← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الذكريات. إنها نعمة من الله عليّ أن اضطرّتاني إلى كتابة ما بقي عندي منها. ولكن نِعَم الدنيا لا تصفو ولا تخلو من المنغّصات، والمنغصات هي هذه الأخطاء المطبعية التي كان صديقنا الكبير النشاشيبي يسمّيها «التطبيعات». ولا يؤذيني منها أمثال «أغاني أبيالفرج الأجهاني» فإن القارئ يدرك أنها من صَفّاف الحروف، ولكن يؤذيني أن يُنسَب إليّ أني كتبت «عشرة مرات» بدلاً من «عشر مرات» و «سكراناً أو نعساناً» بدلاً من «سكران أو نعسان» كما جاءت في «باب الفتاوى»، كأني ما تعلمت باب الاسم الذي لا ينصرف ولا علّمتُه. وقد قلت لكم في الحلقة السابقة إنني فتحت «المدرسة الصيفية» لتعليم العربية من أكثر من نصف قرن. بلى، الآن عرفت ما هو «الفعل» الذي لا ينصرف. إنه هذه «التطبيعات». إنها «لا تنصرف» إلاّ إن صرفها الأستاذ الشيباني! بنو شيبان -يا أستاذ- صرفوا عنّا العار وأكسبونا الفخار في «ذي قار»، أفلا تصرف أنت عني هذه الأضرار؟ * * * الكلام عن شاكر بك الحنبلي في حديث أبي عجاج يجرّني إلى بعض الحديث عن كلية الحقوق التي كنت من طلابها سنة ١٩٣١. قُبلت طالباً فيها (كما يقول السجلّ الرسمي الذي أمسك في يدي الآن صورة مصدَّقة عنه) في ٤/ ١١/ ١٩٣٠، مع أننا أخذنا البكالوريا الأولى قبل ذلك بسنتين، فسعينا أنا ورفيقي محمد الجيرودي فقبلونا بها طالبَين في معهد (أي كلية) الحقوق، بشرط

стр. 562

ألاّ نرتقي إلى الصف الثاني فيها إلاّ بعد نيلنا البكالوريا الثانية. فدخلها هو وسافرت أنا إلى مصر (كما عرفتم) وعدت بعد إغلاق باب القبول، فسبقني بسنتين أضعتهما كما أضعت سنتين من قبل بتبدل الدول وذهاب الأتراك وقدوم الشريف، ثم بخروج الشريف ودخول الفرنسيين. وكانت الجامعة السورية مؤلفة من كلية الطب وبناتها (طب الأسنان والصيدلة) ومن كلية الحقوق، وما أدري لماذا كنا نسمي الكلية المعهد فنقول: معهد الحقوق ومعهد الطب، مع أن الكتابة الفرنسية في العنوان الرسمي تسمّي المعهد (La Faculte)، أي الكلية. أما كلية الطب فهي قديمة، أعرف ممّن تخرج فيها قبل سنة ١٩٢٠ جماعة بقي منهم الدكتور حسني سبح، وهو اليوم رئيس المجمع العلمي (أي مجمع اللغة العربية) في سوريا، وهو عالِم في الطب له بمصنّفاته الجليلة فيه منزلة عالمية. وممّن ذهب إلى لقاء ربه الدكتور أحمد حمدي الخياط أول من دَرّسَ علم الجراثيم، درسه في معهد باستور ثم جاء يعلّمه الطلاّب، وكل من صار طبيباً في الشام من سنة ١٩٢٠ إلى أن «تقاعد» إلى أن توفّاه الله من سنتين هم من تلاميذه، وكان ملمّاً بالعلوم الإسلامية مطّلعاً عليها، يتقن العربية والتركية والفرنسية، وهو عارف الإنكليزية والألمانية واللاتينية واليونانية، وهو أحد مَن وضع المصطلحات العربية في الطب لأن كلية الطب في دمشق ما درّسَت علومَ الطب كلها إلاّ بالعربية، فكانت حُجّة قائمة على

стр. 563

من يزعم أن لسان العرب يضيق بهذه المصطلحات، وهو وزميله الدكتور الجرّاح مرشد خاطر صاحبا معجم المصطلحات الذي يعلّق عليه من سنين -في مقالات مسلسلة في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق- الدكتور العالِم حسني سبح أطال الله عمره. وممّن أذكره الآن من واضعي هذه المصطلحات التي حُقّ لدمشق ولكليتها أن تفخرا بها الدكتور صلاح الدين الكواكبي، وهو ابن الشيخ مسعود الكواكبي الذي كان عضواً في محكمة التمييز (أي النقض) وكان صديقاً لأبي، ولقد حضرت له مجالس لا أحصيها ورأيته في سفره وحضره وطعامه ومنامه، وسأتحدث عنه يوماً، وعمّه (كما أظن) هو مؤلف «طبائع الاستبداد» المشهور. والدكتور جميل الخاني، والدكتور محمد محرَّم الذي كان أبوه (مصباح بك محرم) رئيسَ محكمة التمييز على عهد الشريف فيصل ١٩١٩، وأنا أعرفه وحضرت مع أبي كثيراً من مجالسه، وكان يدرّس في كلية الحقوق قبل أن أدخلها، وكان على عهد العثمانيين مفتّشاً على القضاة. والدكتور شوكة الشطي، ولا يزال فيما أعلم حياً، مدّ الله في عمره ورحم من مات من الأساتذة ممّن سميت ومن نسيت أن أُسَمّي. وكلية الطب في دمشق ليست في عمر كلية الطب في قصر العيني في مصر أقدم كليات الطب في العالَم العربي، ولا في شباب كلية الطب في جامعة الملك سعود. هي كالبنت أو الحفيدة للأولى، ولكنها كالأم أو الجَدّة للثانية.

стр. 564

أما كلية الحقوق فلا أعرف الآن عمرها، ولكنه يزيد عن السن الذي يتقاعد فيها الموظفون ويُحالون على المعاش، لذلك هبطَت أثمان شهاداتها الآن في «سوق الوظائف»، لا لنقص فيها ولا لخلل في مناهجها ولا لضعف في مدرّسيها، بل لأن حَمَلة شهادتها المتخرجين فيها زاد عددهم عن الحاجة إليهم، وإذا كثر العرض قلّ الطلب فرخصَت السلع. ولقد سُهّلت شروط الدخول إليها مرة سنة ١٩٢٨، حين قُبلنا فيها بالبكالوريا الأولى، فبلغ عدد طلاّب السنة الأولى المئة أو يزيدون عليها، فكان ذلك حديث الناس وموضع تعجّبهم، فجاء بعد ذلك وقت بلغوا فيه ثلاثة آلاف. * * * كانت المواد التي درسناها في الكلية هي الحقوق الأساسية (أي الدستورية)، والحقوق الدولية العامّة، والحقوق الدولية الخاصّة، والمجلّة (وهي القانون المدني)، والاقتصاد، والتجارة البرّية، والتجارة البحرية، والحقوق المدنية الفرنسية (أي القانون المدني الفرنسي)، والحقوق الإدارية، وأصول المحاكمات الإدارية، وعلم المالية، والحقوق الجزائية (الجنائية) وأصول المحاكمات الجزائية، والحقوق الرومانية (أو القانون الروماني)، وأحكام الزواج، والوصايا، والفرائض، وأحكام الأوقاف، وأحكام الأراضي، واللغة العربية، واللغة الفرنسية، والأساليب الحقوقية، وأصول الفقه. وكان الأساتذة طبقات، منهم واحد سأفرد للكلام عنه

стр. 565

حلقة، هو العالِم الشاعر الفحل الخطيب البارع في العربية وفي الإنكليزية رئيس مجلس النوّاب مرات ورئيس الوزراء، وكان رئيس مجلس الأمن مرة، وهو أحد عباقرة العرب في هذا العصر، وأسأل الله أن يكون حقاً ما كتبه عنه مَن كان مُلازمَه في مرضه وحاضرَه في وفاته من أنه مات مسلماً، وهو فارس بك الخوري. وطائفة من العلماء، منهم واحد كان مفتي الشام وكان أبوه من قبله مفتي الشام، وكان يدرّسنا الأحوال الشخصية (أحكام الزواج والطلاق وما يتصل بهما) والفرائض والوصايا وأصول الفقه، وهو النموذج الكامل لعلماء القرن الماضي، وهو الشيخ أبو اليسر عابدين. علماء القرن الماضي كانوا -على الغالب- علماء بما في الكتب، حرثوها حرثاً وقتلوها تنقيباً وبحثاً، ولكنْ وقف أكثرهم عندها لم يجاوزها ولم يفكّر أن يزيد عليها. ولقد بدأت هذه العلوم كما تبدأ الأنهار الكبار: ينابيع كثيرة تخرج منها السواقي الصغيرة، ثم تتجمع في جداول، ثم تجتمع الجداول فيكون النهر. ولو رسمنا خطاً بيانياً لهذه العلوم لوجدناه يرتفع ويعلو، حتى إذا جاء القرن الرابع الهجري بلغ القمة أو كاد، ثم يستوي لا يصعد إلاّ قليلاً إلى القرن الثامن؛ يصدق هذا الحكم على النحو والبلاغة وعلوم العربية كما يصدق على الفقه والحديث وعلوم الدين. أو هي كالمحصولات الزراعية تأتي من المزارع، ثم تجتمع في الأسواق، ثم تُجفَّف أو تُحفَظ، ثم توضع في المستودعات الكبار. لقد كان القرن التاسع عصر المستودَعات تُكدّس فيها

стр. 566

البضاعة، وهذه المستودَعات هي دوائر المعارف (المُعْلَمات، أي الإنسيكلوبيديات) (١). في هذا القرن أُلّف «الإتقان في علوم القرآن» و «المُزهر» للسيوطي في علوم اللغة، وفيه أو قريب منه أُلّفت «نهاية الأرب» للنُّوَيري و «صُبح الأَعشى» للقَلْقَشَندي و «فتح الباري» و «لسان العرب». وهذه المجموعات الكبار لم تؤلَّف في قرن واحد، ولكنها أُلِّفت كلها بعدما وقف الابتكار وانقطع التجديد، فصار الفقه رواية لأقوال الأئمة لا استنباطاً من كلام الله وسنّة رسوله ‘. والنحو صار قواعد جافة منقطعة عن صحيح الشواهد وبليغ المأثور من كلام العرب. والبلاغة لا تجعل دارسها بليغاً إذا نطق أو كتب بل حافظاً لما وقفَت عنده لمّا جَفّ ينبوعها وانقطع جَريها؛ كانت البلاغة «نقداً» منظَّماً، كلما جاء شاعر عبقري أو أديب بارع بصورة جديدة من صور التعبير الجميل عرّفوها، ثم صنّفوها ثم وضعوها موضعها من علم البلاغة. فإن جاء مَن يُدخِل كناية في استعارة سمّوا ما جاء به «استعارة مَكْنيّة»، وما يَحسُن به الكلام من زينة اللفظ أو المعنى جعلوا له عِلماً هو «علم البديع»، وصنّفوا هذه «المُحَسّنات» وابتكروا لها الأسماء. ولبثَت البلاغة صاعدة إلى الجرجاني ثم السكّاكي، فجاء القَزويني فلخّص ما قاله، فوقفنا عند «التلخيص» نشرحه ثم نختصر الشرح، أو نختصره ثم نشرح المختصَر! كانت البلاغة نقداً حياً يمشي مع الأدب الحيّ، فصارت قواعدَ باردة ميتة لا تبرح مكانها، ولبث الأدب (بشعره ونثره) ماشياً فانقطع ما كان من سبب بين البلاغة والأدب.

стр. 567

كان علماء القرن الماضي والقرون المتأخّرات قبله علماءَ رواية ونقل، يفهمون ما تركه السلف ولكن لا يزيدون عليه ولا يستطيعون أن يأتوا بمثله، كان حرصهم على الكتب لا على العلم الذي أُلِّفت لدراسته هذه الكتب. لذلك تقرؤون في ترجمة الواحد منهم أنه قرأ كتاب كذا وكتاب كذا وأنه أقرأ تلاميذه كتاب كذا وكتاب كذا. فالشيخ أبو اليسر عابدين كان نموذجاً لهؤلاء العلماء، ولكنه كان نموذجاً كاملاً. قرأ على أبيه الشيخ أبي الخير عابدين الحاشية -مثلاً- بأجزائها الخمسة الكبار ثلاث مرات، وأقرأها من بَعْدُ أكثر من ثلاث عشرة مرة. وقرأ عشرات من الكتب، لا كما قرأت أنا قراءة سرد لأعرف ما فيها ولأرجع عند الحاجة إليها، بل كما عهدنا طلاّب الأزهر يقرؤون قبل أن ينتقل الأزهر إلى رحمة الله وتسكن منازلَه هذه الجامعةُ ... وَرِثَتْهُ وليست من وَرَثَته الشرعيين! كان الشيخ أبو اليسر فهرساً ناطقاً (كمبيوتر) لكتب الفقه الحنفي، تسأله عن المسألة فيدلّك على موضعها من الكتاب الذي هي فيه كأنه هو الذي وضعها بيده، ولكن إن عرضَت مسألة جديدة ليست فيها لم يقدر على جوابها. وكان له مثل هذا الاطلاع على أصول الفقه (الحنفي) وكتبه، ولكن كتابه الذي ألّفه لنا في الأصول كان أعقد الكتب. وأنا لم أتعب في «الأحوال الشخصية» التي كان يدرّسها ولا في الوصايا والفرائض، لأني كنت قد قرأتها قبل أن أقعد بين يديه طالباً في كلية الحقوق، أما أصول الفقه فلم أدرسه من قبل ولا فهمته من كتابه، فهل تدرون مَن الذي ضوّأ لي

стр. 568

طريقه وجرّأني على سلوكه؟ إنه أستاذنا سليم الجندي. أما الكتب القديمة، المنار والتحرير (١)، فما كنت لأستطيع قراءتها فضلاً عن فهمها. وأول من أعرفه عرَض هذا العلم عرْضاً سهلاً واضحاً هو الغزالي في «المُسْتصفى»، ومن علماء القرن الحاضر أو قبله بقليل الشيخ الخضري، ثم جلاّه للناس ووضّحه وشرحه الشيخ عبد الوهاب خلاّف، الذي عرفتُه في مصر وفي الشام واستفدت منه ومن زميله الشيخ علي الخفيف، وأحسب أن الأول عقله أكبر من علمه والثاني علمه أكبر من عقله. وكان الشيخ خلاّف يملك قدرة عجيبة على «تبسيط» المعقَّد من المسائل وتوضيحها، وكان مثله -ممّن عرفت- الشيخ شلتوت الذي اجتمعت به عند الشيخ عبد المجيد سليم في مصر لمّا أخذني الزيات إليه فطالت صحبتي إياه. من هذه الكتب فهمت أصول الفقه، ثم ألِفته، ثم إني -كما أظن- أتقنتُه. وممّن ألّف فيه الشيخ محمد أبو زهرة رحم الله الجميع. أعود إلى الشيخ أبي اليسر عابدين. لقد كان أستاذاً في كلية الحقوق فخطر له أن يَدرس الطب، ودراسة الطب لا تتم إلاّ بمعرفة اللغة الفرنسية فتعلّمها، وصار طالباً نظامياً في «الطب» وهو أستاذ يدرّس في «الحقوق»، حتى حاز شهادة «دكتور في الطب» سنة ١٩٢٦، وحاز على شهادة «الكولكيوم» الفرنسية، وفتح عيادة فكان يمارس فيها التطبيب ويدرّس في الحقوق، وله

стр. 569

حلقة في جامع الورد الذي يؤمّ فيه ويخطب الجمعة، وكان يُفتي المستفتين ويُقرئ في داره مَن يقصده من طلبة العلم، وكانت له مكتبة كبيرة فيها الكثير من المخطوطات النادرة فهو يعكف عليها، يقرأ دائماً ويكتب، ومن مكتبته أخذ صديقنا وأستاذنا عزّالدين التّنوخي مخطوطة «الإبدال» لأبي الطيّب اللغوي التي طبعها المجمع العلمي في دمشق. ترك ثلاثين مؤلَّفاً مكتوبة بخطه رأيتُها وكتبت عنها في جريدة الأيام الدمشقية في ١٨/ ٥/١٩٦١ (١)، ما طُبع منها إلاّ واحد هو كتاب «أغاليط المؤرّخين». ومن علماء الأساتذة سعيد مَحاسِن، وهو أقدر محامٍ عرفتُه في الشام ومصر في الدعاوى المدنية، نشأ طالب علم على طريقة المشايخ ثم درس الحقوق في إسطنبول وأخذ الشهادة منها، وصار سنة ١٩٢٨ وزيراً في حكومة لم يكن الشعب راضياً عنها فخرجت المظاهرات ضدّها، وناله الكثير من الأذى فخرج منها بعد أشهر يحمل من الوزارة وِزرها. كان يدرّسنا «المجلة»، وهي المادة الأساسية في كلية الحقوق، أصدرها العثمانيون بعد تأسيس المحاكم النظامية لتكون بمثابة القانون المدني، وضعَتها لجنة من كبار العلماء سنة ١٢٨٦هـ وجمعَت في أولها القواعد الفقهية في مئة مادة، ترتيبها -في الجملة- حسن ولغتها جيدة، ولكنها أُخذت من المذهب الحنفي فقط. وثَقُلت على الحاكمين فوضعوا المادة ٦٤ في قانون «أصول المحاكمات» العثماني

стр. 570

فنسفوا بها ربع المجلة، ولبثنا نحكم بها حتى جاء حسني الزعيم سنة ١٩٤٩ فنسف ما بقي منها وجاء بالقانون المدني، وسيأتي حديثه. وللأستاذ سعيد محاسن شرح للمجلة جيّد، وأوسع شرح لها شرح الأتاسي، ولقدري باشا قانون وضعه هو لم يُعمل به على غرار المجلة، يستند إليه الأستاذ السنهوري كثيراً في بحوثه. كان درس محاسن فيّاضاً بالفوائد، لا سيما حين يحدّث الطلاّب عن بعض ما مرّ به في قضاياه التي كان يرافع فيها. وكان -إلى علمه الواسع- ذكياً من أذكى مَن عرفت من الرجال، يظن خصمه في المحكمة أنه تمكن منه وأمسك بخناقه وضمن كسب القضية، فإذا به يتمسك بخيط كان خافياً عليه لم يلتفت إليه، فلا يتنبه إلاّ والخيط محيط بعنقه وإذا الرابح الأستاذ محاسن. صار نقيب المحامين وكان أكبر محامٍ في البلد وأجره أغلى أجر، على عقدة في لسانه ما انحلّت عنه حتى توفّاه الله. وكان أحدَ خمسة لو آتاهم الله مع العلم البيان وفصاحة اللسان لما قام لهم أحد. منهم أستاذنا سليم الجندي، وشيخ القضاة الشرعيين الفقيه الحنبلي سليل الفقهاء الحنابلة الرجل المستقيم النزيه الذي لا يعرف في الحقّ مجاملة ولا مساومة الشيخ حسن الشطي، وشيخنا أبواليسر، وشيخ مشايخنا العالِم المعمَّر الذي عاش مئة وثمانية عشر عاماً وعاشت معه ذاكرة قوية لم تضعف ونكتته صريحة لاذعة لم تخفّ، رئيس محكمة التمييز الشرعية الشيخ عبد المحسن الأسطواني. ومن الأساتذة من كان قائماً بعمله ناجحاً فيه، لا هو بالعالِم

стр. 571

الظاهر علمه ولا هو بالجاهل المكشوف جهله؛ منهم الأستاذ شاكر الحنبلي. وكنا نعرف اسمه ونحن في الابتدائية على عهد العثمانيين أيام الحرب الأولى لأننا كنا ندرس تاريخ الملوك من بني عثمان في كتاب من تأليفه، وكان مهيباً وقوراً لا يتكلم أحد منا في درسه ولا يهمس، مع أننا نتكلم في درس غيره ونخرج وندخل، فإذا كان الدرس له لم يدخل منا أحدٌ بعدما يبدأ الدرس ولا يخرج منا أحد قبل أن يكمل الدرس. ولم يكن يزيد على ما في الكتاب، ولعله كان يحفظه، ولكنه إنْ سُئل أجاب بما يدلّ على وفر عنده من المعلومات. ولما أصدر كتاب «أصول الفقه» وأهداه إليّ وجدته يعرض فيه كتاب «المنار» عرضاً مفهوماً بأسلوب العصر، لكن ساءني منه أنه سرق من كتاب الشيخ عبدالوهاب خلاّف صفحات وصفحات، نقلها كما هي ولم يُشِر إلى مصدرها. ولم يمنعني كونه أستاذي أن أشير إلى هذه السرقات لمّا كتبت -كما طلب مني- نقداً للكتاب. ثم هبط من يَفاعه ونزع عنه جبّة الوقار، وهو في آخر العمر، ونزل إلى ميدان الصحافة فأنشأ مجلة «الأقلام»، ودعاني إلى الكتابة فيها، فصرت أراه بالعين التي أرى بها كل صاحب جريدة أكتب فيها. ومنهم أساتذة كانوا أقرب إلى الضعف، ولكنهم يسترون ضعفهم. وكان منهم واحد استمعت له المحاضرة الأولى (أو الدرس الأول كما كنا نقول)، فوجئت به أول دخولي الكلية يدور في غرفة الدرس يخطب ويتشدّق ويتقعّر ويشير باليدين، ولكني لم أخرج منه بكثير نفع، فكان رحى (طاحون) لها جعجعة وما فيها من الدقيق إلاّ قليل. ولكن بقي في ذهني إلى الآن شيء ممّا

стр. 572

قال لأنه كان يومئذ جديداً عليّ، هو أننا طلاّب جامعة وطالب الجامعة ليس كتلميذ المدرسة، فالتلميذ يُلقَّن العلم فيحفظه والطالب يعمل بنفسه بإرشاد أستاذه حتى يصل إليه، وفي المدرسة كتاب مقرّر يدرسه الطالب ويَعيه ويكون امتحانه فيما جاء فيه، وليس في الجامعة (اسمعوا هذا أيها الجامعيّون) ليس في الجامعة كتاب مقرَّر بل موضوعات مطلوبة يجمعها الطالب من مصادرها وينظّمها ويُبدي رأيه فيها، ثم يقدّمها للأستاذ بحثاً مُعَدّاً. والجامعة التي تفرض على طلابها كتاباً تمتحنهم فيه ليست جامعة بل مدرسة متوسطة! وما قاله صحيح، ولكني وجدته لمّا خبرته مثل بيانات المرشَّحين في الانتخابات، برامج كاملة ولكنها موقوفة التنفيذ، مواعيد ولكنها «مَواعيدُ عُرْقوبٍ أخاهُ بيَتْرَبِ (يَتْرَب لا يَثْرِب)، هو الأستاذ سامي الميداني المحامي الكبير، وكان يدرّسنا الحقوق الدولية. ومن أفاضل المدرّسين الأستاذ ستيف، فرنسي عالِم كان المستشار التشريعي للدولة السورية، درّس لنا علماً هو كالمدخل إلى دراسة الحقوق، كان يُلقيه إلقاءً جيداً فصيح اللهجة واضح النبرة، يدلّ درسه على فهمه وعلمه، ولكن الذي نقله إلى العربية جاء به (نصاً ...) معقّداً ركيكاً لا واضحاً ولا مفهوماً، لكنه كان في بداية العهد بالتدريس، وقد نضج بعدُ وصار من فضلاء الأساتذة وصار وزير الأوقاف، فحسن عمله في الوزارة، ثم دخل مع حسني الزعيم وصار رئيس وزرائه، ثم قُتل معه لمّا قُتل، هو الأستاذ محسن البَرازي.

стр. 573

ومنهم من هو ذكي الجنان طلق اللسان، قوي الشخصية له منزلة اجتماعية، لو أجهد نفسه قليلاً لكان من أحسن الأساتذة، ولكنه كسلان لا يُعِدّ لدرسه ولا يحفل به، كأنْ ليس له ضمير يحاسبه؛ هو أحد أركان الكتلة الوطنية وأحد المحامين الخطباء، الأستاذ فايز الخوري، الأخ الأصغر لفارس بك، وكان يدرّس الحقوق الرومانية. وأستاذ نحبه لنُبْل نفسه وحُسْن خلقه، ولكنا لم نجد عنده علماً بل صَفّ كلام وتزجية ساعات، فهو أقرب إلى الجهل، أو هو جاهل. وآخَر لم يكن جاهلاً فقط بل عبقرياً في الجهل (إن كان في الجهل عبقريات!)، يدرّسنا الاقتصاد في كتاب كان في الأصل من تأليف شارل جيد المشهور، ترجمه جاويد باشا الوزير الاتحادي المشهور أيضاً (وهو يهودي الأصل من طائفة الدونمة واسمه دافيد (أي داود)، فحوّله، أو حوّله له أبوه جاويد ليكون كأسماء الأتراك، فيكون أبلغ في المكر وأشد في العداوة للإسلام). ثم كان الأستاذ الذي يدرّسه كلما وجد في الأساتذة أو الطلاّب مَن له قلم بليغ سأله أن يعود على عبارته بالتنقيح والتصحيح حتى صار كتاب أدب! ولم يكن يستر جهله بصمته بل يكشفه بلسانه، فيُضيع أولاً ربعَ ساعة بقراءة التفقد، يرفع النظارات عن عينيه حتى يقرأ الاسم ثم يعيدها حتى يبصر الطالب المسمّى، ثم يأمر أحد الطلاّب فيقرأ الفصل من الكتاب فيضيع ذلك ثلث ساعة، ثم يشرح. وهاكم مثالاً ممّا بقي في ذهني من شرحه: يمرّ في الكتاب ذكر السلسلة العددية والهندسية فيقول: أتدرون ما السلسلة العددية وما الهندسية؟ فنقول (للتسلية بشرحه

стр. 574

والهزء به): لا ندري. فيفكّر ويأخذ هيئة العالِم الجادّ ويقول: العددية يا أولادي هي التي تنقص والهندسية هي التي تزيد! وجاء مرة ذكر «ميزانتروب» (وهو اسم مهزلة كوميدية لموليير) فقال: أتعرفون من هو ميزانتروب؟ قلنا: لا. قال: هو عالِم من علماء الاقتصاد! قلنا: أفادك الله كما أفدتَنا. * * *

стр. 575

-٥٣ - ذكريات عن الجامعة والامتحانات الطلاّب درجات: فمنهم فئة يُعطَون رواتب، أي أنهم يتعلمون ويكسبون، كطلاب المملكة العربية السعودية؛ يأخذ الواحد منهم ألف ريال في الشهر، وأنا أُحلت على التقاعد بعدما بلغت ذروة سلّم الوظائف وأُعطيت في الشام مثل مرتّب وكيل الوزارة، وما وصلت إلى ما يعدل ألف ريال! ومنهم من يدرس مجّاناً، ومنهم من كان مثلي لا ينال العلم حتى يدفع الثمن «أقساطاً». وهؤلاء منهم من له الأب الغني يعطيه ما يطلب ولا يُشعِره الحاجة إلى شيء، فكان يُفرّغ نفسه لدراسته، ينفق فيها وقته كله ويضع فيها جهده كله، وأنا قد دخلت الجامعة (كما عرفتم) وما لي مال أمدّ يدي إليه ولا أب ولا قريب أعتمد عليه، وكان عليّ فوق أداء «ثمن العلم» أن أعول نفسي وأهلي. فكنت طالباً في الجامعة، ومعلّماً في المدارس الأهلية، ومدرّساً حيناً في الكلية العلمية الوطنية، وأعمل محترفاً في الصحافة، أكتب المقالات وأصحّح «البروفات» وارتّب الأخبار وأعلّق عليها التعليقات، على حين كنت أخطب في الحفلات وفي المظاهرات وأعمل مع لجنة الطلبة في إعداد الإضرابات، وأحضر -مع هذا-

стр. 576

مجالس العلماء وأقعد في حلقات المشايخ، وأشارك في أعمال الجمعيات الإسلامية من غير أن أنتسب رسمياً إليها أو أدخل فيها، وأخطب خطبة الجمعة، وأُلقي دروساً خصوصية. ومن أصعب ما مرّ بي من تجارِب في مجال الدروس الخصوصية تجرِبة كنت ناسيَها فما حدّثتكم حديثها، هي أنه كان في «بوّابة الصالحية» مؤسسة أهلية لأستاذ لبناني اسمه (كما أذكر) سليمان سعد، تُدعى (كما أظن) الجامعة العربية، سمع بأني أحسن العربية وأحتاج إلى المال، فعرض عليّ أن ألقي عنده درساً خاصاً لطالب واحد بأجر كان يُعتبر كبيراً جداً، فقبلت. وكانت المفاجأة الكبيرة يوم الدرس أن هذا الطالب جاء يحمل معه تاء التأنيث، لم يكن طالباً ولكن طالبة شابة تتفجّر شباباً وتفيض حسناً، تنشر حولها ساحة من الفتنة مثل الساحة المغنطيسية، لم أقدر أن أمكّن نظري منها لأصف وجهها وعينيها، ولكن اللحظة التي لقيت عيناي فيها عينيها كَفَت لتقول لي وأقول لها. ولعلّي بالغت في تصوّري، ولعلّ شبابي وكوني لم أجتمع قبلها بفتاة من غير أهلي وأن في نفسي من العواطف والرغبات ما يكون في نفوس أمثالي من الشبان، لعل هذا هو الذي خَيّل إليّ أني أرى فيها ما رأيت. والخلاصة أني أُصِبت منها بمثل ما يصيب من يمسّه السلك مشحوناً بتيار الكهرباء. ووقفت ألتقط أنفاسي وأرقب أن أفيق من دهشتي، يتقاذفني ميل نفسي إلى تدريس هذه الفتاة مع حاجتي إلى الأجر الكبير الذي عُرض عليّ، وخوفي من الله الذي أسأله أن يبعدني عن طريق الحرام ومزلاّت الأقدام، وتردّدت هل أقول:

стр. 577

لا، فأحرم نفسي متعة الجمال والمال، أم أقول: نعم، فأسلك سبيل الضلال؟ وتمنيت أن أقوى على الرفض فلم أستطِعه، ومنعني ديني أن أعلن القبول. وكانت هذه الخواطر تمرّ في نفسي مرّ «الفِلم» الذي يكرّ مسرعاً، وهما يرقبان الجواب وهو يستحثّني عليه يشجّعني على القبول، فقلت: ولكني لا أستطيع أن أدرّس الآنسة وحدها. وقد نسيت أن أقول لكم إنها كانت سافرة يتهدّل شعرها على كتفَيها وتبدو ذراعاها، قالا: ولِمَه (١)؟ قلت: لأن ديني يحرّم هذا عليّ. قالت: آتي بأخي معي يحضر الدرس. وليتها ما نطقَت! فقد كان صوتها فتنة أخرى كامنة فيها، ومن الأصوات ما يفتن ولو نطقَت صاحبته بالموعظة والتذكير. وحضر أخوها، ودرّستها. والدرس (تصوّروا) موضوعه منهاج تاريخ الأدب في البكالوريا الذي يجيء في أوله شعر بشّار وأبي نواس، ولو درّس الشابّ مثلَ هذه الفتاة أحاديثَ البخاري لوجد الشيطانُ مدخلاً إلى مجلسهما، فكيف والدرس في غزل بشّار المكشوف المفضوح وشعر أبي نواس؟! درّستها أربع حصص أو خمساً، اللهُ أعلم كيف كنت فيها، وإن لم أدرِ (صدّقوني) ما لون عينيها، فأنا كنت الخجلان لا هي؛ فكنت أتحاشى النظر إليهما، على رغبة نفسي فيما أتحاشاه. ثم رأيت أن استمرار الدرس مع غضّ البصر ولزوم الاحتشام ومع ما في النفس من الرغبة الطاغية نوعٌ من عذاب الدنيا، ونظري إليها ورفع الكلفة معها وتوثيق الصلة بها تعريض نفسي لما هو أشدّ منه من عذاب الآخرة. فتركت لها ما بقي لي من الأجرة معها، وهربت

стр. 578

منها وقلبي عندها! ولو وضعت في هذه الحالة قصة لكانت من أروع القصص. وأنا قادر على كتابتها، ولكني أُكرم شيبتي أن أعود الآن إلى هذا الهراء، وأرحم الشباب من القرّاء. * * * وكانوا يُلزموننا بالدوام، أي بحضور عدد معيّن من دروس الأساتذة، فإن لم نستكمله لم يمكّنونا من دخول الامتحان. وما ينبغي لطلاب الجامعة أن يُكرَهوا على استماع دروسها، بل إنّ مردّ ذلك إلى مقدرة المدرّس وتقدير الطالب. فمَن كان من الأساتذة ذا علم يشعر الطالب بالحاجة إليه ويحسّ بالاستفادة منه، وكان ذا بيان يعرض به علمه: بحسن إلقائه وجمال تعبيره، ولم يكن فظاً غليظ الطبع ولا مدّعياً ولا مستكبراً ولا جاهلاً، مثل هذا المدرّس يُقبِل الطلاّب على درسه من غير أن تسوقهم عصا أو يضطرّهم إكراه، كما يُقبِلون على سماع الدروس النافعة في المسجد والمحاضرات المفيدة في النادي، يتسابقون إليها وما أجبرهم أحد عليها. فلماذا لا تكون محاضرات الجامعة مفتوحاً بابها للطلاّب جميعاً، من حضر فأهلاً به وسهلاً، ومن غاب فلا لوم عليه ما دام النجاح بالامتحان، وعند الامتحان يُكرَم الطالب أو يُهان؟ وليس لك أن تسأله من أين حصلت العلم: مِن درس المدرّس أم من الكتب أم من أفواه العلماء من غير المدرسين، المهم أن يلمّ بالمطلوب منه في المنهج وأن يجيب على السؤال الذي ألقي عليه يوم الامتحان. أليست هذه هي سُنّة طلاّب الأزهر قديماً وأخوات

стр. 579

الأزهر: مدرسة القرويين، والزيتونة، ودار الحديث في دمشق، وحلقات العلم في المساجد كلها؟ لقد أخذنا هذه الطريقة أخيراً، ولكنا لم نأخذها صافية من العين بل أخذناها من الساقية بعدما قطعَت الساقيةُ شوطاً بعيداً، فمرّت بأميركا ثم عادت إلينا، وقد غيّرت اسمها فصار اسمها «نظام الساعات المعتمَدة». أنا أدرّس من سنة ١٣٤٥، ولم أنقطع عن التدريس إلى السنة التي نعيش فيها سنة ١٤٠٣. وكنت أسمع من الناس أنني من الأذكياء، فلما طال ذلك صدّقتُه وحسبت -غروراً مني- أني ذكي حقيقة، فلما جاءنا نظام الساعات رأيت أني من كبار الأغبياء لأني لم أقدر أن أفهمه! ولا أدري لماذا لا نعود به إلى أصله الذي أُخذ منه وهو أسلوب الدراسة في الأزهر وأمثاله، على أن نهذّب حواشيه ونعدّله حتى يكون صالحاً لهذه الأيام؟ أو نعود إلى نظام السنوات الذي كان على أيامنا: تُوزَّع العلوم على السنين، فكلما أحاط الطالب بمنهج سنة منها وأتقنه فهماً انتقل إلى السنة التي تليها. أو لعلّي أقول هذا لأني لم أدرك حسنات نظام الساعات، أو لأني صرت «عجوزاً» يلتفت دوماً إلى الوراء، يحبّ القديم ويحنّ إليه ويكره الجديد وينفر منه ... لست أدري! * * * كانت المشكلة الكبرى لي ولأكثر الطلاّب معي هي «الميمات»، حتى تَحدّث بها الركبان -كما يقولون- ونقل خبرَها السلَفُ من الطلاّب إلى الخلَف، ورُكّبت عليها النكت والنوادر ونُظمت فيها الأشعار. هذا الأستاذ أديب التقي البغدادي (أستاذ

стр. 580

العربية في ثانوية البنات) وقد كان من طلبة الحقوق قبلنا يقول لفارس بك الخوري: يا ليتَ شعريَ والأيامُ ظالمةٌ (١) ... وأنتمُ عَضُدُ المظلومِ إنْ ضيما ماذا تقولونَ في محتاجِ ميمِكُمُ ... إنْ جاءَ يطلُبُ منكم ذلكَ «الميما»؟ يأخذها بالنكتة البليغة من غير أن يعمل لها عملها، كما كان الشعراء المدّاحون يأخذون أموال الأمّة بالقول الجميل الذي كان أكثره كذباً ... أموال يدفعها العاملون الكادحون فيتلقّفها الكاذبون المنافقون (أعني أكثر المادحين لا كلّهم). وما «الميمات»؟ إن الأساتذة كانوا يقرؤون أسماء الطلاّب في أول كل درس (أي حصة) ليعرفوا مَن حضره ممّن غاب عنه، لأن باب الكلية مفتوح ليس عليه بوّاب يُحصي الداخلين ويمنع الخارجين. لذلك كان هذا «التفقّد» في أول كل درس، يضعون أمام اسم الحاضر ميماً (أي موجود)، ثم تُعَدّ الميمات قُبَيل الامتحان، فمن حاز منها القدر المطلوب قُبِل فيه ومن لم يَحُزه أُقصِيَ عنه ومُنع منه. هذه هي «الميمات». ومن الأساتذة من كان يقرأ الأسماء كلها، ومنهم من يضنّ بوقته ووقت الطلاّب عن أن يُهدِرَه في أمر ليس من شأن الأساتذة ولا من عملهم، وإنما هو عمل إداري تتولاّه الإدارة، ومنهم من يوكّل طالباً يثق

стр. 581

به ليشير في الجدول إلى الحاضرين والغائبين، ثم يعدّ الطلاّب من بعيد يُحصيهم بنظره، فإن وجد الميمات في الجدول أكثر من الحاضرين في المكان علم أن من ائتمنه قد خان. ومنهم من لا يعد الأسماء ولا ينظر في الحاضرين ولا يقيم للأمر وزناً، ويوقّع الجدول ناسياً أنها أمانة وأنّ الله يسألنا عن كل ما اؤتُمنّا عليه. وكنت أنغمس فيما أمارس من أعمال يكاد يضيق عنها وقتي، وأختلس من بينها ساعات أروغ فيها إلى الكلية أسرع الخُطا لآخذ «الميم» وأنسلّ هارباً، إلاّ إن كان الدرس لمثل أبياليسر عابدين أو فارس الخوري أو سعيد المحاسني أو ستيف، فلا أقدر على الهرب. ومَن يقدر على الهرب من المائدة الحافلة وهو جوعان؟ أبقى على ذلك السنة إلاّ أقلها، وربما نسيت في غمرة أعمالي الكلّية وما فيها، حتى إذا لم يبقَ بيني وبين الامتحان إلاّ شهر واحد تركت كل ما في يدي واختفيت فلا يراني أحد ولا يعرف مكاني، وعكفت على كتب الكلية ومذكّراتها ومراجعها لا أفكر إلاّ فيها ولا أشغل ذهني بغيرها، وكان اختفائي (أكثره) في دار عمّي الشيخ عبد الوهاب، والدار بجوار الجامع الأموي عند المدرسة البادرائية وحمّام سامه، في زقاق عرضه أربعة أذرع تتفرع منه حارة عرضها أقلّ من باع، تدخل فيها أربعين ذراعاً ثم تلتوي بك فتمشي أربعين أخرى، قد ركبَتها البيوت فهي مظلمة في وضح النهار، تدخل من بابها إلى دهليز صغير فيه «قاعة» الضيوف ومرافقهم ثم إلى صحن واسع فيه شجرات و «دالية» صاعدة إلى «المَشْرَقة» تحمل كل عام أكثر من مئتي (كيلوغرام) من العنب البلدي الذي يزيد حجم حبّته على حجم إبهام الرجل

стр. 582

الضخم، كأنه «مقامع البلّور» كما وصفه ابن الرومي، وفي صدر الدار الإيوان تطل عليه غرفة كبيرة، كان فيها مقامي في هذا الشهر ومنامي. وكنت أشعر من اللحظة التي ألِجُ فيها الدار أنني خرجت من الدنيا وخلّفتها وراء ظهري، فلا أرى منها شيئاً ولا أسمع فيها صوتاً. وماذا أسمع؟ وما كانت يومئذ هذه الأصوات التي تلحقك اليوم وأنت في قرارة دارك، تقضّ عليك مضجعك وتُفسِد عليك عملك وتكرّه إليك عيشك، فتفزع إلى طبيب الأعصاب وإلى الفاليوم والنوربيوم والتريبتيزول والأنسيدون وأسرتها الكثيرة العَدَد القليلة المَدَد، التي يصطفّ أمامي الآن على الرفّ اثنا عشر واحداً منها، لا بورك فيها! لم يكن هذا الرادّ (الراديو) الذي نسمعه الآن من كل مكان وفي كل آن، لا يستريح ولا يريح، يطلع من قبل أن تطلع الشمس ولا ينزل ولو نزل ميزان الليل ودنا السحَر، إن سكتت محطة نطقت أخرى! ولو أن من أراد أن يسمع سمع وحده لما كان لي عليه سبيل لأن له أن يسمع ما يحب، لكن لماذا يجبرني أنا أن أسمع ما لا أحب؟ (١) إن الذي اخترع هذه «الإذاعة» لو علم أنها ستكون أداة إزعاج ووسيلة إجرام يضعها في يد الرجل الجاهل والمرأة الحمقاء لانتحر، فبلع حبة سيانور البوتاسيوم أو رمى نفسه

стр. 583

من الشبّاك أو أطلق على نفسه الرصاص، أو انتحر بما هو شرّ من ذلك بأن تكون له «معاملة» في بلد يدين موظفوه بدين «الروتين» مضافاً إليه إهمال الموظفين و: "تعالَ بكره، مشغولين"! ما كان عندنا يومئذ (سنة ١٩٣١) إلاّ جهازان للرادّ، أحدهما عند محمد علي بك العابد رئيس الجمهورية والآخر عند الأمير سعيد الجزائري، وكان الجهاز بحجم الثلاّجة، ما كانت قد وُجدت هذه الروادّ الصغيرة التي تحملها باليد كما يحمل المريض جراثيم مرضه المعدي ينشرها (مجّاناً) في الناس. * * * لقد كنت آخذ «الميمات» بمثل وسيلة الأستاذ التقي وبأمثالها، وبالحيلة وبالتهديد. وأستغفر الله الآن من هذا الذي كان، وليس الذنب فيه عليّ وحدي بل على من وضع هذا القانون. حتى إذا انقضى الشهر وكمل إعداد سلاح المعركة برزت شاكي السلاح ودخلت الامتحان. ولقد أدّيته في السنة الأولى وأنا بالعباءة والعقال، فوفّق الله وكنت الأوّل بين رفاق منهم من هو أقرب إلى فضل الأساتذة منه إلى حال الطلاّب. ترون ذلك في صورة صفحة السجل (١)، أما الشطب على كلمة «الأوّل» مع إبقائها ظاهرة فسببه أنهم أبطلوا نظام ترتيب الطلاّب واكتفوا بدرجات ثلاث: جيد وحسن وضعيف.

стр. 584

ولست أنصح الطلاّب أن يعملوا مثلي فهذا شيء عملته مضطراً إليه، والطالب العاقل يُعِدّ للامتحان من أول يوم، يمشي على مهل خطوة خطوة مثل سلحفاة لافونتين، فهذا أسلم من أن يقلد (كما قلدت أنا) الأرنب، وكما أصنع دائماً. إن هذا من عيوبي، وعلى الكاتب أن يجنّب قرّاءه عيوبه. إني أؤخر كل عمل إلى آخر وقته ثم أقوم مسرعاً أعدو كالمجنون؛ لقد تركت الحكمة العربية الصحيحة «لا تؤخّر عمل اليوم إلى الغد» وأخذت الكلمة الحمقاء للكاتب الفاسق أوسكار وايلد «لا تؤخر إلى غد ما تستطيع عمله بعد غد»! لقد أضاع عليّ التسويف خيراً كثيراً في الدنيا وأسأل الله -ضارعاً إليه- ألاّ يضيع عليّ خير الآخرة (١). لقد حاسب الغزالي نفسه مرة فقال لها: يا نفس، ألا تؤمنين بأن الله مطّلع عليك ناظر إليك؟ قالت: بلى. قال: ألا تعلمين أن كل ما تعملينه يُقيَّد لك أو عليك، وأنك واقفة غداً بين يدَي الله فمحاسَبة عليه ومَجزيّة به؟ قالت: بلى. قال: ألا تعلمين أنه غفور رحيم وأنه سريع الحساب شديد العقاب؟ قالت: بلى. قال: فكيف إذن تعصينه؟ فتبيّن له أن العلّة ليست من ضعف الإيمان ولكن من التسويف وفقد العزم. لقد قلت من قبل إن كل واحد منا يريد أن يستقيم وأن يتجهز للسفر ويتزود للرحيل، ولكنه يؤجل ويسوّف. إنه يؤمّل دائماً أن يتوب، ولا يزال في التسويف والأمل حتى يسبقه الأجل. فيا ربّ قوّةً منك أصحّح بها العزم على العودة

стр. 585

إليك، فإنه لا حول ولا قوة إلاّ بك. كنت في السنة الثانية من كلية الحقوق لمّا عُيّنت معلّماً (وسيأتي الحديث عن ذلك)، وكان قد بقي للامتحان أقلّ من شهرين، فتسلمت عملي وواظبت عليه، واضطُررت إلى تأجيل امتحان الحقوق إلى الدورة الثانية ووُفّقت والحمد لله فيه. وممّا اعترض دراستي في الجامعة أنه مُنع الجمع بين الوظيفة والدراسة الجامعية، وكان كثير من الطلاّب موظفين. وكانت أزمة استغلها المعارضون وكَثُر فيها الجدل، على نحو ما نقرأ الآن في الصحف عن حكومة المغرب التي مارست الآن مثل هذا المنع. وخاب كل مسعى وأصرّت الحكومة على قرارها، ولكن لكل قاعدة شواذّ، وكنت من الشواذّ، فقد غَضّوا الطرف عن بسّام كرد علي لأن عمّه أستاذنا محمد كرد علي هو الوزير، وعني لأني ... لأني ماذا؟ هل أعترف بالحقيقة فأقول: لأني حديد القلم طويل اللسان محاط بجيش من الطلاّب؟ وسمحوا لي أن أوكّل وكيلاً عني يدرّس في مكاني. وكان من أصدقائي رجلٌ عصامي، طالب علم من أصحاب الشيخ هاشم الخطيب، وكان نجاراً في «القَباقبيّة»، نجّاراً بارعاً يأكل من كسب يديه مالاً حلالاً كما كان شأن بعض كبار الصحابة وكبار العلماء. وكان يغدو إلى درس الشيخ هاشم في المسجد ثم يؤمّ دكانه في السوق، يُحسِن عمله وينصح من يعامله ويقنع بالقليل الحلال، لم يكن غشاشاً ولا طماعاً ولا مدّعياً في صناعته، وكان -إلى ذلك- من أرباب الفتوّة، لاعب سيف. وكانت لعبة السيف

стр. 586

والترس ممّا يفخر به الرجال، وكان البطل فيها يمسك بيديه سيفَين وينازل خصمَين، وكذلك كان هذا الصديق، وكان يحطّ على الأرض قاعداً القرفصاء ثم يثب من قعدته في الهواء كما يفعل أهل القوقاز. وهو اليوم أحد الشيوخ المعروفين في الشام، انقطع إلى العلم وخرّج علماء وأفاد المسلمين. ذلكم هو الشيخ صالح فرفور، وهو أسنّ مني مدّ الله في عمره وقوّاه. وكان من مشاقّ طريق الدراسة هذه الأقساط، وهي تعدل بسعر اليوم ستّة ريالات، وكدت من أجلها أخرج من الجامعة وأضيع دراستي! لقد كان صباح يوم ٢٩ نيسان سنة ١٩٣٢، تاريخ أذكره دائماً لأنه كان آخر أجل لدفع القسط، فذهبت إلى عمّي أطلب منه المبلغ قرضاً، فوجدته في الطريق، وكلمته فتجاهل طلبي وقال: السلام عليكم، ومشى. ولم يكن بقي من وقت الدفع إلاّ ساعتان، فأكرهت نفسي على تجرّع كأس المذلّة وأعدت السؤال، فقال: ما معي، السلام عليكم. فكدت أنفجر من الغضب وكاد لساني، بل وكادت يدي يفلتان مني، ولكني كظمت غيظي وقلت: اقترضها لي من المكتبة. وكان قد وصل إلى باب المكتبة الهاشمية، وأنا أعلم أن له فيها مالاً وأنهم لا يردّون له طلباً. ولم يدرِ كيف يتخلص مني فقال لهم: هل عندكم عشر ورَقات (وكنا نقول عن الليرة ورقة)؟ قالوا: نعم، بكل ممنونية. فرأيته أشار إليهم بحاجبه ألاّ يعطوني، فاستدركوا وقالوا: ولكن بعد يومين. فلم أقُل شيئاً، ووجدت من أقرضَني فدفعت المبلغ الكبير الذي كاد يقطع عليّ دراستي ويضيّع مستقبلي وهو عشر ليرات، أي ستّة ريالات! ثم جاءت المصيبة الكبرى وهي رسم

стр. 587

الشهادة، وكنت قد أكملت الدراسة في الكلية، ولكن الشهادة لا تُسلّم إليّ حتى أدفع الرسم القانوني وهو أربعون ليرة. دفعها الشيخ عبد القادر العاني قرضاً، ثم علمت بعد سنين طوال أنه جمعها من التجّار من غير أن يذكر لهم اسمي؛ أي أنني دفعت ثمن الشهادة «شحادة»! * * * وهاكم صورة للأساتذة وللطلاّب المُجازين معي سنة ١٩٣٣ (١)، منهم اثنا عشر من دمشق، واثنان من حلب، وأربعة من حماة، وواحد من حمص، وواحد من جبلة، وواحد من القريتين (جنب تَدمُر)، ومنهم ستّة من لبنان، وأربعة من الأردن، وخمسة من بغداد (إذ لم يكن فيها جامعة في تلك الأيام) منهم يونس السبعاوي الذي شارك في حركة رشيد عالي وصار وزيراً ثم قُتل شهيداً، ومنهم الزعيم المعروف صدّيق شنْشَل. ومن زملائنا الأستاذ الفقيه الوزير الشيخ مصطفى الزرقا، والزميل القاضي الشهيد الشيخ عادل العلواني، والقاضي المستشار الأستاذ بدر الدين الكاتب، والأستاذ فؤاد شباط وكيل وزارة الداخلية وعميد الكلية فيما بعد. ولست أعدّ أسماءهم جميعاً، وهذه صورهم أمامكم وأسماؤهم تحتها، فاذكروا من تعرفون منهم، قوّى الله من بقى منهم على شيخوخته ورحم من ذهب إلى لقاء ربه. * * *

стр. 588

-٥٤ - فارس الخوري كان أستاذي، استفدت منه وقدّرت فضله ومدحته، ولكنْ كان آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه! هذا الكلام لم أقله الآن ولكن صدعت به على المنبر من نحو ثلاثين سنة، فاستأذنني الأستاذ أحمد عسّة (وكان يوماً تلميذي) أن ينشره في جريدته فأذنت، فنشرَته الجريدة بالخطّ الكبير (المانشيت) بالقلم العريض. وكانت إحدى مرّات ثلاث ثارت فيها جرائد دمشق كلها عليّ وتبارت في ذمّي وشتمي وجرّب كل ذي قلم قلمه فيّ. أما ذنبي الذي لا يُغتفَر فهو أني «كفرت» بدين الوطنية ودعوت إلى الطائفية، وفرّقت بين المواطنين بسببٍ من اختلاف الدين، وهم يهتفون كل صباح: بلاد العُربِ أوطاني ... منَ الشامِ لبغدانِ ومنْ نجدٍ إلى يمَنٍ ... إلى مصرَ فتَطوانِ فلا دينٌ يفرّقُنا ... ... لا يفرّقنا الدين؟! أي أنهم يريدون أن نجعل الكافرين

стр. 589

كالمسلمين وأن ندعو بدعوة الجاهليّين، ندَع كلام ربّ العالمين: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾ فننكر أُخوّة الإيمان ونتمسّك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقربَ إلينا من بلال وسلمان. كلاّ، ولا كرامة! قلتها من أول حياتي وأقولها الآن. أفتدرون ماذا كان موقفي من هذه الحملة وماذا كان ردّي عليها؟ كان بياعو الصحف يعلّقونها على جدار القصر العدلي، وكنت أمرّ بها وأنا أدخل إلى المحكمة فأرى عناوينها وأنا ماشٍ: «الطنطاوي كذا والطنطاوي كذا»، فلا والله ما مددت يدي إلى واحدة منها ولا قرأتها ولم أعرف إلى هذه الساعة ما الذي كان فيها. حلفت لكم لتصدّقوني، وكنت أصل إلى محلّي وأباشر عملي وما حرّك هذا كله شعرةً في بدني، لأني تعوّدتُه فما عدت أشعر به! أما الذي قلت عنه هذا الكلام، فأثار عليّ أصحاب الأقلام من المسلمين فرموني بكل جارحة من التهم وكل قارص من القول، وهو أستاذنا فارس الخوري، فقد قابلته في الطريق فحاولت أن أقول له شيئاً، فسبقني فقال لي (بالحرف الواحد): لا عليك؛ لقد جهرتَ بحكم دينك وهذا ما أُكْبره فيك، وجعلتَني أقرب النصارى إليكم وهذا ما أشكرك عليه! وكان ممّن حضرت عليه في المدرسة وفي الجامعة أساتذة من النصارى، ودرست العبرية في دار العلوم في مصر على الأستاذ اليهودي ولفنسون، فكنت أقدّر علم العالِم منهم لا أنكر فضله ولا أبخسه حقّه، وأبرّ منهم من لم يقاتلنا قومُه في الدين ولم يخرجونا من ديارنا وأقسط إليهم، ولكنْ لا أجامل واحداً منهم أو

стр. 590

مِن غيرهم في ديني ... إذا جاء حكم الدين بطلت المجاملات! كذلك كانت صلتي بفارس الخوري؛ صلة تلميذ يقدّر أستاذه ويأخذ من علمه، وسترون أن ذلك كله لم يمنعني أن أعلن أن الإسلام لا يُجيز انتخاب غير المسلم نائباً في مجلس يشرّع القوانين للمسلمين. ولم يسمع الناسُ مثلَ هذا الكلام جَهاراً من أحد قبلي، وسيأتي تفصيل هذا الإجمال في موضعه من سلسلة المقال. كان فارس الخوري أحدَ عباقرة العرب في هذا العصر علماً وفكراً وبياناً. ورُبّ عالِم واسع المعرفة كثير الاطّلاع لكنه غير مفكّر، ورُبّ مفكّر سديد الفكر بعيد الغور ولكنه ضيّق المعرفة، ورُبّ عالِم مفكّر لكنه ضعيف البيان عَيِيّ اللسان. أما فارس الخوري فقد جمع الله له الثلاثة، وكنت أعجب منه كيف يكون له هذا الاطّلاع على الإسلام وهذا العقل، ولا يهديه عقله إلى اتّباع دين الحقّ الذي لاحقّ في الأديان غيره! لا سيما أنه كان يتمسك بأوهى خيط من النصرانية، فقد كان بروتستنتياً، بل كان أقرب إلى أن يكون بلا دين. فلما مرض وطال مرضه رأيناه كلما عاده أحد من المسلمين حدّثه عن الإسلام، وكان يُكثر أن يطلب من شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار (ومن غيره) أن يقرأ عليه القرآن، وأوصى (ونُفّذت وصيته) أن يُتلى القرآن في مجلس التعزية به إذا مات. فكنت أحار في تفسير هذا كله، حتى نشر الأستاذ محمد الفرحاني كتابه عنه (وقد كان ملازماً له في مرضه لا يفارقه أبداً) فإذا هو يؤكّد أنه

стр. 591

مات على دين الإسلام، فرحمه الله ورحم الفرحاني الذي فرّحنا بهذا النبأ. وكنت سنة ١٩٤٧ أقيم في مصر وأُشرفُ على تحرير «الرسالة» (راجع ما كتبه الزيات في العدد ٧٣٣ في البريد الأدبي)، وكان (أي فارس الخوري) مندوبَ سوريا في مجلس الأمن، وكانت إليه رئاسة المجلس حين عُرضت قضية مصر عليه. وخطب مندوبها النقراشي باشا مدافعاً عن حقها، وخطب فارس الخوري، فكانت خطبته "نقطة التحول في مجرى الرأي في مجلس الأمن" كما كتب الأستاذ الصاوي في «أخبار اليوم». وحين كانت الجرائد تتحدث في مصر عن مجلس الأمن والنقراشي وعن فارس الخوري على التخصيص (الذي كان الناس يومئذٍ يزدحمون على الرادّ في المقاهي والشوارع ليستمعوا إلى خطبته وهو يلقيها بالإنكليزية والمذيع ينقلها إلى العربية) لم يكن يُعرف عنه في مصر إلاّ القليل، فكتبت في العدد ٧٤٠ من الرسالة، الصادر يوم ٢٣ شوّال (٨ سبتمبر ١٩٤٧) كتبت مقالة عنوانها: «ما أعرفه عن فارس الخوري»، تناقلَتها جرائد كثيرة وعلّق عليها كتّاب كبار منهم الأستاذ العقاد في العدد ٧٤١ من الرسالة بعنوان «الأستاذ فارس الخوري أو عبقرية البيان». وكان ممّا قلته في مقالتي: أقيمت في ردهة المَجمع العلمي العربي في دمشق من نحو عشرين سنة (أي سنة ١٩٢٧) حفلة لتكريم حافظ إبراهيم لمّا زار دمشق حضرتُها أنا وأخي سعيد الأفغاني، وكنا يومئذ في ريق الشباب على أبواب العشرين من

стр. 592

العمر، نقصد هذه الحفلات لننقد الخطباء ونبتغي لهم المعايب، فمَن لم نَعِبْ فكرته عِبْنا أسلوبه ومن لم ننتقص إنشاءه انتقصنا إلقاءه! وخطب في هذه الحفلة كثير، وألقى فيها شاعر الشام شفيق جبري إحدى روائع قصائده، وكنا ننتظر من حافظ قصيدة مثل شاميته الأولى، فكأنه أُرْتِجَ عليه فاكتفى ببيتيه المشهورَين: شكرتُ جميلَ صُنعِكمُ بدمعي ... ودمعُ العينِ مقياسُ الشعورِ لأوّلِ مرّةٍ قدْ ذاقَ جَفني ... -على ما ذاقهُ- طعمَ السرورِ ولم يأتِ فيهما بشيء! وكان فيمن خطب رجل قصير القامة كبير الهامة أبيض الشعر، ألقى قصيدة لا أزال أذكر أن مطلعها كان: ليالي التّصابي قد جفاني حُبورُها ... ولُمّتيَ السوداءُ أشرقَ نورُها ومَن لي بإنكارِ الحقيقةِ بعدَما ... تجلّى على وجهي وَفَودي نذيرُها تذكّرتُ أيامَ السرورِ التي مضَتْ ... فيا ليتَ شِعري هل يعودُ سرورُها؟ أسِفْتُ على عهدِ الشبابِ ولم تعُدْ ... تُثيرُ فؤادي مقلةٌ، وفتورُها وأدنَتنيَ الأيامُ من هُوّةِ الوَنى ... فأصبحَ منّي قابَ قوسٍ شَفيرُها وكادَت صُروفُ الدهرِ تطوي صحائفي ... وهل بعدَ هذا الطيّ يُرجى نُشورُها

стр. 593

ومنها: أَحافظُ حيّيتَ الشآمَ تحيّةً ... يفوقُ عبيرَ الوردِ منها عبيرُها وألبستَها ثوباً منَ الحمدِ دونَهُ ... حدائقُها في زَهوِها وزهورُها وطوّقتَها بالحبِّ والعطفِ رِبقةً ... قلادةَ أسرٍ لا يُفادى أسيرُها وهي طويلة. وأقول الآن: إنها موجودة في الكتاب القيّم الذي لم يصنع وفيٌّ لحافظ وشوقي مثلَه، هو كتاب «ذكرى الشاعرَين» للأستاذ أحمد عبيد الذي جمع فيه ما كُتب عنهما وما قيل فيهما، وكانت هذه السنة (أي سنة ١٩٨٢) وقت الحاجة إلى تجديد طبعه لمرور نصف قرن على وفاته. أقول: إنها قصيدة جيدة، ألقاها بصوت كان قوياً على انخفاض، مدويّاً على وضوح كأن له عشرة أصداء تتكرر معه، فتحسّ به يأخذك من أطرافك ويأتي عليك من الأقطار الأربعة، فتسمعه بأذنيك وقلبك وجوارحك، بل تكاد يدك تلمس فيه شيئاً ضخماً ... على صحّة في المخارج، وضبط في الأداء، وقوة في النبرات، وثبات في المحطّات. هذا الصوت الذي له هذا الدويّ كله يخرج من فم صاحبه باسترسال واسترخاء، لا يفتح له شدقه ولا يمُدّ نَفَسَه ولا يُجهد نَفْسَه، فأنسانا أن ننتقد القصيدة أو نجد لها العيوب، وملك بها قلوبنا وقلوب الحاضرين فصفّقنا حتى احمرّت منّا الأكفّ. وقلت لسعيد: من هذا؟ قال: هذا فارس الخوري.

стр. 594

وعلّق الأستاذ العقاد على مقالتي فقال: ومن أصغى إلى هذا الخطيب المطبوع وهو يتكلّم عَلِمَ أنّ أداة البيان قد تَمّت له لفظاً وحساً كما تَمّت له بداهة ومعنى، فصوته من تلك الأصوات الغنيّة كما يقولون في اللغات الأوربية، لا تحسّ فيه جهداً ولا حاجة إلى جهد لأنه يملأ عليك جوانب السمع، كأن له عشرة أصداء تتكرر معه كما قال الأستاذ الطنطاوي في وصفه. * * * وكنت قد سمعت باسم فارس الخوري قبل ذلك بزمان، من سنة ١٩١٩، وكنت تلميذاً في السنين الأواخر من المدرسة الابتدائية وكان هو علَماً من أعلام السياسة وكان وزير المالية، وكان قبل ذلك (أي سنة ١٩١٢) نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان (جمع فارسي لكلمة مبعوث)، أي مجلس النوّاب العثماني، وعُيّن بعد الحرب أستاذاً في معهد (أي كلية) الحقوق. ومرّت الأيام، واشتغلت بالسياسة كما عرفتم، وصرت واحداً من قادة الطلاّب، وكنت محرّراً في «الأيام»، جريدة الكتلة الوطنية التي كان الطلاّب وكان الشباب يأتمرون بأمرها ويعملون بقيادتها، وكان في دار الأيام بهو يجتمع فيه (كما سبق القول) رجالها؛ هناك عرفت فارس الخوري كما عرفت هاشم الأتاسي وشكري القوّتلي وسعد الله الجابري ولطفي الحفار وجميل مردم وزكي الخطيب وعفيف الصلح وفخري البارودي وإخوانهم. وكنت إذا احتاجوا إليّ دعوني فحضرت طرفاً من مجالسهم التي

стр. 595

يبحثون فيها بعض شؤون الطلاّب أو يكلفونهم بشيء أحمله أنا إليهم لتنفيذه. عرفت فارس الخوري من قرب فرأيت فيه رجلاً وديعاً ظريفاً حليماً واسع الصدر، ولكنه كان -مع هذا كله- هائلاً مخيفاً؛ تراه أبداً كالجبل الوقور على ظهر الفلاة، لا يهزّه شيء ولا يُغضبه ولا يخرج به إلى الحدّة والهياج. يدخل أعنف المناقشات بوجه طلق وأعصاب هادئة، فيسدّ على خصمه المسالك ويُقيم السدود، من المنطق المحكم والنكتة الحاضرة والسخرية النادرة والعلم الفيّاض والأمثال والحِكَم والشواهد، يرقب اللحظة المناسبة، حتى إذا وجدها ضرب الضربة الماحقة وهو ضاحك، ثم مدّ يده يصافح الخصم الذي سقط. لا يرفع صوته ولا يثور ولا يعبس ولا يغضب، ولكنه (أيضاً) لا يفرّ ولا يُغلَب. وما رأيته -على طول ما صحبته- يناقش أحداً إلاّ شبّهته بأستاذ يناقش تلميذاً مدلَّلاً غبياً، فأنت تلمس في لهجته ولحظته وكلمته وبسمته صبره عليه، وتملكه منه، وإشفاقه عليه! ثم كنت تلميذه في كلية الحقوق، وكان يدرّس «علم المالية» و «أصول المحاكمات المدنية»، يلقي درسه إلقاء لا تدري أأنت تعجب وتطرب لفصاحة نطقه أم لغزارة علمه، إلقاء غير محتفَل به ولا متجمَّع له. وكانت له عادة (لازمة) هي أن يأخذ قلماً رصاصياً طويلاً (مَرسَمة) فيقيمه على قاعدته وهو يسقط وهو يداريه ويعاوده حتى يستقرّ ولا يكاد، كأنه يكره أن تبقى يده بلا عمل فهو يشغلها به، أو كأن هذا الدرس لا يستحقّ انتباهه كله ولا

стр. 596

يملأ هذا الرأس الكبير، فيأخذه على أنه لهو وتسلية! على أن هذا (وإن فعله أستاذنا) ممّا لا يحسن بالمعلم لئلا يسرق انتباه الطلاّب بما يصنع عمّا يقول، كما لا يحسن به أن يكون في هيئته أو في لهجته شيء غريب يشغل به الطلاّب عن درسه. وكنا نورد عليه في آخر الساعة أسئلة من كل فن ومشكلات في كل موضوع، فيجيب عنها كلها بتحقيق العالِم أو نكتة الأديب. ومن أجوبته الحاضرة ونكته السائرة أن طالباً (ثقيلاً) سأله: ما فائدة هذه الحروف اللّثَوية، ولماذا نقول ثاء وظاء فنخرج ألسنتنا ونُضطرّ إلى هذه الغلاظة؟ فأجابه على الفور (وأنا أسمع)، بل لقد أجابه قبل أن يتمّ سؤاله: لا فائدة لها أبداً، وسنتركها فنقول: «كسّر الله أمثالك». فسكت الثقيل خزيان. ومن عجائب حلمه وسعة صدره ووقاره الذي لا يزلزله شيء أني أقبلت عليه مرة بعد الدرس (وكانت لي عليه جراءة) فقلت له أمام الطلاّب: يا أستاذ، ما هذا القرار السخيف الذي وضعَته البلديّة لتقسيم أرض الدرويشية؟ (وكانت الدرويشية حياً من أبهى وأغنى أحياء دمشق هدمَته مدافع الفرنسيين وأحرقَته نارهم، وبقي أنقاضاً إلى ذلك اليوم. وفي كتابي «دمشق» قصّة عنوانها «في خرائب الدرويشية»). وقلت له: أليس من العار أن يصدر عن بلدية دمشق مثل هذا الجهل وهذا الظلم وهذا الـ ... في عشر مترادفات من هذا النمط ساق إليها نزق الشباب. فلما انتهيت منها قال لي والابتسامة لم تَمّحِ عن شفتيه: "أنا الذي وضع صيغة هذا القرار". وراح يشرح لي مزاياه، ولكني لخجلي لم أستطع أن

стр. 597

أستوعب ما قال. وخرجت من الكلية، فكنت ألقاه في الترام أو ألمحه في الطريق، فأجد من إيناسه لي وسؤاله عني ما يملأ نفسي شكراً. وهذه مزيّة من مزاياه، يشعر كل من يلقاه أنه صديقه الأوحد وأنه أقرب الناس إليه، وأنه لا يشتغل إلاّ بذكره ومعرفة أمره. وكنت أزور أستاذنا محمد كرد علي في المجمع فألقاه مع من كنت ألقى فيه من أعضائه، وهو من أكبرهم، فأراه أحياناً في مناقشات أدبية أو لغوية. فإذا هو في مجال العلم والحفظ كما كان في مجال الرأي والفكر، وإذا هو متسلط غالب في مصاولات اللغة والأدب كما كان المتسلط الغلاّب في مصاولات السياسة. ومرّت الأيام وصار رئيس مجلس النواب، فكانت رياسته عجباً من العجب. وكان الوافدون على دمشق إذا رأوا آثارها ووعوا مآثرها طلبوا أن يروه في المجلس ليحدّثوا قومهم إذا رجعوا إليهم بجليل ما رأوا. كان النوّاب بين يديه (ولا مؤاخذة يا سادتي النوّاب) كالتلاميذ، بل إن أكثرهم كانوا تلاميذه فعلاً، وكان يصرّفهم تصريفاً لا يوصَف ولا يثبت على الورق، وما هم بالذين يسيَّرون أو يُصرفون، وإن فيهم لَكلّ باقعة داهية ذرب اللسان حديد الجنان، آفة من الآفات يطيح بالحكومات وينسف الوزارات، ولكن الحدَأة تسطو على العصافير فإن قابلَت النسر المَضْرحيّ عادت هي عصفوراً. وكانت تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتدّ المنازعات وتثور الحزبيّات، فما هي إلاّ أن يتكلم ويلخّص الموقف ويفسّر

стр. 598

الأقوال ويبيّن المقاصد حتى يقرّب البعيدَين ويجمع الشتيتَين، ويصبّ على جمرات الغضب سطل ماء، ويستلّ الرأي الموافق من بين الآراء المتشابكة سَلّ الشعرة من العجين ويعرضه للتصويت. وكان له في هذا العرض «فن» يستطيع به أن يجعل التصويت ينجلي عن الموافقة أو عن الرفض، تنبّهت إليه فكتبتُه، فلقيَني لمّا قرأه فقال لي وهو يضحك: يا عفريت! كيف أدركت هذا؟ وهذا الذي أدركتُه وكتبتُه قبل أن يتنبّه الناس إليه هو أن في النوّاب من لا يعمل شيئاً، حتى إنه لا يرفع يده عند «التصويت». وكان يعرفهم، كل عملهم حضور الجلسات صامتين وقبض الرواتب صامتين. فكان إذا أراد لمشروع أن يفوز قال: المخالف يرفع يده، فيكونون بذلك مع الموافقين، وإذا أراد له أن يخسر قال: الموافق يرفع يده، فيكونون مع المخالفين! وغضب مني مرة سعد الله الجابري، وكان رئيس الوزراء، ونسب إليّ أني أحرّض عليه. وهو رجل حلبي لا يعرفني، فاضطُررت أن أستشهد بعضَ من يعرفني من رجال الكتلة، فما رأيت أقرب إليّ من فارس بك. وكان رئيس المجلس وقُطْب رحى السياسة كلها، وكان كثير المشاغل ضيّق الوقت، ولم يكن بُدّ من أن أسأله موعداً، ولكني كنت في عجلة من أمري فذهبت إليه بعد العصر في ساعة ينام فيها أكثر الناس، فحاول الشرطي أن يردّني فنهرتُه ورفعت صوتي، فسمعني وخرج إليّ مبتسماً بثياب التفضّل (أي ثياب البيت) وقال له: هذا الشيخ علي، ألا تعرفه؟ إنه دائماً مشاغب!

стр. 599

وكنت أُدعى الشيخ عليّ من يوم كنت في آخر الثانوية. وأدخلني فرأيت المنصب لم يبدّل منه شيئاً؛ إنما يبدّل المنصبُ من يكون أقلّ منه فيكثر به، لا من كان في نفسه أكبر من المناصب كلها. وقديما قيل: السنبلة المملوءة بالحَب تحني رأسها، أما الفارغة فترفعه. ودخلت عليه مكتبه مرّات لا أحصيها وهو رئيس الوزراء، فما وجدت إلاّ أستاذنا فارس الخوري، الأستاذ العالِم الأديب الحاضر الجواب الصائد النكتة. وكنت أظنّ أني سأجد دولة الرئيس فارس بك الذي لا يُكلَّم إلاّ بعريضة ولا يخاطَب إلاّ بالمُصطلَح (أي البروتوكول الذي كان يُدعى المصطلح). وهو واحد من أعضاء «مجلس الشيوخ». لا أعني المجلس الذي يكون حيال مجلس النواب، فليس عندنا في سوريا مجلس شيوخ أو مجلس أعيان كما يُدعى في بعض البلدان، بل هو مجلس غير رسمي كان يجتمع فيه بعض شيوخ السن الذين تعتزّ بهم دمشق، والذين إن فاخرت إنكلترا بتشرشل في السياسة وعمله مثل عمل الشباب وهو في سن الشيخوخة أو ببرنارد شو في الأدب فإن كل واحد من هؤلاء كان لنا تشرشل وشو؛ أكثرهم كان يحضر هذا المجلس وقلّة منهم لم تكُن تحضره، لا نفخر بأنهم لبثوا شباباً وهم شيوخ، بل بما جمع الله لهم من العلم والعقل والفضل (وسأتكلم عنهم إن مدّ الله في الأجل وزاد في القوة). لقد شهدَت صحف الدنيا سنة ١٩٤٧ بعبقرية فارس

стр. 600

الخوري، ورأت فيه شخصية ضخمة لا توزَن بها الشخصيات؛ حمل أعباء رئاسة مجلس الأمن فكان من أفضل رؤسائه وأقواهم، هذا وليس وراءه جيش جاءت منه هيبته ولا قنبلة ذرية قامت عليها سطوته، ما وراءه إلاّ دولة صغيرة كبّرَتها عبقريته، ضعيفة قَوّتها شخصيته، حتى كان صوتها أعلى الأصوات وكلامُها أبلغَ الكلام. ولقد عجب الذين لا يعرفونه لمّا قرؤوا في الأخبار أنه لم يقرأ خطبته من كتاب ولا تلاها من ورقة بل ارتجلها ارتجالاً، ولم يكن في يده إلاّ بطاقة نظروا فيها لمّا انتهى فإذا كل الذي فيها خرابيش بقلم الرصاص، قال النقراشي إنه رآه وهو يخطها فحسب أنها مذكّرات له في مسائل عادية من مسائل الحياة اليومية، فلما رأى أنها هي الخطبة العظيمة التي هزّت أكبر هيئة دولية في الأرض بلغ عجبه منه وإعجابه به أبعد المدى. أما نحن فلم نَعجب لأن الشيء من معدنه لا يُستغرب، وهذا الرجل الذي بدأ يتعلم الإنكليزية وينبغ فيها قبل أن يُولَد أكثر أعضاء الوفد المصري في مجلس الأمن، والذي أعطاه الله هذا الذهن فجعله لغوياً أديباً شاعراً حقوقياً مشاركاً في كل فروع العلم، وأمدّه بمنطق سديد وعقل نادر المثال، ورزقه ذكاء ما أعرف أحدّ منه ولا أمضى، وبديهة غريبة، وجعل له مع هذا كله هذا الرأسَ الكبير وهذه الشيبة المهيبة، وهذا الصوت المدوّي المليء بالعظمة والثقة بالنفس، وهذا الصدر الواسع، وهذا الحلم مع القوة، وهذا الحزم بلا عنف ... هذا الرجل لا يُستكثَر عليه أن يرتجل خطبته بالإنكليزية وأن يكون لهذه الخطبة أثرها في مندوبي
следующие страницы →