← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(أعني تلاميذ المشايخ)، فتقاربا. وأنا أقرّر (للتاريخ لا للفخر) أن أول من ظهر في الشام من تلاميذ المدارس جامعاً مع دراسته القراءة على المشايخ هو علي الطنطاوي، وأول من انتسب إلى المدارس بعد قراءته على المشايخ هو أخي ورفيقي في كلية الحقوق الشيخ مصطفى الزرقا، أخذ البكالوريا سنة ١٩٢٩ بعدي بسنة، مع أنه (وهذا سر بيني وبين القرّاء) أسنّ مني بسنتين أو ثلاث، ولكني شخت وبقي هو (أو ظن أنه بقي، أو أراد أن يبقى) شاباً. وكان نيله البكالوريا أمراً عجيباً تحدث به الناس. وجاء بعدي محمد المبارك ﵀، وأحمد مظهر العظمة شفاه الله، ومحمد كمال الخطيب، ومحمود مهدي الإسطنبولي ومن لست أحصي الآن. وجاء بعده الشيخ صبحي الصباغ، والشيخ (الدكتور) معروف الدواليبي، وكثيرون، حتى عظم -بحمد الله- الفريقان وصار منهما معاً جمهرة الدعاة إلى الله والعاملون في ميدان الدعوة الآن (١). هذه القافلة كان أولها أنا والشيخ مصطفى، سبقت أنا سبق زمان لا سبق علم وفضل.

стр. 387

كانت هذه الرسائل التي كتبتها وكانت «حركة العقال» التي قمت بها (وسأتكلم عنها) ممّا شغل الناس في دمشق في تلك الأيام وملأ بذكري مجالسهم، ذكري بالخير تارة وبالشرّ تارات، حملا إليّ كثيراً من القدح وقليلاً من المدح. وكان أحبَّ إليّ لو أن غيري ممّن شهد أيامهما وعرف آثارهما هو الذي كتب عنهما لا أنا، لأني إن ذكرت المزايا أمدح نفسي وإن عددت العيوب آذيتُها. وما أعني أني صرت بهما وبما سيأتي من أمثالهما (وما أكثر أمثالهما في حياتي) ... ما صرت «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فذلك المتنبي. وما أدري هل تنبّأ حقاً أم هو لقب لبسه، أما أنا فما تنبأت وما لي شيء من عبقرية المتنبي ولا من وصفه وحكمته، ولا أملك مثل روعة شعره ولا أطمع بمثل بقاء ذكره. وماذا ينفع الميّتَ إن ذكره الناس أو نسوه أو مدحوه أو ذمّوه؟ إنما ينفعه ما قدّم من عمل وما يرجو من غفران. * * * كانت رسائل أربعاً لم أجد عندي إلاّ الأولى منها، وهاكم صورة جلدتها مكتوباً عليها إنها بقلم محمد علي الطنطاوي، بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة، مطبعة الترقّي في دمشق سنة ١٣٤٨هـ. ومعنى هذا بالاصطلاح المصري أني محمد وأن أبي هو علي، أما نحن في الشام فنضيف اسم محمد إلى اسم الرجل تبرّكاً وتشرّفاً، واسمي هو علي. حاولت أن أجد الرسائل الثلاث الأخرى فلم أستطع،

стр. 388

وسألت إخواني، أعني من بقي منهم فإن أكثرهم مضى إلى لقاء ربه، وسألت مَن قدّرت أن أجدها عنده فما وجدت لها أثراً. فاعجبوا معي من تحوّل الأحوال: رسائل أثارت يوماً بلداً، ثم جاء يومٌ يفتّش مؤلّفها عن نسخة منها فلا يجدها! قرأت هذه الرسالة فَرِحاً لأني وجدت فيها صورة عن تفكيري ونسخة من أسلوب كتابتي قبل أربع وخمسين سنة. والذي سرّني أني وجدت الأفكار التي اشتملت عليها هي نفسها أفكاري الآن، وما دعوت إليه يومئذٍ هو الذي أدعو إليه اليوم، ما بدّله مرور أكثر من نصف قرن. ومن الكتّاب من يبدّل أفكاره كما يبدّل قمصانه! أما أسلوبها فليس هو الذي أكتب به الآن، ولكنه (وسترون ممّا أنقله من فقرات الرسالة) أسلوب جزل صحيح، وعفوكم فأنا هنا في مقام المؤرّخ أقول الحقّ الذي هو لي كما أقول الذي هو عليّ. وكنت لما كتبتها حديثَ عهد بدراسة الفلسفة، فكان في القسم الأول من هذه الرسالة جذور ما كتبتُه في كتابي «تعريف عام بدين الإسلام». وقد درسنا الميتافيزيك (أي ما وراء المادة) والمنطق، منطق أرسطو الذي كان يقرؤه المشايخ والمنطق العلمي الحديث، وعلم الأخلاق، وعلم النفس، وكنا ندرس ذلك كله في الكتب ذاتها التي كان يدرسها الطلاّب في باريس، هذا ما أرادونا عليه وكلّفونا به. وعلم النفس الفرنسي يعتمد على النظريات لا كالذي يُدرَس الآن، فقد درسنا نظريات ومذاهب في اللذّة والألم -مثلاً- وتحقيق ماهيتهما لم يعُد الطلاّب يهتمّون بها في غير فرنسا، ودرسنا علم الجمال وعلم الاجتماع. وبعضُ ما

стр. 389

ذكرت لا تنطبق عليه شرائط العلم، ولكن أقول ما يطلقه عليها الناس. والذين كانوا معي في شعبة الفلسفة كثيرون، ولكن أثر ما درسته فيها كان عميقاً في نفسي وفي تفكيري وهو منطبع في نفسي وطالما استفدت منه في كتبي وفي محاضراتي، على حين أن أكثر إخواني درسوه ونسوه. كما أن ما درست من العلوم (في الفيزياء والفسيولوجيا، أي وظائف الأعضاء، وغيرها) لا تزال أصوله ولا يزال كثير من فروعه في ذهني. وما جاء في الفصول الأولى من كتابي «تعريف عام بدين الإسلام» لم أنقله نقلاً عن الكتب التي قال أحدُ مَن كتب عنه إنني نقلته منها، وكيف وقد ذكرت أسسه في هذه الرسالة وهي مطبوعة سنة ١٣٤٨، وسمعه مني الطلاّب على مدى عقود من السنين، وطبع في المذكّرات الجامعية في أعوام كثيرة متعاقبة، ونشرت بعضه في «الرسالة» من أكثر من خمس وأربعين سنة، والكتب التي ظن الأخ الناقد أنني نقلت منها طُبعت بعد ذلك التاريخ بزمن طويل. * * * أقرأ الرسالة الآن فأعجب والله كيف كتبتها وأنا ابن إحدى وعشرين سنة فقط! لقد نضجت مبكراً، وما بعد نضج الطعام إلا احتراقه، فهل ترونني لهذا احترقت مبكراً؟ ولكن من قال إنني احترقت؟ أأنكر نعمة ربي وقد أمرني أن أذكرها وأن أحدّث بها؟ أليس في هذا التواضع السخيف مني جحود لما أكرمني به ربي؟ اللهم إنني معترف بفضلك مؤمن بأن القوّة منك، لا حول ولا قوة

стр. 390

إلاّ بك، فأَدِم عليّ نعمتك وارزقني الشكر عليها. وسأنقل فقرات من هذه الرسالة ليرى مَن هو في هذه السن من شباب اليوم كيف كان سَنينهم (١) من شباب الأمس، وسيعجبون حين أروي لهم قصة كتابتها فيرون أني كتبتها كلها في جلسة واحدة أمام شاهدَين عدلَين. لكني لا أستطيع استشهادهما، فقد ماتا، ولست أكذب عليهما وقد مضيا للقاء ربهما، وأنا -عمّا قليل- لاحق بهما؛ هما الشيخ محمد زاهد الكوثري والأستاذ حسام الدين القدسي. قلت في أولها بعد البَسملة والحَمدلة (٢): اللهم إن هذا دينك الذي بَعثت به نبيك، وهذا كتابك الذي أنزلت به وحيك، وهؤلاء عبادك الذين أمرتهم باتباعه وأوجبت عليهم العمل به. اللهم إنهم قد ضلوا (أو ضل أكثرهم) سبيلك واختلفوا في دينك وتفرقوا شيعاً، فأضاعوا عزّهم وودّعوا مجدهم، وعاشوا وهم أكثرُ ما كانوا عدداً أشدَّ ما كانوا ضعفاً. اللهم هيّئ لهم ولياً من أوليائك

стр. 391

يرشدهم إلى طريق الهدى ويدلّهم على سبيل السداد، ويبدّلهم بالشتات اتحاداً، وبالضعف قوة، وبالذلة عزاً، وبالجهل علماً، وما ذلك على الله بعزيز. وقلت في آخر المقدمة: هذه الرسائل لا أقصد بها الدلالة على علم عندي، فما فيها إلاّ ما يعلمه كل واحد فينا، ولا أرجو أن يتحقق اليوم أملي منها، فإن ذلك أصعب من أن يتحقق في مثلها، ولكنني أرمي إلى تنبيه الأمّة إلى ما هي واقعة فيه، ولَعَلّي بالغٌ من ذلك بعضَ ما أريد. دمشق: غرة رجب ١٣٤٨هـ. * * * بدأت الرسالة ببيان أن لهذا الكون إلهاً، وأن «فكرة الإله» فطرة مغروزة في كل نفس، وأن الإنسان لا يعيش ويموت من غير إيمان، ولكنه قد يصل على ضوء الوحي إلى معرفة الإله الحقّ، وقد يضلّ فيؤلّه حجراً أو بشراً أو شجراً أو النار التي أوقدها أو الأصنام التي نحتها. وأشرت إلى بعض ما قاله دوركايم الذي كان كتابه من كتب المطالعة الفلسفية التي كانت مقرّرة علينا (وهو أحد الذين أفسدوا عقول الشباب عن معرفة وعن قصد لا عن جهل ولا عن خطأ: فرويد ودارون وكارل ماركس، وهو شرّهم) كما أشرت إلى بعض ما قاله كانط (وقد كان كتاباه في نقد العقل من كتب المطالعة الفلسفية، على جفاف أسلوبه وصعوبة فهمه، لا سيما ونحن نقرؤه في الترجمة الفرنسية)، وعرضت لقانون الحالات الثلاث لأوغست كونت، وقد تبيّن الآن بطلانه، وحدّدت الصلة بين الدين والعلم.

стр. 392

ثم تكلمت عن الإسلام، وأنه لا يمكن أن يكون بين الثابت من أحكامه وبين المحقَّق في العلم تنافٍ ولا تناقض؛ لأن العقلَ منحةٌ من الله والدينَ وحيٌ من عند الله، وأن أقرب مثال له الساعتان اللتان تخيّلهما لَيْبِنس، ولم أكن قد اطلعت (والله) على ما قاله ابن تيمية في كتابه القيم. وأنّ الدين الإسلامي صالح لكلّ زمان؛ لأن فيه أصولاً ثابتة لا يؤثّر فيها تبدّل الأزمنة والأمكنة، وفروعاً يمكن أن تتبدّل بتبدل الأزمان. ثم تكلمت عن بُعد أكثر المشايخ عن علوم العصر وعن اختلافهم، ونزلت على أتباع الطرق الصوفية أو أكثرها فقلت: وتمرّ على زاوية فترى قوماً يرقصون ويقفزون ويصيحون بأفظع الأصوات وأنكرها، فتسألهم مُنكِراً: ما يفعلون؟ فينبئونك أن هذا هو ذكر الله! وتجتاز في ليالي الوداع من رمضان على مسجد بني أمية، فترى في وسطه أناساً قد لبسوا قلانس طِوالاً وأثواباً كأنها المخاريط الناقصة يدورون على أنفسهم، فتحسبهم ذوي جِنّة، ولكنهم يزعمون (ويُقِرّ بعضُ الناس زعمَهم) أن هذا من الدين وأن أبا بكر فعله! لا والله أيها القوم، ما كان الدين هُزُواً ولا لعباً، ولا كان أبو بكر معتوهاً ولا مجنوناً، ولكنكم ... وتكلمت عمّن يدّعي أنه سلفي فيحارب المذاهب. ولا أدري والله كيف يدّعون الأخذ بالحديث وهم لا يعرفون صحيحَه من ضعيفه وموضوعَه من مرفوعه، وعمّن يدّعون أنهم مقلّدون وأن المقلّد لا صلة بينه وبين كتاب ربه وسنّة نبيه إلاّ هؤلاء الأئمة، ويرون أنهم أضعف من أن يفهموا حديثاً صحيحاً واضح

стр. 393

اللفظ بيّن المعنى ... كأن الحق ضاع بين الفريقين ... وهنالك من يرى التقرّب إلى الله باللجوء إلى قبر ولي من الأولياء، يطوف به ويقبّل أعتابه! ثم تكلمت عن خطبة الجمعة ولماذا شرعها الله، وعن الخطباء الذين كانوا يقرؤون ما في دواوين الخطب يلقونه أسوأ إلقاء وأقبحه، فمن متغنٍّ بخطبته ومن متشدّق بها، وكلهم يستقرّ في نبرات صوته حيث الاستفهام ويستفهم حيث الوقف والاستقرار، وهو حزين حيث الغضب وغضبان حيث الوعظ، وكلهم يلزم السجع البارد المستثقَل والمحسّنات البديعية المستهجَنة. ثم غلبَتْ حماسة الشباب واندفاعه فقلت: إن أمة بتاريخها وعظمتها لا يُقضى عليها من أجل طائفة من المشايخ أبت إلاّ الجمود على مواريثها والوقوف في مكانها ومقاومة كل جديد نافع. إن الدين ليشكو إلى الله قوماً أضاعوه، والمنابرَ لَتبكي من أناس علوها وما هم من فرسانها! ثم كانت الهجمة على «الأوقاف» التي كانت الموكلة بالمساجد وخطبائها، ونقدت خطبة الجامع الأموي التي كانت تُورّث كما تُورّث الأموال، أي أن ابن الخطيب أو الإمام يرث إمامته وخطبته كما يرث عمامته وجبّته! وكانت خطبة الأموي مقسّمة بالقراريط بين أسر ثلاث، أسرة الخطيب (وأمّي من أسرة الخطيب) والأسطواني والمَنيني، وقلت عن المنيني ﵀ وسامحَني: وفيهم من له الصوت الأجشّ الخشن الذي لا يسمعه مَن حوله.

стр. 394

وكان أعجب ما في القصة أني أردت أن أضرب المثل على دفع الرواتب لمن لا يعمل فقلت (ص٣٨): كان لوالدي ﵀ جزاء على جزء من القرآن يقرؤه في جامع السّنانيّة، ثم تُوفّي فعُيّنت مكانه، ولقد مضى عليّ خمسة أعوام ولم أقرأه مرة واحدة والمعاش يأتيني، وأمثالي في هذا كثير، والأوقاف لاهية لاعبة لم تسألني يوماً عن عملي. ولولا أن انتدبَت جدة لي نفسها لقراءته لأخذت المال حراماً، ولكنه حرام على هذه الدائرة الـ ... لا عليّ أنا وحدي. والأنكى من هذا أنني لم أسمع أن لهذه الإدارة مفتّشين يدورون على المساجد فيرون ما يحدث فيها. وبيّنت أن من أيسر ما يحدث أن الإمام يغيب ويوكل عنه وكيلاً، وقد يوكل هذا ثالثاً لا يحسن الصلاة ولا يجيد القراءة. وكان الجواب المرتقَب هو عزلي وقطع الراتب عني. كان هذا في الوقت الذي كنت أحتاج فيه إلى الليرة الواحدة! ولم أندم -مع ذلك- على ما كتبت. * * *

стр. 395

إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com

стр. 396

المحتويات بين يدَي الذكريات ... ٥ المقدمة ... ١٣ الحلقة (١) ذكريات لا مذكّرات ... ١٧ الحلقة (٢) من ذكرياتي عن دمشق ... ٢٧ الحلقة (٣) من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية ... ٣٧ الحلقة (٤) من ذكريات الطفولة ... ٤٩ الحلقة (٥) من ذكريات الطفولة أيضاً ... ٥٩ الحلقة (٦) من المدرسة التجارية إلى المدرسة السلطانية ... ٦٩ الحلقة (٧) في المدرسة السلطانية ... ٧٩ الحلقة (٨) منعطف خطير في تاريخ سوريا ... ٨٩ الحلقة (٩) عهد جديد في حياتي ... ٩٩ الحلقة (١٠) من جوار الأموي إلى سفح جبل قاسيون ... ١٠٩ الحلقة (١١) فصل جديد في تاريخ الشام ... ١١٩ الحلقة (١٢) خطبتي الأولى وتهجّمي على الفرنسيين ... ١٢٧ الحلقة (١٣) مرحلة خصبة في حياتي ... ١٣٧ الحلقة (١٤) في مكتب عنبر ... ١٤٥ الحلقة (١٥) أساتذتي في مكتب عنبر ... ١٥٣ الحلقة (١٦) أساتذتي في مكتب عنبر أيضاً ... ١٦٣ الحلقة (١٧) من مصر إلى الشام ... ١٧٣

стр. 397

الحلقة (١٨) جدي الشيخ أحمد الطنطاوي ... ١٨٥ الحلقة (١٩) عود للحديث عن مكتب عنبر ... ١٩٥ الحلقة (٢٠) شغلي الدائم المطالعة ... ٢٠٧ الحلقة (٢١) ثورة في المدرسة ... ٢١٧ الحلقة (٢٢) صفحة جديدة في سِفْر حياتي ... ٢٢٧ الحلقة (٢٣) لمّا صرت تاجراً ... ٢٣٧ الحلقة (٢٤) مشايخي خارج المدرسة ... ٢٤٧ الحلقة (٢٥) أسرة الخطيب والأسر العلمية في دمشق ... ٢٥٧ الحلقة (٢٦) الثورة على الفرنسيين ... ٢٦٩ الحلقة (٢٧) كيف انطلقت الثورة ... ٢٨١ الحلقة (٢٨) شعر الثورة في مكتب عنبر ... ٢٩١ الحلقة (٢٩) من شعر الثورة ... ٣٠١ الحلقة (٣٠) النجاح في البكالوريا والسّفر إلى مصر ... ٣١١ الحلقة (٣١) اليوم الأوّل في مصر ... ٣٢١ الحلقة (٣٢) ظهور الدّعوة الإسلامية في مصر ... ٣٣١ الحلقة (٣٣) العودة إلى دمشق وإنشاء جمعية الهداية ... ٣٤٣ الحلقة (٣٤) تقلّبات على الطريق ... ٣٥٥ الحلقة (٣٥) احتراف الصّحافة ... ٣٦٧ الحلقة (٣٦) في جريدة «فتى العرب» ... ٣٧٩ الحلقة (٣٧) الكتّاب والأدباء والصحفيّون ... ٣٩١ الحلقة (٣٨) صدور «رسائل الإصلاح» ... ٤٠٣

стр. 398

ذكريات علي الطنطاوي الجزء الثاني طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزريع

стр. 399

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الخامسة ٢٠٠٦ دار المنارة للنشر والتوزريع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 400

-٣٩ - رسائل «سيف الإسلام» الناس يبدؤون باللين وأنا بدأت الكتابة بالعنف، وهم يكتبون للفنّ والأدب وأنا بدأت للنقد والإصلاح؛ بدأت برسائل الإصلاح فهِجْت على نفسي حرباً لا طاقة لي بها، حرباً ما لي فيها نفع ولا لي في غنائمها أمل، ما غنمت منها إلاّ أنه كان لي راتب من الأوقاف فقطعته بيدي. لقد كان قليلاً ولكنّ أصغرَ رقم أكبرُ من الصفر، وأسوأ المساكن -كما قال كافور (بطل الوحدة الإيطالية) - أفضل من فقد المسكن. لقد أثَرْتُ الناسَ عليّ: الشبان الذين كانوا يكرهون كل دعوة إلى الدين ويستعملون ما تلقّوه عن الأوربيين في إضعافه أثارهم أنهم رأوني أحاربهم بسلاحهم، وقد كرّه إليهم الدينَ صنفان من الناس: دعاة جهلوا أسلوب دعوة الشباب فأبعدوهم عنه بلا قصد، وناس من شياطين الإنس قصدوا إبعادهم عنه قصداً، كبعض المدرّسين وبعض الأدباء أو الصحفيين. وأثرت بعض المشايخ لمّا نقدت طريقتهم في الدعوة إليه وفي تلقين المتعلمين أحكام شريعته، وكانت (في الحقّ) أسوأ الطرق في التدريس في كتب أُلِّفت على أسوأ الأساليب

стр. 401

في التأليف: «متن» موجز إيجازاً مُخِلاًّ، كأن مؤلّفه بخيل كُلّف بأن يرسله في «برقية» إلى أستراليا يُغرَّم أجرتها من ماله، فهو يقتصد في الكلمات لتقلّ عليه النفقات! وانظروا «جمع الجوامع» و «التحرير» في الأصول مثلاً على هذه المتون، وقابلوا أسلوبه بأسلوب الغزالي في «المستصفى». كانت أكثر الكتب التي يعكفون عليها بعيدة عن البيان بُعْدَ الأرض عن السماء، معقّدة العبارة، أعجمية السبك وإن كانت عربية الكلمات. فيأتي مَن يوضّح غامض المتن، فيُدخِل جملة من عنده بين كل جملتين منه، كما يرقّعون اليوم الجلد المحروق من الإنسان بقطعة من جلده السليم، فينجح الرتق أو يظهر أثر الفتق، وهذا هو «الشرح». ويأتي مَن يضع لهذا الشرح حواشي وذيولاً، يطوّله فيها فيجمله أو يقبّحه ويعطّله، وهذه هي «الحاشية»، ويبدو ضعف الإنشاء في القرون المتأخرة حتى في مثل حاشية ابن عابدين التي هي اليوم عمدة المفتين على المذهب الحنفي. ثم يجيء مَن يعلّق على هذه الحاشية تعليقات، وتُسمّى «التقريرات». فلا الأسلوب عربي فصيح ولا المنهج قويم صحيح. وانظروا «المبسوط» مثلاً للسرخسي أو «البدائع» للكاساني، ثم انظروا «الحاشية». أو انظروا في مذهب الشافعية «الأم» ثم «مُغني المحتاج»، إن ما بينهما كالذي بين «أسرار البلاغة» وشروح «التلخيص»؛ في كتب الأولين البلاغة والبيان والأسلوب العربي المنير، وفي حواشي الآخرين ... فيها ما تعرفون! وأزعجت بنقدي العنيف «الأوقاف»، إدارتها وأكثر خطباء مساجدها، فأغرتهم بي. وما كانوا في حاجة إلى إغراء ففيما كتبت

стр. 402

عنهم ما يكفيهم، فنزل عليّ البلاء من فوق المنابر، وصرت المثل المضروب للشابّ الأرعن الوقح قليل الحياء، الذي يتطاول على العلماء ويتناول الخطباء ... وما أوسع أبواب الهجاء لمن شاء دخوله. وكانت «نهضة المشايخ» لا تزال مستمرّة، وإن خفّت شدّتها وقلّت حدّتها، فجاءنا من حلب شيخ في الزيّ شابّ في السنّ، لم يكن عالماً ولا طالب علم متمكّن ولكنه كان خطيباً من أعظم من سمعت من الخطباء؛ جهير الصوت، حاضر البديهة، حسن الإلقاء، يتدفّق بالكلام تدفّق النبع الغزير، هو الشيخ أحمد الصابوني. فصار لسان جماعة المشايخ من أصحاب الشيخ علي الدقر، المحامي عنهم، وانضمّ إليه آخر من دمشق أصغر منه في السنّ ومثله في العلم! ودونه في الخطابة واللسَن، لا يقاربه على صهوات المنابر ولا يدانيه ولكنه متكلّم خطيب. وكان الشيخ الصابوني يريد (والله أعلم بحقيقة ما يريد) الوصول إلى الجمهور وكان يفتّش عن أقرب طريق يسلكه إلى غايته، وكانت «رسائل الإصلاح» -على قِلّة عدد المطبوع منها- قد سرَت (كما كان يقول الأولون) سريان النار في الهشيم، أي في القشّ اليابس، وصار الرجل يقرأ النسخة ثم يعطيها غيره ليقرأها، فتمرّ كل نسخة على عدد من الناس، كان أكثرهم (والحقّ يُقال) لا يقرؤها ليثني عليّ بل ليسبّني، وكان الغضب عليّ وعليها يسبق وصول الرجل إليها، فكان الطريق تأليف كتاب صغير في الردّ عليها.

стр. 403

وصار الشيخ أحمد يخطب في المساجد، يشرح ما وصلَت إليه الحال من سوء، وما آل إليه الشباب من البعد عن الدين والإعراض عنه والإساءة إلى علمائه، وهم حَمَلة لوائه، ويضرب المثل برسائلي، ثم يُشير إلى كتابه الذي ألّفه في الردّ عليّ، وكان معه من يحمله له فيبيعه بالثمن الذي يريده. ولو كان كتابه الذي سَمّاه «الإفصاح عن رسائل الإصلاح» عندي لنقلت فقرات ممّا كتب عنّي، وقد عرف الناس من أحاديثي في الإذاعة أو الرائي أني أقرأ أشنع السبّ لي وأنا هادئ لا تتحرك من الغضب شعرة في جسدي، لأني لكثرة ما كتب عني «تعوّدت مسّ الضر حتى أَلِفتُه». وقد حشرني في زمرة طه حسين وكتابه في الشعر الجاهلي، وسلامة موسى النصراني الصليبي المفتري وأمثالهما، ثم كتب في آخر الكتاب أنه تحقق أني لست منهم ولا من أشباههم، ولأني مسلّم متمسك طالب علم وسليل علماء فهو لذلك «يسلّني منهم سلّ الشعرة من العجين». ولكنه بقي بعد سلّ الشعرة يبيع العجين غير مخبوز ولا ناضج (كأنه الخبز في هذه الأيام)، بل يلقيه عليّ ويلطّخ به ثيابي ويقبض الثمن! وقد أصابه في آخر عمره الفالج وتوفّي. وأنا أكتب هذا وما في قلبي ذرّة من الحقد عليه أو الكره له، ﵀ ورحمني، فما منّا إلا من أحسن وأساء (وأيّ الرجال المهذّب؟). وأنا (صدّقوني) لا أحمل حقداً على أحد؛ لا لأني بلغت غاية الحِلم وسموت إلى ذروة الخلق، لا؛ فأنا جريء عنيف حادّ المزاج سريع الغضب كما أني سريع الرضا. بل لأني أردّ الصاع صاعَين أو ثلاثة إن كان الذي يكتب عني كبير القدر في الأدب أو

стр. 404

في الفكر أو كان الموضوع ممّا لا يجوز السكوت عنه، وإن كان الذي يكتب عني ما له قيمة أو كان الموضوع لا خطر له نهجت منهج جرير حيث يقول بشّار عنه: "هجوت جريراً فأعرَضَ عنّي واستصغرني، ولو أجابني لكنت أشعر الناس". كان يريد الصعود على كتف جرير ليراه الناس، فتخلّى عنه فرماه. لذلك أدَعُ الردّ على أكثر الذين يسبّونني، بل إني في أكثر الأحيان لا أقرأ ما يكتبون. * * * وأنا من يوم شرفت بالنزول إلى ميدان الدعوة (جندياً صغيراً) أقاتل على جبهتين: واجهت الجامدين والجاحدين، نازلت بعض المشايخ كما نازلت بعض الشبان. فلما انتهت قصة «رسائل الإصلاح» بدأت قصة رسائل «سيف الإسلام»: ما كان في الشام يومئذٍ نوادٍ أدبية، و «النادي العربي» الذي أُسّس أيام الشريف فيصل قبل ميسلون كان نادياً سياسياً، والمجمع العلمي كان للمحاضرات وكان منبره مصدراً من مصادر ثقافتنا؛ محاضرات المجمع الأسبوعية وحلقات الأموي الدائمة، مع دروس المدرسة وما آخذه عن المشايخ وما أستفيده من المطالعة، كانت ثقافتي كلها من هذه الينابيع. لذلك كانت مكتبة عَرَفة في «المِسْكيّة» (١) مجمع الأدباء؛ يقفون

стр. 405

أمامها، وربما قعد كبارهم على كرسي كان هناك، وربما دخل بعضهم إليها. وهي صغيرة جداً، ولكن حماسة صاحبها وذكاءه وطلاقة وجهه وحلاوة لسانه كانت تحبّبه إلى الناس، وهو الشيخ ياسين عَرَفة، أحد رفقاء العمر. وكم قامت أمامها مناقشات ومجادلات، وكم عُرِضت مسائل في الدين وفي الأدب وتُليت قصائد ومقالات، وقد يستمرّ وقوفنا ساعات. وأمام هذه المكتبة عرفت الشاعر أحمد صافي النجفي يوم قدم دمشق، وقد وقف علينا بزيّه الغريب وعباءته البالية وعقاله يتأبط شـ ... أعني شعراً في جرائد يحملها ومجلات. قرأ علينا منه وعرّفَنا نفسه، وأنا الذي عرّف الشاميين به في مقالة نشرتها عنه. وليس الكلام عن النجفي، إنما الكلام عن رسائل «سيف الإسلام» والنجفي مررنا بذكره مروراً. أعود إلى الموضوع: كنا يوماً أمام مكتبة عرَفة فجاء رجل لا يعرفه منّا أحد فاندسّ بيننا وحشر نفسه فينا، وجعل يتكلم كلاماً عجيباً أدركنا معه أنه يدعو إلى نِحلة من النِّحَل الباطلة. فتناوشوه بالردّ القاسي والسخرية الموجعة، فأشرت إليهم إشارة لم يدركها: أن دعوه لي. فكَفّوا عنه وجعلت أكلمه وأدور معه وألفّ به، حتى وصلت إلى إفهامه أني بدأت أقتنع بما يقول، ولكن مثل هذه الدعوة لا بد فيها من حُجّة أبلغ من الكلام. فاستبشر وقال: ما هي؟ فحركت الإبهام على السبابة، وتلك إشارة إلى النقود. قال: حاضر. وأخرج ليرتين ذهبيّتين ... يوم كانت الليرة الذهبية شيئاً عظيماً، يوم كنت أدخل أكبر وأشهر محلّ شواء فآخذ أوقية من اللحم المشوي (والأوقية مئتا غرام) ورغيفاً تَنّورياً وقطعة مخلَّل

стр. 406

فيكلّفني هذا الغداء مع الخدمة في المطعم فرنكاً واحداً، أي خمس هللات (هلالات)، والليرة الذهبية يومئذٍ بخمس ليرات سورية ونصف الليرة، أي بمئة وعشرة فرنكات! مدّ يده بالليرتين فأخذتهما أمام الحاضرين جميعاً، وانصرف الرجل بعد أن عرّفنا اسمه، فما كاد يبتعد حتى انفجرَت الصدور بالضحك وأقبلوا عليّ مازحين، فمِن قائل: شاركنا يا أخي، وقائل: اعمل بهما وليمة أو نزهة في بستان ... وقد عرفتم أنهما تكفيان ثمناً لمئتين وعشرين غداء! قلت: سترون ما أنا صانع. وذهبت فكتبت رسالة تكلمت فيها عن المِلَل والنّحَل والمذاهب الإلحادية، وجعلت عنوانها «سيف الإسلام»، وكتبت على غلافها «طُبعت بنفقة فلان»، باسم الرجل الذي دفع الليرتين. وبلغني أنه كاد يُجَنّ ولم يدرِ ماذا يفعل، ولم يستطع أن يُنكِر أمراً يشهد عليه سبعة من أدباء البلد، وقد بلغني أن جماعته قد طردَته بعد أن عاقبَته. وتوالت هذه الرسائل حتى زادت على العشر، وكانت تُوزّع مَجّاناً، يتولّى جمعَ المال لطبعها ويقوم بأكبر العمل في نشرها الشيخ عبد القادر العاني ﵀ وجمعية الهداية الإسلامية، ولا أحتاج أن أقول إني لم آخذ منها قرشاً وإني كتبتها لله لا للمال. الرسالة الأولى منها ليست عندي، عندي الثانية وتاريخ طبعها ١٣٤٩ (١٩٣٠) جاء في أولها قولي: هذه هي الكلمة الثانية

стр. 407

نقذف بها في وجوه هؤلاء المفسدين الذين يتسمّون بالمجدّدين، بعد أن داخلناهم وعرفنا طواياهم، فعلمنا أن الجمود الذي أنكرناه على بعض المشايخ يُعَدّ خيراً إن قيس بهذا الجحود الذي وجدناه عند بعض الشباب ... وما نفع قوم مسلمين بأسمائهم وألقابهم كافرين بأقوالهم وأفعالهم، لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يصومون رمضان ... يقولون إنهم مسلمون، ونساؤهم سافرات وأولادهم منحرفون وبيوتهم ... مسلم زوجته تخرج سافرة برضاه تُبدي للناس نحرها وسحرها وذراعَيها وساقَيها! مسلم يدخل المسجد مرة في الشهر ويدخل السينما أو الملهى كل يوم! ومضيت على هذا السنَن، ومضت الرسائل يزداد عددها ويتسع انتشارها، ويتبرّع أهل الخير (وما أكثرهم دائماً) بطباعتها والإنفاق عليها، وصار الناس يتداولونها وهم يُثنون عليّ ويدعون لي. وكان الطبع حراً والمطابع مفتوحة، نكتب (أيام الانتداب!) ما نريد ونطبع ما نريد، لا نحتاج في ذلك إلى استئذان وليس علينا فيه رقيب، ولا يأتينا مَن يمنعنا ولا مَن يسألنا، إلاّ في حدود القانون. وما كان عندنا قانون يقيّد الأقلام أو يحجر على العقول. توالت أربع رسائل على هذا النمط، وكانت الخامسة بعنوان «وجوب الدعوة إلى الله»، والسادسة عنوانها «صدقي بك، قصة اجتماعية فيها موعظة وذكرى»، والسابعة «الصلاة وأسرارها» مكتوب على غلافها: «من لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم ما فيها إلاّ سعادته وصلاح أمره، لا يمكن أن يفي لأمته ولا لوطنه»، والثامنة عنوانها «البلاء الأعظم في المغرب الأقصى»

стр. 408

وهي تعليق على «الظهير البربري» الذي أصدره الفرنسيون باسم سلطان المغرب، والرسالة مكتوبة بقلم من نار أسلوبها يشتعل اشتعالاً. ثم نشرت رسالة عنوانها «لماذا أنا مسلم؟»، بعدها رسالة عنوانها «قضية التجهيز» (ومدرسة التجهيز هي مكتب عنبر)، ثم رسالة عنوانها «الشيوعية أكبر خطر على البشرية» كتبتها رداً على رسالة «لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري»، وطبعَت رسالتي جمعية الهداية الإسلامية. بعدها رسالة «الأدب القومي» رددت فيها على الأستاذ شفيق جبري حين قرر في محاضراته في مدرسة الآداب العليا أن الأدب أُلْهِيّة، طُبعت سنة ١٣٤٩، ثم رسالة عنوانها «بدعة جديدة» فضحت فيها مُضِلاًّ يدّعي أنه «المهدي» أسس حزباً للشيطان سمّاه «حزب الله»، طبعَتها جمعية الهداية سنة ١٣٥٠. وكلها (وكثير غيرها) كتبتُه لله وطُبع بنفقة أهل الخير ووُزّع مَجّاناً، وكلها نفد ولم يُجمَع في كتاب، ولم يبقَ منه إلاّ نُسَخ معدودات عندي وعند بعض الأصحاب. ولو أنني جمعت كل ما كتبتُ ... ولكن «لو» تفتح عمل الشيطان! * * *

стр. 409

-٤٠ - في اللجنة العليا لطلاّب سوريا المسافر يقف أحياناً (ولو كان مستعجلاً) ليسمع خبراً أو يقضي وطَراً، وأنا أقف اليوم لأردّ على رسالتين وردتا عليّ ليس لهما عنوان في الرأس ولا اسم في الذيل، وهما إن لم تكونا من صُلب «الذكريات» فليستا بعيدتين عن موضوعها. أما الرسالة الأولى فإنها طريفة حقاً وظريفة أيضاً، لو صرّح مُرسِلها باسمه لأثنيت على براعة أسلوبه، فهو أسلوب أديب، وما أدري كيف يتنازل عن حقه عليّ في الثناء عليه! أمّا موضوعها فخليط غريب من إعجاب وغزل ... نعم، غزل! ومن لوم وإنكار. خلاصة ذلك كله أنه رأى صورتي المنشورة في العدد الأربعين من مجلة «المسلمون» فأُعجِبَ بأناقتي وفُتِنَ بجمالي. وما كنت أحسب يوماً أني سأكون فتنة، أعوذ بالله من أن أفتن أو أُفتَن! ويلومني على أني ظهرت بذلك المظهر فلبست لباس الكفار وتشبّهت بهم، ويُنكِر ذلك عليّ ويبالغ في الإنكار. أما إنكاره لبسي لباس الكفار فلا أسلّمه له ولا أوافقه عليه. ولقد كانت تَرِد على أسواق المدينة ثياب متعددة الأقمشة

стр. 410

والأزياء والألوان من اليمن ومن مصر ومن الشام، وكان الرسول ‘ يلبس ما يجد منها، لا ينهى عنها إلاّ إن كانت شعاراً لغير المسلمين خاصّة بهم، يتوهّم الناس بمن يلبسها أنه منهم. هذا هو التشبّه الممنوع لا مطلق التشابه، فنحن نأكل كما يأكلون ونركب ما يركبون ونصنع كثيراً ممّا يصنعون، وما قال أحدٌ إن هذا من التشبه بهم. وقد غدا لبس الحُلّة الآن (البنطال والجاكيت) من هذا القبيل، صار لباساً عاماً يلبسه المسلم والكافر. ولقد جاءنا من سنوات جماعة من مسلمي أميركا من السود والبيض، لقيتهم في الحرَم، فكان فيما سألوني عنه الزيّ الذي يجب على من دخل في الإسلام أن يتخذه، فقلت لهم: ما في الإسلام زيّ خاص لا يجوز غيره، فليلبسوا ما شاؤوا على ألاّ يكشف الثوب عورة، ولا يشفّ من رقّته عنها، ولا يصوّر من ضيقه حجمها، ولا يكون خاصاً بغير المسلمين لا يلبسه غيرهم، ولا يكون ثوب شهرة يلفت إلى لابسه الأنظار أو يسبّب له الاحتقار، ولا يكون ثوب حرير يلبسه الرجل. فإذا سلم من هذا كله فليكن ثوباً فوقه عباءة أو بلا عباءة كَلِباسِنا هنا، أو قميصاً تحته سراويل كلباس المسلمين في الهند، أو «الشرواني» في باكستان أو الإزار (الفوطة) في أندونيسيا، أو ما شئتم من ضروب الثياب. لا يوجب الإسلام على من دخل فيه زياً معيناً، ولا كان الرسول ‘ يتخذ زياً معيناً، وما جُعلت للقضاة ثياب يُعرفون بها وللعلماء وللجند وللتجار إلاّ بعد اختلاطنا بالفرس في صدر الدولة العباسية. ولقد كان الوافد على رسول الله ‘ يدخل المجلس يكون فيه بين أصحابه فيُجيل بصره فيهم يسأل: أيّكم

стр. 411

محمد؟ وما كان يميّزه من أصحابه ثوب ولا مجلس ولا شارة ولا علامة، ويوم الهجرة حسبوا أبا بكر هو النبي حتى دلّهم عليه أبو بكر. وأما إعجابه وفتنته فشيء لا شأن لي به، الشأن فيه له هو ولصاحب الصورة. إن رضي عنه أو سخط عليه أو أعجبته أناقته أو فتنه شكله، فهذا له وحده لا أنازعه فيه. الذي أنازع فيه قوله إنها صورتي. صورتي أنا؟ إن صورتي هي التي توضع في صدر كل حلقة من حلقات هذه الذكريات، جمّلها الرسّام فمحا ما كان تحت الجفون من غضون وصغّرني فيها سنوات، كما كبّرني سنوات في الصورة التي وُضعت من قبل على جلدة العدد الرابع من مجلة «المسلمون»، فعاتبتُه يومئذٍ على تلك وأشكره اليوم على هذه، وإن كنت في الحقيقة لم أكبر ولم أصغر، ولا أدري لماذا أعاتب أو أشكر؟ هذه هي صورتي، وإن لم تصدّق فتعال إليّ لتراني شيخاً بعيداً عن الأناقة وعن الجمال. فهل الصورة المنشورة في العدد الأربعين من «المسلمون» وُلدت -إذن- في خيال فنان وظهرت على طرف ريشته ما لصاحبها وجود؟ لا، بل هي صورة حقيقية لإنسان حقيقي وقف بنفسه أمام آلة التصوير، إنسان أعرفه كما أعرف نفسي، كان دائماً معي لا يفارقني، يفكّر بعقلي وينطق بلساني واسمه مثل اسمي، ولكنه ليس أنا! فمن هو إذن؟ وأين ذهب؟ يا سادة، أنا لا أغرّب ولا أتفلسف ولا آتي بالأحاجي

стр. 412

والألغاز، ولكن أقول الحق. الحق الذي لا أعرف الطريق إلى إدراكه تماماً. ففكّروا معي، لا في صورتي أنا بل في صورة كل واحد منكم قبل عشرين أو ثلاثين سنة. وإن كان أحدكم شيخاً مثلي فليمسك الصورة بيد والمرآة بيد: هل الذي في المرآة هو الذي في الصورة؟ لا. فهل هو غيره؟ لا. هل أحدهما خيال لا وجود له والآخر إنسان موجود؟ لا. هل هما موجودان معاً؟ لا. فما القصة إذن؟ إن كان هذا الشاب هو علي الطنطاوي فأنا لست علي الطنطاوي. فمن هو؟ ومن أنا؟ وأين ذهب؟ وكيف لا يعود؟ لقد صرت مثل هبَنّقة: كانت له قلادة يضعها حول عنقه ليعرف بها نفسه، فنام ليلة فسرقها أخوه فتقلدها، فلما أصبح ورآها عليه، قال له: أنت أنا، فمن أنا؟! لقد أثار مسألة عجز الناس عن جوابها فقالوا: هو أحمق، وحسبوا أنهم استراحوا لأن الحمقى لا يستحقون الجواب. فهل تعرفون أنتم جواب سؤالي؟ أم تفرّون عاجزين؟ أم تقرون بأن في وجودنا وفيما هو حولنا وفيما وقع لنا ما تعجز عن إدراكه عقولنا؟ أم تقولون عني ما قالوه عن هبنّقة المسكين، فتستريحون ولكنكم لا تُريحون؟ * * * أما الرسالة الثانية فليس فيها لطف ولا ظرف، ولكنْ فيها غلظة وعنف وفيها افتراء وعسف. وكان يسعني أن أرمي بها ولا

стр. 413

يلومني أحد، لأنه لا يعلم بها أحد. وأنا لا أحفل بالشتم الصريح يُنشَر في الصحف، ولكن اهتممت بها خشية أن يكون ما جاء فيها هو ظنّ جماعة رأيُهم فيّ مثل رأي مرسلها. وترجمة ما جاء في الرسالة باللسان المهذَّب الذي يمكن أن تحتمله الجريدة وقُرّاؤها أني مُدّعٍ كاذب، أنسب لنفسي -وأنا في السنّ التي يدخل فيها الشابّ الجامعة- من القدرة على الكتابة والإقدام على التأليف وذيوع الاسم في الناس والتأثير في الشباب ما لا يمكن أن يكون. وأنا بشر له نقائص وفيّ عيوب، وعيوبي كثيرة، لكن الكذب ليس منها. إنما يكذب الجبان، وأنا (مُتّهَم) من مطلع الشباب بالجرأة والإقدام، وأني طويل اللسان صامد الجَنان، وأني إن هجمت لم أبالِ العواقب. ومن كانت له هذه النقائص لا يمكن أن يجمع معها نقيصة الكذب، لأنها تناقضها وتنافيها ولا تجامعها. ولو أني كنت أحتفظ بالصحف والمجلاّت التي نشرت أخبار نشاطي قبل نصف قرن وما كُتب فيها عني يومئذ، عليّ أو لي، لجاء منها ما يملأ كتاباً يبلغ ربع القاموس المحيط. وهذا كلام أقوله أول مرة، وأرجو أن تكون آخر مرة، لأني أحاول في هذه الذكريات أن أكون مؤرّخاً لا شاعراً مفاخراً ومنافراً في عكاظ أو في المِربد. والذي أقوله رطل من قنطار ممّا قيل فيّ أو كُتب عني، وعندي منه الكثير في قصاصات، وأنا أخجل أن أروي الثناء عليّ بلساني أو أن أخطّه بقلمي، ولكني ظُلمْت فحقّ لي الدفاع عن نفسي. لذلك أتخلّى اليوم عن خجلي وأنقل كلمة واحدة تؤيّد

стр. 414

قولي الذي كذّبني فيه هذا «الأخ المهذّب» مرسل الرسالة، كلمة لم تأتِني مطويّة في ظرف فنشرتُها أنا هنا، فهذا عمل تأباه مروءة ذوي المروءات، بل جاءت منشورة في مجلة كانت لها الصدارة بين المجلاّت لكاتب كانت له الصدارة بين الكتّاب، هي شهادة من الزيات ما حظي بمثلها منه إلاّ قليل، ﵀. لم تُكتب عني اليوم وقد ازددت (بلا شك) اطّلاعاً وتمرساً بالحياة وصلة بالأدب وإلفاً بالمنابر، ولكن كُتبَت في العدد (١٠١) من مجلة الرسالة، الصادر في اليوم التاسع من ربيع الأول سنة ١٣٥٤هـ، أي قبل خمسين سنة، وثقوا أني أستشعر أشد الحرج وأنا أنقل هذا الكلام ولكني اضطُررت. قال: الأستاذ علي الطنطاوي (أو الشيخ علي الطنطاوي كما يحبّ أن يُدعى) ثمرة ناضجة من ثمار الثقافة العربية الحديثة، ثَقِفَ علوم الدين وعلوم اللسان ثقافة محيطة، ثم درس القانون دراسة فقهية عميقة، وشارك في إيقاظ النهضة الفكرية والدينية والاجتماعية في سوريا مشاركة منتجة، فله في قيادة الشباب محلّ، وفي توجيه الآداب طريقة، وفي سياسة الإصلاح مذهب. وهو ونفر من صحابته يمثّلون في سوريا الناهضة الحلقة الواصلة بين عقلية تنكر القديم وعقلية تنكر التجدّد. وليس الأستاذ الطنطاوي مجهولاً لدى قرّاء الرسالة، فهو يطالعهم الحين بعد الحين بالفصول الممتعة في الأدب والتاريخ والقصص، ينقلها عن فكر خصب، واطّلاع واسع، ومنطق سليم، وإيمان صادق، وعاطفة نبيلة.

стр. 415

والكلمة طويلة كتبها بمناسبة صدور كتابي «أبو بكر الصديق» سنة ١٣٥٣هـ. وما دمت أكتب تاريخاً لا أتنكّب فيه -إن شاء الله- جادة الصدق، فإني أقول إن الزيات ﵀ ما كذب ولا بالغ لمّا قال إنه كان لي في قيادة الشباب محلّ، وكان -في الحقّ- محلاً ظاهراً؛ فلقد أدرت اللجنة العليا لطلاب سوريا لا في دمشق وحدها (أو ما يُسمّى اليوم «الاتحاد العامّ لطلاب سوريا») من سنة ١٩٢٩ إلى أواخر سنة ١٩٣١. وأنا رجل متوحد، إذ جاوزت المجالس الخاصّة (التي أكون فيها مع من لا أحتشم من إخواني والتي أنطلق فيها على سجيّتي) لم أستطع مخالطة الناس ولا الاندماج فيهم إلاّ من وراء صحيفة المجلّة أو الكتاب، أو من فوق منبر الخطابة، أو من خلف لوحة الرائي أو سَمّاعة الرادّ. أنا اجتماعي في المجلس الخاصّ، ولكني شَموس نَفور متوحّش إن أدخلتَني مجلساً غيره، أو جمعتَني بمن لا أعرف من الناس أو مَن أعرفه لكني لا آلفه، فكيف -إذن- صرت رئيس اللجنة العليا لطلاب سوريا نحواً من سنتين؟ أقص عليكم القصة. * * * لما خرجت فجأة، بلا تمهيد ولا إعلان، من ظلال العزلة الكاملة عن رفاقي في «مكتب عنبر» إلى نور الشمس في شوارع دمشق، أغلق أنا متاجرها وأخطب في أسواقها وأقود أهلها في مظاهرة من المظاهرات الضخمة، لما كان ذلك انصبّت الأنظار

стр. 416

عليّ وتلفّت الناس إليّ، وكانت دمشق (كما قلت من قريب) بركة ساكنة في الفكر ولكنها بركان مضطرم هائج في السياسة: نضال للاستقلال وجهاد لدفع الاستعمار (ولو سمّوه بالانتداب)، وكان يعرف ذلك الناس جميعاً، وكان من أناشيدنا أيام الاستقلال على عهد الشريف فيصل (الملك فيصل بن الحسين) أنشودة مشهورة ما في دمشق من لا ينشدها ويردّدها، على ضعف تأليفها: نحنُ لا نرضى الحمايةْ ... لا ولا نرضى الوصايةْ نحنُ أَولى بالرّعايةْ ... لبَني العُربِ الكرام الحماية والوصايهْ ... كلُّها معنى الأسرْ وعلى العيشِ بذُلٍّ ... أبَداً لا نَصْطَبِرْ وكان ذلك سنة ١٩١٨. ثم غدر بنا الإنكليز الذين وعدوا الحسين فاغترّ وصدّق، وحمله على ذلك خُبث طوايا الاتحاديين وسوء فعالهم ومحاربتهم العربية كيداً للإسلام. أعطاه مكماهون -باسم قومه- المواثيق، ثم عقدوا من وراء ظهره معاهدة «سايكس بيكو» التي تقاسموا فيها بلادنا كما يتقاسم اللصوص الغنيمة التي نالوها حراماً. وأنا لا أنقل صفحات معروفة من التاريخ، وهي تحت يدي لو أردت النقل عنها، ولكني أردت أن يؤمن الشباب بأن «الجميع» علينا، تداعوا لحربنا: حرب ديننا وعقيدتنا، لأن ذلك أساس قوّتنا، فإنْ نُسف الأساس هوى البناء. تناوبوا توجيه المدفع، يتعب منه واحد منهم فيسلّمه إلى آخر، وهو أبداً موجّه إلينا وقنابله أبداً ساقطة علينا. فمِن بلفور الذي وعد، إلى غورو الذي أغار، إلى ساراي الذي هدم ثلث

стр. 417

دمشق على من كان فيها فما لم يصل إليه الدمار أشعل فيه النار، إلى الذين تعهّدوا لإبليس بأن يحموا أمن إسرائيل، ولو كان أمنها لا يقوم إلاّ على خراب صيدا وصور وتحويل الدور والقصور إلى أطلال وقبور، وتجرِبة السلاح الأميركي الجديد بقنابله العنقودية والفسفورية والتفريغية على الأطفال والنساء والشيوخ كما تُجرّب الأدوية الجديدة على الفئران في المختبَرات ... لقد سمعنا بأن منهم من تأخذه الشفقة على حيوانات المختبرات فيحاولون إنقاذها، ولكن ما سمعنا فيمن رأوا ما يقع في بيروت بمن أشفق على أطفالٍ كنور الزهر وصبايا كريّا العطر وشيوخ تجسم فيهم العجز والطهر. لقد قُتل نفر من اليهود، أيْ من خنازير البشر، في كنيس في باريس (ولعلّ بني إسرائيل هم الذين دبّروا قتلهم ليتّخذوا منه حجّة لهم)، قُتل نفر بفعل مجهول فقامت قيامة اليهود وكثير من النصارى، ويُقتل آلاف وآلاف ويُشوَّهون في بيروت بفعل مجرمين معروفين، يُقتلون عمداً حيث لا يَملكون دفعاً ولا منعاً، والعالَم المتحضّر، عالَم «حقوق الإنسان»، يسمع ويرى فلا يحرّك ساكناً إلاّ اللسان، وربما خرس اللسان إلاّ عن كلمة واحدة هي «الفيتو» يحمون بها ظهور المجرمين. * * * إنّ هتلر إنْ قِيسَ به هذا النجس بيغن عُدّ من الأطهار. على أني ألعن هتلر في قبره (إن كان له قبر)، لا لما زعموا كذباً أنه فعله باليهود بل لأنه لم يخلص البشرية نهائياً من رجس اليهود.

стр. 418

إن الذي فعلوه في لبنان سيعجز أبلغ المؤرّخين لساناً وأفصحهم بياناً عن نقله كما وقع إلى الأجيال القادمة من البشر. ما نيرون؟ ما جنكيز؟ ما هولاكو؟ ما يأجوج ومأجوج؟ ما وحوش الغاب وعقاربه وحيّاته وحشراته؟ ما الخنازير البرّية؟ كل أولئك إن قيسوا بهذين القذرين، بيغن وشارون، صاروا من أهل الطهارة والخير، صاروا أطهاراً أخياراً لأنك وضعتهم مع من هو أنجس وألعن. كلاّ؛ ما رأى تاريخُ البشر قاتلين مجرمين كهذين الكلبَين المسعورَين. لقد قطعاني عن إتمام الكلام الذي بدأته فإلى الحلقة الآتية إن شاء الله، وقطع الله عليهما الطريق إلى كل خير وسدّ دونهما الباب إلى كلّ سعادة، وجعل ما فعلاه في لبنان مرضاً موجعاً مشوِّهاً في جسدَيهما، وقلقاً قاتلاً ورعباً دائماً في نفسيهما، وانزعاجاً مستمراً لا يذوقان معه استقراراً (١)، لا يُعرَف له سبب ظاهر ولا يُلفى له دواء شافٍ، ينغّص عليهما العيش حتى لا يُطيقانه، ويحبّب إليهما الموت فلا يجدانه، ويجعل ما أجرماه لعنة عليهما باقية فيهما متسلسلة في أعقابهما، ممتدة في ذراريهما شاملة أهلهما وأحباءهما، حتى يروي التاريخ ما حلّ بهما، فيجزع كل باغ ظالم وكل جبّار مغرور أن يحلّ به ما حلّ بهما، ولَعذاب الآخرة أشد وأبقى.

стр. 419

﴿وَلا تَحْسَبنَّ اللهَ غافلاً عمّا يَعمَلُ الظالمونَ، إنّما يؤخّرُهم ليومٍ تشخَصُ فيهِ الأبصارُ﴾. فيا من كفلتم «أمن إسرائيل»، هل تكفلونه لها في ذلك اليوم؟ أم هل تضمنونه لأنفسكم؟ أم تحسبون أنكم تفرّون من لقاء الله؟ وإلى أين؟ هل من إله غير الله تلجؤون إليه كما يلجأ السياسي إلى دولة غير دولته فتحميه؟ من يحميكم -ويْحَكم- من الله؟ يا سكارى بخمرة القوة اصحوا، فإن الله أقوى والله أكبر. * * *

стр. 420

-٤١ - في المقاومة الوطنية هذه أول حلقة أكتبها لجريدة «الشرق الأوسط»، والحلقات الثلاث التي نُشرت فيها قبلها ما كُتبت لها بل لمجلة «المسلمون». كنت كالذي يسكن غرفة هادئة في نُزُل صغير في ضاحية البلد، فأغلقوا النزُل وحملوه وهو نائم إلى الفندق الكبير الذي يتسابق الناس إليه ويتزاحمون عليه. ولكن الفندق وسط السوق: ضجّة دائمة وحركة دائبة، ولم يجدوا فيه غرفة خالية فنصبوا له سريراً في الردهة، فصحا فإذا الناس من حوله، لا يستطيع أن يواري شخصه عن العيون ولا يداري صوته عن الآذان، فغدا يحسّ أنه كالعريان قد فقد الثياب. هذا مثالي في مجلة «المسلمون» وفي جريدة «الشرق الأوسط». وأنا من جمعية «المحاربين القدماء». هل سمعتم بها؟ كان لي سلاح أخوض به المعامع وأطاعن به الفرسان، وسلاحي قلمي، حملته سنين طوالاً أقابل به الرجال وأقاتل الأبطال، فأعود مرة

стр. 421

ومعي غار النصر، وأرجع مرة أمسح عن وجهي غبار الفشل (١). قلمٌ إن شئت لانَ في يدي حتى ليخشن معه الحرير، وإن شئت صلب حتى يلين إلى جنبه الحديد. إن أردتُه هديّة نَبَتَ من شقّه الزهرُ وقَطَرَ منه العطرُ، وإن أردتُه رَزيّة حطّمتُ به الصخر وأحرقتُ الجمر؛ قلم كان عذباً عند قوم وعذاباً لقوم آخرين. ثم أحالتني الحياة على التقاعد، فودّعت قلمي كما يودّع المحتضَر وغسلته من آثار المداد كما يُغسّل من مات، ثم لففته بمثل الكفن وجعلت له من أعماق الخزانة قبراً كالذي يُدفَن فيه الأموات. حتى جاءني من سنة واحدة أخ عزيز، هو في السن صغير مثل ولدي ولكنه في الفضل كبير، فما زال بي يفتلني في الذّروة والغارب (كما كان يقول الأولون)، يحاصرني باللفظ الحلو والحُجّة المقنعة والإلحاح المقبول، يريدني على أن أعود إلى الميت فأنفض عنه تراب الموت وأمزّق من حوله الكفن، وأنا أحاول أن أتخلص وأن أتملص، حتى عجزت فوافقت على أن أكتب عنده ذكرياتي. بدأتها وأنا لا آمل أن أتمّ عشر حلقات ولا أتصور الأسلوب الذي أتبعه في كتابتها، فاعتمدت على الله، وأرخيت زمام القلم ليمشي وحده، فوفّق الله، وتمّت أربعون حلقة وأنا لا أزال في سنة ١٩٣١. فيا زهير (٢) أشكرك؛ فلولاك ما كتبت، وأشكر «المسلمون»،

стр. 422

وأرجو أن يرجع آل حافظ البصر، فلعل الله يعيد «المسلمون». فما فُقد الخير في أمة محمد، وما كل الأغنياء همهم الربح وحده. إن فيهم من يرجو ثواب الآخرة، وإن الحكومة المسلمة لا تبخل على «المسلمون» بمد يد العون إليها، ويدها طويلة بالخير والإحسان تصل إلى أرجاء الأرض كلها. فهل بقي من أمل؟ * * * إن لديّ من الذكريات الكثير، ما بقي منها ربما ملأ كتباً، لأني ما عشت ثلاثة أرباع القرن كما تشهد تذكرة ميلادي، بل عشت أربعة قرون. بل إن الذي رأيته من تبدل الدول وتطور الحياة لا يكون مثله في أربعة قرون؛ فلقد عشت حيناً من عمري في ظلال راية العثمانيين، ثم عشت تحت علم الدولة العربية، ثم في حكم الفرنسيين، ثم تحوّلَت أحوال وكانت أهوال، جاوزَت في غرابتها الخيال. وأنا فوق ذلك قد مارست الصحافة كتابة فيها واحترافاً لها، والتعليم في جميع مراحله، من المدارس الأولية في القرى إلى أقسام الدراسات العليا في الجامعات، وعلّمت شباباً ومشايخ، وعلّمت بنات. في دمشق وقراها، وفي العراق أدناه وأقصاه، وفي لبنان، وفي هذه المملكة، حجازها ونجدها. واشتغلت بالقضاء قاضياً في أصغر محكمة، إلى أن غدوت مستشاراً في محكمة النقض في دمشق ومحكمة النقض في القاهرة. وكتبت القصة والمقالة، وألّفت مسرحيات وساعدت على إخراجها، وسرت في أرض الله شرقها وغربها. وأعددت نفسي لذلك بالدراسة

стр. 423

النظامية إلى آخر مراحل الدراسة في بلدي، وفي القراءة على المشايخ كما يقرأ طلاّب الأزهر، وبالمطالعة الدائبة المستمرة في كل علم وكل فن. وكانت هذه الذكريات كقطع من الذهب الثقيل وضعتها في كيس من قماش ضعيف ومشيت بها، فكلما خطوت في طريق الحياة خطوة سقطَت من الذهب قطعة، حتى فقدت أكثرها. ما دوّنتُ شيئاً وكان اعتمادي كله على الذاكرة، وقد خبّرتكم من قبل ماذا صنعت بهذه الذاكرة الأيام. فأنا أقرأ الحلقة المنشورة ولا أدري والله ما الذي أكتبه بعدها، فذهني كالمستودَع فيه من كل بضاعة، ولكن بضائعه مركومة رَكماً تداخلت أنواعها واختلطت، فإذا أردت أن أستخلص نوعاً منها جردتها كلها، أو عجزت عن جردها فنمت إلى جنبها ثم نسيتها. وطالما فكرت في الهرب، ولكن الحارس يقظ يسدّ عليّ الطريق، فلما نقلت إلى الجريدة رأيت أن قد وجب الهرب؛ فما يُنشَر في الجريدة هو صدى لما يقوله الناس وصورة لما يشغلهم من أحداث يومهم ممّا يهمّ جمعهم، وأنا أجيء لأحدثهم عن أحداث مضت، لم تكن تاريخهم كلهم بل تاريخي أنا من دونهم، فيكون حديثي أبرد الأحاديث وأثقلها. هم يقدّمون للقرّاء طعامهم المفضّل لديهم حاراً في طبق صُبّ لهم، وأنا أقدّم لهم في طبقي «البائتَ» من طعامي، فاسألوا القرّاء: هل يهمّهم أن يعرفوا ماذا فعلت أو ما قلت أو ماذا رأيت وما سمعت من خمسين سنة، وهم

стр. 424

مهتمّون بالذي يرونه ويسمعونه في يومهم الذي يعيشونه؟ ما لهم ولما وقع لي، وما هم فيه يزيد عن طاقة احتمالهم؟ لذلك أظن أني سأستقيل، بل أنا أضع استقالتي تحت يد أصحاب الجريدة. والوزارة التي تستقيل تصرف الأعمال حتى تأتي وزارة تخلفها، فأنا أستمر في الكتابة حتى يصدر قرار قبول استقالتي ... أفعل اليوم فعل الوزراء وما فيّ إلاّ تلك من صفات الوزراء. * * * أعود إلى ما كنت فيه، إلى ما قطعني عن ذكره بيغن وشارون مجرما العصر، ولكل عصر مجرموه كما أن لكل بلدة مَجاريها، فالمجاري فيها أقذار الناس والمجرمون هم أقذر الناس. قلت إن تلك الخطبة التي ألقيتها سنة ١٩٢٩ وتلك المظاهرة التي قدّمتُها نبّهَتا الناس إليّ ودلّتا قيادة النضال الوطني عليّ. وكانت القيادة للكتلة الوطنية، ولم تكُن -فيما أعلم- حزباً منظماً كالأحزاب التي كانت قبلها وبعدها، بل كانت مجموعة من الزعماء الوطنيين رئيسهم الشيخ الجليل هاشم الأتاسي، ومن أعضائها: فارس الخوري وشكري القوّتْلي وجميل مَرْدَم وزكي الخطيب ولطفي الحفّار وفخري البارودي، ومَن لست أذكر الآن. وما الكتلة الوطنية؟ لما كنا في أوائل الدراسة الثانوية كان في البلد حزبان: حزب الشعب الذي كان أبرز رجاله الطبيب الكاتب الخطيب

стр. 425

عبد الرحمن شهبندر، وحزب الاستقلال. فلما قامت الثورة الكبرى سنة ١٩٢٥ (وقد سبق الكلام عنها) وحكم الفرنسيون بالعقاب ظلماً على أكثر الزعماء بالقتل أو بالسجن فرّ منهم من استطاع الفرار وتوارى أكثرهم عن الأنظار، حتى إذا أمنوا تجمعوا وتعاونوا، فكان من ذلك «الكتلة الوطنية». كانت الكتلة الوطنية هي الرأس المفكّر وكانت لها يدان تبطش بهما؛ اليمنى منهما الطلاّب والشباب، واليسرى الأقوياء من رجال الأحياء. أمّا الأحياء (المَيدان والشّاغور والصالحيّة والأكراد والعِمارة والعُقَيْبة والقَنَوات ومسجد القَصَب والقَيْمَريّة) فكان يتولّى أمرَها زعماؤها، وأمّا الشباب من غير الطلاّب فكان يتولّى جمعهم شفيق سليمان ومحمود البيروتي، وأما الطلاّب فقد كان أمرهم سنة ١٩٣٠ إلى اللجنة العليا لطلاب سوريا. أتدرون ما هذه اللجنة العليا؟ إنها من الباب الذي دعاه المنفلوطي «خداع العناوين»، أقول هذا بعد خمسين سنة لأن أيام الدعاية ولّت، وهذا يوم أكتب فيه للتاريخ. لمّا تنبه الناس إليّ ورأوا فيّ طاقة خطابية وقدرة على إثارة الجماهير، ازدحموا عليّ يريد كلٌّ أن أعمل له وأن يسخّرني مَطيّة تحمله إلى غايته. وكانت الجامعة في ثورة على وزير المعارف، أستاذنا محمد كرد علي، لأنه أراد أن يأخذ من موازنتها خمسة وعشرين ألف ليرة (١) يفتح بها مدارس أولية في القرى التي تغلب على أهلها الأمية، حُجّته أن قرشاً تشتري به خبزاً يدفع عنك لذع
следующие страницы →