يصوغها شعراً، كما صنع المنفلوطي بخطبته في «تأبين فولتير» لما تُرجمت له معانيها فصاغها صياغة لو كان هوغو أديباً عربياً ما أحسب أنه يقدر على أجود منها. قال له: كلاّ؛ المستقبل ليس لأحد، المستقبل يامليكي لله وحده (Sire! L’avenir est a Dieu). في هذه القصيدة من الصور ومن الأفكار ومن الحماسة ما يجعلها في مقدّمة ما يحسن نقله إلينا من أدب الغرب، لأن أسلوب هوغو (في شعره وفي نثره) أسلوب خطابيّ فخم التعبير، أقرب ما تكون أساليب القوم إلى أسلوب شعراء العرب.
وللنكدي مقالة عنوانها: «إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ، وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ»؛ من أبلغ ما خطّت أقلام الكاتبين.
وكان -على قوّة شخصيته ومضاء عزيمته- رجّاعاً إلى الحقّ إن تبيّن أن الحقّ عليه لا له، يخمد غضبه في لحظة ولو كان مشتعلاً اشتعال النار متفجّراً تفجّر البارود، وهذه -لعَمري- مزيّة لا يكاد يتحلّى بها إلا أبطال الرجال. وقد خبّر سيد البشر ‘ أن مقياس الشدّة والقوّة ليس بالغلَبة بالصراع، بل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
كان من مبادئ الجريدة مقاومة الشيوعية، فسرّب أحد المحرّرين مقالة فيها تحبيذ خفيّ لها ودعوة مبطنة إليها، عُرضت على النكدي فلم يتنبّه إليها فوافق على نشرها وذهب، فلما وصلَتْ إليّ لتصحيح تجارِب طبعها (بروفاتها) رأيت ما فيها، ولم يكن لديّ من سعة الوقت ولا من وسيلة الاتصال ما أتمكّن
стр. 457
معه من عرض أمرها عليه، فوقَفْت نشرَها وأنزلت غيرَها مكانها. فلما صدرت الجريدة خالية منها سبقني هذا المحرّر إليه فأوغر صدره عليّ، فاستدعاني وتلقّاني بخطبة طنّانة تطقطق فيها قافاته المعروفة (كقافات الدكتور محجوب ثابت في مصر) وتزدحم كلماتها في جملها حتى ما أجد فسحة أبدأ كلامي منها.
وكنت امرءاً فيه حدّة، وكنت أوقّر الرجل، ولكن لمّا زاد نسيت التوقير ونفضت يدي من الجريدة ولم يبقَ أمامي إلا كرامتي التي توهّمت أنها مُسّت، فصرخت فيه وأسكتّه وأسمعتُه كلاماً جعله يفتح عينيه دهشة، وكان ممّا قلت له: أهذه أخلاق من كان مفتّش المحاكم، تقضي ولا تسمع دفاعاً، تحكم للمُبطل على المُحِقّ؟
فهدأ وقال: وما الأمر؟ قلت له: إن الرجل خدعك وسخّر جريدتك للدعوة لعقيدة أنت تحاربها ... وشرحت له ما وقع. فما كان منه إلا أن نهض واقفاً ومدّ يده إليّ وقال لي: أعتذر إليك. أمّا ذلك المحرر فنال منه ما يستحقّه.
إن أكُن أطلت الحديث عن عارف النكدي فلأنه أحد مَن أثّر فيّ وأفادني وعلّمني دروساً كثيرة، في الرجولة وفي الخضوع للحقّ وفي إباء الدنيّة وفي الصدق والإخلاص.
* * *
стр. 458
-٤٤ -
أطفال الصّحراء
أمتنا من أطيب الأمم وأصفاها عنصراً وأغلاها جوهراً، فلماذا نجدها تُدعى أحياناً إلى البذل فتُحجِم ولا تُقدِم، وتمسك أيديها ولا تبسطها؟ ألِبُخل فيها وهي أمة الكرم؟ لا، ولكن لفقد الثقة أو لنقصها، فالمؤمن لا يُلدَغ من جُحر مرتين، والذي تعضّه الحية يخاف من الحبل. ولقد جربتُ هذه الأمة عشرات المرّات فوجدت من يدعو إلى مشروع خيريّ: إلى إسعاف فقراء أو إنجاد محتاجين أو بناء مسجد أو إقامة مستشفى (١) أو معونة مجاهدين، فإذا صار المال في يده وجد جيبه أو كيسه أقرب إليه، فوضعه أو وضع بعضه فيه. من هنا صار الناس يشكّون في كثير ممّن يجمع التبرعات للخيرات وللمبرّات. وأخرى نجدها هنا وفي أقطار الخليج التي منّ الله عليها بالمال: يقوم في المسجد بعد الصلاة رجل طلق اللسان بارع البيان حافظ للشواهد والآثار، فيتكلم فيهزّ من القلوب حبّاتها ويحرّك من النفوس أعماقها، ويبكي أسىً على حال المسلمين وإشفاقاً على هذا الدين، ويستبكي السامعين.
стр. 459
فإذا بلغ منهم ما أراد شكا سوء حاله وكثرة عياله وقلّة ماله، وإذا هو «شحّاد»، وإذا هذه الموعظة وهذه الدموع «لوازم» الصنعة وأدوات «الشحادة»!
فأزمة أمّتنا (كما قلت غير مرّة) ليست أزمة شحّ ولكنها أزمة ثقة، فإنِ الناسُ اطمأنوا إلى طهارة المشروع وأمانة الداعي، أخذوا الحلوى من أفواه أولادهم ونزعوا القلائد من أعناق نسائهم وبذلوها. ولا يزال في أمّة محمد ‘ أناس يؤثرون على أنفسهم، ويعرفون للسائل والمحروم حقّه في أموالهم، ويُعطُون لله لا يريدون جزاء ولا ثناء، ما انقطعوا ولا ينقطعون إلى يوم القيامة. وقد عرف النكدي (وهو الـ «عارف») هذه الحقيقة، فعالج كفّ المحسنين أيديَهم بإعادة الثقة إلى نفوسهم في مشروع «إسعاف أطفال الصحراء».
وما مشروع أطفال الصحراء؟
عرفتم أن الثورة السورية كانت واسطة العقد، وكانت بيت القصيد في مرحلة النضال التي قطعَتها البلاد العربية فيما بين الحربين، وكان فيها «الصمود» أمام الاستعمار و «التصدّي» لردّ عدوانه؛ كان فعلاً لا قولاً، لم يكن خُطَباً تُصاغ وبيانات تُسطَر، بل دماً يُراق وأرواحاً تُزهَق، ونصراً على أعداء الله أو شهادة في سبيل الله.
ولكن الثورة خبَتْ نارُها لمّا كثر أعداؤها وقلّ أنصارها وتكالبت عليها جِلاد (١) المستعمرين ومن أعانهم من المسلمين،
стр. 460
ولست أنسى فِرَق السنغال وما فعلت من أفعال وما أتت من أهوال، ولا فرسان الجزائريين إذ يُغِيرون من فوق خيولهم على جموع المتظاهرين لا يدرون مَن يدعسون (١)، وسيوفهم مسلولة بأيديهم يضربون بها ذات الشمال وذات اليمين لا يُبصرون مَن يصيبون، وقد انتفخت برانسهم الحمراء وانتشرت وراءهم كأنها أعلام مغموسة بالدم.
على أن الذي قضى على الثورة لا الفرنسيون ولا الجنود السنغال والجزائريون، بل المتطوعون من الشركس والأرمن. أما الجزائريون والسنغاليون المسلمون فقد خالطناهم -من بَعدُ- ودانيناهم فرأينا أن أكثرهم من المؤمنين المصلّين الصائمين، ولكن المستعمرين خدعوهم وأوهموهم أننا غير مسلمين وأفهموهم أن قتالنا جهاد يُثابون عليه، ثم إنهم مُكرَهون على القتال ما لهم فيه خيار.
وأما الشركس، وإن كان أكثرهم مسلمين، فإن ذنبهم أدهى وعذرهم أوهى، لأنهم قاتلونا مختارين؛ هم تطوّعوا للقتال ما أجبرهم عليه أحد، قاتلونا طلباً للدنيا وإيثاراً لمنفعة عاجلة فيها على ما عند الله من ثواب للمؤمنين المتمسكين بأخوّة الإيمان ورابطة القرآن. أما الأرمن فلا عذر لهم أبداً، وهم كانوا أخسّ وألأَمَ لأنهم جاؤونا مطرّدين فآويناهم، وجائعين فأكرمناهم وقَرَيناهم، وفتحنا لهم أبواب بلدنا ومداخل أسواقنا فصاروا بفضلنا من الأغنياء، ثم كان جزاءَنا منهم أن أعانوا عدوّنا علينا
стр. 461
وجرّدوا سلاحهم في وجوهنا، أكلوا خبزَنا ونصروا خصمنا عمداً وقصداً ولؤماً وكيداً.
* * *
قُضِي على الثورة، ولكن الثوار ما ألقَوْا سلاحهم ولا استسلموا لعدوّهم، نظروا في البلاد حولهم فما وجدوا ملجأ يُلجِئُهم ولا دولة تحميهم، فعادوا إلى الصحراء. "والصحراء عرين أسود لا حظيرة أغنام، فلا يعيش فيها إلا الآساد والجمال ومَن له قوّة الأسد وصبر الجمَل. لذلك انبثق الإسلام من هذه الصحراء، لا من جنّات الشام ولا من سواد العراق، ولا من تحت قباب القسطنطينية ولا بجنب إيوان كسرى، ولا في أوربا التي كانت يومئذٍ غابة وحوش على صورة بني آدم" (١)
إنّما الإسلامُ في الصحرا امتَهَدْ ... ليجيءَ كلُّ مسلم أَسَدْ
ورحم الله الرافعي (٢).
دخلوا الصحراء ونزلوا وادي سرحان، عاشوا فيه سنوات على الضيق والضَّنْك واحتملوا. ولكن هل يحتمل أطفالُهم مثل ما يحتملون؟ هنالك فتح النكدي في «الأيام» باب التبرّع لمساعدتهم ودعاهم «أطفال الصحراء»، وصار ينشر كل يوم أسماء المتبرّعين ومبلغ ما تبرّعوا به، ويعلن في كل يوم (أي في كل عدد) أن من دفع قرشاً ولم يجده مذكوراً معلَناً فليراجعه، وصار كلّما اجتمع
стр. 462
لديه مبلغ من المال أرسله إلى اللجنة التي كان رئيسها سلطان الأطرش وأخذ منه إقراراً بـ «إيصال» المبلغ إليه ثم نشر صورة «الإيصال». فَطمْأَن بذلك المتبرّعين وسدّ الثقوب التي تمتدّ منها أصابع السارقين، وكانت سنّة حسنة عملَت بها بعده جمعيات وهيئات، سيأتي الحديث عنها في موضعه من هذه الذكريات إن أراد الله.
* * *
ولئن كان «أطفال الصحراء» يومئذٍ مئات أو عشرات المئات، وكانت مشكلتهم نقص الغذاء مع شدة الجوع أو فقد الكساء مع لذعة البرد، فإن أمامنا اليوم مشكلة أكبر، ليست الجوع ولا العري ولكن ما هو أشدّ من ذلك وهو الكفر، وهي مشكلة مئات الآلاف أو أكثر من ذلك، ممّن أخرجَتهم أحداث لبنان وغير لبنان من بيوتهم، ثم هَدمت بيوتهم أو نسفتها فلم تَبقَ لهم بيوت، وأودَت بأهليهم وأُسَرهم فلم تَبقَ لهم دار يسكنون فيها ولا قريب يسكنون إليه. لم تصنع ذلك «الأيدي الآثمة» للمجرمَين القذرَين بيغن وشارون فقط، بل صنع مثلَ هذا وأشنعَ وأبشع من هذا غيرُ بيغن وشارون، ناس أكفَر منهما كفراً وأعظم منهما جرماً. وما كل ما يُعلَم يُقال، وما كل ما يُكتَم لا يُعلَم، والمدار على من يفهم!
هؤلاء الأطفال وهم مئات الألوف، ما أحصيتهم ولكني ما بالغت في عدّهم، بل لعلّي نقصت لأنهم أكثر ممّا ذكرت، هؤلاء الأطفال مَن المسؤول عنهم؟ مَن يتولاّهم؟ لقد امتدّت الأيدي إلى انتشالهم، ولكنها أيدي المبشّرين وأيدي الشيوعيين وأيدي أمثالهم من المُلحِدين، أخذتهم لتبدّل أسماءهم وعقائدهم
стр. 463
وأفكارهم، فيصيروا وهم أبناؤنا كفّاراً بديننا أعداء لنا أصدقاء لعدوّنا! لقد خبّروني أن «سيدتي» (لا سيدتي أنا فما لي سيدة، أنا سيد نفسي، بل هي مجلّة تصدر هنا ولكن لا تُرسل إليّ ولم أرَها اسمها «سيدتي») دعت الأسر السعودية إلى تَبنّي هؤلاء الأطفال، خُبّرت بذلك إثر حلقة من حديثي الإذاعي اليومي كان موضوعها مشكلة هؤلاء الأطفال. وهذه دعوة لا شك أن فيها خيراً إذ تنقذهم من أن يكونوا -إذا كبروا- أنصار التبشير والاستعمار ثم يكون مصيرهم إلى النار، والمجلة تُشكَر على اهتمامها بهم، ولكن هذه الدعوة تعترضها عوارض يمكن أن نجد لها إن اجتمعنا وفكّرنا علاجاً. منها الاسم الذي نسمي به من لا نعرف له من الأطفال أماً ولا أباً، لمن ننسبه؟ أيتبنّاه الذي يأخذه ويرعاه؟ إن التبنّي محظور في الإسلام. وإذا ضمّته أسرة إليها فكيف تكشف أمامه إذا كبر نساؤها وهو أجنبي عنها؟ وإن كانت بنتاً فكيف تخالط إذا كبرَت رجال الأسرة وهي أجنبية شرعاً عنهم تحلّ بالزواج لهم؟ إن كان الطفل رضيعاً لم يَزِدْ عمره عن سنتين وأرضعَته المرأة صارت أماً له من الرضاع، وصار أولادها كلهم من زوجها أو من زوج لها غيره، قبله أو بعده، وأولاد زوجها منها أو من غيرها صاروا كلهم إخوة لهذا الطفل الذي رضع. هذه سهلة، ولكن ما العمل إن أخذوه وعمره فوق السنتين؟ هذه مسألة جاءت استطراداً، ولكنها مشكلة قائمة، إن لم تجتمع على حلّها عقول المفكّرين وأيدي القادرين كان منها بلاء مستطير وداء خطير لا نبرأ من عقابيله بعد قرنين من الزمان، فتداركوه من الآن.
* * *
стр. 464
خلال اشتغالي في جريدة الأيام (١٩٣١ - ١٩٣٢) كانت انتخابات ٢٠/ ١٢/١٩٣١. وقد عرفَت دمشق قبلها ثلاثة انتخابات أو أربعة، ولكن بعضها لم أدركه وبعضها أدركتُه ولكن ما شاركت فيه، وهذه أول انتخابات أخوض غمارها وأصلى نارها. وأنا هنا أدوّن ما بقي لديّ من ذكريات، لا أسجّل تاريخاً، ولكن حديث هذه الانتخابات لا يُفهَم إلا بعرضٍ تاريخي سريع؛ «فلِم» قصير فيه الرمز والإشارة، ليس فيه الشرح ولا التفصيل.
إن بين أوراقي مقالات كثيرة نُشرت في سنين متعاقبة في ذكرى «٨ آذار»، وسوريا الرسمية تحتفل اليوم بيوم ٨ آذار (١)، ولكن الحادثة التي كنا نحتفل بذكراها غير التي يُحتفَل بها اليوم، ففي يوم ٨ آذار سنة ١٩٢٠ أعلن استقلالَ سوريا المؤتمرُ السوري الذي مُثّلت فيه سوريا كلها بحدودها الطبيعية، أي بلاد الشام كما كانت تُعرف في سوالف الأيام، وكان فيه مندوبون عن لبنان وفلسطين والأردن، وكان رئيسه السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار».
وقد قلت لكم إني كنت ممّن دُعي إليه ولكن من تحت، وقد حضرته ولكن من «برّا»؛ ذلك أن المدعوّين كانوا فريقَين، فريق كانوا فوق، في «السراي» (أي في قصر الحكومة الذي انعقد فيه المؤتمر)، وكانوا قاعدين مستريحين يتكلمون ويقرّرون ويشربون الحارّ والبارد، وفريق كانوا تحت: في الشارع، مصفوفين أمام السراي ظهورهم إلى بردى، وكانوا واقفين على أقدامهم طول
стр. 465
مدّة انعقاد المؤتمر لا يتكلمون ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يُسمح لهم أن يذهبوا إلى «الحمّام» إن احتاجوا أن يعملوا «زيّ الناس» (١) كما يقول أهل مصر. وهذا هو الفريق الذي كان فيه تلاميذ المدارس، وكنت أنا معهم.
هذا أول مجلس نيابي عرفته، أو كان كالمجلس النيابي. أما الكلام في انتخاب أعضائه، كيف تم وكيف كان اختيارهم، فلا أعرف عنه شيئاً. وقد كان قبله انتخاب رجال من دمشق ليكونوا نوّاباً عنها في «مجلس المبعوثان» (٢)، ولا أعرف إلا شطر بيت فيه أسماؤهم، ومن حروفه يُعرَف تاريخ إرسالهم على طريقة حساب الجُمّل الذي كان الناس يعتنون به في تلك الأيام، وهو:
سليمانُ رشدي والشفيقُ محمد
والتاريخ هو سنة ١٣٢٤ التي توافق عام ١٩٠٦ (٣). وسليمان هو سليمان الجوخَدار العالِم المعمَّر، الذي كان مفتي الشام قبل الحرب الأولى وكان رئيس محكمة التمييز وكان وزير العدل، وسيأتي الكلام عنه وعن غيره ممّن ذكرت اسمه وأرجأت حديثه. ورشدي هو (على ما أظن) رشدي بك الشمعة، وشفيق هو شفيق باشا المؤيّد العظم، وكان ممّن شنقهم جمال باشا،
стр. 466
ومحمد هو محمد فوزي باشا العظم، والد خالد بك رئيس وزراء سوريا مرّات. وفي ذهني أن شيخ مشايخنا الشيخ عبد المحسن الأسطواني كان من النوّاب في المجلس العثماني، ولست أحقّق ذلك ولا أدري متى كان، وللشيخ عبد المحسن حديث طويل يجيء -إن شاء الله- عندما أتكلم عمّن عرفت من أعلام الرجال.
وفي أوائل حكم الفرنسيين ألّفوا مجلساً أظنّ أنهم سمّوه المجلس التشريعي، لا أذكر عنه إلا أنه كان في البهو الغربي من سراي المرجة وأن الناس قاطعوه وقاطعوا من دخله. وفي ذاكرتي صورة واضحة هي أن إمام الشافعية في الأموي، الشيخ عبد الحميد العطار، كان قد رضي أن يكون عضواً فيه، فترك الناس الصلاة خلفه وانقطع هو عن الإمامة، ثم عاد فجأة، فلما سمع الناس صوته وهو يكبّر تكبير الإحرام لصلاة العشاء سلّموا وتركوه. وأستغفر الله لهم من هذا العمل، فإنه لا يجوز!
ثمّ كان أول انتخاب لأول مجلس، هو المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور. وقد حدثتكم من قبل عمّا صنع الجنرال غورو، وهو ما يصنعه جَهاراً كلّ غاصب مستعمر وما يصنعه سراً كل عدوّ أو عون للعدوّ، وهو تفريق جماعتنا وإيقاع الفُرقة بيننا، والكيد لأخُوّة الإيمان بإحياء العصبيات الجاهلية التي تجعل العرب عَرَبَيْن (كما يقول المثل) بل ثلاثة أو أربعة ... واللهُ ما أراد إلا أن يكون العرب المسلمون فرعاً واحداً من دوحة الأمة المسلمة الواحدة. قسّم غورو البلاد التي عرفتها أيام طفولتي ولاية عثمانية (أو بعض ولاية) قسمها فجعل منها خمس حكومات:
стр. 467
حكومة دمشق، وحكومة حلب، ولبنان الكبير، والعلوييين، والدروز.
وما لبنان الكبير؟
إنه جبل لبنان وما ضُمّ إليه من مدن الساحل ومنها بيروت، والأقضية الأربعة التي أُخذت من سوريا، ومنها طرابلس والبقاع. ولطالما صرخنا في المظاهرات وكتبنا في الصحف والمنشورات نطالب بالأقضية الأربعة، ثم طال الأمد فنسيناها. ولما وهب الفرنسيون قطعة من أرض الشام للحكومة التركية (الكمالية)، هي لواء الإسكندرون، طالبنا بها وصِحنا وكتبنا ونظمنا القصائد والأغاني، ثم نسيناها. كما صِحنا وطالبنا وشكونا إلى مجلس الأمن لمّا عدا اللصوص العادون على حيفا ويافا وعكّا، ثم نسينا عكّا ويافا وحيفا وجعلنا أكبر همّنا وأقصى مطالبنا بعد نكبة ١٩٦٧ المطالبة بإزالة آثار العدوان، المطالبة باللسان لا بالسيف والسّنان، أي إبقاء ما كان على ما كان. ثم كانت فتنة الدعوة إلى السلام؛ أي أن يصطلح صاحب البيت مع الحرامي، فيترك له ما سرقه أولاً ليردّ إليه ما سرقه ثانياً، فأمسك اللص بالسرقتين وزاد عليهما سرقة بعض أرض لبنان! وما السبب في هذا كله؟ السبب أن المرء إنْ طرقه اللص طلب شرطة النجدة، والشرطي هنا حليف الحرامي يمدّه بالمال وبالسلاح ليحمي أمنه. أي أن من حقّ اللص إن دخل داراً غير داره وسرق ما فيها وطرد أهلها، من حقّه بمنطق هذا الشرطي أن ينام آمناً فلا يزعجه صاحب الدار عن منامه بحركته أو بكلامه!
стр. 468
أعود إلى حديثي: لم يسكت أهل الشام على احتلال أرضهم وتقطيع أوصال بلادهم، وما ناموا على الضيم ولا رضوا بالهوان، وإنْ هم هدؤوا قليلاً فإنه هدوء البركان، ما انطفأت في قلبه النار ولكن وقفت لتعود فتنطلق، ولا يطمئنّ إلى البركان إذا هدأ إلاّ الأحمق المغرور. ما استراحوا يوماً ولا أراحوا المستعمرين حتى اضطروهم إلى إنشاء «الاتحاد السوري» الذي يضمّ حكومات (!) دمشق وحلب والعلويين، ثم اقتصر على دمشق وحلب. وكانت «الدولة السورية» التي وُلدت في ١٥/ ١٢/ ١٩٢٤ ولم يرضَ بها أحد. واستمرّ النضال وقامت الثورة، ثم جاء المسيو دو جوفنيل مفوضاً سامياً، وأعلن أن السّلم لمن أراد السّلم والحرب لمن أراد الحرب، وما عرض السّلام إلا مضطراً، ولو قدر أن يُخمِد الثورة حرباً ما طلب ذلك سلاماً.
وكانت الانتخابات، وجاءت «الجمعية التأسيسية» في نيسان (إبريل) سنة ١٩٢٨ لوضع دستور للبلاد ... وللحديث بقايا.
* * *
стр. 469
-٤٥ -
من الصّحافة إلى التعليم
لا أزال في حديث الانتخابات. وحديثها طويل، كثير الفصول مديد الذيول، والناس يرون في الانتخابات أسّ الديموقراطية وبابها الذي يُبلِغك محرابها. قلت «الديموقراطية» وفي عربيتنا ما يُغني عنها ويسدّ مسدّها، لكن الناس ألفوا ترديد كلمات غريبة عنا تقليداً لغيرنا، ممّن نحسبهم أرقى منا ونحسب أنهم أهل الحضارة من دوننا، لذلك نتخذهم أئمة ونقف من ورائهم «مقتدين» بهم. وأنا لا أرتضي هذا التقليد لكن أقول الكلمة التي يفهمها الناس.
وما الديموقراطية؟
إنها كلمة واحدة من كلمتين إغريقيتين: ديموس (Demos) ومعناها الشعب، وكراتوس (Kratos) بمعنى السلطة. ونحن نقرّ سلطة الشعب ونعرف له حقّه باختيار رئيسه، وهذا هو أسلوب «البيعة»، ولكنا لا نرى له ولا لرئيسه السلطة المطلقة، لأن لنا -معشر المسلمين- قانوناً أساسياً، دستوراً إلهياً ليس لأحد من البشر مخالفته أو تبديل أحكامه الثابتة. والأحكام في هذا الدستور
стр. 470
ضربان: ضرب لا يُتصوَّر تبدّله بتبدّل الأزمنة والأمكنة، كالعدل في القضاء والشورى في الإدارة، وقسم لا يُنكَر تبدّله بتبدّلها، وهو الطريق إلى إقرار العدل وتحقيق الشورى. فتشكيل المحاكم ودرجاتها، والمرافعات وأصولها، وأسلوب الشورى وطريقتها، وكل ما فيه المصلحة للناس والرفعة للوطن ولم يَرِدْ في تحريمه نص، فلنُوّاب الشعب أن يأمروا به ويُقِرّوه وأن ينهَوا عن ضدّه ويمنعوه.
بقي أن نسأل: كيف نختار من ينوب عن الشعب وينطق باسمه؟ من يبحث عن مصلحته ويبيّن أين توجد هذه المصلحة؟ إنهم «أهل الحلّ والعقد». وليس لهم عندنا نظام محدّد، ولكن كل واحد منا يستطيع أن يكتب قائمة بأسمائهم. ألا تستطيع أن تسمّي ثلاثين من أهل بلدك ممّن يعرف الناس أقدارهم ويتّفقون على الثقة بهم والاطمئنان إليهم، وإن قالوا استمعوا لقولهم، وإن رأوا رأياً رجعوا إلى رأيهم، أو علّقوا عليه وعدّلوا فيه ولكن لم يهملوه ولم يطّرحوه؟ من علماء الدين، ومن المربّين والمعلّمين والوجهاء والمقدَّمين، وكلّ من كان من أهل الصلاح والخير: من التجار ورجال الأعمال، ومن الأطباء والمحامين، والمتقاعدين المجرّبين من القضاة والموظفين، وأمثال هؤلاء ممّن عُرف بالاستقامة والأمانة وصحّة العقل والحرص على مصلحة البلد وعلى رضا الله. هؤلاء هم «أهل الحلّ والعقد» الذين يختارون الحاكم، خليفةً سمّيناه أم أمير المؤمنين، فليس المدار على الاسم ولكن على المسمّى.
هذه هي «الديموقراطية» المبصرة. أما «الانتخابات» بصورتها
стр. 471
التي نعرفها فهي الديموقراطية العمياء، الحقّ فيها مع مَن هم أكثر عدداً لا مع من هم أقوم سبيلاً وأقوى دليلاً. تُهدَر فيها الكفايات وتُعطّل المزايا، ويستوي عند «التصويت» القاضي واللصّ، وإمام المسجد وسارق الأحذية، وأستاذ الجامعة وناطور الماخور؛ كل منهم له صوت، ولا يَرْجَح في الميزان صوت على صوت.
فإن رأى الطبيب الجرّاح أن المريض محتاج إلى عملية عاجلة إن تأخّرَت مات، ورأت «الأكثرية» من الموظفين الإداريين في المستشفى والممرّضين والخدم رفض العملية، كان الحقّ في النظام البرلماني معهم والرأي لهم، ولو مات المريض! وإن قرّر ربان الطيارة الهبوط هبوطاً اضطرارياً لاختلال المحرّك أو نفاد الوقود أو سوء حال الجوّ، ورأت أكثرية الركاب الاستمرار في الطيران، كان الحق معهم والرأي رأيهم، ولو سقطت الطيارة وتحطمت.
هذا هو النظام البرلماني؛ يضيع فيه علم المجرّب وخبرة الخبير، ويستوي فيه الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
فإن انضمّ إليه ما ابتُدع في بعض البلدان من تخصيص نصيب معيّن من مقاعد المجلس للعُمّال والفلاّحين، ولو كان في المرشَّحين مَن هو أحقّ بالنيابة وأقدر على حمل تبعاتها والنهوض بأعبائها ... كان ذلك هو النزول إلى الدرك الأسفل من «نار» الإفساد. لا أقول هذا كرهاً بالعمال والفلاحين. لا؛ وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، فالعامل والفلاح هما يدا الأمة إذا كان العلماء هم الرأس الذي يفكّر وكان الأدباء هم القلب الذي
стр. 472
يحسّ، ولا يصلح جسد بُترَت يداه ولو كبر عقله واتسع قلبه. بل لأن كل حكيم منصف يحدّد الغاية ثم يبتغي إليها الوسيلة، فإنْ مرض ولده لم يأخذه إلى المحامي ولو كان أكبر محامي البلد، بل يأخذه إلى أقرب طبيب، وإن كانت له قضية في المحكمة لم يستشر الطبيب ولو كان أحذق الأطباء بل يراجع المحامي، وإن انخرق دولاب السيارة لم يُفِدْه طبيب ولا محامٍ، لم ينفعه إلاّ «عامل البنشر»، أي مرقّع إطارات الدواليب.
فما الغاية من افتتاح المجلس النيابي وما عمل النائب فيه؟ إن عمله وضع القوانين على ألاّ تخالف دستور البلاد، لا سيما إذا كان منزَّلاً من السماء، فهل يقدر العامل والفلاح على وضع القوانين أو مناقشة مشروعاتها؟ إن الحكمة هي أن تضع الشيء في موضعه والرجل في مكانه، وإلا كنت كمن يلبس بنطاله بيديه ويدخل كُمَّي ردائه في رجلَيه ويعلّق حذاءه في عنقه ويمشي حافياً!
وإن من أمارات الساعة وعلامات اقتراب القيامة أن يوسَّد الأمر إلى غير أهله، وأن يكلَّف الرجل غير العمل الذي أتقنه وأن يوضع في غير الموضع الذي يصلح له.
ولكنا لمّا فُتِنّا بهذه الحضارة العصرية وأخذناها بكل ما فيها، حتى ولو بان عيبه وبدا فساده، أخذنا النظام البرلماني. وكان بالإمكان تنظيم اختيار أهل الحلّ والعقد ووضع القواعد والضوابط لهذا الاختيار، فلا يبقى فوضى كما هو الآن، ولا نحمل معايب هذه الانتخابات. وليت هذه الانتخابات جرت عندنا كما تجري عندهم! ما سمعنا بانتخابات تُزوَّر في إنكلترا
стр. 473
أو فرنسا فتُرمى صناديقها وتوضع في مكانها صناديق معَدّة من قبلُ، فيها أوراق ما سطرها المنتخبون ولكن أملاها الحاكمون حتى صارت نتيجتها معروفة قبل أن تُجرى، ونسبة الأصوات التي نالها الناجحون حُدّدت قبل أن تكون الانتخابات، لا سيما في «الاستفتاء» الشعبي العامّ. لقد أقبل ديغول عليه وأكثر اللجوء إليه فسقط فيه، وهو الذي أنهض فرنسا من سقطتها وردّ إليها قوتها ومنزلتها، كما سقط تشرشل الذي صنع لإنكلترا ما لم يصنعه لها إلا قليل في تاريخها الطويل. وما جرى استفتاء عندنا إلا كانت نتيجته (المهيّأة من قبل) تسعمئة وتسعة وتسعين وتسعة أعشار من كل ألف من الأصوات!
المسرحيات الهزلية يدَعون فيها شيئاً من «المجهول» ليرغب المشاهدون في علمه، يُبقُون فيها «عقدة» يتشوّقون إلى حلّها؛ هذا ما يقتضيه التأليف المسرحي، وهذه مهازل (كوميديات) جانبت قواعد التأليف كما جانبت طريق الحقّ، فلم تبقَ فيها «عقدة» لأنها هي ذاتها عقدة العُقَد. كلّ خديعة فيها خادع ومخدوع، والخادع هنا معروف فمن المخدوع؟ الشعب؟ ما في الشعب مَن لا يعرف الحقيقة ويسخر منها، ويتّخذ من حديثها ما يملأ بذكره مجالسَه ويضع لها من النكات ما يسلّي به نفسه. فلَمْ يُخدَع الشعب. فمَن إذن؟ الأجانب؟ إن أكثرهم له من «استخباراته» ومن وسائل إعلامه ما يدرك به الحقيقة كلها. ولكنهم يمشون مع مصالحهم، هي دينهم، فربما أظهروا أنهم صدّقوها لأن مصلحتهم في أن يظهروا أنهم قد صدّقوها. فهل يخدعون الله، وهو المطّلع على السرائر والبواطن العالِم بالظواهر والخوافي؟
стр. 474
لقد شهدت انتخابات كثيرة، وخفّ عقلي مرة فدخلت (سنة ١٩٤٧) واحداً منها، وسيأتي حديثها. فما رأيت فيها كلها انتخابات صحيحة إلا مرتين.
ولقد وصلت في الحلقة السابقة من ذكرياتي إلى «الجمعية التأسيسية»، أي المجلس النيابي الذي اجتمع سنة ١٩٢٨ لوضع دستور البلاد. وقد أقرّت الدستورَ الذي وضع مشروعَه فوزي الغزّي، الأستاذ في كلية الحقوق، والذي شغل الناسَ موتُه قتيلاً أكثر ممّا شغلتهم حياته عالماً. لقد كانت حبّة الأستركنين التي أودت به المجالَ الأول لأحاديث الناس في مجالسهم ومقالاتهم في صحفهم ومجلاّتهم زمناً طويلاً. وفي قصّة موته عِبرة أذكّر بها، وأرجو ألاّ أسيء إلى أحد بإعادة ذكرها. لقد كانت له زوجة ذات نسب وذات جمال قليل المثال، وكان له ابن أخ شابّ مكتمل الشباب، أبقاه قريباً منها ثم اشتغل بعمله الوطني عنها، وهي شابّة في عزّ الشباب، فأدخل بذلك الشيطان بينهما، فأغراهما بإزاحته من طريقهما لتتمّ لهما متعة حبهما، فذهب هو إلى لقاء ربه، وذهبا إلى السجن فقضيا فيه أكثر عمرهما.
أقرّت الجمعية التأسيسية الدستور وجعلته كدساتير الدول الحرّة المستقلّة، اقتبسته من أحدثها وأتَمّها، فاشتمل على كل ما يحقّق السيادة الكاملة لنا على أرضنا واستقلالنا التامّ في إدارة شؤوننا، ولكنه لم يراعِ أصول ديننا ومنهج ربنا في التزام شريعته التي لا يكون المسلم مسلماً إلا باتّباعها، وفي وحدة الأمة المسلمة وربطها برابطة الإيمان التي صرّح بها القرآن، لا بروابط اللسان والأوطان والبلدان وكل ما أوحى به الشيطان إلى أعدائنا
стр. 475
ليفرّقوا به جمعنا ويُذهِبوا به ريحنا. وجاء الدستور في مئة وخمس عشرة مادة، واعترض الفرنسيون ستّ مواد منها وأصروا على طلب حذفها، هي التي نسيَت وجودهم في بلادنا وقيامهم على رؤوسنا وتصرّفهم بمقاليد أمورنا، وأصرّت الجمعية التأسيسية عليها. واشتدّ النضال، وتحرّك الشعب وما كان قد سكن، وكانت المظاهرات وكان الصدام مع قُوى الأمن التي كانت في الحقيقة قوى لإذهاب الأمن ولبثّ الذعر. وكان العهد بالثورة قريباً فخافوا أن تعود فتشتعل نارها، فتركوا الدستور كما هو ولكنهم أضافوا إليه مادة تقيّد يديه ورِجليه، هي «المادة ١١٦» التي صارت مثلاً مضروباً وكُتِبت عنها مقالات ونُظمت قصائد، ولشوقي فيها قول لم أعُد أحفظ منه إلا شطر بيت وهو «يَبقى الكتابُ وليس يبقى المُلحَقُ»، يعني بالملحَق هذه المادة وبالكتاب الدستور.
كان ذلك سنة ١٩٢٨، وأنا أتكلم الآن عن انتخابات سنة ١٩٣١ التي كانت في اليوم العشرين من شهرها الأخير، تلك التي افتُضح تزويرها فهاج الناس عليها وهاجموا مراكزها، واتصلت مواكب المظاهرات في الاحتجاج عليها والمصادمات بين المتظاهرين وبين الجنود المسلحين. الجنود الذين يحملون البنادق وتحميهم المصفّحات والدبّابات، وما للمتظاهرين من سلاح إلا الحجارة والمفرقَعات (١)، وهي قنابل بدائية يصنعها ناس من أهل الشام، مهروا في صنعها من الخرق والبارود والحصى وأشياء يكون لها دويّ عظيم وأذى قليل. وكان أول ما يعبّر به
стр. 476
المتظاهرون عن غضبهم عربات الترام الذي أنشأته شركة بلجيكية من قبل مولدي، مدّت له خطّين: خطاً من ميدان المرجة (الذي سُمّي بساحة الشهداء) إلى المَيدان (وكان يعرف قديماً بميدان الحصى)، وخطاً من المرجة إلى المُهاجرين على سفح قاسيون، يتفرّع منه عند الجسر الأبيض على نهر تورا (أكبر أبناء بردى) فرع إلى حيّ الشيخ محيي الدين (المنسوب إلى محييالدين بن عربي، وهو في الفلسفة وفي الكتابة ذروة من الذّرى ولكن في كتبه أشياء هي -بمقياس الدين- كفر لا شك فيه، وليس هذا موضع الكلام على ابن عربي)، وطول كل فرع من فروع الترام الثلاثة نحو ثلاثة أكيال (كيلومترات). ثم مُدّ فرع إلى دوما قصبة الغوطة (وقد اتصلت بدمشق الآن وصارت حياً من أحيائها) طوله ثلاثة عشر كيلاً.
فكلّما هاج الناس أو تظاهروا أو صادمتهم الشرطة والدرَك أقبلوا على عربات الترام يحرقونها، لأنها مِلك لبلجيكا تحميه فرنسا جارتها، وكلتاهما من دول الاستعمار التي تعتدي على الناس وتتسلّط بالباطل عليهم، وتحكم بلادهم رغم إرادتها وتأكل خيراتها من دونهم، فرنسا في سوريا ولبنان وبلاد الشمال الإفريقي وفي الهند الصينية وبلاد غيرها، وبلجيكا في الكونغو تحكم قطراً أكبر منها بعشرات المرات، كما كانت تحكم هولندا أندونيسيا؛ هرّ شرس متوحش يريد أن يبتلع جَملاً ... أفرأيتم جملاً يبتلعه هرّ؟!
صدر أمر الكتلة الوطنية، بتعطيل الانتخابات، وتولّت التنفيذَ القوى الثلاث التي كانت تأتمر بأمرها، قوة رجال الأحياء،
стр. 477
وقوة الشباب، وقوة الطلاّب التي كنت أقودها. وكانت معارك أصيب فيها كثير من الناس بالجروح، ومن أفظع ما ارتكبناه (أسأل الله التجاوز بكرمه عنه) أننا هدمنا مصلّى صغيراً في دوما، ذلك أن الانتخابات كانت تجري في المدارس وفي بعض المساجد، وكان في هذا المصلّى مركز من مراكز الانتخابات فأدّى تعطيل الانتخابات فيه إلى هدمه. على أنني أحمد الله أن أخي ناجي خلفني في قضاء النَّبْك وقضاء دوما، ثم صار قاضي القُنَيطرة، فألهمه الله العمل على إنشاء المساجد ووُفّق في ذلك، وتمّ على يديه وبنفقة المحسنين من المسلمين، يتولّى جمع المال منهم وبناء المساجد به لجانٌ فيها رجال مؤمنون أمناء موثوق بهم، تمّ على يديه بناء أكثر من عشرين مسجداً كبيراً، فعوّض الله بها على أهل دوما المصلّى الذي انهدم.
* * *
بقيت جريدة «الأيام» وأمرها كل يوم إلى ازدياد حتى صارت لسان الأمّة، المعبر عن أمانيها، المصرّح بمطالبها، المدافع عن حقّها، وحتى ضاق بها الفرنسيون فمنعوا صدورها. وكانت تتوقع المنع يوماً، لذلك حصلت على ترخيص بإصدار جريدة أخرى باسم جريدة «اليوم»، واستمرّت «اليوم» تسير على نهج «الأيام»، ما تبدّل فيها إلاّ الاسم. فصبروا عليها قليلاً ثم منعوها بتاتاً، وختموا بابها بالشمع الأحمر وأخذوا رئيس تحريرها، فذهبت معه، فحاول أن يردّني وأفهمني الشرطي أنه لا يريدني، ولكن لم تَطِبْ نفسي أن أتركه وأرجع فركبت معه السيارة التي أخذوه بها حتى وصلنا إلى دار المندوبية، حيث يقيم مندوب المفوض
стр. 478
السامي (أي نائبه في دمشق)، وقد كانت في موضع القصر العدلي الآن، فأمسكوا به فأدخلوه ومنعوني من الدخول.
أُغلقت الجريدة التي أستمدّ منها ما أعيش به وأعيّش أمي وإخوتي. وقد عملت من قبل في جرائد أخرى لم أستفِد من بعضها مالاً، وما استفدته من سائرها (أي باقيها) كان أقلّ من حد الكفاية، وعلّمت قبل ذلك في مدارس ابتدائية أهلية، هي الأمينية والجوهرية والكاملية والتجارية، وألقيت دروساً في تاريخ الأدب العربي في الكلية العلمية الوطنية، وأصدرت كتاب «بشار بن برد» و «الهيثميات» الذي جمع مقالاتي التي كنت أكتب في ذيلها «أبوالهيثم» يوم لم يكن في دمشق من أعلم أن اسمه هيثم، وأصدرت «رسائل الإصلاح» ورسائل «سيف الإسلام». وكنت قبل ذلك محاسباً وحاولت أن أكون تاجراً، فخرجت من ذلك كله صفر اليدين ما معي ثمن عشائي وعشاء من أعول من أهلي، فماذا أعمل الآن؟ ماذا أعمل وقد أُغلقت في وجهي الأبواب وسُدّت الطرق؟ لقد صار لي اسم في الناس وذكر في أهل الأدب، ولكن هذا الاسم وهذا الذّكر لا يُشترى به رطل من الخبز!
هنا جاءني رفيق لي اسمه غضنفر سَنْجَقْدار، حفظت اسمه لغرابته وندرته، لا أذكر الآن من أين عرفته ولا أين التقيت به، فقال لي: هل تقبل وظيفة في الحكومة؟
لقد كان آخر ما أتصور أن أعمله هو أن أكون موظفاً في حكومة ما فتئنا منذ أمسكنا الأقلام وركبنا المنابر ننقدها ونتكلم عنها، ونراها عوناً للعدوّ وحلفاً للاستعمار وحرباً على الوطن،
стр. 479
وكنت أنكر على من يقبل وظيفة فيها. فهل أكون أنا موظفاً؟
تمر على المرء ساعات اضطرار لا يبقى له فيها خيار، وهل أملك أن أرفض الوظيفة ولم يبقَ لي ولا لأهلي مورد، وليس معي مال، ولا لي في غيرها أمل.
وكان من سياسة الفرنسيين أنهم يقطعون بالوظائف الألسنة ويكفّون عنهم بها الأقلام، كنت أعلم هذا وأعلم أني لو طلبت وظيفة كبيرة لأُعطِيتُها، ولكني قنعت من الشرّ بأقلّه، ورضيت أن أكون معلّماً كما كان كثير من رفاقي: سعيد الأفغاني وجميل سلطان وزكي المحاسني وأنور العطار، وكما كان بعض مشايخي: الشيخ محمد بهجة البيطار والشيخ زين العابدين التونسي والشيخ حامد التقي والشيخ (الطبيب) رفيق السباعي، وكثير غير من ذكرت من هؤلاء وأولئك، كانوا كلّهم معلّمين في المدارس الابتدائية وما أنا بأفضل منهم، بل كانوا هم أفضل مني، رضوا بأن يكونوا موظفين، فما لي لا أرضى بما رضوه لأنفسهم؟
وقضيت ليالي طوالاً لم أعرف فيها ما طعم النوم، أنصب ميزاناً في ذهني أضع في كفّة منه آمالي وأمانيّ وأضع في الكفّة الأخرى حاجات نفسي وأسرتي، هل أضحّي بالآمال والأماني أم أهمل واجبي وأضيّع أهلي؟ لقد كان امتحاناً صعباً، ولكني أنظر إليه اليوم من وراء إحدى وخمسين سنة فأجدني قد نسيت صعوبته، لذلك أعجز عن وصفه. إننا كالذي يمسك المنظار (التلكسوب) ينظر فيه فيرى الصغير كبيراً والبعيد قريباً، فإن قلبنا المنظار ونظرنا من عدسته الكبرى أبصرنا الكبير يصغر والقريب
стр. 480
يبعد، وهذا مثال الماضي والمستقبل.
لو جاءني من يقول لي: أمنحك منيحة، داراً أعْمرك (١) إياها، تسكنها خمسين سنة تردّها بعدها، لرأيت ذلك أمداً بعيداً يسرح الأمل خلاله ويعجز التصوّر عن إدراك مداه. خمسون سنة؟ ما أطولها! ولكني أذكر الآن ما كان قبل خمسين سنة فأقول: ما كان أقصرها! إني أراها كأنها أمس القريب.
تنظر إلى رمضان في أول يوم منه فتراه طويلاً وتفكر كيف تصومه، فإن نظرت إليه الآن بعدما مضى وانقضى أحسست كأنه كان ساعة واحدة.
إن أجلّ فائدة استفدتها من كتاب «صيد الخاطر» لابن الجوزي لمّا نشره أخي وكتبت مقدمته الطويلة هي أنه: ما منا إلا مَن نال لذّة في معصية أو حمل ألماً في طاعة. في رمضان هذا الذي صمناه من قريب حملنا مشقّة الجوع في يومه الطويل والعطش في حرّه الشديد، وكنا نشتهي في النهار كوباً من الماء البارد نشتريه بالثمن الوفير وطَبَقاً من الطعام الشهيّ ندفع فيه الكثير، فما الذي يبقى من تعب الصيام بعد أن يؤذّن المغرب فنأكل ونشرب؟ والذي غلبَته نفسه وسيّره شيطانه، فأفطر في رمضان وأعطى نفسه شهوتها وأتبعها لذّتها؟ ماذا بقي الآن من هذه اللذّة ومن ذلك الألم؟
وتَصوّرْ ساعة الموت وفراق هذه الدنيا، تجد أن اللذّات
стр. 481
المحرّمة ذهبت كلها ولكن بقي عقابها، ومتاعب الطاعات ذهبت كلها ولكن بقي ثوابها. هذه الفائدة التي استفدتها من ابن الجوزي أتمنى لو أني أذكرها دائماً، وهيهات ما دام الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء وحب العاجلة، ما دامت كلها موجودة!
* * *
واستجبت لهذا الرفيق، وقبلت الوظيفة.
وصدر قرار من وزير المعارف (أو صدر باسمه، فكان له الاسم ولغيره الفعل) بتعييني معلماً في السلمية، وهي على سِيف البادية بين حمص وحماة إلى الشرق منهما، تذهب إلى حمص إن شئت أو إلى حماة ثم تشرّق حتى تبلغها.
وكان أمر «معارف» حمص وحماة بجميع مدارسهما إلى مفتّش واحد، كان أستاذاً لنا في مكتب عنبر، ومعه بضعة موظفين، وكنا ونحن تلاميذه نتحدث عنه بأنه ممّن يجاري الفرنسيين ويداريهم.
وذهبت أتسلّم العمل، وكان قد بقي من السنة الدراسية شهران وأنا طالب في السنة الثانية من كلية الحقوق، فركبت السيارة إلى حمص، وكانت تلك أول مرة أزورها فيها، ونزلت فندقاً فيها اسمه «رغدان» قالوا إنه لا يزال باقياً كما هو إلى الآن، فبتّ فيه وحيداً. فلما كانت الغداة قصدت السلمية، وهي -كما كانت من قديم- بلد الإسماعيليين. والإسماعيلية أم الفرق الباطنية، وهي الآن فرعان: البُهَرة وأتباع أغاخان.
стр. 482
وفُتحت في كتاب حياتي صفحة جديدة، وما أكثر صفحات هذا الكتاب الذي لم تُكتَب خاتمته بعد، وإن دنا موعدها وقرب مكانها. اللهمّ اجعلها خاتمة حسنة يا رب.
* * *
стр. 483
-٤٦ -
أمّي وأبي
يقول لي ناس: لماذا تُكثِر الحديث عن نفسك؟ أتحدّث عن نفسي لأني أديب، وهذا أسلوب من أساليب الأدباء ومذهب من مذاهبهم. ولقد قلت في مقالة لي منشورة في الرسالة سنة ١٩٣٧: "إني حين أتحدث عن نفسي أتحدث عن كل نفس، وحين أصف شعوري وعواطفي أصف عواطف كل من كان في مثل حالي وشعوره، كأستاذ التشريح لا يشقّ صدر كل حيوان من حيوانات المختبَر بل يشقّ الصدر والصدرَين ليري الطلاّب مكان القلب وحركته ويشرح لهم عمله، لأن القلوب التي لم يروها لا تختلف عن القلب الذي شقّ عنه فرأوه. وهذا من عجائب قدرة الله ونظامه العجيب في خلقه، إذ جعل الناس مختلفين وهم متشابهون ومتشابهين وهم مختلفون. بَرَأهم على الوحدة في الوضع والتنوّع في الجمال، كلّ عين ككلّ عين في تركيبها وصفتها، وما عين مثل عين في شكلها ومعناها وجمالها" (١).
стр. 484
بدأت حلقة اليوم من الذكريات بهذه الفقرة من مقالة لي نُشرت من أكثر من خمس وأربعين سنة لئلا يقول قارئ من القراء إني من حبي لنفسي أشغل الناس بحديثها، ولما لهم هم ولحديثها؟ حديثي عن نفسي حديث عنكم ولكم وليس لي أنا وحدي.
إني أكتب اليوم عن أمي، ولكن كل واحد منكم سيقرأ فيه الحديث عن أمه هو. ألم يقُل سبنسر إن الجميع يبكون في المآتم، ولكنّ كلاًّ يبكي على ميّته؟ فمن قعد يقرأ هذه الحلقة وله أم فليتدارك ما بقي من أيامها، لئلا يصبح يوماً فلا يجدها ولا يجد ما يعوّضه عنها. وإن كانت عجوزاً أو كانت مريضة أو كانت مزعجة بكثرة طلباتها، فاذكر أنها إن احتاجت إليك اليوم فلقد كنت يوماً أحوجَ إليها، وإن طالبَتك أن تقدم لها من مالك فقد قدّمَت لك من نفسها ومن جسدها، وأنها حملتك في بطنها فكنت عضواً من أعضائها يتغذى من دمها، ثم وضعتك كرهاً عنها، انتُزِعتَ منها انتزاع روحها. أما أبصرت يوماً حاملاً في شهرها التاسع، بطنها إلى حلقها لا تستطيع أن تمشي من ثقل حملها ولا تستطيع أن تنام؟ وإن لم ترَ بعينك امرأة تلد أفما سمعت صراخها من ألمها؟ ألم يبلغك ما تقاسي وما تتعذّب؟ لو سبّب لك إنسان عُشْر هذا العذاب لأعرضت عنه ولهجرتَه، هذا إن أنت رفقت به فما انتقمت منه ولا آذيتَه، ولكن الأم تنسى بعد لحظات من خروج الولد ألَمَها، ثم تضمّه إلى صدرها فتحسّ كأن روحها التي كادت تفارقها قد رُدّت إليها، وتُلقِمُه ثديها ليمتصّ حياتها، فيقوى بضعفها ويسمن بهزالها، أو يمدّها الله بقوّة من عنده فلا
стр. 485
تضعف ولا تهزل ويقوى هو ويسمن.
وإن ضقت بطول حياة أمك، تخفي ذلك في أعماق نفسك وتنكره بلسانك، فقد كانت ترى فيك حياتها، إن تبسّمتَ أحسّتْ أن الدنيا تَبْسمُ لها والأماني قد واتتها، وإن بكيتَ بكى قلبها واسودّ نهارها، وإن مرضتَ هجرَتْ منامها ونسيَتْ طعامها، ترعاك ساهرة حتى تصبح، فإن أصبحت ظلّت ترعاك حتى تمسي. إنك لو أحببتها بقلبك كله لم توفّها إلا واحداً من المئة ممّا أولتك هي من حبها.
وإن كان لك أب شيخ كبير محتاج إليك، فاذكر أنه طالما تعب لتستريح أنت وشقي لتسعد، ما جمع المال إلا لك وما خسر ماضيه إلا ليضمن مستقبلك، وأنه كان يعود من عمله محطَّماً مكدوداً فتَثِب إلى حِجره وتقول له: بابا، وتمدّ يديك الصغيرتين لتعانقه، فينسى بك التعب والنصَب، ويرى المسرّات كلها قد جُمعَت له والمتاعب كلها قد نأت عنه. واذكر أنه ما زاد من عمرك يوم حتى نقص من عمريهما مثله، ولا بلغت شبابك حتى ذهب شبابُهما، ولا نلت هذه القوة حتى نالهما الضعف. أفئن بلغت مبلغ الرجال كان جزاءَهما منك الصدودُ والنكران؟
إن الإنسان يربّي كلباً فيفي له، وحماراً فلا يرفسه، ويُطعم القطّ فلا يَعَضّه، بل إن من الناس من يتألّف صغارَ الأسود والنمور وأنواع الوحش فتأنس به وتأوي إليه وتلحس -علامةَ الشكر- يده. ويُفني الوالدان نفسيهما في الولد فينسى فضلَهما ويجحد يدهما؟ يا عجباً! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان؟!
стр. 486
وقد تجد في الناس من يُظهر لك من حبّه أكثر ممّا تُظهِر الأم ويُظهِر الأب، ولكن منهم من يحبك لمالك أو لجمالك أو لجاهك وصلاح حالك، فإن ساءت الحال أو ذهب الجمال أو قلّ المال أعرض عنك ولم يعُد يعرفك. أمّا الذي يحبّك لذاتك ويبقى على حبّك مهما تبدّلَت الحال بك فهو أمك وأبوك، لا تجد مثلهما حتى في الزوجات. ومن الزوجاتِ الوفيّاتُ الصالحاتُ الصابراتُ الراضيات، لا يتخلّين عن الرجل ولو مرض وذهبَت صحّته، ولو افتقر وضاع ماله، ولو سقطت منزلته في الناس فهجروه. ولكن هذا في بعض الزوجات، أما الأمهات فهو فيهن جميعاً بلا استثناء.
فمن كانت له أم أو كان له أب فقد فُتح له باب الجنّة، فمن الذي يمرّ بباب الجنّة مفتوحاً فلا يدخلها؟! إني أكتب اليوم عن موت أمي، وقد كتبت من قبل عن موت أبي، وإن كنت أتمنى أن أخسر تسعة أعشار ما أملك من مال أقتنيه وكُتُب ألّفتها، و «شهرة» نلتها ومناصب تقلّدتها، وأن تكون قد بقيت لي أمي وبقي أبي.
* * *
إني لا أزال في ذكريات سنة ١٩٣١. في هذه السنة رأيت أشدّ يوم مرّ عليّ في عمري، وهو يوم ١٤/ ٧/١٩٣١ (٢٥ صفر ١٣٥٠) الذي بقيَت مرارته في نفسي حتى جاء يوم أشد منه وأقسى هو يوم ١٧/ ٣/١٩٨١، الأول ماتت فيه أمي في مستشفى كلية الطبّ في دمشق بإهمال جرّاح أخذناها إلى عيادته، وفي الثاني قُتِلت بنتي وهي وحيدة في بيتها في آخن في ألمانيا برصاص
стр. 487
مجرم معتدٍ اقتحم عليها بيتها، لم نعرفه فنثأر منه لكن الذي يعرفه ويعرف مَن أرسله لن يهمله.
أستطيع أن أتحدّث عن اليوم الأول لأن مرور نصف قرن جعل الجرح يندمل وإن لم يلتئم، والألم يخفّ وإن لم يذهب، والقلم يتحرك في الكتابة عنه وإن لم ينطلق. أما الثاني فلا ... لا أستطيع؛ فالجرح فيه أعمق والألم أقوى، حتى إنه ليكاد يهوّن عليّ الأول. ومَن قال لكم إن الإنسان يحب أمه وأباه مثلما تحبه أمه ويحبه أبوه فلا تصدقوه. وكيف أكتب عنها وأنا كثيراً ما أغفل عن نفسي فأوغل -من حيث لا أشعر- في سبحات الخيال، فأتوقع أن أسمع الهاتف يرنّ فيُعلِمني أن خبر موتها لم يصحّ، أو أن آخذ جرائد الصباح فأجد فيها تكذيبه؟ بل ربما توهمت أني سأكلمها كما كلمتها قبل الحادث بساعات، فلما علمتُ أنها وحدها في الدار خفت عليها فراحت تطمئنني، بنفسيتها المتفائلة دائماً ولهجتها السريعة المتحمّسة دائماً، تخبرني أنها في أمان وأنّ الباب لا يُفتَح إلا إن سمعَت صوت الطارق وعرفَت شخصه. ما ظنت أن المجرم سيُرغِم جارتها على أن تطرق هي الباب ليدخل منه هو.
بطل يحتمي بامرأة ... هذه هي بطولة المجرمين!
* * *
أعود إلى حديث أمي، أعود إلى المُرّ فراراً ممّا هو أمَرّ. أمّا حدث بنتي فما أحسب أني سأفتحه يوماً لأني لن أعيش حتى يندمل الجرح وينطلق القلم، فليبقَ المُصاب لي وحدي أتجرّع
стр. 488
عذابه وأرجو ثوابه (١). أعود إلى ذكر أمي، وما نسيتُها ولا غاب عني يومها. إني أرى تفاصيل الفاجعة كأنها «فِلم» يمرّ أمامي، بالعرض البطيء الذي يوضّح دقائق حركات الممثّلين وملامح وجهوههم، ولكنه لا يكشف خلجات نفوسهم لأن هذا شيء ما وصلت إليه صناعة الأفلام.
لقد حدّثتكم عن موت أبي وكيف هبطنا فجأة من شارع في سفح الجبل إلى حارة من أفقر حارات البلد، ومن حياة رخاء وسَعة في الدار الكبيرة إلى دُويرة لا تكاد تصلح لسُكْنى الناس، وكيف كنا ننام على الأرض وكيف كان السقف يَكِفُ (٢) من فوقنا في ليالي الشتاء. حملت أمي العبء كله، كانت أماً وكانت أباً، لم تجد ما تُدفئ به الدار فأدفأتها بعاطفتها، بحنانها. ألا يذكر كلٌّ منا دفء حنان الأم حين كانت تضمّه إليها في الليالي الباردة؟ ما كانت تملك إلا هذه العاطفة وهذا الحنان، ما ترك أبي مالاً في صندوق ولا وديعة في مصرف، وما كنا نعرف المصارف وأسلوب معاملتها. وكنت أنا أكبر إخوتي لم أكمل السابعة عشرة، وكنت لا أزال في الثانوية لا مورد لي ولا مهنة في يدي، وكان أخي ناجي لم يتمّ الحادية عشرة، وعبد الغني ابن ستّ، وسعيد ابن ثلاثة أشهر.
стр. 489
وقد عرفتم أن أبي كان من صدور الفقهاء ومن الطبقة الأولى من المربّين والمعلّمين، ولكنه كان كأكثر المدرّسين والدعاة: ربما شغلته مدرسته ومسجده عن الإشراف الدائم على أولاده. كان يترك ذلك لأمي، فكانت تؤدّي الحقّ الذي تركه لها وائتمنها عليه أداءً كاملاً. وكان بيتنا -كأكثر بيوت الشام في تِلْكُم الأيام- لا يخلو من خصومات ومنازعات، وكان فيه حزبان: حزب جدّتي وعمّتي التي لم تتزوّج، والتي كان لها في حياتي أعمق الأثر وفي قلبي أكبر الحبّ، وكانت أكبر من أبي سناً، تحمل شهادة المدرسة الرشدية (أي المتوسطة) تاريخها سنة ١٣٠٠هـ، وكانت مع أول فوج من المتخرجات في مدارس البنات التي أنشأتها الحكومة العثمانية في دمشق بمسعى من مربّي الجيل الماضي الشيخ طاهر الجزائري، وكانت هذه الشهادة عندي ثم ضاعت مني. وحزب أمي وأولادها، وكنت أنا -بالطبع- في حزب أمي. وكان الحزبان يتنازعان على كل شيء. وما كان شيء بحمد الله ناقصاً، وكان الخير كثيراً، ولكن أمي تدّخر منه لأولادها وهما تدّخران للضيوف، فيقع النزاع. وكنا نخوض المعارك فنظفر حيناً ونُغلَب حيناً، ولكنا في الحالين لا ننام حتى يأكل الفلق (١) والخيزران من أقدامنا!
وقد نالني من تربية أبي ومن توجيهه الحظّ الأكبر، وما مات حتى قاربت النضوج. وكنت في فكري وثقافتي أكبر من سني؛ ذلك لأني لم أعاشر الصغار ولم أعرف ما يعرفه الناس
стр. 490
من حياة الطفولة. لقد دلّلوني أولاً لأن أبي كان الباقي لجدّي من عشرة من الولد ماتوا جميعاً، ولأني كنت بِكر أبي، ففرح بي جدي وأولاني -على قسوته وشدته- من اللين والعطف ما لم ينَلْ مثلَه أحدٌ. ثم مات جدّي عند إعلان الحرب الأولى، وكنت في بداية المدرسة، فانتهى عهد الدلال وعشت حياة أقرب إلى الجِدّ الخالص؛ لم أعرف طريق اللهو ولا اتخذت لي (كما قلت من قبل) صديقاً من غير رفاق المدرسة وداخل أسوار المدرسة وفي وقت المدرسة، فكان مَن ألقاهم وأستمع منهم وأقتبس من سِيَرهم هم أبي وأصدقاء أبي وتلاميذ أبي، فكان صحبي كلهم من الكبار، فألِفت مجالسهم وأحاديثهم، أستمع إليها ولا أشارك فيها، ثم أقضي بقية وقتي (كما عرفتم) في القراءة.
كنت أنا الكبير من إخوتي، لذلك كان عليّ بعد وفاة أبي أن أشارك أمي في حمل هذا العبء، فحملت القليل القليل منه وحملَت هي الأكثر، لكنها تركَت لي -رحمها الله- أمرَ دراسة إخوتي وتوجيههم. وما كنت أخرج في الجملة عن رأيها، ولا كانت تغيّر في التفاصيل من رأيي.
أما ناجي فاشتركَت في تكوينه تربية أبيه وآثار مدرسته وما عملتُه أنا، وأمّا عبد الغني فتوجيهي أنا وأثر المدرسة أقوى فيه من أثر أبي ﵀، وأما سعيد فكنت أنا العامل الوحيد في تربيته الدينية والسلوكية والثقافية، صنعت له (والفضل لله لا لي) أكثر ممّا صنع لي أبي ﵀. كان أبي مشغولاً أحياناً عني وكنت أنا دائماً معه، وسيّرني أبي في طريق العلم فقط وسيّرتُه في طريق
стр. 491
العلم وطريق الأدب معاً، حتى صار في يوم من الأيام كأنه صورة مني ونسخة عني، حتى الشواهد التي يستشهد بها من الأشعار ومن الأخبار والنكت التي يرويها، ثم إن اللهجة التي يُلقي بها لهجتي أنا كما كنت أدرّب تلاميذي عليها. وقد مرضت مرة، ولم يكن هذا الشريط المسجّل، فنزل إلى الإذاعة فقرأ حديثي عني، فما شكّ أكثر السامعين أنه أنا، وإن أنكروا منه بعض الرقّة في الصوت وبعض الرخاوة في الإلقاء. ولما عرض له تعثّر في النطق جرّأ عليه رفقاءَه في المدرسة استخرت الله وأخرجته منها، وخفت أن ينقطع عن المطالعة ثم يبتعد عن العلم، فهداني الله فاشتريت له قصة عنترة في ثماني مجلدات. وهي موضوعة وأشعارها مصنوعة، ولكن فيه أخبار الجاهلية كلها وفيها أسماء أبطالها وأنباء رجالها، وكان ذكياً من أذكى الناس فحفظ أخبارها وأشعارها. ثم جئته بفتوح الشام المنسوب إلى الواقدي، ثم خلّيت بينه وبين المكتبة فقرأ وقرأ، لا يطالَب بامتحان ولا يُكلَّف اتباع منهاج، ثم أعدّ نفسه لامتحان الكفاية فدخله ولحق رفاق المدرسة فما ضاع عليه شيء.
* * *
وكان عليّ أن أتكسّب قبل الأوان، فجربت أن أعمل محاسباً، وأن أكون تاجراً، وأن أكون معلماً، وأن أعمل صحفياً. كنت كالطفل الذي درج ليتعلم المشي، فأنا أقوم وأقع وأخطو وأتراجع، وأقول شكراً لله (لا فخراً بنفسي ولا مناً على أحد) أني لم أكلّف إخوتي مشاركتي في شيء من هذا (ولو فعلت لما لامني أحد) بل تركتُهم لدراستهم، فوفّق الله فصار ناجي مدرّساً وصار
стр. 492
قاضياً وشاعراً أديباً، وكان عبد الغني أول من حمل الدكتوراه في الرياضيات في سوريا، أرسلوه إلى باريس ليُعدّ لها فأقام سنتين، فقامت الحرب سنة ١٩٣٩ فخفت فأقنعته ألاّ يعود إليها، لذلك تأخر نيله الدكتوراه إلى ما بعد الحرب، وكان في باريس مثلاً مضروباً للطالب المسلم وفي التدريس نموذجاً للمدرّس المبدع. وظلاّ ذاكرَين ما قدمتُه إليهما شاكرَين عليه أكثر ممّا أستحق من الشكر. وفي الناس الذاكر والناكر، ومَن يحفظ الجميل ومن يجحد المعروف، ومن يصل ما أمر الله به أن يوصل ومن يقطعه ... هذه سُنّة الله في خلقه، ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم واختلاف أخلاقكم وطباعكم، ولَرُبّ شقيقَين يكونان مختلفَين، ولَرُبّما وُجد النكران حيث يقدر أن يوجد العرفان، ولئن ضاع جهدي وتعبي عند بعض الناس فأرجو ألاّ يضيع عند الله.
* * *
عاشت أمي بعد أبي سبع سنوات، ما استمتعَت فيها يوماً بمتعة ولا وجدَت تسلية ولا راحة. كانت تعيش لأولادها، تدبّر أمر البيت وتدبّر النفقات وتخيط هي الثياب. وكنّا نذهب إلى المدرسة أحياناً بما تخيطه الأمهات، وأول مرة لبست فيها بذلة خاطها خياط كنت فيها في السنة الثانوية الأولى، وكان الخياط هو ابن خالتي وكانت البذلة مصنوعة من جبّة كانت لأبي. ما كان الطلاّب يعرفون الأناقة ولا الوقوف أمام المرايا لتسريح الشعر وعقد العقدة، لأنهم كانوا يعلمون أنهم يقصدون مدارس لتحصيل العلم لا نوادي لعرض الأزياء. بل إني لم أرَ أمي ترشّ
стр. 493
على وجهها ذروراً (بودرة) أو تعمد إلى زينة، لا في هذه السنوات السبع العجاف ولا في أعوام الرخاء التي كانت قبلها. وكانت زينة النساء بالكحل، كحل الإثْمِد بالميل المعروف، وشيء من الذرور، وربما وضعَت الواحدة على خدّيها شيئاً من الأحمر، ولا يضع ذلك إلا القليل، ولا يعرفن كيف يضعنه فكانت المرأة تطبع على خدّها دائرة حمراء. أما صبغ الشفاه والأظافر فما كان يعرفه مَن حولَنا من النساء. والغريب أن الحواجب كانت تُعرّض وتُسوّد بما يسمّى «الخطوط»، فصار النساء اليوم ينتفنها ويُذْهِبْنها إلاّ خطاً دقيقاً لا يُرى إلاّ بالمجهر.
كان للنساء شاغل عن الخروج من سَلْق القمح وطَحْنه «برغلاً» وعجن العجين وتقريصه أقراصاً. وقد كانت في مكّة عادة ما سمعت بمثلها في غيرها من البلدان، هي أن المرأة تضع هذه الأقراص أمام باب الدار فكلّ من رآها من المارّة حملها إلى الفرن! وكانت المرأة تجفّف «الخُضَر» وتحفظها للشتاء، وتصنع «المَكْدوس» (وهو باذنجان يُحشى جَوزاً وثوماً ما أكلته في عمري كله إلاّ مرّة) وأنواع المخلَّلات والفواكه المعقودة بالسكّر (١)، وتغسل ثيابها بيديها. ما كنا ندري ما الثلاّجات ولا الغسّالات ولا الجلاّيات، كل هذا لم نسمع به ولم نعلم بوجوده، فضلاً عن أن نتخذه في بيوتنا، بل إنها لم تكُن عندنا مياه جارية في الحنفيات ولا مدافئ في الشتاء، ما عند أكثر الناس إلا «المَنقل»
стр. 494
يُملأ رماداً وفوق الرماد جمرات النار، ولا مراوح في الصيف إلاّ في بيوت الموسرين. وكانت المرأة تصنع ألوان الحلويّات من الكنافة والقطائف والكلاّج، وأشياء كثيرة لم تعرفها واحدة من نساء اليوم.
وما كان عندنا خادمات، وإنما تعمل المرأة كل شيء بنفسها ثم تكون راضية. فما لنسائنا اليوم عندهن آلات تغسل الثياب وآلات تنظف الأواني ولكل شيء آلات، ثم يطلبن الخادمات ويشتكين ثقل التبعات؟ فما الذي تبدّل؟ أَضَعُفَت الأجسام أم كلّت الهمم، أم هو الدلال والدلع؟
* * *
стр. 495
-٤٧ -
يوم ماتت أمّي
الأمور تعرف بأضدادها؛ فلا يقدر الصحّةَ قدرها إلاّ من ذاق المرض، ولا الغِنى إلا من عرف الفقر، ولا الراحة إلا من حمل التعب. لذلك تجهل نساؤنا اليوم النعمة التي يرتعن فيها! العيش اليوم سهل وأعمال الدار يسيرة. لا أعني أنها خالية من المتاعب، فمن طبيعة الدنيا اقترانها بالمتاعب والسعادةُ الكاملة لا تكون إلا في الجنّة، ولكن أعني سهولة حياة المرأة اليوم بالنسبة لما كانت عليه بالأمس.
لا أعرض اللوحة كلها بل خطوطاً منها تدلّ عليها، ولعلّي أفصّل القول فيها يوماً.
المرأة اليوم تجد كل ما تطلبه -متى أرادته- حاضراً، الخضر والفواكه موجودة على مدى العام، وكنا إذا حل الشتاء فقدناها، لذلك كان من عمل المرأة أن تجفّف في الصيف ما تطبخه في الشتاء: الباذنجان والبامياء وأخواتهما جميعاً، ولا تصل إلى مرحلة التجفيف حتى تمر قبلها بمرحلة التنظيف، ثم التصنيف، تأتي بأعواد الملوخيا مثلاً فتقطف منها أوراقها وتغسلها وتجففها.