يملأ هذا الرأس الكبير، فيأخذه على أنه لهو وتسلية! على أن هذا (وإن فعله أستاذنا) ممّا لا يحسن بالمعلم لئلا يسرق انتباه الطلاّب بما يصنع عمّا يقول، كما لا يحسن به أن يكون في هيئته أو في لهجته شيء غريب يشغل به الطلاّب عن درسه.
وكنا نورد عليه في آخر الساعة أسئلة من كل فن ومشكلات في كل موضوع، فيجيب عنها كلها بتحقيق العالِم أو نكتة الأديب. ومن أجوبته الحاضرة ونكته السائرة أن طالباً (ثقيلاً) سأله: ما فائدة هذه الحروف اللّثَوية، ولماذا نقول ثاء وظاء فنخرج ألسنتنا ونُضطرّ إلى هذه الغلاظة؟ فأجابه على الفور (وأنا أسمع)، بل لقد أجابه قبل أن يتمّ سؤاله: لا فائدة لها أبداً، وسنتركها فنقول: «كسّر الله أمثالك». فسكت الثقيل خزيان.
ومن عجائب حلمه وسعة صدره ووقاره الذي لا يزلزله شيء أني أقبلت عليه مرة بعد الدرس (وكانت لي عليه جراءة) فقلت له أمام الطلاّب: يا أستاذ، ما هذا القرار السخيف الذي وضعَته البلديّة لتقسيم أرض الدرويشية؟ (وكانت الدرويشية حياً من أبهى وأغنى أحياء دمشق هدمَته مدافع الفرنسيين وأحرقَته نارهم، وبقي أنقاضاً إلى ذلك اليوم. وفي كتابي «دمشق» قصّة عنوانها «في خرائب الدرويشية»). وقلت له: أليس من العار أن يصدر عن بلدية دمشق مثل هذا الجهل وهذا الظلم وهذا الـ ... في عشر مترادفات من هذا النمط ساق إليها نزق الشباب. فلما انتهيت منها قال لي والابتسامة لم تَمّحِ عن شفتيه: "أنا الذي وضع صيغة هذا القرار". وراح يشرح لي مزاياه، ولكني لخجلي لم أستطع أن
стр. 597
أستوعب ما قال.
وخرجت من الكلية، فكنت ألقاه في الترام أو ألمحه في الطريق، فأجد من إيناسه لي وسؤاله عني ما يملأ نفسي شكراً. وهذه مزيّة من مزاياه، يشعر كل من يلقاه أنه صديقه الأوحد وأنه أقرب الناس إليه، وأنه لا يشتغل إلاّ بذكره ومعرفة أمره.
وكنت أزور أستاذنا محمد كرد علي في المجمع فألقاه مع من كنت ألقى فيه من أعضائه، وهو من أكبرهم، فأراه أحياناً في مناقشات أدبية أو لغوية. فإذا هو في مجال العلم والحفظ كما كان في مجال الرأي والفكر، وإذا هو متسلط غالب في مصاولات اللغة والأدب كما كان المتسلط الغلاّب في مصاولات السياسة.
ومرّت الأيام وصار رئيس مجلس النواب، فكانت رياسته عجباً من العجب. وكان الوافدون على دمشق إذا رأوا آثارها ووعوا مآثرها طلبوا أن يروه في المجلس ليحدّثوا قومهم إذا رجعوا إليهم بجليل ما رأوا. كان النوّاب بين يديه (ولا مؤاخذة يا سادتي النوّاب) كالتلاميذ، بل إن أكثرهم كانوا تلاميذه فعلاً، وكان يصرّفهم تصريفاً لا يوصَف ولا يثبت على الورق، وما هم بالذين يسيَّرون أو يُصرفون، وإن فيهم لَكلّ باقعة داهية ذرب اللسان حديد الجنان، آفة من الآفات يطيح بالحكومات وينسف الوزارات، ولكن الحدَأة تسطو على العصافير فإن قابلَت النسر المَضْرحيّ عادت هي عصفوراً.
وكانت تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتدّ المنازعات وتثور الحزبيّات، فما هي إلاّ أن يتكلم ويلخّص الموقف ويفسّر
стр. 598
الأقوال ويبيّن المقاصد حتى يقرّب البعيدَين ويجمع الشتيتَين، ويصبّ على جمرات الغضب سطل ماء، ويستلّ الرأي الموافق من بين الآراء المتشابكة سَلّ الشعرة من العجين ويعرضه للتصويت. وكان له في هذا العرض «فن» يستطيع به أن يجعل التصويت ينجلي عن الموافقة أو عن الرفض، تنبّهت إليه فكتبتُه، فلقيَني لمّا قرأه فقال لي وهو يضحك: يا عفريت! كيف أدركت هذا؟
وهذا الذي أدركتُه وكتبتُه قبل أن يتنبّه الناس إليه هو أن في النوّاب من لا يعمل شيئاً، حتى إنه لا يرفع يده عند «التصويت». وكان يعرفهم، كل عملهم حضور الجلسات صامتين وقبض الرواتب صامتين. فكان إذا أراد لمشروع أن يفوز قال: المخالف يرفع يده، فيكونون بذلك مع الموافقين، وإذا أراد له أن يخسر قال: الموافق يرفع يده، فيكونون مع المخالفين!
وغضب مني مرة سعد الله الجابري، وكان رئيس الوزراء، ونسب إليّ أني أحرّض عليه. وهو رجل حلبي لا يعرفني، فاضطُررت أن أستشهد بعضَ من يعرفني من رجال الكتلة، فما رأيت أقرب إليّ من فارس بك. وكان رئيس المجلس وقُطْب رحى السياسة كلها، وكان كثير المشاغل ضيّق الوقت، ولم يكن بُدّ من أن أسأله موعداً، ولكني كنت في عجلة من أمري فذهبت إليه بعد العصر في ساعة ينام فيها أكثر الناس، فحاول الشرطي أن يردّني فنهرتُه ورفعت صوتي، فسمعني وخرج إليّ مبتسماً بثياب التفضّل (أي ثياب البيت) وقال له: هذا الشيخ علي، ألا تعرفه؟ إنه دائماً مشاغب!
стр. 599
وكنت أُدعى الشيخ عليّ من يوم كنت في آخر الثانوية. وأدخلني فرأيت المنصب لم يبدّل منه شيئاً؛ إنما يبدّل المنصبُ من يكون أقلّ منه فيكثر به، لا من كان في نفسه أكبر من المناصب كلها. وقديما قيل: السنبلة المملوءة بالحَب تحني رأسها، أما الفارغة فترفعه.
ودخلت عليه مكتبه مرّات لا أحصيها وهو رئيس الوزراء، فما وجدت إلاّ أستاذنا فارس الخوري، الأستاذ العالِم الأديب الحاضر الجواب الصائد النكتة. وكنت أظنّ أني سأجد دولة الرئيس فارس بك الذي لا يُكلَّم إلاّ بعريضة ولا يخاطَب إلاّ بالمُصطلَح (أي البروتوكول الذي كان يُدعى المصطلح).
وهو واحد من أعضاء «مجلس الشيوخ». لا أعني المجلس الذي يكون حيال مجلس النواب، فليس عندنا في سوريا مجلس شيوخ أو مجلس أعيان كما يُدعى في بعض البلدان، بل هو مجلس غير رسمي كان يجتمع فيه بعض شيوخ السن الذين تعتزّ بهم دمشق، والذين إن فاخرت إنكلترا بتشرشل في السياسة وعمله مثل عمل الشباب وهو في سن الشيخوخة أو ببرنارد شو في الأدب فإن كل واحد من هؤلاء كان لنا تشرشل وشو؛ أكثرهم كان يحضر هذا المجلس وقلّة منهم لم تكُن تحضره، لا نفخر بأنهم لبثوا شباباً وهم شيوخ، بل بما جمع الله لهم من العلم والعقل والفضل (وسأتكلم عنهم إن مدّ الله في الأجل وزاد في القوة).
لقد شهدَت صحف الدنيا سنة ١٩٤٧ بعبقرية فارس
стр. 600
الخوري، ورأت فيه شخصية ضخمة لا توزَن بها الشخصيات؛ حمل أعباء رئاسة مجلس الأمن فكان من أفضل رؤسائه وأقواهم، هذا وليس وراءه جيش جاءت منه هيبته ولا قنبلة ذرية قامت عليها سطوته، ما وراءه إلاّ دولة صغيرة كبّرَتها عبقريته، ضعيفة قَوّتها شخصيته، حتى كان صوتها أعلى الأصوات وكلامُها أبلغَ الكلام.
ولقد عجب الذين لا يعرفونه لمّا قرؤوا في الأخبار أنه لم يقرأ خطبته من كتاب ولا تلاها من ورقة بل ارتجلها ارتجالاً، ولم يكن في يده إلاّ بطاقة نظروا فيها لمّا انتهى فإذا كل الذي فيها خرابيش بقلم الرصاص، قال النقراشي إنه رآه وهو يخطها فحسب أنها مذكّرات له في مسائل عادية من مسائل الحياة اليومية، فلما رأى أنها هي الخطبة العظيمة التي هزّت أكبر هيئة دولية في الأرض بلغ عجبه منه وإعجابه به أبعد المدى.
أما نحن فلم نَعجب لأن الشيء من معدنه لا يُستغرب، وهذا الرجل الذي بدأ يتعلم الإنكليزية وينبغ فيها قبل أن يُولَد أكثر أعضاء الوفد المصري في مجلس الأمن، والذي أعطاه الله هذا الذهن فجعله لغوياً أديباً شاعراً حقوقياً مشاركاً في كل فروع العلم، وأمدّه بمنطق سديد وعقل نادر المثال، ورزقه ذكاء ما أعرف أحدّ منه ولا أمضى، وبديهة غريبة، وجعل له مع هذا كله هذا الرأسَ الكبير وهذه الشيبة المهيبة، وهذا الصوت المدوّي المليء بالعظمة والثقة بالنفس، وهذا الصدر الواسع، وهذا الحلم مع القوة، وهذا الحزم بلا عنف ... هذا الرجل لا يُستكثَر عليه أن يرتجل خطبته بالإنكليزية وأن يكون لهذه الخطبة أثرها في مندوبي
стр. 601
أكبر دول الأرض. وهو يخطب مثلها أو أبلغ منها في التركية والفرنسية، أما العربية فقد كان من أساطينها.
* * *
وبعد، فلا يحسب القارئ أني غلوت أو بالغت، فما ذكرت إلاّ ما أعرفه حقاً. وما في الأمر مجال لرغبة تدفع للمدح ولا رهبة تمنع من القدح؛ فأنا لا أرهب الرجل ولا أخافه ولا أرغب في شيء منه ولا أطمع فيه، وربما لم يقرأ هذه المقالة ولم يطّلع على هذا العدد من الرسالة، ولكنْ حسبي أني شاركت في تاريخ واحد من نابغينا. وأقول الآن إنه إن انفرد فارس الخوري بهذه الصفات فإن مظاهر العظمة لم تجتمع كلها فيه، وإن عندنا في تاريخنا القريب كثيراً من العظماء إن لم يكونوا مثله في بابَته (١) فليسوا دونه في منزلته ولكن في بابة أخرى، ولا يمنع نبوغُ الطبيب العبقري في طبه نبوغَ المهندس العظيم في هندسته، وتاريخنا القريب كتاريخنا البعيد، كالغابة المزدحمة بعمالقة الأشجار، تختلف في أنواعها ولكن تتفق في رسوخ أصلها وضخامة جذعها وامتداد فروعها وطول عمرها.
إنه أخصب تاريخ في الدنيا وأحفله بالعظماء، ولكن عيبنا أننا لا نعرف تاريخنا ولا نقدّر عظماءنا، ونتسابق إلى اقتناء الزجاج من عند غيرنا ونزهد بالألماس الذي تفيض به خزائننا. فيا أيها الشباب، لا يخدعْكم زجاج غيركم عن حُرّ جواهركم!
* * *
стр. 602
-٥٥ -
مع أستاذنا شفيق جبري
الناس إن ذكروا أيام الدراسة ذكروا أجمل مراحل العمر، أيام كانوا يسيرون في الجنّة الفيحاء بين الظلّ والماء، ما عرفوا بعدُ همومَ الحياة ولا كُلّفوا متاعب العيش ولا أحسوا أثقال العيال، يستمتعون بثمرات المال والجمال، يهيمون في أودية الأماني والآمال، يحملون من ذكرياتهم رحيقاً يتعللون به إذا بلغوا صحراء العمر، ولا مناص لكل سالك من بلوغ هذه الصحراء.
هأنذا (١) اليوم أودّع هذه المرحلة، فما الذي حملتُه منها إلا ذكرى التعب والنصَب وما عشت فيه من الضيق، وما كُلّفته من حمل أعباء الأسرة؟ ما الذي أصبتُه من مُتَع الشباب ومن لهو الشباب؟ لا شيء!
لقد كانت كلية الحقوق منزلاً نزلتُه أنا الآن مُفارقُه، كنت كالمستأجر الذي انقضى أمَدُ إجارته فهو يجمع أشياءه ليحزمها فيحملها ويسلّم مفتاح الدار ويمشي، يُخلي المنزل لمستأجر جديد. وكذلك يتداول الناس المساكن كأنها مقاعد الطيارة،
стр. 603
مقعدك لك مدّة الطريق فإذا وصلت صار لغيرك، حتى إذا رحل الركاب جميعاً من هنا اجتمعوا هناك، وهناك المقام الدائم: إمّا في السجن الضيق أو في المنزل الفسيح، في العذاب الباقي أو النعيم المقيم، فأين يكون منزلنا؟ إن لذلك المنزل ثمناً، فمَن جَمَع ثمنه حوّله «حوالة» فوجده قد سبقه إلى هناك. وأنا ما دفعت الثمن وما جمعته لأدفعه، فهل بقي في العمر ما يكفي لجمع الثمن؟
اللهم ما لي إلاّ الأمل بعفوك ورحمتك، اللهم لا تكلني إلى عملي. رحمتك وسعت كل شيء ومغفرتك لا تضيق بذنوبي.
* * *
من يترك منزلاً يفتش أركانه وزواياه عله نسي فيها شيئاً، وقد فتشت فوجدت (أشياء ...) كثيرة صغيرة، حملت الأشياء الكبار ونسيتها، فماذا أصنع بها الآن؟ لقد وضعتها في صناديق وسأحملها معي، فكلما جاءت مناسبةُ عرضِ واحدٍ منها عرضته عليكم. ذكريات صغيرة كثيرة: من عهد الطفولة والمدرسة الابتدائية ومكتب عنبر، ودار العلوم وأيامي في مصر والجامعة السورية، وأهلي ومشايخي ومن عرفت في هذه المرحلة من الرجال وما تركوا في نفسي من آثار ... كل ذلك قد حملته معي، فإذا جاء وقت عرضه عرضت ما بقي في ذهني منه، ممّا لم أذكره فيما سلف من حلقات هذه الذكريات.
هذا عن الأشياء الصغيرة التي نسيتها في الأركان والزوايا، فما رأيكم فيّ إذا كنت قد نسيت منزلاً كاملاً، نزلته حيناً من العمر ونسيت أني قد نزلته؟!
стр. 604
ذلك هو «كلية الآداب».
لم يكن اسمها يوم أُنشئت كلية الآداب ولا كانت تابعة للجامعة، بل كان اسمها «مدرسة الآداب العليا» وكانت مرتبطة (إدارياً) بوزارة المعارف. وهذا النوع من المدارس موجود (أو كان موجوداً على أيامنا) في فرنسا، ففيها «مدرسة المعلّمين العليا»، وتُعتبر شهادتها أرقى من شهادات الإجازة (أي الليسانس) لأن طلاّبها يدرسون علوماً تزيد على ما يدرسه طلاّب الجامعة. وفيها المدرسة المركزية (إيكول سنترال) للهندسة، وهي التي تخرّج فيها رفيق صفّنا وجيه السمّان الذي جمع العلم وطرفاً من الأدب وصار وزير الصناعة أيام الوحدة بين سوريا ومصر، وفيها مدرسة الهندسة التطبيقية (البوليتكنيك)، وأحسب أنها تابعة للجيش. وجعلوا مديرها (أي عميدها، والحديث عن كلية الآداب) الأستاذ شفيق جبري، وهو أحد شعراء دمشق الأربعة، وقد عرفتموهم، بل هو أشعرهم. وكان يلقي كل أسبوع محاضرة واحدة، وكانت محاضرات السنة الأولى (١٩٢٩ - ١٩٣٠) عن المتنبي، وقد طبعها في كتاب سَمّاه «المتنبي، مالئ الدنيا وشاغل الناس».
وأذكر من أساتذتها أستاذَينا اللذين سبق مني الكلام عنهما واللذين جعلت إهداء كتابي الأول (الهيثميات) المطبوع سنة ١٣٤٩هـ إليهما: «إلى روح المنفلوطي سيد كتّاب العصر، وإلى حضرة شيخَي علوم العربية: الجندي والمبارك». وقد عرفتم أني سَمّيتُه «الهيثميات» لأنني كنت أنشر مقالات بإمضاء «أبوالهيثم».
стр. 605
وأذكر منهم الشيخ عبد القادر المغربي، نائب رئيس، فرئيس المجمع العلمي العربي في دمشق، وهو زميل السيد رشيد رضا صاحب «المنار»، وهو سَنينه (أي في مثل سنه)، يصغره بسنتين فقط. عاش أكثر من تسعين سنة ولم يفارقه نشاطه، يمشي على رجليه كل يوم ستة أكيال، طَلْق المُحيّا جميل الوجه أنيق الثياب، خفيف الروح صاحب نكتة ودعابة في أحاديثه وفي محاضراته، استفدت منه في اللغة، ولم يكن فيها بمنزلة الجندي والمبارك ولكن كان عنده ما ليس عندهما، هو أنه كان يمنح الألفاظ صفات الأحياء من الناس، فيتحدث عن المادة اللغوية حديثه عن الأسرة من الناس، يصوغ ذلك قصة يستهويك عرضها ويرسّخها في نفسك جمع مفرداتها وبيان القرابة بينها. ومن نظر في أعداد السنة الأولى من «الرسالة» (رسالة الزيات) وجد نموذجاً لذلك، وهو قديم الاشتغال بهذا الفن (والفن هنا بمعنى النوع لا الفنّ بالمعنى الخاصّ L’art) وقد أصدر كتابه المشهور «الاشتقاق والتعريب» سنة ١٩٠٨.
تشعر بأنه أديب حتى في بحوثه اللغوية والعلمية، وقد صحب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مدّة يسيرة. وله «تفسير جزء تبارك»، حاول فيه أن ينحو منحى الشيخ محمد عبده في «تفسير جزء عَمّ» ولم يستطع مجاراته. وأذكر أنه فسّر فيه السماوات بأنها مدارات الكواكب (أقول ذلك من ذهني وليس كتابه الآن تحت يدي)، أي أنه جعل السماوات أشياء وهمية، مع أن الله وصفها بأنها «بناء» وأنها جُعلت «سقفاً محفوظاً» وأن لها أبواباً، وأن الله زين هذا السقف بمصابيح وأن هذه المصابيح
стр. 606
هي «الكواكب»، وأن السماوات سبع وأنه جعلها «طِباقاً». وقد كتبت من قديم أن هذه الأوصاف لا تتحقق إلا إن تصورنا السماء كرة ضخمة جداً، وأن هذا الفضاء بكل ما فيه من مجرات وما في المجرات من شموس وأجرام، هذا الفضاء كله وسط هذه الكرة التي هي السماء الدنيا، وأن حولها فضاء الله أعلم بسعته تحيط به كرة أخرى هي السماء الثانية، ثم فضاء ثم سماء إلى السماء السابعة، يليها مخلوق لا يتصور العقل مدى كبره هو الكرسي، ومخلوق أكبر هو العرش. وأقول بالمناسبة (استطراداً) إن هذا الفضاء وما فيه مصغّر تصغيراً لا يتصور العقل البشري مدى دِقّته وصغره في الذرّة، وما فيها من فضاء وأجرام يدور بعضها حول بعض هي الكهارب (أي الإلكترونات).
ومنهم الشيخ سعيد الباني، وهو عالِم لم يعرف الناس قدره وكثير منهم نسي اسمه، مع أني أكاد أفضّله في مصنّفاته على علماء عصره حتى الشيخ جمال الدين القاسمي، على كبر أقدارهم وسموّ منازلهم وكثرة مؤلّفاتهم، التي ليس فيها (غالباً) إلا نقل أقوال العلماء وجمعها. أما الشيخ سعيد فهو يقرأ النقول ويفهمها ويهضمها (كما يقولون)، ثم يعطيك خلاصة عنها مكتوبة بقلمه هو ممزوجة برأيه فيها مع إيراد ما يناسبها. وعندي الآن كتابان له، كتاب اسمه «عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق» طُبع سنة ١٣٤١هـ، قدّم بين يديه مقدمات لو أُفرِدَت بالطبع، أو لو أخذتها مجلة إسلامية فأعادت نشرها، لكان للقراء منها خير كبير. وهذه المقدّمات هي: الإسلام دين الفطرة، إن هذا الدين يسر، اتساع الشريعة الإسلامية، الأئمة المجتهدون على هدى من
стр. 607
ربهم، إلخ. ألحقَ بها فصولاً نافعة جامعة هي: الرأي ينقسم إلى محمود ومذموم، في إصابة الحق، السؤال عمّا لم يقع، الدعوة إلى توحيد المذاهب، ما فيه مساغ للاجتهاد وما لا مساغ له فيه، التقليد وأنواعه وحكمه، لا إفراط ولا تفريط ... وفصول أخرى كل فصل منها يصلح رسالة قائمة برأسها.
والكتاب الثاني في «أحكام الذهب والحرير»، طبع سنة ١٣٤٩هـ، في أوله أيضاً مقدّمات نافعة قد فصّل فيها القول وأقام عليها الدلائل، كلها ممّا يحتاج الشباب اليوم إليه وأكثرها ممّا لا يجدون مراجع فيه، هي: أقسام التكاليف الشرعية، يُسْر الشريعة وسعتها، كلام في علّة الحكم، تصرفات الرسول ‘؛ أي ما كان منها تبليغاً لشريعة الله، وما كان من باب الفتوى أو القضاء، أو ما كان من تصرفات الحاكم والقائد، وما كان في أمور الدنيا الخالصة من الشؤون الزراعية أو الطبّية، إلخ. وهذه العناوين لا تدل على ما تحتها، فقد تكلم عن مسائل في الدعوة وفي السياسة وفي تحصيل العلوم الجديدة، كتب ذلك قبل أكثر من ستّين سنة، ولو نُشر مثله الآن لعُدّ من حسنات هذا الزمان الذي اتسعت فيه العلوم وسَمَت الأفكار ووُجد فيه ما لم يكن يُعرف قبله. ولو أن أخانا الأستاذ إبراهيم سرسيق ينشرها في جريدة «المدينة» أو لو أن المشرف على الصفحة الإسلامية في «الشرق الأوسط» نشرها لاستفاد منها القرّاء.
جاء به الأستاذ كرد علي (وكان وزير المعارف) مدرّساً لنا في الكلية فلم ينجح في التدريس، ولم يستطع ضبط الفصل وشاغبه
стр. 608
الطلاّب. ولا تحسبوا الطلاّب فتية صغاراً كمن تحوي المدارس، إنهم كانوا طلاباً من صنف نادر، ذلك أنهم لما أنشؤوا هذه الكلية فتحوا أبوابها لكل مدرّس ومعلّم لمن شاء منهم أن يحصل على شهادة عالية، وما أكثر من كان يريد الحصول عليها لحاجته إليها! فكان من أصغر الطلاّب أنا ورفاقي أنور العطار وسعيد الأفغاني وجميل سلطان وزكي المحاسني وأبو سلمى عبد الكريم الكرمي، ومَن هم أكبر منّا سناً كسليم الزركلي، أو لعل بعض هؤلاء لم يدخلوها (نسيت لطول العهد). وأذكر يقيناً أنه كان من طلاّبها مَن كانوا في سن آبائنا كالشيخ زين العابدين التونسي الذي كان أستاذنا في المدرسة السلطانية الثانية سنة ١٩١٩ وكان قبل ذلك أستاذاً في المكتب السلطاني العربي أيام العثمانيين، وهو أخو الشيخ الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر. والأستاذ عبد الغني الباجقني الذي كان مدير مدرسة ونحن تلاميذ في الابتدائية، وهو رجل عالِم بالعربية فقيه مالكيّ واسع المعرفة، من أفصح من عرفت لهجة، يكاد يكون كلامه كله فصيحاً (لا أعرف مثله في ذلك إلا قليلاً، منهم الشيخ بهجة البيطار والأستاذ محمد البزم، ومن إخواننا الأحياء المحامي محمد كمال الخطيب). ولما كنت رئيس مجلس الأوقاف ومات مفتي المالكية في دمشق رشّحته (أي الباجقني) لمنصب إفتاء المالكية لأن عندنا في دمشق مفتياً رسمياً لكل مذهب من المذاهب الأربعة. وقد عاد في آخر عمره إلى بلده في طرابلس الغرب (ليبيا، وكان سلَفنا يدعوها «لوبية») وتُوفّي فيها.
هؤلاء هم الطلاّب الذين كانوا يشاغبون الأساتذة، حتى إن
стр. 609
الأستاذ الجندي قال لهم مرة ضاحكاً: ماذا أقول لكم وأحفادكم اليوم يجلسون على مثل هذه المقاعد، وأنتم تعملون عملهم؟
* * *
أما الأستاذ شفيق جبري فقد قلت لكم إنه كان يُعِدّ محاضرة واحدة في الأسبوع، المحاضرة في نحو ستّ صفحات فقط من صفحات الكتاب، يقرؤها من الورق إلقاء متّئداً جميلاً، لا يزيد على المكتوب شيئاً ولا يفتح صدره لمناقشة، وأظنه لا يقدر عليها. وهو شاعر في الطبقة الأولى من شعراء هذا العصر، كنا نقدّم عليه خير الدين الزركلي، ولكن الزركلي تدفق شعره غزيراً فيّاضاً نحو عشر سنين ثم غاض، وجبري استمرّ. وهو أديب ولكن حظّه من الاطّلاع على الأدب العربي القديم (الذي يسمّونه اليوم بأدب التراث) حظّ قليل، مطّلع على الأدب الفرنسي أو على جانب منه، لم يُحِط به كلّه ولم يعمّق النظر فيه ولكنه فهم الجانب الذي اطّلع عليه فهماً تاماً.
كنت أحفظ وأنا في المدرسة مقطوعات من شعره وألمس فيه روحاً وطنية، وكنت أراجعه في وزارة المعارف، وكان ركناها بعد الوزير هما: شفيق جبري رئيس الديوان (وهو بمثابة وكيل الوزارة) ومصطفى تمر المفتّش العامّ. وكنت أسمع قصائده يلقيها في المجمع العلمي فأُعجَب وأنا شابّ بجودة شعره وحُسن إلقائه، وعرفته من قرب أيام اشتغالي في جريدة «فتى العرب» عند صديقه الأستاذ معروف الأرناؤوط. فما الذي أثارني عليه وبدّل نظرتي إليه؟
стр. 610
هي محاضرته الأولى التي قرّر فيها أن الأدب أُلْهِيّة من الألاهي. وهذا مذهبٌ في الأدب، ولكنه اختار أسوأ الأوقات لإعلانه، فقد كنا في عهد نضال للاستقلال نحاول أن نسخّر له قُوى الأمة كلها، فطلع علينا بهذه النظرية يثبّط بها الهمم ويحلّ العزائم، ذلك لمّا قال في محاضرته الأولى يوم ٩/ ١١/١٩٢٩: "فكرت في شيء من الكلام أمهّد به السبيل إلى دراسة الأدب، قلت «دراسة الأدب» وكان يجب عليّ أن أقول «أحاديث الأدب»، لأن كلمة الدراسة تدلّ على شيء من جهد الذهن وعَنَت الفكر، وما ينبغي للأدب أن يكون إلا أُلهية يتلاهى بها العقل، ولكنها أُلهية شريفة لا تشبه غيرها من الألاهي، وما ينبغي للأدب أن يكون إلا لذّة الفكر وراحة البال".
لمّا سمعت هذا الكلام قمت أسأله (وقد قلت لكم إنه لم يكن يحبّ السؤال وأنه كان يكره المناقشة) فأجاب جواب كاره، فعدت أسأله فتنصّل واعتذر بضيق وقته وبحلول موعد كان قد ارتبط به، ومضى. فأعددت كلاماً طويلاً بادأتُه به في أول المحاضرة الثانية قبل أن يشرع بها، فلم يدعني أتكلم. ولم أكُن لأسكت أو أنهزم، ورأيت أن مناقشته لم يبقَ لها في الكلية مجال فكتبت رسالة وطبعتُها، والعجيب أني كنت -على ضيق ذات يدي- أطبع هذه الرسائل على نفقتي وأوزّعها مجّاناً أو بثمن لا يكاد يزيد إلا قليلاً عن المجّان، فكان ثمن هذه الرسالة قرشاً سورياً واحداً، أي هلالة (هللة)!
كان عنوان الرسالة «الأدب القومي» (وأنبّه إلى أن كلمة «القومية» لم تكُن قد أخذت المعنى الذي نفهمه منها الآن)
стр. 611
مكتوب على غلافها: «مقالة من كتاب لنا في نقد محاضرات كلية الآداب سنُتِمّه قريباً». وأحسب أنكم تأمّلتم كلمة «لنا»، هذا الأسلوب في التكلم بصيغة الجمع (قرأنا، وقع لنا، وجوابنا ... على طريقة: نحن فؤاد الأول ملك مصر أمرنا بما هو آتٍ)، هذا الأسلوب في التعالي على الخصم بالدعوى العريضة واستصغاره، والسخرية به وسبّه وشتمه، وذكر معايبه ومثالبه بدلاً من اقتصار الناقد على الفكرة يبيّن فسادها وعلى التعبير يشير إلى ضعفه وإلى خطئه، كان هو أسلوبنا، أي أننا لم نكُن ننقد ولكن نهجو، كنا نتبع فيها شيخنا الرافعي في كتابه «على السفّود»، بل نتبع العقاد أيضاً فلم يكن يقصر في نقده أحياناً عن الرافعي. كذلك كان الأسلوب المتبع في تلك الأيام، ولي فيه كتابات كثيرة معدَّة لتكون كتاباً كبيراً عنوانه «مناظرات وردود»، ولكني لم أطبعه وما أحسب أني سأطبعه، لأني عزفت عن هذا الأسلوب على اقتداري عليه، وكرهته وانصرفت عنه ولم أعد أسيغه.
وهذه الرسالة مطبوعة سنة ١٣٤٩هـ (١٩٣٠م)، فيها مقدمة مكتوبة بهذا الأسلوب الذي انصرفت عنه، وبعدها فصل من الكتاب الذي أعددت أكثره، آخذ منه فقرات لتكون نموذجاً لكتابتي يومئذ أنشرها بلا تبديل:
الأديب في الأمة لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها، وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها ... فهل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها وبحث فيما يسرّها وما يسوؤها، ثم جرّد قلمه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟ هل عندنا الأديب الذي ... هل عندنا الأديب الذي ...
стр. 612
(إلى أن قلت): كنا نأمل أن ينشأ فينا مثل هذا الأديب، وكان يقوّي هذا الأملَ ما يظهر فينا من الشباب المبرزين في الأدب المخلصين للأمة وللوطن، حتى فاجأنا صوت خرج من حلق وطني بإيعاز أجنبي يقول لأدبائنا: دعوا الوطن وشأنه، لا تسخّروا أدبكم له ولا تُتعبوا أنفسكم من أجله، بل الهوا والعبوا فما الأدب إلا أُلهيّة! هذا ما قاله الأستاذ جبري لتلاميذه في الكلية، وأفهَمَهم أن هذه الكلية لم تنشأ لمثل ما أُنشئت له الحقوق والطبّ من تخريج رجال عاملين لمنفعة الأمة، بل لإخراج أناس يدركون جمال هذا العالَم. ولو شئت شرحاً لقلت: إن قوماً من البشر ساءهم فيضان الروح الوطني على معهد الحقوق وما يقذف به كل عام من الرجال الذين يكونون كالشجى في حلوقهم والقذى في عيونهم، فأحبوا أن يضربوه بمعهد آخر يعمل لغير ما يعمل له معهد الحقوق، ويطفئ هذه النار من الحماسة التي تضطرم في نفوس الحقوقيين، ويُخمِد من هذه العزائم التي ضُمّت عليها ضلوعهم فأصبحوا يدأبون على العمل لا يعرفون كلالاً ولا سأماً، ويقدم للأمّة أُناساً خاملين قد شغلهم الخيال عن الحقيقة، وألهاهم الأمل عن العمل، واللهو عن الجدّ ...
الأستاذ (أي شفيق جبري) يدعو إلى أدب مجرد يُمارَس ليُدرَك به جمال الوجود ويُفرَج به غمّ الحياة وكربها، ويصوّر من النفس عواطفها وميولها ومن الطبيعة جمالها وجلاها، وحْيَها وإلهامها، لا يعنيه أخلاق تُقوَّم ولا عادات تُصَحَّح، ولا تهمّه أمّة ولا وطن، فهو ليس إلا أُلهيّة شأنه شأن الملاهي الأخرى، وإن قال إنها «أُلهية شريفة»!
стр. 613
أي أنه يطلب من شبابنا الأدباء ألاّ يروا في الحياة إلا اللهو واللعب، وأن يكون كل مطلبهم منها لذّتهم فيها. يريد منهم أن يكتفوا بوصف أحزان نفوسهم وأشجانها عن تصوير شقاء الأمة وعذابها ... كلا يا أستاذ! فنحن في حرب، في نضال للاستقلال، في معركة، وأدباؤنا قُوّادنا. فماذا تكون حال جيش تركه قُوّاده في المعركة تحت أزيز الرصاص ودويّ القنابل، وراحوا يفتّشون عن الجمال في ميدان المعركة ليصفوه ويَنْظموا فيه الأشعار ويتخذوا من أدبهم «أُلهية شريفة» يفرّجون بها عن أنفسهم همَّ أنفسهم وغمها؟
كلا يا أستاذ! بل أدباء يلقون بأنفسهم في غمرات هذه الحرب متخذين من أدبهم سلاحاً لأمتهم ماضياً ولواء لها مرفوعاً، يكون باعثاً لعزمها لا مخدراً لأعصابها. فإذا انتهت المعركة وانجلى الغبار، وآبوا بالنصر وأصبح لهم في الدنيا كيان، حقّ لهم أن يلهوا بالأُلهية الشريفة التي هي الأدب.
إلى أن قلت: إن الأدب لا يجدي إن لم يكن أدب الحياة، ولا يكون أدب الحياة حتى يُحكِم صلته بها ويداخلها، فيعرف مَواطن الخير فيها فيدلّ عليها وأماكن الشر فينفّر منها.
* * *
كان هذا الكلام سنة ١٣٤٩هـ. كانت موازنة بين دعوتين: دعوة لجعل الأدب أُلهيّة شريفة، ودعوة لاتخاذه سناداً للخُلُق وعاملاً للإصلاح وسلاحاً للنضال. فأيهما الذي كُتب له النصر؟ هل التكريم والتمجيد الآن للشاعر المؤمن المخلص المناضل
стр. 614
أم للشاعر الفاسق المفسد النازل؟ لقد أنكرنا على أستاذنا شفيق جبري لأنه قال (قولاً) إن الأدب أُلهية شريفة، فكيف لا ننكر على من جعله (فعلاً) أُلهية ولكنها ليست شريفة ولا عفيفة ولا نظيفة؟ على من يلهو بالغافلات من بنات الناس يستبيح منهنّ مواطن الجمال الظاهر والخفيّ، ثم لا يجد في نفسه حياء يحمله على أن يسكت، ولا يلقى في الناس قوّة تضطرّه أن يكتم، فلا يكفيه أنْ جنى حتى يصف جناياته مفاخراً بها ذاكراً تفاصيلها في شعر جميل، فيفتن الناسَ جمالُ شعره وتعمى عيونهم عمّا صنع بأعراض بناتهم! ثم يأتي مَن فقد تقوى المؤمن وغيرة العربي ونخوة الرجل، فيثني عليه ويدافع عنه، ويشتم من أجله من يقول له كلمة الحقّ ويعلن فيه حكم الله!
فما الذي أصابنا حتى اختلطت الأحكام واضطربت الموازين، وهبط العالي كما يهبط الذهب إلى قعر الماء، وعلا الحقير كما تعلو البعرة إلى السطح؟ أهذا هو المسخ الذي كتبه الله على من كان قبلنا؟
إنه ما خلا عصر من شعراء أوتوا الفنّ الجميل وحُرموا الخلق النبيل، أُعطُوا ألسنة تحسن النطق ولم يُعطَوا قلوباً تخفق بحب الحقّ، كان بشّارٌ شاعراً فاسقاً وقحاً لا يستحي أن يعلن ما فعل، وكان أبو نواس أفسق وأوقح، ولكن ما عرف تاريخ الأدب العربي من غاص في حمأة الرذيلة وغطس برأسه في أنجاسها، وغمس معه من بنات الناس مَن لانت معه وتبعته، ثم خرج بالأقذار على ثيابه، بالرائحة تفوح من أطرافه، ليصف ما جرى له بشعر جميل لا شك في جماله، رائع لا مراء في روعته، ولكنه نجس نجس! لم
стр. 615
يخجل به لأن ما ملأ عينيه ممّا كان في الحفرة التي نزل فيها منعه أن يرى صنعه فيخجل ممّا صنع. لقد ركبه شيطان شهوته حماراً ذَلولاً إلى غايته، فمضى مسرعاً لا هو يقف ولا يصادف من يَقِفه، بل يأتي من يدافع عنه.
فكيف يكون عربياً ويكون مسلماً ويكون «شريفاً» من يقيم نفسه حارساً للأنجاس مدافعاً عن لصوص الأعراض؟ لقد أدركت من أكثر من أربعين سنة خطر هذه «الشجرة الملعونة» يوم نبتت في طريق الأدب نبتةً ضئيلة هزيلة فحذّرتُ منها، وقلت في مجلة «الرسالة»: اقلعوها قبل أن تغلظ ساقها وتطول أغصانها ويعظم شوكها فلا تقدروا عليها. فما سمعوا تحذيري، حتى صارت عثرة في طريق الأدب تمزّق بشوكها السامّ ثيابَ البنات الغريرات فتدعُهن عرايا بلا ثياب. أفنأخذ شِعراً جميلاً وأدباً رفيعاً، علينا أن ندفع ثمنه من أخلاق فتياتنا وأعراض بناتنا؟ ولو كانت هذه المبادلة لبنتِ مَن يتطوع (لحساب الشيطان) للدفاع عن هذا الفسوق والعصيان أو لأخته، أفكان يرضى بها؟ إن رضي فأبعده الله وأخزاه.
أنا رجل مشتغل بالأدب، وأنا من خمس وخمسين سنة أكتب وأنشر ولي صفحات لا يستطيع أعدى الأعداء أن ينكر أنها من جيد الأدب، وأنا مع هذا أقول: لعنة الله على الأدب وعلى الشعر وعلى الفنّ، إذا كان لا يجيء إلا بذهاب الدين وفقد الشرف، وضياع العفاف وهتك الأعراض.
* * *
стр. 616
-٥٦ -
في سَلَمْيَة
تركتموني في آخر الحلقة ٤٥ وقد عطلت «السّلطة» الصحيفةَ التي كنت أعمل فيها وأستمدّ قُوتي وقوتَ عيالي منها، فَسُدّت أمامي المسالك وأُغلقت الأبواب، إلا باب الوظيفة الذي كنت أمرّ به من قبل فأُعرِض عنه ويُفتَح لي فآبى دخوله. ولكن:
إذا لم يكن إلاّ الأسنّةُ مركَباً ... فما حيلةُ المضطرّ إلاّ ركوبُها
فذهبت إلى وزارة المعارف فتسلمت هذا الكتاب:
"دولة سورية، وزارة المعارف، الديوان رقم ٥٥/ ٢٣٤٤.
لحضرة السيد علي الطنطاوي المحترَم، دمشق.
رأينا تعيينكم معلّماً ملازماً في مدرسة سَلَمية، فنرغب إليكم أن تباشروا وظيفتكم هذه. والسلام عليكم.
دمشق في ١٠ نيسان ١٩٣٢.
وزير المعارف محمد كرد علي".
ثلاثة أسطر، ولكنها بدّلَت مسار حياتي؛ وضعتني في طريق جديد أوله واضح بيّن ولكن نهايته غامضة خفيّة، لأنها المستقبَل
стр. 617
الذي أسدل الله عليه ستاراً حاجباً لم يكشفه لأحد، لكن يشقّه قليلاً لمن يشاء بمقدار ما يشاء. إنه عمل جديد في بلد جديد، لا أعني بالعمل التعليم فالتعليم عرفته وألفته، وأقول من باب التحدّث بنعمة الله: إني نجحت فيه من أول ما مارسته. ولكن أعني حياة الموظف، فهل أقدر عليها؟
الموظف الصالح (عندهم) هو الذي يطيع كل أمر وهو صامت؛ يطلق يديه بالتنفيذ ويمسك لسانه عن الاعتراض، يقيس الرجال بمراتبهم ورواتبهم ويقيم تقديره لهم على أرجل كراسيهم، فمن كان أعلى رتبة وأكثر راتباً وأضخم كرسياً كان هو المقدَّم، وكان هو الأفهم، وكان الأعلم! فهل أستطيع أن أروّض نفسي على هذا السلوك لأكون الموظف الصالح؟ هل أمشي مُكِباً على وجهي من كثرة الانحناء ليقولوا إني مثال الاعتدال؟
إن أثمن ما أقتنيه في حياتي حرّيتي وكرامتي، وأنا أبذل حياتي ليسلما لي ولا أبذلهما لتسلم لي حياتي، فكيف أقيّد حرّيتي بحبل الوظيفة وأُذِلّ كرامتي بالخضوع للرؤساء؟ أنا أذلّ أمام الله لأن الذلّ أمامه عزّ، والمسلمون الأولون لمّا وضعوا جباههم على الأرض ذلاًّ لله أعزّهم الله حتى وضع الجبابرة رؤوسهم عند أقدامهم. وأنا أخضع لحكم الشرع لأن الله هو الذي شرعه وأمرَنا باتباعه، وللقانون الذي يُقرّه أولو الأمر منا ويكون فيه مصلحة لنا ولا يخالف شرع ربنا. ولكني لم أذلّ يوماً لرئيس ولا انقدت لشهوته في التحكّم ولا استشعرت الصَّغار أمامه، لهذا كله لم أكُن موظفاً طيّعاً منقاداً بل كنت (عندهم) مشاكساً مشاغباً.
стр. 618
كنت أواظب على عملي لا أتأخر عن موعد الدوام بل أسبقه، وأقوم بالعمل كاملاً لا أنقص منه بل أزيد عليه، أعطي الوظيفة وقتي كله وجهدي كله، وأعترف للرؤساء بالحقّ الذي أقرّه لهم القانون وأعاملهم بالأدب الذي يقتضيه العرف، فإن طلبوا مني أكثر من ذلك أو ساوموني على عزّة نفسي وكرامتها لم يجدوا عندي إلا الإباء.
يحملني على هذا المسلك ثلاث: واحدة تكاد تكون فينا معشر العرب جميعاً، بقيت من عهد البداوة، هي الإفراط في «الفردية». إن كل واحد منا يشعر أنه جماعة وأنه أمة وحده، يريد النفع لبلده لكن بشرط أن يجيء على يده، فإن جاء على يد غيره نَفِسه عليه وتربّص به العثرات والسقطات. والواعظ يدعو الناس إلى الله ويرغّبهم في التقوى، فإن اتقوا عن طريق غيره وجد عليه وربّما تنكّر له!
ونحن جميعاً نكره النقد ولا نصبر عليه ونضيق بالمعارضة ولا نحتملها؛ إن أنت نقدت ديوان شعر صرت عدواً للشاعر وإن تكلمت عن كتاب صرت خصماً لمؤلف الكتاب، لذلك قلّت فينا الأعمال الجماعية، وإن وُجدَت فقدت روحها وصارت -غالباً- مؤسسة فردية: الفعل فيها لواحد والاسم للجماعة، كأن الله خلقنا على مثال الثوم (في شكله لا في ريحه): تأخذ رأس الثوم فتقشره فتجد فيه رؤوساً أصغر منه، فاقشر أحد هذه الرؤوس تَلْقَ فيها رؤوساً أخرى صغاراً، فنحن مثل الثوم كلنا رؤوس!
أما الثانية: ففينا أهلَ الشام، مَن أدرك منا أيام الانتداب (وهو الاستعمار) وما شابهها من الأيام، حين كان حُكّامنا من
стр. 619
غيرنا وكنا نرى موالاتهم ذنباً وطاعتهم ضعفاً ومدحهم جريمة، وكان من البطولة أن نعصي أوامرهم وأن نتمرّد عليهم. وبقيَت في نفسي بقيّة من هذا الشعور إلى الآن، حتى إنني أتحرّج حين أمدح من الحكام مَن هو صالح في نفسه مُصلح في عمله مستحقّ للمدح ما في مدحه ظلم ولا فيه معرّة، ولكنه أثر ما نشأت عليه ولم أتخلص منه.
الثالثة: فيّ أنا خاصّة، هي أنني خُلقت أبِيّاً على الظلم منيعاً على الاستبداد، لا أحترم الكراسي بل مَن كان عليها ممّن يستحقّ الاحترام لصلاحه وعلمه وفضله، فإن لم يكن من هؤلاء كان الكرسي -فارغاً- أكبرَ في نفسي وأملأ لعيني من الرئيس القاعد على الكرسي!
لذلك كانت حياتي في الوظيفة صداماً وعراكاً ونقلاً مستمراً من مكان إلى مكان. ثم إني لم أكُن أقصُر نزاعي مع الجَهَلة أو مع الظالمين من الرؤساء على مكان العمل، بل أنقله بقلمي إلى الصحف أُصليهم به ناراً وأقلّبهم على متوقد الجمر، وأحمله بلساني إلى المنابر أرجمهم من فوقها بنقد صادق أشدّ من وقع الحجارة على رؤوسهم. على أني ألين لمن يلقاني منهم بالأدب (والأدب واجب في لقاء الكبير بالصغير مثل وجوبه على الصغير عند لقائه الكبير) ولمن يعاملني بالإنصاف، بشرط أن يكون مستقيم السيرة طاهر السريرة شريف النفس، فإن كان فاسقاً أو منحرفاً أو فاسداً لم أَلِنْ ولو أولاني أكبر الاحترام ونالني منه أجزل النفع.
* * *
стр. 620
وذهبت لتسلّم عملي في سَلَمية (١). ما ذهبت بنفسية موظف جديد يتهيب العمل ويتهيأ لمقابلة الرؤساء، بل بنفسية شابّ معتزّ بنفسه. ولو صحّفتم الكلمة وبدلتم مواقع النقط على الحروف لما ابتعدتم عن الواقع، فلقد كنت مغتراً بعض الغرور، وبين الاعتزاز والاغترار فرق يسير. وكيف لا يصيب الغرور شاباً صار له اسم في البلد وزعامة في الشباب، ووزن في الأدب وذِكْر في الخطباء ومشاركة في التأليف، ومعرفة بكبار رجال السياسة والعلم والأدب، وهو لم يجاوز الرابعة والعشرين؟
وكانت هذه هي المرة الثانية التي أخرج فيها من دمشق. ففي الأولى (أي قبل أربع سنين) كانت سفرتي إلى مصر وقد عرفتم خبرها، وهذه الثانية. ذهبت في الأولى بالقطار إلى حيفا وركبت في الثانية السيارة إلى حمص: تخرج من دمشق فتمشي ثلاثة عشر كيلاً في طرف الغوطة، إلى دوما التي كانت بلدة الأعناب فأصاب كرومها (التي كانت تمتد أكيالاً) آفةٌ ذهبت بها، تمر في الطريق إليها على حَرَسْتا بلد الزيتون وفيها معاصره التي تعصره زيتاً لا نظير له، وقد اتصلَت دمشق الآن بحَرَسْتا (وأظنّ اسم حرستا سريانياً معناه المحروسة)، ثم بدوما، ثم جاوزت دوما إلى القصير (والقصير مثل شَهار هنا والعصفورية في بيروت والعباسية
стр. 621
في مصر؛ فيها مستشفى الأمراض العقلية)، ثم تمرّ بقربة عَدْرا، وضُمَيْر التي مرّ بها وذكرها المتنبي:
لئن تركنَ ضُمَيراً عن ميامِننا ... لَيحدُثنّ لمن ودّعتُهم ندمُ
ثمّ ترتقي التنايا (الثنايا، وهي ثنيّة العقاب التي هبط منها خالد سيد قُوّاد التاريخ القديم لما جاء من العراق)، ثم تمرّ بالنَّبْك ومنطقة يَبرود، وهي أعلى مصايف لبنان الشرقي، ثم يهبط بك الطريق إلى حمص، وطوله مئة وستّون كيلاً في نهاية كل أربعين كيلاً منها منزل فيه خان أثري ومحطّة للقوافل، وهي القطيفة والنّبك وحسية، وكانت لها مقاصد أخرى هي أنها كانت مراكز اتصال، فكان الرسل يصلون إليها على خيولهم المتعَبة فيجدون خيولاً أخرى مُعَدّة مستريحة فيستبدلونها بخيولهم، وربما سلّموا الرسائل إلى رسل آخرين مستعِدّين فحملوها ونزلوا هم فاستراحوا، فيمشي البريد أبداً ليلاً ونهاراً. وهذه الخانات متصلة من دمشق إلى حلب. وعندنا سلسلة من القلاع مبنيّة كلها على تلال صناعية، أكملُها وأجملُها قلعة حلب، وإلى الجنوب منها قلعة حماة وقلعة حمص، ومن حلب إلى الشرق قلعة الموصل وقلعة أربل (أربيل) وقلعة كركوك، وقد تَخرّب بعضها. وقد مررت بها لمّا عدت من العراق، وسيأتيكم خبر ذلك.
وكان عندهم أسلوب آخر للاتصالات السريعة اهتموا به أيام هجوم التتار والمغول: نيران توقد ليلاً إذا كان هجوم، فإذا رآها من في المركز الثاني أوقدوا ناراً مثلها، فينتقل الخبر من العراق إلى الشام في أقصر الأوقات، وفي النهار يجعلون بدل النار دخاناً كثيفاً يُرى من بعيد.
стр. 622
وكانت تلك أول مرة أجاوز فيها دمشق شمالاً إلى أبعد من النبك، فكنت أتأمل المشاهد من حولي وأرقب الطريق من خلفي، أخشى أن تسقط إحدى حقيبَتَيّ كما سقطت في السفرة الأولى في طريق حيفا. فلما طال الطريق مللت وأغمضت عيني، ولكن ما نمت لأن مقعد السيارة كسر ظهري، فقد كان صُلباً عالياً قائم الظهر، لم تكُن هذه المقاعد المريحة ولا هذه السيارات الفسيحة المدفّأة في الشتاء المبرَّدة في الصيف. واذكروا أني أتكلم عن سنة ١٩٣٢، أي عمّا كان قبلَ خمسين سنة. ولم يكن في السيارة ممرّ من داخلها، بل كانت مقاعدها موصولة مصفوفة صفوفاً لا يوصل إلى أحدها إلا من باب السيارة أو من نافذتها، كانت كعربات الترام التي ألغيناها في الشام ونزعنا من الأرض خطوطها، ومرّت مدّة ثم رأيتها أمامي قد عادت كما كانت بقِدَمها وبِهِرَمها وبسَقَمِها، ولكن في بروكسل لمّا ذهبت إليها، قد رُدّت إلى أهلها لأن الشركة التي كانت عندنا بلجيكية جاءت من هناك.
إن القادم على بلدة جديدة يتخيل شكلها ويفكّر فيها ويعرض في ذهنه الصور الممكنة لها، ولكن صرفني عن ذلك تعبي في مركبي، ومللي من طول الطريق، وبرودة الهواء وبرد أحاديث الرفقاء، وأن المقاعد امتلأت بالركّاب فوقها وبالسلال والقِفاف والأحمال أمامها وفيما بينها، حتى إنه كان في الصف الأخير شاة تقول طول الطريق «باع» وأطفال يبكون يصرخون «واع»، والفكر ضاع بين باع وواع.
لم يكن في ذهني عن سَلَمية إلا ما يقوله مُنكِرو نسب الفاطميين من أن جدّهم (القدّاح) كان منها، لم يكن جدّهم
стр. 623
فاطمياً ولا علوياً والله أعلم، فما أريد الآن تحقيق نسبتهم أو إثبات افترائهم. وأنها بلدة الإسماعيليين من أتباع آغا خان، ينظرون إليه نظرة تقديس ويعاملونه معاملة عبادة (١). وأنها فُتحت فيها ونحن في أوائل المدرسة الثانوية مدرسة زراعية، بذلوا لها كرائم الأموال وجاؤوها بأفاضل الرجال ولم يبخلوا عليها بشراء أجوَد الآلات وأفضل المعدّات، ودعوا التلاميذ إلى الانتساب إليها ووعدوهم ومنّوهم، فما استجاب لهم إلا نفر من رفاقنا كانوا
стр. 624
من أضعفنا في العلوم وأقلّنا في الدرجات. فانطبعَت بذلك صورة سيئة لها في نفسي.
ثم انصرفت الحكومة عنها وكأنها يئست منها، فتركت من كان فيها من التلاميذ ليكملوا دراستهم فيها، واستغنت عن خيرة أساتذتها، وقررت إلغاءها. فلما بلغتها وجدتها كالآثار: ديار ولكن ما فيها ديّار، صرح عامر ولكن:
تحمّلَ عنه ساكنوهُ فُجاءةً ... فعادَتْ سواءً دُورُهُ ومقابرُه
مشاتل صوّح نبتُها ويبس زرعها، وبساتين ماتت أشجارها وبادت ثمارها، وآلات صدئ حديدها ورثّ جديدها؛ صار القصر قبراً وصار الواقع ذكرى.
لقد محت الأيام الآن صورة سلَمية من ذاكرتي إلا بقعاً منها ثبتت ألوانُها على مرّ الزمان، حتى أراها اليوم -بعد نصف قرن كامل- واضحة ظاهرة كأنما هي قد رُسِمت أمس. لمّا ركبت السيارة من دمشق كان قد بقي من السنة المدرسية شهران اثنان. وكنت أعلم هذا، ولكني لمّا جئت أختار الكتب التي أحملها معي كنت أرى الكتاب فأقول إنه يفيدني، والثاني فأرى أنه يسلّيني ... وكتبُ العالِم (أو طالب العلم مثلي) هم أصدقاؤه، ولا تطاوعني نفسي في التخلي عن أحد من أصدقائي، بل إنني لطول معاشرتي الكتب وابتعادي (إلا عند الاضطرار) عن الناس أفيض عليها صفات الأحياء من الأصدقاء، فهذا مخلص ولكنه قبيح الصورة صعب العِشرة، وهذا عالِم مطّلع ومعلّم نافع ولكنه ثقيل الدم بعيد عن القلب، وهذا خفيف الروح يسلّيك ويطربك
стр. 625
لكن لا تخرج من صحبته بطائل، وهذا حبيب إليك لا تملّ رفقته ولا تحتمل فرقته، وهذا بغيض إليك ولكنه مفروض عليك ... وقد جمعت كتباً لا يتسع لقراءتها عامان، مع أنه لم يبقَ لديّ إلا شهران وعندي امتحان، فقد كنت في السنة الثانية من كلية الحقوق. وكنت أعرف هذا ولكن الإنسان طمّاع، يجمع من المال ما لا ينفقه ومن الكتب ما لا يقرؤه ومن اللباس ما لا يلبسه، يريد أن يملك كل شيء. يبتغي الألف فإن نالها طلب الألفين، وإن وصل إلى المليون طمح إلى المليونين، ولو كان له وادٍ من ذهب لابتغى له ثانياً، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، أو كما قال رسول الله ﷺ .
* * *
خرجت من دمشق صباحاً، وكنت أرجو أن أبلغ سلمية قبل انصراف التلاميذ فما بلغتها إلا ليلاً، فوجدتها أشبه شيء ببلدة بَحْرة (١) وحولها صحراء كالتي تحيط ببحرة، ورأيت فيها وأنا في السيارة مضارب بدو، خيامهم قائمة وماشيتهم سائمة، وفي وسطها قهوة فوقها بناء جديد، كالذي ترونه وسط بحرة لكنه أكبر وأعلى. وبحرة على الطريق إلى مكة، فلا يكاد المارّ بها يتأملها لأن بصره موجّه إلى غايته فهو يريد بلوغها، فلا يتنبّه إلى ما يمر به في الطريق إليها، وسلمية غاية لقاصدها، ينقطع الطريق عندها فلا يصل إلى مدينة بعدها.
ووقفت السيارة في رحبة البلد أمام القهوة، فخرج منها
стр. 626
المرحّبون بي القاعدون في انتظار استقبالي. ووجدت أن مدير المدرسة هو الرجل الطيّب النبيل بكر (باكير) أفندي الأورفلي الذي كان من معلّمينا في المدرسة الابتدائية (وهو من حماة)، ووجدت اثنين من المعلمين فيها كانا معنا في المدرسة: الشيخ منير لطفي والرسّام البارع شعيب أفندي. وقعدنا نتحدث كأننا متعارفون متآلفون طول العمر، وكنت موضع التكريم.
ومن يَعِشْ في القرية المنقطعة يأنسْ إن قدم قادم، لأنه وجه جديد معه خبر جديد، يبدّد به وحشة العزلة وملل الحياة الرتيبة. أما أنا فقد كنت في نشوة من الأنس بهؤلاء الإخوان وبما أحسست من الأمان والاطمئنان، وبالهدوء الذي أُقدِم عليه وأعيش فيه بعد الصخب والضجيج في الجريدة ولجنة الطلبة والخطب والمظاهرات ومصادمات الشرطة ومناظرات ومهاترات الصحف ... في بلد جديد آمل أن أجد فيه طريفاً مشوّقاً. ثم إني بين إخوان بدا لي من اللقاء الأول أنهم طيّبون لا خلاف بينهم ولا تباغض، ما بينهم -كما يبدو- إلا المحبّة والوداد. ثم إني سأستريح من طَرق أبواب الرزق وآخذ مرتّباً كافياً، هو ستّ وثلاثون ليرة (تعدل بسعر اليوم اثنين وعشرين ريالاً). ذلك كان مرتبي في الشهر، أي أقلّ من ثمن بطيخة واحدة أو كيل بلح في أيامنا هذه! بثمن بطيخة أنفق على نفسي هنا وعلى إخوتي وعمّتي في الشام شهراً كاملاً لأنني كنت أشتري بها قبل خمسين سنة ما لا يُشترى الآن بألفَي ريال!
وانفضّ الجميع فذهب المعلمون إلى بيوتهم، وصحبت المدير إلى دار السيد (الذي صار من بعدُ شيخاً بجبّة وعمامة) منير
стр. 627
لطفي الذي دعانا إلى العشاء. وكنت من صغري أكره الدعوات، ولكني لم أكُن قد اتخذت رفضها سُنّة دائمة لا أحيد عنها كما أفعل من عشر سنوات. وأنا لا أحبّذ المخالفة عن سنة رسول الله ﷺ ، فسُنّته هي الطريق المستقيم وهي الرأي الحكيم، ولا أدعو أحداً إلى تقليدي بل أدعوه إلى إجابة دعوة الأخ المسلم فهي من حقّه عليك، وأنا أستغفر الله من رفضها والهرب منها، وما فعلت ذلك إلا لأنه آنَسُ لحالي وأعون على إنجاز أعمالي وأحفظ لوقتي، ولو أني أجبت كل دعوة واستقبلت كل قادم وودّعت كل مسافر وهنأت كل مسرور وعزّيت كل مُصاب (وكل هذا مطلوب محبوب، يقوّي المحبة ويزيد الألفة) لو فعلته لما كتبت شيئاً ولا خطبت ولا حاضرت ولما وجدت وقتاً لمطالعةٍ ولا لمراجعةٍ.
وحياتي كلها ثلثها نوم، وثلثها عمل لا بد منه ولا غَناء عنه، والباقي منها أنفق أكثره في المطالعة، فهي أنس نفسي وغذاء عقلي. ولو أني أجبت دعوة إياد واعتذرت لعمرو (١) لأغضبت عَمْراً، لذلك أعمّ بالاعتذار الجميعَ وأستغفر الله. ومن عذري أن من يدعوني يطعمني ما هو ألذّ من طعامي المعتاد، ولكنه يسلبني حرّيتي في اختيار وقت الأكل وتحديد نوعه وانتقاء من يأكله معي، وربما أطعمني ما لا أريد مع من لا أحب في غير الوقت
стр. 628
الذي أريد أن آكل فيه. لذلك أهرب من الدعوات، ولا أنصح أحداً أن يفعل فعلي.
وهذا كله في الولائم الرسمية والدعوات التي يُتكلَّف لها ويُحتفَل بها، أما أن أكون عند صديق لا أحتشمه فيحين موعد الطعام فيأتي بما تيسّر، أو يكون عندي فأقدّم له ما حضر، فهذا من باب آخر. ومن هذا الباب الآخر كان عشاؤنا أنا والمدير عند أخينا منير، ولمّا قُضي العشاء اقترح أن نزور «قائم المقام»، أي الرئيس الإداري للمنطقة. والتقسيمات الإدارية عندنا هي: «الناحية»، ويتألف «القضاء» من عدد من النواحي ويكون رئيسه قائم المقام (ويدعونه القائمْقَام) وهو تعبير عثماني، وتتألف «المحافظة» من عدد من الأقضية ورئيسها «المحافظ».
وفي القضاء محكمة شرعية فيها قاضٍ شرعي تنظر في دعاوى الأحوال الشخصية، ومحكمة صلح فيها حاكم صلحتنظر في القضايا الأخرى (الصغيرة منها)، ودائرة مالية فيها «مديرمال»، ودائرة عقارية ودائرة صِحّية، وضابط الأحوال المدنية (ويسمّونه مأمور النفوس)، ومخفر للدرك يقوم عليه ضابط يأتمر بأمر قائم المقام، والمفتي وموظف الأوقاف وموظف الزراعة والمصرف الزراعي، كلٌّ يتبع وزارته. ولقائم المقام الإشراف العام.
وأفهمني بأن زيارة الموظف الجديد لقائم المقام أمر متعارف لا بد منه وهو «تقليد رسمي»، فذهبنا إليه في بيته. وكان أميراً من أمراء المنطقة وقوراً مهيباً ليس على شيء من العلم ولكنه مهذب الطبع، فاستقبلني مرحّباً وقال بأنه كان يسمع بي ويقرأ مقالاتي ويتابع أخباري، وكان عليّ أن أصدّقه أو أن أظهر أني
стр. 629
مصدّقه! ووجدت الموظفين يجلسون حوله كأن على رؤوسهم الطير فلا يتحركون خشية أن تطير، أما أنا فلم يكن على رأسي إلا طربوشي ... ووجدتهم يعظّمون فيه الكرسي لاينظرون إلا إليه، وأنا إنما أرى الرجل وأكلمه وأعطيه قدر ما يعطيني، فلما رأيته يكلمني بأدب وتهذيب كلمته بتهذيب وأدب، ووجدته يسألني فأجبته عمّا يسأل.
وأدلى بآراء في قضايا طلب فيها رأيي فبينت رأيي فيها، فوافقته في بعض ما قال وخالفته في بعض، وهم يوافقونه على كل ما يقول ولا يخالفونه في شيء. فعجبوا مني ونظروا إليّ وكأن عيونهم تقول لي: إننا نعرف ما تعرفه ونستطيع أن نقول ما قلتَه، ولكنا كبار مجرّبون نريد أن نأكل خبزاً، وأنت شابّ غرير لم تجرّب الحياة ولا يهمّك أكل الخبز.
ولو عرفوني لعلموا كم جرّبت وكم تعبت حتى أكلت وأطعمت أهلي الخبز! وكانت النتيجة أن الرجل زاد في تقديري وأثنى عليّ، ونلت منه بصراحتي وصدقي ما لم ينَله هؤلاء بموافقتهم ومسايرتهم. وودّعني إلى الباب الخارجي وطلب أن أُكثِر التردّد عليه، ولكني جعلتها الزيارة الأولى والأخيرة.
وأصر المدير إلا أن أنام في داره وأصررت على النوم في الفندق، وقلت له: أنت أستاذي وقد علّمتَني الصدق، وأنا أسألك: ألا تريد راحتي؟ قال: بلى. قلت: يا سيدي، إن راحتي في الفندق.
* * *
стр. 630
-٥٧ -
في مدرسة سَلَمْيَة
لقد كانت أيامي في سلمية قليلة ولكنها جميلة؛ كانت كأنها حلم قصير تصحو وفي قلبك حلاوته، ولكنك إذا جئت تحدّث به وجدته قد تَفلّت منك كأنه كرة مدهونة بالزيت أو كأنك كنت قابضاً على الماء. ولا تحسبوا أني عشت فيها في مثل نعيم الجنّة، فما كانت سلمية جنة ولا كانت قطعة من لبنان أو من الزّبَداني وبْلودان، ما كان فيها الينابيع الصافية والسواقي الجارية والقمم العالية تشرف على الأودية المسحورة التي تتلوّى: تبين وتخفى، تجري في قرارتها الجداول والأنهار وتقوم على حفافيها الأشجار، فيها الثمار أو الزروع الحالية بالأزهار. ما كانت سلمية إلا قرية في صحراء تقوم على طرف بادية الشام، التي تبدأ من حيث تنتهي هذه القرية ولا تنتهي إلا حيث تبدأ أرض العراق ويبدو «السواد» في الطريق إلى بغداد، فما الذي جعلني إذا ذكرتُها حننت إلى أيامي فيها وأنست بذكراها؟
أنا اليوم -بحمد الله- أحسن حالاً وأكثر مالاً وأروَح بالاً، وأوسع ذكراً وأعلى اسماً، فلماذا لا أستمتع بما أنا فيه من نِعَم
стр. 631
وأرى تلك الأيام كأنها من بهجتها الحلم؟
ذلك لأني أرى اليوم الدنيا بعين الشيخ المودّع وقد كنت أراها بعين الشابّ القادم، وكم بين لقاء القدوم واجتماع الوداع! الشابّ يحيا بالأمل وهو في غمرة الألم، لا يرى الشجرة العارية في قلب الشتاء بل يبصر البراعم والزهور التي سوف يكسوها بها الربيع، والشيخ يبصرها في الصيف لابسة ثوبها الأخضر متوّجة رأسها بزهرها الأصفر والأحمر، فلا يرى فيها إلا خشبها وحطبها حين يحلّ بها الشتاء فيجرّدها من ثوبها.
لقد أدركني شتاء العمر الذي لا ربيع بعده إلا ربيعاً دائماً لا أستحقّه بعملي وأطمع فيه برحمة ربي.
* * *
لقد تركتكم على باب الفندق، وليس فندق شيراتون أو الهيلتون اللذين سمعت بهما ولا أحبّ والله أن أُضطرّ إلى دخولهما، بل كان شيئاً يشبه الفنادق، غرفاً فيها أَسرّة وكراسي وفيها شيء من الطعام والشراب. وقد قلت إني لا أحب دخول الفنادق وأحسّ فيها كأني ضائع، لأن أكثر هذه الفنادق الكبار تقوم في بلادنا وكأنّ الداخل إليها قد خرج من بلادنا، فلا العادات فيها عاداتنا ولا طعامها طعامنا، بل إن لسان أكثر أهلها غير لساننا (١). وأنا أكره الفنادق من شبابي ولكني صرت الآن أشدّ كرهاً لها، بل إني صرت إذا بتّ عند بنتي لم أنَم ليلتي الأولى؛ لم أعُد أستطيع
стр. 632
أن أبدّل عاداتي في شرابي وطعامي ومنامي وقيامي، لأنها كانت مثل الغصن الليّن تلويه فيلتوي فصارت مثل الحطبة اليابسة إن حاولت ليّها (أي لوْيها) كسرتَها.
لقد قضيت ليلتي الأولى في سلمية (كما أقضي مثلها في كل مكان خارج بيتي) ساهراً، لم أنَم إلا غفوات تُتعِب ولا تُريح، وقمت مصدّع الرأس. ولكن تحمّل الشباب، والبلد الجديد الذي جئته في سواد الليل وأحبّ رؤيته في بياض النهار، والعمل الجديد، كل ذلك أنساني تعبي وجدّد لي نشاطي.
وجاء المدير. وقد قلت لكم إنه كان أستاذنا في المدرسة الابتدائية، لم يعلّمني ولكنْ علّم الطلاّب الذين كانوا أصغر مني، وهو الرجل الصالح الفاضل حقاً بكر الأورفلي. وكنا على طريقة الأتراك ننطقها «باكير»، و «الأورفة لي» نسبة إلى «أورفا»، وهي التي كانت تُسمّى قديماً «الرُّها» ولها ذكر في الفلسفة. أما اللام (أورفلي) فهي لام النسب في التركية، وإنْ نسبوا إلى الصناعات جعلوا مكانها جيماً.
وكانت المدرسة في ظاهر البلد قائمة وحدها في خلاء من الأرض. ووجدنا المعلّمين واقفين لاستقبالنا، والتلاميذ يزيدون على الثلاثمئة مصطفّين ليروا المعلّم الجديد الذي جاءهم في آخر العام الدراسي بدلاً من «فلان أفندي» الذي كانوا يشكون من قسوته وضعف مقدرته وما يزعمون من سوء سيرته. فلما وصلنا إليهم هتفوا مرحّبين، ثم أنشدوا «نشيد الاستقبال» كأني قائد عاد من المعركة بالنصر!
стр. 633
ستتصورون أني زهيت بهذا الاستقبال ونفشت ريشي ونفخت صدري. أنا (لا أكذبكم) أُسَرّ بمثله، ولكن ضيقي به وخجلي منه يغلب مسرّتي به. إنه -والله- من أصعب الأشياء عليّ، وطالما فررت من مثله وارتكبت حماقات لا يسيغها العرف ولا يرى لها الناس تبريراً، بل إني أعجز أنا عن تبريرها ولكني لا أستطيع تركها.
ودخلنا المدرسة، وعرض عليّ الإخوان المعلمون ما أشاء من المواد لينزلوا لي عنها، كأنها كلية في جامعة وليست مدرسة ابتدائية في بُلَيدة هي أقرب إلى القرية! فاخترت أقرب المواد إلى الأدب: الكتابة والخطابة والتاريخ. وكنت من حماستي وممّا وجدت من ذكاء التلاميذ وحُسن استجابتهم ورغبتهم في الاستفادة والتحصيل، كنت أريد أن أجعل منهم كتّاباً وخطباء. وجعلت من دروس التاريخ محاضرات وطنية لا مجرد معرفة بأحداث الماضي وتحليل لها وبحث عن أسبابها واستفادة من نتائجها، وكانوا في الواقع أذكياء جداً، لكن التاريخ تاريخ فرنسا لا تاريخ الإسلام ولا تاريخ العرب.
وهذه سُنّة المستعمرين في كل زمان وكل مكان؛ يعمدون إلى الصغار الذين لا تزال عظامهم طريّة وسرائرهم نقية، وهم مستعدّون لقبول كل ما يُلقى إليهم، فيربّونهم على ما يريدون هم لا على ما يريد لهم دينهم ومصلحة بلدهم، يأخذونهم عجينة فيشكّلونها على الشكل الذي يعجبهم ثم يخبزونها في أفرانهم! وقد جروا على هذا لما جاؤونا «مبشّرين» (أي مكفّرين ومنصّرين)
стр. 634
فأنشؤوا في قرى الجبل المدارس التي صارت من بعد الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، وفتحوا المستشفيات يداوون فيها الأجساد ويُمرِضون الأرواح، فلما دخلوا علينا بعد «ميسلون» وصاروا هم المتحكمين فينا وصار إليهم أمرنا أعلنوا خُطّتهم، فبدؤوا بعلوم الدين وهي: التوحيد والتجويد والفقه والأصول والحديث والمصطلح، فجعلوها مادة واحدة سَمّوها درس الدين، وأعطوها من الوقت كالذي يُعطى للرياضة أو الموسيقى أو الرسم!
ثم ربطوا الدروس كلها في السنوات الأولى التي يكون فيها التأسيس والتي تُغرَس فيها في نفوس التلاميذ بذور الكفر أو الإيمان، والصلاح أو الفساد، والفصاحة والبلاغة أو العي والركاكة، فإذا لم يدرس التلميذ فيها قواعد لغته لم يتعلمها أبداً ... ربطوها كلها بمعلم واحد، ربما كان نصرانياً أو كان ملحداً أو كان مسلماً بالاسم مهملاً للواجبات مرتكباً المحرّمات، ومن جملة هذه الدروس درس الدين. وجعلوا الطفل في مدرسة الحضانة يتعلم (ABC) مع (ألف باء تاء)، حتى صار منهم من يُتقن الفرنسية أكثر ممّا يُتقن العربية، وجعلوا الحديث بين الطلاّب في «الفسحة» بالفرنسية، فمن تَكَلّم العربية أُعطي «السينيال»، وهي قطعة من الخشب أو النحاس على مَن يُعطاها أن يراقب التلاميذ حتى إذا رأى متكلماً بالعربية دفعها إليه، ومتى قُرع جرس الدرس وهي معه ناله العقاب.
وكنا نحن التلاميذ الكبار في أوائل العشرينيات نأبى الحديث إلا بالعربية ونرى ذلك من الوطنية، لذلك كبرت وأنا لا أحسن
стр. 635
التحدّث بالفرنسية، مع أني أفهمها إذا قرأتها وأني درست أدبها مثلما درست أدب العرب.
ومما صنعوه أنهم رفعوا من المنهج تاريخَ العرب والمسلمين إلا ما خافوا من رفعه، وهو كلام موجَز شديد الإيجاز في السيرة وكلام أوجَزُ منه عن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، أما الشرح والتفصيل والعرض المغري الجميل فلتاريخ فرنسا من عهد الملوك الأوّلين إلى الثورة إلى ما بعدها، حتى صار الطلاّب يعرفون من سيرة لويس الرابع عشر ونابليون أكثر ممّا يعرفون عن عُمَر وخالد! بل إنني أعرف أنا اليوم من ذلك وممّا قبله وما بعده مثل الذي أعرفه من تاريخنا.
* * *
لو كنت أعلَم وأنا معلّم في مدرسة سلمية سنة ١٩٣٢ أني سأُكلَّف الكتابة عنها سنة ١٩٨٣ لقيّدت في دفتري أحداثها وسجّلت مناظرها ولما تركتها تهرب، فماذا أصنع وقد هربَت؟
لم يبقَ لديّ من سلمية إلاّ مشاهد معدودة قد ارتبطت بحادثة أو بمكان أو بنغمة. نعم، إن من الذكريات ما يرتبط ببعض النغمات. كنت أسمع وأنا في الفندق أغنية لأم كلثوم لا أحفظ منها إلاّ كلمات «مين بحبه شاف هنا زيي أنا» من تلحين زكريا أحمد. وقد لحّن لأم كلثوم كثير ولكن أطرب ما غنّته ما لحّنه الشيخ زكريا. والفنّ غير الطرب، قد يكون معه وقد يفارقه، والطرب ذكريات قديمة مدفونة في أعماق العقل الباطن، لذلك يكذب من يدّعي أنه يطرب للغناء الإفرنجي بمجرد أنه أقام سنوات هناك. قد