← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

العلم وطريق الأدب معاً، حتى صار في يوم من الأيام كأنه صورة مني ونسخة عني، حتى الشواهد التي يستشهد بها من الأشعار ومن الأخبار والنكت التي يرويها، ثم إن اللهجة التي يُلقي بها لهجتي أنا كما كنت أدرّب تلاميذي عليها. وقد مرضت مرة، ولم يكن هذا الشريط المسجّل، فنزل إلى الإذاعة فقرأ حديثي عني، فما شكّ أكثر السامعين أنه أنا، وإن أنكروا منه بعض الرقّة في الصوت وبعض الرخاوة في الإلقاء. ولما عرض له تعثّر في النطق جرّأ عليه رفقاءَه في المدرسة استخرت الله وأخرجته منها، وخفت أن ينقطع عن المطالعة ثم يبتعد عن العلم، فهداني الله فاشتريت له قصة عنترة في ثماني مجلدات. وهي موضوعة وأشعارها مصنوعة، ولكن فيه أخبار الجاهلية كلها وفيها أسماء أبطالها وأنباء رجالها، وكان ذكياً من أذكى الناس فحفظ أخبارها وأشعارها. ثم جئته بفتوح الشام المنسوب إلى الواقدي، ثم خلّيت بينه وبين المكتبة فقرأ وقرأ، لا يطالَب بامتحان ولا يُكلَّف اتباع منهاج، ثم أعدّ نفسه لامتحان الكفاية فدخله ولحق رفاق المدرسة فما ضاع عليه شيء. * * * وكان عليّ أن أتكسّب قبل الأوان، فجربت أن أعمل محاسباً، وأن أكون تاجراً، وأن أكون معلماً، وأن أعمل صحفياً. كنت كالطفل الذي درج ليتعلم المشي، فأنا أقوم وأقع وأخطو وأتراجع، وأقول شكراً لله (لا فخراً بنفسي ولا مناً على أحد) أني لم أكلّف إخوتي مشاركتي في شيء من هذا (ولو فعلت لما لامني أحد) بل تركتُهم لدراستهم، فوفّق الله فصار ناجي مدرّساً وصار

стр. 492

قاضياً وشاعراً أديباً، وكان عبد الغني أول من حمل الدكتوراه في الرياضيات في سوريا، أرسلوه إلى باريس ليُعدّ لها فأقام سنتين، فقامت الحرب سنة ١٩٣٩ فخفت فأقنعته ألاّ يعود إليها، لذلك تأخر نيله الدكتوراه إلى ما بعد الحرب، وكان في باريس مثلاً مضروباً للطالب المسلم وفي التدريس نموذجاً للمدرّس المبدع. وظلاّ ذاكرَين ما قدمتُه إليهما شاكرَين عليه أكثر ممّا أستحق من الشكر. وفي الناس الذاكر والناكر، ومَن يحفظ الجميل ومن يجحد المعروف، ومن يصل ما أمر الله به أن يوصل ومن يقطعه ... هذه سُنّة الله في خلقه، ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم واختلاف أخلاقكم وطباعكم، ولَرُبّ شقيقَين يكونان مختلفَين، ولَرُبّما وُجد النكران حيث يقدر أن يوجد العرفان، ولئن ضاع جهدي وتعبي عند بعض الناس فأرجو ألاّ يضيع عند الله. * * * عاشت أمي بعد أبي سبع سنوات، ما استمتعَت فيها يوماً بمتعة ولا وجدَت تسلية ولا راحة. كانت تعيش لأولادها، تدبّر أمر البيت وتدبّر النفقات وتخيط هي الثياب. وكنّا نذهب إلى المدرسة أحياناً بما تخيطه الأمهات، وأول مرة لبست فيها بذلة خاطها خياط كنت فيها في السنة الثانوية الأولى، وكان الخياط هو ابن خالتي وكانت البذلة مصنوعة من جبّة كانت لأبي. ما كان الطلاّب يعرفون الأناقة ولا الوقوف أمام المرايا لتسريح الشعر وعقد العقدة، لأنهم كانوا يعلمون أنهم يقصدون مدارس لتحصيل العلم لا نوادي لعرض الأزياء. بل إني لم أرَ أمي ترشّ

стр. 493

على وجهها ذروراً (بودرة) أو تعمد إلى زينة، لا في هذه السنوات السبع العجاف ولا في أعوام الرخاء التي كانت قبلها. وكانت زينة النساء بالكحل، كحل الإثْمِد بالميل المعروف، وشيء من الذرور، وربما وضعَت الواحدة على خدّيها شيئاً من الأحمر، ولا يضع ذلك إلا القليل، ولا يعرفن كيف يضعنه فكانت المرأة تطبع على خدّها دائرة حمراء. أما صبغ الشفاه والأظافر فما كان يعرفه مَن حولَنا من النساء. والغريب أن الحواجب كانت تُعرّض وتُسوّد بما يسمّى «الخطوط»، فصار النساء اليوم ينتفنها ويُذْهِبْنها إلاّ خطاً دقيقاً لا يُرى إلاّ بالمجهر. كان للنساء شاغل عن الخروج من سَلْق القمح وطَحْنه «برغلاً» وعجن العجين وتقريصه أقراصاً. وقد كانت في مكّة عادة ما سمعت بمثلها في غيرها من البلدان، هي أن المرأة تضع هذه الأقراص أمام باب الدار فكلّ من رآها من المارّة حملها إلى الفرن! وكانت المرأة تجفّف «الخُضَر» وتحفظها للشتاء، وتصنع «المَكْدوس» (وهو باذنجان يُحشى جَوزاً وثوماً ما أكلته في عمري كله إلاّ مرّة) وأنواع المخلَّلات والفواكه المعقودة بالسكّر (١)، وتغسل ثيابها بيديها. ما كنا ندري ما الثلاّجات ولا الغسّالات ولا الجلاّيات، كل هذا لم نسمع به ولم نعلم بوجوده، فضلاً عن أن نتخذه في بيوتنا، بل إنها لم تكُن عندنا مياه جارية في الحنفيات ولا مدافئ في الشتاء، ما عند أكثر الناس إلا «المَنقل»

стр. 494

يُملأ رماداً وفوق الرماد جمرات النار، ولا مراوح في الصيف إلاّ في بيوت الموسرين. وكانت المرأة تصنع ألوان الحلويّات من الكنافة والقطائف والكلاّج، وأشياء كثيرة لم تعرفها واحدة من نساء اليوم. وما كان عندنا خادمات، وإنما تعمل المرأة كل شيء بنفسها ثم تكون راضية. فما لنسائنا اليوم عندهن آلات تغسل الثياب وآلات تنظف الأواني ولكل شيء آلات، ثم يطلبن الخادمات ويشتكين ثقل التبعات؟ فما الذي تبدّل؟ أَضَعُفَت الأجسام أم كلّت الهمم، أم هو الدلال والدلع؟ * * *

стр. 495

-٤٧ - يوم ماتت أمّي الأمور تعرف بأضدادها؛ فلا يقدر الصحّةَ قدرها إلاّ من ذاق المرض، ولا الغِنى إلا من عرف الفقر، ولا الراحة إلا من حمل التعب. لذلك تجهل نساؤنا اليوم النعمة التي يرتعن فيها! العيش اليوم سهل وأعمال الدار يسيرة. لا أعني أنها خالية من المتاعب، فمن طبيعة الدنيا اقترانها بالمتاعب والسعادةُ الكاملة لا تكون إلا في الجنّة، ولكن أعني سهولة حياة المرأة اليوم بالنسبة لما كانت عليه بالأمس. لا أعرض اللوحة كلها بل خطوطاً منها تدلّ عليها، ولعلّي أفصّل القول فيها يوماً. المرأة اليوم تجد كل ما تطلبه -متى أرادته- حاضراً، الخضر والفواكه موجودة على مدى العام، وكنا إذا حل الشتاء فقدناها، لذلك كان من عمل المرأة أن تجفّف في الصيف ما تطبخه في الشتاء: الباذنجان والبامياء وأخواتهما جميعاً، ولا تصل إلى مرحلة التجفيف حتى تمر قبلها بمرحلة التنظيف، ثم التصنيف، تأتي بأعواد الملوخيا مثلاً فتقطف منها أوراقها وتغسلها وتجففها.

стр. 496

ولا تحسبوا هذا سهلاً، فأنا أكتب هذا الكلام ونصف الغرفة من حولي تغطيه هذه الأعواد، تشتغل فيها المرأة يوماً أو يومين. والزيتون: تذهبون الآن إلى السمّان (١) فتجدونه في علب مختومة معَدّاً للأكل، لا تحتاج إلا إلى مدّ يدك إليها فتفتحها ثم تقلب ما فيها في الطبق. ولكنا لم نكُن نعرف هذه العلب الواردة من اليونان أو من بلاد الإسبان، بل نقطفه من أشجاره في الشام ولبنان. وجوانبُ البحر المتوسط متشابهة كلها في طبيعتها وأشجارها وثمارها، وكثيرة التشابه في صفات أهلها. وعندنا في حرستا (وقد صارت اليوم كأنها حيّ من أحياء دمشق) أشجار زيتون يبلغ عمر إحداها مئة سنة أو مئتين. وللزيتون أنواع، في البيت الشامي العادي نوعان منها أو ثلاثة وقد يكون فيه السبعة والعشرة، من الأخضر الذي يُقطَف مُرّاً فيُحلّى بمحلول الكلس، يديره الأولاد بالأعواد ثم يبدلون عنه الماء ثم يعودون إلى إدارته وتحريكه حتى تذهب مرارته، والأخضر الصغير تشقَّق جوانبه برأس السكين ويعالج بالماء والملح أو بالخلّ، لست أدري والله، فما أحسنت في عمري عمل الدار وإن كنت لا أكفّ ما استطعت عن المشاركة فيه، ونوع أسود يؤكل جافاً، وأسود كبير أو فاتح اللون كثير الشحم يدعى الجُلُطّ. ولكلٍّ طعم، وكلٌّ يأخذ من جهد المرأة ومن وقتها. و «المَكدوس» (وقد أشرت إليه من قبل) يُصنَع بالباذنجان وبالليمون الشامي الكبير وبغيرهما، يُغلى في الماء ثم يُحشى

стр. 497

الجوز والثوم (والعياذ بالله). والمخلَّلات عشرات من الأنواع: الخيار والفليفلة (الفلفل) والجَزَر والملفوف، وأخواتها وبنات عمّها. وقد كان في بيتي أول عهدي بالزواج من أربع وأربعين سنة ثلاثة عشر نوعاً منها، كلها من صنع زوجتي، مع أنها من الطبقة التي تلي طبقة أمي، جاءت بعد ما تيسّرَت سبل العيش وخفّ الحمل عن النساء. وقد كان عندنا مع ذلك من الثمار المعقودة بالسكّر (١) من صنعها هي أيضاً أربعة وعشرون نوعاً توضع على مائدة الإفطار معاً، لا أفصّل الحديث عنها فليس هذا مجالها، ولكن أعدّ منها: المشمش البلدي الشامي الكبير، والكلاّبي الصغير يُنزَع بذره وتُعقَد فصوصه، ومنه «المَمْروت» أي المعجون بالسكّر حتى يكون كالمربّى الذي يأتي بالعلب، ولكن شتان، فهذا مشمش حقيقي بالسكر الخالص وفي تلك العلب ما الله أدرى به من مركّبات الكيمياء، لها طعمه وليس فيها شيء منه. ومعقود الجانرك وأنواع الخوخ والدرّاق (الدرّاقن) (٢) والسّفَرْجل واليقطين الكبير المستدير. ومن أنفسه معقود الكَبّاد، وهو نوع من الليمون كبير له قشرة عطرة من الخارج وقشرة بيضاء مثل الشحم، كلاهما يُعقَد بالسكر على النار فيبقى سنين لا يطرأ عليه فساد.

стр. 498

ومعقود الجوز الأخضر قبل أن ينضج وتقسو قشرته حتى تصير كالخشب، ومعقود قشر النارنج، وزهره وهو من أعطر الزهر وأطيبه ريحاً، ومعقوده يُهدى إلى الملوك، ويبرع في صنعه أهل طرابلس الشام لأنه يكثر فيها كما يكثر في سواحل فلسطين، ردّنا الله إلى ديننا ليردّها إلينا. ومن عمل المرأة (لا سيما في القرى) قطف الجوز وكسره واستخراج لبه، وتجفيف التين، والعنب حتى يصير زبيباً، وللزبيب أنواع منها ما ليس فيه بزر. وهذه الثلاثة هي أنقال الأسرة في ليالي الشتاء الطويلة، طيّبة الطعم مقوّية للجسم، كثيرة الحرّات (الكالوري) تدفئ الجسد من داخله إذ لم يكن عندهم مدافئ تدفئه من ظاهره. أما تعب الأولاد فلا تكاد تعرف مداه أمهات هذه الأيام. إن الأم تجد اليوم الثياب جاهزة لهم و «الحفائظ» من القطن الناعم مهيّأة تستعملها ثم تلقيها، ولمن شاءت مدارس حضانة حتى للرضّع، (ولا أنصح غير المضطرة بطَرْق بابها)، وقد كانت المرأة تفصّل الثياب لهم بنفسها، وتغسل ««الحفائظ» بيدها، حتى إذا جفّت عادت إليها فاستعملتها. وكانت تسهر الليل كله إن مرض وليدها، لم يكن قد ارتقى طبّ الأطفال ولا أُعِدّت هذه العشرات من الأدوية والعقاقير، وقد تلقى بعد هذا التعب العقوقَ من الولد، كما لقيت أنا من ابن أبي الذي ربّيتُه صغيراً وكنت الأبَ له بعد أبيه الذي لم يعرفه، وأوليتُه من حبي ومن قلبي مثلما أوليتُه من نتائج كسبي، فكان أن قاطعني من أكثر من ربع قرن، حتى إنه لَيسكن البلد الذي أسكنه ولا أعرف عنوانه، ويعمل في الجامعة

стр. 499

التي لا أزال أستاذاً فيها ولكن لا أراه ولا أدري ما عمله، وقُتِلت بنتي فلم يبقَ قريب ولا بعيد إلا عزّاني وواساني، وما عزّى ولا واسى بزيارة ولا رسالة ولا برقية. والله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، وهل في الظلم أكبر من قطع الرحم وجحود الإحسان؟ * * * ولو أني عددت كل الذي كانت تصنع النساء لأطلت وأمللت وخرجت عن الموضوع تماماً، ولكن ذلك لم يكن «بلاش»، أي بلا شيء، بل كان لهن عليه أجر كبير يعدل -كما جاء في الحديث- جهاد الرجل وشهوده المشاهد. كان ذلك عمل المرأة، وكان عليها فوق ذلك غسل الثياب وكيّها، وتنظيف الدار وترتيبها، وطبخ الطعام وجلي أوانيه. وكانت أمي واحدة من نساء تلك الأيام تحمل حملهن، بل لعلها من أثقلهن حملاً، لأن من النساء من لها الخادم (أي الخادمة) والطباخة (أي العشّيّة) أو لها البنات الكبيرات يساعدنها في ذلك كله، وبعض البيوت الكبار كان فيها جارية (أَمَة) مملوكة. وقد أدركت في صغري بقايا من هؤلاء الإماء، يتوالدن ويتناسلن في الرقّ من قديم الزمان، وكنّ راضيات مسرورات، وكنّ كالوالدات لنساء الدار، ربّينَهنّ صغاراً وكنّ يولينهنّ الحب فيبادلهن النساء حباً بحبّ. وكانت أمي تعمل كل شيء بنفسها، بنتها الكبرى أخذناها (كما عرفتم) فتزوجَت في مصر، والأخرى صغيرة مشغولة بمدرستها، وما كان لنا فضل مال نستأجر به من تخدم

стр. 500

في الدار كما يفعل أرباب اليسار. الدنيا يا سادتي ليل ونهار وخريف وربيع، ولكن حياة أمي -رحمها الله- كانت كأنها ليل امتد وطال حتى لم يدرك آخرَه الصباحُ، وخريف ضاع فيه طريق الربيع فضلّ فلم يتصل بخريفه ربيع. ما أقول إنها كانت شقيّة في نفسها محرومة من كل شيء، بل أقول إنها لم تجد متعة من مُتَع العيش. أبوها الشيخ أبو الفتح الخطيب (١) كان رابع أربعة من الإخوة لكل منهم منزلة في المجتمع وذِكْر في الناس، ولكنه كان من دونهم جميعاً ميالاً إلى الزهد منصرفاً عن شهوة الجاه والمال والسيادة، عمل أميناً للمكتبة الظاهرية من يوم أنشأها (في مدرسة الملك الظاهر بيبرس) الشيخ طاهر الجزائري وجمع فيها الكتب الموقوفة التي كانت متفرقة في المساجد معرّضة للضياع، فصارت اليوم أغنى مكتبة بكتب الحديث وغيرها من مفردات المخطوطات. وكان إذا جاء الدار بعد صلاة العشاء قال لزوجته: يا آسية (وهي بنت الجلاّد، إحدى الأسر المعروفة في الشام) هل عندكم طعام؟ فتأتيه بالطبق الذي أعدّته له، فيسأل: هل تعشّى الأولاد؟ وكان له ولد واحد هو محبّ الدين وبنتان، فتقول: نعم، فيقسم ما فيه قسمَين يضع فوق أحدهما ماءً وملحاً ويأكله ويدع الثاني. وكان يمرّ وهو رائح إلى الدار ببياع الخُضَر، فما وجد

стр. 501

عنده من بضاعة كاسدة اشتراه رحمة به وحمله معه، فتصرخ فيه زوجته وتتذمّر وتتنمّر، وهي امرأة حازمة من أسرة غنيّة، فيتلقّى ذلك بالحِلم والصبر ويدعها حتى تفرغ جعبتها وتخرج كلّ ما في صدرها، حتى إذا هدأت قال لها: يا آسية، هذا جارنا وهو بياع فقير، فإن فسدَت البضاعة غرم ثمنها، ونحن أقدر على حمل الغرم منه. يا آسية، المركب الذي ليس فيه شيء لله يغرق، وهذه الدنيا فانية فاعملي شيئاً لآخرتك الباقية، وإن لم تريدي ما أحضرتُه فابعثي به لأهل الخان. وكان في صدر الحارة خان فيه عائلات كثيرة من الفقراء لا يكادون يجدون شيئاً. فلا يزال بها حتى ترضى، يطفئ بحِلمه نار غضبها ويُذهِب بصدقه في زهده كبرياءَ نفسها وحبّها دنياها وحدها. * * * ومات جدي الشيخ أبو الفتح سنة ١٣١٥، وكان عمر أمي ثماني سنين وعمر أخيها محب الدين اثنتي عشرة، ولحقت به زوجته فتولت تربيتَهما أختُهما الكبرى، وكانت امرأة حازمة صارمة، وكان لها ولد في مثل سنهما هو الشيخ شريف الخطيب، فأخذتهم بالشدة، فكانت الدار بإشرافها كأنها مدرسة عسكرية، بل ربما أدار المدرسةَ العسكرية ضابطٌ ليّن العريكة قوي العاطفة، وخالتي هذه لم تكُن تعرف إلا النظام والضبط، وكانت كما يُقال في الشام «أخت الرجال». رأت ليلة من ليالي الشتاء شبح رجل في «المَشْرَقة» (وهي

стр. 502

السطح المسوَّر)، فصاحت به فلم يذهب ولبث يتبختر يروح ويجيء، فأنذرته فما برح مكانه، فأخذت البندقية ورفعت الشبّاك (النافذة) ووجّهَتها إليه فما بالى، فأطلقت النار. وكانت البيوت من الحجر والخشب والطين، وكانت متداخلة متعانقة، يستطيع من شاء أن ينتقل من طرَف الحيّ إلى طرَفه الآخر من فوق السطوح لا تمس رجلاه الطريق، فسمع الجيران الصوت، ولم يكن يحتاج الجار ليصل إلى جاره إلا أن يقفز من فوق «الطّبْلة» (وهي حاجز من الخشب واللبِن يفصل مشرقتك، أي سطحك، عن سطح الجار)، فنادوا: "يا الله، يا ستّار" ليتستر من النساء مَن كانت كاشفة، ثم صاروا عندها فقالوا: خالتي أم شريف، ما لك؟ خير إن شاء الله؟ سمعنا طلقة رصاص. قالت: نعم، حرامي، وقد أصبته بلا شك لأن رصاصتي لا تخيب. وكان من عجائز الشاميات مَن تجيد الرمي! فصعدوا إلى السطح فوجدوا سراويل زوجها الشيخ عبد الفتاح الخطيب معلَّقة بالحبل (وكانت سراويل الرجال والنساء تصل إلى القدم ويفصَّل من الواحد منها إحدى عشرة من سراويلات نساء اليوم) فكانت تمتلئ بالهواء من شدة الريح في تلك الليلة فتبدو كأنها رَجل يمشي ... ووجدوا بارود الطلقة قد مزّقها. قالت: ألم أقل لكم إني أصبته؟ * * *

стр. 503

وتزوجَت أمي وعمرها سبع عشرة سنة، فانتقلَت من دار ما فيها إلا الجِدّ والحياة الخالية من اللهو ومن أسباب المتعة، وإن لم تخلُ من ضرورات الحياة ولوازم العيش، إلى دار مثلها ما فيها إلا الجدّ والبعد عن اللهو وعن المتعة. من دار تحكمها امرأة صارمة أمرها قانون يُطاع أو تحلّ النقمة بمن يعصيه، إلى دار يحكمها رجل (هو جَدّي)، شيخ بعمامة ولكنه عسكري الطبع والمهنة، فقد كان إمامَ طابور وله رتبة عسكرية، صارم أمره قانون ومخالفة أمره انتحار. وكان أبي لطيف المعشر رقيق الطبع ولكنْ لا حكم له في بيت أبيه، ثم إنه كان معلّماً، وكان أسلوب التعليم يقوم على الشدّة، وكان الترهيب فيه والعقاب مقدَّماً على الترغيب والثواب. فما سعدَت السعادة التي تحلم بها كل بنت في بيت أبيها الذي عاشت فيه يتيمة الأبوين، كانت أختها الكبرى هي أمها بعد أمها، أرضعَتها من ثديها وربّتها مع أخيها وابنها، ولكنها كانت شديدة بطبعها تكره اللين والميوعة ولا تُظهِر العاطفة، ولعلها (والله أعلم) لا تخفيها أيضاً لأنها لا تجدها. ولا أحب أن أظلمها، وأستغفر الله لي ممّا قلت ولها، فلقد أفضلت على أمي وَرَعَتْها، رحمها الله. وما عرفَت سعادة الحياة العاطفية في بيت زوجها، فصبّت عاطفتها كلها وفَيض قلبها كله في حبها لأولادها. ما نالت كل ما اشتهت فحاولت أن تعوّض ذلك بإنالة أولادها كل ما يشتهون من الحلال، فالحرام لم يكن له مكان في بيت زوجها كما لم يكن له مكان في بيت أبيها. ولكن كيف والعين كما يقول الفصيح من أمثال العوامّ:

стр. 504

«العين بَصيرة واليد قصيرة»، تعرف الذي تريده ولكن لا تعرف طريق الوصول إليه. فكانت تبذل من ذات نفسها ما تعجز عن بذله من مالها؛ كانت إذا جاء العيد ولم تستطع شراء الحلوى صنعت بيديها ما تقدر عليها منها. وحلويات الشام من يوم عرفتُها طيّبة المذاق جيدة الصنعة، لكنها غالية الثمن. فلما حدّدَت الحكومة أسعارها ولم يعُد ما حدّدَته يسدّ نفقاتها استبدلوا بالسمن العربي الخالص دهناً مصنوعاً، وأدخلوا عليها من فنون الغشّ الخفيّ ما دخل كل شيء منذ عرفنا هذه الحضارة المادية. وما كنا قبل ذلك ملائكة ولا كنا جميعاً مثل أبي بكر وعمر، وكان فينا من يغشّ، ولكنه كان غشاً بدائياً يسهل كشفه فصار غشاً «حضارياً» لا يكشفه إلا الخبير، حتى لقد سمعنا أن في المصانع هناك، أو في بعضها، كيميائياً له وظيفة (١) كبيرة عمله إخفاء الغش، ولدى الحكومة كيميائي له وظيفة كبيرة لإظهار ما أخفى الأول. كل ما يصنعونه يكون بادئ الأمر متيناً ويكون صالحاً، فيضعف ويفسد، لا حباً بالفساد بل توفيراً للمال وزيادة للربح. حتى السيارات: القديمة منها التي كنت أعرفها صغيراً كانت من المعدن المتين، والجديدةُ إن ضربتَ بقبضة يدك غطاء المحرّك فيها، أثّرَت فيه ضربة يدك. وعلب الأدوية كانت من الحديد فصارت من الورق، والحقائب كانت من الجلد فصارت ... لست أدري والله ممَّ صارت، ولكنها ليست جلداً على أيّ حال. * * *

стр. 505

كانت أمي إذا جاء العيد صنعت بيدها الحلوى التي لا تستطيع أن تشتريها بمالها، وكانت تطبخ بدل الطبخة الواحدة طبخة لكل ولد. تقدّم لكل منهم الأكلة التي يحبها، ولو كان ذلك على حساب راحتها وصحتها. ومن البلاد ما لا يعرف أهله إلا ألواناً معدودة من الطعام يعيدونها ويكررونها، أما المطبخ الشامي ففيه العشرات من ألوان الطعام ممّا لا مثيل له في غير ديار الشام، لا أستطيع أن أعدّها لأني لا أعرفها كلها، ولكن أسمّي ما عرفت منها تمثيلاً لها، فمن اللحم: المشوي والمقلي واللحم بالصينية والكباب الهندي واللحمة بالخلّ وداود باشا ... ومن الباذنجان: المُنَزَّلة والمُسقَّعة وإمام بايلدي (وهو اسم تركي معناه «الإمام داخ» أي غُشي عليه) والمَقلوبة (وهي أرز مطبوخ فوقه الباذنجان مع اللحم والصنوبر واللوز) ... ومن الكوسا: المُنزَّلة والمُفَرَّكة والكوسا المحشي والمَكْمور (وهو كوسا يُفرَّغ ويُحشى باللحم واللوز والصنوبر ويُطبَخ بالمرق) والشيخ المغشي (وهو مثله لكن مرقه اللبن الرائب المطبوخ). ويصنع من اللبن: الشاكريّة واللّبَنيّة و «شيش بُرَك» و «باشا وعساكره» والمشمشية. ومن الفول ألوان: المُقَلّى والمُفَرَّكة والرز بالفول والفولية، ولكل منها طريقة في طبخها ونَصّ على ما يُضَمّ إليها ويوضع معها. والكبة أنواع كثيرة: النيّة (النيئة) وقد اشتهر بها لبنان، والمشوية والمقلية والكبّة بالصينية، والكبة المسلوقة وهي من حلب، والكبة الحَميص المطبوخة بدبس الرمان ... والمقليات: من الباذنجان والكوسا والزّهرة وأخواتها. وأكلات يعتني بها النساء هي «حَرّاق إصبعه» و «ستّي إزبقي» و «قصاقيص الخياطة»، والتبّولة والفتوش ... ولو

стр. 506

ذهبت أعدّ ما أعرف من طبخات نساء الشام لضاق المقام وضجر القارئ من قراءة أسماء منكرة لأطعمة أكثرها معروف، ولكنه يأخذ المنكر من أسمائها ويجهل المعروف من حقيقتها. * * * عاشت أمي سبع سنين بعد أبي ما لها شاغل إلا أولادها؛ تُطعِمهم هي وتُلبِسهم، وتحثّني على أن أدارسهم دروسهم وأراجع معهم كتبهم، لأنها لم تكُن متعلمة ولم تدخل المدرسة كما دخلتها عمّتي من قبلها. وقد زدتُ همّها باشتغالي بالقضية، وإذا قيل القضية فالمراد قضية الاستقلال ومحاربة الاحتلال، فكانت كلما ذهبت أخطب في اجتماع أو سمعَت أني قدت مظاهرة، أو دفعت الشباب إلى تحقيق إضراب، أو كتبت مقالة مثيرة تهاجم الحاكمين، طار قلبها شعاعاً خوفاً عليّ، ولما وُقِفْتُ (١) في إدارة الشرطة مرّة وفي مخفر الخراب مرّة جاء من أخبرها، فوضعت عليها ملاءتها وذهبت إلى ابن أختها الشيخ شريف في مدرسته، فأبى أن ينجدها وقال لها عندي درس، فشتمته وشتمت الدرس الذي يشغله عن نجدة ابنها. والشيخ شريف أخوها من الرضاع وسَنينها ورفيق طفولتها، وكان يحاول ضربي أحياناً فتهجم عليه كأنها الدجاجة يُعتدى على فراخها فتنفش ريشها وتُعلي صوتها وتهدّد بمنقارها، ولو كان المهاجم أقوى منها قوة وأمضى سلاحاً. * * *

стр. 507

وجاء اليوم الأسود، وكان يوم أربعاء أذكره تماماً، وكان في الثاني والعشرين من صفَر سنة ١٣٥٠. مرّ عليه ثلاث وخمسون سنة ولا تزال ذكراه ماثلة أمام عيني كأنه قد كان أمس. عدت إلى الدار فوجدت أمي معصوبة القدم، وإذا هي تُسِرّ في أذني أن في رجلها جرحاً صغيراً من مقصّ سقط عليها. فهممت أن آتي بالطبيب فقالت: لا. لم تُرِد أن أتعب أنا بدعوة الطبيب ولم تحبّ أن تزعج إخوتي بمعرفة الخبر، وهوّنَت من أمره فرأيته هيّناً، ووضعت عليه قليلاً من صبغة اليود وأقبلت على كتابتي ولم أفكّر فيه، ولم أعلم أنه سيشغل تفكيري ويؤثّر في حياتي. وأصبحت فأوهمتني أن الجرح قد برئ، لم أعلم إلا بعد حين أنها أمضت ليلها كله ساهرة لأن الألم لم يكن ليدعها تنام. كانت تدور في الدار يمنعها حبّها أولادَها من إيقاظهم، فهي على ألمها تتعهّدهم واحداً واحداً كأنها تودّعهم. ولم تخبرني، ولو كانت تعلم عاقبة هذا الكتمان لرحمَتني منها فأخبرتني، إذن لحاولتُ السعي لشفائها أو لتخلّصتُ -على الأقل- من هذا الندم الذي ظلّ يعتصر نفسي لأنني قصّرت في الاهتمام بها. وظللت مع إخواني نتكلم في الأدب وفي العلم وأمّي تعاني ما ليس لنا به علم ولا لها عليه صبر. فلما امتدّ الوجع إلى اليوم الثالث واشتدّ ولم تَعُد تستطيع احتماله خبّرَتني به. وكان عندي رفيق عمري أنور العطار ﵀ ورحمها فأشار أن آخذها إلى طبيب جراح، وكان أشهر الجرّاحين

стр. 508

من غير أطباء المستشفى هو الدكتور أحمد راتب، وأحضرت سيارة وحملتها إليها، وبلغنا عيادة الدكتور فلم نجده، وذهب من يفتّش عنه فجاؤوا به من المقهى في شارع بغداد، فشقّ الجلد لينظّف الجرح من غير أن يطهّر المشرط، فوضع هو أسباب الداء من حيث كنا نرجو على يديه الشفاء. وأعدتها إلى الدار فإذا الألم يزيد ولا ينقص، كان في القدم فارتفع إلى الساق، فدعوت صديقي ورفيقي صبري القباني ﵀، وكان يعمل في مستشفى معهد الطب طبيباً داخلياً (١). فلما رأى ما بها قال: ماذا تنتظر؟ إلى المستشفى. وذهبنا وكان أستاذ الجراحة الدكتور نظمي القباني حاضراً، فأدخلها إلى غرفة العمليات رأساً، ووقفت أنتظر كما يقف المتهَم أمام محكمة الجنايات ليسمع الحكم له بالبراءة أو عليه بالموت. وطال وقوفي وثقلَت الدقائق عليّ، حتى لأحسّ طقطقة الساعة الكبيرة على الجدار فوق رأسي كأنها مطارق تنزل عليه، إلى أن فُتح الباب وخرج الدكتور صبري يقول: لا بد من بتر الساق، فاكتب هنا أنك موافق. ولم يدع لي وقتاً للتفكير لأن الأمر -كما قال- لا يحتمل التأخير، فكتبت وأخذ الورقة ودخل، ولبثت مثل المشدوه أفكّر كيف تدخل بساقين وتخرج بساق واحدة. وكَبُر عليّ الأمر ونسيت

стр. 509

أن بعض الشرّ أهون من بعض وأن الإنسان يتمنى المصيبة إذا واجه ما هو أكبر منها. لقد تمنيت بتر الساق حين فُتح الباب وظهر الدكتور صبري، ينطق وجهه قبل أن ينطق لسانه، يخبر أن أمي لن تخرج بساق ولا بساقين؛ لن تخرج إلا محمولة على الأعناق. لقد ماتت أمي! * * *

стр. 510

-٤٨ - هنا مسقط رأسي وهنا قبر أبي وأمّي حلقة اليوم عودة إلى الشام. وهل فارقتها حتى أعود إليها؟ إن ذكرياتها في قلبي ومشاهدها ماثلة أمام عيني، وفي كل نَفَس من أنفاسي عبَق من أريج الغوطة ونفحة من عبير دمشق. فلا تلوموني إن كرّرت الحديث عنها، فمن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره، ولو أكرهتُ النفسَ على نسيانها لما طاوعتني نفسي، ولئن نأيت بالجسد عنها فإن روحي فيها: أريدُ لأنسى ذكرَها فكأنما ... تَمَثّلُ لي ليلَى بكلِّ سَبيلِ وما أبغي من دمشق منازلَها ودورها ولا بساتينها وقصورها، ما أحنّ إلى التراب ولكن إلى مَن تحت التراب مِن الأحباب والأصحاب. فدمشق التي أعود إلى ذكرها هي دمشق أمي التي جئت أستأذنكم أن أكمل الحديث عنها، فلا تملّوه (أرجوكم) ولا تستثقلوه، فمن جرّب منكم فقد الأم أو البنت (ولا قدّر عليكم أن تجرّبوه) عرف أن الحديث عنه فيه شيء من تنفيس الكرب وتسلية القلب.

стр. 511

ويا ليتني كنت أسْطيع الوصول إليها لأقف كما وقف امرؤ القيس على الأطلال، يبكي ويستبكي، فعلّم الشعراء الوقوف والبكاء، حتى من كان يعيش منهم في نعيم بغداد ما رأى الصحراء ولا أبصر النؤى ولا موقد النار وصاغ فيهما بدائع الأشعار: ولقد مررتُ على ديارِهمو ... وطُلولُها بيدِ البِلى نَهْبُ فوقَفتُ حتّى ضجَّ من لَغَبٍ ... نِضوي ولجَّ بعُذّلي الرَّكْبُ وتلفّتَت عيني فمُذْ خَفِيَت ... عني الطُّلولُ تلفّتَ القلبُ وأنا اليوم مثل الشريف (١)، أتلفّت بقلبي إلى ديار خفِيَت عن ناظري ولكنْ ما سلاها خاطري ولا خفّ إليها شوقي، إلى بقعة صغيرة من الأرض كانت هي دنياي كلها وكان فيها كل أهلي وأحبائي، فلم يبقَ منها إلا كَومتان من تراب أمام ساقية صغيرة ... فيا أيها المسافر إلى دمشق: هل تُحسِن إلى شيخ غريب فتزور عنه هذا الذي بقي من عالَمه، وتريق عليه دموع قلبه ورحيق حبّه؟ هل تقف على قبر أمي وقبر أبي فتقول لهما: إن ابنكما الذي تركتماه يمرح في رداء الشباب يطير إلى آفاق المستقبل على جناح الأمل، يحمل أحلاماً تعجز عن حملها مناكب الرجال فيمضي قُدُماً بها لا يُرضيه إلا تحقيقها، قل لهما: إنه قد ولّى شبابه، وانكسر جناحه، وذابت أحلامه، فلم يبقَ له من أمل إلا دوام الصحّة وحسن الخاتمة. قُل لهما: لقد صار ولدكما أكبرَ سناً منكما، صار شيخاً وبَناتُه صرنَ جدّات. ولكنه لم ينسَكما ولم ينقص حبه لكما

стр. 512

ولا ألمه لفقدكما، وإن رأى ما هو أشدّ عليه وأقسى. إنه يدعو لكما، يسأل الله لكما الرحمة كما ربّيتماه صغيراً. ولكن أنىّ لك الوصول وما وصفت لك الطريق ولا دلَلتُك على المكان؟ إذا مررت بشارع بغداد العظيم فوصلت إلى الدَّحْداح (١)، ورأيت الجدار العالي والباب الجديد فادخله تصل إلى المكان المقصود. ولكن لا، دعه فهذا ليس من عالَمي، إني أريد أن تصل إلى العالَم الذي كان لي، الذي عرفته وأحببته وإن طال به عهدي، لا إلى عالَم جَدَّ بعدي. اذهب إلى قلب دمشق. أليس لكل بلد قلب (سنتر) تُنْصَب اللوحات في الطرق لتدلّ عليه وترشد إليه؟ إن قلب دمشق هو الأموي، مهما تتّسع وتمتدّ فهذا قلبها. وقلب مكة الحرم، وقلب القاهرة الأزهر، وقلب الرياض الديرة والمسجد الكبير. فاذهب إلى الأموي، قد يطول عليك الطريق ولكنك ترى وأنت ماشٍ جوانب من دمشق القديمة، عاصمة الإسلام الثانية. دمشق الأخلاف من بني أمية والملوك من آل أيوب، دمشق أقدم المدن المسكونة في الأرض كلها وأول البلاد يقظة وتحرراً واستقلالاً في أرض العرب. إنك لن تجد من ملامح دمشق الماضي إلا القليل، ويا ليتها

стр. 513

بقيَت بقاء فاس مثلاً ودهلي (١). يا ليتهم تركوها تحدّث حديثها وتبعث ماضيها وتصف أمجادها، وأقاموا إلى جنبها مدينة مثل فاس الجديدة ونيودلهي. لم يبقَ من دمشق إلاّ مثل ما بقي من بغداد: ملامح ضئيلة وبقايا قليلة، أولها الأموي وثانيها السور، ولا يزال أكثر السور باقياً سليماً. أما الأموي الذي تزوره اليوم فليس الذي بناه الوليد؛ إنه احترق مرّات (فراجع كتابي «الجامع الأموي» تعرف خبرها)، وهذا البناء تمّ سنة ١٣١١هـ على أثر الحريق الأخير، بناه «معلّمون» من أهل صنعة البناء في دمشق ما فيهم مَن درس الهندسة وحمل شهادتها، لأنهم من العباقرة الذين اقتبس علم الهندسة من عبقرياتهم ومن دراسة آثارهم وآثار أمثالهم. من النتائج المنظَّمة لهذه الدراسات وممّا أضيف إليها وزيد عليها نشأ هذا العلم. وإلا فخبّروني: في أية جامعة تخرّج مَن بنى الأهرام، ومن أقام حدائق بابل المعلّقة، ومن رفع هذه الصخور الهائلة فوضعها فوق هذه الأعمدة العالية في بعلبَكّ وتَدْمُر؟ ومن صنع نقوش الحمراء، ومن جعل الرخام الجامد ينطق بأبرع لسان، يتلو بلسان الحال آيات الجمال في تاج محل؟

стр. 514

أُعيدت الآن فسيفساء الأموي كما كانت أيام الوليد. لقد ظلت أسرارها مجهولة عشرة قرون، أفتدرون من الذي كشفها للناس وعرّفهم بها؟ لا، لم يكن عالم آثار ولا أستاذ جامعة، بل واحداً من خدم الأموي. كشف سرّها واستطاع أن يعيد صنعها، حتى إنك تنظر إلى ما بقي منها من أيام الوليد وإلى ما جُدّد الآن، فلا تدري أيها القديم وأيها الجديد. وجاء المملكةَ من قريب عاملٌ ممّن تعلم هذه الصنعة اسمه فلان العقّاد، نسيت اسمه الأول، وهو يعمل في الرياض ومعه لوحة صنعها باعها بألف ريال! فابحثوا عنه واستقدموا زملاءه، واستفيدوا منهم فيما تقيمون من عمارات تريدون لها الزخرف والجمال، ولكن ابتعدوا عن المساجد، فالمساجد ليست معارض فن ولكنْ محاريب عبادة، لذلك يُكرَه فيها كل ما يشغل المصلّي عن صلاته لاسيما إن كان في جدار القبلة. أمور الدين يا سادة مردّها إلى ما أوحى به الله وبلّغه الرسول، لا إلى ما يراه المفكّرون ولا إلى أذواق أهل الفنون. * * * ثم اخرج من الباب الشمالي للجامع تلقَ أمامك مدينة جامعية، بقعة واسعة كلها مدارس؛ المدرسة لصق المدرسة، أبنية فخمة من الحجر والمرمر، أبواب ضخمة فوقها أقواس مختلفات الأشكال مملوءة بالمُقَرْنَصات التي تُدهِش الناظر وتَرُوعه بعظمتها وبفنّها: مدرسة الكلاّسة، وإلى جنبها مدفن صلاح الدين، بجوارها السّميساطية، والجقمقية التي سبق

стр. 515

الحديث عنها، وهي من أجمل الآثار المملوكية، وقد جدّدتها وزارة الأوقاف بإرشاد إدارة الآثار فرجعَت كيوم فرغ من بنائها بانيها، والمدرسة الإخنائية، ثم المدرسة الظاهرية، مدفن الظاهر بيبرس، وفيها مكتبة من أغنى المكتبات بنوادر المخطوطات، تقابلها العادلية (مدرسة الملك العادل أخي صلاح الدين) ... ما يشبهها في ازدحام هذه الكنوز من العمارات إلا سفح المقطّم في القاهرة، حيث مدرسة السلطان حسن ومسجد الرفاعي، وتلكم العمارات الرائعات للمساجد والمدارس والمكتبات، وإلا منطقة الأزهر والحسين وما فيها من المدارس والمساجد، معرض دائم لازدهار العلم والحضارة ومتحف حيّ لروائع فنون العمارة. وفي العادلية «المَجْمع العلمي»، وهو أقدم المجامع العربية. ولكن الذي يشوّه هذا الجمال ويلطخ هذه الصفحة البيضاء ببعض السواد هو أن «الظاهرية» يحفّ بها فرن من هنا وحَمّام من هناك، ولطالما نبّهْنا إلى ما في ذلك من أخطار. نوادر المخطوطات والآثار تجاورها من الجانبين النار! ولو أنها احترقت فمَن يأتينا بمثلها؟ إن أموال الأرض لا تعوّضنا عنها، ومن الأشياء ما لا يُشترى بالمال. لقد سطا لصّ مرة على متحف دمشق، دخله بحيلة وسرق منه مجموعة لا مثيل لها من الدنانير القديمة، الرومانية والفارسية والأموية والعباسية وأنواع أخرى، ثم ارتكب جريمة أكبر من جريمة السرقة فأذاب هذه الدنانير وجعلها سبائك. لقد قبضوا عليه واستردوا السبائك منه وعاقبوه، ولكن ما الفائدة؟ إنهم كمن يستردّ المخطوطة الوحيدة من سارقها لكن بعدما محا كتابتَها وأرجعها صحفاً بِيضاً ... أو كمن يُرجع البنت المخطوفة

стр. 516

إلى أهلها بعدما قضى الخاطف على حياتها. وستمشي مئتَي متر فقط فتصل إلى باب الفراديس، أحد أبواب دمشق السبعة، وهو باقٍ. وستمرّ قبله بأربعة مدارس ومساجد وببقايا من السور القديم، وبِحارة بينهما لا يزال اسمها إلى الآن حارة بين السورَين. هذا باب دمشق القديمة، فاخرج منه. لقد صرت «ظاهرَ دمشق». دع هذا الشارع الجديد وعماراته العالية فإن هذا الشارع دخيل على عالَمي، وامشِ إلى الأمام ثلاثمئة متر أخرى تصل إلى العُقَيْبة، وهي حيّ الأوزاعي الذي يُنسَب إليه الإمام الذي يقوم قبره على شاطئ البحر جنوبي بيروت تغسل أقدامَه الأمواج، وكان من شهرين تُلهِب رأسَه القنابل من اليهود الذين لا يرعون حرمة منازل الأحياء ولا حرمة قبور الأموات، يحميهم ويقوّيهم بالسلاح وبالفيتو أو يمدّهم بالبشر دولة الغرب ودولة الشرق، كلتاهما معهم علينا، وإن كانت إحداهما تقدّم إليهم الرجال وتعطينا نحن جميل المَقال، والأخرى تعطيهم كل شيء ولا تعطينا شيئاً، بل تبني نصف اقتصادها على أموالنا. بين حيّ العُقَيبة هذا وحيّ العِمارة الذي مررنا به أقلّ من نصف كيل (كيلومتر)، ولكنْ كان بينهما ما يكون بين الحارات يومئذٍ من عداءات ومعارك، أيام القبضايات والفتوّات. فلا تصدّقوا كل ما يقوله الشيوخ من أمثالي من أن أيامهم كانت خيراً كلها وأن هذه الأيام ما فيها إلا الشرور والآثام. أنا كنت أقول مثل هذا وكنت أكتبه، والحقّ أنه كان في تلك الأيام خير كثير فقدناه وكان فيها شرّ كثير تخلّصنا منه؛ فالأمن كان مفقوداً في ليالي

стр. 517

دمشق وفي أطرافها في النهار، وكان انقسام وخصام، والجهل كان أعمّ والأمّية كانت أكبر، والأمراض كثيرة والأطباء قلائل. ولكن كان -مقابل ذلك- فضائل ومزايا: تمسّك بالدين، وإن كان يخالطه عند العوامّ بدع وجهالات وأوهام، ولم يكن سفور ولا اختلاط، ولا كانت الملاهي، ولا كان مَن يجهر بارتكاب المعاصي أو يعلن ترك الواجبات. وكانت الغيرة على الأعراض والبعد عن الفسوق، وكان التعاون بين الناس حتى كان الحيّ وسكانه داراً واحدة وأهلها كالأسرة الواحدة. فإذا بلغت العقيبة فامشِ إلى آخرها، حتى تبلغ تلك الحارات الضيقة والبيوت الصغيرة الفقيرة، فادخلها. لا يَرُعْك ضيق مسالكها ولا فقر منازلها، فلقد كانت ها هنا منازل أهلي، هنا كان مسقط رأسي. ليس الوقوف والبكاء على الأطلال وحدها، فلقد وقف الشريف الرضيّ على منازل حبّه وهو في بغداد يوم كانت سُرّة الأرض وأعظم مدن الدنيا. لم يكن راكباً نِضواً (١) كما قال ولا مصاحباً رَكباً، إنه لم يصف عن عيان كالشاعر الجاهلي، ولكن ماذا يضرّ؟ ألا تمرّ على العمارة الكبيرة التي كنت تسكنها فتذكر أيامك فيها وتحنّ إليها، وربما ذرفت الدموع على مَن كان معك فيها فواراه عنك ثراها؟ العاطفة صادقة ولو اختلفَت الظروف، فماذا يضرّ رخص الإطار إن كانت اللوحة ثمينة؟ إن الإنسان مفطور على الحنين إلى ماضيه. مَن ينسى الأمس وهو أبو اليوم، كما أن اليوم هو أبو الغد؟ لذلك تحرص

стр. 518

الأمم على آثارها. الآثار هي بقيّة الماضي، الماضي زمان ومكان وأحداث وناس، وقد ذهب الناس فلا يرجعون، وانتهت الأحداث فلا تُستأنَف، والزمان الذي تصرّم لا يعود، فلم يبقَ إلا المكان وما فيه من أشياء. فإن اعتنينا بالآثار فنحن لا نعبدها ولا نقدّسها؛ ضلّ من يقدّس تراباً ويعبد حجراً، ولكنْ نذكر فيها ماضينا، أي ننظر إلى أنفسنا في أمسنا. هنا وُلدتُ وأمضيت فجر حياتي، وإلى هنا رجعت لمّا غابت شمس اليوم الأول من هذه الحياة بموت أبي، ثم رجعت إلى هنا لمّا غربت شمس اليوم الثاني بموت أمي. لمّا خرج صبري القبّاني من غرفة العمليات فقال لي (بنظرات من عينيه الغارقتين بالدموع وبحركات اليأس من يديه) إنها ماتت وقفت كالذي ضُرب على رأسه ففقد الوعي وهو ينظر، عيناي مفتوحتان ولكني لا أرى شيئاً. وقفت وأحسست كأنْ قد وقف معي الزمان. لامارتين في قصيدة «البحيرة» استوقف الزمانَ في ساعة الوصال وحثّه على الإسراع في وقت الكرب، ولكن زماني وقف بي وأنا مكتئب مكروب، لا أستطيع أن أعود إلى الأمس فأتصور أمي وهي بيننا، وهي عماد بيتنا وهي تعيش معنا، ولا أستطيع أن أتصور الغد، كيف يكون غدي وقد تركتنا أمي؟ لقد بكى صبري القباني على أمي لأنه كان يوماً مثل أخي، ولعله بكى فيها أمه. لقد كان يعرف أمي، كانت كلما غبت سألَته عني وكانت تعطف عليه كأنه ابنها، وكان ﵀ قد حُرم جوار أمه أيام صباه.

стр. 519

تعطّل فكري فلم أعُد أفكّر. كانت الجرعة أكبر من أن أسيغها، وقفَت في حلقي فلا أنا استطعت أن أبتلعها ولا أنا أملك أن ألفظها. لم أقُل شيئاً، لم أبكِ، لم أصرخ. صرت كأني قد جمدت، فتولّى صبري الإمساك بي وإخراجي، وانقدتُ إليه أمشي معه كأني أمشي في نومي. وجاء الدكتور نظمي القباني أستاذ الجراحة في كلية الطب (وهو ابن محاسب المعارف الأستاذ مصطفى القباني، وليس من أسرة الدكتور صبري القباني)، وأنا أذكر الآن أنه قال كلاماً طويلاً عرفت أنه يواسيني به ويعزّيني، ويقول إنه بذل الجهد لكن إرادة الله أقوى من طبّه، ولكني لم أفهم ممّا قال شيئاً. ولم أعلم إلى الآن (صدّقوني) كيف غُسّلت وكُفّنت؛ لقد تولى الأمرَ كله إخوة بررة، منهم من ذهب إلى رحمة ربه كالدكتور صبري والشيخ عبد القادر العاني وأنور العطار، ومنهم من بقي كابنَي خالتي طه وثابت الخطيب والشيخ ياسين عرفة وطائفة من الشبان الذين كانوا يلازمونني: رشاد جيوشي وأنور العش، ومحمود الرفاعي وسعيد الجزائري رحمهما الله. وما تنبّهت حتى وقفنا للصلاة عليها في جامع التوبة. ولي في هذا المسجد ذكريات خالطَت ثواني حياتي الأولى، فيه وفي هذه المدرسة القائمة أمامه قِطَع من عمري من عهد طفولتي. هنا رحمني الله فسال دمعي. إن الدموع رحمة، فلا تخجلوا يا أيها المحزونون أن تبكوا، فإن حرقة القلب لا تطفئها أنهار دمشق السبعة ولكن يطفئها، أعني

стр. 520

أنه يخفّف من حرّها، سَفحُ الدموع. ولو كان البكاء يُنقص من الرجولة ما بكى سيد الرجال محمد، صلى الله على محمد. بكيت بلا صوت. كانت دموعي تتساقط وأنا صامت. بكيت أمي وإن لم أستوعب تماماً حقيقة مصابي بها ولم أدرك مداه، بكيت أبي، بكيت من ذهب من أهلي ومن صحبي، بكيت آمالي وأحلامي، بكيت مَواضي أيامي، بكيت أسرتي الأولى التي كانت كلها هنا فلم يبقَ منها إلا أنا. أنا بعد أربع سنين أبلغ الثمانين (١)، وقد تُوُفّي أبي وهو في السادسة والأربعين وأمي في الثالثة والأربعين، ولكني كلما ذكرتهما أحسب أني صَغُرت حتى عدت طفلاً رضيعاً كان يأوي إلى صدر أمه، يطلب فيه الحليب غذاء جسده والعطف طعام روحه، وكذلك يحسّ كل ولد مع أمه. واستُشهدَت بنتي وهي في السابعة والثلاثين، ولكني كلما ذكرتُها أشعر أنها صَغُرت حتى عادت الطفلة التي ترتمي على صدري وتقعد في حجري، وكذلك يشعر كل والد مع ولده، مهما كبر الولد فهو في عين أبيه طفل. ولكن هذه أسرار قلبي فلماذا أعلنها للناس؟ هل أجعل مخدع حبي الأطهر معرضَ صور يتجول خلاله النقاد والذين يحبون أن يتسلّوا؟ لقد استحضرت في ذهني من ذكريات أمي وذكريات بنتي ما يملأ صفحات من الجريدة، حفرت بأظافري في أنقاض الماضي في ذاكرتي حتى جمعتها. لقد استخرجت خيوط

стр. 521

الثوب من بين ذرّات التراب خيطاً بعد خيط ثم أعدت نَسْجَه لأدفئ به عظامي في شيخوختي، فهل أنزله في «سوق الحَراج» لأبيعه بالمزاد؟ لا؛ فلتبقَ لي وحدي فما لأحد من القرّاء نفع فيها، وأنا إنما أحيا بها. * * * وأما أنت يا أيها المحسن المجهول، الذي رضي أن يزور دمشق عني حين لم أقدر أن أزورها بنفسي، لم يبقَ لي عندك إلا حاجة واحدة؛ فلا تنصرف عني وتدَعني وحدي بل أكمل معروفك، فصلِّ الفجر في جامع التوبة، ثم توجّه شمالاً حتى تجد أمام «البحرة الدفّاقة» زقاقاً ضيّقاً جداً، حارة تُسمّى «المعمشة»، فادخلها فسترى عن يمينك نهراً، أعني جدولاً عميقاً، على جانبه من الورد والزهر وبارع النبات ما تزدان بأقلّ منه حدائق القصور. أتدري ممَّ جاء؟ لأنه يشرب ماءً قذراً. إن هذا الجدول نصفه من ماء النهر ونصفه من ماء المجاري! عفوك فهذه هي الحقيقة، ومن الحقائق ما يسوء. وعلى كتفه ساقية عالية ماؤها إن قيس بمائه عذب زلال، وإن لم يكن زلالاً ولا عذباً. وإن رجعت إلى مجلة الرسالة (١٩٣٥) قرأت مقالة لي عن هذه الساقية (١)، فاجعلها على يمينك، وامشِ في مدينة الأموات، وارعَ حرمة القبور فستدخل أجسادُنا مثلَها، ودَعْ هذه البرحة الواسعة في وسطها وهذه الشجرة الضخمة الممتدّة الفروع

стр. 522

الوارفة الظلّ، التي كنا وكان الناس يتخذون من ظلها مجالس أنس يوم العيد وعلى أغصانها يعلّقون الأراجيح، يُقبِلون على تسليات الحياة في موطن الموت! سر إلى الأمام حتى يبقى بينك وبين جدار المقبرة الجنوبي نحو خمسين متراً. إنك سترى إلى يسارك قبرَين متواضعَين من الطين على أحدهما شاهد باسم الشيخ أحمد الطنطاوي. هذا قبر جَدّي وفيه دُفِنَ أبي، وإلى جنبه قبر أمي، فأقرئهما منّي السلام. أسألُ الله الذي جمعهما في الحياة وجمعهما في المقبرة أن يجمعهما في الجنّة. هنا دُفِنَ أعزّ الناس عليّ. أمّا مَن كانت أعزَّ منهما (ولا أظن أن قولي هذا يسوؤهما) فقبرها بعيد بعيد في ألمانيا، إني لست أعرفه. بلى والله إني أعرفه لأنه قريب قريب، إنه في قلبي. ربِّ اغفر لي ولوالدي، ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً. ربِّ ارحم بنتي واغفر لها. ربِّ وللمسلمين والمسلمات. * * *

стр. 523

-٤٩ - مآتم الشام وكيف كان مأتم أمّي بقيَت كلمة واحدة من حديث أمي، أقولها وأختم الحديث. انتهت المعركة ورجعت منها مهزوماً مَحطوماً، لأنها المعركة التي لا يمكن أن ينتصر فيها أحد من البشر؛ هي معركة الحياة والموت. وبدأت معركة أخرى ينتصر فيها مَن أقدم وثبَتَ ويندحر من توانى وهرب، معركة العقل و «التقاليد»، بيني وبين عمّتي التي هي أكبر من أبي، والتي لم أكُن أحبّ أحداً بعد أمي مثل حبها ولم يكن لأحد فضل عليّ في طفولتي (بعد أمي) مثل فضلها، وبين خالتي التي كانت الأم الثانية لأمي. وكانت المعركة على ترتيبات المأتم، أي على هذه العادات التي ابتدعها الناس فتنكّبوا فيها جادة العقل وخالفوا فيها عن أمر الشرع، وجعلوا من الموت الذي هو الموعظة الكبرى تقاليدَ حمقاء ما فيها إلا الإنفاق والنفاق والكثير من الإرهاق. جعلوا للرجال «الصّباحِيّة»، وهي أن تُصَفّ الكراسي في غرف الدار كلها، وربما ضمّوا إليها بعض الغرف من منازل

стр. 524

الجيران إن كان الميت عظيمَ الشأن كثير الإخوان، لا الإخوان الذين يأتون للعزاء حقيقة يستشعرون الحزن ويشاركون في المصاب، فهؤلاء أقلّ من القليل، وما يحتاج هؤلاء إلى «ترتيبات» ولا إلى كراسي تُصَفّ ولا إلى غرف تُستعار، بل الذين يأتون رغبة أو رهبة، يجيئون يبتغون تسليف يد يطالبون يوماً بردّ مثلها أو حظوة يأملون الإفادة منها، لا حظوة عند الميت بل عند من بقي من أولاده وذويه، فإن لم يكن له ولد أو قريب يرجُى خيره أو يُخشى ضُرّه لم يأتِ منهم أحد. أما الصباحيّة فتبدأ من بعد المغرب، وإنما سُمّيت صباحية لأنها كانت في المقبرة صبيحة الدفن يخرجون إليها بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، ثم صارت في المسجد بين العشاءين، يجلسون يقرؤون القرآن من «الربعة»، وهي أجزاء القرآن كل جزء في مجلدة لطيفة، كل يقرأ وحده، فإذا انتهوا دعا واحد منهم للميت وللمسلمين وأمّنوا. وكانوا يديرون كؤوس الماء المحلّى بالسكر. ثم صارت في البيوت، يأتون بقارئ يقرأ القرآن فلا يُصغي إليه أحد ولا يتدبّر ما يتلو أحد. هو يقرأ والمعزّون يدخلون ويخرجون، وأصحاب المأتم يقومون ويقعدون، يودّعون ويستقبلون، ويدورون عليهم بالقهوة المرّة كأنهم في مقهى لا في مأتم. لا يختارون من القرّاء أعلمَهم بأحكام التجويد وأعرفَهم بمخارج الحروف وبمواضع الوقف، بل مَن كان أحلى صوتاً وأقدر على التصرّف بالأنغام وأدرى بمحطّ الألحان، وبلغ بهم الأمر (وهذا كله في الشام) أن جعلوا للقرّاء نقابة كنقابات الأطباء والمهندسين والسبّاكين والسوّاقين، ثم صنّفوا القرّاء أصنافاً ثلاثة

стр. 525

وحدّدوا لكل منها أجر قراءته كما تُحدّد أجور العمّال وأسعار الفاكهة والخضر (١). وأنا لم أحضر في عمري كله إلا مآتم معدودة، كما لم أحضر إلا موالد معدودة. وما حضرته منها لم أخرج منه إلا وقد أغضبت أهله لأني لا أسكت عن منكر، والناس يغضبون على من يُنكِر عليهم ما هم فيه. سمعت مرة في مأتم لكبير من أسرتنا اضطُررت إلى حضوره قارئاً يَلْحَن، فنبّهتُه بلطف وكنت قريباً منه، فعاد إلى اللحن فعدت إلى التنبيه، فلما كثر ذلك منه ومني قال: أنا من صنف المئة، أفتدفعون مئة ليرة في الليلة وتريدون من يقرأ لكم مثل الشيخ محمد رِفعة؟! وكنت مرة في مولد مع شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، فقام منشد حسن الصوت مطرب الأداء يغني أغنية غزلية مشهورة من الغزل المكشوف، فلما انتهى منها قال: اللهم صلّ وسلم وبارك عليه ... جعلها في رسول الله. وكان الحاضرون مئات، فصرخت به: اخرس! أتجعل غزَلاً في غلام مدحاً لسيد الأنام؟ وفسد «المولد». وكانت «الصباحية» تبدأ بعد صلاة العشاء، فمات مرّة أحد الوجهاء وكانت أيام اضطرابات منع فيها الفرنسيون التجوّل في الليل، فجعلوها بعد المغرب. وكذلك تتبدّل العادات، بحادثة من الحوادث أو بإقدام كبير يُقتدى به على تغييرها فيقلّده غيره، فتتبدّل العادة. فلا تقنطوا من تبديل سيّئ العادات. أمّا النساء فكان لهنّ «العَصْريّة»، وهي أبعد عن الشرع

стр. 526

وأحفل بالمخالفات من صباحية الرجال. يجتمع النساء من أهل الميت، القريبات منه يلبسن السواد ومن كانت أبعد اكتفت بالألوان القاتمة. ولا يجيز ذلك الدينُ إلا للزوجة. وتُصَفّ الكراسي حتى تملأ المكان، يقعدن عليها على ترتيب قرب الواحدة من الميت (أو الميتة)، وربما وقع النزاع والقتال أحياناً على الكرسي الواحد، ينسين الفجيعة وتقول الواحدة: لماذا تقعد فلانة فوقي وأنا للميت كذا وكذا؟ تبيّن قرابتها منه. والتي لا تُدعى من القريبات تغضب. هذا كله «وراء الكواليس»! ويتركن كرسيين أو ثلاثة فقط للمعزّيات، ثم «يُرفَع الستار» وتضع كل واحدة منهن من مظاهر الحزن على وجهها بمقدار قرابتها من الميت، ومنهن من تمسك بالمنديل تعصر عينيها وتمسح دمعها الذي لم تنزل منه قطرة. ويبدأ «التمثيل»، فتدخل المعزّيات مَثنى مَثنى أو ثُلاث ثُلاث، يدخلن صامتات ويخرجن صامتات، لا سلام ولا كلام، يجلسن دقائق معدودة لكنها تكفي «لأداء الدور». وأهل الميت يلاحظن بأطراف العيون، حتى إذا انتهت «الرواية» بدأن بانتقاد فلانة كيف دخلت وعِلاّنة كيف قعدت والثالثة ما أدري ماذا فعلت ... والمعزّيات إذا خرجن شرعن في انتقاد النساء من أهل الميت واحدة واحدة. ثم إذا كان ثالث ثلاثة لموت الميت كانت مراسم أخرى، ويوم الخميس الأول، ويوم الأربعين، ثم «السّنَوية»، ثم ما قال الشاعر: إلى الحَولِ ثمّ اسمُ السلامِ عليكُما ... ومَن يبكِ حَولاً كاملاً فقدِ اعتذرْ

стр. 527

هذا ما كانت تريده مني عمّتي وخالتي. أفئن فقدت أمي فهل أفقد معها ديني وعقلي ورجولتي؟ لا. وقلت لخالتي وعمّتي: لا! إن من العلماء من كان يواجِه بكلمة الحقّ الملوك والأمراء ويصبر على مايلقى منهم من ضروب الإيذاء، وهذا صعب، ولكن أصعب منه أن تجابه بها العوام، وأصعب منهما أن تصرف النساء عمّا توجبه العادات، لا سيما إن كان لهن عليك حقّ القرابة وفضل السنّ. وقد عرفتم ممّا سبق شدة خالتي وصرامتها، وستعرفون ممّا يأتي لسان عمّتي وفصاحتها ومحفوظها من الأمثال ومن بليغ التقريع. ولكني مع ذلك قلتها. قلت: لا. وبدأت المعزوفة المعروفة، «مونولوج» له أول وليس له آخر من نوع «الهارموني»: خالتي بصوتها الواطي الثخين (الكونترالتو)، وعمّتي بالصوت العالي الثاقب (السوبرانو)، تصرخان معاً: ما يصير أبداً، هذا شيء ما يصير! أمك ما كانت رخيصة. هل هي أقلّ من فلانة وفلانة؟ لقد عُمل لهما عزاء تحدّث به الناس. أفتبخل عليها بمثله؟ ماذا يقول عنها الناس؟ أنت شابّ لا تعرف هذه الأمور. وقالت عمّتي: استحِ أنا أكبر من أبيك. وقالت خالتي: أنا أرضعت أمك. وحسبتا أن هذا يخيفني، ولكني لم أخَفْ. أنا من صغري إلى اليوم لا أبالي بعادات الناس إن لم يقبلها عقلي ولم يوجبها عليّ ديني، ولا أجعل رأي الناس فيّ دستور سلوكي. أتساءل الآن: ما الذي دفعني إلى هذا الموقف؟ لقد حاسبت

стр. 528

نفسي عليه ألف مرة وكل مرة أجدني على صواب، وأنا أفكر فيه الآن بعد بضع وخمسين سنة فأرى أني لم أندم عليه. كان حزني على أمي أكبر من حزنهما، ولكني كنت أنظر بعينها أحاول أن أفكّر تفكيرها. هل كانت ترضى لي أن أوافق عمّتي وخالتي وأن أُرضي الناس على حساب أولادها؟ أن أجدّد لهم الأحزان كل ساعة؟ أن أذكّرهم المصاب كلما أوشكوا أن ينسوه أو يَسلوه؟ ماذا ينفعني رضا الناس وماذا يضرّني سخطهم؟ لقد فعلت ما لم يفعله (فيما أعلم) أحدٌ قبلي وما سمعت اليوم أنه فعله أحد بعدي. وقفت منهما موقف حزم لم تكونا تستطيعان ولا مئة من أمثالهما زحزحتي عنه أصبعاً، فكّرت وقرّرت وأسمعتهما أعجب قرار. قلت لهما: أنا مضطرّ أن آخذ إخوتي وأن أغلق باب الدار بالمفتاح وأحمل المفتاح معي، ونلتقي فيما بعد. تصوّروا الذي كان معي. لقد صرختا وولولتا وجمعتا عليّ الجيران، ولكن كل هذا «كلام»، فما هو «الفعل» الذي تقدران عليه؟ صفر؛ لا شيء. إنه مثل موقفنا مع اليهود وغير اليهود: «أوسَعتُهُ شَتماً وأَوْدى بالإبِلْ». وأخرجتهما من الدار وأخذت إخوتي وأغلقت الباب وحملت معي المفتاح. فيا ربِّ عفوك فأنت تعلم كيف كانت حالي وماذا كان مقصدي، ويا أمي سامحيني، فما فعلت هذا إلاّ رأفة بأولادك وحباً بهم وخوفاً عليهم. لم أستطع أن أجعلهم يتجرعون الآلام قطرة قطرة ليقول الناس إننا أدّينا «مراسم الحزن». لم أقدر أن

стр. 529

أمزّق قلوبهم لأرقّع بها الخروق بيننا وبين الناس. لقد كان قلبي منصدعاً ولكن عقلي كان سليماً، تحملت ألمي لأجنّب إخوتي (ما استطعت) حمل الألم. كان عليّ أن أُنسِيَهم بالسفر ما أصابهم، ولكن إلى أين أسافر بهم؟ ما كان معي ما أسافر به إلى بيروت فكيف بالبلد البعيد؟ فأخذتهم إلى قرية من قرى الوادي، وما نمت حتى تلقّيت طعنة مفاجئة من خنجر حاد، حين أقبلنا نفرش الفرش لننام فسألني أخي الصغير سعيد: وأين ستنام أمي؟ إلى هنا ودعوني أطوي (١) صحف هذه القصة (وإن كانت مرارة ذكراها سيبقى مطوياً عليها القلبُ إلى أن أموت) وأقلب الصفحة من كتاب الذكريات الذي لم أكتب منه شيئاً قبل الآن إلا صوراً وأفكاراً جاءت منثورة في بعض ما كُتب بعد ذلك اليوم. * * * أستأنف صفحة جديدة من هذه «الذكريات» التي صار لها قراء، ولهؤلاء القراء آراء تأتيني فيما يتفضلون بإرساله إليّ من رسائل، في بعضها ثناء وفي بعضٍ نقد، ومنها ما فيه استيضاح واستفهام. ورسالة جاءتني تشهد لصاحبها بأنه من بلغاء السفهاء ومن أكابر أهل الهجاء، ألقى هذه الأقذار كلها أمام بابي لأني تردّدتُ أن أترحّم على عارف النكدي لأنه درزي. وثلاث رسائل من رجلين وامرأة فيها تعليق على ما شكوته من أخي. وكان خيراً لي ألاّ أشكو إلاّ إلى الله. وأنا أشكر لهم

стр. 530

عاطفتهم واهتمامهم، ولكن الأمر ليس كما ظنوا، وهو أبعد الناس عن ظنهم هذا. إنه أصلح مني مئة مرة وأحرص على العبادة، ثم إنه -على زهده وعبادته- ذكي واسع الاطّلاع، شهادته الجامعية في الفيزياء وكان من أقدر مدرّسيها في الشام. وهو داعٍ إلى الله على إلمام تامّ بعلوم الإسلام والتاريخ والأخبار، وهو كاتب مؤلّف يُحسن نَظْمَ الشعر، قَلّ مَن له مثل ثقافته. ولئن أساء إليّ فما كنت لأسيء أنا إلى نفسي فأظلمه وأبخسه حقه، ولعل له عند نفسه عذراً فيما فعله بي، فما كان ليُقدِم على محرّم إلا بتأويل. ولكن التأويل يُخطئ ويصيب، سامحه الله وغفر لي أن شكوته للناس (١).
следующие страницы →