بقيّم ولا يبخلون بشيء.
(إلى أن قلت): لقد أُوقدَ الليلة في دمشق خمسمئة ألف مصباح ونُشر فيها ألفُ ألف علَم عُدّت عداً، ورُفع فيها مئة قبّة من النور يعدو تحت إحداها الفارس من سعتها، ووُضع في أرجائها مئة مذيع مكبّر، يخرج منه النداء والهتاف والخطاب فيُسمَع في أقصى الغوطة ويردّد صداه الصخرُ من قاسيون، ومشَت فيها خمسة آلاف عَراضة (٢) وموكب، وأقيمت ألف دَبْكة (٣).
стр. 3049
ففي كل مكان ازدحام وعلى كل ثغر ابتسام وفي كل قلب فرحة، وكل الناس مبتهج مسرور: الرجال والنساء والشيوخ والأطفال. والهتاف متّصل ما ينقطع، والنشيد دائب ما يسكت، والخطب والمحاضرات والزغاريد والأغاني، والصواريخ المضيئات تنفجر في الجوّ فتتساقط منها الأنوار أمطاراً، والجيش يحمل مشاعله ينشد ويزمر ويشارك الأمة في أفراحها. وما عهدنا هذا الجيش يشاركنا في فرح ولا ترح، ما عهدناه إلاّ عوناً للغاصب علينا ضاحكاً في مآتمنا عابساً في أفراحنا. يدور بالمشاعل في شوارع دمشق، يذكّر بالجيش الإسلامي لمّا حمل القرآنَ، مِشعَلَ النور الهادي فأضاء به الأرض وهدى أهلها. وعلى كل جبل من جبال دمشق نيران ضخمة أضرموها، كما أُضرمت من قبل نيران الفتح على جبال مكة إيذاناً بتطهير الكعبة وتهديم الأصنام وإجلاء الشرك عن البيت الحرام.
فماذا في دمشق؟ أيّ يوم هذا من أيامها، عظُمَت أيام دمشق وكبرت وجلّت؟ إلاّ أنه يوم الفرحة الكبرى، إنه اليوم الذي كان يتمنى كل شامي أن يراه ولا يبالي إذا رآه أن يموت من بعده؛ إنها الغاية التي سرنا إليها خمساً وعشرين سنة وتسعة أشهر، نطأ الحِراب ونخوض اللهَب، نمشي في الدم ونتخطى الجثث وننشق البارود. إنها الأمنيّة الكبرى التي كان يتمناها كل سوري وكل عربي وكل مسلم: إنه يوم الجلاء.
لقد جُنّت دمشق وحُقّ لها أن تُجَنّ، فلقد عاد الحبيب بعد طول الفراق، وآب المسافر بعدما امتدّ الغياب، وعانقَت الأم وحيدَها بعدما ظنّت أنْ لا لقاء، وتَحقّق ما كان يُرى مستحيلاً،
стр. 3050
فخرج الفرنسيون من الشام وزال الانتداب.
إنه يوم الجلاء. فيا أيها الذين عادوا من مَيْسَلون بقلوب كسيرة، ونظروا إلى موكب الغاصب بعيون دامعة، وحملوا الظلم بأعصاب صابرة، وشاهدوا جبروت المحتلّ وطغيانه ووحشيته، والعرش الذي أقاموه على دماء قلوبهم وعزائم سواعدهم هوى، والبلاد التي بَرَأها (أي خلقها) الله واحدةً قُسّمت فجُعلت دولاً، والوطني المخلص نُفي أو سُجن أو حُكم عليه بالموت شنقاً، والخائن الملعون قد أُعطيَ الرُّتَب والذهب.
ويا أيها الذين خرجوا على الظلم وعرّضوا أرواحهم للموت، على شعفات الصخر من جبال اللاذقية إلى جبل العرب، وعلى السهول الفِيح من أعالي حلب إلى أداني حمص، وعلى ثرى الجنّات من أرض الغوطة، لم يخشوا فرنسا حين كانت تخشاها الدول ويرهب بأسها الأقوياء.
ويا أيها الذين نشؤوا في عهد الانتداب فرأوا في كل مدرسة مستشاراً فرنسياً هو الآمر الناهي، والمدير (أي الناظر) تمثال، وفي كل وزارة مستشاراً هو الفاعل التارك والوزير صنم، وفي كل منطقة مستشاراً هو الحاكم وهو المنفّذ وهو الأمير، وفي وسط المدن مراكز للعدوّ وعلى الجبال قلاعاً له قد وجّهت مدافعها إلى البلد لتضرب أبناءه إذا طالبوا بحقّ أو أبوا ظلماً، لا إلى الفضاء لتردّ عنه الأعداء. ويا أيها الشهداء الذين قضوا بنيران العدوّ الباغي في سبيل الله ثم في سبيل الحرية، وهل تسمع أرواحُكم دعائي ياأيها الشهداء؟ ويا معشر العرب في كل قاصٍ من الأرض ودانٍ: إننا نحمد الله إليكم، تبارك اسمه وجلّ جلاله، فلقد أكمل نعمته وأتمّ