ومعي غار النصر، وأرجع مرة أمسح عن وجهي غبار الفشل (١). قلمٌ إن شئت لانَ في يدي حتى ليخشن معه الحرير، وإن شئت صلب حتى يلين إلى جنبه الحديد. إن أردتُه هديّة نَبَتَ من شقّه الزهرُ وقَطَرَ منه العطرُ، وإن أردتُه رَزيّة حطّمتُ به الصخر وأحرقتُ الجمر؛ قلم كان عذباً عند قوم وعذاباً لقوم آخرين.
ثم أحالتني الحياة على التقاعد، فودّعت قلمي كما يودّع المحتضَر وغسلته من آثار المداد كما يُغسّل من مات، ثم لففته بمثل الكفن وجعلت له من أعماق الخزانة قبراً كالذي يُدفَن فيه الأموات. حتى جاءني من سنة واحدة أخ عزيز، هو في السن صغير مثل ولدي ولكنه في الفضل كبير، فما زال بي يفتلني في الذّروة والغارب (كما كان يقول الأولون)، يحاصرني باللفظ الحلو والحُجّة المقنعة والإلحاح المقبول، يريدني على أن أعود إلى الميت فأنفض عنه تراب الموت وأمزّق من حوله الكفن، وأنا أحاول أن أتخلص وأن أتملص، حتى عجزت فوافقت على أن أكتب عنده ذكرياتي.
بدأتها وأنا لا آمل أن أتمّ عشر حلقات ولا أتصور الأسلوب الذي أتبعه في كتابتها، فاعتمدت على الله، وأرخيت زمام القلم ليمشي وحده، فوفّق الله، وتمّت أربعون حلقة وأنا لا أزال في سنة ١٩٣١.
فيا زهير (٢) أشكرك؛ فلولاك ما كتبت، وأشكر «المسلمون»،
стр. 422
وأرجو أن يرجع آل حافظ البصر، فلعل الله يعيد «المسلمون». فما فُقد الخير في أمة محمد، وما كل الأغنياء همهم الربح وحده. إن فيهم من يرجو ثواب الآخرة، وإن الحكومة المسلمة لا تبخل على «المسلمون» بمد يد العون إليها، ويدها طويلة بالخير والإحسان تصل إلى أرجاء الأرض كلها. فهل بقي من أمل؟
* * *
إن لديّ من الذكريات الكثير، ما بقي منها ربما ملأ كتباً، لأني ما عشت ثلاثة أرباع القرن كما تشهد تذكرة ميلادي، بل عشت أربعة قرون. بل إن الذي رأيته من تبدل الدول وتطور الحياة لا يكون مثله في أربعة قرون؛ فلقد عشت حيناً من عمري في ظلال راية العثمانيين، ثم عشت تحت علم الدولة العربية، ثم في حكم الفرنسيين، ثم تحوّلَت أحوال وكانت أهوال، جاوزَت في غرابتها الخيال.
وأنا فوق ذلك قد مارست الصحافة كتابة فيها واحترافاً لها، والتعليم في جميع مراحله، من المدارس الأولية في القرى إلى أقسام الدراسات العليا في الجامعات، وعلّمت شباباً ومشايخ، وعلّمت بنات. في دمشق وقراها، وفي العراق أدناه وأقصاه، وفي لبنان، وفي هذه المملكة، حجازها ونجدها. واشتغلت بالقضاء قاضياً في أصغر محكمة، إلى أن غدوت مستشاراً في محكمة النقض في دمشق ومحكمة النقض في القاهرة. وكتبت القصة والمقالة، وألّفت مسرحيات وساعدت على إخراجها، وسرت في أرض الله شرقها وغربها. وأعددت نفسي لذلك بالدراسة
стр. 423
النظامية إلى آخر مراحل الدراسة في بلدي، وفي القراءة على المشايخ كما يقرأ طلاّب الأزهر، وبالمطالعة الدائبة المستمرة في كل علم وكل فن.
وكانت هذه الذكريات كقطع من الذهب الثقيل وضعتها في كيس من قماش ضعيف ومشيت بها، فكلما خطوت في طريق الحياة خطوة سقطَت من الذهب قطعة، حتى فقدت أكثرها. ما دوّنتُ شيئاً وكان اعتمادي كله على الذاكرة، وقد خبّرتكم من قبل ماذا صنعت بهذه الذاكرة الأيام.
فأنا أقرأ الحلقة المنشورة ولا أدري والله ما الذي أكتبه بعدها، فذهني كالمستودَع فيه من كل بضاعة، ولكن بضائعه مركومة رَكماً تداخلت أنواعها واختلطت، فإذا أردت أن أستخلص نوعاً منها جردتها كلها، أو عجزت عن جردها فنمت إلى جنبها ثم نسيتها.
وطالما فكرت في الهرب، ولكن الحارس يقظ يسدّ عليّ الطريق، فلما نقلت إلى الجريدة رأيت أن قد وجب الهرب؛ فما يُنشَر في الجريدة هو صدى لما يقوله الناس وصورة لما يشغلهم من أحداث يومهم ممّا يهمّ جمعهم، وأنا أجيء لأحدثهم عن أحداث مضت، لم تكن تاريخهم كلهم بل تاريخي أنا من دونهم، فيكون حديثي أبرد الأحاديث وأثقلها. هم يقدّمون للقرّاء طعامهم المفضّل لديهم حاراً في طبق صُبّ لهم، وأنا أقدّم لهم في طبقي «البائتَ» من طعامي، فاسألوا القرّاء: هل يهمّهم أن يعرفوا ماذا فعلت أو ما قلت أو ماذا رأيت وما سمعت من خمسين سنة، وهم
стр. 424
مهتمّون بالذي يرونه ويسمعونه في يومهم الذي يعيشونه؟ ما لهم ولما وقع لي، وما هم فيه يزيد عن طاقة احتمالهم؟
لذلك أظن أني سأستقيل، بل أنا أضع استقالتي تحت يد أصحاب الجريدة. والوزارة التي تستقيل تصرف الأعمال حتى تأتي وزارة تخلفها، فأنا أستمر في الكتابة حتى يصدر قرار قبول استقالتي ... أفعل اليوم فعل الوزراء وما فيّ إلاّ تلك من صفات الوزراء.
* * *
أعود إلى ما كنت فيه، إلى ما قطعني عن ذكره بيغن وشارون مجرما العصر، ولكل عصر مجرموه كما أن لكل بلدة مَجاريها، فالمجاري فيها أقذار الناس والمجرمون هم أقذر الناس.
قلت إن تلك الخطبة التي ألقيتها سنة ١٩٢٩ وتلك المظاهرة التي قدّمتُها نبّهَتا الناس إليّ ودلّتا قيادة النضال الوطني عليّ. وكانت القيادة للكتلة الوطنية، ولم تكُن -فيما أعلم- حزباً منظماً كالأحزاب التي كانت قبلها وبعدها، بل كانت مجموعة من الزعماء الوطنيين رئيسهم الشيخ الجليل هاشم الأتاسي، ومن أعضائها: فارس الخوري وشكري القوّتْلي وجميل مَرْدَم وزكي الخطيب ولطفي الحفّار وفخري البارودي، ومَن لست أذكر الآن.
وما الكتلة الوطنية؟
لما كنا في أوائل الدراسة الثانوية كان في البلد حزبان: حزب الشعب الذي كان أبرز رجاله الطبيب الكاتب الخطيب
стр. 425
عبد الرحمن شهبندر، وحزب الاستقلال. فلما قامت الثورة الكبرى سنة ١٩٢٥ (وقد سبق الكلام عنها) وحكم الفرنسيون بالعقاب ظلماً على أكثر الزعماء بالقتل أو بالسجن فرّ منهم من استطاع الفرار وتوارى أكثرهم عن الأنظار، حتى إذا أمنوا تجمعوا وتعاونوا، فكان من ذلك «الكتلة الوطنية».
كانت الكتلة الوطنية هي الرأس المفكّر وكانت لها يدان تبطش بهما؛ اليمنى منهما الطلاّب والشباب، واليسرى الأقوياء من رجال الأحياء. أمّا الأحياء (المَيدان والشّاغور والصالحيّة والأكراد والعِمارة والعُقَيْبة والقَنَوات ومسجد القَصَب والقَيْمَريّة) فكان يتولّى أمرَها زعماؤها، وأمّا الشباب من غير الطلاّب فكان يتولّى جمعهم شفيق سليمان ومحمود البيروتي، وأما الطلاّب فقد كان أمرهم سنة ١٩٣٠ إلى اللجنة العليا لطلاب سوريا.
أتدرون ما هذه اللجنة العليا؟ إنها من الباب الذي دعاه المنفلوطي «خداع العناوين»، أقول هذا بعد خمسين سنة لأن أيام الدعاية ولّت، وهذا يوم أكتب فيه للتاريخ.
لمّا تنبه الناس إليّ ورأوا فيّ طاقة خطابية وقدرة على إثارة الجماهير، ازدحموا عليّ يريد كلٌّ أن أعمل له وأن يسخّرني مَطيّة تحمله إلى غايته. وكانت الجامعة في ثورة على وزير المعارف، أستاذنا محمد كرد علي، لأنه أراد أن يأخذ من موازنتها خمسة وعشرين ألف ليرة (١) يفتح بها مدارس أولية في القرى التي تغلب على أهلها الأمية، حُجّته أن قرشاً تشتري به خبزاً يدفع عنك لذع
стр. 426
الجوع أَولى من قرش تشتري به الحلوى، وأنّ رصف الأزقّة وتمهيدها أجدى من إقامة نُصُب الزينة لتجميلها، والذي ما معه إلاّ خمسون ريالاً لا يبتاع بها عقدة (كرافات) تزين صدره بل ثوباً يستر عريه.
ولكن القائمين على الجامعة أبوا إلاّ أن يبقى ما كان على ما كان. وكانت الجامعة تشمل كلية الطب، وهي أكبر مني سناً، وبناتها: الصيدلة وطب الأسنان والتمريض، وكلية الحقوق، وهي أحدث مولداً ولكنها أدنى إلى التأثر بأحداث البلد وهزّات المجتمَع.
وكنا نسمي الكلية المعهد فنقول «المعهد الطبي» و «معهد الحقوق». ولقد أسدى المعهد الطبي إلى العربية خيراً كثيراً لم يستطع أحد إلى الآن -على كثرة المؤسسات وعظم النفقات- أن يقوم بنصفه؛ ذلك أنهم وضعوا المصطلحات العلمية والطبية حتى صارت كليتنا هي الكلية الوحيدة التي لم تدرّس الطب بغير العربية، وقد تحمّل ثقل هذا العمل الضخم جماعة من جاء على ذهني الآن منهم ذكرته ومن نسيته فإن الله لا ينساه، والمؤرّخون المنصفون سيذكرونه: أحمد حمدي الخيّاط، وجميل الخاني، وشوكت الشطي، ومرشد خاطر، وحسني سَبَح (رئيس مجمع اللغة العربية الآن في دمشق، وهو أقدم المجامع العربية، أنشأه كرد علي سنة ١٩٢٠) ومحمد محرّم، وصلاح الدين الكواكبي.
أمّا الحقوق فقد وجدت أساتذتها لمّا دخلتها في السنة التي أتكلم الآن عنها صنفين: صنف من العلماء حقاً منهم فارس
стр. 427
الخوري، ولما كان رئيس مجلس الأمن وعُرضت قضية مصر سنة ١٩٤٧ ألقى (وكان يتكلم الإنكليزية ببلاغة شو أو ويلز) خطبة رأيت الناس في القاهرة (وكنت يومئذٍ أقيم فيها) يزدحمون على الرّوَادّ (١) في الشوارع لسماعها، لأنها كانت أبلغ في ذاتها من خطبة النقراشي مندوب مصر في المجلس وأقوى منها في الدفاع عن حقّ مصر. وكتبت في الرسالة مقالة عنوانها «ما أعرفه عن فارس الخوري» تناقلَتها وعلّقَت عليها الصحف والمجلاّت، وممّن علّق عليها العقاد شيخ الكتّاب. وسأعود إلى الكلام عن كلية الحقوق.
وكان مدير الجامعة الدكتور رضا سعيد، وهو عدوّ لدود للأستاذ كرد علي. وهو طبيب عيون عظيم، أصاب عيني اليسرى شيء في داخلها جعلني لا أرى زاوية من الساحة البصرية فراجعته، وذلك سنة ١٩٢٤، ففحصها وقال لي: هذا شيء لا يزول ولا يزيد. وعرضتها من تلك الأيام إلى الآن على أطباء لا أحصيهم عداً في الشام ومصر وبيروت وألمانيا وبلجيكا وكراتشي وبومباي فكلهم قال مثلما قال، وهي إلى الآن لم تَزُل ولم تَزِد.
وكان مدير معهد الحقوق (أي عميد الكلية) عبد القادر العظم، فعمدا، هو ومدير الجامعة، إلى تحريض الطلاّب وإثارتهم حتى اضطرّوا الحكومة لرفض اقتراح وزير المعارف وهو حقّ، وكم ضاع صوت حقّ في صخب العامّة.
стр. 428
ولقد أرادوني على أن أنضم إليهم فلم أُرِد ذلك، ولو أردته لما قدرت عليه؛ لأن الله خلقني كالخطّ المستقيم: إن قلت لم أكذب، وإن وعدت لم أخلف. فمن كذب عليّ أو أخلف وعده لي جاهرته باللوم، أو عاقبته إن كرّر ذلك بالهجران. ثم إني صعبُ القِياد لا يستطيع أحد أن يسيّرني في طريق لا أريد السير فيه أو يُنطِقني بقول لا أعتقد صحته. ولطالما لقيت في سبيل امتناعي هذا الشدائد وأصابني الأذى، من الحُكّام ومن غيرهم من الظُلاّم، فكنت إذا انهزمت كسرت سيفي لكنْ لا أسلمه إلى عدوّي ولا أرفع له -لأنجو منه- الراية البيضاء. لذلك ابتعدت عن كل حزب أو هيئة أو جماعة أن أصير عضواً فيها. ولطالما ظن قوم أنهم استغلّوني حين جاؤوا بي أخطب في ناديهم وأنهم سخّروني فيما يريدون، ما دروا أني أنا أسخّرهم فيما أريد، ذلك أن لي غايات ثلاثاً ما عدلت عن واحدة منها ولا استبدلت بها، وما حدت عنها ولا جئت يوماً -ولله الحمد- بما يعارضها وينافيها؛ هي الدعوة إلى الإسلام وإلى العربية والدفاع عنهما وبيان محاسنهما، والدعوة إلى القوة وإلى مكارم الأخلاق، والذي نُشر ممّا كتبت أكثر من عشرة آلاف صفحة، ففتّشوا: هل ترون فيها ما يكذّب هذا الادعاء؟
* * *
وكان مقرّ قيادة النضال الشعبي ومصدرُ روح الجهاد أشرفَ مكان في دمشق: الجامع الأموي؛ فيه يكون اللقاء وفيه تُلقى الخُطَب ومنه تخرج المظاهرات، وإليه يأوي المناضلون إذا طاردهم المستعمرون (المنتدبون) ومن يمشي منّا في أذنابهم،
стр. 429
ومن سطحه يُلقون الحجارة عليهم. وما جاز عتبتَه يوماً جندي من جنود فرنسا، فلما جاء الاستقلال رأينا ممّن يُعَدّ منا (وما هم في الحقيقة منا، بل هم شرّ علينا من عدوّنا) رأينا ممّن ينطق بلساننا ووُلد في أرضنا مَن يكسر باب المسجد ويدخله بسلاحه وسياراته، ويذبح المجاهدين على أرضه، ويفعل فيه كل ما ينكره الدين وتأباه المروءة وتستكبره إنسانية الإنسان، حتى لقد مرّت سنوات طوال ولا تزال على سجّاده آثار الدماء الطاهرة الزكية التي أراقها من ليس طاهراً ولا زكياً، ولكنْ جباراً عتياً وكفاراً غوياً.
فيا عجباً! أيكون من أبنائنا من هو أقسى علينا وأعدى لنا وأشد حرباً لديننا من مستعمري بلادنا؟
كنا إن أردنا أمراً تداعينا إلى صلاة الجمعة في الأموي، فإذا انقضت الصلاة خطب الخطباء ثم خرجت المظاهرة. وتوالت سنوات وأبرز هؤلاء الخطباء هو كاتب هذه السطور، وصدّقوا إن قلت لكم إني أجد أشد الحرج حين أقول هذا عن نفسي، فسلوا من شئتم ممّن أدرك تلك الأيام يخبركم بأكثر ممّا يسمح لي الخجل أن أقوله، لأن الأمر كان أظهر وأشهر من أن أقيم عليه البراهين.
وكانت بداية ذلك أن كنت يوماً أقيم في شارع بغداد (وهو ثاني شارع فُتح في دمشق بعد شارع النصر، وقد كان فتحه أيام الثورة سنة ١٩٢٥)، وكنت على موعد لصلاة الجمعة في مسجد القصب في حيّنا، فجاءني جماعة من طلاّب الطبّ (وكنت أنا في الحقوق) فقالوا: إنّا نفتّش عنك فهيا معنا. قلت: إلى أين؟ قالوا:
стр. 430
إلى الأموي، فقد احتشد فيه جمهور من غير الوطنيين (وكان اسم الوطنيين علَماً على معارضي الانتداب) واستعدوا له من أيام وأعدوا خطباءهم، فرأينا أنهم لا يقوم لهم غيرك.
فحاولت الاعتذار فقطعوا عليّ طريقه حين قالوا: هذا قرار الكتلة، فذهبتُ. وكان لي -بحمد الله- صوت جهير، فقمت على السدّة ممّا يلي باب العمارة وناديت: «إليّ إليّ عباد الله»، وكان نداء غير مألوف ثم صار ذلك شعاراً لي كلما خطبت. فلما التفتوا إليّ بدأت بيت شوقي:
وإذا أتَونا بالصفوفِ كثيرةً ... جئنا بصفٍّ واحدٍ لن يُكسَرا
وأشرت إلى صفوفهم المرصوصة وسط المسجد وإلى صفّنا، وأفضت في الكلام أضرب على وترَين لهما في نفس كل سامع صدى: الدين وهو أول محرك للناس إن كانوا مؤمنين وكان القائل صادقاً فيما يقول، والاستقلال وهو مطمح كل سوري إلاّ من مالت به الدنيا ومنافعها إلى تأييد الغاصبين فآثرها على آخرته وعلى مرضاة ربه.
وكانت خطبة نسيها الناس إلاّ أثرها، ونسيت أنا ما قلت فيها، ولكن الذي لم أنسَه أنها أفسدت على الآخرين أمرهم وصرفت الناس عنهم، فلما خرجت خرج الجمهور ورائي، وكانت مظاهرة للكتلة لا لهم، أي للوطن لا عليه.
وقد كان يختلف الشيوخ والشباب في أسلوب العمل: أما الحرص على الاستقلال والرغبة في النضال فقدرٌ مشترك عند الشباب والكهول. ولقد قلت في محاضرة لي عن الشباب قديماً
стр. 431
إن الغاية واحدة، كلهم يريد الثواب إن كان مؤمناً والمجد إن كان طموحاً، ما اختلفت الغايات ولكن السرعة هي التي تختلف، فالشاب يريدها عاجلة جاهزة والشيخ يصبر ويتأنى.
وكان عندي موهبة الخطابة على أكمل صورها، يكفي أن أصعد المنبر وأواجه الناس حتى يتدفّق عليّ سيل الكلام.
والارتجال من أصعب الأشياء، فالخطيب يفكّر فيما يقول وفي انتقاء الألفاظ المعبِّرة عنه، يعرضها ليختار أحسنها، ويفكّر فيما قال قبلُ ليصله به ولا يقطعه عنه، وفيما سيقوله بعدُ ليسوّي له المعنى ويتخير له اللفظ. عمليات صعبة متعاقبة لا بد فيها من السرعة البالغة، وإلاّ انقطع الكلام وأعرض السامعون، تجري كلها معاً، ولكن الملَكة المكتسَبة تسهّلها والمرانة تهوّنها، حتى لا يشعر الخطيب بها ولا يحسّ ثقلها وإنما يستمتع بها. على أني لا أكتمكم، بل أعترف لكم، بأنها تمرّ بي الدقائق الأخيرة قبل أن أشرع بالخطبة ثقيلة، وأني ربما استشعرت الهيبة أحياناً، فإذا بدأت الكلام ذهب هذا كله.
أقول هذا وأنا أعلو هذه المنابر وأعتادها من يوم خطبت أول خطبة لي على درَج مدرسة طارق بن زياد الابتدائية في دمشق سنة ١٩٢١. أقوله وقد ألِفت هذه الأعواد وألِفَتني. لذلك أكره أن يقدّمني أحد حين أُحاضر؛ إنه يحمل عليّ ثقلين: ثقل المدح، ومدح المرء في وجهه إحراج له، وأنا أجيب من يسألني وأسب من يسبني، لكن ماذا أقول لمن يمدحني، لا سيما إذا كنت أعلم أنه يمدحني بلسانه ويشتمني بقلبه؟! الثقل الثاني: أني أحب أن تقصر
стр. 432
دقائق الانتظار وأشرع في الكلام، وهذا يطيل انتظاري.
* * *
قلت لكم إن «اللجنة العليا لطلاب سوريا» كانت من باب خداع العناوين، وقد آن الأوان لبيان حقيقتها.
كنت أنا أخطب، ولكن لا أصلح لما يسبق الخطبة من إعداد ومن مفاوضات ومحادثات، وكان لي رفيق هو أصلح الناس للمحادثات والمفاوضات ولكن لا يصلح للخطابة. هو اجتماعي مئة على مئة كما يقولون، وأنا رجل متوحّد منفرد، لا أستطيع أن أوغل في مخالطة الناس لأني لا أكذب ولا أحتمل كذباً من أحد ولا أخلف الوعد ولا أصبر على إخلاف المواعيد، ومن قال لي شيئاً ولم يحقّقه غضبت منه، ومن شعرت أنه مخادع سقط من عيني ... فكمّل أحدُنا نقصَ الآخر. كان رفيقي في مكتب عنبر، ثم صار طالباً في «الطب» وصرت أنا طالباً في «الحقوق»، فكنا نتلقّى الأمر من الكتلة، ثم نقعد معاً في مكان أو نتحدث في طريق، فنرسم الخطّة ويقوم كلٌّ منّا بحمل قسطه منها، وهذه هي «اللجنة العليا».
هذا الرفيق هو الدكتور صبري القباني، وربما انضمّ إلينا ثالث هو الدكتور مدحت البيطار سفير سوريا السابق في المملكة. وقد نشأنا نحن الثلاثة نشأة فقر، كما نشأ رفيقنا أحمد السمّان الذي صار مدير جامعة دمشق. ﵀ ورحم القباني ورحم من سبقنا من الإخوان.
* * *
стр. 433
-٤٢ -
دمشق
صُوَر من جمالها وعِبَر من نضالها
عرفتم من سياق هذه الذكريات أني نشأت في مجتمع صغير، في بلد كان يوماً من عواصم الحضارة والعمران وقلاع القوّة والعِزّة، وكان حاكمه هو السيد المُطاع في ثلث المعمور من الأرض في بقعة تمتدّ من حدود الصين وأواسط روسيا إلى إسبانيا وقلب فرنسا، وكان البحر الأبيض المتوسط بحيرة في أملاكه الواسعة، يملك أكثر شطآنه وتتجول أساطيله في لُجّته وخلجانه. ثم تضاءل هذا الملك الكبير ونقص الدهرُ أرضَه من أطرافها، فضمّ بعضها إلى بعض حتى صارت دمشق بلدة تعيش على هامش الحياة. ولكن مَن كانوا فيها كانوا سعداء بهذه المعيشة لأنهم نشؤوا فيها ولم يعرفوا غيرها.
في هذا البلد وفي ذلك العهد فتحت عيني على الدنيا. كان قد وصل إلينا جانب صغير من حضارة العصر فقنعنا به، وكان لدينا إرث كبير من فضائل الماضي فحافظنا عليه. لا نهتمّ بسياسة ولا نتزاحم على رياسة، تركنا الأمر للوالي العثماني الذي كان
стр. 434
يدبّر بمعاونة «الدفتردار» الحكومة المدنية، والمشير الذي كان يتولّى الحكومة العسكرية.
يقوم أكثرنا بحق ربنا، فالمساجد ممتلئة والصلوات فيها قائمة، والناس عاكفون على حضور حلقات العلم فيها. ونقوم بحقّ أنفسنا فنتاجر ونعمل، ونكسب ونربح، ونلهو ونمرح، وإن كانت ملاهينا (التي كان يعرفها أمثالي) معدودة. نحرص على الصبحيّة (نزهة الصباح) في «صدر الباز» (حيث المعرض الدولي الآن، وكان مرجاً أخضر على كتف بردى، وهو وقف إسلامي) وفي الرّبوة، وهي مدخل الوادي الذي يأتي منه بردى، وهو من أجمل أودية الدنيا: بردى يجري في وسطه وأبناء بردى الستة على جانبيه، والشلالات تنحدر من الأعلى منها إلى الأدنى، ومن هنا جبل قاسيون ومن هناك جبل المِزّة، ومن الجهة الأخرى «الشرَف الأعلى» وفيه «الميزان»، وقد قام فيه الآن مستشفى المواساة. وكان أجمل متنَزَّهات دمشق: تنظر منه إلى الوادي يبدو لك أوله من بين الجبلين كما يبدو الأمل بالفرج من بين الشدائد، ثم يلتوي فتراه حيناً يلوح لك من بعيد ويخفى حيناً، كالمجهول في القصة الأدبية أو في الحياة الواقعية، تمسك به ثم يفلت منك. وأمام الشرف الأعلى الشرف الأدنى.
ولست أصف دمشق (١)، فدمشق (التي حُرِمتُ من رؤيتها وحُرّم عليّ دخولها) جمعَت ما لم تجمع مثلَه مدينةٌ في الدنيا: ميراث ضخم من الماضي جعلها أقدم المدن المسكونة في الأرض
стр. 435
بلا خلاف، وفيها من كل شيء: فيها الجبل والوادي، والسهل والقفر، والجنان والبساتين، والأنهار الجارية، والثمار الدانية، وكل ذلك أُلِمّ به بنظرة واحدة من شرفة بيتي في قاسيون (١). وأين مني بيتي وأين قاسيون؟ أحسب أني سأموت قبل أن أتزود منه بنظرة ... فلله وحده الشكوى.
وكنا نعيش في سعادة لأننا كنا راضين، ما كنا نتطلع إلى خير ممّا كنا فيه لأننا لم نكُن نعرف ما هو خير ممّا كنا فيه، والمرء يرضى بطعامه الذي لا يعرف غيرَه حتى يذوق ما هو أطيب منه. كنا نأوي إلى بيوتنا من بعد صلاة العشاء، وكنا نجتمع على الأُلفة الحلوة والنكتة المسلّية، وكنا نقضي حياتنا نغنّي كما يغنّي الصرصور في الصيف، فالمرء إذا انفرد بنفسه دندن بالغناء، وأَجيرُ الخبّاز وهو يحمل على رأسه «المعجن» إلى الفرن يغنّي، ونداء الباعة كله غناء في كلام إن لم يكن شعراً حقيقياً فهو خير من كثير ممّا يُنشَر اليوم على أنه شعر.
أليس شعراً (وإن لم يكن موزوناً مقفّى) نداء بائع الباذنجان: «أسود ومن سواده هرب الناطور»؟ أليست صورة ناطقة: صورة ناطور البستان يرى شدة سواد الباذنجان فيشمر عن أذيال الفرار؟ وبائع التين إذ ينادي: «دابل وعلى دباله يا عيون الحبيب، من دباله يمشي لحاله)، تين ذابل كالحبيب الذي يذبل عينيه فيسبي الناظر إليه. وبائع الزعبوب (أي الزعرور) ينادي: «أبيض أحمر
стр. 436
يا زعبوب، تمر محنى يا زعبوب، البزر بن يا زعبوب»، كلام موزون يغنّى بلا مُغَنٍّ، لا يحتاج إلاّ إلى عازف آلة يصحبه أو رِقّ يضبط نغمته.
وبائع الجَرادِق في رمضان (وهو الحلوى الرقيقة التي تكون كالطبق الواسع عليها خطوط الدبس، وهو عسل العنب) أليس نداؤه غزَلاً حلواً وتشبيباً صادقاً إذ يقول: «ياما رماك الهوى وقلبي انكوى يا ناعم»؟ وما هذا بالخيال، فالجردقة إن هبت عليها النسائم وهي في يد صاحبها طيّرها الهواء، فهل في وصف الخفّة والرقّة أجمل من هذا النداء؟
وبائع العنب في آخر الصيف إذ يودّعه: وهموم الحياة كلها يجمعها عنوان الوداع، وداع العاشق المعشوق، ووداع المريض الصّحّة، ووداع المحتضَر الحياة، اسمعوه ينادي ويا ليتني أستطيع أن أحكي نغمته أو أضع لها «نوطة موسيقية»، فهي في ذاتها شعر.
والشعر والموسيقى والتصوير لغات شتّى تعبّر عن الصورة الواحدة أو الشعور الواحد. فأنت إن كنت شاعراً عبّرت عن منظر غروب الشمس في البحر بالألفاظ والأوزان، وإن كنت موسيقياً فبالأصوات والألحان، وإن كنت مصوّراً فبالخطوط والألوان. ولمّا أصيب بتهوفن بالصمم ودخل يعزّي صديقه بوفاة ولده ولم يسمع ما قاله له ولم يسعفه المقال بما يناسب الحال قعد إلى «البيان» فعزف عليه «لحن الحزن» المعروف.
أقول: إن بائع العنب لا يبعد كثيراً عن الشعراء والعشاق
стр. 437
حين ينادي: «ودّع والوداع لسنة يا عنب»، «هَدّوا خيامك وراحت أيامك، ما بقي في الكَرْم غير الحطب يا عنب» ... ألا يذكّركم هذا ببكاء الديار ومخاطبة الأطلال، وهو أصدق ما قال شعراء الجاهلية في شعر العاطفة؟
وفي الشام من أنواع العنب ما ليس في سواها، وآخر معرض أذكره في داريا في الغوطة الغربية عُرض فيه مئة وسبعة أنواع من العنب، ولكن مجمع الكروم ومعظمها كان في دوما، التي كانت تمتد إلى الجبل الذي فيه الثنيّة التي نزل منها خالد بن الوليد مَقْدَمَه من العراق، التي تزيد رقعتها طولاً وعرضاً على عدة أكيال (كيلومترات) والتي يُستخرج منها الدبس وقمر الدين، ثم أصابها من سنين بلاء (دودة أو مرض) أودى بها كلها فذهبت حتى الحطب، فيا أسفي على هذا الكنز الذي ذهب!
وما دمنا في الكلام على نداء الباعة فهاكم هذه الصورة العجيبة لبائع اليَخَنا (أي الملفوف): «يخَنا واطبخ، والجارية تنفخ، والعبد عَ الباب، يطرد الكلاب»، هذا يوم كان الطبخ على نار الحطب ولا تذكّى النار إلاّ بالنفح عليها، وكان في البيوت المماليك من العبيد والجواري. صورة من تاريخنا القريب.
وبائع البَليلة: «بليلة بلّلوك، وسبع جوار خدموك يا بليلة». وبائع الشّمَندر المسلوق في أيام الشتاء، يضع صينية فوق الحلّة ويصفّ عليها رؤوس الشمندر مقشورة ساخنة تُشهّي الأكل الشبعان (١)، ينادي: «بردان تعال صوبي، تعال صوبي أنا بياع
стр. 438
العسل». وبائع غَزْل البنات، هذه الحلوى اللذيذة في اللسان، الليّنة تحت الأسنان، التي تذوب في فمك حين تدخله فكأنك تأكل في المنام، إنه ينادي: «ياغَزْل البنات، ياما غزلوك في الليالي يا غزل البنات». ومن عجائب النداء نداء بياع التَّرْخون، وهو حشيش من المشهّيات على المائدة، وهو من الأفاويه المعروفة، يزعمون أنهم يزرعونه في بقعة فينبت في غيرها، فهو ينادي عليه هذا النداء العجيب حقاً الذي لا يعرف المراد منه إلاّ ابن البلد: «ويلي عليك يا ابن الزنا يا خاين»، هل تعرف إن سمعته أنه يبيع التّرخون؟
وإن سمعت من ينادي في الصباح «الله كريم» أوفي النهار «الله الدايم» فاعلم أن الأول بياع الكعك والثاني بياع الخسّ (١). ولرمضان نداءات خاصّة برمضان.
* * *
عفوكم أيها القرّاء، لقد كنت كالماشي بين الحقول فأغراه منظر بستان، فمشى إليه وأوغل فيه حتى بَعُد عن طريقه وكاد ينسى إلى أين يسير. وهذه هي علّة كل من نشأ على كتب الأدب العربي ومن أدمن قراءة شيخنا الجاحظ الذي سنّ لنا سنّة الاستطراد التي تصرف عن المراد.
إن الصغير الليّن العود يمكن إن اعوجّ أن يُقوَّم، ولكن كيف يُقوَّم من كان على عتبة الثمانين؟ إنها علة أُنكِرها من نفسي ولا أستطيع الخلاص منها، فاحتمِلوها مني أو قولوا لأصحاب
стр. 439
الجريدة وللقائمين على الإذاعة والرائي أن يريحوكم مني، فما عاد في تقويمي أمل.
إن حياتنا تلك التي كانت سعيدة على فقرها، ناعمة على خشونتها، لم تدُم علينا. لقد سعينا إلى التعلّق بأسباب الحضارة وأزمعنا المسير إليها في أرضها، فجاءنا بها أصحابها إلى أرضنا وقرعوا بها أبوابنا، ولكن الذي رأيناه منها كان الجوع والحاجة وموت الأحبّة أيام الحرب الأولى. ثم رأينا المدافع، لا في العرض العسكري، ولكن رأيناها حين دكّت بقنابلها بيوتنا ودمّرت ثلث مدينتنا، وأحرقت أجمل دورنا وأغلى قصور أغنيائنا ... رأينا كيف غصب المتحضرون منّا بلادنا وأكلوا خيراتها من دوننا، رأيناها يوم سرقوا حرّيتنا وقتلوا استقلالنا في ميسلون.
حاربنا في «ميسلون» حرباً مرتجَلة، لم نُعِدّ لها عدّتها ولم نرسم خطتها، فانهزمنا ودخل غورو دمشق، وجعل جنده يطؤون الأرض التي كان يمشي عليها بلال وأبو الدرداء ومعاوية، وظنّ أنه حلّ فيها محلّ الأخلاف من بني أمية الذين:
كانوا ملوكاً سريرُ الشرقِ تحتَهمو ... فهلْ سألتَ سرير الغربِ ما كانوا؟
عالينَ كالشمسِ في أطرافِ دولتِهم ... في كلِّ ناحيةٍ مُلكٌ وسلطانُ
رحم الله شوقي.
فهل خضعنا وخنعنا؟ لا؛ بل لقد ناضلنا، وكان نضالاً صعباً مريراً خضنا إليه سواقي من الدم، من دماء أعدائنا ودماء شهدائنا، وتخطّينا ركاماً من الجثث، وبذلنا آلافاً من المُهَج، وحملنا فيه
стр. 440
من الشدائد والصعاب ما ينوء ثقله بالصخور الراسيات (١). تعاقبَت الثورات في الشمال، وعلى الساحل، ثم كانت الثورة الكبرى سنة ١٩٢٥ (وقد حدّثتكم حديثها)، ثم بدأت حرب الشوارع. حتى جاء الاستقلال.
إن هذا الاستقلال كالثروة التي يجمعها البخيل قرشاً إلى قرش، يجوع في سبيلها ويشقى لجمعها، فيأتي وارثه، أو يأتي من ليس له بوارث ولا له في إرثه حقّ، فيبذّرها باليمين وبالشمال، لا ينفقها على أمته ولا على وطنه ولكن ... وتعرفون ما الذي يُقال بعد «لكن»، والمعروف لا يعُرَّف.
ما جاءنا الاستقلال على صينيّة من البلّور ولا على طبق من الفضّة، كما يجيء الشاي لمن يطلبه في الفندق الكبير، يقدّمه إليه النادل مع الانحناء ثم يسرق ثمنه سرقة إذ يأخذ بدل الريال عشرة. بل جاءنا بالثمن الغالي، دفعناه ولا نزال ندفعه من مُهَجِنا وأرواحنا.
لم أدرك أيام النضال الأول، نضال الاتحاديين من الأتراك، ومن نِعَم الله عليّ أني لم أدركه وأن الله عصمني من أن أشارك في تمزيق أمّة محمد إلى عرب وترك وشَقّ عصاها وإذهاب وحدتها، على أني أعذُرُ من شارك في ذلك ممّن هم أساتذتنا كرشيد رضا ومحبّ الدين الخطيب، فما أرادوها قومية تحلّ محلّ أخوّة الإسلام، ولكن أرادوا استرداد حقّ العرب ضمن حدود الإسلام ممّن عدا على حقوق العرب وجانب الإسلام.
стр. 441
ثم جاء قوم من النصارى، وقوم من المسلمين لا يربطهم بالإسلام إلاّ أنهم وُلدوا من آباء وأمهات يدينون به، كساطع الحصري ومن بعده عفلق، فجعلوها قومية كافرة تنافي الإسلام وتخالف القرآن.
وكنت أيام الثورة الكبرى طالباً فلم أشارك أهلها ولم أعاون عليها، فلما انتقلنا إلى هذا العهد، عهد النضال في الشوارع، انغمست فيه وصرت من زعماء الشباب العاملين عليه.
كنت في نزاع بين طبيعتي التي تميل إلى العزلة وتنفر من الاندماج في جمهور الناس، وبين موهبتي في الخطابة وفي الكتابة التي دفعَت القيادةَ إلى التمسك بي؛ فاقتصرَتْ مشاركتي في هذا النضال ثم في العمل الإسلامي بعده على ثلاث: أواجه الناس من فوق المنبر، أو من خلال الصحف، أو أشارك في الرأي والمشورة ... ولا شيء بعد هذه الثلاث. وعرفتم أني لما تركت دار العلوم في مصر ومضى وقت القبول في الجامعة في الشام بقيت سنة بلا عمل، فعملت في التعليم وفي الصحافة. اشتغلت في جريدة «فتى العرب» وفي «ألف باء» وفي «القبس»، وفي سنة ١٩٣١ فُتح باب جديد في تاريخ الصحافة في الشام بإنشاء جريدة «الأيام».
كل حزب في الدنيا له جريدة تنطق بلسانه وتعبّر عن رأيه، والكتلة الوطنية كانت سنة ١٩٣١ أكبر من حزب، كانت تجمع الزعماء المناضلين العاملين للاستقلال، فصحّ عزم رجالها على إنشاء جريدة «الأيام»، واختاروا لرياسة تحريرها العالِم البليغ
стр. 442
الأستاذ عارف النّكْدي، وسبق صدورَها إعلان كبير عنها وترقّب متلهّف لها.
وكانت أول جريدة في الشام تصدر في ثماني صفحات، وأول جريدة ليس في أقوالها «ضمير مستتر» يعود إلى رئيس أو وزير أو غنيّ ذي نفوذ، وكانت أول جريدة تخطّت عرائس المسرح فلم تمدحها ولم تذمّها، بل توجّهَت إلى صاحب اليد التي تحركها فخاطبَت المفوض السامي الفرنسي، لم تخاطب رئيس الحكومة المحلّية ولا أحداً من وزرائه.
وجمعت طائفة من الأساتذة يعملون فيها، واختارني الأستاذ النكدي «محرّراً داخلياً» (وهو لقب مرادف للقب «مدير التحرير» في أيامنا)، فكان ينظر هو في المقالات، فما يوافق عليه أحاله إليّ وما لم يكن يمسّ سياسة الجريدة ومبادئها ترك لي النظر فيه: نشره أو طيه. والأخبار العالمية التي كانت تحملها برقيات «رويتر» و «هافاس» وأخبار المراسلين أنظر أنا فيها، فأختار منها وأضع العناوين لها، وقد أعلّق عليها. وكانت «الأيام» أول جريدة لها مراسلون حقاً، لا كالذي وصفتُه لكم في الجرائد التي عملت فيها من قبل. وأكتب فوق ذلك في الجريدة.
وكان في الغرفة التي أعمل فيها أشخاص مختلفو المشارب متباعدو الاتجاهات، فكان إلى اليسار مكتب الأستاذ منير الريّس وهو المحاسب، وهو ذو اتجاه قومي متحمّس لمبدئه مناصر له، وإلى جنبه مكتب الدكتور كامل عيّاد، وبجواره شيوعي آخر أظنّه عراقياً، فقد نسيت لبعد العهد. وأحسب أن أنطون سعادة،
стр. 443
مؤسّس الحزب القومي السوري، أو آخَر من أتباعه كان معنا.
كنا كعربة رَبَطْتَ في كل جهة من جهاتها الأربع حصاناً قوياً وسُقْت الخيل جميعاً: أنا (طول عمري) إسلامي الاتجاه، وهذا قومي، وذلك شيوعي ... وكنا نمضي الوقت كله في نزاع وخصام.
اختارني الأستاذ عارف النكدي لهذا العمل الكبير وأنا شابّ صغير، لم أكُن أكملت الثالثة والعشرين، لأنني كنت (حقيقة لا فخراً) قد استكملت الصفات التي يحتاج الصحفي إليها، الصحفي الذي يعمل على كرسيه وراء مكتبه، لا الذي يقابل الرجال ويتصيد الأخبار ويكون خرّاجاً وَلاّجاً، لا يُعجِزُه بابٌ مغلَق في وجهه أن يدخله ولا سياسي معتصم بصمته أن يُنطِقَه، ولعلّي أقرب إلى الكاتب الصحفي مني إلى الصحفي المحترف.
كنت حركة دائمة ونشاطاً مستمراً، لا أتعب لأني أحب عملي، ومن أحب عمله لم يُتعبه ولو حرمه راحته المعتادة ومنعه طعامه ومنامه. وكان القلم في يدي حين أكتب أسرع من الدماغ إذ يفكر واللسان إذ ينطق.
لقد أعطيت الجريدة وقتي كله وجهدي كله ونشاطي كله. كان الأستاذ النكدي يخطط ويوجّه وأنا الذي ينفّذ ويحقّق. كنت أشعر (ولا أزال أذكر) حين أمسك تجارِب الطبع (البروفات) وأنزل إلى المطبعة وحين أوافق على الطبع أو أؤخّره، أني قائد معركة يتنقل على فرسه بين فرق جيشه وأفراد جنده.
стр. 444
أرأيتم الأكلة الطيبة التي تذهب مادتها ولكن تبقى ذكراها، فتحنّ أبداً إلى مثلها وتأسى على فقدها؟ تلك كانت أيامي في «الأيام»، فيا سقى الله تلك الأيام!
لقد تلقيت من النكدي دروساً واستفدت منه كثيراً، واقتديت (أو حاولت) الاقتداء به، في استقامته التي لا نظير لها وجرأته التي ليس لها حدّ. أما لقائي به وذكر بعض مزاياه، وما صنعت يومئذٍ في لجنة الشباب، وماذا كان موقفنا من تزوير الانتخابات، وماذا صنعت بعد أن أغلق الفرنسيون الجريدة ومنعوا إصدارها ... فكل ذلك سيأتي -إن شاء الله- حديثه.
* * *
стр. 445
-٤٣ -
جريدة «الأيام»
أليس عجيباً أن يكون الخيال أقوى أحياناً من الحسّ، وأن تمحو الصورة المرسومة على الذاكرة الصورة الماثلة في الواقع؟ هذا ما كان يُخيّل إليّ وأنا واقف أمام «أمانة العاصمة» في دمشق: كانت تغيب هذه العمارة الفخمة عن نظري ويقوم في موضعها بناء من طبقتين لدار شامية، لها الصحن الفسيح و «الإيوان» العالي و «القاعات» الكبار المزخرَفة الجدران المزدانة الأركان، حتى لأحسّ من فرط تصوّرها أني أدخلها كما كنت أدخلها يوماً، فأرى أمامي أشجار الصحن المثمرة وأغراسه المُزهرة، وقاعة فيها مطابع تدور وعُمّال يشتغلون لا يسكنون ولا يهدؤون، وأصعد درجاً إلى اليسار إلى ممرّ طويل، له نوافذ على الصحن وأبواب إلى غرف وأبهاء تطل على الشارع. إني أرجع إلى الوراء إحدى وخمسين سنة فأجد نفسي في دار جريدة «الأيام» التي بدأت الحديث عنها.
أول غرفة في الممر غرفة رئيس التحرير، بعدها غرفتنا، والغرفة الكبرى هي التي يجتمع فيها أعضاء الكتلة الوطنية،
стр. 446
فيكون من ذلك «برلمان» شعبي له في الناس من الأثر ولقراراته من الحرمة ما ليس لمجلس النواب.
وربما اجتمع في هذه الغرفة أعضاء اللجنة العليا لطلاب سوريا التي كنت عند الناس رئيساً لها. وقد اعترفت لكم بعد نصف قرن بحقيقة هذه اللجنة وأنها كانت قاصرة على اثنين وأحياناً ثلاثة، وهؤلاء الذين ندعوهم إلى حضور جلساتها ونسمّيهم أعضاء فيها، لا يملكون إلا أن يُدعَوا فيجيبوا ويؤمَروا فيطيعوا. وكذلك الحال في أكثر الأحزاب والجمعيات والهيئات والمنظمات؛ اسم كبير ودار أكبر، ولوحة على باب الدار بعرض الدار، وما ثمة إلا رجلان أو ثلاثة أو من يختبئ وراءهم فيحركهم، يُقيمهم ويُقعِدهم ويوجّههم ذات اليمين وذات الشمال، وهم يحرّكون سائر الأعضاء.
ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صَولةَ الأسدِ
* * *
ولقد عرفت جرائد تطبع كل يوم عشرات الآلاف من النسخ وتمشي إلى الكثير من البلاد، ولكنها تلحق هي القرّاء بالدعاية لها والإعلان عنها. ما عرفت جريدة يلحقها القراء، ينتظرون صدورها أمام بابها حتى يكاد جمعهم يسدّ الطريق على المارّة، إلا «الأيام».
كان هذا الشارع العريض جادة يمشي فيها الترام، وكانت الجريدة تصدر وقت العصر، فكان الناس يتسابقون إلى شرائها،
стр. 447
يزدحمون عليها مثل ازدحامهم على الأفران أيام الحرب، حتى إنهم ليعرقلون سير الترام. فما الذي اختصت به هذه الجريدة حتى كانت لها هذه الميزة الفريدة؟
إنه رئيس تحريرها الأستاذ عارف النكدي. لقد كان رجلاً، وما كل الرجال رجال. لا أعني بالرجل الإنسان البالغ الذي ليس امرأة، فالرجال بهذا الوصف لا يُحصَون، إنما أعني الرجل الذي خبر طرق الحياة فلما رأى طريق الصدق اتخذه له طريقاً، لا يحيد عنه ولو حالت دون سلوكه الحوائل وقامت الموانع واشتدّت العقبات. وكذلك كان النكدي؛ كانت كلمته عهداً، وعهده إنفاذاً، وإنفاذه عاجلاً غير آجل. عرفته أديباً كبيراً يوم كنت شادياً في عالَم الأدب، وعرفته رئيساً لتحرير الجريدة وأنا أحد محرّريها، ووكيلاً لوزارة العدل وأنا أحد قضاتها، فوجدت النكدي الأديب، والنكدي الرئيس، والنكدي الوكيل، هو هو؛ ما بدّله المنصب فارتفع به لأنه كان في نفسه أكبر من كلّ منصب.
ولقد تنقل بين الدوائر على عهد الرئيس شكري القوّتلي، فكان وكيل الوزارة وكان مدير الشرطة وكان محافظ الجبل، لم يتولَّ أحد من الوظائف أكثر ممّا تولّى، ولا استقال أحد من الوظائف أكثر ممّا استقال.
كان أقوم وأعفّ وأحزم مَن عرفت من الموظفين، وقد حاول اثنان من تلاميذه اتباع سبيله واقتفاء أثره، فنجح الأول وهو أخي الحبيب نهاد القاسم وزير العدل في مصر والشام على عهد الوحدة، ﵀. والثاني كاتب هذه السطور، وما أدري
стр. 448
ما مبلغ نجاحه وليس لي أن أحكم له، ولا أحب أن أحكم عليه، فأدع أمره لله ثم لمن شاء من الناس.
كان المفتّش العامّ لوزارة العدل يوم كان المستشار الفرنسي هو الآمر الناهي على الحقيقة ومَن عداه يأمرون وينهون على المجاز، ولكن من كان مثل النكدي لا يحني رأسه لأنه متصلب العنق (من غير مرض)، فلا يكون عنقه إلا مستقيماً؛ فكانت بينهما معارك متصلة، يهدّده المستشار بسلطان الفرنسيين ويعتمد هو على زعامته في دروز لبنان وصلته بالوطنيين، فكان المستشار يتّقيه وكان هو يأخذ الأمور بالرفق ويعالجها بالنعومة. وليست النعومة علامة الضعف ولا الخشونة أمارة القوة، فالفأس الناعمة الملمس تقطع الحطبة الخشنة، وما عَهِدَ الناس حطبة قطعت فأساً من الفولاذ مرهَفة الحدّ. حتى اشتدّ الخلاف يوماً، فأرى المستشار كيف تكون غضبة الحليم وكيف تكون عِزّة المُحِقّ ولو كانت أمام بطش المُبطِل الجبّار، فانتصرت عليه، ولكنه ترك المنصب.
وكانت له طريقة في التفتيش يا ليت كل مفتّش يتبعها؛ لم يكن يعلن موعد قدومه فيُستعد له بسدّ الفتوق وإكمال النواقص وإخفاء العيوب، ولا يجيء بالطبل والزمر كسيارة الشرطة في الأفلام، تصفر من بعيد فيسمعها اللص فيهرب، بل كان إن أراد محكمة أتاها على غير موعد ومن غير ضجيج، يلبس لباس أهل البلد ثم يدخل في غمار الناس، يرى الأمور على حقيقتها، يسمع الكلام ويراقب الوقائع ويدوّن الملاحظات، ويكتب تقريره ويعرضه على القاضي ويدعه يقول قولته فيه، ثم ينظر، فما كان من نقص يمكن إتمامه أمهله حتى يتمّه ثم عاوده فجأة فرأى ما
стр. 449
كان منه، وإن كان القاضي جاهلاً سبيل الحكم أو مائلاً مع الهوى تابعه حتى يخلّص القضاء منه.
كان رجل القانون، ولكنه كان يعلم أن القانون الذي وضعه البشر ليس شرعاً أنزله الله، فإن الْتَوى طريق القانون ودار من حول الحقّ فأبعد الناس عنه قطع طريق القانون كي يصل إلى الحقّ، لأن الحقّ غاية والقانون وسيلة، وليس للوسائل أن تصرف عن الغايات.
تولى مرة الإدارة العامّة للشرطة فرأى السفهاء من الشبّان يؤذون البنات، يغريهم بذلك شهوة عارمة تُذكيها بعض الصحف والأفلام والروايات، ويشجّعهم عليه السفور والاختلاط وقانون العقوبات الذي ليس فيه ما يحمي البنت ويردع الولد. فأمر الشعبة الأخلاقية بأن تمسك كل شابّ يعرض لفتاة بما يمسّ شرفها وعرضها فتبطحه على الأرض (مهما تكُن منزلته ومكانة أسرته) وتجلده عشر جلدات، غير مؤذيات ولكنهنّ محطّمات لكبريائه مُذهِبات أمل الشيطان فيه.
ثم إن تبيّن بالتحقيق أن شرطياً ضرب بريئاً جعله عِبرة للناس. فارتدع الشبّان، وأمِنَت البنات، ولم تجاوز الشرطة حدود العدل.
* * *
على أن البنات مسؤولات، فلو سترن اللحم ما شمّ ريحَه ولا طمع فيه البسّ (١)، ولكن الفتاة تخضع بالقول فيطمع الذي في
стр. 450
قلبه مرض، وتلين له فيشتدّ وتُبدي الرضا فيزيد في الإقدام، ولو حجبَت عنه ما يغريه بها لما عرض لها، ولو سدّت في وجهه كل طريق يوصله إليها، ولو عن طريق الهاتف والبريد، لما بلغ منها شيئاً ممّا كان يريد.
وباب آخر فتحه إبليس فدخل منه بُغاة الفساد وقُصّاد الشرّ، ودخله معهم -عن غفلة منهم- أهل الخير. ذلك هو «باب التعارف» في المجلاّت، ينشر لها صورته فتنشر له صورتها، ويعلن اسمه وعمره وعنوانه فتعلن عنوانها واسمها وعمرها، ويوضّح لها هواياته لتعرف ما يحبّ وما يكره فتخبره هي بما تكره وما تحبّ. فناشدتكم الله، ماذا أبقى هؤلاء لوسطاء الفاحشة؟ ولم أذكر الكلمة لأنها قبيحة، وإن لم تكُن أقبح من الفعل الذي تدلّ عليه، فكيف ينكر الاسم من فعل الفعل؟!
ولطالما قلت وأعدْتُ حتى أضجرت وأملَلْتُ، أقول للبنات: إن اللذّة المحرّمة شركة بين الشباب وبينكن، والعقوبة في الآخرة عليهم وعليكن، ولكن عاقبتها في الدنيا عليكن أنتُنّ وحدكن. المجتمعات -يا بنات- ظالمات تسامح الشباب، تقول: «شابّ أذنب وتاب»، ولا تسامح الفتيات. إنها تغفر له زلّته وتنسى حَوبته، ويبقى أثر الزلة في البنت: ثقلاً في بطنها ووصمة على جبينها لا تفارقها حتى تفارق حياتها.
إن الذين يزيّنون لك السفور والحسور والعمل مع الرجال وكشف الجسد، بحجّة الرياضة أو الفنّ أو للكشف الطبّي بلا ضرورة، أو الخلوة بالأجنبي بلا داعٍ ... إنهم لا يريدون رياضة ولا
стр. 451
فناً ولا شيئاً ممّا يدّعونه، ما يريدون إلا أن تكشفي عن جسدك ليستمتعوا بجمالك، ولو بالنظر أو باللمس إن لم يقدروا على أكثر من ذلك. فلا تكوني عوناً لهم على نفسك، ولا تمتّعيهم بشيء منه إلا أن تربطي أحدهم من عنقه برباط الزواج، وإلا أخذ منك أعزّ ما لديك وهرب.
إن حب الشابّ يا ابنتي «خَطف»، لذّة دقائق يخطفها ويهرب خفيفاً، وحبّ الفتاة «بقاء»، أثر هذه اللذّة تسعة أشهر ثم القيام عليها طول العمر. يلبس لك جلد الحمَل يُلقي عليك مثل هديل الحمام، يذلّ لك، يُطمِعك ويَعِدك، فإذا نال الذي يريده منك نزع جلد الحمَل فبدا الذئب، وسكت هديل الحمام وسُمع فحيح الحيّة ونعيق الغراب، ثم أعرض عنك وتعالى عليك وأنكرك وأنكر ولده منك، ثم تركك مع ألمك وندمك وذهب يفتّش عن حمقاء أخرى يعيد معها المسرحية من أولها.
إن أكثر من عرفنا من دعاة التكشّف والاختلاط ما لهم زوجات ولا أولاد، وأنا رجل لي بنات ولي حفيدات، فأنا أنصحكن وأدافع عنكن كما أنصح بناتي وأدافع عن حفيداتي.
نعم يا سادتي القراء، أعرف أني خرجت عن الموضوع، ولكن هذا الذي قلته أنفع من الموضوع، إنها تذكرة لمن شاءت من البنات أن تذّكّر.
أعود إلى حديث النكدي، وحديثه طويل. في ذاكرتي الكثير من أخباره وفي نفسي التقدير له والإعجاب بفضائله. ولقد هممت أن أقول «﵀» ثم ذكرت أنه درزي. بل إني أقولها،
стр. 452
فقد صحبته طويلاً في الوظيفة وخارجها، وفي العمل وفي غير العمل، وفي دمشق وفي قريته عبية، بجوار سوق الغرب جارة عاليه (١)، وتلك البلاد خلقها الله جنّات، فكفرَت حيناً بأنْعُم الله وجاهرَت بالفسوق والعصيان وصارت مباءة لكل لاهٍ عابث من أولياء الشيطان، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وما كلّ أهلها قد فسق، ولكن المصيبة إذا نزلت عمّت. أسأل الله أن يكشف عنها العذاب، وأن يردّها إلى طريق الصواب، وأن ينتقم ممّن بغى عليها وأراها كيف يكون الخنزير لابساً جلدة إنسان، اسمه بيغن أو شارون وله أسماء أخرى ولكن من أسماء المسلمين.
صحبت النكدي دهراً وكنا نخوض معه في كلّ موضوع، وطالما عرضنا للفِرَق والمذاهب وللدرزية بالذات، فما لمست منه (وما أنا بحمد الله بالغبي) ما لمست منه يوماً ما يدل على أنه يؤمن بالمذهب الدرزي، ولو كتم إيمانه بلسانه لنمّت عليه ملامح وجهه ونبرات صوته.
ولمّا جمع أوقاف السيد التنوخي الذي يعظمونه وصانها من عبث العابثين وأيدي السارقين، أنشأ بها مدرسة كبيرة في عبية (٢)،
стр. 453
اقتبس منهاجها من مناهج الأزهر وجاء لها بمدرّسين من الأزهر ومن أمثال علماء الأزهر، وعرض عليّ أن أدرّس فيها ولكني اعتذرت لبُعد الشقّة ولأني لم أكُن أستطيع ترك إخوتي. على أني زرت المدرسة وحاضرت طلابها كثيراً. أفيصنع هذا مَن يدين دين الدروز؟
أما علمه بالعربية وغيرته عليها ودفاعه عنها فشيء لا يحتاج إلى دليل. ولمّا استفتى شيخُنا الشيخ عبد القادر المغربي في مطلع العشرينيات من هذا القرن علماء العربية في الكلمات «غير القاموسية» (١)، أي التي وردت على ألسنة البلغاء وعلى أسنان أقلامهم ولم ترد في المعاجم، كان النكدي أصلبهم في الحفاظ على اللغة ونفي الدخيل عليها.
وإن يكن درزي الأصل فما يسأل الله الناس يوم القيامة عن أصولهم بل يسألهم عن أعمالهم. وأمير البيان الذي كان في أوربا سفيراً للإسلام، الأمير شكيب أرسلان، درزي الأصل، ولكنه تبرّأ من درزيّته وعاد إلى الدين الحقّ، وظلّ عمرَه كلّه يحامي عنه بقلمه وبلسانه، يؤدّي فرائضه وسننه ويجتنب محرّماته ومكروهاته. بل إن صديقنا الأديب الشاعر الراوية عزّ الدين التنوخي درزي الأصل أسرته سادة الدروز، سمعت ذلك منه مراراً.
وأكثر القراء لا يعرفون أن العصبية القبَلية بين القيسية (٢) واليمانية، التي مزّقَت الجسم العربي وتعدّته إلى الجسد
стр. 454
الإسلامي، وكانت السبب في أكثر المصائب التي أصابتنا من خراسان إلى الأندلس وكانت من عوامل القضاء على حكم الأمويين، هذه العصبية نُسيَت في بلاد العرب من عهد بعيد ولكنها بقيَت في لبنان إلى ما قبل قرن من الزمان. وكان التنوخيون سادة اليمانية ورؤساءها، فاجتمعَت عليهم القبائل القيسية وبيّتوهم فذبحوهم في «عين دارَه» قرب صوفر. ولم ينجُ إلا طفل رضيع، حملوه إلى دمشق فنشأ فيها منسوباً إلى غير أهله، خوفاً عليه أن يُعرَف مكانه فيلحق به من يُلحِقه بمن هلك من قومه. وكبر الطفل وصار سَروجياً، أي مشتغلاً بصناعة الجلود، ثم صار شيخها يوم كان لكل صناعة شيخ، ولا يزال هذا العُرف سائداً هنا.
هذا الطفل هو جَدّ الأستاذ عزّ الدين، ومن هنا كان لقب أسرته «شيخ السروجية». وقد عاش ثُلثَي حياته جاهلاً حقيقة أصله الدرزي، فضلاً عن أن يكون في نفسه أو في عقيدته أثر لها. وكان ﵀ (كما كان صديق عمره شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار وكما كان الأستاذ النكدي) من أقدم أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وكان قد درس في الأزهر كما درس في فرنسا، ولولا أنه سمع قصّة جَدّه من شيوخ الطائفة في لبنان (كما سمعتُها أنا من الأمير حسن أرسلان) ما كان ليعلمها.
* * *
قلت إن صدور جريدة «الأيام» كان عنوان فصل جديد في كتاب «تاريخ الصحافة في الشام» (الذي ننتظر مَن يؤلّفه لنا أو يجعله أطروحة ماجستير أو دكتوراه)، لا لمجرّد أنها صدرت
стр. 455
في ثماني صفحات وكانت الصحف في أربع، ولا لأنها اتخذت مراسلين يبعثون إليها بالأخبار ووكلاء يتولّون توزيعها في الأقاليم والأقطار، بل لشيء أكبر من هذا، شيء انتقل إليها من أخلاق رئيس تحريرها.
ذلك هو «الصدق»، فلم تكُن تغشّ قرّاءها وتكذب عليهم ولا تُلبِس لهم الباطلَ ثوبَ الحقّ. والصدق يجرّ «الصراحة»، فكانت تسمّي لهم الأشياء بأسمائها، لا تقول عن الحمار إن كان ذا مال أو ذا سلطان إنه غزال بأذنين طويلتين، بل تقول إنه حمار. والصدق يدعو إلى «الإخلاص»، فلا تنشر إلاّ ما ينفع الناس، أو ترى أنه ينفعهم، ولا يُسخِط الله.
وكانت افتتاحيات الأيام قطعاً ثمينة من الأدب السامي. بلاغة مطبوعة وبيان أخّاذ، ما أظنّ أني قرأت في جريدة عربية ما يفوقها في هذا الباب. أسلوب صحيح مشرق وديباجة عربية صافية، منها مقالات لا تزال حلاوتها في نفسي، كالمقالة الرائعة التي كان عنوانها «المستقبل لله يا مسيو بونسو». والمسيو بونسو هو المفوض السامي الذي كان -كما قلت لكم- يملك من السلطان أكثر ممّا يملك الآن رئيسا سوريا ولبنان وحكومتاهما ومجلساهما.
إني أذكر بهذه المقالة قصيدة فيكتور هوغو التي حفظنا ونحن طلاّب: «نابليون الثاني»، لما ولد لنابليون بونابرت ولده الوحيد صاح فرحاً مزهواً: «المستقبل لي» (L’avenir est a moi)، فردّ عليه بقصيدة من عيون الشعر، يا ليت شاعراً مطبوعاً من شعرائنا
стр. 456
يصوغها شعراً، كما صنع المنفلوطي بخطبته في «تأبين فولتير» لما تُرجمت له معانيها فصاغها صياغة لو كان هوغو أديباً عربياً ما أحسب أنه يقدر على أجود منها. قال له: كلاّ؛ المستقبل ليس لأحد، المستقبل يامليكي لله وحده (Sire! L’avenir est a Dieu). في هذه القصيدة من الصور ومن الأفكار ومن الحماسة ما يجعلها في مقدّمة ما يحسن نقله إلينا من أدب الغرب، لأن أسلوب هوغو (في شعره وفي نثره) أسلوب خطابيّ فخم التعبير، أقرب ما تكون أساليب القوم إلى أسلوب شعراء العرب.
وللنكدي مقالة عنوانها: «إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ، وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ»؛ من أبلغ ما خطّت أقلام الكاتبين.
وكان -على قوّة شخصيته ومضاء عزيمته- رجّاعاً إلى الحقّ إن تبيّن أن الحقّ عليه لا له، يخمد غضبه في لحظة ولو كان مشتعلاً اشتعال النار متفجّراً تفجّر البارود، وهذه -لعَمري- مزيّة لا يكاد يتحلّى بها إلا أبطال الرجال. وقد خبّر سيد البشر ‘ أن مقياس الشدّة والقوّة ليس بالغلَبة بالصراع، بل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
كان من مبادئ الجريدة مقاومة الشيوعية، فسرّب أحد المحرّرين مقالة فيها تحبيذ خفيّ لها ودعوة مبطنة إليها، عُرضت على النكدي فلم يتنبّه إليها فوافق على نشرها وذهب، فلما وصلَتْ إليّ لتصحيح تجارِب طبعها (بروفاتها) رأيت ما فيها، ولم يكن لديّ من سعة الوقت ولا من وسيلة الاتصال ما أتمكّن
стр. 457
معه من عرض أمرها عليه، فوقَفْت نشرَها وأنزلت غيرَها مكانها. فلما صدرت الجريدة خالية منها سبقني هذا المحرّر إليه فأوغر صدره عليّ، فاستدعاني وتلقّاني بخطبة طنّانة تطقطق فيها قافاته المعروفة (كقافات الدكتور محجوب ثابت في مصر) وتزدحم كلماتها في جملها حتى ما أجد فسحة أبدأ كلامي منها.
وكنت امرءاً فيه حدّة، وكنت أوقّر الرجل، ولكن لمّا زاد نسيت التوقير ونفضت يدي من الجريدة ولم يبقَ أمامي إلا كرامتي التي توهّمت أنها مُسّت، فصرخت فيه وأسكتّه وأسمعتُه كلاماً جعله يفتح عينيه دهشة، وكان ممّا قلت له: أهذه أخلاق من كان مفتّش المحاكم، تقضي ولا تسمع دفاعاً، تحكم للمُبطل على المُحِقّ؟
فهدأ وقال: وما الأمر؟ قلت له: إن الرجل خدعك وسخّر جريدتك للدعوة لعقيدة أنت تحاربها ... وشرحت له ما وقع. فما كان منه إلا أن نهض واقفاً ومدّ يده إليّ وقال لي: أعتذر إليك. أمّا ذلك المحرر فنال منه ما يستحقّه.
إن أكُن أطلت الحديث عن عارف النكدي فلأنه أحد مَن أثّر فيّ وأفادني وعلّمني دروساً كثيرة، في الرجولة وفي الخضوع للحقّ وفي إباء الدنيّة وفي الصدق والإخلاص.
* * *
стр. 458
-٤٤ -
أطفال الصّحراء
أمتنا من أطيب الأمم وأصفاها عنصراً وأغلاها جوهراً، فلماذا نجدها تُدعى أحياناً إلى البذل فتُحجِم ولا تُقدِم، وتمسك أيديها ولا تبسطها؟ ألِبُخل فيها وهي أمة الكرم؟ لا، ولكن لفقد الثقة أو لنقصها، فالمؤمن لا يُلدَغ من جُحر مرتين، والذي تعضّه الحية يخاف من الحبل. ولقد جربتُ هذه الأمة عشرات المرّات فوجدت من يدعو إلى مشروع خيريّ: إلى إسعاف فقراء أو إنجاد محتاجين أو بناء مسجد أو إقامة مستشفى (١) أو معونة مجاهدين، فإذا صار المال في يده وجد جيبه أو كيسه أقرب إليه، فوضعه أو وضع بعضه فيه. من هنا صار الناس يشكّون في كثير ممّن يجمع التبرعات للخيرات وللمبرّات. وأخرى نجدها هنا وفي أقطار الخليج التي منّ الله عليها بالمال: يقوم في المسجد بعد الصلاة رجل طلق اللسان بارع البيان حافظ للشواهد والآثار، فيتكلم فيهزّ من القلوب حبّاتها ويحرّك من النفوس أعماقها، ويبكي أسىً على حال المسلمين وإشفاقاً على هذا الدين، ويستبكي السامعين.
стр. 459
فإذا بلغ منهم ما أراد شكا سوء حاله وكثرة عياله وقلّة ماله، وإذا هو «شحّاد»، وإذا هذه الموعظة وهذه الدموع «لوازم» الصنعة وأدوات «الشحادة»!
فأزمة أمّتنا (كما قلت غير مرّة) ليست أزمة شحّ ولكنها أزمة ثقة، فإنِ الناسُ اطمأنوا إلى طهارة المشروع وأمانة الداعي، أخذوا الحلوى من أفواه أولادهم ونزعوا القلائد من أعناق نسائهم وبذلوها. ولا يزال في أمّة محمد ‘ أناس يؤثرون على أنفسهم، ويعرفون للسائل والمحروم حقّه في أموالهم، ويُعطُون لله لا يريدون جزاء ولا ثناء، ما انقطعوا ولا ينقطعون إلى يوم القيامة. وقد عرف النكدي (وهو الـ «عارف») هذه الحقيقة، فعالج كفّ المحسنين أيديَهم بإعادة الثقة إلى نفوسهم في مشروع «إسعاف أطفال الصحراء».
وما مشروع أطفال الصحراء؟
عرفتم أن الثورة السورية كانت واسطة العقد، وكانت بيت القصيد في مرحلة النضال التي قطعَتها البلاد العربية فيما بين الحربين، وكان فيها «الصمود» أمام الاستعمار و «التصدّي» لردّ عدوانه؛ كان فعلاً لا قولاً، لم يكن خُطَباً تُصاغ وبيانات تُسطَر، بل دماً يُراق وأرواحاً تُزهَق، ونصراً على أعداء الله أو شهادة في سبيل الله.
ولكن الثورة خبَتْ نارُها لمّا كثر أعداؤها وقلّ أنصارها وتكالبت عليها جِلاد (١) المستعمرين ومن أعانهم من المسلمين،
стр. 460
ولست أنسى فِرَق السنغال وما فعلت من أفعال وما أتت من أهوال، ولا فرسان الجزائريين إذ يُغِيرون من فوق خيولهم على جموع المتظاهرين لا يدرون مَن يدعسون (١)، وسيوفهم مسلولة بأيديهم يضربون بها ذات الشمال وذات اليمين لا يُبصرون مَن يصيبون، وقد انتفخت برانسهم الحمراء وانتشرت وراءهم كأنها أعلام مغموسة بالدم.
على أن الذي قضى على الثورة لا الفرنسيون ولا الجنود السنغال والجزائريون، بل المتطوعون من الشركس والأرمن. أما الجزائريون والسنغاليون المسلمون فقد خالطناهم -من بَعدُ- ودانيناهم فرأينا أن أكثرهم من المؤمنين المصلّين الصائمين، ولكن المستعمرين خدعوهم وأوهموهم أننا غير مسلمين وأفهموهم أن قتالنا جهاد يُثابون عليه، ثم إنهم مُكرَهون على القتال ما لهم فيه خيار.
وأما الشركس، وإن كان أكثرهم مسلمين، فإن ذنبهم أدهى وعذرهم أوهى، لأنهم قاتلونا مختارين؛ هم تطوّعوا للقتال ما أجبرهم عليه أحد، قاتلونا طلباً للدنيا وإيثاراً لمنفعة عاجلة فيها على ما عند الله من ثواب للمؤمنين المتمسكين بأخوّة الإيمان ورابطة القرآن. أما الأرمن فلا عذر لهم أبداً، وهم كانوا أخسّ وألأَمَ لأنهم جاؤونا مطرّدين فآويناهم، وجائعين فأكرمناهم وقَرَيناهم، وفتحنا لهم أبواب بلدنا ومداخل أسواقنا فصاروا بفضلنا من الأغنياء، ثم كان جزاءَنا منهم أن أعانوا عدوّنا علينا