عنها. أما مقالتي عن يوم الجلاء فهي في العدد ٦٧٠ من «الرسالة» الذي صدر يوم ٦ أيار (مايو) سنة ١٩٤٦، رجعني إليه معالي الشيخ إبراهيم العنقري الذي تفضّل عليّ فأهدى إليّ مجموعة الرسالة كاملة، فله الشكر كاملاً.
ولا بأس عليّ أن أُعيد نشرها بعد إحدى وأربعين سنة لقرّاءٍ تسعون في كل مئة منهم ما عرفوها ولا قرؤوها، فهي عندهم جديدة.
ولكن الذين نظموا موكب الاحتفال ما تركوه خالصاً للوطن، بل أدخلوا فيه غرائزهم وشهوات نفوسهم، فظهرت الثمرة المسمومة للغرسة التي غرسها الفرنسيون في بلادنا. احتفلنا بجلاء جيوشهم عنا واستبقينا بعض رذائلهم فينا، وماذا يعوّضنا عن أعراضنا وشرف بناتنا إن نحن أضعناها وفرّطنا فيها؟ تلك هي المناظر التي أشار إليها الأستاذ أكرم ومرّ بها مرور الكرام فلم يعلن إنكارها، وأنا واثق أنه ينكرها وأنه يأباها لبناته ولنساء أسرته، وهُنّ أهل الصيانة والعفاف. أفيمكن أن يرضاها لبنات المسلمين ونسائهم؟
وأنا لا أُنكِرها الآن بعد إحدى وأربعين سنة، بل أنكرتها في حينها ونشرت ذلك في أكبر مجلة عربية هي «الرسالة»، بعد أن نشرت في تمجيد يوم الجلاء مقالتي التي ستجدون فقرات منها بعد هذا الكلام. الجلاء نعمة من الله. والمسلم إن أنعم الله عليه شَكَرَ النعمة بطاعة المُنعِم، ونحن شكرناها يومئذ بمعصيته، فخالفنا بهذا الذي صنعناه أحكامَ ديننا وخلائق عروبتنا.
стр. 3047
وكان مما قلت يومئذ في مقالتي التي أعقبَت الجلاء (١): شهدت بناتٍ في السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة، وشهدت بنتاً جميلة زُيّنت بأبهى الحلل وأُلبست لباس عروس وركبت السيارة وسط الشباب، قالوا إنها «رمز الوحدة العربية»! ولم يدرِ الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها. ومشى الموكب أمام الناس وفيهم والد هذه البنت لا يستحيي ولا يخجل. وبنت أخرى قالوا إنها «رمز سوريا الأسيرة قد فُكّت قيودها»، والشباب يُحيطون بها وهي تُبدي ما أمر الله بستره من أعضائها ... وأمثال هذا الهذيان الذي لا معنى له إلاّ استغلال اليوم الوطني في هدم أركان الفضيلة وتمزيق حجابها، وأُخذت صور هذا كله فنُشرت في الجرائد وعُرضت في السينمات!
* * *
وهذه مقالة يوم الجلاء (٢). كتبت بين يديها قوله تعالى: ﴿ما ظَنَنتُمْ أنْ يَخرُجُوا، وظنّوا أنّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهم مِنَ اللهِ، فأتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لم يَحْتَسبوا وقذَفَ في قُلوبِهِمُ الرُّعبَ، يُخرِبون بُيوتَهم بأيديهِمْ وأيدي المؤمنينَ، فاعْتَبروا ياأولي الأبْصارِ﴾.
стр. 3048
ثم قلت: ماذا في دمشق؟ ففي كل ميدان فيها عرسٌ وفي كل حي فرحٌ وفي كل شارع مهرجان. ما هذه الزحمة وما هذه الوفود؟ الطرقات كلها مُترَعات بالناس ما فيها موطئ قدم، وحيثما سرتَ رأيت قباباً من الزهر وستائر من الحرير، وعلى دمشق سماء من صغار الأعلام، ومصابيح الكهرباء قد انتظمتها حبال طويلة فدارت بها ثم انعقدت على أشكال العقود والتيجان، فكانت منظراً عجباً إذا رأيتها في الليل «حسبتَ سماءً رُكِّبَتْ فيها» (١) فسطعَت كواكبها ولألأت نجومها، وإذا أبصرتَها في النهار ظننت الربيع قد عاد مرة ثانية، فكان في كل شارع روضة فتّانة وفي كل بناء عريشة ورد وفل وياسمين، وأغلى الطنافس مبسوطات على الجدران وأحلى الصور معلَّقات على الطنافس، والسيوف المذهَّبة والتحف الغالية، ما يضنّ الناس بقيّم ولا يبخلون بشيء.
(إلى أن قلت): لقد أُوقدَ الليلة في دمشق خمسمئة ألف مصباح ونُشر فيها ألفُ ألف علَم عُدّت عداً، ورُفع فيها مئة قبّة من النور يعدو تحت إحداها الفارس من سعتها، ووُضع في أرجائها مئة مذيع مكبّر، يخرج منه النداء والهتاف والخطاب فيُسمَع في أقصى الغوطة ويردّد صداه الصخرُ من قاسيون، ومشَت فيها خمسة آلاف عَراضة (٢) وموكب، وأقيمت ألف دَبْكة (٣).
стр. 3049
ففي كل مكان ازدحام وعلى كل ثغر ابتسام وفي كل قلب فرحة، وكل الناس مبتهج مسرور: الرجال والنساء والشيوخ والأطفال. والهتاف متّصل ما ينقطع، والنشيد دائب ما يسكت، والخطب والمحاضرات والزغاريد والأغاني، والصواريخ المضيئات تنفجر في الجوّ فتتساقط منها الأنوار أمطاراً، والجيش يحمل مشاعله ينشد ويزمر ويشارك الأمة في أفراحها. وما عهدنا هذا الجيش يشاركنا في فرح ولا ترح، ما عهدناه إلاّ عوناً للغاصب علينا ضاحكاً في مآتمنا عابساً في أفراحنا. يدور بالمشاعل في شوارع دمشق، يذكّر بالجيش الإسلامي لمّا حمل القرآنَ، مِشعَلَ النور الهادي فأضاء به الأرض وهدى أهلها. وعلى كل جبل من جبال دمشق نيران ضخمة أضرموها، كما أُضرمت من قبل نيران الفتح على جبال مكة إيذاناً بتطهير الكعبة وتهديم الأصنام وإجلاء الشرك عن البيت الحرام.
فماذا في دمشق؟ أيّ يوم هذا من أيامها، عظُمَت أيام دمشق وكبرت وجلّت؟ إلاّ أنه يوم الفرحة الكبرى، إنه اليوم الذي كان يتمنى كل شامي أن يراه ولا يبالي إذا رآه أن يموت من بعده؛ إنها الغاية التي سرنا إليها خمساً وعشرين سنة وتسعة أشهر، نطأ الحِراب ونخوض اللهَب، نمشي في الدم ونتخطى الجثث وننشق البارود. إنها الأمنيّة الكبرى التي كان يتمناها كل سوري وكل عربي وكل مسلم: إنه يوم الجلاء.
لقد جُنّت دمشق وحُقّ لها أن تُجَنّ، فلقد عاد الحبيب بعد طول الفراق، وآب المسافر بعدما امتدّ الغياب، وعانقَت الأم وحيدَها بعدما ظنّت أنْ لا لقاء، وتَحقّق ما كان يُرى مستحيلاً،
стр. 3050
فخرج الفرنسيون من الشام وزال الانتداب.
إنه يوم الجلاء. فيا أيها الذين عادوا من مَيْسَلون بقلوب كسيرة، ونظروا إلى موكب الغاصب بعيون دامعة، وحملوا الظلم بأعصاب صابرة، وشاهدوا جبروت المحتلّ وطغيانه ووحشيته، والعرش الذي أقاموه على دماء قلوبهم وعزائم سواعدهم هوى، والبلاد التي بَرَأها (أي خلقها) الله واحدةً قُسّمت فجُعلت دولاً، والوطني المخلص نُفي أو سُجن أو حُكم عليه بالموت شنقاً، والخائن الملعون قد أُعطيَ الرُّتَب والذهب.
ويا أيها الذين خرجوا على الظلم وعرّضوا أرواحهم للموت، على شعفات الصخر من جبال اللاذقية إلى جبل العرب، وعلى السهول الفِيح من أعالي حلب إلى أداني حمص، وعلى ثرى الجنّات من أرض الغوطة، لم يخشوا فرنسا حين كانت تخشاها الدول ويرهب بأسها الأقوياء.
ويا أيها الذين نشؤوا في عهد الانتداب فرأوا في كل مدرسة مستشاراً فرنسياً هو الآمر الناهي، والمدير (أي الناظر) تمثال، وفي كل وزارة مستشاراً هو الفاعل التارك والوزير صنم، وفي كل منطقة مستشاراً هو الحاكم وهو المنفّذ وهو الأمير، وفي وسط المدن مراكز للعدوّ وعلى الجبال قلاعاً له قد وجّهت مدافعها إلى البلد لتضرب أبناءه إذا طالبوا بحقّ أو أبوا ظلماً، لا إلى الفضاء لتردّ عنه الأعداء. ويا أيها الشهداء الذين قضوا بنيران العدوّ الباغي في سبيل الله ثم في سبيل الحرية، وهل تسمع أرواحُكم دعائي ياأيها الشهداء؟ ويا معشر العرب في كل قاصٍ من الأرض ودانٍ: إننا نحمد الله إليكم، تبارك اسمه وجلّ جلاله، فلقد أكمل نعمته وأتمّ
стр. 3051
منّته وأخرج الفرنسيين وجندهم من الشام، لم يُبقِ منهم أحداً.
اذهبوا الآن إلى المزّة وادخلوا القلعة وأُمّوا (أي اقصدوا) الثكنة الحميدية، فإنه لا يمنعكم حارس وجهه يقطع الرزق ولا يردّكم ضابط فرنسي ولا تحجزكم سلك (١) ذات أشواك، وسيروا في طريق الصالحية فادخلوا قصر المفوَّض السامي الذي كان يتنزّل منه وحي الضلال على قلوب الخوَنة المارقين من طلاب الحُكم وعُشّاق الكراسي، فيكونون لربه عبيداً أذلّة وعلى أبناء بلدهم عتاة فَراعين مستكبرين، ولِجُوا قصرَ المندوب الذي كان ينصبّ منه بالأمس الموتُ الزؤام على من يدنو من حِماه، واسرحوا وامرحوا حيث شئتم، فالبلاد بلادكم.
(إلى أن قلت): اليوم يوم الجلاء. اليوم يبكي رجال «منا» كانوا يأكلون الطيّبات وينامون على ريش النعام من بيع ضمائرهم للأجنبي، على حين كان الناس ينامون على التراب ويأكلون الخبز اليابس. اليوم يبكي رجال حملتهم الخيانة فوضعتهم على مقاعد العزّ في أبهاء الحكومة فصاروا من كبار الموظفين. اليوم يبكي رجال كانت لهم في سجلاّت الاستخبارات أسماء فصاروا اليوم أيتاماً كالأَجْراء (جمع جرو) في المزبلة بعدما مات الكلب.
ولكن الشعب كله يضحك اليوم، وتضحك معه الدنيا. اليوم يضحك البلد بالزينات والأعلام، ويضحك بالليل بالأضواء والمشاعل، وتضحك المنائر بالتكبير، وتضحك الأرض والسماء. اليوم يرى الشاميّون الفرحة الكبرى التي تنقش ذكراها على قلوب
стр. 3052
الأطفال والشباب فلا تُمحى أبداً، وتكون لقلوب الكهول والشيوخ شباباً جديداً، كما كانت الفجيعة في ميسلون شيخوخة مبكّرة لهذه القلوب التي شابت من الهول قبل الأوان.
لقد نامت دمشقُ البارحةَ ملء جفونها بعدما صرّمَتْ تسعةَ آلاف وثلاثَمئة وسبعاً وتسعين ليلة (١) وهي تنام مفزَّعة الفؤاد مقسَّمة اللبّ، تخشى أن تُصيبها من الفرنسيين بادرة طيش أو نوبة لؤم تذهب بدار عامرة أو تضيع حقاً ظاهراً أو تريق دماً بريئاً. وأغفت تحلم بالمجد والحرّية، وقد مرّت عليها تلك الآلاف من الليالي لا تحلم فيها إلاّ بتهاويل الظلم والموت والخراب. وتأنس بطيوب الأحبّة من جند العرب في نجد والحجاز ومصر والعراق، وقد زهَت بهم دمشق أن قدموها ضيوفاً كراماً، بل إخواناً وأصحاب البلد.
لقد نامت دمشق البارحة وهي تودّع عهد الانتداب، عهد الجهاد والعذاب، لتستقبل عهد الحرية، عهد البناء. ونهضت دمشق تسبق الفجر الطالع تؤمّ الشوارع التي يعرض فيها جيش الحرّية، فما طلعت الشمس وفي النوافذ والشرفات وعلى ظهور العمارات، في شارع فاروق وفؤاد والجامعة السورية والسّنْجَقْدار وميدان المرجة وضفاف النهر وفوق قباب التكية السليمانية وعلى أشجار المسالك وفي كل مكان يُشرِف على الطريق، ما طلعت الشمس وفي ذلك كله شبر واحد خالٍ من رِجل إنسان قد قام
стр. 3053
لينظر ويتطلّع، وأُجّر المقعد الواحد بعشر ليرات (١) ومكان الوقوف بليرتين، فكان هذا المنظر أحد الأعاجيب.
(إلى أن قلت): لقد ضاع حلمك ياغورو وتبدّد، وخابت أمانيك ياديغول، وحقّق الله الأمنيّة التي كان يجيش بها صدر يوسف العظمة شهيد ميسلون. وسيحقّق أماني سعد في مصر ورشيد في العراق وعبد الكريم في المغرب وعمر المختار في لوبيا (ليبيا) وعبد القادر في الجزائر وجناح في الهند. ولِمَ لا؟ وأهل سوريا التي نعمت بالجلاء لا يزيدون إلاّ قليلاً عن سكان القاهرة اليوم، والعرب كلهم بدولهم وحكوماتهم أقلّ من مسلمي الهند؟ (٢)
فتيهي يادمشق واعتزّي، فلقد كنت عاصمة العرب في أول الدهر حين أُنشئَ فيك المُلك الضخم وأقيمت الدولة العظمى، ورسا عرش عبد شمس على ثراك فطالت -بالإسلام- فروعُه النجمَ وأظلّت المشرق والمغرب وطلع على الدنيا مجداً ورخاء وأمناً، وعُدتِ اليوم عاصمة العرب حين كنتِ أول بلد عربي خلص لأهله بعد الاحتلال، فلا يشاركهم فيه جيش حليف ولا منتدب ولا وصيّ ولا مستعمر.
يا دمشق، لقد عادت أيام معاوية وعبد الملك والوليد، لقد اتصل التاريخ الذي كان انقطع منذ قرون.
(إلى أن قلت، والمقالة طويلة): في عمر الإنسان ساعات
стр. 3054
هي العمر، تفنى الليالي وتنقضي الأعمار وتخلد هذه الساعات ذكرى في قلوب البنين. وفي تاريخ الأمم أيام هي التاريخ، تمرّ السنون متحدّرة في درك الماضي مسرعة إلى هوّة النسيان، وتبقى هذه الأيام جديدة لا تبلى، دانية لا تنأى، مشرقة لا تغيب.
وللإنسانية أيام هي ركن الإنسانية، لولاها ما قام لها بنيان ولا ثبت لها وجود، أيام قد عمّت بركاتها وشملت خيراتها البشرَ جميعاً، أيام هي ينابيع الخير والحقّ والعدل في بَيداء الزمان، وهي المَفْخَرة لأمة أرادت الفَخار، وما أكثر هذه الأيام الغُرّ في تاريخنا.
تلك الأيام التي أفضلنا فيها على العالَم كله وسمونا به إلى ذُرى الحضارة: يوم الهجرة، ويوم بدر والقادسية واليرموك ونهاوند، وأيام قتيبة وابن القاسم في المشرق وعقبة وطارق في المغرب ومحمد الفاتح في الشمال، ويوم عين جالوت وحطين، واليوم الأغرّ الذي أعاد لنا يوم حطين وكان فجرَ نهار جديد للعرب، بل للمسلمين أجمعين، هو يوم الجلاء.
(إلى أن قلت): وقد زعم العُداة أننا فرحنا هذا الفرح لأننا أُعطينا ما لم نكن نحلم به، كالفقير المسكين الذي يطلب فلساً فيُمنَح ديناراً. كلاّ، إننا لم نأخذ إلاّ الأقلّ من حقّنا؛ إن الجلاء ليس عجباً وإنما العجب العُجاب أن يكون في ديار الإسلام احتلال، العجب أن لا نحكم نحن الأرضَ وقد خُلقنا من أصلاب مَن حكموها وورثنا القرآن الذي به دانت لهم الرقاب.
وزعموا أن هذا الجلاء قد أتى عفواً بلا تعب وأننا لم نُوجِف عليه بِخَيل ولا رِكاب، ولولا أنها أتت به مصلحة الإنكليز ما
стр. 3055
جاء. وكذب هؤلاء الزاعمون ولَؤُموا، أو فليخبروني: أجاهدت أمة -على ضعفها وقلّة عددها وعلى كثرة عدوّها وقوّته- مثلما جاهدنا؟ إن في مصر العزيزة تسعة عشر مليوناً (بتعداد تلك الأيام) وفي أندونيسيا ثمانين وفي الهند مئة وعشرين من المسلمين (قبل إنشاء باكستان)، ونحن لا نُعَدّ كلنا، بَدْوُنا وحضرنا رجالنا ونساؤنا، أكثر من ثلاثة ملايين (الكلام قبل أربعين سنة)، وقد ابتُلينا بفرنسا ذات الطيش والحمق والعدد والآفات.
فسلوا الفرنسيين: هل أرحناهم يوماً واحداً من يوم ميسلون إلى يوم الجلاء؟ أما ثرنا على فرنسا وكسرنا جيوشها في خمس مواقع؟ سلوا الجنرال ميشو القائد الذي حارب الألمان عند المارْن: أما أباد حملتَه مجاهدون منا ما تَعلّموا في مدرسة حربية ولا درسوا فنون القتال، وغنمنا عتادها كلها فلم يعُد من الحملة بعد معركة المزرعة إلاّ مئتان وخمسون جندياً فقط؟ سلوا الغوطة عن معارك الزور وعمّا صنع حسن الخراط. سلوا النَّبْك وجبالها، وحماة وسهولها، وجنرالات الفرنسيين عن بطولة مجاهدينا، إن لم أعدّهم اليوم فما يجهلهم أحد.
أما ضرب الفرنسيون دمشق، أقدم مدن الأرض العامرة، بالقنابل مرتين في عشرين سنة؟ أما أحرقوا حيّ الميدان وهو ثلث دمشق ودمّروه، فلم ينهض من كبوته إلى اليوم (أي إلى يوم كتابة المقال)؟ أما أضرموا النار في جَرْمانة والمَنيحة (المَليحة) وزبدين وداريّا وقرى أخرى لا يُحصيها من كثرتها العدّ؟
بل سلوا شوارع دمشق ومسالكها وساحاتها عن إضراباتها
стр. 3056
ومعاركها ومظاهراتها، أما لبثَت في مطلع سنة ١٩٣٦ خمسين يوماً مُضربة لا تجد فيها حانوتاً واحداً مفتوحاً، مقفرة أسواقها كأنها موسكو حين دخلها نابليون؟ فتعطّلَت تجارة التاجر وصناعة الصانع، وعاش هذا الشعب على الخبز القفار، يطوي ليلَه مَن لم يجد الخبز ويبيت بلا طعام، ثم لم يرتفع صوت واحد بشكوى، بل كانوا جميعاً: من العالِم إلى الجاهل ومن الكبير إلى الصغير، راضين مبتهجين، يمشون ورؤوسهم مرفوعة وجباههم عالية، ولم نسمع أن دكاناً من هذه الدكاكين قد مُسّ أو اعتدي عليه أحد، ولم يُسمع أن لصاً قد مدّ يده خلال هذه الأيام إلى مال، وقد كانت الأسواق كلها مطفأة الأنوار ليس عليها حارس ولا خفير.
فهل قرأ أحد أو سمع أن بلداً في الدنيا في أوربا أو أميركا أو في المرّيخ، يسير فيه اللصوص جياعاً والمال معروض أمامهم فلا يمدّون إليه أيديهم حرمة للنضال؟ لقد بقي الأولاد في المعسكر العامّ في الجامع الأموي أياماً طوالاً يرقبون وينظرون، فإذا فتح تاجرٌ محلّه ذهبوا فأغلقوه. ففتح حلواني، حلواني مشهور، فذهب بعض الأولاد فحملوا بضاعته، صدور الكنافة والبقلاوة، إلى المسجد. وتشاوروا بينهم: ماذا يفعلون بها؟ فقال قائل منهم: نأكلها عقاباً له. فصاحوا به: اخرس ويلك، هل نحن لصوص؟ ثم أرجعوها إليه بعد دقائق وما فيهم إلاّ جائع يشتهي قطعة منها.
فهل قرأتم أو سمعتم أن صبيان باريس ولندن ونيويورك فعلوا مثله؟ وقد عمد الفرنسيون آخر أيام الإضراب إلى فتح المخازن قسراً، فكان أصحابها يدَعونها مفتوحة ولا يقتربون منها وفيها أموالهم التي تعدل أرواحهم، فلا يمدّ أحد يده إليها.
стр. 3057
والتبرعات. ألم يكن الناس يعطونها من غير أن يطلبها منهم أحد؟ ألم يكونوا يتسابقون إلى دفعها؟ ألم يرفض كثير من الفقراء أخذ الإعانات وقالوا: أعطوها غيرَنا ممن هم أحوج إليها منا، نحن نجد طعاماً هذا النهار؟ لقد وقع هذا وشاهدته أنا مراراً. فأي وطنية أعظم من هذه الوطنية، وأي اتحاد أوثق من هذا الاتحاد الذي تصبح فيه المدينة كلها أسرة واحدة؟
والبطولة والجهاد. ألم يفعل الشاميون الأفاعيل؟ ألم يهجموا على النار والحديد ويقاوموا بالحجارة أروعَ وأبشع ما وصلت إليه حضارة الغرب من ضروب التقتيل والإهلاك والتدمير؟ (١) ألم يفتح الأطفال صدورهم للرصاص؟ ألم يصمد الفتية العزّل للجيش اللَّجِب لا يزولون حتى يزول عن مكانه هذا الجبل، ثم يصدمونه صدمة الندّ للندّ، ثم لا ينجلي الغبار إلاّ عن حقّ يُظفر أو شهيد يُقتل أو جريح يُؤسر؟
ألم تلبث دمشق مدة الانتداب وهي في حرب؟ ساحاتها وشوارعها وميادينها لا تكاد تختفي منها الخنادق والأسلاك والرشاشات والدبابات حتى تعود فتظهر مرة أخرى، ولا تهدأ النار في ركن من أركانها حتى يندلع لسان النار في ركن آخر، وسوريا ثابتة على جهادها؟ ألم تشيّع الأمهاتُ أبناءَهنّ إلى المقبرة راضيات هاتفات؟ ألم يجاهد الطفل الصغير والمرأة العجوز والشيخ الفاني؟ ألم تمتلئ السجون بالأبرياء؟ ألم تَضِق المقابر بالشهداء؟
стр. 3058
فهل تكلّم تاريخ هؤلاء الفرنسيين في آذانهم؟ هل عرفوا لهذا الشعب حقاً؟ هل قدّروا له تضحية؟ هل رفعوا قبّعاتهم عن رؤوسهم حينما كانت تجوز بهم مواكب شهدائه؟ هل خشعت قلوبهم لسيل دمائهم؟ إنهم نسوا تلك الدعوى الكاذبة، دعوى أن أجدادهم هم الذين أعلنوا حقوق الإنسان وأنهم غسلوا بدمائهم صفحة الاستعباد والاستبداد، ونسوا ما كتبه روسّو وفولتير ومنتسكيو وما قاله ميرابو وسييس ولافييت، وما كان يكذب به الفرنسيون على الشعوب إذ يُعلِنون أنهم نصراء المظلومين.
إني ما خططت هذه الكلمات لأؤرّخ فيها جهاد الشام، فإنها تؤلَّف فيه الأسفار الضخام ويخلد حديثه على طول المدى، وما ذكرت نبأ إضراب الخمسين لأتقصى أخباره وأجمع حوادثه، وإنما أردت أن أردّ كذبة ما زلنا نسمعها حتى من الأصدقاء: أن الجلاء إنما جاءنا بلا تعب ولا عناء!
(إلى أن قلت): إنها ما جاهدَت أمة مثل جهادنا ولا حملت مثل ما حملنا. إنا قد رأينا الموت وألِفنا الفقر واعتدنا الجوع، وأصبحَت مدينتنا بلاقعَ وأهلُها مفجوعين ونساؤها ثاكلات، أفيكثر علينا أن ننعم بالجلاء؟ إننا أخذنا حقنا بعون الله ثم بعزائمنا، ولو والله عاد ليستلبَه منا أهلُ الأرض مجتمعين لقارعناهم عليه ونازلناهم دونه حتى نستعيده كاملاً أو نموت. وليس في الدنيا أقوى ممن يريد الموت، لأن الذي يريد الموت لا تخيفه وسائله ولا آلاته.
والمقالة طويلة، فمن شاء أن يحيط بها رجع فقرأها.
* * *
стр. 3059
-٢٣٦ -
لمّا علّمتُ البنات
نبّهني بعض أهلي من أيام إلى ندوة تُعرض في الرائي يتكلم فيها الشيخ الدكتور صبحي الصالح. وأنا في العادة لا أميل إلى هذه الندوات لأن عريفها يضايقني غالباً حين يُقيم من نفسه شيخ كُتّاب، ويجعل من المنتدين (أي أعضاء الندوة) تلاميذَ له، ولعلّ فيهم مَن هو أعلم منه، فيقول: اسكت أنت، وربما قطع على المتحدث كلامه ليقول شيئاً يخطر على باله لعلّه لا يفيد السامع علماً ولا يَزيد عمّا يقوله المتحدث شيئاً، ولكنه يريد أن يقول: أنا هنا!
بيد أن حضور الشيخ صبحي ﵀ الندوةَ رغّبني في سماعها، لأني كنت أحبه في الله. ولمّا كنت أشرف على تحرير مجلة الرسالة سنة ١٩٤٧ لمرض الأستاذ الزيات رحمة الله عليه (أو تمارُضه) زارني يوماً الشيخ صبحي. وكان طالباً يَدرس في مصر، وجاءني بمقالة له يريد نشرها، فلمست فيها وفيه فضلاً ونبلاً، فنشرتها له وشجّعته ثم كنت أتابع ما يكتب وما ينشر.
وما جئت الآن لأثني عليه هنا وإن كان يستحقّ الثناء،
стр. 3060
ولا لأرثيه وإن كان أهلاً للرثاء، وحسبه أنه نال أقصى ما يطمع عالِم مسلم بنبله وهو الشهادة في سبيل الله، ﵀ ورحم كل من فاضت روحه من المسلمين في هذه الفتنة العمياء التي عمّت لبنان، فلم تُبقِ ولم تَذَر. بل لأنني فوجئت حين رأيت في الندوة طالبات سافرات كاشفات يجلسن إلى جنب شباب كبار مجلس الإخوة مع الأخوات أو الأزواج مع الزوجات، يختلطن بمن حرّم الله عليهن الاختلاط بهم والتكشّف أمامهم.
ثم رجعت إلى نفسي فعجبت من عجبي، وسألتها: كيف صدمني هذا المشهد؟ كأنني لم أرَ مثله من قبل وكأنني لم أعلّم بنات بالغات كبيرات ولم أرَ من قبلُ اختلاطاً وتكشُّفاً، في الشام وفي مصر وفي بيروت وما زرت من مدن أوربا الغربية، وإن كنت قد دخلت أكثر من عشرين مدينة كبيرة فيها أرى منها ما يراه الماشي في الطريق، لم أدخل ملاهيها ولا مواطن الفجور فيها، فلم أرَ فيها كلها (أقول الحقّ) ولا فيما زرت من مدن آسيا: الهند وسنغافورة وأندونيسيا وطرفاً من سيام (التي صارت تُدعى الآن تايلاند)، لم أرَ فيها كلها ما كنت أراه في الطريق في بيروت: في الزيتونة ورأس بيروت وعلى طول الساحل الذي تستلقي عليه آلاف من البنات، ما يسترن من أجسادهن إلاّ ما يقبح مرآه وما عدا ذلك بادٍ مكشوفٌ يراه كل من يمرّ في الطريق حتى الحمار.
فكيف إذن فوجئت بما رأيت في هذه الندوة بعد كل هذا الذي رأيت من قبل؟ وفكّرت فعرفت السبب. لقد كنت كمَن يضمّه المجلس الحافل في الغرفة المغلقة التي تختلط فيها الأنفاس، من الفم والأنف ومن غيرهما من منافذ الجسم! ويطول المجلس
стр. 3061
ساعات لا تُفتَح فيها النوافذ ولا يتجدّد فيه الهواء، ولكنّ مَن فيه لا يحسّ بفساد هوائه. فإذا خرج ساعة إلى النسيم الرخيّ والهواء النظيف ثم عاد إلى المجلس أدرك ما كان في جوّه من فساد. أو كالمزكوم الذي عطّل الزكامُ شمّه، أو كذي الفم المُرّ الذي وصفه المتنبي: «يجِدْ مُرّاً بِهِ الماءَ الزُّلالا» (١).
ذلك هو السبب. فالحمد لله أن أقامني في المملكة نحواً من ربع قرن وألزمني البقاء في مكة، لم أخرج من حدودها وحدود جدّة من تسع سنين ولم أجاوزهما إلى غيرهما، فأذهبَ ذلك عن أنفي الزكام وعن لساني المرارة، وأعاد إليّ صفاء النفس ومضاء الحسّ، وعُدت أنكر ما ينكره الشرع.
وكنت أفكر في اختيار موضوع لهذه الحلقة من الذكريات كما أفعل كل مرة، أفتّش عنه، فوجدته في هذه الندوة التي عرضها الرائي من أيام، فجئت أصل الآن كلامي عن تعليم الطلاب في الكلية في مكة بالحديث عن تدريس الطالبات فيها.
* * *
نشأت في دمشق قُبَيل الحرب الأولى وفي أثنائها، يوم لم تكن هذه الحضارة قد وصلت إلينا إلاّ لماماً وما عرفناها إلاّ من بعيد، نسمع أخبارها ولكن لا نُبصِر آثارها. فلما انتهت الحرب الأولى سنة ١٩١٨، وكنت في أواخر المدرسة الابتدائية، هجمَت
стр. 3062
علينا فكسرت الباب وصارت بيننا، وجاءت معها بخيرات وجاءت معها بشرور، وكان من شرورها فتح الطرق التي تقصر وتسهل تارة أو تطول وتتوعّر تارة أخرى، ولكنها توصل في النتيجة إلى ارتكاب المحرَّمات وهتك الحرمات.
ولقد قلت من قديم بأن أول مادة في قانون إبليس وأول درس في منهجه هو كشف العورات واختلاط الشبان بالبنات: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِبَاسَهُما لِيُريَهُما سَوْءاتِهما﴾. وكانت مدارس البنات من الأبواب التي دخل منها جنود إبليس من الإنس والجنّ علينا.
ومدارس البنات إن خلت من الفساد ضرورية نافعة لا بدّ منها لرقيّ البلاد وصلاح العباد، فليس اعتراضي عليها ولكن على ما يعرض لها. ومدارس البنات في دمشق قديمة جداً، ولقد كانت لي عمّة رحمها الله تحمل الشهادة الرسمية من المدرسة الرّشْدية (أي المتوسطة) تاريخها سنة ١٣٠٠هـ، أي قبل مئة وسبع سنين. وهذه المدارس في مصر أقدم تاريخاً وأسبق ظهوراً.
وكان العامل الأول على إنشائها في الشام مربّي الجيل الشيخ طاهر الجزائري، ولقد كتبت عنهُ فيما مرّ من هذه الذكريات، وحضر امتحان عمّتي من وراء ستار نُصب بين لجنة الامتحان وبين البنات والمعلّمات. وأنا لم أدرك من الشيخ طاهر إلاّ أنهم سيّرونا في جنازته لمّا مات في أعقاب الحرب الأولى، وكنا تلاميذ في الابتدائية وكان وزير المعارف أحد تلاميذه المقرَّبين وهو أستاذنا محمد كرد علي.
وكانت التلميذات في المدارس الابتدائية فضلاً عن الثانوية
стр. 3063
بالحجاب الكامل، حتى إن أختين لي وزوجتي كُنّ يذهبنَ إلى المدرسة الابتدائية بالملاءة السابغة وعلى وجوههن هذا النقاب، أي القماش المثقَّب الذي كان يُدعى عند العامة «المنديل». وأذكر أن دمشق أضربت مرة وأغلقت أسواقها كلها وخرجت المظاهرات تمشي في جادّاتها لأن وكيلة مدرسة دار المعلمات جاءت المدرسة سافرة (أي كاشفة الوجه)، وهذه الوكيلة هي بنت أستاذنا في كلية الحقوق، العالِم الجليل الذي ولي الوزارة مرات، شاكر بك الحنبلي ﵀.
ومن أدرك تلك الأيام من أهل الشام يشهد بصحة هذا الخبر، ومن هؤلاء الصديقُ رفيق العمر الأستاذ سعيد الأفغاني الذي يدرّس الآن في جامعة الملك سعود، وقد قارب الآن الثمانين من العمر، وإن هم افتقدوه -لا قدّر الله- فلن يجدوا بعده مثله، فهو المرجع في النحو والصرف.
* * *
ثم بدأ الصدع في الجدار والشقّ في الثوب، ثم اتسع الخرق على الراقع وامتد الصدع حتى كاد يهدد الجدار. وقد حدّثتكم في هذه الذكريات عما انتهت إليه مدارسنا على عهد الوحدة مع مصر عبد الناصر وما دخل عليها. كما حدّثتكم عن البنت التي دُعيتُ إلى تدريسها درساً خاصاً، وكانت صبية جميلة في السابعة عشرة وأنا شابّ أكاد أقول -لولا الحياء- إني كنت جميلاً في الرابعة والعشرين. وكان الدرس في الأدب العربي، وكان الموضوع هو شعر بشّار وأبي نُواس، وكان الكتاب الذي نرجع إليه هو «الأغاني»
стр. 3064
وكتاب أخبار أبي نُواس لابن مَنْظور صاحب «لسان العرب». ومن عرف هذا الكتاب منكم عرف ما فيه من أشعار أبينواس التي يخجل من روايتها الساقي في حانات الخمور ومواطن الفجور، فكيف يرويه للطالبات المعلّمُ الذي زعم شوقي أنه كاد يكون رسولاً (١) لولا أن محمداً ﵊ خاتم الرسل فلا رسول ولا نبي بعده.
وكان أجري على الدرس كبيراً وكنت في أشدّ الحاجة إليه، ولكن خفت والله من الوقوع وقد بلغت حافّة الهاوية ولم يبقَ بيني وبينها إلاّ شبر واحد، فتركت الدرس وعفت المرتَّب ونجوت بنفسي.
وفي سنة ١٩٤٩ كان أخي أنور العطار ﵀ يدرّس الأدب العربي لطالبات الثانوية الأولى للبنات ودار المعلّمات، فنُقل وسط السنة المدرسية إلى وزارة المعارف وكُلّف أن يجد مَن يحلّ محلّه، وإلاّ فقد الوظيفة الجديدة التي كان يسعى إليها ويتمنى الحصول عليها، فلجأ إليّ فقبلت. ولم يكن في المدرسة كلها -على كبرها وعلى أنها المدرسة الأولى في دمشق- إلاّ نساء: مدرّسات وطالبات، ولم يكن فيها من الرجال إلاّ البوّاب على الباب والأستاذ أنور الذي حللت محلّه وشيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، وهو والدنا وأستاذنا وقد ارتفع بدينه وسنّه وسيرته فوق الشبهات.
ووجدت الطالبات يغطين رؤوسهن في درسي ودرس الشيخ
стр. 3065
بالخمار (الإيشارب)، وإن كان منه ما لا يستر إلاّ ربع الرأس. وما كنت أختلط بالمدرّسات بل أعتزلهن أنا والشيخ، إلاّ مرات قليلة لم يكن لنا فيها بُدّ من الاجتماع بهن. وما خرجت في هذه الاجتماعات وفي دروسي مع الطالبات عن موضوع البحث أو الدرس إلاّ مرة واحدة، كنا فيها في اجتماع المدرّسات فسمعت إحداهن تشكو صاخبة غاضبة أن الآذنات (الفرّاشات) لا يهيّئن الشاي مع أن السكر موفور والماء موجود والمدفأة موقَدة، فأحببت أن أرطّب الجو بنكتة فقلت لها: إنه لا ينقصك إلاّ إبريق الشاي، فاشربي كأساً من الماء البارد وخذي ملعقة من السكر وملعقة من الشاي واقعدي على المدفأة، فيكون الشاي المطلوب في معدتك.
واستمرّت الحال لا أُنكِر منها شيئاً، حتى سمعت يوماً وأنا أُلقي درسي أصواتاً التفتُّ بلا شعور إلى مصدرها، فإذا أربعون من الطالبات في درس الرياضة وهُنّ يلبسن فيه ما لا يكاد يستر من نصفهن الأدنى إلاّ أيسره، وكُنّ في وضع لا أحب ولا أستجيز أن أصفه فهو أفظع من أن يوصف. فذهبت بعد الدرس إلى شيخنا الشيخ بهجة وخبّرته، فقرّرنا أن نترك التدريس، وكان قد بقي إلى الامتحان ونهاية العام نحو عشرة أيام.
وقد نبغ من الطالبات اللواتي كنتُ أدرّسهن نابغات، منهن وزيرةٌ الآن في سوريا كانت مضرب المثل في حجابها وفي دينها وكانت من العوامل على تعويد بناتي على الحجاب، وقد أثنيت عليها في مقالة لي في أواخر عهد «الرسالة» بالصدور، ثم زاغت فأزاغ الله قلبها. ولست أدعو عليها وإنما أدعو لها بأن يردّها الله إلى
стр. 3066
دينها وإلى حجابها وإلى استعمال ما آتاها الله من المواهب ومن البيان ومن طلاقة اللسان فيما كانت فيه أول أمرها من الدعوة إلى الله، وأن ترجع إلى نهج أبيها وأخيها وأختها الفاضلة التي ثبتت على دينها وحجابها، وأن لا تُؤْثر الدنيا الزائلة على الآخرة الباقية.
وما دام في القلب جذوة بالإيمان فإن الله قادر على أن يُحييه في قلبها، ومن الواجب على المسلمين إذا رأوا انحرافاً من واحد منهم أو واحدة أن يَدْعوا الله لها بالهداية، والله لا يهدي إلاّ من يريد الهداية، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن والله يحول بين المرء وقلبه، فادعوا لها بأن يحوّل الله قلبها إلى ما يرضيه عنها وما ينفعها في آخرتها لا بما يمتعها هذه المتعة القصيرة في دنياها.
* * *
فلما جئت مكة أدرّس فيها لم يكن في المملكة إلاّ مدرسة واحدة للبنات (فيما أعلم أنا) هي «المدرسة النَّصيفية» التي أنشأها الرجل العظيم الشيخ محمد نَصيف رحمة الله عليه، فكان رائداً في فتح مدارس البنات، أما الرائد الأول الذي كان أباً للتعليم حقاً في هذه المملكة وكان نادرة بين الرجال قلّما يجود الزمان بمثله، والذي أفضل الله به على أكثر المتعلمين الآن من الشيوخ ومن الكهول، فهو الشيخ محمد علي زَيْنَل، وقد لقيته في كراتشي سنة ١٩٥٤ لمّا زارها الملك سعود ﵀ وقدم الشيخ محمد علي للسلام عليه. ثم أقمت أياماً في بومباي مع الشيخ أمجد الزَّهاوي رحمة الله عليه فكنت أزور الشيخ محمد علي كل يوم، وكلما زرته ازدادت منزلته في قلبي رسوخاً ومكانته ارتفاعاً.
стр. 3067
لمّا قدمت المملكة سنة ١٣٨٣ كلّفني الشيخ الأفندي محمد نصيف رحمة الله عليه بأن أعقد ندوة في المدرسة النصيفية أجيب فيها على البنات، فاعتذرت وتنصّلت. قال: ولِمَ؟ هل هذا حرام؟ قلت: التحريم لا بدّ فيه من دليل وأنا ما عندي من دليل، ولا أقول بأن ذلك حرام، بل ربما قلت بأن تعليم البنات أمرَ دينهن واجبٌ على المسلمين، فإن كان المدرّس كبيراً مأموناً وكُنّ متحجبات يكون ذلك مفروضاً لا مرفوضاً، ولكنني أخشى أن أستنّ في المملكة سُنّة يُساء اتّباعها فيكون عليّ وزرها ووزر من عمل بها، لذلك لا أبدأ أنا بها. ولكن إن أُلقيَت محاضرتان تكون محاضرتي الثالثة إن شاء الله، ولا أكون أنا فاتحَ هذا الباب.
فسكت وإن ظهر على وجهه أنه لم يقتنع بما قلت، ثم زرته بعد حين فقال لي: إنها قد ألقيت الآن محاضرتان ونحن نطالبك بوعدك. وكانت الأولى للشيخ عمر الداعوق مؤسّس جماعة «عباد الرّحمن»، وهو رجل فاضل، إن كان حياً فإنني أدعو له بزيادة التوفيق وإن توفّي فعليه رحمة الله، ونسيت مَن ألقى الثانية، ولعلّه كان أخانا وابن شيخنا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليه.
وجئت وفاءً بوعدي فوجدت حجاباً كاملاً وجواً إسلامياً شاملاً، ولا عجب في ذلك ومديرةُ المدرسة هي أم الأساتذة النُّجُب العلماء: الدكتور عبد الله نصيف وأخوه الدكتور عبد العزيز وسائر الإخوة الأفاضل. وأخذتُ معي زوجتي وبنتين لي وقد حضرنَ معي من الشام، وكان اجتماعاً موفَّقاً والحمد لله.
* * *
стр. 3068
ولمّا كثرت الطالبات في كلية التربية في مكة، ولم يكن هذا الرائي (التلفزيون) الداخلي الذي تُلقى منه اليوم الدروس على البنات فيسمعنَها ويرين المدرس ولا يراهن، كُلّفتُ بتدريس الطالبات في مسكنهن في الحفائر، وكانت المشرفة عليهن يومئذ الأستاذة السيدة إصلاح. فوجدت الطالبات مستعدّات، وكُنّ بالحجاب السابغ ومنهن من يُبدين الوجوه فقط، فألقيت عليهنّ الدرس كما ألقيه على الطلاب، أشرح لهنّ كما أشرح لهم وأجيب على أسئلتهنّ كما أجيب على أسئلتهم.
ومرّ العام بسلام، فلما كانت السنة التي بعدها كثر الكاشفات عن الوجوه، ثم أخذ بعضهن يرتفعن بالخمار قليلاً حتى يكشف عن بعض الشعر، فقلت: لا؛ إني في السنّ كالجدّ لأكبركن ولكني لا أعدو أن أكون رجلاً أجنبياً، وإن جاز كشف الوجه من غير فتنة بالمرأة ولا فتنة عليها ولا خلوة للأجنبي بها، فلا يجوز تجاوزه إلى الشعر ولا إلى العنق ولا تجاوز الكفّين إلى الذراع، والستر مع ذلك كله أولى وأفضل.
ولقد عرفت نساء بلدي وأنا صغير بالملاءة، حتى النصرانيات واليهوديات في الشام لا يخرجهن بغيرها، وكل ما يصنعن أنهن يسفرن عن وجوههن فتُعرف بذلك النصرانية من المسلمة. فما زلنَ بالملاءة حتى جعلنها قسمين، ثم استبدلنَ بالقسم الأعلى خماراً ساتراً حول الرأس ويغطّي المنكبين، ثم صغّرنَ الخمار وجعلنَ ينقصنَ من أطرافه وحواشيه، ويقصّرنَ الإزار ويضيّقنَه، وكذلك جعل الثوب يقصر إصبعاً إصبعاً والرأس ينكشف شعرة شعرة، حتى انكشف الشعر كله والعنق وأعلى الصدر والساعد
стр. 3069
والساق! ثم قلّدنا اليهود فجعلنا للبنات درساً سمّيناه «درس الفُتُوّة» لتدريبهن -كما زعموا- على الجندية، كأن الشباب لا يملؤون المقاهي والملاهي ولا يتسكعون في الطرقات، وكأنه لم يبقَ للدفاع عن البلاد إلاّ البنات! ثم عمدنا إلى تعميم السفور والحسور حتى جعلنا للبنات مسابقات في السباحة أمام الرجال باسم الرياضة. ولم يبق إلاّ أن نجعل للبنات كلية عسكرية!
فباسم الرياضة تارة وباسم الفن تارة وباسم الدفاع المدني تارة، وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان استبحنا ما حرّم الله. وعمّمنا الاختلاط في المدارس والجامعات، بدأنا بذلك من رياض الأطفال وقلنا: صغار ما لهم عورة ولا يعرفون المعاني الجنسية. ونسينا أن الصغير يكبر وأن ما غُرس في ذاكرته يبقى فيها. نقلد في ذلك غير المسلمين.
ولقد قرأت في جرائد اليوم، الجمعة العاشر من رمضان، أن الإنكليز وغيرهم من الأمم التي ندعوها أمم الحضارة بدأت تعدل عن سنّة إبليس في خلط البنين في المدارس بالبنات وتعود على الفطرة التي فطر الله البشر عليها، فتجعل للذكور مدارس ما فيها إناث ومدارس للإناث ما فيها ذكور. وقد سبقَت إلى ذلك روسيا أم الشيوعية وبنت الصهيونية، ونحن لا نزال سائرين في غيّنا. بل لقد بلغ منا التقليد أن أقمنا مدرّسين شُبّاناً يدرّسون البنات البالغات ومدرّسات شابات للطلاب البالغين، ممّا حمى الله هذه المملكة منه ومن أمثاله، وأسأله أن يُديم حمايتها منه وإبعادها عنه.
* * *
стр. 3070
-٢٣٧ -
خواطر ومشاهدات عن تعليم البنات
قلت لكم إن مَن تدعونهم أهل الحضارة من سكان أوربا وأميركا توهّموا أن الحرية المطلقة هي التقدم وهي الرقيّ وأن الخير فيها والسعادة من ثمراتها، فأطلقوا أبناءهم وبناتهم من كل قيد ورفعوا من بينهما كل حجاب وأباحوا لهما كل ممنوع، فهما يعملان ما يشاءان، وصارت البنات متكشفات، وصار مُعلَناً حتى في الحدائق والساحات ما كان يجري في المخدع بين الأزواج والزوجات. ثم صُوّر ذلك في المجلاّت، بل لقد أثبتوه في شرائط ما يدعونه الفيديو بالأصوات والحركات، ثم عرضوا ذلك للبيع يصل إليه مَن ملك ثمنه! وألِف ذلك الكبار وأحبّه ونشأ عليه الصغار، وجعلوا مما يُدرس في المدارس وصف تلك الأعضاء.
ولمّا كنت في المؤتمر السنوي الذي يعقده المركز الإسلامي في آخن، وكان معقوداً في تلك السنة في دوسلدورف، جاءني أخ مسلم من الإخوان الطيّبين ومعه بنت له قد راهقت سن البلوغ، يسألني أن أوضح لها أمراً لا يمكن ذكره هنا يتصل بالأعضاء التناسلية للرجل، ففتحت عيني دهشة وحسبته مجنوناً أو مازحاً
стр. 3071
مزحاً ثقيلاً، وإذا به يُخرِج لي الكتاب الذي تدرس فيه البنت في المدرسة وفيه الصور الملوّنة الواضحة الفاضحة لهذه الأعضاء عند الرجال وعند النساء في حالاتها كلها! وقد روى الطبيب العالِم الأستاذ في كلية الطب الدكتور محمد علي البار، في كتابه الذي أتمنى أن يقرأه الناس جميعاً «عمل المرأة في الميزان»، روى أن مدرّسة شابة كانت تنزع ثيابها على مهل أمام الطلاب البالغين الكبار الذين جعلوها مدرّسة لهم لتعلّمهم بالمشاهدة والعيان بيان ما قرؤوا وصفه في الكتاب، وأنها لمّا منعَتها وزارة المعارف قامت كبريات الجرائد البريطانية تدافع عنها وتنشر صورتها على الحالة التي وصفتها، لتضمن تأييد القراء لها في دفاعها عن الرذيلة، فأيدوها حتى ألزموا وزارة المعارف بإعادتها إلى عملها والإذن لها بأن ترجع إلى ما كانت تصنع!
وكانوا يقولون لنا دائماً إن أسباب الشذوذ الجنسي هو حجاب النساء الذي أمر به الإسلام. فلماذا ينتشر هذا الشذوذ في بلاد ما فيها حجاب كإنكلترا؟ حتى لقد أباحوه فيها للبالغين بقانون، وبارك كبير أساقفة كونتربري -كما نشروا في الصحف- هذا القانون!
وكانوا يقولون لنا إننا لو عوّدنا الصغار على الاختلاط من رياض الأطفال لانقطعت أسباب الفساد، فما لهم وقد تعوّدوا عليه هناك لم يزدادوا إلاّ فساداً؟ لم يهدّئ ذلك سُعارَ الشهوة في نفوسهم ولم يخفّف من عنفه لديهم، حتى إننا لَنسمع كل يوم في كل بلد من بلادهم أخبار جرائم الاغتصاب والعدوان على عفاف النساء. ارجعوا إلى كتاب الدكتور البار تجدوا ما تشيب له
стр. 3072
رؤوس الصغار مما يقع في المدارس وفي الجامعات، وما وقع للمدرّسة حاملة الماجستير مع الأستاذ الكبير الذي أقاموه مشرفاً على رسالتها التي تُعِدّها للدكتوراة، فلم يقنع بأن يكشف ما في رسالتها من علم بل طلب أن تكشف له عما تحت ثيابها من أعضاء الجسم!
وكانَ ما كانَ ممّا لستُ أذكرُهُ ... فظُنَّ «خيراً» ولا تسألْ عنِ الخبَرِ
وأخبار البنات اللواتي جعلوهن مجنَّدات وشرطيات مع الضبّاط والرؤساء. خبّروني ماذا كانت عاقبة هذه الحرية؟ هذه العاقبة أمامكم وترونها وتسمعون الحديث عنها. هذه السويد وجاراتها التي قطعت أبعد الأشواط في هذا المضمار، ماذا حلّ بها؟ هل وجدت سعادة الحياة؟ هل وصلت إلى طمأنينة النفس، أم زادت فيها الأمراض النفسية وانتشر القلق والاضطراب والهرب من الحياة بالمخدرات، ثم الفرار بالانتحار؟ هذا هو المَثَل أمامكم: إحصاءات رسمية وحقائق مشاهَدة.
والأمراض التي ابتُليَت تلك الأمم بها ولم تكن من قبلُ تعرفها، والتي هي بوادر مما خبّر به رسول الله ﵊ مما أطلعه الله عليه من بعض الغيب، وهو لا يعلم الغيب، حين بيّن أنه ما فشا الزنا في قوم إلاّ انتشرت فيهم أمثال هذه الأمراض، قال ذلك رسول الله ‘ من نحو خمسة عشر قرناً، من قبل أن يظهر الإيدز ومن قبل المرض الإفرنجي السفلس والسيَلان وتلك المصائب الكبار، أفيشكّ منصف بعد هذا أنه رسول الله؟
* * *
стр. 3073
إنه لا يزال منا مَن يحرص الحرص كله على الجمع بين الذكور والإناث في كل مكان يقدر على جمعهم فيه: في المدرسة، وفي الملعب، وفي الرحلات؛ الممرّضات مع الأطباء والمرضى في المستشفيات، والمضيفات مع الطيّارين والمسافرين في الطيارات. وما أدري (وليتني كنت أدري!) لماذا لا نجعل للمرضى من الرجال ممرّضين بدلاً من الممرّضات؟ هل عندكم مِن علم فتُخرِجوه لنا؟ هل لديكم برهان فتُلقوه علينا؟ إن كان كل ما يهمّكم في لعبة كرة القدم أن تدخل وسط الشبكة، أفلا تدخل الكرة في الشبكة إن كانت أفخاذ اللاعبين مستورة؟ خبّروني بعقل ياأيها العقلاء.
لقد جاءتنا على عهد الشيشكلي من أكثر من ثلاثين سنة فرقة من البنات تلعب كرة السلّة، وكان فيها بنات جميلات مكشوفات السيقان والأفخاذ، فازدحم عليها الناس حتى امتلأت المقاعد كلها، ووقفوا بين الكراسي وتسوّروا الجدران وصعدوا على فروع الأشجار. وكنا معشر المشايخ نجتمع يومئذ في دار السيد مكي الكتاني رحمة الله عليه، فأنكرنا هذا المنكَر وبعثنا وفداً منا فلقي الشيشكلي، فأمر (غفر الله له) بمنعه وبترحيل هذه الفرقة وردّها فوراً من حيث جاءت. فثار بي وبهم جماعة يقولون إننا أعداء الرياضة وإننا رجعيّون وإننا متخلفون، فكتبتُ أرد عليهم أقول لهم: هل جئتم حقاً لتروا كيف تسقط الكرة في السلة؟ قالوا: نعم. قلت: لقد كذبتم والله، إنه حين يلعب الشباب تنزل الكرة في السلة سبعين مرة فلا تُقبِلون عليها مثل هذا الإقبال وتبقى المقاعد نصفها فارغاً، وحين لعبَت البنات نزلت الكرة في السلة ثلاثين مرة فقط،
стр. 3074
فلماذا ازدحمتم عليها وتسابقتم إليها؟ كونوا صادقين ولو مرة واحدة واعترفوا بأنكم ما جئتم إلاّ لرؤية أفخاذ البنات.
وقد سبق مثل هذا الكلام فيما سبق من هذه الذكريات.
* * *
إذا أنشأَت الحكومة حديقة فغرسَت فيها سنديانة، ومرت عليها ثلاثون سنة حتى صارت دوحة عظيمة ممتدة الجذور، فمن يستطيع أن يقتلعها بيديه وأيدي العُصبة من أصحابه؟ وإن غُرزت دعامة من الإسمنت وجُعل لها أساس ضخم في باطن الأرض وأذرعة تمتدّ من هذا الأساس إلى الجوانب كلها، وجفّت الدعامة ويبست حتى صارت كالراسيات من صخرات الجبل، فمَن يقدر أن يقتلعها؟
إن الشهوة التي غرسها الله وغرزها في نفس الذكر للأنثى والأنثى للذكر أمتن من تلك السنديانة وتلك الدعامة. إنها غريزة غرزتها وغرستها يد الله، فهل تنزعها أو تزعزعها يد بشر؟ وشريعة الإسلام إنما شرعها الذي خلق هذه العوالم كلها، فما كان الله ليُقِرّ فينا غريزة ثم يأمرنا بانتزاعها. ما قال لنا الشرع اقتلوها ولكن قال لنا هذّبوها، وما أمرَنا برهبانية نقاوم فيها طبيعة الله في نفوسنا، ولكن نهانا عن إباحية تقتل أكرم صفات البشر فيها.
إن هذه الغريزة كالسيل الدفّاع الذي ينزل من شِعب الجبل نزول القضاء فلا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجهه إذا انطلق، وما قال لنا الله قفوا في وجهه، ولا تركنا نهمله حتى يجرفنا ويُهلِكنا
стр. 3075
ويهدم دورنا، ولكن قال لنا: شقّوا له في الأرض شقاً يمشي فيه تستفيدوا منه وتدفعوا عن أنفسكم أذاه. وأنا أحمد الله على أن مدارس البنات هنا في المملكة لا تزال على خير، ولكن كل صحيح الجسم معرَّض للعدوى إذا كان يحفّ به من كل جانب مَن يحمل جرثومة المرض، وإذا نحن لم نتخذ أسبابَ الوقاية كلها ولم نبقَ على حذر دائم أصابنا المرض.
والمسؤول الأول آباء البنات؛ هم المسؤولون عند الله الذي استرعاهم بناتهم واستحفظهم إياهنّ، ومنعهم أن يسلكوا بهن سبيل المعصية أو يتوجّهوا بهنّ الوجهة التي توصل إليها. لا تسافر البنت وحدها، بل لا يسافر الأب بها ولا بإخوتها الصغار إلى بلاد الكفار بلا داعٍ يدعو إلى ذلك، فتنطبع في نفوسهم صور تُفسِد عليهم مستقبل أيامهم وتُبعِدهم عن طريق دينهم وأخلاقهم. ولا يدع ابنته تنزل إلى السوق وحدها، ولا تتصل بالهاتف بالشبان، ولا تشير من النوافذ إلى أبناء الجيران.
لقد كان مما ابتُلينا به هذه البيوت التي آثرناها على بيوتنا واستبدلناها بها، حيث تتقابل النوافذ فيرى الشابّ بنت الجيران وتراه، ولو أطاع هوى نفسه ووسواس شيطانه واتبعَت هي هواها وشيطانها لكلّمها وكلّمَته، ثم لقابلها عند الباب ثم ماشاها في الطريق. ولو كان يَعقل لَعَلِمَ أن لبنت الجيران أخاً وأن له هو أختاً، وأن ما يتمنّاه منها يتمنّى من أخته أخوها، ثم يكون بعد ذلك موقف الحساب أمام رب الأرباب، فماذا يُعِدّان له من جواب؟
ومن أسباب الفساد الذي جدّ هذه السيارات يتّخذها فُسّاق
стр. 3076
الشبان مصيدة لاصطياد البنات. على أن البنت إن صدّته ما أقدم، وإن عبسَت في وجهه ما ابتسم. ولقد كان من الطالبات لمّا كنت أدرّس في الثانوية الأولى في الشام واحدة جمع الله لها الذكاء مع الجمال والمال، وكادت تكون مكمَّلة لولا شيء فيها من الزهو ومن الكبرياء. تركتُ التدريس ومرّت ثلاث سنوات فقط، فلمحتها مرة وأنا على قوس المحكمة بين الداخلات إلى الغرفة الثانية. وكانت في محكمتنا يومئذ في الشام غرفتان لكل غرفة قاضيها، وكان ذلك سنة ١٩٥٢، وكان معها أبوها، فوجدتُ أن من المروءة والوفاء أن أستدعي الأب أسأله عن حاله وحالها لعلّي أقدر أن أساعده أو أساعدها.
فدعوت به وجاءت البنت معه، وكان العهد بها أن وجهها المورَّد ينضح صحّة وشباباً وأن جبينها يعلو كبراً وترفُّعاً، وكان أبوها في العادة شامخ الأنف ظاهر الكبر معتزاً بمنزلته وغناه، فإذا أنا أراه لمّا وصل إليّ قد ذلّ واستكان، وإذا هي شاحبة الوجه غائرة العينين سعفاء الخدّين، كأنها لم تكن الطالبة التي عرفتها وكأنها كبرَت عشر سنين في هذه السنوات الثلاث. فسألتُ أباها ما شأنها وهل أستطيع أن أساعده بشيء؟ قال: شكراً. قلت: هل لكم دعوى؟ أي قضية؟ فسكتت هي وامتلأت بالدمع عيناها وأرخت حياءً بصرها، وقال هو: نعم، إنها دعوى تفريق، إنها تطلب الطلاق من زوجها. وأشار إلى رجل ما إن رأيته حتى عرفته؛ لقد كان خادماً في دارهما، وكان شاباً ناضر الشباب قويّ الجسد عريض المنكبين، فدخل الشيطان بينه وبينها حتى أوصلهما إلى الغاية التي يسعى إليها، فلم يجد أبوها إلاّ أن يزوّجه بها ستراً
стр. 3077
لفضيحة، فما ستر الزواج فضيحته ولكن أظهرها، ووقع بينهما الخلاف حتى انتهى إلى المحكمة، وكانت هذه عاقبة الانحراف عن طريق الشرع إذ جمع أبوها بينها وبين هذا الخادم في الدار.
* * *
وهذا الذي سردته ليس منه والحمد لله شيء في مدارس المملكة ولا تزال على الطريق السويّ، ولكن مَن رأى العبرة بغيره فليعتبر، وما اتخذ أحدٌ عند الله عهداً أن لا يحلّ به ما حلّ بغيره إن سلك مسلكه. فحافظوا ياإخوتي على ما أنتم عليه، واسألوا الله (وأسأله معكم) العون. إن المدارس هنا لا تزال بعيدة عن الاختلاط قاصرة على المدرّسات والطالبات، ولمّا كنت أذهب إلى مسكن الطالبات في الحفاير، وكان ذهابي على موعد مضروب في وقت محدّد، كنت أقف مع ذلك على الباب لا أدخله حتى يحتجبن جميعاً، وكانت سيارة الرياسة تأخذهن من بيوتهن وتُعيدهن من المدرسة إلى بيوتهن، وكانوا لا يختارون السوّاقين إلاّ من المسنين من أهل الخُلق والدين.
المدارس هنا لا تزال على خير، ولكن بعض الآباء يغفلون ويقصّرون. الأب هو الذي يَقِفُه الله يوم الحساب ليسأله عن بنته. فلا يدَعْها تذهب وحدها إلى السوق، فلقد سمعت أن من الفُسّاق من يتحرش بالنساء في الأسواق، ولا يدَعْها تكشف للبيّاع عما أمر الله بستره. وليفهما أن سائق سيارة الأسرة وخادم دارها، كل أولئك أجانب شرعاً عنها ليست منهم وليسوا منها، فلا تنبسط إليهم ولا ترفع الكلفة معهم، وأن الطبيب له أن يرى من المرأة
стр. 3078
ما لا بدّ من رؤيته إن كانت مريضة حقاً ولم يكن في البلد طبيبة أنثى تقوم مقامه وتُحسِن عمل ما يعمله، فلطالما عرفت أطباء يتخذون العيادة شبكة لصيد الغافلات وغرفةَ الفحص للمرض الجسمي مخدعاً لريّ الظمأ الجنسي. ولست أقصد أحداً بذاته ولا أعيّن بلداً، ولست أقول مع ذلك إلاّ حقاً. فإذا لقيَت المرأة الطبيب في غير ساعة الفحص فإنها تلقى رجلاً أجنبياً ككل رجل يمشي في الطريق، لأن كشفها أمامه ضرورة أو حاجة، والضرورات تُقدَّر بقدرها. ولا يدع الأبُ بنتَه تذهب إلى رحلة مدرسية أو حفلة كالحفلات التي تكون في ختام العام، فلقد رأيت فيما رأيت من أيامي التي عشتها أن هذه الرحلات وهذه الحفلات من أعظم الأسباب التي تؤدّي إلى البلايا والطامّات.
* * *
وأقرّر مع ذلك بأنه لا بدّ من تعليم البنات ومن إلقاء المواعظ على النساء غير الطالبات، وأؤكّد لكم أنها لا تصلح حالنا إلاّ إذا أوصلنا الدين إليهن رأساً، وأن ذلك من سنّة رسول الله ﵊ الذي خصّ النساء بمجلس يعظهن فيه وحدهن.
ولقد حاضرتُ النساء عشرات المرات في كثير من البلاد العربية وفيما زرت من غيرها من البلدان، شرعت في ذلك من عشرين سنة من حين جاوزت من العمر ستين، فوجدت ووجد الناس في هذه المحاضرات وهذه الدروس مني ومن أمثالي منفعة لانجد مثلها إن ألقيناها على الرجال لينقلوها هم إلى النساء؛ ذلك لأن المرأة أسرع تأثّراً وأرق -في الجملة- قلباً وأقرب إلى التذكّر
стр. 3079
إن ذُكِّرت. ثم إن أسباب الصلاح والفساد بيدها هي لا بيد الرجل، لأنها معلمة المدرسة الأولى التي تكون قبل مدارس الحضارة، مدرسة البيت، في السنّ التي تُغرَس فيها (كما قلت من قبلُ مرات ومرات) بذور الإيمان والكفر والخير والشرّ، تُغرس كلها في السنوات الخمس الأولى من العمر.
فلنجعل للنساء مجالس في المساجد نختار لها من العلماء من كان حاضر القلب مع الله، إن قال استمعنَ إلى قوله وإن وعظ استجبنَ إلى وعظه، يخصَّص لذلك ساعة بعد صلاة العصر يُفتح فيها الباب للنساء ويُمنَع دخول الرجال. وأنا أرجو أن لا يذهب هذا الاقتراح هدراً وأن يجد الاهتمام من أخي في الله، الرجل الصالح المصلح العالِم المعلّم، الشيخ عبد العزيز بن باز ومَن معه من أفاضل العلماء، وسترون إن شاء الله أثره الخيّر بعد حين.
* * *
стр. 3080
-٢٣٨ -
لغتكم يا أيها العرب (١)
أعود إليكم بعدما انقطعت عنكم، فمَن سرّته عودتي فأنا أحمد الله إليه على أن أعادني، ومَن ظن أنه استراح مني وسرّه فراقي فأسألُ الله أن يصبّره عليّ وعلى مصائب الدهر، فما يخلو الدهر من مصائب. ولو كانت هذه الدنيا مسرات كلها كانت جنة.
أما الذي شغلني فأحاديث رمضان في الرائي (التلفزيون). وأنا أجزع من قدوم رمضان في كل سنة، لا خوفاً من صيامه ولا هرباً من قيامه ولا إشفاقاً من شدة حرّه وطول أيامه، فكل ذلك محتمَل إن وطّنتُ النفس على احتماله، تراه في أوله شهراً طويلاً وتنظر إليه الآن بعدما انقضى فتبصره ساعة واحدة. وكذلك الحياة كلها، فإذا كان يوم البعث وسُئل الناس: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم.
لكن جزعي وإشفاقي من أحاديث رمضان؛ فالكاتب حين يهمّ بإنشاء فصل يوجّه همَّه كله إليه ويضع فكره كله فيه، فإن كلّفتَه بكتابة فصلين معاً انشعب ذهنه وتَقسّم بينهما فكره، فلم يستقرّ على واحد منهما. وأنا أُكلَّف كل سنة بإعداد ثلاثين حديثاً
стр. 3081
معاً لأيام رمضان الثلاثين، وتسجيلها كلها في يومين أو ثلاثة. وإن تقاعست أو تردّدت سلّطوا عليّ مخرج البرنامج، ولدي عبدالله رَوّاس، فطوّقني وسدّ عليّ السبل بأدبه ولطفه، وأعانه ابن أخ له كاتب أديب وإذاعي ناجح، هو عصام الروّاس. لا ينفع معهما اعتذار ولا يمكن منهما الفرار! فلا أفرغ من تسجيلها حتى أشعر كأني خارج من معركة، أو كأن عربة صغيرة مرّت عجلاتُها على جسدي فحطّمت أضلاعي.
لذلك قررت وأعلنت أني إن مدّ الله في الأجل فلن أعود إليها في رمضان المقبل، ولو جاء مع الرواس وابن أخيه كل أصحاب الرؤوس جميعاً (١).
وأنا في هذا البلاء من أكثر من خمسين سنة؛ كنت أكتب في الجرائد، وتُرجم بعض ما أكتب وصدر في كتاب بالفارسية بقلم أديب بليغ اسمه أحمد آرام، وعنوان الكتاب «كفتار رمضان». ثم صرت أُذيع من إذاعة دمشق، ثم جاءنا هذا الرائي من نحو ثلاثين سنة فكان أشدّ علينا وأقسى، لأني كنت متوارياً لا أُرى، وربما قرأت من ورقة أو رجعت إلى مذكّرة، فصرت الآن كالذي يخرج إلى الشارع بلا ثياب، إن تحركت حركة أو سرقت من ورقة نظرة رأوها مني وسجّلوها عليّ!
ولقد أبصرت مرة في السينما من قديم في «جريدة الأخبار»، قبل أن يكون هذا الرائي، مناظر لامتحانات التلاميذ، فرأيت
стр. 3082
تلميذاً صغيراً في الابتدائية، نظر في ورقة جاره فأخذ بعينه منها ما نقله إلى ورقته، وحسب أنه لم يرَه أحد، فسجّلَتها عليه عين السينما، ثم عرضَتها في كل دار عرض فرآها الملايين، وافتُضح المسكين فضيحة ما كان يحسب حسبانها (١).
هذا في الدنيا بهذه الآلات التي وفّقَنا الله إليها، فكيف بالفضيحة الكبرى يوم العرض على الله، يوم يُنشَر المَطويّ من الصحف ويُعلَن المَخفيّ مما دُوّن فيها، وهي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصتها.
يا ربّ أيقظ قلوبنا لنتوب فتغفر لنا، فإني امرؤ قسا قلبه حتى لتمرّ به المواعظ فلا يتعظ ويمر هو بالعِبَر فلا يعتبر، وقد صرت على أبواب القبر، قد جاوزت الثمانين، فيا ربّ متى يستيقظ ضميري وينتبه إيماني فأعود إليك، ولا مفرّ من العودة إليك؟ ويا أحبائي القراء أسألكم الدعاء، فما لي عمل أُقبِل به على الله إلاّ رجائي بكرمه ثم بدعائكم لي -إن كنتم تحبونني- بظهر الغيب.
* * *
قلت لكم إنها شغلتني أحاديث رمضان. ولقد مرّ بي من نحو عشرة أعوام أو تزيد رمضان أعددتُ فيه تسعين حديثاً معاً: ثلاثون منها للرائي هنا وثلاثون للإذاعة وثلاثون للأردن. لذلك أسرع فيها حتى أفرغ منها، أسلقها سلقاً، فإذا سمعتها بعد ذلك
стр. 3083
مُذاعة قلت: ياأسفاه! ليتني قلت كذا، ليتني لم أقُل كذا، ليتني وسّعت ما ضيّقت وفصّلت ما أجملت!
وأخرى لا أقول إنها مصيبة، فليست مصائب حقيقية أجارنا الله من المصائب، هي أنني تعودت من سنين طوال أن لا أكتب أحاديثي ولا محاضراتي. وأنا كجميع من أدمن قراءة كتب الأدب العربي القديمة، لا سيما كتب الجاحظ، مُولَع بالاستطراد، ولعلّ من أسباب ذلك أنني أجد في ذهني بحمد الله الكثير وأنني أحب أن أقدّم للقارئ كل ما أجد في ذهني، فتجرّني المسألة إلى مسألة تشبهها أو تتصل بها، فلا أزال أبتعد عن الطريق الذي كنت أمشي فيه حتى أنتهي من هذه الأفكار العارضة، فأقف وأريد أن أعود إلى الموضوع الأصلي، إلى الجادة التي كنت أمشي فيها فلا أدري من أين خرجت عنها ولا كيف أعود إليها، فأقف كما وقف حمار الشيخ في العقبة، وأنظر فاتح الفم كالأبله أرقب النجدة ولا من منجد. وقد وقع لي ذلك مرات في أحاديث رمضان هذه السنة (على مائدة الإفطار)، وقد وقع لي قبل ذلك مرات.
كانوا يدعونني إلى المواسم الثقافية التي تُقام في الأردن، ولا سيما على عهد الدكتور إسحاق الفرحان، وهو مِن خير أو هو خير من ولي الوزارة من الإسلاميين، فيدورون بي على البلاد. وقد كنت مرة في جَرَش في حشد عظيم في رحبة واسعة صُفَّت فيها الكراسيّ واجتمع فيها الآلاف، فوقفت مثل هذه الوقفة، فقلت للناس: ماذا كنت أقول؟ أسألهم العون حتى أعود إليه، فما ردّ عليّ أحد، فقلت لهم: السلام عليكم. وأدرت ظهري لأنزل من فوق المنبر، فصاحوا من جوانب المكان يطلبون أن أعود،
стр. 3084
فقلت: إذا كنتم لا تنتبهون إليّ ولا تدركون ماذا أقول فما فائدة القول؟ فقام واحد منهم فذكّرني بما كنت أقول، فقلت له: جزاك الله خيراً، لقد أنقذتني وأنقذت المجلس فبارك الله فيك. فضحكوا جميعاً.
ومن هذه المتاعب أنني كنت أكتب الحلقة من هذه الذكريات وأنا لا أدري ماذا سأكتب بعدها، فإذا تصوّرت الذي أكتبه ودوّنت عنوانه أو سجّلت فقرات منه وضعتُها إلى جنبي، فإذا مرّت أيام جرفها السيل وضاعت فيه، في سيل الجرائد والمجلات التي تَرِد عليّ فيما يحمله البريد إليّ، وما أستخرجه من أوراقي ثم لا أردّه إلى موضعه، ثم أحتاج إليه فلا أعرف مكانه. ويطالبني ولدي الكريم السيد طاهر أبو بكر الذي يتلقى هذه الحلقات بالهاتف فيسجّلها ويطبعها، ثم يسلّمها إلى صهري الأستاذ محمد نادر حتاحت أو إلى حفيدي المهندس الأديب مجاهد ديرانية ليقرأها عليّ (١).
ولطالما تولّت بنتي (وهي محاضرة في جامعة عبد العزيز) وحفيدي هذا ترتيب أوراقي وكتبي مرات ومرات، واشتريا لي خزائن فيها نحو خمسين من الأدراج ووضعا على كل دُرْج منها عنواناً لما فيها، وخزائن أخرى في كل واحدة عشرون رفاً ضيقاً، لأضع في كل درج وعلى كل رفّ مجموعة من هذه الأوراق. واتخذ حفيدي مجاهد، ومن قبله أخوه الطبيب مؤمن، دفاترَ
стр. 3085
فيها فهارسُ مرتَّبةٌ على الحروف، حتى إذا طلبتُ ورقة وجدتها. فيستمرّ هذا النظام أياماً ثم تعود إلى ما كانت عليه، لأنه «لا يُصلِحُ العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ». ولأنهم قالوا من القديم:
متى يَبلُغُ البُنيانُ يوماً تَمامَهُ ... إذا كُنتَ تَبنيهِ وغيرُكَ يهدِمُ؟
* * *
كتبت هذا كله وشغلت به أذهانكم وأضعت به من أوقاتكم وما استفدتم منه شيئاً، لأقول إنه لا يزال لديّ من الذكريات التي لم أنشرها الكثير الكثير، ولكن ليس لديّ شيء مكتوب منها، لذلك أتصيّد المناسبات فأدخل منها إلى ما نسيت من هذه الذكريات.
ومن هذه المناسبات أن جماعة خبّروني عن إمام في بلد من بلدان المملكة لا أحبّ أن أدلّ عليه لئلاّ أفضح هذا الإمام الذي أتكلم عنه، كان يصلّي بهم صلاة التراويح فقرأ: «ألف لام ميم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك»، فصاح الناس من جوانب المسجد: «ألَمْ ألَمْ»، فلم ينتبه وكادت تفسد الصلاة. وعلمت -بعدُ- أن هذا الإمام شابّ طالب في الدراسات العليا في جامعة من الجامعات، وأنه يُعِدّ رسالة لينال بها شهادة الدكتوراة.
وأنا لا أذمّ الشهادات ولا أحقّر الدكتوراة، ولكنها كلما كثرت وانتشرت رخصت بعد عزّ وهَزُلت حتى سامها كل مفلس. ولكني لم أكن أتصور أنها تنزل إلى هذه الدركة الدنيا! وأنا أعلم أن من الدكاترة علماء نالوها بحقّ وكانت شهادة عدل لا شهادة