البلد. وكانت تُعنى بأمور المسلمين كلها على السواء، هي أثارت الدنيا على فرنسا يوم الظهير البربري، وهي أقامت الناس على إيطاليا لما صنعته في طرابلس، وكانت تجري فيها أقوى الأقلام الإسلامية كقلم شكيب أرسلان والرافعي ومحب الدين.
وأمّا «الزهراء»، مجلّة الأدب الإسلامي، فكانت لمّا جئت مصر في دور النَّزْع، صدر منها أربع مجلّدات (١)، فلما دخلَت سنتها الخامسة نضب موردها وقلّ مالها، وأفلسَت، ولكنها كانت تجاهد جهاد المحتضَر لتدفع عن نفسها الموت، وقد صدر منها بعد وصولي عددان فقط، كتبت أنا أكثر ما نُشر فيهما. ولا أقول إن الذي كتبتُه كان من الأدب الجيّد، ولكن أقول إنه كان فوق محاولات المبتدئين ودون كتابة المطبوعين المجوِّدين.
كان هذا في مصر سنة ١٩٢٨، فلما عدت إلى الشام واضطُررت إلى العمل لأفرّغ طاقة من النشاط كانت في نفسي، ولأكسب شيئاً من المال أعود به على أهلي، أخذني أخي أنور العطار إلى الأستاذ معروف الأرناؤوط (وكانت له معرفة به) فربحت -كما سترون- الكثير من أدبه، ولكني لم أصل إلى كثير ولا قليل من ماله.
كان معروف أديباً ولم يكن صحفياً، لا أعني الأديب الذي أخذ من كل شيء بطرف كما قال ابن خلدون، فمعروف لم يأخذ إلاّ شيئاً واحداً هو الأدب، أخذه من أطرافه كلها وترك له كل شيء. ولا أعني الأديبَ الذي روى الشعر وحفظ الأخبار ووعى
стр. 352
التاريخ، فمعروف لم يكن راوية ولا حافظاً ولا مؤرّخاً. ولا أعني الأديبَ في عُرف العامّة، وهو الرجل المهذّب الحواشي الرقيق الطبع العفّ اللسان، فما كان لسان معروف عفيفاً ولا نظيفاً، وكان إذا غضب نطق بأشنع السّباب وأبشع الشتم، وكله من تحت خط الاستواء في جسد الإنسان ... أي من تحت «الزنّار»!
ولكن أعني الأديب الذي تجالسه فتجالس «طفلاً» كبيراً، وتراه فترى صفاء الطفولة وجمالها، وتسمع له فينقلك -إذا كان راضياً رائق المزاج- إلى عالَم ما فيه إلاّ الجمال والحب، عالَم القلب. وتقرأ له فينقلك إلى دنيا غير دنيا الناس، يصوّر لك (في رواياته) فيافي الجزيرة وأودية فلسطين ومفاتن إسطنبول مزيَّنةً بالسحر والشعر، مضمَّخةً بالطيب والعطر، حتى لتظنها جِنان الأحلام وتشكّ (إن كنت تعرف هذه البلاد) هل هي التي يصفها معروف أم أن في قلم معروف سحراً.
فمَن جالس معروفاً فقد عرف الكاتب الأديب، ومن قرأ لمعروف ولم يجالسه لم يعرف إلاّ جانباً من هذا الأديب الكاتب، ومن لم يقرأ له ولم يجالسه فقد فاته حظّ من الأدب العربي الحديث. هذا كله على ألاّ تعامله ولا تتخذه قدوة لك في الحياة. أستغفر الله وأسأل الله له الرحمة، فلقد كان مؤمناً لا يشرك بالله شيئاً.
وكان يظهر إيمانه على أسَلات (١) قلمه: لمّا غلب اليونان بمعونة الحلفاء على أزمير في نهاية الحرب الأولى وجعلت
стр. 353
عساكرهم تجول في طرق إسطنبول تنبّهَت الصليبية في نفس كاتب نصراني في الشام، فكتب متشفياً معرّضاً بالسلطان العظيم محمد الفاتح. وتألّم معروف كما تألّم المسلمون ولكنه ما تكلم، حتى إذا طُردوا من أزمير وعادت إلى الترك المسلمين، كتب مقالة تستحق أن تُسطّر -كما كان يقول الأوّلون- بماء الذهب، وقعت على قلوب المسلمين برداً وسلاماً وعلى قلوب «الآخرين ...» جمرة وضِراماً.
وكان في المدرسة أجهلَ الناس بالحساب، فلما كبر عُني به حتى أتقنه وصار من كبار الحاسبين، وبلغ من حذقه أنه حفظ عن ظهر قلب عدد أيام الأسبوع وشهور السنة، وأدرك عشر العشرة ومعشار المئة، وعرف قطر الدائرة وقاعدة المثلث، وصار يعرف أن ستة في سبعة تساوي سبعة وثلاثين، وفي رواية سبعة وأربعين، ولم يحقق أيها الصحيح منهما فالمسألة فيها قولان!
ولكنه لم يصل إلى معرفة الباقي من الريال (المجيدي) بعد شراء علبة الدخان، فكان يشتم البيّاع كل مرة عشرين شتيمة، منها أربع على الأقل من الشتائم المبتكَرة التي لم ينطق بها قبله أحدٌ من الهجّائين، لا الحطيئة ولا جرير ولا دعبل ولا المتنبي، ويتهمه بالسرقة والاحتيال، حتى يجتمع ثلاثة من المارة ويعدّوا القروش ثلاثاً من المرات، ويحلفوا له ثلاثاً من الأَيْمان على أن البياع لم يسرقه ولم يحتَلْ عليه.
وكان قليلَ البضاعة في الأدب العربي، ولكنه كان مطّلعاً على الأدب التركي، وكان آية في معرفة الأدب الفرنسي لا سيما شعر الحب والعاطفة، وكنت تسمع منه تلخيص قصيدة لموسّه
стр. 354
أو قطعة لشاتوبريان فتظنه أشعر من شاتوبريان ومن موسّه، ولقد سمعت منه قصة «جوسلان» للامارتين ثم قرأتُها، فوجدت تلخيص معروف أحلى من شعر لامارتين!
ولمّا شرع يؤلّف «سيد قريش» لم يكن قد جدّد دراسته للتاريخ فكان مستشاره الحاج فلان (طمست اسمه بعد أن كتبته) وهو رجل قرأ في زمانه التاريخ ونسيه ثم نسي أنه نسيه، فكان معروف كلما سأله عن حادثة من الحوادث يكدّ ذهنه وينبش ذاكرته، ويتلمّس من بين المعلومات القديمة التي غطّى عليها غبار الزمان حقائق لم تصل إلى علم أحد من المؤرّخين فيقول له ما مثاله: طلع العرب يوم «ذي قار» من الرياض وهجموا على الظهران، وكان يقودهم أبو الأسود الدؤلي الذي وضع علم الفقه، وكان بطل المعركة الوليد بن هارون الرشيد الذي قال فيه المتنبي:
قادَ الجيوشَ لسبعَ عشرةَ حِجّةً ... كادَ المعلّم أن يكونَ رسولا
ومعروف يدوّن هذه الحقائق ويجعلها دعائم لبنائه القصصي، ثم يصب فيها عبقريته الفنية ويجمّلها بفنه العبقري، حتى إذا أتمّ كراريس من الكتاب وطبعها جاء مَن ينبّهه إلى هذا التخليط العجيب، فثار وفار ومزّق ما طبع، وسَمّى صاحبنا «أباجهل» وراح يخصّه في الحضور وفي الغياب بأجمل ما تفيض به قريحته من السباب، وذاك يضحك منها ولا تزيده إلاّ شحماً ولحماً وزيادة في الوزن وفي حب الأكل (١).
стр. 355
كان في دمشق يومئذٍ (أي سنة ١٩٣٠) أربع جرائد: «المقتبس» و «ألف باء» و «الشعب» و «فتى العرب»، وجرائد أخرى ليست في منزلة هذه الجرائد ولا هي مُطّردة الصدور مثلها.
وكانت إدارة «فتى العرب» في العمارة الصغيرة التي كانت بين قصر الحكومة (السراي) والبلدية وسينما غازي وهُدمت، وكانت تشتمل على دكّانَين فوقهما بهو واسع، وكانت هيئة التحرير (وهي مؤلّفة من الأستاذ معروف ومنّي!) في دكّان، والإدارة والتوزيع في دكّان يشرف عليهما موظف واحد ... وكان فوقه المطبعة وعُمّالها.
وكان عمالها من الصفوة المختارة لأن خط معروف كان أعجب خطّ رأيته، وكان الناظر إليه أول مرّة لا يدري هل الذي يراه خرابيش ولد مبتدئ أم نوع من الخطّ المسماري القديم. لذلك لم يكن يقدر على قراءته إلاّ من تعوّد عليه من مَهَرة العمال.
هنا كتب معروف رواياته «سيد قريش» و «عُمَر بن الخطاب» (التي لم يكن فيها عن عُمَر إلاّ العنوان) و «طارق بن زياد» و «فاطمة البتول»، كان يكتبها في هدأة من الليل حين تخلو الساحة من الناس ويسكن الجوّ وتصفو النفس، وأمامه بردى، وإن كان بردى يصل إلى المرجة عجوزاً وانياً، ليس هو بردى الشاب الذي يقفز على صخرات الوادي يتوثب من القوة ويكاد يتفجر بالنشاط. ولم يكن قد جاء دمشقَ هذا البلاء الذي عكّر صفاء الليل وأطار نوم النائم، وزاد أوجاع المريض وعطّل عن دراسته الطالب، لم يكن في دمشق كلها إلاّ رادّ (راديو) واحد جاء به محمد علي بك العابد، ثم جاء الأمير سعيد الجزائري (حفيد الأمير عبد القادر)
стр. 356
بالثاني. هنالك كان معروف يوقد على النارجيلة ويُعِدّ القلم، فيأخذ من نارجيلته السمّ ويُعطي من قلمه العسل.
كانت الجريدة في أربع صفحات، وكانت العادة أن يكون في الصفحة الأولى ثلاث مقالات. وقد ابتكر يوسف العيسى صاحب «ألف باء» زاوية سَمّاها «مَباءة نحل» لأنها تقرص قرص النحل، قلّدها كثيرون، وكنت أنا ممّن قلّدها في «فتى العرب» فكتبت زاوية «مذكّرات خُنفشاري»، ولم يفلح أحدٌ في تقليدها لا أنا ولا غيري. وفي الصفحة الثانية والثالثة الأخبار المحلّية وأخبار المناطق، وفي الرابعة الأخبار العالمية، وكانت تؤخذ من وكالتَي رويتر وهافاس (الفرنسية)، وخلال ذلك كله الإعلانات.
ولم يكن لأكثر الجرائد يومئذٍ مراسلون فكان المراسل المقص. ولمعروف في هذا الباب نوادر؛ كان يجيئه العامل فيقول له: أستاذ، ينقصنا ربع عمود. فيقول: من أين آتيك بربع عمود يا أخا الـ ... وينطق بالكلمة الشامية التي يقولها صبيان الأزقّة! ثم يقول له: انتظر. ويبحث في زوايا ذاكرته عمّا يحفظ من أسماء البلدان في درس الجغرافية ويكتب: «أوتاوا، شبّت النار في مخازن للخشب شمالي المدينة وأسرع إليها رجال الإطفاء، وكانت الخسائر كبيرة لكن لم يُصَب أحد من الناس بأذى». «شيكاغو، وقعت معركة بين رجال العصابات وبين الشرطة كان سلاحها المسدسات والقنابل، وانتهت بالقبض على زعيم العصابة وإصابة شرطيَّين بجروح طفيفة»، ومثل هذه الأخبار.
ومن أعجب اختراعاته ما أشرت إليه من قريب في المقابلة التي «أجراها» معي الرائي. ذلك أنه لمّا كانت الحرب بين الأفغان
стр. 357
والإنكليز جاءه العامل فأخبره أن لديهم فراغ عمود كامل. قال: عمود كامل يا ابن الكذا وكذا؟ أبوك وأمك! ولما فرغ من شتمه وجد أن العمود لا يزال فارغاً ما ملأته الشتائم، فماذا يصنع؟ تخيّلَ معاهدة صلح بين المتحاربين وكتب موادّها وحدّد شروطها، وزعم أن مراسل الجريدة الخاصّ في كابول استطاع أن يحصل على نَصّها الذي يُنشَر لأول مرة.
وبلغ من إحكامها أنْ أخذها مراسل «هافاس» فبعث بها إلى الصحف التي يراسلها فنشرتها، وكانت جرائد مصر (الأهرام والمقطّم) تنقل عن جرائد أوربا ونحن ننقل عن جرائد مصر، فما مرّت أيام حتى نقلتها جرائدنا عن الأهرام والمقطم، ولم يكن أحدٌ ليعرف الحقيقة لو لم يعلنها أديب الصفدي فتُنشَر في صحف أوربا وتصير حديث الناس.
وكان له مع الحُكّام أسلوب عجيب؛ دخل مرة على واحد من رؤساء الوزارات (أعرفه)، كان من عادته أنه يفتح بابه لأصحاب الحاجات فيسمع منهم، ثم يأخذ الهاتف فيكلم الموظف (المختصّ) يقول له: "آلو، أنا مرسل إليك فلاناً فاقضِ حاجته حالاً". وكان هذا الهاتف مقطوع الشريط. فدخل عليه معروف بعد أيام ومعه كيس قدّمه إليه، فوجد فيه الرئيس قطعة شريط. قال: ما هذا؟ فقال: مولانا، العفو. جئتك بهذه القطعة لتصل بها شريط هاتفك لأنه مقطوع على ما يظهر. فضحك وكلّم له الموظف بالهاتف الثاني.
وكان الرؤساء يدعون أصحاب الصحف، فيوزّعون
стр. 358
عليهم مبالغ من المال ليكتبوا لهم ما يريدون (أو يريد أسيادهم المنتدِبون)، فاستقلّ معروف مرة المبلغ وجعل يساوم يطلب أكثر منه، فقال له الرئيس: ما هذا، هل هي قضية بيع وشراء؟ قال: نعم، إننا نبيعك ضمائرنا.
يبيعون ضمائرهم! فيا ما أرخص الضمائر في سوق النفاق!
وكان لكثرة ما يكتب في الشؤون الإسلامية يحسبه الناس -من بعيد- شيخاً صالحاً عابداً ويتصورونه متعمّماً ملتحياً، مع أنه كان أول من حلق شاربَيه في دمشق، وكان مفرَداً في ذلك. وقد زاره مرة جماعة من علماء الهند وكان يدخّن في النارجيلة، فقالوا له: أين مولانا الشيخ معروف؟
قال: فخفت إن قلت لهم "أنا هو" أن يكسروا النارجيلة على رأسي، فقلت لهم: سيأتي قريباً، فتفضلوا اقعدوا. ورفعت النارجيلة وجعلت أرقب الطريق، فمرّ الشيخ أديب تقيّ الدين نقيب الأشراف فقلت: ها هو ذا. وأشرت إليه ففهم، ودخل بهيئته وهيبته وجبّته، فقاموا إليه يقبّلون يده ورأسه.
ولست أريد أن أتقصّى أخبار معروف، وإن كنت أعرف منها الكثير، وما ذكرت منها هذا الذي ذكرت إلاّ لأجلو للقرّاء صورة من الحياة في ذلك العصر.
لبثت مع معروف خمسة أشهر استفدت فيها من أدبه، وإن (نسي ...) أن يدفع لي حقي في ماله على عملي عنده، واستحييت أن أطالبه. ولقيت عنده كثيراً من الصحفيين والأدباء، ولكن لم
стр. 359
أخالطهم ولم أندمج فيهم، وكان اجتماعي بهم في الجريدة في ساعات العمل، لم أقترب من مجالسهم في غيرها أو في غير وقت العمل، وكانوا يوقّرونني -على صغر سني- فلا يتحدثون عنها أمامي، وإن كانوا في حديثها ودخلت عليهم قطعوه أو بدّلوه، وما كنت يومئذٍ أسكت على منكر أراه ولا أستكبر أحداً عن أن أنكر عليه.
جاء شوقي أمير الشعراء دمشق مرة، فأغراني أنور العطار ﵀ بأن أذهب معه لزيارته، وكان في فندق خوام الذي هُدم الآن وصار مكانهُ شارعاً. فوجدنا بشارة الخوري وشبلي الملاّط وشفيق جبري وحليم دموس، ومجموعة من الشعراء من هذه الطبقة، وأمامه مائدة عليها أواني الخمر. وكنت أحمل عصا فمددتها ومشّيتها على وجه المائدة، فحذفت كل ما كان عليها فكسرته! وتستطيعون أن تتخيلوا ماذا صار! اختلطَت بهم كاختلاط الزيت بالماء لا كاختلاط الماء بالخلّ.
* * *
كنت أكتب المقالة الثانية كل يوم، وربما كتبت الافتتاحية، فهذه أكثر من مئة وأربعين مقالة ما بقي لديّ منها إلاّ أربع أو خمس. أعود إليها اليوم لأقرأها بعين الناقد فأجدني راضياً عن أسلوبها وعن أفكارها، مع أني كتبت بعدها مقالات لا أرتضيها ولا يسرّني أن تُنسَب إليّ، منها مقالة «إلى مجلس المعارف الكبير» الذي كان يُعقَد أحياناً، نقدت فيها وزارة المعارف نقداً صادقاً صريحاً حمَل مستشار المعارف (راجِه) وجبّارها دنلوب
стр. 360
الشام، على زيارة الجريدة نفسها ليقابل كاتب المقالة ويوضّح له ما غمض عليه، ومعه ترجمانه ميشيل السبع.
والمقالة عندي، وقد لَخّصتُ فيها قصة ألفونس دوده «الدرس الأخير» الذي يصوّر فيها ضياع الألزاس من فرنسا بعد حرب السبعين (١٨٧٠)، وجعلتها مدخلاً للكلام (١).
* * *
стр. 361
-٣٦ -
في جريدة «فتى العرب»
بقي الفرنسيون في الشام خمساً وعشرين سنة، ما كففنا يوماً منها عن جدالهم وجلادهم طلباً للحرية التي استُلبَت منّا ورفضاً لهذا الانتداب الذي فُرض علينا، ولكن كان فينا (كما يكون في كل أمة من الناس) مَن مالأهم ومال معهم أو سايرهم وداراهم، باع دينه بعرَض من الدنيا قليل: بمنصب أو بوجاهة أو بمال، فأعانهم بمنصبه أو بقلمه أو بلسانه. أما أنا فما قابلت (والحمد لله) من الفرنسيين إلاّ مَن كان معلّماً عندنا (في مكتب عنبر) ومن اضطُررت إلى مقابلته من غيرهم.
ومن أخبث هؤلاء المعلمين رجل اسمه تريس، جعلوه مدرّس الأدب الفرنسي وهو لا يدري منه شيئاً، لأنه كان في بلده يعلّم مدرسة ابتدائية. وهو استعماري خبيث كان يقول لهم (كما أخبرني -بعدُ- أستاذُنا الفاضل شكري الشربجي ﵀: عندكم طالبان خطران جداً، علي الطنطاوي وخالد بِكداش (وكان في المدرسة بعدي بسنة أو سنتين)، فأخرجوهما من المدرسة فإنهما إن تخرّجا فيها أتعباكم.
стр. 362
وقال لي الأستاذ شكري بك وهو يضحك: لو أخذوا بنصيحته لخلصوا منكما، على بُعد ما بينكما: هو شيوعي، وأنت ولله الحمد مسلم.
قلت هذا، وأزيد عليه أني لا أعرف مَن كتب في الصحف بقلمه أو قال على المنابر بلسانه في الفرنسيين لمّا كانوا في الشام أكثر ممّا كتبت وقلت، وفي كتابي «هتاف المجد» قليل من كثير من كتاباتي ومما بقي من خطبي. فإذا ذكرت لهم اليوم مزيّة فليس ذكرها تزلّفاً إليهم ولا حباً بهم، فقد ذهبوا عنا فما عادوا يضرّوننا ولا ينفعوننا، وإن كان النافع وكان الضارّ هو الله. ولكن أذكرها عملاً بقوله تعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ على ألاّ تَعدِلوا. اِعْدِلوا﴾.
هذه المزية التي جئت أذكرها لهم، والتي قدّمت لها هذه المقدمة، هي أن الصحافة على عهد الفرنسيين كانت حرّة لا يقيّدها إلاّ القانون. والقانون ليس قيداً، إنما القيد أن تتحكم الأهواء ومصالح الحُكّام، وإرادة أفراد يأمرون فيُطاعون ولا يُحاسَبون على ما يقولون وما يفعلون، فإذا نشرَت الصحيفة ما لا يريده الحكام (يومئذ) لم يملكوا إلاّ أن يُحيلُوها على القاضي، والقاضي لا يملك أن يحكم عليها إلاّ بالقانون، وحكم القاضي يُرفَع إلى محكمة أعلى. والقانون يستطيع أن يعدّله مجلس النوّاب أو يُبطِله. لذلك كنا نكتب فننتقد ونعترض ونقول ما نشاء.
على أني لا أريدها حرّية مطلَقة من كل قيد، فالحرّية المطلَقة لا تكون إلاّ للمجنون الذي يفعل كل ما يريد. وكل حرّية
стр. 363
لها حدّ؛ تنتهي حريتك في أرضك حيث تبدأ حرّية جارك في أرضه. لا أريدها حرّية الكفر بل حرّية الفكر، فإن مسّت ديننا أو أضرّت بأمّتنا أو أفسدَت أخلاقنا قلنا لها: كلا!
وقد جرّبنا الحرّية المطلَقة في صحافة لبنان، فصار من بعض الصحف سفارات أجنبية ومن بعض الأقلام معاول للهدم، وجرّت علينا ما نرى اليوم ونسمع.
* * *
وفي الأشهر الخمسة التي لازمت فيها «فتى العرب» كنت أكتب كل يوم مقالة، منها سلسلة كان عنوانها «أحاديث ومشاهدات» أشرت إليها في الحلقة السابقة من هذه الذكريات فيها مقالة كان عنوانها «إلى مجلس المعارف الكبير»، هذه التي جاء مستشار المعارف نفسه إلى الجريدة ومعه ترجمانه ميشيل السبع ليكلمني فيها.
أكثر القرّاء لا يعرفون ماذا كان المستشار؟ كان المستشار هو الوزارة، هو يقضي وهو يُمضي، وهو يرفع وهو يضع، الأمر كله إليه والوزير معه كملكة الإنكليز مع رئيس وزرائها، إلاّ أن يجيء وزير قوي كفارس الخوري فيستردّ منه ما يستطيع استرداده من حقوقه. فإذا ذهب ذهب ما استردّه وعاد الأمر كله إلى المستشار.
هذه المقالات في «فتى العرب» ضاعت مني، ما بقي لديّ منها إلاّ أربع. ولو كان يتحقق في الدنيا المستحيل وخطر على بال أحد يوماً (بعد موتي) أن يطبع كل ما كُتب، واستطاع أن يجد مجموعة أعداد «فتى العرب» لوجدها فيها.
стр. 364
وأنا لا أنوي أن أعيد نشر شيء منها في هذه المذكّرات، ولكني أثبت هنا صدر مقالة «إلى مجلس المعارف الكبير» لأنه نموذج للقليل الذي ترجمتُه أو لخّصتُه من الأقاصيص الفرنسية، ولأن فيه عِبرة لنا وفائدة وحثاً لنا على تدارك ما فرط منا في حقّ عربيتنا، ثم أنشر خُلاصة عن المقالة ليرى القرّاء كيف كنا ننقد أعمال الحكومة في تلك الأيام، أيام كان يحكم الفرنسيون الشام.
* * *
قال الراوية الفرنسي ألفونس دوده في قصّة عنوانها «الدرس الأخير»: حدّث صبيّ من الألزاس فقال:
غدوت إلى المدرسة صبيحة يوم من الأيام الأخيرة من العام ولمّا أحفظ درسي، فخشيت أن يقرّعني أستاذي ويعاقبني فأخذت طريق الحقول علّي أقطع النهار في اللعب واللهو، ثم بدا لي فعدت عن هذه الفكرة وذهبت إلى المدرسة قلق الذهن مشغول البال، فما استلفت نظري إلاّ إسراع الناس مصفرّة ألوانهم، عليهم أمارات الخوف والألم، إلى حيث لا أعلم. فتبعتهم حتى وصلوا إلى دار الحاكم، ثم لم أدرِ ماذا كان بعد ذلك لأني أسرعت إلى المدرسة، فذهبت سعياً إلى غرفة الدرس فوجدت الأستاذ هامل يروح ويجيء فيها قلِقاً، قد ارتدى حلته الرسمية التي ما كان يلبسها إلاّ في يوم احتفاء أو عند قدوم مفتّش. ورأيت بعضاً من أهالي القرية قد جلسوا على المقاعد واجمين شاخصة أبصارهم بوجوه كئيبة مكفهرّة، فانسللت إلى مكاني وأنا أشدّ ما أكون حيرة ووجلاً.
стр. 365
وعلا الأستاذُ المنبرَ فقال بصوت مرتجف ورنة حزينة كأنها بكاء ونحيب: أولادي، هذه آخر ساعة أراكم فيها ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلّها الألمان واستبدلوا لغتهم الجرمانية بلغتكم الفرنسية، فلا فرنسية بعد اليوم.
وخنقَته العبرات فما استطاع أن يُتِمّ كلامه، فعلمت لِمَ كان الناس يسرعون إلى دار الحاكم، فواأسفاه عليك يا لغتي الفرنسية، يا لغة أمتي! ثم عاد الأستاذ فقال: والآن أصغوا إليّ لأتلو عليكم «الدرس الأخير». قم يا ...
فلم أسمع اسمي حتى ارتجفت وقمت، ولم أكن حفظت درسي فوقفت ساكناً. فقال: اجلس يا بني، اجلس، فأنا لن أعاقبك ولن ألومك فقد فات أوان اللوم والعقاب، ولكن اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم وسلمتموها إلى عدوكم بإهمالكم لغتكم. اسمعوا فسوف أُلقي عليكم «الدرس الأخير».
وراح يلقيه ويكتب لنا سطراً ننسخه في دفاترنا لتحسين خطوطنا: «فرنسا ألزاس، فرنسا ألزاس» حتى قُرع الجرس، فوقف ليودّعنا ويودّع معنا استقلال بلاده فقال: أيها الأحباب، إنني، إنني ... وغلبه البكاء فأسلم نفسه إليه، وبكينا كلنا معه. ثم مشى إلى اللوح فكتب عليه بحروف كبيرة: ليحيَ الوطن.
وخرج.
* * *
قبل أن أتكلم عن المقالة أصوّر لكم الظرف الذي كُتبت فيه. عرفتم أن الفرنسيين قطعوا الشام قطعاً، فبعد أن كانت كلها ولاية
стр. 366
من ولايات الدولة العثمانية تضمّ سوريا بحدودها الطبيعية جعلوا منها دولاً: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة الدروز، والباقي صار فلسطين وإمارة شرقي الأردن.
ست دول كانت كلها كالولاية الواحدة! وتلك سُنّة المستعمرين في كل مكان وفي كل زمان، قانون «فرّقْ تَسُدْ». ومن سننهم إضعاف الدين في النفوس واللغة على الألسنة (وإذا استُعبدَت أمة ففي يدها مفتاح قيدها ما دامت محتفظة بدينها ولغتها). وسلكوا إلى هذه الغاية طريقاً خفياً لا يكاد يحسّ إلاّ القليل من الناس بخطر سلوكه، هو أنهم عمدوا إلى علوم الدين، التوحيد والتجويد والتفسير والحديث ومصطلحه والفقه وأصوله، هذه العلوم الكثيرة التي كنّا ندرسها ونؤدي الامتحان فيها فلا ننجح إلاّ إن عرفنا كل واحد منها، جعلوها -من مكرهم- درساً واحداً سَمّوه درس الدين. ثم أوغلوا في الشرّ فلم يعطوه إلاّ ساعة واحدة في الأسبوع، ثم زادوا في الشر إيغالاً فلم يُدخِلوا هذا الدرس في الامتحانات العامّة. وأكثر التلاميذ لا يهمّهم إلاّ النجاح في الامتحان ونيل الشهادة، فصار الدين مهمَلاً، وصاروا يختارون لتدريس علومه أضعفَ المعلّمين، ثم ألحقوه بعلوم العربية وجعلوه جزءاً منها، فأضاعوا علوم الدين. وصنعوا في العربية قريباً من هذا الصنيع، فجعلوا النحو والصرف والإملاء والإنشاء مادة واحدة.
وكان قانون الشهادة الابتدائية أن من أخذ نصف درجة من عشر درجات وكان مجموع درجاته في الدروس (أي المواد كلها)
стр. 367
فوق النصف، أي أكثر من خمسين في المئة، نجح في الامتحان، ما لم يكن قد أخذ صفراً في إحدى المواد. ولا تنسوا أنهم جعلوا علوم الدين كلها مادة واحدة وعلوم العربية كلها مادة واحدة، فكان ينجح الجاهل بالدين وبالعربية.
وكنا كلما طالبنا بتبديل هذا القانون أو تعديله أمهلونا إلى أن ينعقد «مجلس المعارف الكبير»، ولم يكن ينعقد إلاّ نادراً. لذلك كان لهذه المقالات، بصراحتها وحماستها، هذا الأثر الذي جعل مستشار المعارف يجيء بنفسه إلى الدكّان التي تقوم فيها إدارة الجريدة «فتى العرب»!
وكان ممّا قلت فيها، أنقله بنصه الحرفي:
"هذا هو التعديل الذي نطلبه من مجلس المعارف الكبير، وإن كنّا نعلم أن هناك قوة تسيطر على أعضائه ويداً تحرّكهم، وهناك من يستغلّ اسم المجلس لما يريد هو لا لما تريد الأمّة.
فهل يخيب ظننا السيّئ ونجد في أعضاء هذا المجلس من يؤدّي الأمانة، ومن يقوم بالواجب، ومن يكون المدافع عن دين الله وعن لغة القرآن، وعن شرف هذه الأمّة وعن تاريخها، ولو أدّى به ذلك إلى خسران منصبه وفقد مرتّبه؟ هل نرى في أعضاء المجلس هذا الرجل الشريف، هذا القوي الأمين؟ أظنّ أنّا لن نراه، ولكن أرجو أن يُكذّب الله ظنّي وأن أراهم كلهم ذلك الرجل".
وبعد أن أفضت في بيان إهمال الدين والعربية في مناهج
стр. 368
التعليم وفي الدراسة، قلت: "أما التاريخ فحسبك أن تعلم أن التلاميذ جميعاً لا يعلمون من تاريخ قتيبة والمهلَّب وابن القاسم عُشر ما يعلمون من تاريخ الثورة الفرنسية ونابليون، ولا من أخبار الأدارسة أو بني طولون ما يعرفون من تاريخ الملوك من بني بوربون".
وكان ذلك حقاً؛ فقد درسنا من تاريخ فرنسا من أيام ملوكها الميروفنجيين إلى عودة شارل العاشر إلى عرشها أكثر (أكثر بكثير) ممّا درسنا عن الخلفاء الأمويين والعباسيين، وعرفنا عن الثورة الفرنسية (ولا أزال أعرف) عن مراحلها كلها يوماً بعد يوم، وتفاصيلها كلها حادثاً بعد حادث، ما لم نعرف مثله عن تاريخ الفتوح وسِيَر الخلفاء.
أما اللغة الفرنسية فقد بدؤوا تعليمها من أول المدرسة الابتدائية، تمشي مع اللغة العربية خطوة خطوة. وما في الدنيا أمة حيّة حُرّة واعية تعلّم أبناءها لغة أجنبية قبل أن يُتقِنوا لغتهم القومية.
* * *
وكنا -مع هذا كلّه- نعيش بقايا النهضة التي كانت سنة ١٩١٩، لم نكن قد بلغنا من الضّعف في العربية ما بلغناه اليوم. أفليس عجباً أن نكون أيام حكم الفرنسيين أقوى في العربية ممّا عليه الطلاّب الآن وقد زال حكم الأجنبي (أعني الحكم المباشر) عن بلادنا؟ بل إن منها ما لم يحكمه أجنبي قط وتحقق فيه مع ذلك من ضعف الدين والعربية ما كان يتمنّاه المستعمر!
стр. 369
كنا في سنة ١٩٢١ نقرأ في الصف السابع (أي السنة الأولى المتوسطة) كتاب «قواعد اللغة العربية» لحفني ناصف وإخوانه، ونحفظه ونؤدّي الامتحان فيه، بل نُدخِل بين كل صفحتين منه صفحتين نكتب فيهما ما نضمّه إليه ممّا نستفيده من دروس أساتذتنا. هذا الكتاب لو وعاه أستاذ العربية ووعاه الأديب واقتصر عليه لكفاه، فكم الذين يعرفونه من الطلاّب الآن؟
كانت الدرجات في الامتحان من عشر، وكان التلاميذ في فحص الإملاء في الشهادة الابتدائية تُكسَر لهم درجة من عشر لكل غلطة في الإملاء ودرجتان لكل غلطة فاحشة يضع فيها التلميذ الهمزة في غير موضعها. فإن غلط خمساً فاحشات أخذ صفراً، فسقط في الامتحان ولو جمع العلوم كلها وأحاط بها. فكم الذين ينجحون في الامتحان لو نفّذنا فيهم هذا القانون الآن؟
كنا ونحن في أول المدرسة المتوسطة نراجع في القاموس المحيط أو اللسان، فكم الذين يعرفون كيف يرجعون إليهما الآن؟ كنا نحفظ من الشعر العربي الذي يُحتجّ به، من شعر الجاهليين والإسلاميين، مئات من الأبيات. فكم يحفظ منه الطلاّب الآن؟
ومع هذا فقد كتبت هذه المقالات التي أتحدّث عنها أندب فيها العربية وأبكي عليها، وأستصرخ أُولي الأمر لنجدتها وإسعافها، فأثارت الناس وحرّكَت الحُكّام، وتحدّث بها القُرّاء في المجالس وعلّقت عليها الصحف. ثم سكن كل شيء، فكأني ما كتبت وكأن الناس ما قرؤوا!
* * *
стр. 370
ومن المقالات التي كان لها صدى وكثُرَ التعليق عليها مقالة كان عنوانها «مسألة الأقلّيات» رددت بها على فايز الخوري، وهو الأخ الأصغر لفارس الخوري. وكان من زعماء «الكتلة الوطنية»، ولكن النزعة الصليبية لا تُمحى حتى من وطنيّي النصارى؛ إنهم كما كان يقول عارف النكدي: متعصبون يُظهِرون التسامح، ونحن متسامحون بل متساهلون ونُظهِر أحياناً التعصّب. ولقد أراد مرّة الدخول في الإسلام وكلّمَني في ذلك، وكنت قاضياً في دوما، ثم تبيّن أنه هدّد بعزمه على الإسلام للخلاص من امرأته. أما أخوه أستاذنا فارس بك (وفائز بك كان أيضاً أستاذنا في كلية الحقوق) فقد شهد مَن لازمه حتى موته أنه مات على الإسلام، والقرائن التي أعرفها تثبت صحّة هذه الشهادة، فلقد كان علمه بالإسلام لا يقلّ عن علم علمائه المبرزين، وكان كلما زاره شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار في مرضه يسأله أن يقرأ عليه القرآن، وأوصى أن يُقرأ في مأتمه ونُفِّذت وصيّته. أسأل الله أن يكون قد مات مسلماً، قلت هذا استطراداً.
ولي في «فتى العرب» مقالات أدبية كثيرة، منها فصول متسلسلة عنوانها «شعراؤنا المنسيّون» تكلمت فيها عن ابن مفرغ وغيره، ضاعت فيما ضاع من مقالاتي.
* * *
وفي أيام عملي في «فتى العرب» طلب مني الأستاذ أديب الصفدي أن أكتب له شيئاً في «الناقد»، وهي مجلة أسبوعية كانت من أوائل المجلاّت التي صدرت في دمشق، كانت وسطاً بين المجلات الأدبية والمجلات الإخبارية، فكتبتُ رواية عن حسن
стр. 371
الخراط نشرتُ منها فصولاً، كنت أعتمد فيها على الخيال أكثر من استنادي إلى الحقائق، ولم تدعني سلطات الانتداب أتمّها. وهذه الفصول في كتابي الذي طُبع في تلك الأيام وأودعته بواكير كتاباتي، وسميته «الهيثميات» لأني كنت أتكنّى بأبي الهيثم وأمضي مقالاتي بهذه الكنية.
كان أديب الصفدي صحفياً لكن لم يكن كاتباً، وكان معروف أديباً ولم يكن صحفياً. وكان الصحفيون (لمّا بدأت العمل بالصحافة حوالَي سنة ١٩٣٠) طبقات: منهم أدباء اشتغلوا بالصحافة فتجلّت فيها بلاغة أقلامهم وبراعة أذهانهم، أو علماء ظهرت فيها سعة علومهم وصحّة أفكارهم. مثال الأولين معروف الأرناؤوط وأحمد شاكر الكرمي، ومثال الآخِرين محمد كرد علي وعارف النكدي ومحبّ الدين الخطيب.
أما كرد علي ... فالكلام عنه في الحلقة الآتية.
* * *
стр. 372
-٣٧ -
الكتّاب والأدباء والصحفيّون
أما محمد كرد علي فهو أستاذنا وأستاذ كل من خطّ في الشام بقلم في مطلع هذا القرن الميلادي؛ ذلك أنه أول من رسم لهم الطريق وأول من عبّد لهم الجادّة. وكان مؤرّخاً باحثاً، وإن لم يكن قد بلغ الغاية في التحقيق وتمحيص النصوص، وكان كاتباً اجتماعياً، وكان له أسلوب في الترسّل، قلت في وصفه لما قرّظت كتابه «أمراء البيان» إني كنت أتخطى عبارة عبد الحميد الكاتب لأستمتع بعبارة محمد كرد علي.
ولا تستكثروا هذا القول؛ فإن عبد الحميد في قِدم عهده ورسوخ قدمه وسَبق زمانه إمام الكتّاب، لا أماري في ذلك، ولكن إذا تُرك فضل السَّبْق ومرجّح الزمن ووُضعَت العبارتان في الميزان رجحت عبارة الكاتب اللاحق على الإمام السابق.
وهذا شيء لا يثبت بالدليل المنطقي ولا يحقّق بالتجرِبة المخبرية، ولكن يُدرَك بالذوق، فمن كان من أهل النقد وكان يتذوّق طعوم الأساليب ويستطيع تصنيف الكلام شهد لما قلت بأنه الحقّ. ولقد صحبت الأستاذ كرد علي أمداً طويلاً وعندي من
стр. 373
أخباره الكثير، أحدّث بها القرّاء يوماً إن شاء الله.
وأساليب الكتّاب الأقدمين أربعة:
أسلوب يحاول صاحبه أن ينقل إلى نفسك ما في نفسه هو بأصحّ عبارة يقدر عليها وأوضحها، لا يقصد إلى تجميلها ولا إلى تحميلها ما لا حاجة بها إلى حمله، يبتغي فيها الإيجاز ولا يحرص فيها على المجاز، وهذا هو الترسّل، أسلوب ابن المقفّع. وعلى طريقه مشى كرد علي وشكيب أرسلان ومحبّ الدين الخطيب وأحمد أمين.
وأسلوب يجمّل العبارة التجميل المقبول، ويأتي معها بما يقاربها وما يناسبها من طريف السّيَر وغريب الخبر، وربما ابتعد بهذا الاستطراد عن المعنى المراد فضلّ عنه أو نسيه، أو رجع إليه بعدما ابتعد عنه. وهو يخرج بك من معنى إلى معنى ومن فكرة إلى فكرة، حتى لا تدري ماذا كان عنوان المقال وما هو الموضوع الأصلي للكلام، ولكنك لا تمله ولا تضيق به. وهذا هو أسلوب الجاحظ.
وأسلوب يعتني بالعبارة مثل عنايته بالفكرة، بل ربما زاد عليها فأضاع المعنى لتجميل المَبنى، يقرن بالكلمة أختها أو بنت عمّها، ويحشر معها من الأبيات ما يؤيّدها فيختلط النثر بالشعر، وتحس حين تقرؤه بأنه إلى التكلّف والصناعة أقرب منه إلى الأدب المطبوع، وهذا هو أسلوب ابن العميد.
وأسلوب يجعل العبارة وحدها هي المقصودة، يصفّ صاحبه كلاماً حلواً ولو كان خلواً من المعاني، مُسخت فيه
стр. 374
الأفكار ألفاظاً والصور كلمات، يفكّر صاحبه بيده لا برأسه، قد يثير فيك العجب من دقّة صنعته أو الإعجاب ببارع زخرفته، لكنه لا يثير في ذهنك فكرة ولا يبعث في قلبك عاطفة، فهو لوحة فسيفساء جامدة لا طاقة زهر، تمثال حسناء من الشمع لا الحسناء نفسها. وهذا هو أسلوب الصاحب بن عبّاد والقاضي الفاضل، الأسلوب الصناعي الذي بلغ الغاية في «مقامات الحريري».
وهؤلاء هم الكتّاب الذين أولع بهم أساتذة الأدب في المدارس والذين وضعوا لهم المناهج وحدّدوا لهم الموضوعات. وما هؤلاء بأعظم كتّاب العربية، وما أسلوب ابن العميد والصاحب والقاضي الفاضل وابن الأثير (صاحب «المثل السائر») بالأسلوب الذي يصلح قدوة للطلاّب، فضلاً عن «مقامات الحريري» التي كانت تُعَدّ -يوماً- النموذج الأكمل للأسلوب الأجمل!
هذا على ما فيها من براعة في اللعب بالألفاظ كلعب السحَرة في «السيرك»، وعلى أن كتاب «المثل السائر» أجود كتب البلاغة، لولا غلاظة صاحبه واستشهاده المملّ برسائله وكتاباته، ولولا طول لسانه وشتمه الناس بلا سبب.
* * *
لا، ما هؤلاء هم كبار الكتّاب الأقدمين، ولكن أكبر كتاب العربية خمسة: الجاحظ، لا أستطيع أن أنفيه منهم ولا أبعده عنهم، وأبو حيّان التوحيدي أول قصصيّ مبتكِر في أدبنا، والغزالي حين يحلّل النفس البشرية في «الإحياء»، وابن عربي في «الفتوحات» إذا قسناه بمقياس الأدب لا بمقياس الدين، وابن
стр. 375
خلدون في «المقدّمة».
هؤلاء كالأنهار الكبار. هل رأيتم بردى وإلى جنبه العين الخضراء؟ هو يجري دفّاقاً متقحّماً قوياً كفارس غضّ طرْفه وكدّ فرسه وشهر سيفه، وأغار على جيش العدوّ لا يبصر ما أمامه، وهي تخرج خَجِلة من تحت الصخرة عند رِجْل الجبل تمشي في ساقية صغيرة، فترى الساقية خالية ما فيها إلاّ حصى لمّاع لا يظهر فيها -من صفائه- الماء، تخطر على استحياء كأنها عذراء خرجت من خدرها أول مرة.
هؤلاء الخمسة وأمثالهم (إن كان لهم أمثال) هم كالأنهار الكبار، أما السواقي الصافية كالعين الخضراء فكثيرة، أمثّل لها بمثل واحد هو ابن السمّاك، وأمثّل لكلامه بكلمة واحدة قالها في رثاء دواد الطائي، قال: "يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتَها وإنما تريد راحتها، أجشبت المطعم وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمتَّ نفسك قبل أن تموت وقبرتها قبل أن تُقبَر. رغّبت نفسك عن الدنيا فلم ترَها لك قدراً إلى الآخرة، كان سيماك في سرّك ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقّهْت في دينك وتركت الناس يُفتُون، وسمعت الحديث وتركتَهم يتحدثون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عَطيّة ولا من الإخوان هَديّة، آنس ما تكون إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس! فمن سمع بمثلك، وصبر صبرك، وعزم عزمك؟
стр. 376
لاأحسبك إلاّ وقد أتعبت العابدين بعدك؛ سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك، ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قُلّة يبرد فيها ماؤك، ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، مِطْهَرتك قلبك وقصعتك تَوْرك (١). داود! ما كنت تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيّبه، ولا من الملبس ليّنه؟ بلى، ولكنْ زهدت فيه لما بين يديك. فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت في جنب ما أمّلت! فلما متّ شهَرك ربُّك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرّفك، فلتتكلم اليوم عشيرتُك بكل ألسنتها فقد أوضح ربك فضلها بك".
هذا هو الكلام السهل الممتنع، وهذا هو الأسلوب الذي يسهل نطقه على اللسان ويعذُب وقعه على الآذان ويدخل الجَنان بلا استئذان، أفندعه لتكلّف الصاحب، وتصنّع القاضي الفاضل، وألاعيب الألفاظ في مقامات الحريري؟
وإن كان ما يصف به داودَ (من ترك الملذّات وهجر الطيبات وحرمان النفس من جميع الرغبات) ليس هو الزهد المشروع وليس ممّا يأمر به الدين صفوةَ المؤمنين. ﴿قُلْ مَن حَرّمَ زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِهِ والطيّباتِ مِن الرزقِ؟﴾، ﴿كُلوا من الطيّباتِ واعمَلوا صالحاً﴾.
وأفضل كتب المنتخَبات المدرسية التي أعرفها الكتابُ الذي وضعه لطلاب «ندوة العلماء» في الهند الصديقُ الأديب الداعية
стр. 377
المخلص الشيخ أبو الحسن الندوي، فيا ليت المؤلفين يرونه ويسلكون سبيله. وهذا كله استطراد على طريقة شيخنا الجاحظ، طريقة نقدتُها وأنا سائر فيها لا أستطيع النجاة منها ولا البعد عنها، وخرجت بها من حدود موضوعي.
* * *
وأنا أعود إلى الموضوع فأقول: إن كان البارودي في مصر أولَ من أخرج الناس من متاهات الأسلوب اللفظي في الشعر إلى جادة البيان الأصيل، فإن الذي فعل فعله في النثر في الشام هو محمد كرد علي، وكلاهما نال ما نال بالمطالعة والنظر في آثار البلغاء، ما درس البارودي العَرُوض ولا أتقن علوم الآلة (الصرف والنحو البلاغة)، وما كان كرد عليّ متمكناً منها، ولمّا درّسها في الجامعة ظهر ضعفه فيها. وكان كلاهما -مع ذلك- رائداً، وكان أستاذاً، وكان معلم أجيال.
أما أحمد شاكر الكرمي فقد لقيته مرة واحدة، حين أخذت إليه كلمة أردّ بها على الأستاذ محمد البِزِم لِما كتبه عن أستاذنا سليم الجندي في مجلّته «الميزان». كان الكرمي أديباً صاحب فنون، كان من أوائل من عرّفَنا بالآداب الأجنبية ونقل إلينا (في الشام) بعض روائعها، وكان من أوائل من مارَس النقد الأدبيّ عندنا، وكانت مجلته «الميزان» أولَ مجلة أدبية خالصة عرفَتها دمشق، أو عرفتُها أنا في دمشق.
عاش الكرميّ مظلوماً ومات مظلوماً، وقد كتبت في جريدة «الأيام» من زمن بعيد أدعو إلى إنصافه والكتابة عنه وعن مجلته،
стр. 378
وكلاهما يستحقّ أن يكون موضوع رسالة ماجستير، وحملت على إخوَتِه وكلهم أدباء: حسن الكرمي ورفيقانا في مكتب عنبر عبدالغني وعبد الكريم أبو سلمى، فاستجاب أبو سلمى وكتب عنه (سمعت بكتابه ولم أرَه)، أبوهم الشيخ سعيد الكرمي نسبة إلى طولكرم (وهي طوركرم).
وقد تُوفّي أحمد شاكر شاباً مريضاً فقيراً، وجمع محيي الدين رضا (وهو ابن أخٍ للشيخ محمد رشيد رضا) طائفة من مقالاته في كتاب صغير سَمّاه «الكَرميّات». ومحيي الدين هذا هو أول مَن عرّفَنا بأدب جبران وأصحابه الذي يُدعى أدب المهجر (وصوابه: المُهاجَر)، وله كتاب صغير كان عندي وفقدتُه ولم أستطع أن أعوّضه، جمع فيه معارضات قصيدة «يا ليلُ الصبُّ متى غدُهُ» (وآخر من عارضها شوقي: «مضناكَ جفاهُ مرقدُهُ» التي يغنّيها محمد عبد الوهاب، ونغمتها الأصلية التي نحفظها أحلى من نغمة محمد عبد الوهاب). فمَن بعث به إليّ بثمنه شكرته.
أما الكلام عن معروف فقد سبق، وأما الكلام عن محبّ الدين والنكدي فسيأتي.
* * *
هؤلاء الخمسة طبقة في الصحفيّين وحدهم؛ إنهم أدباء أو علماء اشتغلوا بالصحافة، فنقلوا إليها أدبهم أو صبّوا فيها خلاصة تفكيرهم.
أما الطبقة الثالثة فصحفيون أتقنوا الكتابة الصحفية ونزلوا
стр. 379
عن درجة الكتابة الأدبية، كنجيب الريس. وليس في هذا الكلام انتقاص من أساليب الصحفيين بل هو تقرير للواقع، ولو استطاع الصحفيون الكتابة بأسلوب الأدباء لما كانوا صحفيين ناجحين، كما أن الأدباء الذين يكتبون الأدب الخالص بأسلوب الصحفيين لا يكونون من الأدباء الموفَّقين. ذلك أن لكل مقام مقالاً وأن البلاغة هي مطابقة الكلام لِمَا تقتضيه الحال، فالصحفي يكتب لعامّة الناس، والأديب يكتب للخاصّة كلاماً تفهمه (إن قرأَتْه) العامّة، والمقالة الصحفية تُكتب ليومها، والقطعة الأدبية لليوم وللغد ولما بعد الغد.
ومن هذه الطبقة صحفيون فهموا «صناعة الصحافة» فأحسنوا فهمها، همّهم إرضاء القرّاء من غير إسخاط الحكام، وأوضح الأمثلة عليها يوسف العيسى صاحب «ألف باء». ولقد كتبت عنده بعد أن تركت «فتى العرب» على أجر اتفقنا عليه.
كان يوسف لوناً آخر ليس من لون معروف ولا من شكله؛ فذاك رجل يعيش للأدب وللفن وهذا رجل كله عقل، ذاك اعتماده على الأسلوب المزوَّق المزخرَف وهذا اعتماده على الفكرة الصحيحة المقنعة يعرضها بالأسلوب العادي الواضح، ومعروف محدّث لبق ومزّاح مؤنس فَكِه، وإذا غضب كان هجّاء كأخبث الهجّائين لساناً، ويوسف جادّ قليل الكلام عفّ اللسان.
أمّا موضوع المقالات التي كنت أكتبها في «ألف باء» فشيء تعجبون منه إذا عرفتموه؛ كنت أكتب عن أفلام السينما فصولاً قصاراً، هي وسط بين تلخيص القصة وبين نقد التمثيل، ولا
стр. 380
يزال عندي كثير من هذه الفصول التي كتبتها من أكثر من نصف قرن، فيها قصص ومشاهد من الحياة وغرائب من وقائعها، ومثال من موضوعات الأفلام في تلك الأيام، ولا تخلو من تعليق فيه عِبرة ومن نصيحة أو موعظة. وأقوى المواعظ أثراً ما جاء عَرَضاً من حيث لا يتوقع السامع، لذلك كانت كلمة وعظ من مدرّس فيزياء أبلغ (أحياناً) من محاضرة من مدرّس الفقه، وقد شاهدت في المحكمة أن الطعنة التي يتوقعها الإنسان لا تبلغ منه ما تبلغه واحدة مثلها من الغافل عنها.
وقد تحسبون أني كنت من رواد السينمات ومن العاكفين على الملاهي، ولا والله، ولقد حزت شهادة البكالوريا ولم أدخل السينما إلاّ مرة واحدة، هي التي أخذونا إليها ونحن صغار أيام الحرب الأولى فأرونا مشاهد من حرب جناق قلعة عند المضيق قرب إسطنبول، ما فهمت منها شيئاً.
ولم يكن يمنعني من السينما ومن أمثالها أب ولا أخ، فقد عرفتم أن أبي ﵀ مات وأنا في الصف الثامن سنة ١٣٤٣هـ وأنه ليس لي أخ أكبر منّي فأنا بِكْر والدَيّ، ولكن منعني منها ما رُبّيت عليه من الدين، ومَن كنت أتصل به وأحضر مجالسه من العلماء، وثالثة ليست دونهما هي أني لم أتخذ رفيقاً إلاّ من المدرسة وداخل المدرسة.
ولقد كنت أرى في السينما (حتى لمّا صرت أتردّد عليها) أجمل ملهاة للشابّ وأخطر ملهاة، وأنها كالسم المحلول في كأس الشراب اللذيذ، لا يكاد يذوقه حتى يسيغه، ثم يألفه فيعتاده
стр. 381
فيقضي عليه. فلما جاء الرائي رأيناه أخطر علينا منها، لأن السينما لا نرى ما فيها حتى نذهب إليها والرائي يجيء هو إلينا، والسينما لا نحضرها إلاّ إن حجزنا لنا مكاناً فيها ولبسنا الثياب الصالحة لها ودفعنا أجرة الدخول إليها، والرائي نراه في جميع الأحوال بلا تعب ولا مال. فلما جاء «الفيديو» (وأنا سمعت خبره وما اقتنيته) هان علينا أذى السينما والرائي، فهل تأتينا الأيام والليالي بمصيبة جديدة يهون معها «الفيديو»؟
لمّا عرض عليّ الأستاذ يوسف العيسى هذا العمل قبلته فَرِحاً، لأني سآخذ بطاقة أدخل بها السينما متى شئت بالمجّان وأرى ما شئت من الأفلام، ولكني لما جرّبْت العمل ضقت به وكرهته. فالناس يدخلون السينما للمتعة وأنا أدخل للعمل، وحين تصير المتعة واجباً تفقد جمالها؛ هذه هي طبيعة النفس البشرية.
كان الحاضرون يتابعون الفِلم، يعيشون مع أحداثه، يشعرون شعور أبطاله، يخالطونهم، يحبون بعضاً منهم ويكرهون بعضاً ويحقدون على بعض ويشفقون على بعض، يكونون بنفوسهم مع الفِلم وأنا بعقلي مع الورق والقلم، أدوّن ملاحظاتي في الظلام لأخرج فأصوغ منها الفصل، فهل ترون أنه يبقى لي شيء من الاستمتاع به؟
ما كنت ناقداً فنياً ولا خالطت أهل الفن ولا عاشرتهم، وما كانت لدينا مسارح، إنما كان يزورنا بعض الفرق المصرية التمثيلية، فرقة يوسف وهبي (أي فرقة رمسيس) وفرقة فاطمة رشدي التي كانت تحاول أن تجاريها أو تزاحمها، وجاءتنا مرة فرقة أمين عطا الله، وهو لبناني (كما أظن) يقلّد نجيب الريحاني.
стр. 382
أما فرقة فاطمة رشدي فلم أحضر تمثيلها وحضرت تمثيل الفرقتين الأخريَين، ومنها (أي من الرواية التي حضرتها لكل منهما) كان علمي كله بالتمثيل، وكان اشتغالي بالروايات الخمس التي ألّفتها وعلّمت التلاميذ تمثيلها.
وبلغ من إعجابي بمسرحية يوسف وهبي التي شاهدتها أن قمت من بين الناس بعد إرخاء الستار فألقيت خطبة في التعليق عليها والإعجاب بها! وكان يوسف وهبي يعرف التصفيق وصيحات الإعجاب، ولكن لم يرَ يوماً مَن يقوم فيخطب في مدحه، فعاد فرفع الستارة، ووقف الممثلون جميعاً وجعلوا ينصتون لما كنت أقول ثم ينحنون لي شاكرين وتضجّ الدار بالتصفيق. وكان ذلك في «العباسية» القديمة، وكانت حماقة مني ونزوة شباب أخجل من ذكرها، وإن ذكرتها.
أما السينمات فمن التاريخ الاجتماعي لدمشق أن أقول إنه كان لدينا أيام العثمانيين دار سينما للدعاية العسكرية كانت في موضع البرلمان، ثم كان بعدها داران لم أدخلهما، «الزهرة» (أو الزهراء) في موضوع عمارة القباني في المرجة، و «سينما النصر» في سوق الخيل، وكل ذلك قبل أن تنطق السينما، ثم كانت «الكوزموغراف» في مدخل البَحْصَة، وكلها من دور الدرجة الثالثة. ثم أنشئت «الإمبَيَر» في بوّابة الصالحية، و «العباسية» كانت بناء من طبقتين من اللبِن والخشب في موضع العمارة الضخمة القائمة اليوم، وكل ذلك ملك الأوقاف!
* * *
стр. 383
كنت أكتب في «ألف باء» هذه الفصول وأكتب في موضوعات أخرى فيها وفي «القبس»، فحين تكون المقالة وطنية ملتهبة أبعث بها إلى «القبس»، وحين تكون هادئة معقولة أنشرها في «ألف باء».
ولما مضى الشهر الأول ومدّ الأستاذ يوسف العيسى يده إليّ بالأجرة التي اتفقنا عليها ألمّ بي خاطر غريب، هو أن أخذي الأجرة مَذَلّة لي! وسيطر عليّ هذا الخاطر سيطرة كاملة فرفضتها ... رفضتها إباء وشمماً، وأنا وأمي وإخوتي في أشد الحاجة إلى كل قرش منها.
وعجب مني الأستاذ وألحّ عليّ، وعجبت أنا من نفسي ولكني لم آخذها. ولم أعرف إلى الآن لماذا لم آخذها!
* * *
стр. 384
-٣٨ -
صدور «رسائل الإصلاح»
عندما ترون في كتب التراجم أن فلاناً من العلماء له مئة مصنّف ومئتان وأكثر، تذكّروا أنهم كانوا يَعدّون الرسالة الصغيرة التي تكون في ورقات مع الكتاب الذي يبلغ ألفاً وآلافاً من الصفحات، يجمعون ذلك كله في رقم واحد. فإن أنا قِست ما صدر لي بهذا المقياس جاوزَت مصنّفاتي (جاوزَت كثيراً) المئة ... الكتب منها (التي تُسمّى كتباً لا رسائل) أكثر من ثلاثين.
أول هذه المصنّفات صدوراً «رسائل الإصلاح»، من يقرؤها الآن لا يستطيع أن يدرك الأثر الذي كان لها يوم صدورها. إنها كانت حَجَراً، أو قُل «حصاة» أُلقِيَت في بركة ساكنة. ألا ترون الحصاة على صِغَرها ترسم على وجه البركة دائرة بعدها دائرة أوسع منها، ثم تتعاقب الدوائر حتى تبلغ حَفافي البركة كلها؟
كان مجتمعنا يوم صدورها (سنة ١٣٤٨هـ) مضطرباً هائجاً في جانبه النضالي والسياسي، ولكنه كان هادئاً في جانبه الفكري.
كان فيه مشايخ عاكفون على كتبهم في حلقاتهم، يكرّرون
стр. 385
(غالباً) قراءة الكتب التي قرؤوها (١) على مشايخهم يعيدون إقراءها تلامذتَهم، فما كانوا يزيدون عليها أو يَزِنون ما جدّ في عصرهم بميزانها. ولقد جدّت أفكار ومذاهب، وجدّت معاملات مالية وأوضاع اجتماعية لو كانت على أيام مؤلّفي تلك الكتب لبيّنوا حكم الله فيها، أيام كان العلماء يذكرون أن الإسلام لكل زمان ومكان وأن هذه الكرات التي ركّبها الله بين أكتافهم جعل فيها دماغاً هو أداة التفكير، لم يجعلها صندوقاً لشريط تسجيل يدوَّن فيه ما يسجَّل عليه، فإن أردنا إعادته أعاده، فإذا مللناه محوناه أو تولّى محوَه مرّ الزمان. ما قصّروا هم ولكن نحن المقصّرون.
و «أفندية» من المدرّسين والطلاّب في مدارسهم أو في جامعتهم، لا يعرضون للمشايخ ولا يكاد يعرض المشايخ لهم. وما حملوا (أي المشايخ) على المدارس الرسمية ودعوا إلى مقاطعتها إلاّ عندما يئسوا من إصلاحها (من غير أن يحاولوا إصلاحها!) وذلك عندما قامت نهضة المشايخ.
كان المشايخ والأفندية كالخطّين المتوازيَين كما قلت من قبل، فانعطف هذا قليلاً (أعني خطّ طلاّب المدارس) وذاك قليلاً
стр. 386
(أعني تلاميذ المشايخ)، فتقاربا. وأنا أقرّر (للتاريخ لا للفخر) أن أول من ظهر في الشام من تلاميذ المدارس جامعاً مع دراسته القراءة على المشايخ هو علي الطنطاوي، وأول من انتسب إلى المدارس بعد قراءته على المشايخ هو أخي ورفيقي في كلية الحقوق الشيخ مصطفى الزرقا، أخذ البكالوريا سنة ١٩٢٩ بعدي بسنة، مع أنه (وهذا سر بيني وبين القرّاء) أسنّ مني بسنتين أو ثلاث، ولكني شخت وبقي هو (أو ظن أنه بقي، أو أراد أن يبقى) شاباً. وكان نيله البكالوريا أمراً عجيباً تحدث به الناس. وجاء بعدي محمد المبارك ﵀، وأحمد مظهر العظمة شفاه الله، ومحمد كمال الخطيب، ومحمود مهدي الإسطنبولي ومن لست أحصي الآن. وجاء بعده الشيخ صبحي الصباغ، والشيخ (الدكتور) معروف الدواليبي، وكثيرون، حتى عظم -بحمد الله- الفريقان وصار منهما معاً جمهرة الدعاة إلى الله والعاملون في ميدان الدعوة الآن (١).
هذه القافلة كان أولها أنا والشيخ مصطفى، سبقت أنا سبق زمان لا سبق علم وفضل.
стр. 387
كانت هذه الرسائل التي كتبتها وكانت «حركة العقال» التي قمت بها (وسأتكلم عنها) ممّا شغل الناس في دمشق في تلك الأيام وملأ بذكري مجالسهم، ذكري بالخير تارة وبالشرّ تارات، حملا إليّ كثيراً من القدح وقليلاً من المدح. وكان أحبَّ إليّ لو أن غيري ممّن شهد أيامهما وعرف آثارهما هو الذي كتب عنهما لا أنا، لأني إن ذكرت المزايا أمدح نفسي وإن عددت العيوب آذيتُها.
وما أعني أني صرت بهما وبما سيأتي من أمثالهما (وما أكثر أمثالهما في حياتي) ... ما صرت «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فذلك المتنبي. وما أدري هل تنبّأ حقاً أم هو لقب لبسه، أما أنا فما تنبأت وما لي شيء من عبقرية المتنبي ولا من وصفه وحكمته، ولا أملك مثل روعة شعره ولا أطمع بمثل بقاء ذكره. وماذا ينفع الميّتَ إن ذكره الناس أو نسوه أو مدحوه أو ذمّوه؟ إنما ينفعه ما قدّم من عمل وما يرجو من غفران.
* * *
كانت رسائل أربعاً لم أجد عندي إلاّ الأولى منها، وهاكم صورة جلدتها مكتوباً عليها إنها بقلم محمد علي الطنطاوي، بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة، مطبعة الترقّي في دمشق سنة ١٣٤٨هـ. ومعنى هذا بالاصطلاح المصري أني محمد وأن أبي هو علي، أما نحن في الشام فنضيف اسم محمد إلى اسم الرجل تبرّكاً وتشرّفاً، واسمي هو علي.
حاولت أن أجد الرسائل الثلاث الأخرى فلم أستطع،
стр. 388
وسألت إخواني، أعني من بقي منهم فإن أكثرهم مضى إلى لقاء ربه، وسألت مَن قدّرت أن أجدها عنده فما وجدت لها أثراً. فاعجبوا معي من تحوّل الأحوال: رسائل أثارت يوماً بلداً، ثم جاء يومٌ يفتّش مؤلّفها عن نسخة منها فلا يجدها!
قرأت هذه الرسالة فَرِحاً لأني وجدت فيها صورة عن تفكيري ونسخة من أسلوب كتابتي قبل أربع وخمسين سنة. والذي سرّني أني وجدت الأفكار التي اشتملت عليها هي نفسها أفكاري الآن، وما دعوت إليه يومئذٍ هو الذي أدعو إليه اليوم، ما بدّله مرور أكثر من نصف قرن. ومن الكتّاب من يبدّل أفكاره كما يبدّل قمصانه! أما أسلوبها فليس هو الذي أكتب به الآن، ولكنه (وسترون ممّا أنقله من فقرات الرسالة) أسلوب جزل صحيح، وعفوكم فأنا هنا في مقام المؤرّخ أقول الحقّ الذي هو لي كما أقول الذي هو عليّ.
وكنت لما كتبتها حديثَ عهد بدراسة الفلسفة، فكان في القسم الأول من هذه الرسالة جذور ما كتبتُه في كتابي «تعريف عام بدين الإسلام». وقد درسنا الميتافيزيك (أي ما وراء المادة) والمنطق، منطق أرسطو الذي كان يقرؤه المشايخ والمنطق العلمي الحديث، وعلم الأخلاق، وعلم النفس، وكنا ندرس ذلك كله في الكتب ذاتها التي كان يدرسها الطلاّب في باريس، هذا ما أرادونا عليه وكلّفونا به. وعلم النفس الفرنسي يعتمد على النظريات لا كالذي يُدرَس الآن، فقد درسنا نظريات ومذاهب في اللذّة والألم -مثلاً- وتحقيق ماهيتهما لم يعُد الطلاّب يهتمّون بها في غير فرنسا، ودرسنا علم الجمال وعلم الاجتماع. وبعضُ ما
стр. 389
ذكرت لا تنطبق عليه شرائط العلم، ولكن أقول ما يطلقه عليها الناس.
والذين كانوا معي في شعبة الفلسفة كثيرون، ولكن أثر ما درسته فيها كان عميقاً في نفسي وفي تفكيري وهو منطبع في نفسي وطالما استفدت منه في كتبي وفي محاضراتي، على حين أن أكثر إخواني درسوه ونسوه. كما أن ما درست من العلوم (في الفيزياء والفسيولوجيا، أي وظائف الأعضاء، وغيرها) لا تزال أصوله ولا يزال كثير من فروعه في ذهني. وما جاء في الفصول الأولى من كتابي «تعريف عام بدين الإسلام» لم أنقله نقلاً عن الكتب التي قال أحدُ مَن كتب عنه إنني نقلته منها، وكيف وقد ذكرت أسسه في هذه الرسالة وهي مطبوعة سنة ١٣٤٨، وسمعه مني الطلاّب على مدى عقود من السنين، وطبع في المذكّرات الجامعية في أعوام كثيرة متعاقبة، ونشرت بعضه في «الرسالة» من أكثر من خمس وأربعين سنة، والكتب التي ظن الأخ الناقد أنني نقلت منها طُبعت بعد ذلك التاريخ بزمن طويل.
* * *
أقرأ الرسالة الآن فأعجب والله كيف كتبتها وأنا ابن إحدى وعشرين سنة فقط! لقد نضجت مبكراً، وما بعد نضج الطعام إلا احتراقه، فهل ترونني لهذا احترقت مبكراً؟ ولكن من قال إنني احترقت؟ أأنكر نعمة ربي وقد أمرني أن أذكرها وأن أحدّث بها؟ أليس في هذا التواضع السخيف مني جحود لما أكرمني به ربي؟ اللهم إنني معترف بفضلك مؤمن بأن القوّة منك، لا حول ولا قوة
стр. 390
إلاّ بك، فأَدِم عليّ نعمتك وارزقني الشكر عليها.
وسأنقل فقرات من هذه الرسالة ليرى مَن هو في هذه السن من شباب اليوم كيف كان سَنينهم (١) من شباب الأمس، وسيعجبون حين أروي لهم قصة كتابتها فيرون أني كتبتها كلها في جلسة واحدة أمام شاهدَين عدلَين. لكني لا أستطيع استشهادهما، فقد ماتا، ولست أكذب عليهما وقد مضيا للقاء ربهما، وأنا -عمّا قليل- لاحق بهما؛ هما الشيخ محمد زاهد الكوثري والأستاذ حسام الدين القدسي.
قلت في أولها بعد البَسملة والحَمدلة (٢): اللهم إن هذا دينك الذي بَعثت به نبيك، وهذا كتابك الذي أنزلت به وحيك، وهؤلاء عبادك الذين أمرتهم باتباعه وأوجبت عليهم العمل به. اللهم إنهم قد ضلوا (أو ضل أكثرهم) سبيلك واختلفوا في دينك وتفرقوا شيعاً، فأضاعوا عزّهم وودّعوا مجدهم، وعاشوا وهم أكثرُ ما كانوا عدداً أشدَّ ما كانوا ضعفاً. اللهم هيّئ لهم ولياً من أوليائك