وأحفل بالمخالفات من صباحية الرجال. يجتمع النساء من أهل الميت، القريبات منه يلبسن السواد ومن كانت أبعد اكتفت بالألوان القاتمة. ولا يجيز ذلك الدينُ إلا للزوجة. وتُصَفّ الكراسي حتى تملأ المكان، يقعدن عليها على ترتيب قرب الواحدة من الميت (أو الميتة)، وربما وقع النزاع والقتال أحياناً على الكرسي الواحد، ينسين الفجيعة وتقول الواحدة: لماذا تقعد فلانة فوقي وأنا للميت كذا وكذا؟ تبيّن قرابتها منه. والتي لا تُدعى من القريبات تغضب. هذا كله «وراء الكواليس»! ويتركن كرسيين أو ثلاثة فقط للمعزّيات، ثم «يُرفَع الستار» وتضع كل واحدة منهن من مظاهر الحزن على وجهها بمقدار قرابتها من الميت، ومنهن من تمسك بالمنديل تعصر عينيها وتمسح دمعها الذي لم تنزل منه قطرة. ويبدأ «التمثيل»، فتدخل المعزّيات مَثنى مَثنى أو ثُلاث ثُلاث، يدخلن صامتات ويخرجن صامتات، لا سلام ولا كلام، يجلسن دقائق معدودة لكنها تكفي «لأداء الدور». وأهل الميت يلاحظن بأطراف العيون، حتى إذا انتهت «الرواية» بدأن بانتقاد فلانة كيف دخلت وعِلاّنة كيف قعدت والثالثة ما أدري ماذا فعلت ... والمعزّيات إذا خرجن شرعن في انتقاد النساء من أهل الميت واحدة واحدة.
ثم إذا كان ثالث ثلاثة لموت الميت كانت مراسم أخرى، ويوم الخميس الأول، ويوم الأربعين، ثم «السّنَوية»، ثم ما قال الشاعر:
إلى الحَولِ ثمّ اسمُ السلامِ عليكُما ... ومَن يبكِ حَولاً كاملاً فقدِ اعتذرْ
стр. 527
هذا ما كانت تريده مني عمّتي وخالتي. أفئن فقدت أمي فهل أفقد معها ديني وعقلي ورجولتي؟ لا. وقلت لخالتي وعمّتي: لا!
إن من العلماء من كان يواجِه بكلمة الحقّ الملوك والأمراء ويصبر على مايلقى منهم من ضروب الإيذاء، وهذا صعب، ولكن أصعب منه أن تجابه بها العوام، وأصعب منهما أن تصرف النساء عمّا توجبه العادات، لا سيما إن كان لهن عليك حقّ القرابة وفضل السنّ. وقد عرفتم ممّا سبق شدة خالتي وصرامتها، وستعرفون ممّا يأتي لسان عمّتي وفصاحتها ومحفوظها من الأمثال ومن بليغ التقريع. ولكني مع ذلك قلتها. قلت: لا.
وبدأت المعزوفة المعروفة، «مونولوج» له أول وليس له آخر من نوع «الهارموني»: خالتي بصوتها الواطي الثخين (الكونترالتو)، وعمّتي بالصوت العالي الثاقب (السوبرانو)، تصرخان معاً: ما يصير أبداً، هذا شيء ما يصير! أمك ما كانت رخيصة. هل هي أقلّ من فلانة وفلانة؟ لقد عُمل لهما عزاء تحدّث به الناس. أفتبخل عليها بمثله؟ ماذا يقول عنها الناس؟ أنت شابّ لا تعرف هذه الأمور. وقالت عمّتي: استحِ أنا أكبر من أبيك. وقالت خالتي: أنا أرضعت أمك.
وحسبتا أن هذا يخيفني، ولكني لم أخَفْ. أنا من صغري إلى اليوم لا أبالي بعادات الناس إن لم يقبلها عقلي ولم يوجبها عليّ ديني، ولا أجعل رأي الناس فيّ دستور سلوكي.
أتساءل الآن: ما الذي دفعني إلى هذا الموقف؟ لقد حاسبت
стр. 528
نفسي عليه ألف مرة وكل مرة أجدني على صواب، وأنا أفكر فيه الآن بعد بضع وخمسين سنة فأرى أني لم أندم عليه. كان حزني على أمي أكبر من حزنهما، ولكني كنت أنظر بعينها أحاول أن أفكّر تفكيرها. هل كانت ترضى لي أن أوافق عمّتي وخالتي وأن أُرضي الناس على حساب أولادها؟ أن أجدّد لهم الأحزان كل ساعة؟ أن أذكّرهم المصاب كلما أوشكوا أن ينسوه أو يَسلوه؟ ماذا ينفعني رضا الناس وماذا يضرّني سخطهم؟
لقد فعلت ما لم يفعله (فيما أعلم) أحدٌ قبلي وما سمعت اليوم أنه فعله أحد بعدي. وقفت منهما موقف حزم لم تكونا تستطيعان ولا مئة من أمثالهما زحزحتي عنه أصبعاً، فكّرت وقرّرت وأسمعتهما أعجب قرار. قلت لهما: أنا مضطرّ أن آخذ إخوتي وأن أغلق باب الدار بالمفتاح وأحمل المفتاح معي، ونلتقي فيما بعد.
تصوّروا الذي كان معي. لقد صرختا وولولتا وجمعتا عليّ الجيران، ولكن كل هذا «كلام»، فما هو «الفعل» الذي تقدران عليه؟ صفر؛ لا شيء. إنه مثل موقفنا مع اليهود وغير اليهود: «أوسَعتُهُ شَتماً وأَوْدى بالإبِلْ». وأخرجتهما من الدار وأخذت إخوتي وأغلقت الباب وحملت معي المفتاح.
فيا ربِّ عفوك فأنت تعلم كيف كانت حالي وماذا كان مقصدي، ويا أمي سامحيني، فما فعلت هذا إلاّ رأفة بأولادك وحباً بهم وخوفاً عليهم. لم أستطع أن أجعلهم يتجرعون الآلام قطرة قطرة ليقول الناس إننا أدّينا «مراسم الحزن». لم أقدر أن
стр. 529
أمزّق قلوبهم لأرقّع بها الخروق بيننا وبين الناس. لقد كان قلبي منصدعاً ولكن عقلي كان سليماً، تحملت ألمي لأجنّب إخوتي (ما استطعت) حمل الألم. كان عليّ أن أُنسِيَهم بالسفر ما أصابهم، ولكن إلى أين أسافر بهم؟ ما كان معي ما أسافر به إلى بيروت فكيف بالبلد البعيد؟ فأخذتهم إلى قرية من قرى الوادي، وما نمت حتى تلقّيت طعنة مفاجئة من خنجر حاد، حين أقبلنا نفرش الفرش لننام فسألني أخي الصغير سعيد: وأين ستنام أمي؟
إلى هنا ودعوني أطوي (١) صحف هذه القصة (وإن كانت مرارة ذكراها سيبقى مطوياً عليها القلبُ إلى أن أموت) وأقلب الصفحة من كتاب الذكريات الذي لم أكتب منه شيئاً قبل الآن إلا صوراً وأفكاراً جاءت منثورة في بعض ما كُتب بعد ذلك اليوم.
* * *
أستأنف صفحة جديدة من هذه «الذكريات» التي صار لها قراء، ولهؤلاء القراء آراء تأتيني فيما يتفضلون بإرساله إليّ من رسائل، في بعضها ثناء وفي بعضٍ نقد، ومنها ما فيه استيضاح واستفهام. ورسالة جاءتني تشهد لصاحبها بأنه من بلغاء السفهاء ومن أكابر أهل الهجاء، ألقى هذه الأقذار كلها أمام بابي لأني تردّدتُ أن أترحّم على عارف النكدي لأنه درزي.
وثلاث رسائل من رجلين وامرأة فيها تعليق على ما شكوته من أخي. وكان خيراً لي ألاّ أشكو إلاّ إلى الله. وأنا أشكر لهم
стр. 530
عاطفتهم واهتمامهم، ولكن الأمر ليس كما ظنوا، وهو أبعد الناس عن ظنهم هذا. إنه أصلح مني مئة مرة وأحرص على العبادة، ثم إنه -على زهده وعبادته- ذكي واسع الاطّلاع، شهادته الجامعية في الفيزياء وكان من أقدر مدرّسيها في الشام. وهو داعٍ إلى الله على إلمام تامّ بعلوم الإسلام والتاريخ والأخبار، وهو كاتب مؤلّف يُحسن نَظْمَ الشعر، قَلّ مَن له مثل ثقافته. ولئن أساء إليّ فما كنت لأسيء أنا إلى نفسي فأظلمه وأبخسه حقه، ولعل له عند نفسه عذراً فيما فعله بي، فما كان ليُقدِم على محرّم إلا بتأويل. ولكن التأويل يُخطئ ويصيب، سامحه الله وغفر لي أن شكوته للناس (١).
стр. 531
وهذه رسالة من «قارئ». وكان صديقنا الأستاذ الكبير
стр. 532
إسعاف النشاشيبي يكتب بعض مقالاته في الرسالة باسم «قارئ»، ولكن النشاشيبي ذهب مع من ذهب من أئمة العصر ولم يسدّ بعدهم أحدٌ مسدّهم. يقول هذا القارئ في كلام طويل: إنك تتكلم عن دمشق، فكيف زلّت بك القدم أو زلّ القلم فصرت في شارع بغداد، وأين بغداد عن دمشق؟
يا أخي، شارع بغداد الذي تكلمت عنه في دمشق. ألم تسمع أن في بلد شارعاً باسم بلد آخر سمّوه به تكرمة لذلك البلد؟ ومن خبره أن أول شارع فُتح في دمشق شارع جمال باشا، فتحه سنة ١٩١٦ وسمّوه بعد ذلك شارع النصر، والثاني شارع بغداد هذا شقّه الفرنسيون سنة ١٩٢٥. وأنا اذكر فتح الشارعين. كان فتحه أيام الثورة لمقاصد عسكرية لأن حارات دمشق كانت مغلَقة أمام سيارات الجيش لا تستطيع أن تمشي فيها، وبعضها كان مسدوداً، وكان الجند من الفرنسيين يطاردون مجموعة من الثوّار أو من رجال المظاهرة حتى يحصروهم في واحدة منها، ويقفون في مدخلها يقطعون عليهم خط الرجعة ويمنعونهم من الخروج، فإذا أمسى المساء عليهم وهم يراقبونهم أصبحوا فلم يجدوا منهم أحداً ووجدوا الحارة خالية ما فيها أحد. فيقرعون أبواب المنازل يفتّشونها فلا يلقون في المنازل إلا أهلها، فيُجَنّ
стр. 533
جنونهم. وربما جاء أحد الشباب ممّن يعرف لسانهم فأوهمهم أن في الحارة أرواحاً وأشباحاً وجِناً وأنها ربما آذتهم، وكثير منهم يخاف الأشباح والأرواح، فكان الجندي يعصي ضابطه إن أمره بدخول الحارات، يرضى بالعقوبة لأنها أهون عنده من أذى الشبح. وكثير من الأوربيين يخشون الأشباح كما يخاف الجنَّ عمومُ المسلمين.
أما حقيقة الأمر فهي أن من البيوت الكبيرة ما له بابان: باب من هذه الحارة وباب آخر إلى حارة في الحيّ المجاور، وبين البابين عشرة أمتار من داخل الدار، ولكن مَن يدور في الطرق لا يصل إليه إلا بعد سير عشر دقائق. وكثيراً ما يكون الباب الثاني في فجوة أو في وسط غرفة فلا يراه إلا من دقّق وأمعن في التفتيش. منها بيت الشيخ هاشم الخطيب ﵀، له باب من الخَيْضَرية وباب من زقاق البرغل، وبينهما مشياً على الطريق أكثر من نصف كيل. ومثله بيت الشيخ صلاح الدين الزعيم ﵀، له باب على حارة السمّانة وباب من قفا الدور، وبينهما في الطريق أكثر من ذلك. ودعوني أفسّر لكم ما «قفا الدور»؛ إن دور دمشق ومنازلها كانت تنتهي بنهاية السمّانة من هنا، ما بعد ذلك إلا بساتين الشام، وكل بستان منها بمقدار عزبة في مصر، وكان الرجال يتراهنون مَن منهم يقدر أن يمرّ بقفا الدور ليلاً. هذا الذي صار اليوم شوارع وجادّات تتفرع من شارع بغداد تمشي فيها السيارات وتقوم على جانبيها العمارات، تسبح الليل بالأنوار فكأنها منها في نهار.
في سنة ١٩٣١ التي لا أزال أتحدث عنها لم يكن في
стр. 534
الشارع (شارع بغداد) إلا بناء واحد ضخم هو مدرسة اللاييك، أي المدرسة الـ «لادينية»، وكانت ثانوية أربعةُ أخماس طلابها منا نحن المسلمين. وكان الشارع خالياً من العمران، على جانبيه البساتين التي صارت اليوم صناديق من الأسمنت فيها ناس متزاحمون كالسردين في العلب، هذه هي البيوت الجديدة التي قطعنا نصف أشجار الغوطة لنقيمها. وما كان فيها سوى ذلك إلا بيوت قليلة في حارات معدودة، منها حارة الخطيب التي كنا نسكن داراً فيها مساحتها ستون متراً مربعاً، وكان أشهر مكان في الشارع «قهوة ديب الشيخ».
وما هي قهوة كالمقاهي (١) ولا هو مثل أصحاب القهوات. ديب الشيخ (أبو عبده) مرّ بكم ذكره عند الكلام على الثورة السورية، واحد من أعلام «الزكرتيّة». والزكرتي في الشام مثل «الفارس» في أوربا في القرون الوسطى. أمَا قرأتم قصة «الفرسان الثلاثة» لإسكندر دوماس (٢) (مع انهم أربعة لا ثلاثة) والصورة «الكاريكاتورية» للفارس في «دون كيشوت»؟
كان في كل حارة واحد أو جماعة منهم، إذا استجار بهم الضعيف أجاروه، وإن استنصرهم المظلوم نصروه، يحمون نساء الحارة كما يحمون نساءهم، يغارون على أعراض أهلها غيرتهم على أعراضهم، أكثرهم له دكّان يبيع فيه أو مركز يركز
стр. 535
فيه. يُشرِف من بعيد على بيوت الحارة، فإن رأى فيها غريباً سأله ماذا يريد، فإن كان آتياً لمصلحة مشروعة دلّه وساعده، وإن كان سيّئ المقصد نصحه ثم زجره، ثم أدّبه تأديباً يحرّم عليه أن يعود. وكانت لكبارهم كُنى عادية، فديب الشيخ مثلاً كنيته «أبوعبده»، فمَن ناداه أو خاطبه قال له: عمّي أبو عبده. ولمن هم دون الكبار كُنى ضخمة: أبو صيّاح، أبو عَجاج، أبو دعّاس، أبو سطّام، أبو كعّود، أبو كاسم ... وقد رأيتم في الرائي هنا في المسلسلات الشامية ثلاثة نماذج: «أبو عنتر» بشعره الطويل وكمّه القصير وكمّته (أي طاقيته) المائلة وعدوانه على الناس، هذا نموذج الزكرتي الأزعر أو مدّعي الزكرتية. و «أبو صياح»، وهو مثال الزكرتي العادي. وظهر مرة واحد كنيته في المسلسلة «أبوحديد»، بطربوشه وردائه الطويل ورزانته وهدوئه، مع شجاعته ومضائه، هذا هو نموذج الزكرتي الأصيل.
أما البستان الذي وُضعت القهوة في مدخله فهو قطعة من الغوطة "التي تضمّ دمشق بين ذراعيها كالأم التي تسهر ليلها كله تحرس وليدها، تُصغي إلى وشوشة السواقي الهائمة في مَرابع الفتنة وحديث الجداول المنتشية برحيق بردى، الراكضة أبداً نحو مطلع الشمس تخوض الليل إليها لتسبقها في طلوعها، وهمس «الزيتون» الشيخ الذي شيّبته أحداث الدهر فطفق يفكّر فيما رأى في حياته الطويلة وما سمع ويتلو على نفسه نتاج حكمته، وتصفيق الحور الطروب لغناء الطيور على الأغصان، ألهاه عبث الشباب عن التفكّر والتأمل فقضى العمر مائساً عجباً وتيهاً، مائلاً على أكتاف السواقي خاطراً على جنبات المسارب، يغازل الغيد
стр. 536
الحسان من بنات المشمش والرمان، يميّله إليها الهوى والهواء، يريد في الربيع أن يقطف زهرة من خدّها أو ثمرة من ثغرها، ثم يرتدّ عنها يخاف أن تلمحه عيون الجوز الشواخص. والجوز ملك الغوطة بجلاله وكبريائه، جلال ملك تحت تاجه وعاهل فوق عرشه (١).
وكانت القهوة مجلساً لشيوخ الحيّ يجلسون فيه، يتحدثون ويسمرون، فإذا حلّ وقت الصلاة كان فيها (كما كان في المقاهي الكبار في شارع بغداد) مَن يؤذّن ومن يؤمّ الناس، وقد يجتمع وراء الإمام في مقهى اللونابارك وفي المقهى الذي يقابله والذي نسيت اسمه مئتان وأكثر من المصلّين. وكان أبو عبده ﵀ يسمح لنا أن نعقد اجتماعاتنا (أي اجتماعات لجان الطلاّب التي كنت رئيسها) في قهوته، نُلقي الخطب ونرسم الخطط، ونعد الإضرابات ونهيّئ المظاهرات. وكنا مرة في أحد هذه الاجتماعات فجاءت «الكَبْسة» (٢) تفاجئنا. وكان يقودها رقيب في الشرطة (أو صاحب رتبة قريبة منها) هو أبو عَجاج الخطيب، فأخّر مَن معه وعجّل إليّ فناداني: علي أفندي، علي أفندي. قلت: ماذا تريد؟ فأشار إليّ ألاّ أرفع صوتي وأن أسرع إليه، فأسرّ إليّ قائلاً: جئتكم على رغمي ولم يكن لديّ وقت لأنذركم، فتفرّقوا واجلسوا هادئين، وإذا شتمتُ أو أغلظت القول فلا «تَزعلوا». أنا معكم كما تعرفون ولكني مأمور.
стр. 537
وكان أتْباعه قد دنوا منا، فصاح: ممنوع، ممنوع كلمة واحدة وإلا قبضت عليكم جميعاً. كل واحد يذهب إلى بيته. آخر كلمة: هل تتفرّقون أو ... هه.
فتفرقنا، وعاد بمن معه فعدنا نحن إلى ما كنا فيه. ولهذا الرجل قصة طريفة أرويها لكم لعلّي أنفّس بها عنكم بعدما حَمّلتكم قصص المآسي والأحزان، ولكن طال المقال، فإلى المرّة القادمة إن شاء الله.
* * *
стр. 538
-٥٠ -
من ذكريات سنة ١٩٣١
المدرسة الصيفية ومجلة البعث
وقفت في آخر الحلقة السابقة عند الحادثة التي وقعت لأبي عَجاج. أرويها لأني وعدت بروايتها، ولأني أرجو أن أرسم بها الابتسامة على شفاهكم بعد أن وضعت بقصّة أمي الحزن في قلوبكم والدمع في عيونكم. وقد قال لي ناس: إن كتابتك عن أمك فيها صنعة، والمحزون لا يشتغل ببلاغة القول ولا يتحدث عن حارات الشام وألوان الطعام فيها. وجوابي أني أكتب عن الحادثة بعد بضع وخمسين سنة، ولو كتبت عنها في يومها لما جاء الكلام كما قرأتم، بل لما استطعت أن أكتب أبداً. أما رأيتم أني لمّا حاولت الكتابة عن الحادث الجديد، حادث بنتي، لم أستطع؟ ثم إن الأديب لا ينسى صناعته مهما تألّم. هذا رثاء الخنساء أخاها صخراً ومتمم بن نُوَيرة أخاه مالكاً. وأبو ذؤيب وبشار وابن الرومي والتهامي لمّا رثوا أولادهم، وجرير والطّغرائي والبارودي وأباظة لمّا رثوا زوجاتهم ... هل نسي واحد منهم أسلوبه في التعبير وفنّه في القول، إلاّ أن ينسى نفسه وينكر طبعه؟ ومتى وصف العامّي مشاعر نفسه مثلما يصف مشاعرَه الأديب؟ فَلِمَ لا يكون الصدق
стр. 539
فيما يسميه هؤلاء صنعة؟ ولِمَ لا تكون استطراداتي وكلامي عن حارات الشام وألوان الطعام فيها دليلاً على ألمي؟ من كان في رجله دُمّل عليه أن يفقأه يمدّ يده إليه، ولكن تصوّر الألم والخوف منه يبعدها عنه فهو يدلّك الجلد حوله ويتجنب الضغط عليه.
وهاكم قصة أبي عجاج. وما هي بقصة ذات بال وما أبوعجاج بالمشهور بين الرجال، إنه واحد من أبناء هذا الشعب الطيّب، النقيّ الفطرة الصافي القلب، الذي لا يقول إلا ما يعتقد أنه الصدق ولا يفعل إلا ما يرى أنه الحقّ؛ لذلك يصدّق الناسَ إذا قالوا، وإنْ وثق بشيخ يدعو إلى الله أو زعيم يُخلِص في خدمة الوطن أطاعه وانقاد إليه وأعانه. إذا وعد وفى ولو على ذهاب روحه، وإن ظُلِم ثار ولو بذهاب روحه. هذه هي الصفات الأصيلة لأبناء هذا الشعب.
فلما قامت «نهضة المشايخ» أسرع أبو عجاج إليها ولزم أحد شيخَيها، وهو ابن عمّه الشيخ هاشم الخطيب، فواظب على حضور دروسه وسماع مواعظه، وهجر أصحابه من جماعة الزكرتية وصحب طلبة العلم واتخذ زِيّهم، وأعفى لحيته وبالغ فيها حتى صارت من أعظم اللحى. وكان قصيراً عريض المنكبين والصدر، فزاد ذلك لحيته عظماً في عين رائيها. واتخذ لنفسه دكاناً في «النّوفرة» تحت درَج الباب الشرقي للأموي، فضاق بنفقته موردُ الدكّان وأشرف على الإفلاس، وكانت له صلة بالأستاذ شاكر الحنبلي هي فوق المعرفة العارضة ودون الصداقة الأكيدة، فذهب إليه (وكان وزير الداخلية) فقال له: أريد وظيفة. قال: يا أباعجاج، أي وظيفة أعطيك وأنت لا تحمل شهادة؟ قال:
стр. 540
اجعلني شرطياً. فضحك الوزير وقال: شرطي له لحية تغطّي صدره وتبلغ سرّته؟ قال: يا سيدي أحلقها. قال: عندما تحلقها تعالَ.
فذهب أبو عجاج إلى حلاّق بجوار دكّانه وقال له: أترى هذه اللحية؟ احلقها بالموسى. فظنّه الحلاّق مازحاً، فلما رأى منه الجدّ فزع وخاف أن يحلقها له فيندم عليها ويبطش به، فخرج فنادى الجيران وجمع عليه طائفة من الناس وقال: اشهدوا، أبوعجاج يريد أن أحلق له لحيته وأخاف أن يندم فيرجع عليّ. قال أبو عجاج: نعم، اشهدوا أني أفعل ذلك مريداً مختاراً وأنه غير مسؤول عن شيء. فحلقها له، فبَرَمَ شاربَيه (١) ولبس بذلة، وذهب إلى شاكر بك فلم يعرفه. فقال له: محسوبك أبو عجاج. فقال له الوزير: ما هذا يا أبا عجاج؟ ماذا صنعت بلحيتك؟ قال: سيدي، حلقتها مثلما أمرت من أجل الوظيفة. قال: أي وظيفة؟ قال: وظيفة الشرطي التي وعدتَني بها، أنسيت؟ قال: ولكن عليك أن تنتظر حتى تصدر الموازنة بعد شهرين. قال: بعد شهرين؟!
وغلى الدم في عروقه، فذهب فأغلق باب الغرفة من الداخل بالمفتاح وقال له: (شوف) شاكر بك، أنت صاحبي ولكنك قتلتني حين أمرتني بأن أحلق لحيتي من أجل الوظيفة، ثم جئت تتهرّب من وعدك! إنك تعرفني تماماً، والله أشرط بطنك بسكّين في ليلة ما فيها ضوء قمر، وخلِّ وزارتك وعساكرك يخلصونك مني.
فأراد أن يمدّ يده إلى الجرس ليستدعي الشرطة، فقال له: يَدَك عن الجرس، وصلَت المسألة إلى حدها، وأنت الجاني على
стр. 541
نفسك وأهلك لأنك وعدت وأخلفت، فإما أن توقّع الآن قرار التعيين وآخذه معي وإما أن تنتظر قدرَك.
ولم يخرج إلاّ ومعه قرار تعيينه شرطياً. ثم تدرّج حتى صار عريفاً فرقيباً أو ما لست أدري ماذا. وأشهد أنه كان شرطياً مخلصاً لعمله قائماً به، ولكنه بقي مخلصاً لدينه ولبلده ولأهله. عمل تحت حكم الفرنسيين كما عمل آلاف الموظفين، لكنه ما والاهم ولا أعانهم على قومه ولا خالف من أجلهم أحكام دينه. لكنْ لا تظنوا أن هذه الواقعة هي القاعدة، لا، بل هي الشذوذ؛ فلم تكُن البلاد فوضى تؤخَذ فيها الوظائف بالتهديد، ولا كان هذا الرجل (أبو عجاج) مجرماً، ولا كان الوزير (شاكر بك) ضعيفاً. ولكنه أخطأ إذ وعد قبل أن يتوثّق من مقدرته على الإنجاز، وأبو عجاج وصل إلى حافة اليأس، واليائس المستميت يفعل كل شيء، فقد كان يعيش وسط مشايخ وكانوا يعرفونه باللحية العريضة والزيّ العلمي، فكيف يخرج عليهم بالوجه الحليق الأملس واللباس الإفرنجي؟ ألا يحسبونه قد فسق أو جُنّ؟ ألا يزدرونه ويَحْقِرونه؟ ألا يلحقه الصبيان يهتفون به ويسخرون منه؟ وقديماً قالوا: سَلّط مجنوناً على العقلاء يغلبْهم وسَلّط الصبيان على المجنون يغلبوه. وأبو الشّمَقْمَق استطاع بهجائه (السخيف) أن يخيف بشار بن برد الذي تجزع من هجائه الشجعان لمّا جعل هجاءه في أفواه الصبيان. ثم إن الرجل مستحق قانوناً لوظيفة الشرطي والوزير يملك منحها.
* * *
стр. 542
لا أزال في سنة ١٩٣١، وهي في حياتي سنة حافلة بالأحداث، بالمسرّات وبالآلام. من هذه الأحداث ما هو خاصّ بي ومنها ما يُعَدّ من أحداث البلد. ممّا كان في تلك السنة الجراد، والذين يقرؤون هذه الحلقة لا يعرفون من الجراد إلا ما يدرسونه عنه في «علم الحيوان» مع ما يدرسون من «علم الحشرات»: معلومات يُودِعونها رؤوسهم إلى يوم الامتحان، فإذا جاء استخرجوا هذه الودائع فوضعوها في الأوراق، فإذا نجحوا فعل أكثرهم بها ما يفعلون بسائر الدروس، يهملونها ثم ينسونها. أما نحن فكان لكلمة الجراد عندنا معنى آخر، فكانوا يقولون: «جراد وأكراد والله أراد». لا يعنون بالأكراد هذا الشعب المسلم الكريم الذي أخرج صلاح الدين والملوكَ الكبار من بني أيوب، معاذ الله، بل ما سرى على الألسنة من قديم ظلماً وافتراءً من تسمية قُطّاع الطرق بالأكراد. وفي الأكراد (كما يكون في العرب والترك والفرس وكل أمة من الأمم) الصالح والطالح والطائع والعاصي، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
ولما كان عمر الزعني في لبنان ينظم في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن تلك الأهازيج التي كانت تسير في الناس سير النسيم، تنعش النفوس، وكان يلحنها تلحيناً سهلاً عجيباً يحفظه سامعه من مرة، وقلده في الشام سلامة الأغواني، كان فيها هزج (طقطوقة) عن «الجراد»، ويعني بالجراد الفرنسيين. وياليت أحد الأدباء أو طلاّب الآداب يجمع هذه الأغاني ويدرسها، فهي فن في ألفاظها وأوزانها وألحانها ومقاصدها، وهي تاريخ اجتماعي صادق لمظاهر الحياة في الشام (أي في
стр. 543
سوريا ولبنان) في تلك الأيام.
كان الجراد يغزو البلاد فلا يدع في السهول ولا في البساتين شيئاً أخضر إلا أتى عليه. ولقد حدّثتكم عن الجراد الذي جاءنا سنة ١٩١٤ قُبيل الحرب الأولى، وكنت في أول طريق الدراسة صغيراً، ولكني أذكر على صغري أن سماء المدرسة ذات الصحن الواسع قد غطتها سحابة منه حجبت عنها نور الشمس، حقيقة لا مجازاً. وكان يتساقط منها علينا مثل المطر، وما هو بالمطر وإنما هو جراد. وكنا بعد ذلك نقرأ في البرقيات التي تنشرها الجرائد أخبار تحرك أسراب الجراد كل سنة أو سنوات. وقد ازدادت الآن وسائل مكافحته وعُرفت مبيدات ترشها الطائرات، لكنا لم نكن نعرف شيئاً منها لمّا جاءنا جراد سنة ١٩٣١، فكنا نحاربه بأيدينا كما يحارب أهل فلسطين المحتلين المجرمين بالحجارة التي لا يملكون غيرها، يقابلون بها أخطر وأمكر الأسلحة التي تفتّقَت عنها أدمغة أبالسة البشر.
وخرج الشباب والطلاّب وجماهير المتطوعين لِجَمْعِه ليلاً على أضواء المشاعل، وكنت -لموضعي من لجنة الطلاّب- على رأس مجموعة كبيرة فيها مئات من طلاّب التجهيز (أي المدرسة الثانوية: مكتب عنبر)، خرجت بها إلى قرية الريحان إلى جانب دوما وجوار مستشفى ابن سينا، أي «دار المجانين» في القُصَير. ولولا لطف الله لتركتني هذه الليلة بين نزلائه.
كيف لا يُجَنّ ويفقد عقله من يُكلَّف مراقبة مئات من الطلاّب فيهم الصغير الغرّ والكبير الذي لا يؤتمَن، وفيهم الوضيء الجميل والماكر السيّئ المقصد، وإلى جوارهم معسكر آخر فيه كبار من
стр. 544
غير الطلاّب، لا سلطان لي عليهم ولا حكم لي فيهم؟ بل أنا لا املك السلطة الكافية على مَن معي من الطلاّب. وكنا كما يكون الناس في كل زمان ومكان، نخشى ما يُسمّى «الشذوذ الجنسي»، وقد نوّمنا الصغار مع الكبار ووضعنا البنزين قرب النار، فكيف لا نأمن الانفجار؟ وكان خطأ أن أخرج مع هؤلاء وأن أتولّى أمرهم. ما لي ولهم؟ لقد أمضيت ليلة لست أنساها؛ ما إن يغلبني النعاس فأضع جنبي لأنام حتى أثب كمن لسعته عقرب، أخاف أن يقع مكروه، فأدور على مضاجع الطلاّب أتفقّدهم، فإذا لم أجد ما يريب عدت أحاول المنام فلا أستطيع، حتى طلع الفجر.
وكان أعداء ديننا يقولون ويعيدون: إن منشأ هذا الشذوذ (أي العمل الشنيع الذي ابتكره قوم لوط ﵇، فسُجّل الاختراع باسمهم ونُسب إليهم)، يقولون بأن سببه حجاب المرأة، ولو وجد الماء طريقه المحفور ما ساح في الحقول، فانزعوا حجاب المرأة تخلصوا من هذا الداء. وكدنا نصدّقهم حتى وجدنا أن هذا الشذوذ في إنكلترا وألمانيا أكثر منه في بلادنا، حتى سنّوا هناك القوانين لإباحته وبارك أساقفتهم هذا القانون! أفمن حجاب النساء الألمانيات والإنكليزيات نشأ عندهم هذا الشذوذ؟! ولماذا لم يَخلصوا منه ونساؤهم مهتوكات الحجاب كاشفات العورات، لا يكاد كثير منهن يردّ يد لامس؟ كلاّ، كذبٌ ما قال أعداء الحجاب وكذبٌ كل ما يقول خصوم الإسلام.
طلع الفجر، وأعدتُهم إلى منازلهم ورجعت إلى داري، ولكن ما عدت إلى مثلها؛ يكفي أن أُجَنّ مرة واحدة.
* * *
стр. 545
ومن أخبار سنة ١٩٣١ أني لما فاض في نفسي النشاط وغاض من كيسي المال، واحتجت أن أسلك كل سبيل شريف من سُبُل العمل وأطرق كلّ باب كريم من أبواب الرزق الحلال، كان ممّا مارست من الأعمال أن جعلت لطلاّب العربية، لغتها وأدبها، دروساً أعلنت عنها بنشرات مطبوعة وفي بعض الصحف، وجعلتها في المدرسة الأمينية بعد انقضاء دروسها وانصراف تلاميذها، أستعمل غرفها ومقاعدها.
تحت يدي الآن إحدى هذه «النشرات» مطبوعة بخطّ أبرع الخطّاطين على ورق صقيل ثقيل، عنوانُها «دروس في الآداب والإنشاء والتطبيق»، والمقصود بالتطبيق -باصطلاح تلك الأيام- الإعراب وبيان وجوه البلاغة. "يُلقِيها علي الطنطاوي (بكالوريوس آداب وفلسفة) لطلاّب البكالوريا وتلاميذ الثانوية بأجور زهيدة جداً: ليرتين من طالب البكالوريا وليرة من تلميذ الثانوية عن الشهر كله. تُدفَع الأجور إلى إدارة المدرسة بعد حضور الطالب ثلاثة دروس للتجرِبة مجّاناً. ويُخصَّص خُمس الواردات لإدارة المدرسة. تبدأ الدروس في ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٣١". وعلى الصفحة الثانية نموذج من موضوعات الشهر الأول، ففي الأدب: الأدب والنقد وتاريخ الأدب، كيف يُدرس التحليل الأدبي، إلخ. وفي الإنشاء: الأفكار واللغة، الأسلوب، المذاهب الإنشائية: المذهب الواقعي، الخيالي، فنّ الوصف، إلخ. وفي التطبيق: قطعة من نهج البلاغة للشريف الرضيّ، شرح غريبها، إعراب مشكلها، بيان وجوه البلاغة فيها.
ولقد أقبل الطلاّب على هذه الدروس إقبالاً زاد على أقصى
стр. 546
ما كنت أرجوه بل وما أتمناه، ولو أن مثله أعلن عنه في أيامنا هذه على شدة الحاجة إليها، فكم ترونه يقبل عليها؟ فلما جاء الصيف وابتدأت العطلة وسّعتُها وسَمّيتُها «المدرسة الصيفية»، وطبعت رسائل (عندي بعضٌ منها) بعثت بها إلى المدارس الثانوية الرسمية والأهلية والنصرانية، فبعضٌ منها قبله مني وشكرني عليه ووزّعها على الطلاّب، وبعضٌ نبذها أو ردّها أو أبادها. وكان نجاحها عظيماً، عادت عليّ وعلى المدرسة بالمال الذي أحتاج إليه، وعلى الطلاّب بالنفع الذي يحتاجون إلى مثله، وكان لها في الناس صدى طيّب وذِكر حسن.
ولم أكن ألقي عليهم النحو قواعدَ جافّة وأوزاناً يحفظونها، ولكن اخترت كتاب «رنّات المثالث والمثاني في روايات الأغاني» (أي أغاني أبي الفرج الأصفهاني، أعظم كتاب في الأدب وهو من أسوئها في الخلق والدين)، فكنت أقرأ الرواية ثم أكلّف طالباً قراءتها قراءة صحيحة، فإن لحن وهو يقرأ نبّهتُه. وكنت في كل درس أُعنى بباب واحد من أبواب النحو، المرفوعات مثلاً أو بعضها: الفاعل أو المبتدأ والخبر، أعرّف الطلاّب به وأشرحه لهم، وأقتصر في تصحيح اللحن (في هذه الساعة) عليه وحده دون غيره.
وجئت بطريقة للإفهام اقتبست أصلها من النحو الفرنسي (الكرامير)، مثالها: "قرأ زيد"، أسأل: مَن الذي (أو ما الذي إذا كان الفاعل غير عاقل) قرأ؟ الجواب: زيد، فيكون «زيد» هو الفاعل. "قرأ زيد الكتاب"، قرأ ماذا؟ الكتابَ، فـ «الكتاب» مفعول به. "قرأ زيد الكتاب مساءً" متى قرأ؟ مساء، فـ «مساء» ظرف
стр. 547
زمان، أي أن فعل القراءة «مفعول فيه»، أي في هذا الزمان، وهو منصوب. "قرأ زيد الكتاب قائماً" فماذا كانت حالته وهو يقرأ؟ قائماً، فكلمة «قائماً» حال. "قرأ زيد الكتاب احتراماً للأستاذ"، لأجل ماذا قرأ؟ احتراماً للأستاذ، فكلمة «احتراماً» مفعول لأجله، أي أنّ فعل القراءة مفعول لأجل الاحترام.
ومشيت على هذا الطريق، فانتقلت من الأسماء الصريحة إلى الضمائر إلى أسماء الشرط، إلخ. ثم يُكلّف الطالب تلخيص الرواية التي قرأها، ثم ننظر في أسلوبها بالمقدار التي يصلح لأمثال هؤلاء الطلاّب. ندرس أغراض الكاتب فنصنّفها، وننظر تسلسل أجزائها وهل وُفّق في عرضها، وهل هي أغراض مبتكرة أم قلّد غيره ممّن سبقه، وهل زاد عليه أو اقتصر على ترديد أفكاره، إلخ. ثم ننظر في كلماتها: صِحّتها وفصاحتها، حسن ائتلافها أو تنافرها، وضوحها أو غموضها وغرابتها. ثم ننظر في الجُمَل: هل هي قصيرة بيّنة أم طويلة معقّدة، هل تقتصر على إيضاح المعنى أم تضمّ إليه الإيقاع الموسيقي الذي يسهّل على اللسان النطقَ بها ويجمّل في الآذان وقعَها، والزينة الكلامية، ومزج الحقيقة بشيء من الخيال من باب الاستعارات وأنواع المجازات، إلخ.
أي أنّني ألقّن الطلاّب العربية على نحو ما كان يتلقاها العربي الأصيل، بالتلقّي والسماع لا بالحفظ والإرجاع، وبذلك تصير له ملَكة لا محفوظات.
ثم وقعت على كتاب فرنسي في الإنشاء لأستاذ اسمه بوسلي (M. Baucely) فيه أربعة وعشرون درساً بين نظري وعملي، يشرح فيها المراحل التي يمرّ بها ذهن الكاتب، وإن كانت تمرّ
стр. 548
في عقله الباطن لا يحسّ غالباً بها، وهي:
(١) تهيئة الأفكار، ومصدرها الملاحظة والمطالعة. وبيّن للطالب كيف يلاحظ وكيف يقرأ.
(٢) تصنيف الأفكار، ووضع خطّة القطعة الأدبية وتصوّر أجزائها.
(٣) التعبير عن الأفكار، واختيار الكلمات، وتأليف الجُمَل.
(٤) خصائص الموضوع، وهو ما نسمّيه «علم المعاني»، أي مطابقة الكلام لما تقتضيه الحال.
لم أترجم الكتاب بل عرّبته؛ أي جعلته عربياً يتبع أساليب العرب ويأخذ الأمثلة والشواهد من بليغ كلام العرب، ونشرته فصولاً لم أجد منها إلا هذه القطعة من الفصل الأول، وليس فيه اسم الجريدة لأني كنت أقتطع الجزء الذي فيه مقالتي، فلم أعُد أعرف أين نشرتُها ولا متى.
وما أكثر الذي ضاع ممّا كتبت!
* * *
وممّا كان سنة ١٩٣١ من أحداث في تاريخ حياتي إصدار مجلة «البعث». وهاكم صورة غلاف العدد الثالث منها (١) مكتوب عليه: مجلة البعث، لبيان محاسن الإسلام والرد على أعدائه ونشر التاريخ الإسلامي والأدب القومي العفيف. أول مجلة إسلامية في دمشق، تُصدِرها أسبوعياً جمعية التهذيب والتعليم. رئيس التحرير أبو الهيثم محمد علي الطنطاوي، المدير المسؤول الدكتور محمد لطفي عزيزيّة.
стр. 549
أصدرتُها وحدي أولاً بعنوان: «البعث، كتاب إسلامي يصدر في أجزاء متتالية». ثم كان الاتفاق مع «جمعية التهذيب والتعليم» على أن تأخذ الرخصة بإصدارها وتنفق عليها وتعيّن لها مديراً مسؤولاً من أعضائها، ويكون لي أمر التحرير كله، وإن ربحَت اقتسمنا الأرباح مناصفة. ولكني لم آخذ شيئاً لأنها ما ربحَت، بل ما استمرّت. اضطُررت أنا لوقفها لأن أعضاء الجمعية وأصدقاءها، وكل من أعان على إصدارها أو شارك في نفقتها، هم وإخوانهم وأصدقاؤهم يريدون أن يصيروا كتّاباً فيها، فرأيت خيراً لي أن أدعها وهي لا تزال تتنفّس تنفّس السقيم من أن أتركها وقد همدت أنفاسها.
وجاء بعد خمس عشرة سنة مَن أخذ اسم المجلة الإسلامية، فجعله اسماً لحزب غير إسلامي.
* * *
стр. 550
-٥١ -
الدعوة إلى العقال
وفي سنة ١٩٣١ أيضاً كانت «قصة العقال». وما أكثر المحاولات التي كانت مني في تلك السنة! إني حين أتذكّرها وأرى ما صرت إليه الآن أعجب من ذلك النشاط ومن هذا الكسل؛ كنت كالفَرَس الذي لا يهدأ، إن لم يَعْدُ به صاحبه إلى غايته عدا إلى غير ما غاية، لا يستطيع أن يستقرّ لأن الحياة التي تتفجّر من كل خلية في جسده تمنعه من الهدوء، فصرت كالحصان العجوز الذي لا ينهض إلا إن مسّته الحياة بعصاها أو جرّته بحبالها، وإن قام قام متثاقلاً. هذه هي الدنيا وهذي سُنّة الله في أهلها، كل جديد يبلى وكل قوي يضعف، ثم إن كل حيّ يموت. على أني لا أزال أقوى جسداً وأتم صحّة وأصحّ فكراً من كل من أعرف من أقراني ممّن هم في مثل سني، فاللهمّ لك الحمد، اللهم أدِم نعمك علينا.
وبعد، فما هي قصة العقال؟
إننا نشأنا على لبس الطرابيش لا يجوز لنا أن نضعها عن رؤوسنا، وإن دخل الواحد منا على أستاذ الصف (أي الفصل) أو
стр. 551
مدير المدرسة أو قابل من يجب عليه توقيره وهو حاسر الرأس، يرتكب ذنباً يستوجب العقوبة أو يستحقّ عليه اللوم. وأحسب أن الطربوش من أسوأ ما يُغطّى به الرأس، فهو لا يحجب الشمس عن العيون في الصيف، ولا يدرأ المطر في الشتاء، وإن أصابه الماء فسد، وإن اختصم اثنان من التلاميذ فضُرب طربوش أحدهما تكسر القش الذي يُبطَّن به، وإن أمسك أحدهما بِطُرّته فقطعها لم يستطع أن يمشي حتى يشتري بدلاً عنها. ثم إنه لا يمكن طيّه، لذلك كنا نتخذ له في السفر علبة يُحفَظ فيها تملأ ربع الحقيبة، وكان يفسده العرق في الحرّ فيرَكب أطرافَه من الوسخ مثلُ الزفت. ولا بد من كيّه، فكان الناس ليلة العيد يزدحمون على الكوّاء مثل ازدحامهم على الحلاّق. والكواء عنده قوالب من النحاس مختلفة الأحجام، يُلبِس الطربوش القالب الذي يناسبه ثم يُلبِس القالب والطربوش قالباً أكبر منه، وتكون النار موقَدة تحته، وعنده مكبس يكبس به القالبَين معاً والطربوش بينهما، فيخرج مكوياً. ولطالما أخطأ الكواء فكبّر الطربوش ووسّعه أو ضيّقه وصغّره، فيعود إلى كيّه لإصلاحه. ومن الطرائف أن أستاذنا فارس الخوري كان له رأس من أكبر ما عرفت من الرؤوس، وكان من مزاياه أنه كان حاضر الجواب؛ ذهب مرة إلى كوّاء ليكوي طربوشه فطلب أجراً يزيد عن المعروف، قال: ولِمَ الزيادة؟ قال: لأنك لن تجد عند أحد غيري مثل هذا القالب؟ قال له فارس بك: وأنت لا تجد عند غيري مثل هذا الرأس.
وكان الناس يشكون في مصر والشام من الطربوش ويعملون على إبداله، ولكنهم يختلفون على البديل. وكان الاتجاه أكثر إلى
стр. 552
القبّعة (البرنيطة)، لا سيما بعد أن كشف مصطفى كمال القناع، كشف وجهه الأصلي، وجه ابن «الدونما» من يهود سالونيك الذين أظهروا فيها الإسلام لمّا جاؤوها من الأندلس، وكان منهم الاتحاديون الذين مهّدوا طريق الكفر بمحاربة الإسلام في الخفاء، فلما تمهد جاء مصطفى كمال (أتاتورك) فحاربه في العلن، وكان ممّا صنع أن ألزم المسلمين وضع القبّعات على رؤوسهم.
قامت في مصر في العشرينيات حملة قوية، لنبذ الطربوش واتخاذ القبّعة، يدعو إليها سراً أكثر الذين درسوا في أوربا وحملوا منها العلم الحديث ومع هذا العلم جراثيم المرض الخبيث، ودعا إليها جهراً سلامة موسى وأمثاله. وكادت تقضي على الطربوش لولا أن ردّتها أقلام قوية ورفضها زعماء كبار ما سلامة موسى وأمثاله أمامهم إلا الأرانب تحت أرجل الفِيَلة، منهم سعد يوم كان زعيم مصر وأحد قوّاد العرب. ولقد كتبت في «الناقد» المجلة الدمشقية (العدد ٢٥ الصادر يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة ١٣٤٩ السابع والعشرين من آذار (مارس) سنة ١٩٣١) في مقالة لي هي الآن أمامي، بعض أقوالهم. فكان ممّا قال سعد: "وما مثل الذين يبدلون بشعارهم شعار غيرهم إلا كمثل الذين يتبرؤون من أنسابهم وينتسبون إلى غير آبائهم، فلا يكسبون إلا غضب الآباء وأن يُعَدّوا من الأدعياء". وقال الأستاذ العقاد: "ومن سقوط الهمة أن يتوارى الإنسان وراء القبّعة خجلاً من جنسه وتهافتاً على لذة عارضة. ومن الجبن، لا من الجرأة على الجمود، أن يسرق مظهر قوم لا يحسبونه كأحدهم ولا يُنزِلونه بينهم منزلتهم، وإن لبس ما يلبسون وتكلّم ما يتكلمون". وكتب صاحب «المقتطَف»
стр. 553
شيخ المجلاّت العربية: "إذا نظرنا إلى الطربوش وإلى البرنيطة من الوجهة الاقتصادية والصحّية فالمرجّح عندنا أنّ الطربوش يفضل البرنيطة، ولعلّ العقال أصلح منها ومنه". واحتجّ ناس يومئذ بأن أهل اليمن يتخذون القبّعة فكذبهم الشيخ محمد باجنيد وبيّن "أن الذي يلبسه اليمانيون مظلّة من الخوص عَرْضها نحو ذراع لها أسّ مستدير مع استطالة ودقة شديدة يستعملها الفَعَلة والرعاة لتقيهم وهج الشمس ويسمونها المظلة". وقال الدكتور محجوب ثابت، وكان يومئذٍ من المشهورين وكان أستاذ الطب الشرعي في الجامعة، في حديث لمحرّر مجلة الزهراء حين اشتدت أزمة القبّعة في مصر: "إن لباس الرأس هو العقال، فليعدل إليه شبابنا إذا كانوا نابذين الطربوش لا محالة. والعقال كان لباس مملكة اليمن السبئية كما دلّت عليه التماثيل التي وُجدت في جنوب الجزيرة وفي أعماق بلاد اليمن، وكان لباس الرأس عند قدماء المصريين شبيهاً به، وكذلك الحال في شمال الجزيرة العربية، ولولا أن له حظاً من الجَمال والهيبة لما رأينا بعض الإفرنج في سوريا وفلسطين يتزيّنون به هم وصغارهم مع أنهم قادمون من بلاد عريقة في التبرنُط. وقد راقني منظر مفتّش الزراعة الإنكليزي يوم رأيته أثناء تطوافي بنابلس والعقال على رأسه والعباءة مسدولة على بذلته. أمّا غير المسلمين فحدّث عن عقالاتهم ولا حرج، وكل الذين اجتمعنا بهم من مسيحيّي شرق الأردن رأيناهم تتوّج رؤوسَهم هاتيك العقالات، ما بين مفضَّض ومذهَّب ومسوَّد، وكان ذلك زيّهم حتى في الكنيسة". إلى أن قال: "إن تيجاناً كهذه تزيّن مثل هذه الرؤوس لا أرى مسوّغاً لتقويضها وتنكيسها، ولا الاستعاضة عنها بتلكم القبّعات عديمة الطعم الإسطيطيقي (أي
стр. 554
الجمالي) ". وقال في خطبة له في نادي الرابطة الشرقية: "إن الكوفية من أجمل ما تزدان به الرؤوس".
* * *
كان هذا كله في مصر، وقد أخمدَت هذه الألسنةُ وهذه الأقلامُ نارَ الفتنة وردّت على أعقابها هذه الحملة، وبقي الطربوش على رأس الملك ورؤوس الوزراء والموظفين والطلاّب. أما في الشام فقد بدأَت بعد دخول الفرنسيين حرب على الطربوش ودعوة إلى القبّعة، ولكن أصحابها لم يجرؤوا على إعلانها قولاً بل سرّبوها إلينا فعلاً، يعملون دائبين وفق خطّة شيطانية مرسومة، فما مضى على دخول الفرنسيين عشر سنين حتى بدأ ظهور القبّعات على الرؤوس في المصايف، القبّعات الخفيفة المصنوعة من شبه القشّ التي تشبه الخوذة التي كانت على رؤوس الجند والضباط أيام الشريف فيصل، بل إن الخوذة هي القبّعة نفسها قد وضعوا لها ذيلاً من الخلف من القماش رمزاً للكوفية (أي الغترة) ووضعوا فوقها عقالاً صغيراً.
ثم أخذت تنتشر في المدارس، فكنا نرى «البيريه»، وهي نوع من القبّعات يشبه الكُمّة (أي الطاقية) الواسعة متعدد الألوان، حتى إن شيخاً في الشام معروفاً بسوء السيرة كانت له مدرسة أهلية ابتدائية أمر تلاميذه بلبسها، ولم يمنعه من ذلك أن على رأسه عمامة ضخمة بيضاء وأنه كان خطيب جامع الشهداء. وكانت له جريدة تصدر عند الحاجة، أي الحاجة إلى شتم موظف لم يُنجِز له معاملته أو تاجر لم يؤدِّ إتاوته. وكان عندنا جرائد مثلها، منها جريدة بسيم مراد، وشرّ
стр. 555
منها جريدة فوزي أمين (١)، وكان الفرنسيون يتغاضون عنها، بل إنهم ليحمونها ويشجّعونها ما دامت لا تنبّه الناس إلى تحرير البلاد منهم وتكون بإفسادها المجتمع عوناً لهم على بلوغ غايتهم.
وكنا نرى هذا فنتألّم، وقد نتكلّم ولكن في مجالسنا أو يوم الجمعة في مساجدنا، فتضيع أصواتنا في هذه الضجّة الهائلة المنكرة من حولنا، حتى مرّ بدمشق الزعيم الهندي المسلم شوكة علي، وكان هو وأخوه محمد علي من أظهر قادة المسلمين في الهند في تلك الأيام، وكان قنبلة «عنقودية» تتفجر بالحماسة، فما يخطب في ناد أو مسجد أو يتحدث في جماعة إلا أصابتهم شظيّة منها فأشعلَت نار الحماسة في صدورهم. وكنا يومئذ كالخشب عليه كومة القش المركوم وقد ابتلّ بالبنزين، لا تحتاج في إيقاد النار إلاّ إلى عود الكبريت ... وكانت زيارته هي عود الكبريت. والعجيب أني لم ألقَه ولم أستمع إلى شيء من كلامه، ولكن أخي الأستاذ سعيد الأفغاني حضر خطبة له وجاء يصفه لي ويلخّص ما قال.
وكنت كلما دعوت إلى أمر طبعت منشوراً وكلّفت مَن كان معي من الشباب والطلاّب (وكانوا مئات) فوزّعوه، فلا يمرّ يوم حتى يكون في كل دكّان وفي كل مدرسة وكل مسجد. وكان الورق رخيصاً وأجور الطبع قليلة، ولا يحتاج ذلك إلى إذن من الحكومة فالطباعة حرة، حتى المجلات غير السياسية لا يحتاج من يريد إصدارها إلا إلى إخبار (مجرد إخبار) وزارة الداخلية!
стр. 556
وُزّع منشور في أربع صفحات عنوانه «نداء إلى الشبان المسلمين» كان ممّا قلت فيه، أنقله من نسخة من المنشور هي الآن في يدي:
" ... وألقى خطبة بالإنكليزية نقلها إلى العربية فخر الشباب عجاج نُوَيْهض، وضع فيها بذرة مباركة علينا نحن أن نتعهدها بالرعاية والسقيا حتى تنمو وتثمر الثمر المرجّى. إن هذه الدعوة قد تبدو لك غريبة أو هيّنة، فلا يمنعك ذلك من أن تمعن النظر فيها وتبصر مداخلها ومخارجها، لأنك إن فعلت ذلك عرفت قدرها. إن من القواعد المقرّرة في ديننا أن من سنّ سنة حسنة (في التطبيق لا في التشريع) كان له أجرها وأجر من عمل بها، وسيكون للزعيم شوكة علي ثواب ما ذكّرَنا به من جرأة المسلم على إقامة شعائر دينه والجهر بنصرته". إلى أن قلت: "ورآنا نصفّق له استحساناً وتأثّراً فغضب وقال: لقد كان أولى بكم يا أهل دمشق، ظئر الإسلام، أن تعدلوا عن هذه العادة الإفرنجية. قالوا: وماذا نستبدل بها؟ قال: ما استبدلته الهند المسلمة وفلسطين العربية بمسلميها ونَصاراها. قالوا: وما ذاك؟ فصاح بملء شدقيه بصوت ارتجّ له المكان: الله أكبر، الله أكبر (١). ولما رآنا نرتدي الأزياء الأوربية
стр. 557
من الأقمشة المصنوعة في أوربا قال: إن هذا استعمار لأجسادنا فوق استعمارهم لبلداننا! ودعا إلى العودة إلى الأزياء الوطنية والتمسك بها والمصنوعات الوطنية والحرص عليها، وقال بأنه كان في إنكلترا أيام الدراسة من أكثر الشباب أناقة وكان يحلق لحيته في اليوم مرتين، وهو الآن يكتفي بقميص من صنع الهند يبلغ الركبتين وتحته سراويل من قماش هندي وعلى رأسه كُمّة (طاقية) عليها شيء يبدو كالهلال، فإن اقتربت منه قرأت فيه جملة «نحن أنصار الله» ".
وخلصت إلى الدعوة -في هذا المنشور- إلى نبذ الطربوش واتخاذ العقال. وذهبت إلى أحد تجّار العقالات والعباءات في سوق مدحة باشا، هو والد الصديق الدكتور حكمة هاشم، فاشتريت عقالاً وكوفية وعباءة وخرجت بها. ودعوت مَن حولي من الطلاّب إلى العقال، فكان أول من لبسه وذهب به إلى مدرسة التجهيز (مكتب عنبر) أخي ناجي ورفيقه محمود الرفاعي (الذي صار بعدُ من كبار ضباط الجيش وكانت له مشاركة قوية في القضاء على حسني الزعيم، ثم تُوفّي شهيداً ﵀ ورفيقه أنور العشّ. وكان في اليوم الذي يليه اثنان وأربعون عقالاً، ثم انتشر حتى صار نصف الطلاّب في بعض المدارس، وربعهم في بعض، من أرباب العقال. ومنع بعضُ المديرين التلاميذَ من لبسه؛ منهم مدير مدرسة البحصة، وهي التي كانت «السلطانية الثانية» وقد مرّ ذكرها، وهي أكبر مدرسة ابتدائية في دمشق ومعها (يلحق بها) المدرسة التجارية. فذهبت إليه ومعي نفر من كبار الطلاّب الذين يعملون معي، فلما بلغه وصولي ذُعِر، ولكنه كان عاقلاً فبعث من يخبر المراقب بأن
стр. 558
يسمح لمن جاء بالعقال أن يظهر به (وكان قد منعهم منه فلفّوه ووضعوه في حقائبهم). واستقبلني بالترحاب ودعاني ومن معي إلى الشاي معه في غرفته، وجعل يروغ بالحديث عما أدركَ أنني جئت من أجله حتى اطمأن إلى أن العقالات ظهرت في باحة المدرسة، فقال: نعم؟ أمر؟ قلت: أحببت أن أسأل: هل عندكم قانون يمنع التلاميذ من اتخاذ العقال وهو شعار العرب و ... فقاطعني مظهراً الدهشة وقال: ومَن منعهم؟ أعوذ بالله، أبداً ما عندنا شيء من هذا، وتفضّل انظر.
وخرج بي إلى الباحة فرأيت العقالات في كل زاوية من الزوايا وكل مكان من المدرسة! لقد خاف أن يوقع نفسه في ورطة معي لأني كنت يومئذ خطيباً شعبياً قادراً على إثارة الناس، ورئيسَ لجنة الطلبة، وعاملاً في أكبر جريدة في البلد.
* * *
انتشر العقال حتى اتخذه بعض وجهاء البلد. وفي مجلة «الناقد» صورة لي بالعقال مع الأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر ورئيس أول حكومة (مؤقّتة) بعد نزوح الأتراك، ورضا باشا الصبّان وغيرهم، ولكني لم أجد عدد المجلة هذا عندي.
وتناقلت الصحف الفرنسية والإنكليزية من وكالات الأخبار نبأ هذه الحركة موسَّعاً مبالَغاً فيه، وزعمَت جريدة «الطان» (أي «الزمان»، أكبر الجرائد الفرنسية يومئذ)، أننا أحرقنا الطرابيش في مرجة الحشيش (وهي الآن الملعب البلدي ومعرض دمشق الدائم)، وعُلّق عليها تعليقات وفُسّرت تفسيرات لم أسمع بها أنا
стр. 559
صاحب الدعوة إلى العقال ولم تخطر لي على بال.
ثم أخذ الشباب ينفضّون عنها كما أقبلوا عليها ولم يبقَ معي إلا قليل، ثم لم يبقَ غيري. وثبتّ عليها سبعة أشهر قاسيت خلالها متاعب كثيرة من العباءة (المشلح)، إن تسلّقت الترام في الزحام علق طرفها في الباب أو داس عليه أحد الركّاب، أو انفتحت فدخل فيها أحد أو سُحبَت عني فخرجت أنا منها، وإن دخلت المطبعة (في الجريدة) تلوّثَت بالحبر أو علقَت بالآلات.
ولكنها حققت ما كنا نؤمّله منها وهي أن نوقف سريان القبّعات، فقلّت حتى انقطعت أو كادت. ولكنا ما عدنا إلى الطرابيش، بل غدونا حفاة من فوق ... نمشي حاسري الرؤوس، حتى صار الحسور وكشف الرأس عاماً يشمل الأساتذة والوزراء ورؤساء الدول.
وصار الحديث عن الطرابيش وكيّها ودكاكين الكوّائين والازدحام عليها ليلة العيد، من أحاديث الماضي البعيد.
لقد أحسنّا بالخلاص من القبّعات، فهل أحسنّا كذلك بإبطال الطرابيش؟ لست أدري، ولكن الذي أدريه أنني ما قصدت فيما صنعت إلا الخير.
* * *
стр. 560
-٥٢ -
ذكريات عن الأساتذة والمشايخ
أنا أغبط من يدّون ذكرياته فيجد أمامه مذكّرات له كتبها في حينها، تذكّره بما نسي وتعيد إليه ما عزب عنه، وأسائل نفسي (حين لا ينفع السؤال): لماذا لم أكتب أنا مذكّراتي؟ لماذا لم أحفظ مراسلاتي؟ لماذا أقعد لأكتب الحلقة فلا أجد ما أرجع إليه وأعتمد عليه إلاّ ذاكرة كانت كالقلّة التي تركتُها ممتلئة بالماء فعدت فلم أجد إلاّ صبابة في قعر الإناء، قد ذهبَت بمائها الشمس والريح فتبخّرَت كما تبخّرَت من رأسي الذكريات.
ولو كان معي هنا أحد من رفاق الصبا أو من أصحاب الشباب ممّن سايرني في بعض طريق الحياة، أقول له ويقوله لي، أذكّره بما كان ويذكّرني، لأعانني على ما أنا فيه؛ لأن المَشاهد والأخبار يجرّ بعضها بعضاً، وما تسمعه يذكّرك بشبيهه أو بنقيضه أو بما يتصل به. وهذا هو «تداعي المعاني». ولكني كالذي يغنّي في الوادي المقفر فلا يجد رَجْعاً لغنائه إلاّ صداه!
على أني أشكر «الشرق الأوسط» ومن قبلها «المسلمون»؛ فلولاهما (ولولا «المسلمون» خاصّة) لما قرأتم شيئاً من هذه
стр. 561
الذكريات. إنها نعمة من الله عليّ أن اضطرّتاني إلى كتابة ما بقي عندي منها. ولكن نِعَم الدنيا لا تصفو ولا تخلو من المنغّصات، والمنغصات هي هذه الأخطاء المطبعية التي كان صديقنا الكبير النشاشيبي يسمّيها «التطبيعات». ولا يؤذيني منها أمثال «أغاني أبيالفرج الأجهاني» فإن القارئ يدرك أنها من صَفّاف الحروف، ولكن يؤذيني أن يُنسَب إليّ أني كتبت «عشرة مرات» بدلاً من «عشر مرات» و «سكراناً أو نعساناً» بدلاً من «سكران أو نعسان» كما جاءت في «باب الفتاوى»، كأني ما تعلمت باب الاسم الذي لا ينصرف ولا علّمتُه. وقد قلت لكم في الحلقة السابقة إنني فتحت «المدرسة الصيفية» لتعليم العربية من أكثر من نصف قرن.
بلى، الآن عرفت ما هو «الفعل» الذي لا ينصرف. إنه هذه «التطبيعات». إنها «لا تنصرف» إلاّ إن صرفها الأستاذ الشيباني! بنو شيبان -يا أستاذ- صرفوا عنّا العار وأكسبونا الفخار في «ذي قار»، أفلا تصرف أنت عني هذه الأضرار؟
* * *
الكلام عن شاكر بك الحنبلي في حديث أبي عجاج يجرّني إلى بعض الحديث عن كلية الحقوق التي كنت من طلابها سنة ١٩٣١.
قُبلت طالباً فيها (كما يقول السجلّ الرسمي الذي أمسك في يدي الآن صورة مصدَّقة عنه) في ٤/ ١١/ ١٩٣٠، مع أننا أخذنا البكالوريا الأولى قبل ذلك بسنتين، فسعينا أنا ورفيقي محمد الجيرودي فقبلونا بها طالبَين في معهد (أي كلية) الحقوق، بشرط
стр. 562
ألاّ نرتقي إلى الصف الثاني فيها إلاّ بعد نيلنا البكالوريا الثانية. فدخلها هو وسافرت أنا إلى مصر (كما عرفتم) وعدت بعد إغلاق باب القبول، فسبقني بسنتين أضعتهما كما أضعت سنتين من قبل بتبدل الدول وذهاب الأتراك وقدوم الشريف، ثم بخروج الشريف ودخول الفرنسيين.
وكانت الجامعة السورية مؤلفة من كلية الطب وبناتها (طب الأسنان والصيدلة) ومن كلية الحقوق، وما أدري لماذا كنا نسمي الكلية المعهد فنقول: معهد الحقوق ومعهد الطب، مع أن الكتابة الفرنسية في العنوان الرسمي تسمّي المعهد (La Faculte)، أي الكلية.
أما كلية الطب فهي قديمة، أعرف ممّن تخرج فيها قبل سنة ١٩٢٠ جماعة بقي منهم الدكتور حسني سبح، وهو اليوم رئيس المجمع العلمي (أي مجمع اللغة العربية) في سوريا، وهو عالِم في الطب له بمصنّفاته الجليلة فيه منزلة عالمية. وممّن ذهب إلى لقاء ربه الدكتور أحمد حمدي الخياط أول من دَرّسَ علم الجراثيم، درسه في معهد باستور ثم جاء يعلّمه الطلاّب، وكل من صار طبيباً في الشام من سنة ١٩٢٠ إلى أن «تقاعد» إلى أن توفّاه الله من سنتين هم من تلاميذه، وكان ملمّاً بالعلوم الإسلامية مطّلعاً عليها، يتقن العربية والتركية والفرنسية، وهو عارف الإنكليزية والألمانية واللاتينية واليونانية، وهو أحد مَن وضع المصطلحات العربية في الطب لأن كلية الطب في دمشق ما درّسَت علومَ الطب كلها إلاّ بالعربية، فكانت حُجّة قائمة على
стр. 563
من يزعم أن لسان العرب يضيق بهذه المصطلحات، وهو وزميله الدكتور الجرّاح مرشد خاطر صاحبا معجم المصطلحات الذي يعلّق عليه من سنين -في مقالات مسلسلة في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق- الدكتور العالِم حسني سبح أطال الله عمره.
وممّن أذكره الآن من واضعي هذه المصطلحات التي حُقّ لدمشق ولكليتها أن تفخرا بها الدكتور صلاح الدين الكواكبي، وهو ابن الشيخ مسعود الكواكبي الذي كان عضواً في محكمة التمييز (أي النقض) وكان صديقاً لأبي، ولقد حضرت له مجالس لا أحصيها ورأيته في سفره وحضره وطعامه ومنامه، وسأتحدث عنه يوماً، وعمّه (كما أظن) هو مؤلف «طبائع الاستبداد» المشهور.
والدكتور جميل الخاني، والدكتور محمد محرَّم الذي كان أبوه (مصباح بك محرم) رئيسَ محكمة التمييز على عهد الشريف فيصل ١٩١٩، وأنا أعرفه وحضرت مع أبي كثيراً من مجالسه، وكان يدرّس في كلية الحقوق قبل أن أدخلها، وكان على عهد العثمانيين مفتّشاً على القضاة. والدكتور شوكة الشطي، ولا يزال فيما أعلم حياً، مدّ الله في عمره ورحم من مات من الأساتذة ممّن سميت ومن نسيت أن أُسَمّي.
وكلية الطب في دمشق ليست في عمر كلية الطب في قصر العيني في مصر أقدم كليات الطب في العالَم العربي، ولا في شباب كلية الطب في جامعة الملك سعود. هي كالبنت أو الحفيدة للأولى، ولكنها كالأم أو الجَدّة للثانية.
стр. 564
أما كلية الحقوق فلا أعرف الآن عمرها، ولكنه يزيد عن السن الذي يتقاعد فيها الموظفون ويُحالون على المعاش، لذلك هبطَت أثمان شهاداتها الآن في «سوق الوظائف»، لا لنقص فيها ولا لخلل في مناهجها ولا لضعف في مدرّسيها، بل لأن حَمَلة شهادتها المتخرجين فيها زاد عددهم عن الحاجة إليهم، وإذا كثر العرض قلّ الطلب فرخصَت السلع.
ولقد سُهّلت شروط الدخول إليها مرة سنة ١٩٢٨، حين قُبلنا فيها بالبكالوريا الأولى، فبلغ عدد طلاّب السنة الأولى المئة أو يزيدون عليها، فكان ذلك حديث الناس وموضع تعجّبهم، فجاء بعد ذلك وقت بلغوا فيه ثلاثة آلاف.
* * *
كانت المواد التي درسناها في الكلية هي الحقوق الأساسية (أي الدستورية)، والحقوق الدولية العامّة، والحقوق الدولية الخاصّة، والمجلّة (وهي القانون المدني)، والاقتصاد، والتجارة البرّية، والتجارة البحرية، والحقوق المدنية الفرنسية (أي القانون المدني الفرنسي)، والحقوق الإدارية، وأصول المحاكمات الإدارية، وعلم المالية، والحقوق الجزائية (الجنائية) وأصول المحاكمات الجزائية، والحقوق الرومانية (أو القانون الروماني)، وأحكام الزواج، والوصايا، والفرائض، وأحكام الأوقاف، وأحكام الأراضي، واللغة العربية، واللغة الفرنسية، والأساليب الحقوقية، وأصول الفقه.
وكان الأساتذة طبقات، منهم واحد سأفرد للكلام عنه
стр. 565
حلقة، هو العالِم الشاعر الفحل الخطيب البارع في العربية وفي الإنكليزية رئيس مجلس النوّاب مرات ورئيس الوزراء، وكان رئيس مجلس الأمن مرة، وهو أحد عباقرة العرب في هذا العصر، وأسأل الله أن يكون حقاً ما كتبه عنه مَن كان مُلازمَه في مرضه وحاضرَه في وفاته من أنه مات مسلماً، وهو فارس بك الخوري.
وطائفة من العلماء، منهم واحد كان مفتي الشام وكان أبوه من قبله مفتي الشام، وكان يدرّسنا الأحوال الشخصية (أحكام الزواج والطلاق وما يتصل بهما) والفرائض والوصايا وأصول الفقه، وهو النموذج الكامل لعلماء القرن الماضي، وهو الشيخ أبو اليسر عابدين.
علماء القرن الماضي كانوا -على الغالب- علماء بما في الكتب، حرثوها حرثاً وقتلوها تنقيباً وبحثاً، ولكنْ وقف أكثرهم عندها لم يجاوزها ولم يفكّر أن يزيد عليها. ولقد بدأت هذه العلوم كما تبدأ الأنهار الكبار: ينابيع كثيرة تخرج منها السواقي الصغيرة، ثم تتجمع في جداول، ثم تجتمع الجداول فيكون النهر. ولو رسمنا خطاً بيانياً لهذه العلوم لوجدناه يرتفع ويعلو، حتى إذا جاء القرن الرابع الهجري بلغ القمة أو كاد، ثم يستوي لا يصعد إلاّ قليلاً إلى القرن الثامن؛ يصدق هذا الحكم على النحو والبلاغة وعلوم العربية كما يصدق على الفقه والحديث وعلوم الدين. أو هي كالمحصولات الزراعية تأتي من المزارع، ثم تجتمع في الأسواق، ثم تُجفَّف أو تُحفَظ، ثم توضع في المستودعات الكبار. لقد كان القرن التاسع عصر المستودَعات تُكدّس فيها