← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

معاً لأيام رمضان الثلاثين، وتسجيلها كلها في يومين أو ثلاثة. وإن تقاعست أو تردّدت سلّطوا عليّ مخرج البرنامج، ولدي عبدالله رَوّاس، فطوّقني وسدّ عليّ السبل بأدبه ولطفه، وأعانه ابن أخ له كاتب أديب وإذاعي ناجح، هو عصام الروّاس. لا ينفع معهما اعتذار ولا يمكن منهما الفرار! فلا أفرغ من تسجيلها حتى أشعر كأني خارج من معركة، أو كأن عربة صغيرة مرّت عجلاتُها على جسدي فحطّمت أضلاعي. لذلك قررت وأعلنت أني إن مدّ الله في الأجل فلن أعود إليها في رمضان المقبل، ولو جاء مع الرواس وابن أخيه كل أصحاب الرؤوس جميعاً (١). وأنا في هذا البلاء من أكثر من خمسين سنة؛ كنت أكتب في الجرائد، وتُرجم بعض ما أكتب وصدر في كتاب بالفارسية بقلم أديب بليغ اسمه أحمد آرام، وعنوان الكتاب «كفتار رمضان». ثم صرت أُذيع من إذاعة دمشق، ثم جاءنا هذا الرائي من نحو ثلاثين سنة فكان أشدّ علينا وأقسى، لأني كنت متوارياً لا أُرى، وربما قرأت من ورقة أو رجعت إلى مذكّرة، فصرت الآن كالذي يخرج إلى الشارع بلا ثياب، إن تحركت حركة أو سرقت من ورقة نظرة رأوها مني وسجّلوها عليّ! ولقد أبصرت مرة في السينما من قديم في «جريدة الأخبار»، قبل أن يكون هذا الرائي، مناظر لامتحانات التلاميذ، فرأيت

стр. 3082

تلميذاً صغيراً في الابتدائية، نظر في ورقة جاره فأخذ بعينه منها ما نقله إلى ورقته، وحسب أنه لم يرَه أحد، فسجّلَتها عليه عين السينما، ثم عرضَتها في كل دار عرض فرآها الملايين، وافتُضح المسكين فضيحة ما كان يحسب حسبانها (١). هذا في الدنيا بهذه الآلات التي وفّقَنا الله إليها، فكيف بالفضيحة الكبرى يوم العرض على الله، يوم يُنشَر المَطويّ من الصحف ويُعلَن المَخفيّ مما دُوّن فيها، وهي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصتها. يا ربّ أيقظ قلوبنا لنتوب فتغفر لنا، فإني امرؤ قسا قلبه حتى لتمرّ به المواعظ فلا يتعظ ويمر هو بالعِبَر فلا يعتبر، وقد صرت على أبواب القبر، قد جاوزت الثمانين، فيا ربّ متى يستيقظ ضميري وينتبه إيماني فأعود إليك، ولا مفرّ من العودة إليك؟ ويا أحبائي القراء أسألكم الدعاء، فما لي عمل أُقبِل به على الله إلاّ رجائي بكرمه ثم بدعائكم لي -إن كنتم تحبونني- بظهر الغيب. * * * قلت لكم إنها شغلتني أحاديث رمضان. ولقد مرّ بي من نحو عشرة أعوام أو تزيد رمضان أعددتُ فيه تسعين حديثاً معاً: ثلاثون منها للرائي هنا وثلاثون للإذاعة وثلاثون للأردن. لذلك أسرع فيها حتى أفرغ منها، أسلقها سلقاً، فإذا سمعتها بعد ذلك

стр. 3083

مُذاعة قلت: ياأسفاه! ليتني قلت كذا، ليتني لم أقُل كذا، ليتني وسّعت ما ضيّقت وفصّلت ما أجملت! وأخرى لا أقول إنها مصيبة، فليست مصائب حقيقية أجارنا الله من المصائب، هي أنني تعودت من سنين طوال أن لا أكتب أحاديثي ولا محاضراتي. وأنا كجميع من أدمن قراءة كتب الأدب العربي القديمة، لا سيما كتب الجاحظ، مُولَع بالاستطراد، ولعلّ من أسباب ذلك أنني أجد في ذهني بحمد الله الكثير وأنني أحب أن أقدّم للقارئ كل ما أجد في ذهني، فتجرّني المسألة إلى مسألة تشبهها أو تتصل بها، فلا أزال أبتعد عن الطريق الذي كنت أمشي فيه حتى أنتهي من هذه الأفكار العارضة، فأقف وأريد أن أعود إلى الموضوع الأصلي، إلى الجادة التي كنت أمشي فيها فلا أدري من أين خرجت عنها ولا كيف أعود إليها، فأقف كما وقف حمار الشيخ في العقبة، وأنظر فاتح الفم كالأبله أرقب النجدة ولا من منجد. وقد وقع لي ذلك مرات في أحاديث رمضان هذه السنة (على مائدة الإفطار)، وقد وقع لي قبل ذلك مرات. كانوا يدعونني إلى المواسم الثقافية التي تُقام في الأردن، ولا سيما على عهد الدكتور إسحاق الفرحان، وهو مِن خير أو هو خير من ولي الوزارة من الإسلاميين، فيدورون بي على البلاد. وقد كنت مرة في جَرَش في حشد عظيم في رحبة واسعة صُفَّت فيها الكراسيّ واجتمع فيها الآلاف، فوقفت مثل هذه الوقفة، فقلت للناس: ماذا كنت أقول؟ أسألهم العون حتى أعود إليه، فما ردّ عليّ أحد، فقلت لهم: السلام عليكم. وأدرت ظهري لأنزل من فوق المنبر، فصاحوا من جوانب المكان يطلبون أن أعود،

стр. 3084

فقلت: إذا كنتم لا تنتبهون إليّ ولا تدركون ماذا أقول فما فائدة القول؟ فقام واحد منهم فذكّرني بما كنت أقول، فقلت له: جزاك الله خيراً، لقد أنقذتني وأنقذت المجلس فبارك الله فيك. فضحكوا جميعاً. ومن هذه المتاعب أنني كنت أكتب الحلقة من هذه الذكريات وأنا لا أدري ماذا سأكتب بعدها، فإذا تصوّرت الذي أكتبه ودوّنت عنوانه أو سجّلت فقرات منه وضعتُها إلى جنبي، فإذا مرّت أيام جرفها السيل وضاعت فيه، في سيل الجرائد والمجلات التي تَرِد عليّ فيما يحمله البريد إليّ، وما أستخرجه من أوراقي ثم لا أردّه إلى موضعه، ثم أحتاج إليه فلا أعرف مكانه. ويطالبني ولدي الكريم السيد طاهر أبو بكر الذي يتلقى هذه الحلقات بالهاتف فيسجّلها ويطبعها، ثم يسلّمها إلى صهري الأستاذ محمد نادر حتاحت أو إلى حفيدي المهندس الأديب مجاهد ديرانية ليقرأها عليّ (١). ولطالما تولّت بنتي (وهي محاضرة في جامعة عبد العزيز) وحفيدي هذا ترتيب أوراقي وكتبي مرات ومرات، واشتريا لي خزائن فيها نحو خمسين من الأدراج ووضعا على كل دُرْج منها عنواناً لما فيها، وخزائن أخرى في كل واحدة عشرون رفاً ضيقاً، لأضع في كل درج وعلى كل رفّ مجموعة من هذه الأوراق. واتخذ حفيدي مجاهد، ومن قبله أخوه الطبيب مؤمن، دفاترَ

стр. 3085

فيها فهارسُ مرتَّبةٌ على الحروف، حتى إذا طلبتُ ورقة وجدتها. فيستمرّ هذا النظام أياماً ثم تعود إلى ما كانت عليه، لأنه «لا يُصلِحُ العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ». ولأنهم قالوا من القديم: متى يَبلُغُ البُنيانُ يوماً تَمامَهُ ... إذا كُنتَ تَبنيهِ وغيرُكَ يهدِمُ؟ * * * كتبت هذا كله وشغلت به أذهانكم وأضعت به من أوقاتكم وما استفدتم منه شيئاً، لأقول إنه لا يزال لديّ من الذكريات التي لم أنشرها الكثير الكثير، ولكن ليس لديّ شيء مكتوب منها، لذلك أتصيّد المناسبات فأدخل منها إلى ما نسيت من هذه الذكريات. ومن هذه المناسبات أن جماعة خبّروني عن إمام في بلد من بلدان المملكة لا أحبّ أن أدلّ عليه لئلاّ أفضح هذا الإمام الذي أتكلم عنه، كان يصلّي بهم صلاة التراويح فقرأ: «ألف لام ميم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك»، فصاح الناس من جوانب المسجد: «ألَمْ ألَمْ»، فلم ينتبه وكادت تفسد الصلاة. وعلمت -بعدُ- أن هذا الإمام شابّ طالب في الدراسات العليا في جامعة من الجامعات، وأنه يُعِدّ رسالة لينال بها شهادة الدكتوراة. وأنا لا أذمّ الشهادات ولا أحقّر الدكتوراة، ولكنها كلما كثرت وانتشرت رخصت بعد عزّ وهَزُلت حتى سامها كل مفلس. ولكني لم أكن أتصور أنها تنزل إلى هذه الدركة الدنيا! وأنا أعلم أن من الدكاترة علماء نالوها بحقّ وكانت شهادة عدل لا شهادة

стр. 3086

زور، ومنهم من نالها ببعض الباطل، أعدّ بحثاً عن شاعر مثلاً، فألمّ بجوانب حياته ودرَس شعره وجمع أخباره وأورد ما قيل فيه وما قاله، ولكنه لم يعرف من شعراء عصره غيره، بل هو لا يستطيع أن يُقيم لسانه بأبيات له، وإن هو قرأها لم يفهمها، وإن هو فهمها لم يقدر أن يشرحها! ولقد رأيت مسوَّدات رسائل ماجستير ودكتوراة نالت بعد ذلك الدرجة العالية، فكنت أجد فيها من الغلط والخبط والأخطاء والجهالات ما لا أرتضيه من طالب المدرسة المتوسطة. ولقد رأيت من حرص الدول على الشهادات واعتبارها وحدَها مقياس العلم عجائب وغرائب، حتى إنني كنت أُسأل هذا السؤال الرسمي وأنا أدرّس في الجامعة هنا، السؤال الذي يقول: ما هي مؤهّلاتك؟ فكنت أتهرب منه لأنني إن اكتفيت بما قرأته في الجامعة وفي المدارس قبلها أظلم نفسي، فالذي قرأته فيها لا يبلغ واحداً من ألف مما قرأته بعدها. ثم إن عملي في حياتي الذي انقطعت إليه واشتغلت به وكتبت فيه هو الأدب وعلوم الدين، وليس عندي مؤهّل رسمي في واحد منهما. ولمّا ذهبنا لوضع نظام الدراسات العليا يوم دعا إليها وعمل على إنشائها أخونا الدكتور محمد أمين المصري، وحقّق له ما يريد حتى افتتح أول قسم للدراسات العليا في مكة معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، ﵀ ورحم المصري وجزاهما خيراً. كنا جماعة، فرجعوا إلى أعمالهم وبقيتُ هناك أجادل أطلب أن لا تكون الشهادة وحدها هي مقياس الأستاذية في الجامعة. وكان مما قلته لهم: خبّروني عن الذي حمل أول شهادة دكتوراة

стр. 3087

في الدنيا، مَن الذي منحه إياها؟ إن قلت إنه دكتور دخلنا في متاهات الدور والتسلسل الذي لا يوصل إلى غاية، وإن اعترفتم بأن الذي منح أول دكتوراة كان لا يحملها (وهذا هو الواقع) أقررتم معي بأن الشهادة ليست وحدها مقياس العلم. وكان مما قلت لمعالي الشيخ حسن رحمة الله عليه: خبّرني ياسيدي، لو بعث الله جدّك الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو الإمام أحمد بن حنبل، هل كنت تستطيع أن تعيّن واحداً منهما معلّماً في مدرسة ابتدائية وأنت لا تعترف بمقياس إلاّ مقياس الشهادة وحدها؟ وأنا أعرف سيدة تدرّس من سنوات طوال في جامعة من جامعات المملكة، درّسَت النحو والصرف ودرّست البلاغة ودرّست الثقافة الإسلامية وأصول النقد ودرّست الأدب العباسي والأندلسي، وكانت في ذلك كله بشهادة الجميع من أنجح المدرّسات، تحمل شهادة الماجستير وهي تحاول من سنوات أن تُقبَل في امتحان الدكتوراة، وطرقَت أبواب جامعات المملكة كلها فلم تُقبَل فيها. كأن تدريسها هذه المواد طوال هذه السنين لا يعدل الدراسة المطلوبة سنة أو سنتين! هذا مثال على التقيّد الكامل بنظام الشهادات. ثم إنه جاءنا الآن مقياس آخر أبعد من العقل وإن كان أقربَ إلى الدقّة، وهو الكمبيوتر (١). عرضوا مرة على الكمبيوتر ساعتين اثنتين، إحداهما واقفة لا تمشي أبداً والثانية تؤخّر دقيقة واحدة،

стр. 3088

فكان جواب المحساب أن الواقفة التي لا تمشي أبداً أضبط من التي تؤخّر دقيقة! لا تعجبوا، فالواقفة تُعطي -كما قال الكمبيوتر- الوقتَ المضبوط مرتين كل أربع وعشرين ساعة، والثانية لا تُعطي الرقمَ المضبوط إلاّ كل سبعمئة وستة وثمانين ألفاً ومئتين وثلاث وأربعين سنة ... أو غير ذلك فاحسبوها. * * * على أنه ليس يعنيني من هذا الكلام كله إلاّ هذا الضعف الذي نراه في اللغة العربية، حتى حاق الخطر بها وكاد الناشئون يبتعدون عنها ويجهلونها. ولقد كتبت في العدد الذي صدر يوم ٣٠ شوّال سنة ١٣٦٦هـ (١٩٤٧م) من مجلة «الرسالة» مقالة مضى عليها الآن إحدى وأربعون سنة ولكنها لا تزال تصوّر حقيقة قائمة، فاسمحوا لي أن أسرقها من كاتبها وأن أُثبِتها هنا، وأحسب أن كاتبها يأذن لي بأن أنقلها. كان عنوان المقالة «مستقبل الأدب» (١)، قلت فيها: تزدحم المساجد قُبَيل الامتحان في مصر بجماعات الطلاب، يتحلّقون فيها حِلَقاً يطالعون ويقرؤون. وقد مررت بحلقة فيها نفر فهمت من كلامهم أنهم من طلبة العربية والأدب في المدارس العالية، فقعدت قريباً منهم أستمع إليهم، وكان واحدٌ منهم يقرأ في كتاب، فما رأيته سلِمَت له خمسة أسطر متتابعات، وما مرّ على خمسة أسطر إلاّ رفع فيها منخفضاً وخفض مرتفعاً وحرّف

стр. 3089

الكَلِم عن مواضعها وأزالها عن منازلها، ولم يدع لغوياً ولا نحوياً ولا عالِماً بالعربية من لَدُن أبي عمرو بأول الدهر إلى الأشموني في آخره، إلاّ نبش قبره وبعثر عظمه وشتم -بجهله- أباه وأمه! أمّا الطلاب الحاضرون فكان منهم من يتنبّه للّحنة الظاهرة فيردّه عنها ويغفل عن الخفيّة، وسائرهم (أي باقيهم) يغفل عن ظاهرها وخفيّها. فضاق صدري حتى خفت أن يتفجّر بغَضْبَة للعربية لا أدري ما عاقبتها، فحملت نعلَيّ وخرجت هارباً أسعى. وذهبت فسألت إخواني من المدرّسين، فعلمت أن هذا القارئ ليس بدعاً في الطلاب وليس المتفرّد في هذه العبقرية في الجهل وهذا النبوغ فيه، وإنما هي النموذج الصادق لأكثر طلاب المدارس في مثل هذه الأيام. واجتمعتُ بعد ذلك بكثير من طلاب المدارس العالية، فما كدت أجد في أكثرهم من يشبه أو يداني أصحابَنا يوم كنا في أوائل الدراسة الثانوية. لا أقول هذا فخراً بأصحابنا، ولكن تَذْكِرة لهؤلاء وحثّاً لهم على الجِدّ في طلب العلم وبياناً لِما هبطوا إليه وما رضوه لأنفسهم من ترك العلم اعتماداً على شهادات ينالونها، أي كراسيّ في المستقبل يركبونها أو وظائف (أي رواتب) يقبضونها، حتى صارت الشكوى من الضعف في العربية عامة في مصر والشام والعراق وكل بلد عربي، وحتى صار من أبواب التسلية للأدباء أن يفكّروا في تيسير تعلُّم العربية بقلب قواعدها وتنكيس أوضاعها وابتداع البِدَع في نحوها وصرفها، أو بهدم بنيانها وصرم نظامها بتسكين أواخر كلماتها وترك إعرابها، أو بنسفها من أساسها وقلعها من جذورها واستعمال الحروف اللاتينية أولاً والكلمات العامية ثانياً، وما

стр. 3090

لا يعرفه إلاّ الله ثالثاً ورابعاً. وما إلى شيء من ذلك حاجة ولا له فائدة، وما باللّغة تعسير حتى نبتغي لها أوجه التيسير (١)، ولكنْ في العزائم خَوَر وفي الهمم ضعف وفي الشباب انصراف عن العلم. هذه هي الحقيقة، وإلاّ فهل صَلُحَت العربية برسمها، أي بكتابتها وخطّها وعلومها، هذه القرون الأربعة عشر، وصبرَت على حكم التُّرك أولاً، ثم الفرس، ثم المغول، ثم الأتراك أخيراً، ورأت عصور الانحطاط وعهود التخلّف، وكانت في كل ذلك طاهرة ظاهرة، حتى لم يخلُ عصرٌ من مؤلّفين في النحو والصرف والبلاغة والأدب، وحتى أُلِّف «القاموس» أشهر معاجمنا في عهد العثمانيين وأُلّف شرحه الجليل بعد الألف للهجرة (٢)، وحتى كان الطلبة في الدهور كلها عاكفين على النحو والصرف والبلاغة، إن لم ينالوا ثمرتها فقد حفظوا قواعدها، وإن لم يحصّلوا سليقة العرب فقد أحاطوا بعلوم الأدب ... هل صَلُحَت العربية في هذه القرون وبدا الآن فسادها؟ وهل استسهلها الفرس والروم والأتراك والهنود المسلمون (والإسلام لا يفضّل عربياً في ذاته على غير العربي، ولكن الكلام في اللغة) هل استسهلها هؤلاء كلهم حتى ظهر منهم علماء أجلاّء فيها، ولم تصعب إلاّ على أبناء العرب

стр. 3091

الأقحاح بعدما طلع فجر النهضة وبدا نور النهار؟ وما لشبابنا وحدهم -دون شباب العرب في كل العصور- هم الذين عجزوا عن تعلّمها والتمكّن منها؟ أهُم أقلّ ذكاء وأضعف عقلاً منهم جميعاً، بل ومنا لمّا كنا في مثل أسنانهم قبل عشرين سنة؟ إنهم في الحقيقة أذكى منا، ووسائل التعليم في هذه الأيام أكثر مما كانت على أيامنا وطريقته أسهل، ورُبّ بحث كنا نتصيد مسائله من متفرقات الكتب يُرى الآن مجموعاً في كتاب واحد ينادي: مَن يقرأ فيّ؟! وما لهم يستصعبون العربية؟ وهل العربية أصعب عليهم من الكيمياء والجبر والهندسة؟ وهذه الألسن التي يَزحم بعضُها في رأس الطالب بعضاً من تعدُّدها، وما لأكثرها من فائدة تُلمَس أو عائدة تُحَسّ: اللاتينية (كتبتُ المقالة ونشرتها في مصر) التي أخذناها تقليداً بلا علم، والسريانية والعبرية والفارسية والتركية، ثم الفرنسية والإنكليزية وما لست أدري ماذا أيضاً ... أهذه العلوم وهذه الألسن كلها سهل جميل، كأنها قصة من قصص الغرام يشربها الطالب مع الماء ويأكلها مع الحلوى، والصعوبة كلها في العربية؟! وإذا كانت هذه العلوم وهذه الألسن صعبة كلها فما هو السهل الذي يذهب الطالب إلى المدرسة ليتعلمه؟ ولماذا نفتح المدارس ونُرهِق الأمة بنفقاتها، ونحمل المتخرجين فيها على أعناق الناس حملاً بما حصّلوا من العلم وما نالوا من الشهادة؟ لا، ليس في العربية صعوبة ولا في كتابتها وعلومها عسر، هذه ضلالة يجب أن ينتهي حديثها وأن لا نعود إلى إضاعة الوقت وإفساد النشء في الكلام فيها، ويجب أن نحبّبها إلى الطلاب

стр. 3092

ونرغّبهم في مطالعة كتبها حتى يألفوها ويسهل عليهم فهمها. ولقد كنا في المدارس الابتدائية نقرأ الكتب الكبيرة، حتى إنني قرأت كتاب الأغاني كله (متخطياً إسناده والكثير الذي لا أفهمه منه) في عطلة الصيف التي أمضيتها بعد السنة الثانوية الأولى. وكنا يومئذ نُحسِن المراجعة في حاشية الخضري وفي المغني لابن هشام، وكان فينا من يَنْظم ويكتب، وعندي مقالات كتبتها في تلك الأيام قد لا تُرضيني أفكارها ولكن أسلوبها في الجملة يُرضيني اليوم. وكنا نختلف إلى بعض العلماء، نسمع دروسهم العامة في المساجد ودروسهم الخاصة في البيوت، فما أكملنا الدراسة الثانوية حتى أتقنّا قراءة النحو على المشايخ وقراءة البلاغة والفقه والأصول والحديث، وحضرنا كتباً في التفسير والكلام، وعرفنا عشرات من أمّات كتب العلم وقرأنا فيها وتصفّحناها أو رجعنا إليها، وحفظنا أسماء مئات (مئات حقاً) من أعلام الإسلام من الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدّثين والمفسّرين والفلاسفة والقُوّاد والأدباء والشعراء، حتى صارت أسناد الحديث والأدب مألوفة لنا لكثرة مَن عرفنا من رجالها، ومن لا نعرفه نرجع إلى ترجمته، وكنا في الثانوية نرجع إلى الإصابة وأسد الغابة والاستيعاب وتهذيب التهذيب وتهذيب الأسماء واللغات وابن خَلِّكان والفَوَات (فَوَات الوَفَيات) ومعجم الأدباء وطبقات السّبكي وتاريخ الخطيب وابن عساكر والديباج المُذهَّب وطبقات الحنفية وبغية الوعاة وتاريخ الخلفاء وابن أبي أُصَيْبعة ... وكانت هذه الكتب كلها وأخرى مثلها في مكتبة أبي، وكانت تحت يدي من تلك الأيام.

стр. 3093

وقد نبغ في صفّنا (أي فصلنا) جماعة من الأعلام، كسعيد الأفغاني وجميل سلطان وأنور العطّار وزكي المحاسني وعبدالكريم الكَرْمي ووجيه السمّان وجمال الفَرّا، وما كانت تمرّ سنة لا ينبغ فيها نابغون في الأدب والعلم، وممن نبغ في صفّنا في كلية الحقوق مصطفى الزرقا ويونس السّبْعاوي وصِدّيق شَنْشَل وعادل العَلْواني، وممن كان في الصف الذي بعده معروف الدّواليبي. (لم ينته الكلام والبقية في الحلقة الآتية إن شاء الله). * * *

стр. 3094

-٢٣٩ - لغتكم يا أيها العرب (٢) ولست أستطيع الآن -بعد أربع وخمسين سنة من إكمالي الدراسة في الجامعة- أن أعدّ من نبغ من رفاقنا من الذين قامت نهضتنا في هذا القرن على أكتافهم وصنعتها أيديهم، كان أكثرهم من أصحابنا، ممن كان معنا أو سبقنا قليلاً أو تأخّر عنا قليلاً. كان منهم أكثر رجال السياسة وأرباب الحكم وأعلام الأدب والعلم وأقطاب التربية والتعليم؛ ذلك أننا كنا في صباح نهار جديد طال علينا الليل قبله، واستمرّ قرناً أو قرنين قضيناهما نائمين متخلّفين عن ركب الحضارة بعيدين عن كل جديد، في الفنّ أو في الفكر. ومَن طلع عليه الصباح بعد الليل الطويل والنوم العميق يقوم كأنه نشط من عقال، فهو ممتلئ قوة وتوثُّباً، وكذلك كنا. كنا نستبق العمل، كل في المجال الذي يستطيع أن يمشي فيه والعمل الذي يقدّر أنه يؤدّيه، وكان إقبالنا أكثره على اللغة، نعود إليها بعدما ابتعدنا عنها، نقبل ما ورثنا من روائعها ونصوصها ونجمع فُصُحَها وشواردها، نتصيّدها ونمسك بها، فعرفنا الأدب القوي العبقري بعدما غبرنا دهراً على مثل أدب ابن الوردي:

стр. 3095

اعتزِلْ ذِكْرَ الأغاني والغَزَلْ ... وقُلِ الفَصْلَ وجانِبْ مَنْ هَزَلْ وأقبلنا على أصول كتب الأدب بعد أن كان عكوفنا على المستطرَف وعلى الكشكول وعلى المِخلاة وعلى كتب ما ندعوه الآن -اصطلاحاً- بعصر الانحطاط، وما كنا نحسب أنه هو غاية الأدب التي لا نعرف أبعد منها وذروته التي نحاول أن نعلوها ونظن أنه لا يُعلى عليها، وكانت مقامات الحريري وبديع الزمان وهذا الأدب المصنوع من اللفظ المسجوع أبعدَ ما كنا نتمنى. ولقد خبّرني بشارة الخوري، الشاعر الذي لقّب نفسه (لنصرانيّته) بالأخطل الصغير، خبّرني أنه جاوز العشرين ولم يقرأ شيئاً لأبيتمام ولا للبحتري ولا لابن الرومي. وقد نشأنا نحن في أوائل هذه النهضة، فكانت حياتنا حياة جِدّ وإقبال على القراءة وتصيُّد لكتب الأدب، نقضي في ذلك فضل وقتنا كله. والطبقةُ التي كانت قبلنا وشهدَت مولد هذه النهضة كانت أكثر منا جداً وحفاظاً على الوقت وإقبالاً على الدرس، سمعتُ تفصيل ذلك من أستاذنا محمد كرد علي ومن خالي الأستاذ محب الدين الخطيب ومن الأمير شكيب أرسلان، وممن كُتب لي أن ألقاه أو أن أستفيد منه من رجال هذه الطبقة. وكنا نحن أكثر إقبالاً على المطالعة وعلى الصبر عليها وعلى العكوف على أمّات كتب الأدب من الطبقة التي جاءت بعدنا، وما زال النقص مستمراً والهبوط متتالياً حتى وصلنا إلى ما نراه الآن. ولمّا كنت أدرّس الطلاب في المدارس الثانوية في عقد الثلاثينيات من هذا القرن كانت قد ظهرت الرسالة والثقافة

стр. 3096

والكاتب المصري، ومن قبلهما السياسة الأسبوعية، وقبل ذلك كانت الهلال والمقتطَف والزهراء والمنار، وكان في ذلك كله مقالات، لا أنظر إليها الآن بنظرة الدين فأبيّن معروفها من منكَرها ولا صالحها من فاسدها (على معرفتي بالتفريق بين النوعين) ولكن كلامي من جهة البلاغة أقيس بمقياس الأدب، فكان الطلاب يجدون في هذه المجلات مقالات بليغة تصلح أن يحذوا حذوها وأن ينسجوا على منوالها وأن يقتدوا بأصحابها، في التعبير لا في التفكير. وكانوا يختارون للطلاب في كتب المحفوظات روائع الشعر والنثر مما يجمع القول البليغ من الأدب المصفّى، يتخيّرونه لهم من الشعر ومن النثر، ليبقى لهم زاداً في البيان يحملونه ليتزودوا به طول العمر. فهبطنا حتى جاءتني مرة في الشام -من أكثر من خمس وعشرين سنة- حفيدة لي بكتاب المحفوظات الذي فرضته وزارة المعارف عليها لأشرح لها بعض ما فيه، فإذا فيه شيء قال الكتاب إنه قصيدة شعر، فما قرأته حتى غثَت منه نفسي واختلّ مزاجي، وانقلب وجهي حتى أصاب البنتَ الرعبُ مني، وبدا لها كأني أكلت ليمونة بقشرها وشربت بعدها كوباً من زيت الخَرْوَع. على أن ذلك -لو أُكرهتُ عليه- أهون من قراءة هذا الذي سمّوه قصيدة شعر! أهون من قراءته فضلاً عن فهمه وشرحه وبيان مقاصد قائله، وما له معنى يُفهَم وما لقائله مقصد يُدرَك؛ إن هو إلاّ رجل أراد أن يكون شاعراً، وما أرادت له ذلك مواهبه ولا محفوظاته من الشعر الجيّد، ولم يستطع أن يصعد إلى حيث الشعر في شرفات القصر فجرّب أن ينزل بالشعر إلى حيث يقف هو في قعر البئر.

стр. 3097

أفهذا وأمثاله ما تريدون أن تربّوا به البلاغة في نفوس أبنائكم وتضعوا الفصاحة على أسلات أقلامهم وأطراف ألسنتهم؟ على أنني لم أكن أرتضي كل ما كان في كتب المحفوظات قديماً، ولا أحبّذ أن يُختار للطلاب مما كتب أمثال الصاحب ولا ابن العميد ولا القاضي الفاضل ولا تلك الخطب وهاتيك الرسائل، بل أريد أن نختار لهم الأدب السهل الممتنع البليغ السائغ، الذي يصلح لهذا العصر كما صلح للعصور التي مرّت من قبل؛ من مثل: قصة الإفك التي روتها بلسانها أم المؤمنين عائشة، وقصة كعببن مالك لمّا تخلّف عن غزوة تبوك، وقصة عمر لمّا جاء شريكه يخبره بما شاع في المدينة من أن الرسول ﵊ طلّق نساءه، وأمثال ذلك من النصوص التي نجدها في السيرة وتاريخ الطبري وفي الأغاني، وفي توقيعات الخلفاء والأمراء. وخير من ذلك أن نختار لهم الأحاديث الطويلة التي رُويَت باللفظ لا بالمعنى، وأفضل منها آيات القرآن. نبدأ بالسور القِصار نعلّمها للصغار، لا ليفهموها بل ليقرؤوا بها في صلاتهم، فلا يستطيع الصغار أن يفهموها لأن «جزء عمَّ» يصعب فهمه واستيعاب معانيه ومراميه. ولكن نختار لهم من كتاب الله أمثال قصة نوح وابنه، وإبراهيم وأبيه، وموسى وفرعون والسحرة، وقصة موسى وبنتَي شُعَيب، وقصة موسى والعبد الصالح (الخضر)، وقصة ذي القرنين، وفي القرآن من أمثال هذا كثير جداً يستطيع أن يفهمه التلاميذ بأيسر شرح وأن يحفظوه، وأن يكون ذخراً لهم في البلاغة. وهل أبلغ من كلام ربّ العالَمين؟ * * *

стр. 3098

ولقد كتبت من القديم، من عشرات السنين، أقترح أن نبدأ بتدريس الأدب من عصرنا الذي نعيش فيه ثم نعود إلى ما مضى، فيكون آخر ما يقرؤه الطلاب ويكلَّفون بحفظه المعلقات وشعر الجاهلية، لا أن نبدأ بها على بُعد موضوعاتها عنا وعلوّ أسلوبها عن أفهامنا. إلاّ القرآن فإنه لكل زمان. ونستطيع أن نختار من أدب العصر الكثيرَ الجيّد. ولقد كنت كتبت من أكثر من ثلث قرن مقالة عنوانها «ماذا يُراد بالأزهر؟» (١) أردّ بها على الدكتور طه حسين لمّا اقترح (أو كاد) إلغاء الأزهر، وكان فيما قلت عنه أن أسلوبه فيه كثير من التكرار المملّ. ثم قرأت له كتاباً سمّاه ناشره «مذكّرات طه حسين»، ولعلّه تتمّة الجزء الأول من كتاب «الأيام»، فوجدت فيه -أشهد بالحق- أسلوباً بلغ الغاية في القوة، وأجمل ما فيه الجملة القرآنية فهو يُكثِر منها. فلو أردت أن أرشد الطلاب إلى كتاب من كتبه لأرشدتهم إلى هذا الكتاب ونبّهتهم إلى ما فيه ممّا لا يُسيغه القارئ المسلم. وإلى بعض ما كتب البِشْري والزيّات والرافعي والعقّاد والمازني وزكي مبارك، ولكل من هؤلاء أسلوب ولا تخرج هذه الأساليب كلها عن حدّ الجودة. ولعلّ من أنفعها للطلاب كتاب «فيض الخاطر» لأحمد أمين، وإذا لم يكن لهم بُدّ من أن يحذوا حذْوَ كاتب من الكتّاب فليأخذوا أحمد أمين، لأنه يعمد إلى مشهد من مشاهد الحياة رآه أو فكرة من الأفكار قرأها أو سمعها، فيذكر ما يتصل بها وما يتفرع عنها، ويمشي يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الطريق

стр. 3099

الذي بدأ منه، واتباع هذه الطريقة سهل على الطلاب. وقد وجدت خلال تدريسي الطويل (وأنا -كما قلت لكم قبل الآن- أعلّم من نحو ستين سنة، بدأت التعليم قبل أن أكمل التعلّم، وكنت أدرّس الإنشاء الذي صاروا يدعونه الآن فنّ التعبير، وقد نشأ ممن كنت أدرّبهم وأعلّمهم جماعة من الأعلام)، وجدت أن الطلاب يحبّون دائماً أن يأتوا بالغرائب، وقلما كانوا يبدؤون الموضوع وهم على الأرض ولكن ينزلون إليه من فوق، فيبدؤون فصولهم غالباً بمثل "أشرقت الغزالة بأشعتها الذهبية" ... فكنت أقول لهم: ياأولادي، دعوا الشمس وأشعتها وابدؤوا من الأرض التي تقفون عليها. فكانوا يسألونني: كيف ندخل في الموضوع؟ فكنت أضحك وأقول: ادخلوا كما تدخلون البيوت، اقرعوا الباب، فإذا فُتح لكم فضعوا على عتباته أرجلَكم ثم ادخلوه بأجسامكم؛ قولوا رأساً الذي تريدون أن تقولوه، دعوا المقدّمات الطويلة والدهاليز الممتدة، فإنها قد تُضِلّكم عن المقصد وتُدخِل الملل على نفوس القارئين فلا يقرؤون لكم. كنت أجد في تلك المجلات من المقالات ما يُنير للطلاب السبيل ويأخذ بأيديهم إلى الغاية، فصرنا اليوم ... هل أستطيع أن أتكلّم بحرية؟ هل أستطيع أن أقول ما الذي صرنا إليه؟ هل أقدر أن أضرب المثل بما يجري في بعض الصحف والمجلات؟ أمثّل بصفحة الأدب في «المجلة» فهي أخت هذه الجريدة (١)،

стр. 3100

وما يختاره أو يكتبه مَن يسمّى بلند الحيدري. ولو شمّ رائحة البلاغة لبدّل اسمه. بلند؟ وما بلند، وما هو من أسماء العرب ولا العجم ولا الإنس ولا الجن، ولا أعرف له معنى! أنا أعرف البَلَنْط، وما في هذه الصفحة من «المجلة» كله بَلَنْط في بلنط! (١) وأنا ما أريد أن أسيء لأحد ولا أن أسمّع به، إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت، ما بي عداوته، وكيف أعاديه وأنا لم أشرف بمعرفته ولم أحظَ بلقائه؟ وسّعوا صدوركم واذكروا أن لكلمة «الشعر» معنى محدداً استقرّ في أذهان أهل العربية من عهد الأفْوَه الأَوْدي (الذي كان كما قالوا على عهد سيدنا المسيح بن مريم عبد الله ورسوله ‘)، فهل تظنّون أنكم تستطيعون بمئة مقولة غير معقولة كهذه التي سمّيتموها قصيدة أن تمحوا من نفوس الناس معنى للشعر بقي فيها أكثر من ألف وسبعمئة سنة؟ إني أكرّم عقولكم، وأنتم لا شكّ من أصحاب العقول، عن أن أظنّ بها هذا الظنّ، وإني لأحسب أنكم لا تنشرون هذا الكلام الذي يُشبِه كلام المريض حينما يصحو من البنج بعد العملية، أو المخمور الذي تتقاذفه الجدران أو الذي أدمن المخدرات! أنا أعلم أنكم لا تنشرونه إلاّ من باب الطرفة والنكتة. ولا ضير في هذا، فمن حقّ الناس علينا أن نسرّهم وأن نُضحِكهم، فالدنيا مليئة بالهموم والأحزان فلِمَ لا نسلّيهم عنها؟ فالتسلية مطلوبة ولكن لا على حساب البلاغة والأدب ولا على حساب الدين.

стр. 3101

والإضحاك فنّ من الفنون، فأنا أجد في كثير من هذا الأدب الجديد نوعاً من مسرحيات إسماعيل ياسين أو عادل إمام، أو الإمام الآخر الذي يُضحك بثقل دمه ومحاولته أن يكون باحثاً عالِماً يُنشئ الفصول الطوال، يريد بها الجِدّ فلا يأتي منه إلاّ رواية مضحكة، لكنها تُضحِك بسخافتها لا بخفّتها ولطافتها، ويَذهب به الغرور حتى ليحسب أنه صار إمام الوطن العربي! (١) إني أتابع قراءة «المجلة»، فهل تصدّقون أني لم أجد إلى الآن في قسم الأدب شيئاً يمكن أن يُقال له «أدب»، إلاّ شيئاً قليلاً يأتي بين حين وحين. فهل مات البُلَغاء ولم يبقَ ممّن يُنشر له ما يَكتب إلاّ هؤلاء الذين تُنشر مقالاتهم و «أشعارهم»؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم إن كنت أسأت فيه إلى أحد، وما أظن أنهم ينشرونه، فإن نشروه كان ذلك دليلاً ظاهراً على أن مؤسسة آل حافظ الصحفية مؤسسة تقدّر الحرّية، حرّيتي أنا في أن أقول، وقد قلت، وحرّية من شاء أن يقول عني ما يشاء. وأنا أُعلِن من الآن أني لن أردّ إلاّ على واحد من اثنين: رجل له منزلة في الأدب وكلمة مسموعة في الناس لا يَحسُن الإعراض عن قول مثله، ورجل جاء بقولة لا يَحسُن السكوت عنها لأن فيها فكرة يوجب الدين إنكارها أو تلزم مصلحة الناس أو منطق العقل ردّها، وما عداها فليقُل فيه من أراد أن يأمن ردّي عليه ما يريد. دفعني إلى ما قلت الألمُ ممّا آلت إليه حالنا والخشيةُ مما هو أشدّ منه؛ ففي المجلات ما يجمع إلى إهمال العربية محاربةَ

стр. 3102

الدين ومناصرة الملحدين. أمّا الدين فإن الله حافظه وناصر أهله حتى يكونوا هم الغالبين، أمّا العربية فقد تعاورتها العلل وتوالى عليها الهُزال حتى كاد يجهلها مَن هم مدرّسوها. * * * أنقل فقرة أخرى من مقالة الرسالة التي نشرتها يوم ٣٠ شوال سنة ١٣٦٦هـ. لقد قلت فيها: "فالحكاية ليست حكاية كتابة تُسهَّل ولا قواعد تُيسَّر، ولا مقاصد ربما كانت خبيثة يحقّقها ناس ليسوا منا ولا يريدون الخير لنا، ولكنها مشكلة المعلّم أولاً. وما دمنا نطلب معلّمين أصحاب شهادات ولو لم يكونوا أُولي علم، وإنما خطفوا مسألة خطفاً وحفظوها حفظاً حتى أدّوا فيها الامتحان ونالوا الشهادة، ولم يعكفوا على كتب العربية حتى تكون ملَكة لهم ... (إلى أن قلت): فهاتوا المعلّم القوي في علوم اللغة: متنها وصرفها ونحوها، صاحب الاطّلاع على لغات قبائلها والحفظ لشعرها والذوق في فهمها، يُصلِح هو فسادَ المناهج ويقوّم اعوجاجَ الكتب. إلى آخر ما قلت. * * * لقد ورد أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَن يجدّد لها دينها؛ أي ينقّيه مما علق به من أوضار البدع والمُحدَثات حتى يردّه إلى أهله كما نزل به الوحي وبيّنه الرسول ‘، أي يغسله كما يُغسَل الثوب المستعمَل ويكوى ويطيَّب حتى يعود كالجديد. كذلك يُحيي الله بالرجل الواحد بلداً ميتاً فيه الأدبُ

стр. 3103

والعلم، ورُبّ رجل واحد يكون على يده نهضة شعب. فعليكم بالبقية الباقية من أقطاب الأدب؛ أطلقوا أيديهم في مناهج العربية وكتبها، لا تجعلوا الشهادات وحدها هي الميزان، فإن كثيراً ممن أعرف اليوم من أكثر الناس معرفة بالأدب العربي الحق وممّن درس كتبه الكبرى (كالكامل للمبرد والأمالي للقالي) لم يكونوا يحملون شهادة، وإن كان يقعد بين أيديهم ويتلقى عنهم حَمَلة الشهادات من أساتذة الجامعات، من هؤلاء الذين أعرفهم محمود محمد شاكر في مصر وعبد الغني الدقر في الشام. أدعو إلى جلب أمثال هؤلاء للانتفاع بهم قبل أن يستأثر الله بهم. * * *

стр. 3104

-٢٤٠ - ذكريات العطلة الصيفية في دمشق (١) بيان واعتذار: كان النقد عند الطبقة التي قبلنا من الأدباء مثل المصارعة الحرة؛ لَيّاً للأيدي وخلعاً للأكتاف وكسراً للأصابع، نطحاً وبطحاً ورفساً وعضاً ورفعاً وخفضاً، وكل ما تصنع الوحوش المتقاتلة في الغاب وما لا تصنعه الوحوش، حتى إن الواحد ليرفع الآخر في الهواء ويداه ممدوتان ثم يُلقي به على الأرض فيختلط طوله بالعرض! وكنتُ -ولا فخر- من أقدر أصحابي ومَن هم في طبقتي في هذا، وكنت أشَدّهم على الخصم وأكثرَهم احتمالاً من الخصم، على أنني ما كنت أضرب وأهرب، بل أقف مُقيم الصلب مبدياً صفحة الصدر قد شددت عضلاتي، أدعوه ليضربني خمساً أو ستاً فلا أتزلزل ولا أتزعزع، وأضربه ضربة واحدة فيخرّ منها للوجه ولليدين. ثم قُلبت صفحة وفُتحت صفحة جديدة، أرادوا (وإن لم يحقّقوا ما أرادوا) أن يكون النقد -كما قالوا- موضوعياً ناعماً، ليس فيه لكم ولا لطم ولا رفس ولا دعس، ولكنه شيء كالعناق والتقبيل ومسّ بالأيدي الناعمة وتربيت على الأكتاف الليّنة، أو أن يغمض الناقد عينيه (إن لم يكن ذا خبرة بهذا الفنّ) ويلوح بذراعيه

стр. 3105

ويضرب بلا قصد، لا يبالي أين تقع يده، كأنه لا يفكّر برأسه الذي بين كتفيه بل بإبهاميه اللذين في قدمَيه، فيخرج من المعركة محطَّماً سواء في ذلك أكانت المعركة له أو كانت عليه. وقد تركت من قديم خوض المعارك وابتعدت عنها وألزمني الكِبَر ابتغاء السلامة منها، ولكن غاظني من بعض المجلات أن فيها صفحة للأدب ولكن ليس فيها أدب، ما فيها إلاّ كلام مصفوف بلا نظام مرصوف بلا إحكام، ألفاظ لها مثل صوت الطبل وهي فارغة فراغ الطبل. يُعلِنون عن القصيدة الجديدة للشاعر الكبير، فتأخذ أنت المجلة فلا ترى قصيداً ولا رجزاً ولا موشَّحاً ولا شيئاً مما يُقال له شعر، ولا ترى شاعراً كبيراً ولا صغيراً ولا وسطاً بين الكبير والصغير، ما ترى إلاّ صافّاً كلاماً لا تفهم منه شيئاً لأن كاتبه ما عنده شيء يريد أن تفهمه منه. يقولون إنه «الغموض» وإن من مزايا الشعر الحديث هذا الغموض. لقد عرّفه شاعر فرنسي عبقري مشهور عُرف به هو بول فاليري، الذي ألقى عنه محاضرة سبق أن أشرتُ إليها وبيّنت رأيه فيها، وهو صاحب القصيدة التي اشتهرت في الأدب الفرنسي الحديث، «المقبرة البحرية»، فكانت قطعة أدبية رائعة ولكنها غامضة، فكان كل ناقد يفسّرها تفسيراً جديداً، حتى إن أستاذاً جامعياً يهودياً اسمه كوهين ألقى محاضرة في شرحها حضرها الشاعر نفسه، فلما انتهى منها قال له: شكراً، لقد أفهمتَني شعري! فما عرف الناس أيشكره حقيقة أم يسخر منه. ولقد عرف العرب نوعاً من الغموض، ولكنه غموض

стр. 3106

يفتح آفاق الفكر وأبواب الخيال وينبّه أذهان السامعين، كقول الشاعر: لو كُنتُ أعلَمُ أنّ آخِرَ عهدِكُمْ ... يَومُ الفِراقِ فعَلتُ ما لم أفعَلِ فذهب النقاد يبحثون عن هذا الذي يمكن أن يفعله. وكقول شوقي: إنْ رأَتني تميلُ عنّي كأن لم ... تَكُ بيني وبينَها أشياءُ فذهبوا المذاهب في بيان هذه الأشياء، وأمثال هذا كثير في الشعر. لقد نسيت أنه قد مضى عهد النقد الذي عرفناه وترك الناس (وتركتُ معهم) أسلوبَ الشيخين الرافعي والعقاد وأمثالهما، وأنها قد رقّت الأجساد واسترخت العضلات وأرهفت المشاعر، ولم يعُد الأديب أو الشاعر (ولو كان من أهل الحدَث الأكبر الذي يوجِب الغُسل، أعني «الحداثة» في الشعر) لم يعُد ذلك المصارع الذي يكيل للخصم الضربات ويحتمل منه الضربات، بل صار كالأغيَد الناعم: خَطَراتُ النّسيمِ تجرَحُ خدَّيـ ... ـهِ ولَمسُ الحريرِ يُدمي بنانَهْ قلت هذا الكلام لأبيّن ما كان في الحلقة السابقة ولأعتذر مما وقع فيها من الخلل، ذلك أني كتبت في نقد هذا المذهب الجديد في الشعر وفي الأدب على طريقة الرافعي والعقاد التي كنا نكتب بها، ونسيت أن الزمان قد جاوزها وأن النفوس لم تعُد تحتملها. فلما نبّهوني في الجريدة إليها فوّضتهم أن يعدّلوها،

стр. 3107

فكان من هذا التفويض وهذا التعديل ما وقع من الاضطراب في الحلقة السابقة (١). هذا، وأرجو أن لا ترقّ النفوس حتى عن احتمال هذا الاعتذار فيحذفوه، فإن لم يفعلوا وقرأتموه منشوراً فاحمدوا الله. * * * جاءتني رسالة من طالب يستأذنني أولاً أن أسمح له أن يدعوني «جَدّه»، لأنني أشبهه كما قال ولأنه يحبّني كما كان يحبّه، ولأن جدّه مات قريباً في الحادية والثمانين، وأنه يراني مثله. فإذا اكتمل هذا الشبه بيننا حتى في العمر فقد بقيَت لي ستة أشهر لألحق به. يقول لي: ألا تخبرنا ياجدّي عن العطلة الصيفية على أيامكم ماذا كنتم تصنعون فيها؟ كيف كنتم تقضونها؟ هل تقصدون المصايف هرباً من الحرّ أو تسافرون في البلاد؟ إلى آخر ما قال، هذه أفكاره كتبتها بأسلوبي أنا. أمّا الجواب فأقول: يا حسرة على مَن دعوتَه جدّك، ياحسرة عليّ، ما عرفتُ العطلة الصيفية قط. لقد كنت في مدارس تعمل دائماً، تصل الصيفَ بالشتاء والشتاءَ بالصيف، وتكاد تُلحِق الليل بالنهار، لا تستريح ولا تُريح. ولذلك قصة لا بدّ من بيانها، ولو أفضتُ في هذا البيان فإنه تاريخ لم يعُد يعرفه إلاّ القليل.

стр. 3108

كانت مدارسنا في دمشق في تلك الأيام أصنافاً ثلاثة: مدارس حكومية كنا ندعوها المدارس الأميرية (١)، وهي قليلة ما كان عندنا منها إلاّ أربع ابتدائيات للبنين وقريب منها للبنات، وثانوية واحدة معها دار للمعلّمين، وثانوية للبنات معها دار للمعلّمات، ومدارس أوّلية قليلة نمرّ منها إلى الابتدائية. كانت في دمشق -لمّا دخلت أنا المدرسةَ قُبَيل الحرب الأولى، حرب ١٩١٤ (أي نحو سنة ١٣٣٢هـ) - أربع ابتدائيات للبنين هي: «مدرسة الملك الظاهر»؛ ما سُمّيَت باسمه إحياء له أو تبرُّكاً به كما تُسمّى المدارس الآن، بل لأنها افتُتحت في مدرسته التي فيها قبره عالياً مزخرَفاً تحت قبّة رفيعة جميلة، تُعَدّ تحفة في الآثار ولكنها ليست إلاّ مخالفة وبدعة في الدين. وبابُها العظيم (بقوسه الشامخ جداً ومُقَرْنَصاته الرائعة) يقابل بابَ المدرسة العادلية الذي يماثله في روعته وفنه، ووراءه المجمع العلمي (الذي صار يُدعى الآن مجمع اللغة العربية، وهو أكبر المجامع سناً وأقدمها قِدَماً، أنشأه الأستاذ محمد كرد علي سنة ١٩١٩). و «مدرسة المهاجرين». وحيّ «المهاجرين» أقامه ناظم باشا الوالي المصلح على سفح جبل قاسيون للمهاجرين من جزيرة كريت (إقريطش) لمّا سقطت بيد اليونان، وبنى لهم فيه بيوتاً

стр. 3109

صغيرة متشابهة ذات سقف مائل (وبقيَت كذلك مدة طويلة) وجعلها نمطاً واحداً صفوفاً وراء صفوف، بينها طرق صاعدة إلى الجبل وجادّات معترضة أدناها، أوسعها الجادة الأولى التي يسير فيها خطّ الترام من تلك الأيام، وتأتي بعدها الجادة الثانية، ثم تصاعدت الجادّات وتعاقبت حتى بلغت (أو كادت) ذروة الجبل. وبنى في آخرها (١) قصراً كبيراً على هيئة دار المعلّمين التي أقامها على كتف بردى، بناهما على هيئة الحصون الصغيرة في أوربا في القرون الوسطى. ثم أقام مصطفى باشا العابد إلى جنبه قصراً آخر، وصار قصر ناظم باشا فيما بعد دار رياسة الجمهورية، حتى كان الرئيس شكري بك فتشاءمت منه أمه فبادل العابد، وصار قصر العابد هو قصر الرياسة الآن. و «مدرسة البحصة». وهي قائمة في النصف الذي سرقوه من صحن جامع يَلْبُغا، حتى إن البِركة الكبيرة قسموها بين المدرسة والجامع، وأقاموا بينهما حاجزاً. ولقد ذكرت الآن وأنا أُملي هذا المقال أني كتبت هذا من قبل (٢)، فإن كنتُ فعلت فسامحوني، فإن الشيوخ يكرّرون الأحاديث، ويسمعهم الناس ويستحيون منهم فلا يخبرونهم. ولقد صرت شيخاً كبيراً، وهل أجرؤ أن أُنكِر هذا وقد جاوزت الثمانين؟ فإن رأيتموني أُعيد حديثاً سبق أن حدّثت به في هذه الذكريات أو في الرائي أو في أحاديثي في الإذاعة

стр. 3110

فنبّهوني يكن ذلك التنبيه فضلاً منكم، واذكروا أن «العصا قُرِعت لذي الحِلْم». وأنتم تعرفون هذا المثل وقصته (١)، فإن لم تكونوا تعرفونه فاشتروا كتاب «مجمع الأمثال» للميداني واقرؤوا فيه شرح المثل، ولكن دعوا قصته فإن أكثر قصص الأمثال مصنوعة مركَّبة وُضعَت في الزمن الأخير. والمدرسة الابتدائية الرابعة هي «مدرسة الميدان» (الذي كان يُدعى قديماً «ميدان الحصى»، وفيه الآن الحيّ الجنوبي من دمشق)، وكان يدرّس فيها الشيخ بهجة البيطار والشيخ زين العابدين التونسي والشيخ رفيق السباعي والأستاذ جميل سلطان. وكانت هذه المدارس الأميرية قليلة، وكان إلى جانبها مدارس نصرانية قليلة أيضاً، وكان أكثر المدارس أهلية تضم جلّ أبناء البلد، ومنها ثانويات كبيرة أكبرها المدرسة التي دعوها «اتحاد وترقّي مكتبي إعدادي سي» (ومعناها في العربية: «مدرسة الاتحاد والترقي الإعدادية»، ولكن اللغة التركية التي كانت اللغة الرسمية في الشام تقدّم المضاف إليه على المضاف وتربطهما بلفظ سي) فترك الناس هذا الاسم الطويل ودعوها «المدرسة التجارية»، وكان يموّلها ويُنفِق عليها جماعة من أفاضل التجار، وكانت ثانوية وإعدادية وابتدائية، وكان لكل قسم من هذه الأقسام مدير والمدير

стр. 3111

العامّ لها كلها هو أبي الشيخ مصطفى الطنطاوي. وقد كانت هي والمدرسة الكاملية التي أنشأها الرجل الكبير الذي كان له في التعليم وكان له في السياسة أبرز مقام، هنا في المملكة وفي الشام، كانت المدرسة الكاملية والمدرسة التجارية أكبرَ الثانويات في البلد، تَخرّج فيهما كثير من الأطباء الأولين كالدكتور حمدي الخياط شيخ الأطباء والدكتور محمد سالم والدكتور طاهر الطنطاوي والدكتور سهيل الخياط (وقد ذهبوا جميعاً إلى رحمة الله)، وتخرّج فيها كبار الموظفين كالأستاذ فؤاد المحاسني. وكانت المدرسة التجارية من أوائل المدارس التي عُنيَت بالرياضة وأقامت لها ملعباً فنياً فيه من الأدوات ما كان جديداً في تلك الأيام، كما أن المدرسة الكاملية كانت من أوائل من اعتنى بالتمثيل، وكان الذي يؤلّف الرواية ويُعِدّها (ويجهل أكثر الناس أنه من رواد التمثيل) هو الدكتور أسعد الحكيم ﵀. كما جاء بعده بعشر سنين رائد آخر كان يتفجّر يومئذ نشاطاً وعملاً وإنتاجاً، يؤلّف الرواية ويعلّم التلاميذ تمثيلها ويدرّبهم على إلقاء حوارها، وهو الذي ابتدع فنّ الإلقاء، فكان يضع للقصيدة الشعرية مثل النوتة الموسيقية التي يضعها الملحّن للأغنية، هنا يُشَدّ الصوت وهنا يُرخى وهنا يعلو وهنا ينخفض وهنا يُمَطّ وهنا يُقطَع ... وأنا أستحي أن أذكر اسمه لأنه يشبه اسمي! وقد مُثّلت له في المدارس مسرحيات ربما حضر بعضَها قريبٌ من الألف، كما كانوا يحضرون مسرحيات الرائد الأول الدكتور أسعد الحكيم، وكان يُعاد تمثيلها ليالي كثيرة متعاقبة، وكان يعاونه على إخراجها وتلفيق الثياب الصالحة لها ونصب مسرحها رجل عبقري ولكن لا

стр. 3112

حظَّ له، كان ضابطاً في الجيش العثماني ثم صار محامياً، وكان أديباً يكتب ويَنْظم ولكن لم يعرفه الناس، عاش فقيراً مغموراً، هو الصديق الأستاذ أحمد حلمي العلاّف ﵀ ورحم كل من ذكرت. ومن المدارس الأهلية التي كان لها دور ظاهر في النهضة التعليمية «الكلية العلمية الوطنية»، وكانت مدرسة ثانوية سُمّيت كلّية يوم لم يحدَّد المعنى الاصطلاحي لكلمة الكلية، أسّسها الشيخ محمد خير (أو أبو الخير الطبّاع)، وكان مديرها على عهدي الدكتور منيف العائدي الأستاذ في كلية الطب التي كانت تُدعى معهد الطب. وكان في الجامعة السورية معهدان (أي كلّيتان) هما معهد الطب ومعهد الحقوق، ولمعهد الطب فرعان: للصيدلة ولطب الأسنان. ثم افتُتحت دار التوليد وبُني لها هذا البناء، فرع للقابلات والمولّدات، فلا يجوز أبداً في شرعة الدين ولا في قانون الأخلاق أن يولّد المرأةَ طبيبٌ أجنبي عنها، لا يجوز له النظر إلى ساعدها ولا إلى ساقها فكيف يكشف -بلا ضرورة ولا داع- عن أخفى مكان فيها؟! والإسلام دين وسط، لا يقول للمرأة ولا لزوجها ولا لأبيها إذا تعسّرَت ولادتها وتعرّضَت للخطر: دعها تموت كيلا يراها الأجنبي! ولا يأذن لها ولا لأبيها ولا لزوجها أن تكشف للطبيب الأجنبي عمّا أمرها الله بستره عنه بلا داعٍ ولا ضرورة، فليتنبّه لذلك النساء وليتنبّه لذلك الأزواج والآباء. وكان في المدارس المشهورة مدرسة قديمة يقوم عليها مربٍّ قديم، لبث يعلّم أكثر من سبعين سنة، تَعلّم والدي عنده ثم صار معلّماً في مدرسته، وتعلّمت أنا عنده ثم صرت معلماً في

стр. 3113

مدرسته، ورأيت في السجلاّت أنه كان من تلاميذه الولد وأبوه وجدّه، ثلاثة بطون تعاقبت على الدراسة في مدرسته والتلقّي عنه! وكان معلّماً قديراً وكان خطّاطاً وكان مربّياً عظيماً، وهو من الذين تركوا في نفسي أعمق الأثر، هو الشيخ عيد السّفَرْجلاني الذي كتبتُ عنه كثيراً وتحدّثت عنه كثيراً ولم أوفِه من حقّه إلاّ قليلاً. لم يكن يجمعنا ليُلقي الموعظة علينا يبدؤها كما تبدأ خطبة الجمعة بالحمد لله والصلاة على النبي ‘، وإن كان ذلك من السنّة لا نكران له ولا اعتراض عليه، ولكنه كان يراعي حالة الطلاب فيُلقي الكلمة علينا حين تجيء مناسبتها، يلقيها جاداً وهازلاً ومبتسماً وعابساً، وقد تأتي معها كلمة تأنيب أو شتيمة تنبّه لا تؤذي. وهي سنّة رسول الله ﵊، كما قال لمعاذ: «ثكلَتك أمك»، أي «عدمتك»، وما أراد الدعاء عليه، ولو دعا عليه لاستجاب الله دعاءه في الحال. وكما قال: «عليك بذات الدين تَرِبَت يداك»، أي صرتَ على التراب، كما نقول نحن اليوم: "أفلس فلان حتى صار على الحديدة" وكما تقول العرب: "أرمل القوم" أي صاروا على الرمل، وفي القرآن ﴿يَتيمَاً ذا مَتْرَبة﴾. وقد وجدتُ بالتجرِبة الطويلة أن هذا الأسلوب في الوعظ هو الذي يبقى وهو الذي يُفيد. كان القائمون على هذه المدارس شيوخاً صالحين يخافون الله ويحرصون على تنشئة الأولاد على خوف الله، ولكن أسلوبهم في التربية ونظامهم في التعليم أسوأ أسلوب يخطر على البال وأبشع نظام؛ كانوا يراقبون التلميذ في المدرسة، ويبعثون من رفاقه من يراقبه في الطريق فيرفع عنه التقارير السرّية إلى المدير.

стр. 3114

يعلّمون الطلاب التجسّس على إخوانهم! وكانت عمدة التربية بالفلق (الفلق الذي يسمّيه العامة الفلقة أو الفلكة)، وكان الآباء يعاونون المعلّمين على هذا فيقولون لمدير المدرسة حين يسلّمونه أولادهم: لك اللحم ولنا العظم! كان الضرب بالعصا ووضع الأقدام في الفلق هو عماد التربية، ولقد رأيت بعيني مشاهد أخشى إن رويتُها أن لا تصدّقوها، ولعلّي أشرت فيما مضى من هذه الذكريات إلى بعض منها، هي أن مدير مدرسة كان عنده تلميذ جاء أبوه يطلب أن يأخذه معه قبل أن تنتهي الدروس، وكان الأب من قبل تلميذاً عند الشيخ (١)، فأبى أن يسمح له بإخراجه، فجادله الأب، فأمر الشيخ شابّين قويَّين أن يمسكا الأب ويضعا قدميه في الفلق وضربه أمام الولد وأمام التلاميذ! ومما رأيت أن مديراً آخر (٢) أراد أن يدرّب الطلاب الكبار في مدرسته على تعليم الأطفال الصغار، ومرّ عليهم يرى تدريسهم فأبصر من أحدهم خطأ فضربه أمام التلاميذ الذين يعلّمهم! ولقد كان من أثر هذه التربية وأثر الكُتّاب الذي قضيتُ فيه قبلها يوماً واحداً أو بعض يوم أن أورثَتني كرهاً دائماً للمدرسة وبغضاً لا يزول لها من نفسي، حتى إنني لأفرح يوم العطلة كما أفرح إن غاب المدرّس أو شُغل عن الدرس، وبقي ذلك بعدما صرت معلّماً ابتدائياً ثم صرت مدرساً ثانوياً ثم صرت أستاذاً جامعياً. بل إنني لأفرح الآن إذا هتف بي (أي كلّمني بالهاتف)

стр. 3115

مخرج برامجي في الرائي أو الإذاعة يُخبِرني أن يوم التسجيل قد أُجِّل أو خُبِّرت أن المحاضرة التي حُدّدت ساعة إلقائها قد أُلغيَت أو أن المقالة التي كُلِّفت بها قد صُرف النظر عنها. صِرتُ أوثر الكسل وأكره العمل وأؤخره إن لم أجد منه مهرباً إلى اللحظات الأخيرة، فلا أكتب المقالة ولا أُعِدّ الحديث ولا أهيّئ المحاضرة إلاّ حين لا يبقى بيني وبين إلقائها إلاّ وقت إعدادها. وإني لأعجب أن أجد الآن فيما أقرأ من المقالات أو أستمع في الندوات مَن يحنّ إلى عهد الفَلَق ويبكي عليه ويتمنى أن يعوّد أولاده عليه! وأعجب منهم الذين يَدْعون إلى إرجاع الكتاتيب ويُثنون عليها ويحمدون أيامها. ولقد كان في حيّنا في دمشق، حي العُقَيْبة أمام جامع التوبة، مدرسة أثرية هي المدرسة الآجرّية (التي صارت الآن مكتبة عامة) كان فيها كُتّاب أخذني جدي إليه وأنا ابن خمس سنين، وكان الكتّاب مغلق الباب مسدود النوافذ، ولم يكن فيه مقاعد، وكان الأولاد يجلسون على الأرض في صفوف تتراصّ حيناً وتنفسح حيناً، تبعاً لحالة السوق وكثرة الأولاد. إلاّ أن المعروف عن الكُتّاب أنه كجهنم لا يردّ آتياً، وأن الشيخ مستعدّ أبداً لحشوه بالتلاميذ وواثق أنه لن ينفجر من قلّة الهواء وكثرة التنفس وانعدام النوافذ. وكان الصبيان يخلعون أحذيتهم (وأنا أقول «أحذيتهم» على المجاز، وإلاّ فهي القباقيب غالباً) يخلعونها عند الباب ثم يدخلون فيقبّلون يد الشيخ، أو يضعونها أمامهم بجانب اللوح والصبرة (أي كتاب الهجاء والغَداء) ويجلسون جلسة واحدة إلى المساء، لا يقومون إلاّ للشرب من البِركة القريبة من الكُتّاب ذات

стр. 3116

الماء الملوَّث، يُدخِلون فيها رؤوسهم ويعبّون عبّاً كالجمال، وإلاّ لقضاء الحاجة، ويسمّونها «الدّستور»، فإذا رفع الولد أصبعه وقال «دَسْتور» عرف الشيخ أنه خارج لقضاء حاجته في مراحيض المسجد أمام الكُتّاب. أما الطعام فكانوا يأكلونه وهم قعود في أماكنهم عندما يسمعون المؤذّن ينادي بالظهر، أو يلتهمون اللقمة إثر اللقمة في غير وقت الظهر من غير أن يراهم الأستاذ، أعني الشيخ. وللحديث بقايا عن المدارس والكَتاتيب، وعن المصايف والاصطياف، وعن الاستفادة من العطلة في تغذية العقل بالمطالعة وتقوية الجسد بالرياضة. بقايا ستأتي إن شاء الله. * * *

стр. 3117

-٢٤١ - ذكريات العطلة الصيفية في دمشق (٢) وضعت عنواناً لهذه الحلقات «العطلة الصيفية في دمشق»، ولكن طال الطريق إليها فلم أطرق بابها، وإنما تكلّمت عن المدارس التي كنت فيها ولم تكن تعرفها. تكلمت عن «الكُتّاب» ولم أكمل حديثه، وما هو بالحديث اللَذّ الممتع، ولولا أن أساتذة أفاضل يكتبون في الثناء عليه والدعوة إلى العودة إليه ما عرضت له ولا تكلمت فيه. قلت لكم إن جدّي أخذني إليه فبقيتُ فيه بعض يوم، ولكن مرارته لم تذهب من حلقي إلى اليوم؛ لا أزال أحسّ بها كأنما تجرّعت بالأمس غصصها! وقد مات جدي الذي أخذني إلى الكتّاب سنة ١٣٣٢هـ، أي من ثلاثة أرباع القرن، ولكن ثلاثة أرباع القرن لم تُشفِني من الصدمة التي ضعضعت نفسي في تلك الساعات الثلاث التي قضيتها في الكتّاب. أفلا يتصور دعاة الرجوع إليه أن للأطفال قلوباً ومشاعر، وأنهم يُسَرّون ويَألمون كما يألم الكبار ويُسَرّون، وأن ذكريات المسرّات والآلام في بواكير العمر تُختزَن في نفوسهم فتضيء لهم طريق العمر كله أو تجعله ظلاماً؟

стр. 3118

قلت لكم إننا كنا نقعد على الأرض، على حصير قديم لعلّ تحته حديقة حيوانات صغيرة فيها من كل حشرة زوجان! وإن علينا أن نقرأ النهار كله، أو نحرّك ألسنتنا ونُخرِج أصواتاً كأننا نقرأ، وأن نضجّ ضجّة مستمرّة يسمعها مَن يمشي في الطريق فتكون إعلاناً عن الكتّاب، يقول للناس: "أنا هنا"، ويا ليته ما كان هناك! وإننا كنا نختلس قضمة من الطعام الذي حملناه معنا ووضعناه بين أيدينا، فإن رآنا الشيخ بعينه تناولَتنا يده بعصاه وهو قاعد مكانه لا يفارقه، لأن بين يديه عصيّاً ثلاثاً: طويلة وقصيرة وعصا بين الطول والقصر، ينظر مكان الصبي ثم يتناوله بالتي تصل إليه منها. والشيخ دائم العبوس، لا يبتسم إلاّ يوم الخميس حين يأتيه الولد بالخميسية، وهي الأجرة المفروضة عليه. وتكون سعة ابتسامته بمقدار كثرة القروش التي تُحمل إليه! ثم يعود إلى العبوس والتقطيب، كأنه شمس شباط (فبراير) في الشام حين تُطِلّ لحظات ثم يطويها تراكم السحاب. أخذني جدي إليه فاحتفل به شيخ الكُتّاب احتفالاً عظيماً، لِما كان له من العلم والفضل والوجاهة أو لِما يطمع فيه من خميسيته المباركة. وبالغ في هذا الاحتفال حتى إنه وضع حذائي تحت سريره إلى جنب حذائه، أي حذاء الشيخ، وكان ذلك شرفاً عظيماً ما ناله من قبلي أحد. وما أدري أكان ذلك لمجرد الحفاوة والإكرام أم لزيادة التضييق والمراقبة، ولكن الذي أدريه أن جدّي قد خرج، فذهبت لألحق به فأمسكوني وأجلسوني عنوة، ولمّا صحت وبدأت أحتجّ لوّح الشيخ بعصاه فوق رأسي وكشّر لي عن أنيابه، فتكونَت في نفسي تلك اللحظة النفرة من المدرسة

стр. 3119

والكراهية لها، وبقيَت إلى الساعة التي أكتب فيها هذه الكلمات. وقعدت يائساً لا أعلم لماذا يحجزونني ويخنقونني، وقد كنت أعيش كما أريد لا تُرَدّ لي رغبة ولا يقف دون إنفاذ مطالبي شيء، وكنت أربّى تربية الدلال لأن جدّي رُزق عشرة من الولد فذهبوا جميعاً ولم يبقَ منهم إلاّ أبي، وكنت ولده البكر، فدلّلوني هذا الدلال الرخو المائع الذي بلغ من أمره أنهم أقاموا حفلة في البيت عندما كسرتُ أول إناء: "لقد كبر الصبيّ ولله الحمد وصار يستطيع أن يكسر الأواني"! وإنه كان عندنا مرة حفلة عائلية، فخطر في بالي أن ألعب بالزائرات فأُقيم هذه على قدم واحدة وأرفع ذراعَي هذه، فكان لي ما أردت واضطُرّت زائراتنا الكريمات إلى الخضوع لهذه الرغبات، أي هذه الحماقات! فكيف انتقلت منها مرة واحدة إلى حياة الكُتّاب السمجة الثقيلة؟ نقلة لم يستطع عقلي الصغير أن يفهم لها تأويلاً، فقعدتُ أنظر إلى الباب كما ينظر القطّ إلى الفريسة لينقضّ عليها، فلما رأيت جدّي ماراً في الطريق خارجاً من المسجد وجدت الفرصة قد جاءت، فقفزتُ قفزة واحدة كالقطّ وتبعته حافياً، وكان ذلك نتيجة لِما كنت فيه وما صرت عليه، ليس فيه شيء من قصد الإجرام ولا من روح الشرّ وليس بالإمكان أن يكون الطفل مجرماً، ولكن شيخي عدّها جريمة، وأطلق ورائي صبيان المكتب كما يُطلق الصيّادُ كلابَه وراء الأرنب المسكين، فازددت منهم فزعاً وللمدرسة بغضاً وأطلقت ساقَيّ الصغيرتين للريح، ولكني اضطربت فلم أدرِ أيّ طريق آخذ بعد اختفاء جدّي عن عيني، فسقطتُ وسال الدم من أنفي، وأدركني الأولاد فلم يرحموني

стр. 3120

ولم يمسحوا عني دمي، ولكنهم اقتادوني إلى شيخهم كما يُقتاد المحكوم عليه إلى خشبة المشنقة. * * * يقول الذين يمدحون هذه الكتاتيب أنها تحفّظ القرآن، وهذا صحيح، ولكنْ من أين لهم أنّ القرآن لا يُحفَّظ إلاّ بهذا الأسلوب؟ ألا يمكن أن يحفظه الأولاد وأن يجوّدوه وأن يُحسِنوا تلاوته من غير عصا شيخ الكتّاب؟ أسألكم والمثَل قائم أمامكم: هذه مدارس تحفيظ القرآن التي انتشرت في كل مدينة وكل قرية في المملكة، جزى الله مَن فكّر فيها ومَن أيّدها ومن أعانها ومن يقوم عليها خير الجزاء. ألا تسمعون وترون الولد الآن يحفظ الجزء الكامل من القرآن ويتلوه مع التجويد والأحكام قبل أن يُتقِن تعلّم الكلام، ويحفظ الأجزاء الثلاثة أو الأربعة أو القرآن كله أحياناً وهو ابن أحد عشر عاماً؟ أين هذه المدارس من تلك الكتاتيب؟ تلك كنا نُساق إليها باكين وهذه يتسابق الأطفال إليها ضاحكين، تلك كانوا يُدفَعون إليها بالعصا وهذه يُدعَون إليها بالهدايا والرغائب. يمكن إذن أن نصل إلى الثمرة من الجادة السهلة النظيفة، فلماذا تريدون أن نعود إلى الطريق الوعر الوسخ المليء بالأشواك وبالأوحال؟ أما المدارس الأهلية التي كنت فيها فقد كان فيها خير كثير، علّمتنا الدينَ ونشّأتنا على التقوى، ولكن الثمن كان غالياً
следующие страницы →