وأرى تلك الأيام كأنها من بهجتها الحلم؟
ذلك لأني أرى اليوم الدنيا بعين الشيخ المودّع وقد كنت أراها بعين الشابّ القادم، وكم بين لقاء القدوم واجتماع الوداع! الشابّ يحيا بالأمل وهو في غمرة الألم، لا يرى الشجرة العارية في قلب الشتاء بل يبصر البراعم والزهور التي سوف يكسوها بها الربيع، والشيخ يبصرها في الصيف لابسة ثوبها الأخضر متوّجة رأسها بزهرها الأصفر والأحمر، فلا يرى فيها إلا خشبها وحطبها حين يحلّ بها الشتاء فيجرّدها من ثوبها.
لقد أدركني شتاء العمر الذي لا ربيع بعده إلا ربيعاً دائماً لا أستحقّه بعملي وأطمع فيه برحمة ربي.
* * *
لقد تركتكم على باب الفندق، وليس فندق شيراتون أو الهيلتون اللذين سمعت بهما ولا أحبّ والله أن أُضطرّ إلى دخولهما، بل كان شيئاً يشبه الفنادق، غرفاً فيها أَسرّة وكراسي وفيها شيء من الطعام والشراب. وقد قلت إني لا أحب دخول الفنادق وأحسّ فيها كأني ضائع، لأن أكثر هذه الفنادق الكبار تقوم في بلادنا وكأنّ الداخل إليها قد خرج من بلادنا، فلا العادات فيها عاداتنا ولا طعامها طعامنا، بل إن لسان أكثر أهلها غير لساننا (١). وأنا أكره الفنادق من شبابي ولكني صرت الآن أشدّ كرهاً لها، بل إني صرت إذا بتّ عند بنتي لم أنَم ليلتي الأولى؛ لم أعُد أستطيع
стр. 632
أن أبدّل عاداتي في شرابي وطعامي ومنامي وقيامي، لأنها كانت مثل الغصن الليّن تلويه فيلتوي فصارت مثل الحطبة اليابسة إن حاولت ليّها (أي لوْيها) كسرتَها.
لقد قضيت ليلتي الأولى في سلمية (كما أقضي مثلها في كل مكان خارج بيتي) ساهراً، لم أنَم إلا غفوات تُتعِب ولا تُريح، وقمت مصدّع الرأس. ولكن تحمّل الشباب، والبلد الجديد الذي جئته في سواد الليل وأحبّ رؤيته في بياض النهار، والعمل الجديد، كل ذلك أنساني تعبي وجدّد لي نشاطي.
وجاء المدير. وقد قلت لكم إنه كان أستاذنا في المدرسة الابتدائية، لم يعلّمني ولكنْ علّم الطلاّب الذين كانوا أصغر مني، وهو الرجل الصالح الفاضل حقاً بكر الأورفلي. وكنا على طريقة الأتراك ننطقها «باكير»، و «الأورفة لي» نسبة إلى «أورفا»، وهي التي كانت تُسمّى قديماً «الرُّها» ولها ذكر في الفلسفة. أما اللام (أورفلي) فهي لام النسب في التركية، وإنْ نسبوا إلى الصناعات جعلوا مكانها جيماً.
وكانت المدرسة في ظاهر البلد قائمة وحدها في خلاء من الأرض. ووجدنا المعلّمين واقفين لاستقبالنا، والتلاميذ يزيدون على الثلاثمئة مصطفّين ليروا المعلّم الجديد الذي جاءهم في آخر العام الدراسي بدلاً من «فلان أفندي» الذي كانوا يشكون من قسوته وضعف مقدرته وما يزعمون من سوء سيرته. فلما وصلنا إليهم هتفوا مرحّبين، ثم أنشدوا «نشيد الاستقبال» كأني قائد عاد من المعركة بالنصر!
стр. 633
ستتصورون أني زهيت بهذا الاستقبال ونفشت ريشي ونفخت صدري. أنا (لا أكذبكم) أُسَرّ بمثله، ولكن ضيقي به وخجلي منه يغلب مسرّتي به. إنه -والله- من أصعب الأشياء عليّ، وطالما فررت من مثله وارتكبت حماقات لا يسيغها العرف ولا يرى لها الناس تبريراً، بل إني أعجز أنا عن تبريرها ولكني لا أستطيع تركها.
ودخلنا المدرسة، وعرض عليّ الإخوان المعلمون ما أشاء من المواد لينزلوا لي عنها، كأنها كلية في جامعة وليست مدرسة ابتدائية في بُلَيدة هي أقرب إلى القرية! فاخترت أقرب المواد إلى الأدب: الكتابة والخطابة والتاريخ. وكنت من حماستي وممّا وجدت من ذكاء التلاميذ وحُسن استجابتهم ورغبتهم في الاستفادة والتحصيل، كنت أريد أن أجعل منهم كتّاباً وخطباء. وجعلت من دروس التاريخ محاضرات وطنية لا مجرد معرفة بأحداث الماضي وتحليل لها وبحث عن أسبابها واستفادة من نتائجها، وكانوا في الواقع أذكياء جداً، لكن التاريخ تاريخ فرنسا لا تاريخ الإسلام ولا تاريخ العرب.
وهذه سُنّة المستعمرين في كل زمان وكل مكان؛ يعمدون إلى الصغار الذين لا تزال عظامهم طريّة وسرائرهم نقية، وهم مستعدّون لقبول كل ما يُلقى إليهم، فيربّونهم على ما يريدون هم لا على ما يريد لهم دينهم ومصلحة بلدهم، يأخذونهم عجينة فيشكّلونها على الشكل الذي يعجبهم ثم يخبزونها في أفرانهم! وقد جروا على هذا لما جاؤونا «مبشّرين» (أي مكفّرين ومنصّرين)
стр. 634
فأنشؤوا في قرى الجبل المدارس التي صارت من بعد الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، وفتحوا المستشفيات يداوون فيها الأجساد ويُمرِضون الأرواح، فلما دخلوا علينا بعد «ميسلون» وصاروا هم المتحكمين فينا وصار إليهم أمرنا أعلنوا خُطّتهم، فبدؤوا بعلوم الدين وهي: التوحيد والتجويد والفقه والأصول والحديث والمصطلح، فجعلوها مادة واحدة سَمّوها درس الدين، وأعطوها من الوقت كالذي يُعطى للرياضة أو الموسيقى أو الرسم!
ثم ربطوا الدروس كلها في السنوات الأولى التي يكون فيها التأسيس والتي تُغرَس فيها في نفوس التلاميذ بذور الكفر أو الإيمان، والصلاح أو الفساد، والفصاحة والبلاغة أو العي والركاكة، فإذا لم يدرس التلميذ فيها قواعد لغته لم يتعلمها أبداً ... ربطوها كلها بمعلم واحد، ربما كان نصرانياً أو كان ملحداً أو كان مسلماً بالاسم مهملاً للواجبات مرتكباً المحرّمات، ومن جملة هذه الدروس درس الدين. وجعلوا الطفل في مدرسة الحضانة يتعلم (ABC) مع (ألف باء تاء)، حتى صار منهم من يُتقن الفرنسية أكثر ممّا يُتقن العربية، وجعلوا الحديث بين الطلاّب في «الفسحة» بالفرنسية، فمن تَكَلّم العربية أُعطي «السينيال»، وهي قطعة من الخشب أو النحاس على مَن يُعطاها أن يراقب التلاميذ حتى إذا رأى متكلماً بالعربية دفعها إليه، ومتى قُرع جرس الدرس وهي معه ناله العقاب.
وكنا نحن التلاميذ الكبار في أوائل العشرينيات نأبى الحديث إلا بالعربية ونرى ذلك من الوطنية، لذلك كبرت وأنا لا أحسن
стр. 635
التحدّث بالفرنسية، مع أني أفهمها إذا قرأتها وأني درست أدبها مثلما درست أدب العرب.
ومما صنعوه أنهم رفعوا من المنهج تاريخَ العرب والمسلمين إلا ما خافوا من رفعه، وهو كلام موجَز شديد الإيجاز في السيرة وكلام أوجَزُ منه عن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، أما الشرح والتفصيل والعرض المغري الجميل فلتاريخ فرنسا من عهد الملوك الأوّلين إلى الثورة إلى ما بعدها، حتى صار الطلاّب يعرفون من سيرة لويس الرابع عشر ونابليون أكثر ممّا يعرفون عن عُمَر وخالد! بل إنني أعرف أنا اليوم من ذلك وممّا قبله وما بعده مثل الذي أعرفه من تاريخنا.
* * *
لو كنت أعلَم وأنا معلّم في مدرسة سلمية سنة ١٩٣٢ أني سأُكلَّف الكتابة عنها سنة ١٩٨٣ لقيّدت في دفتري أحداثها وسجّلت مناظرها ولما تركتها تهرب، فماذا أصنع وقد هربَت؟
لم يبقَ لديّ من سلمية إلاّ مشاهد معدودة قد ارتبطت بحادثة أو بمكان أو بنغمة. نعم، إن من الذكريات ما يرتبط ببعض النغمات. كنت أسمع وأنا في الفندق أغنية لأم كلثوم لا أحفظ منها إلاّ كلمات «مين بحبه شاف هنا زيي أنا» من تلحين زكريا أحمد. وقد لحّن لأم كلثوم كثير ولكن أطرب ما غنّته ما لحّنه الشيخ زكريا. والفنّ غير الطرب، قد يكون معه وقد يفارقه، والطرب ذكريات قديمة مدفونة في أعماق العقل الباطن، لذلك يكذب من يدّعي أنه يطرب للغناء الإفرنجي بمجرد أنه أقام سنوات هناك. قد
стр. 636
يُعجَب به ولكن لا يطرب، أو تذكّره الأغنية المكان الذي سمعها فيه والناس الذين كان معهم والشعور الذي كان يشعر به، وهذا كله غير الطرب. نحن نطرب للأغنية «الفولكلورية»، أي التي صارت ملكاً للناس كلهم ونُسي واضعُ لحنها، كالعتابا في الشام، ونخلتين بالعلالي في مصر، والأبوذية في العراق ... ومن الأغاني ما ينتشر ويأتي على كل لسان وما هو من «الفولكلور» كأغنية «يا مال الشام يا الله يا مالي»، فهي لأبي خليل القباني.
لم يبقَ في ذهني من أغنية أم كلثوم إلا هذه الكلمات، ولم أحب أن أبحث عنها وأعرف مطلعها لئلاّ أفسد هذه الصورة الحلوة التي بقيت لها في ذاكرتي. أما النغمة فإن لي أذناً واعية، ما سمعت نغمة مرتين إلا حفظتها. قد لا أستطيع أن أؤدّيها ولكني أميزها، لذلك قلت وأصرّ الآن على ما قلت: إن لحن «بلادي بلادي منار الهدى» الذي يقول «فلان» إنه له، هذا اللحن بذاته أحفظه من أكثر من نصف قرن، وكثير من المصريين يحفظونه، وكلماته معارضة لأنشودة مصطفى صادق الرافعي، وهو غير نشيد «بلادي» المعروف الذي وضع لحنَه سيد درويش. قلت هذا لكن ما أَحَبّ أحدٌ أن يصدّق ما قلت، وجاؤوا بشهود (عدول!) فشهدوا أن اللحن الذي أحفظه من خمسين سنة هو لهذا الملحّن الشاب ... إلا أن الملحن الأول سرقه منه من قبل أن يولَد!
* * *
وارتجّت البلدة يوماً وازدادت فيها الحركة، وظهر فيها الاستعداد ليوم لا تشبهه الأيام، حرّك الساكن وأظهرَ الكامن
стр. 637
وبعث الروحَ في بلدة كادت من الركود تفقد الروح، فزُيّنت دار الحكومة ورُفعت على المنازل والدكاكين الأعلام، ودرّبوا الطلاّب والشباب على التحية والسلام.
قلت: ما هذا؟ قالوا: إن مؤتمر العشائر (أو اجتماع رؤساء العشائر، نسيت ماذا كان اسمه) سيُعقد هنا.
وكان الفرنسيون (على عادة كل مستعمر وكلّ عدوّ، والإسرائيليين الأشرار الآن في لبنان) يفرّقون الناس، يجعلون الأمة الواحدة أمماً والدولة دُويلات، لذلك جعلوا للعشائر من بدو الشام قانوناً خاصاً يمتازون به عن الشعب المحكوم بالقانون العامّ، أحيوا فيه أعرافهم وثبّتوا عاداتهم وجعلوا لهم حُكّاماً من أنفسهم. لا حباً بهم ولكن فصماً لهم عن جسم أمتهم وإقامة كيان لهم خاصّ بهم.
وكانت أكبر القبائل عندنا «الرولة» (١)، وهم فرع من عنزة، وعنزة بن أسد من ربيعة (ومنهم آل سعود الكرام)، وكان شيخ مشايخ الرولة نوري الشعلان. ولما كانت الجزيرة مقسّمة «في كل ناحية ملك وسلطان»، وكان ابن سعود في نجد (بعد توحيد نجد) وابن الرشيد في حائل، كان النوريّ في «القُرَيّات» وكانت له فيها شبه دولة. ولا يعرف مبلغ ما وفق الله إليه عبد العزيز من توحيد الجزيرة وإقامة هذه المملكة، التي أكرمها الله فجعل لها بين الدول وزناً راجحاً ورفعها مكانة عالية، ومنّ عليها بالمال وبنوابغ
стр. 638
الرجال حتى طرق أبوابها زعماء الشرق والغرب، لا يعرف هذا إلا من عرف كيف كانت الجزيرة يوم كانت في الرياض دولة، وكان في منفوحة دولة أخرى، وكان بينهما خلاف في المعتقَد ونزاع بالسلاح!
كان نوري الشعلان يومئذ في القريات، ثم استقرّ في عَدْرا (عذراء) وراء الغوطة وبنى في طرف دمشق في بساتينها داراً واسعة له ومسجداً ومنازل، وسُمّي ذلك «حيّ الشعلان». ولما توسّعَت دمشق صار في وسطها بعد أن كان في طرفها، ولطالما خطبت في مسجده (أي في جامع الشعلان) ورأيته وسلّمت عليه، وكان داهية مهيباً، ويقولون إنه كان في شبابه جبّاراً بطّاشاً مخيفاً، عاش مئة سنة إلا سنتين.
وكان يليه من كبار مشايخ العشائر مجحم بن مهيد، وكانت منازله في شرقي البادية ممّا يلي العراق.
اجتمع المشايخ كلهم، وحضر المسيو سولومياك مندوب المفوَّض السامي. والذي يهمني ذكره أن المندوب أو وكيله (نسيت) أعلن أنه سيزور المدرسة، فخرج المدير والأساتذة كلهم وصفّوا التلاميذ لاستقباله من أمام الباب، وظهر هنا شموس طبعي وعنادي فأبيت أن أخرج معهم، ونصحني المدير، وهو أستاذي وصديقي، والإخوان المعلمون وخافوا عليّ، فلم أخرج ولم أدَعْ تلاميذي يخرجون. وكان من تلاميذ الصف الخامس تلميذ ذكيّ جداً، صار كاتباً وصار وزيراً وصار نائب رئيس الوزراء وألّف كتباً، هو سامي الجندي، ولست أدري أيذكر ذلك اليوم أم نسيه
стр. 639
لأني لم ألقَه بعد تلك الأيام.
بقيت مع التلاميذ في «الصفّ»، فدخل عليّ هو وقائم المقام ومن معه من كبار الموظفين، فهممت بالسلام عليه فأشار إليّ أن أكمل الدرس، ففرّج الله بذلك عني. وكان الدرس (أو جعلته أنا) عن أسباب الثورة الفرنسية، فتكلمت عن حقوق الشعب وعن حرّيته، وعمّن تعدّى على حقوقه واستلب منه حرّيته، وأن الثورة كانت هي الجواب الطبيعي لهذا الظلم وهذا العدوان. وقلت كلاماً لا يختلف إلا قليلاً عمّا كنا نقوله في المظاهرات، ولكنْ لم أخرج فيه عن المنهج المقرّر. وكانوا يترجمون له همساً ما كنت أقول، وطال وقوفه ولكنه لم يقُل شيئاً، وأشار إليّ أن أستمرّ وخرج.
وكان لهذا الموقف أثر في البلد تحدّث به الناس وبالغوا فيه، وجاؤوا بما لم أقُله يترجمون به عمّا تُكِنّه نفوسهم من حب الحرّية وكره الاستعمار، ونسبوا إليّ بطولة ما كنت صاحبها وبلاغة ما نطقت بها. وخاف إخواني أن ينالني مكروه فلم يكن عليّ شيء والحمد لله.
* * *
ولما رأى المدير أن نزولي الفندق يُتعِبني وأني أبَيت أن أنزل بضيافته في داره اقترح (أو اقترحت أنا، لم أعُد أذكر) أن أنام في المدرسة، فأعدّ لي سريراً ونضداً وما أصنع به الشاي، وبتّ فيها، وكان البوّاب ينام فيها في غرفة عند الباب.
لمّا سكن الليل وأحسست بالصمت الكامل جلت حول المدرسة، وكانت ليلة حلوة لا حَرّ فيها ولا برد، وكانت السماء
стр. 640
صافية تتلألأ نجومها كما تتلألأ أضواء الأعراب الذين نصبوا خيامهم حِيال الأكَمة المواجهة للمدرسة، التي تبدو كأنها سفينة أو كأنها موجة في بحر هادئ. أذكر أنها مرّت على نفسي مشاعر ودارت في رأسي أفكار لو أني دوّنتها ... لو، وما نفع لو؟ إن «لو» تفتح عمل الشيطان.
أذكر أني لمّا تلقيت أمر تعييني في سلمية تألمت وبتّ بليلة نابغية لم يغتمض لي فيها جفن، أفكّر فيما أنا مُقدِم عليه، كيف أُلقي بنفسي في قرية على شاطئ الصحراء لست أدري ماذا ألقى فيها من الآلام ومن سأعاشر من اللئام، فما وجدت إلا مسرّةً وكرماً من كل مَن قابلت، ولكنّ منبع هذه المسرات هو الأستاذ بكر (باكير) الأورفلي، فإذا قرأ هذه المقالة أحدٌ يعرفه فليخبره أن السنين الطوال لم تُنسِني كرمه وأني لا أزال شاكراً فضله داعياً له، وإن كان قد سبقنا إلى لقاء ربه فأسألُ الله أن يرحمه وأن يُسكِنه جنّته، وأن يغفر لي ذنبي لأكون في جواره (١).
لقد كنت أستحي من كثرة ما كان يوليني من الإكرام؛ أخبرتُه عرَضاً أني إن لم أشرب الشاي بعد الطعام فكأني ما أكلت وأن أكلتنا الشامية، أكلة الفقراء (الزيت والزعتر) مع الشاي أفضل عندي من خروف محشوّ بلا شاي. وما كدت أنتهي من كلامي حتى قُرع جرس الدرس فدخلتُ، فلم تمرّ عشر دقائق حتى جاءني فقال: إن زائراً ينتظرك في غرفتي، فاذهب وأنا أقوم
стр. 641
مقامك. فذهبت فإذا «إبريق» الشاي الأخضر ينتظرني مع كلمات أحلى من سكّر الشاي.
ما كان يؤلمني شيء مثل ألمي لإضاعة سنتي في كلية الحقوق، فقال لي يوماً: إن السيارة مُعَدّة لتحملك إلى حمص، فأِعدّ حقيبتك فستذهب إن شئت إلى دمشق. قلت: وماذا أصنع في حمص؟ قال: إن المفتّش يطلبك.
وكان في دمشق الوزارة وفي حلب دائرة للمعارف، أمّا حمص وحماة فمَردّ أمر مدارسهما كلها إلى مفتّش واحد مقرّه حمص. فكاد العناد يعصف برأسي وأقول: ماذا يريد مني؟ وهل أنا جندي عنده يستدعيني فأذهب ويعيدني فأعود؟ وكدت أرفض، ولكن طيب المدير ولطفه وإخلاصه عقد لساني. وأنا لا أُغلَب إلا باللطف، فإن هوجمتُ وجدت الفرج لأن المقاتلة أهون عليّ من المجاملة. غلبني فقلت: نعم.
وركبت معه إلى حمص، وأنا أسأل طول الطريق عن هذا المفتّش الذي لا أفتأ أسمع من المعلمين ذكره وألمس من حديثهم عنه خوفهم منه، وجعلت أفكّر ماذا يريد مني، وهل أنا ساعٍ إلى هيجاء أم ماشٍ إلى وليمة؟ حتى إذا وصلنا ودخلنا عليه سمعته يقول: هيك (أي هكذا) يا منظوم (وهي كلمة ملاطفة شامية فيها عتاب خفيف) لا تزور أستاذك؟
ونظرت فإذا هو أستاذنا الدكتور صبحي راغب. كنت أعرفه طبيب أسنان في «الجسر الأبيض» في «طريق الصالحيّة»، فلما سافر أستاذانا الدكتوران الكيّال والشمّاع (وكان ثالثهما الدكتور
стр. 642
حسني سبح) لإكمال دراستهما في لوزان سنة ١٩٢٤ أو ١٩٢٥ جاؤونا به ليدرّس لنا، وكانت دراسته في إسطنبول فكانت عربيته مكسّرة، وكنت أصحّح له لغته بطلب منه، وكان يمزح معي ويحبّني. فأنست به لمّا رأيت أنه هو المفتّش، وكان -كغيره من الموظفين- يساير الفرنسيين، لكن ما علمنا منه خيانة ولا انحيازاً إليهم فيه ضرر على الوطن.
وكانت جلسة أستاذ مع تلميذه لا معلّم مع رئيسه. وسألني عن الكلية فخبّرته أني إن لم أذهب لأدفع القسط وأستكمل «الميمات» ضاعت عليّ السنة. قال: هل تكفيك إجازة أسبوع؟ قلت: نعم. فقال للمدير: وماذا نصنع بدروسه؟ قال: أقوم بها أنا.
ولقد كافأت الدكتور (المفتّش) بعد ذلك بإحسانه إليّ؛ ذلك أن القوم ائتمروا به وأقاموا عليه الصحف وأوغروا عليه صدور الرؤساء حتى أُبعِدَ عن عمله، ولم يجد ممّن كان يتردّد عليه ويتزلّف إليه مَن ينطق في نصره بكلمة، فانبريت للدفاع عنه بمقالة كان لها مثل حدّ السيف ومثل حرّ اللهب، وما كذبت فيها وما قلت إلا حقاً، فردّت إليه كرامته وأنعشَت نفسه.
* * *
وجاء يوم العطلة.
وكنا ننتظر هذا اليوم لنودّع فيه أيام الكدّ والتعب ونستقبل أيام الراحة والأُنس، وكنا جميعاً في بهجة، نركب بالمزاح زميلنا
стр. 643
الأستاذ (...)، حتى إذا امتلأ صدره ضجراً منا وامتلأنا ضحكاً معه (لا عليه) ذهبنا إلى إلقاء الدرس الأخير. ثم اصطفّ التلاميذ وخرج المدير يحمل نتائج الامتحانات، يُسعِد بها فريقاً ويُشقي آخرين (وما أسعدهم ولا أشقاهم إلاّ أنفسهم)، فوقف صامتاً وهم ينظرون إليه صامتين، يحدّقون إلى وجهه علّهم يستطلعون الخبر من النظر. ثم نطق فقدم ما شاء من مقدمات، وسَمّى السقوط فائدة لأنه اختبار وتدريب، وأطال المقال وهم يرقبون النتائج، ثم وزّعها عليهم فانصرفوا بين باكٍ حزين وضاحك فرِح. أمّا المعلمون فقد ودّع بعضهم بعضاً ومضى لطيّته (أي لغايته)، ولم تكُن إلاّ نصف ساعة حتى أصبحَت هذه العمارة التي كانت تعجّ بالطلاّب خالية، قد سكنت فيها الأصوات ولم يبقَ فيها إلاّ المدير وأنا والبوّاب.
* * *
стр. 644
-٥٨ -
العودة إلى دمشق
أُرخِيَ الستار وما انتهى الفصل، ورُفع القلم وما اكتمل، فأنا أَصِلُ اليوم ما انقطع في الحلقة الماضية.
تركتكم آخر يوم في السنة المدرسية، وهو ٣١ أيار (مايو) ١٩٣٢، في عمارة كبيرة وسط صحراء منبسطة، كانت صدرَ النهار تعجّ بثلاثمئة تلميذ يَعْدون حولها، يملؤون الجو صخباً وضجّة ويُترِعونه حياة وبهجة، وكان فيها ثمانية من المعلّمين يمرحون ويمزحون، لا ينظرون إلى ما مضى من أيام العلم التي قضوها في كدّ وتعب بل إلى ما يُقبِل من أيام العطلة التي يأملون أن يُمضوها في راحة ومتعة.
أما التلاميذ فقد أخذوا «نتائجهم» وذهبوا، وأمّا المعلمون فقد تبادلوا سلام الوداع وتفرّقوا، منهم من ذهب إلى حمص ومن ركب إلى حماة ومن سلك طريق الشام أو طرابلس، راح كلٌّ إلى بلده، وبقيت أنا والمدير والبوّاب. وكان المدير يداورني لأذهب معه، وأنا عازم على البقاء أياماً وحدي أُعِدّ للامتحان (امتحان الحقوق) وأقرأ ما حملت معي من كتب، وتعبت معه حتى رضي
стр. 645
أن يدَعني فودّعني وانصرف. واستأذن البوابُ أن يذهب ولكن بعد أن أسمح له (!) أن يقوم بواجبه وألاّ أغضب من قيامه به، وكان «واجبه» أن يجمع أثاث المدرسة كله في غرفة كبيرة، يغلقها ويمشي.
ذهب الجميع وبقيَت غرف خالية عارية في دنيا سكت فيها كل صوت، فلا تسمع إلاّ الصمت، وسكنَت كل حركة فلا ترى إلاّ الجمود، والصحراء على هيئتها وهيبتها، والبلد بعيد وأنا وحدي. ولقد عرفت الوحدة من قبل وظننت أني تعودت عليها، ولكني أدركت اليوم أني كنت مخطئاً وأنه ما وُصِف الإنسان بأنه «حيوان ناطق» إلاّ لصعوبة الصمت والوحدة عليه. قرأت مرةً قصّة روسية نسيت لمن هي، أن حوذياً يسوق عربة أجرة مات ولده وضاق صدره عن احتمال الألم، فهو يريد أن ينفّس عن نفسه بالكلام عنه وإلاّ انفجر كما ينفجر مِرجل الماء المغليّ إذا أحكمتَ سدّه، فركب معه راكب فبدأ يحدّثه عن ولده وهو يستمع إليه مجاملة له وشفقة عليه، حتى بلغ غايته فدفع الأجرة ونزل، وركب آخر فكانت حاله مثل الأول، وثالث ورابع وسابع وثامن، لا يستمع قصّتَه أحدٌ ولا يشاركه حمل أساه أحد، فمرّ من فوق الجسر فترك العربة وألقى نفسه في النهر!
* * *
قعدت أقرأ قصة، وكانت -لسوء اختياري- قصة «آلام فرتر» التي تجعل المبتهج مغموماً والضاحك باكياً، والتي تُذهِب هي وأخواتها (رفائيل، وبول وفرجيني، وغادة الكاميليا، ومانون
стр. 646
ليسكو، وماجدولين، وغرازبيللا، وجوسلان، والأجنحة المتكسرة لجبران ...) تُذهِب من الشابّ رجولته وتقتل مطامحه، وتحصر عالمه كله في فتاة واحدة يحدق إلى عينيها أو يجثو عند قدميها، لا يبتغي من الدنيا إلاّ عطفها ووصالها! على أنها (والحقّ أحقّ أن يُقال) أقلّ ضرراً من الأدب المكشوف والشعر الداعر، الذي يحول الشباب إلى قِطاط (١) في شهر شباط!
رميت القصة ولم أعُد أستطيع البقاء، ولو كان السفر ممكناً لسافرت، ولكن السيارة لا تمشي إلى حمص إلاّ مرة في اليوم ومشيها إلى حماة أقل، ولا بد من انتظار الغد. وكنت قد سمعت أن في البلد أقنية قديمة تُعَدّ بالعشرات محفورة من أيام الرومان وزاد فيها ووسّعها العرب، تمتدّ من جبال البلعاس إلى نهر العاصي، وأن قرب البلد على بُعد كيلين منها (أتكلم عن سنة ١٩٣٢) عيناً اسمها العين الزرقاء، وعلى أكَمة عندها قلعة قديمة وأنقاض برج عالٍ وبئر جافة عميقة، فقلت: أمشي إليها فأُمضي ساعات من هذا النهار الطويل الثقيل. ولولا الحياء للحقت المدير و «استأنفت» الحكم الذي أصدرتُه على نفسي بالسجن مع النفي.
وفي السلمية آثار كثيرة لم يكن قد جرى (يومئذٍ) التنقيب عنها، لا سيما في المقبرة الرومانية في مكان كان يُدعى «ظهر المُغْر» (٢)، وكان الناس يحملون منها قطعاً من الفخار والزجاج كانت يوماً جِراراً وكؤوساً. ولا يُطلَق اسم «الآثار» على ما مرّ
стр. 647
عليه مئتان أو ثلاثمئة سنة، وإلاّ عُدّ نصف دمشق القديمة ونصف القاهرة من الأماكن الأثرية؛ الأثر هو ما مرّ عليه قرون طويلة أو كانت له دلالة تاريخية خاصّة.
أمضيت ليلة من أشدّ الليالي التي رأيتها في حياتي: ظلمةٌ ووحشة وصمت، والساعات تمرّ بطيئة كأن الدقيقة فيها ساعة، وقد انقطع تيّار الكهرباء فأوقدت مصباح الكاز (النفط). إن بقيت في الغرفة أحسست كأن جدرانها تتقارب وتتدانى حتى تُطبِق على صدري، وإن خرجت في الظلام حسبت كل ضوء أراه من بعيد أو أتوهّم أني رأيته، أحسبه عينَي ذئب أو ثعلب، وهي كثيرة في تلك الناحية. وإن لمسَت رجلي وأنا أمشي نبتةً جافّة ظننتُها عقرباً. والأرض، بل والمدرسة، ممتلئة بالعقارب. وإن حملت الفانوس خفت! لا تتعجبوا من قولي ««خفت»، فإنه خوف العاقل لا خوف الجبان، وأنا لي عيوب جمّة ولكن ليس منها الجبن، والتفكير في الأخطار والابتعاد عنها ليس من الجبن. كنت أخاف لأن هذا الفانوس يُرى في تلك الفلاة من مسافة عشرة أكيال أو أكثر من كل جهة، ولعل في الجوار لصاً أو مجرماً يطمع بي، يراني وأنا لا أراه، فالعقل يقضي عليّ بأن أطفئه وأخوض ظلام الليل، فظلام الليل أهون من ظُلم البشر. ومشيت حتى تعبت ومللت فعدتُ، وطال الليل. وجعلت أذكر كل ما أحفظ من الشعر في الشكوى من طول الليالي، من ليل امرئ القيس ملك الشعراء (إن كان شوقي أميرَهم) ووليّ عهده النابغة، إلى آخر من أعرف من رعاياه. ثم رأيت أنّ أصدَقَه قول بشار: «لم يطُلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ».
نعم، فالليل لا يطول ولا يقصر ولكن مقاييس الزمان عندنا
стр. 648
مختلّة، ساعاتنا كلها خَرِبة، وإلاّ فخبروني: كيف تكون ساعة العروس (أقصد العريس) في أول ليلة من شهر العسل ستين دقيقة، وساعة المحبوس في سجن الجبّارين يذوق فيها أفانين العذاب ستين دقيقة؟
لم يطل ليلي ولكن لم أنم، بل بقيت الليل كله أنظر من الشبّاك أتبصّر هل طلع الفجر، فلما رأيت بياض الأفق الشرقي وأيقنت أنه الفجر وأن موعد الفرج قد دنا، عبّأت كتبي في حقيبتي وألقيت فوقها ثيابي، وصلّيت الفجر وحملتها، وأغلقت باب المدرسة وأخذت طريقي إلى البلد. وكان موقف سيارة حمص بعيداً والحقيبة ثقيلة، ولكني لمّا بلغت أطراف البيوت ودخلت البلد كان قد طلع النهار، فوجدت من تلاميذي من حملها عني وسار بي حتى بلغت القهوة، فأكلت فيها ودعوت من معي وشربنا الشاي، حتى جاء موعد انطلاق السيارة التي كان ينتظرها المسافرون، فأكرموني فأركبوني جنب السائق، وودّعت من كان معي وسرت، أعني سارت بنا السيارة، وكان ذلك اليوم (وهو أول حزيران (يونيو) ١٩٣٢) آخر عهدي بسلمية، لم أرَها بعده.
* * *
وصلنا إلى قرية أظن اسمها قرية عزّ الدين (أو اسماً يشبهه)، فركب معنا شيخ بعمامة لها عَذَبة طويلة ولحية بيضاء، فلما سمع السائقَ يدعوني بالطنطاوي هشّ لي وأقبل عليّ، ومدّ يديه يعانقني ويقول: يا بركات السيد البدوي، أهلاً وسهلاً بابن طنطا، هل أنت منها؟ قلت: جدي منها وأنا لا أعرفها. وانطلق يحدّثني من
стр. 649
فوق كتفي (لأنه ركب الصف الأول من مقاعد السيارة وأنا إلى جنب السائق) ويقصّ من كرامات السيد ما لا يقبله عقل ولا يُقرّه دين ويؤكد أن الشيخ عزّ الدين المدفون في هذه القرية من أتباعه، وكانت محنة ولكنها لم تطُل لأنه نزل بعد قليل.
ومررنا بمضارب بدو فدعونا إلى القهوة، واختلف الركاب ثم نزلوا، فقعدنا على بساط نظيف واستندنا إلى وسائد وضعوها لنا، وسقونا القهوة العربية المرة وثلثاها (كما هي العادة) من الهيل والثلث من البُنّ، وهي منشّطة لذيذة. بقينا عندهم أكثر النهار، وأرادونا على أن نتعشّى عندهم فاعتذرنا. وكان كرمهم الفطري وصفاء نفوسهم وصدق حديثهم قد نفض عنا التعب. ومشت بنا السيارة في سهول خضراء تارة وفي قفرة جرداء تارة، والأرض منبسطة من حولنا لا يحدّها إلا الأفق حيث ترى العينُ السماءَ قد التقت بالأرض، ولم نجد في مسيرتنا إلاّ مضارب البدو المنتشرين في تلك النواحي لأنه كان عام خير، وكانت المراعي كثيرة والنعم وفيرة، والجِمال تبدو أمام الشمس المصفرّة المائلة إلى الغياب كأنها تسبح في بحر من النور أو كأنها لوحة سينما كبيرة.
حتى إذا توارت بالحجاب وأُسدِلَ ستار الظلام بدت أنوار من بعيد، فقالوا هذه حمص. ونزلنا نستريح في «الروضة»، وكانت روضة حقاً؛ بناء جميل حوله حديقة أنيقة فيها الموائد والمناضد المنصوبة حولها الكراسي المصفوفة، فجلسنا سويعة أكل فيها مَن أكل وشرب من شرب، وصلينا كلنا المغرب جماعة ثم افترقنا.
стр. 650
وركبت -مع ثلاثة يقصدون دمشق- سيارة صغيرة. واستأذنت أن أركب جنب السائق لأني كنت (ولا أزال) إذا ركبت وراء أصابني شيء من دُوار، أو توهّمت أنه أصابني. وكانوا كراماً فأذنوا لي. وما سرنا إلا قليلاً حتى بدأ السائق ينعس ويكاد رأسه يميل على مِقوَد السيارة، فنبّهناه فلم يتنبّه، وكان الطريق ضيّقاً وهو يصعد حتى يبلغ أعلى لبنان الشرقي، ثم يهبط وهو يلتوي ويدور، ومن غفل من السائقين وهو يقظان في النهار تعرّض للأخطار، فكيف بمن يسوق السيارة نعسانَ في سواد الليل؟ وكان معنا راكب كهل من حماة، أبيض الشعر وقور، ولكنه متين البنيان قوي الجسد كأنه مصارع من أصحاب الوزن الثقيل، وكانت له يد كفّها بعرض كفّيّ معاً، وهو يتكلم ببطء بالسرعة الإملائية، وهي تسمية ابتدعَتها محطة الشرق الأدنى في يافا قبل الحرب الثانية، تُلقى فيها النشرة الإخبارية جملة جملة لينقلها مُخبِرو الصحف.
فتوجّه إليه وقال له: يا ولدي، الله يرضى عليك، العجلة فيها الندامة والطريق خطر، وأنا لا أخاف على نفسي فأنا كهل، ولكن أنت شابّ ولك عيال، إلخ. وهو يقول: نعم، نعم، أمرك يا عمّ، أمرك. ولكنه يعود إلى ما كان فيه، ويخفق رأسه حتى يميل على المقود. فما كان من الكهل إلاّ أن طلب منه أن يقف السيارةَ دقيقة، فظنّ أنه يريد النزول لقضاء حاجة، فوقف والتفت إليه وقال: نعم؟ فلم يشعر إلا بهذه اليد تنزل عليه بضربة لو أصابت ثوراً لتَضَعْضَع ولو كانت بمصارع لهوى، وعاد يقول له بالسرعة الإملائية والصوت الخفيض واللهجة الحانية: يا ولدي، الله يرضى عليك، العجلة فيها الندامة ... إلى آخر المحاضرة.
стр. 651
فبُهت وتحيّر: هل يغضب للضربة أم يرضى بالنصيحة؟ ولكن النوم طار من عينيه إلى آخر الطريق. ووصلنا بسلام.
* * *
وبلغت دمشق، وأحسست لمّا هبّت عليّ نسائمها كأني غريق خرج إلى الهواء. ولقد شرّقت من بعدُ وغرّبت ورأيت بلاداً لا أحصيها عدداً، فما رأيت فيها أجمل من دمشق. أفهي كذلك أم تجمُل في عينَيّ لأنها بلدي، وكل إنسان يؤثر بلده على سائر البلدان؟ لقد عرفت مَن ذهب إلى أميركا وعاش في أكبر مدنها واستمتع بمنتجات حضارتها ووسائل الترف فيها، فما أنسته نيويورك وناطحات السحاب فيها قريتَه ولا بيته المبنيّ من الخشب واللبِن في أزقّتها، وكان يحس أنه في أميركا غريب، نزيل في فندق، ما شعر بالاستقرار إلاّ لمّا وصل القرية وولج الدار. وهذي لعَمري من حكيمِ ما قدّر الله، وله الحكمة البالغة في كل ما قدّر؛ ولولا ذلك لاجتمع الناس كلهم في مواضع المال والجمال وخربت البلاد الفقيرة وأقفرت.
كنت أشكو في سلمية السكون الذي يشبه الموت والفراغ الذي يحكي العدم، فعدت إلى مثل ضجيج المعركة وزحمة الحشر، ورجعت إلى ما ابتعدت عنه واسترحت منه: خطب سياسية في الأموي عقب صلاة الجمعة، بعدها مظاهرات وهتافات ومصادمات بيننا وبين الشرطة، فإنْ حَمِي الوطيس دُعي الجند من السنغاليين وغيرهم أو نزلَت المصفّحات. ونستريح بعدها قليلاً ثم يُستأنف النضال.
стр. 652
والمدارس التي كنت أعلّم فيها: ولها عليّ حقوق ولي بها ارتباط، وهي مدارس أهلية عملها في الصيف أكثر من شغلها في الشتاء، لأن آباء التلاميذ لم يكونوا قد ألِفوا العطلة الصيفية وكانوا (أو كان أكثرهم) يظنّ أنها تُنسي التلميذ ما تعلّمه، لذلك كانوا يُدخلون أولادهم هذه المدارس الأهلية يَبقون فيها مدّة الصيف، فإذا انقضت العطلة وفُتحت مدارسهم «الأميرية» عادوا إليها. وكنت وأنا تلميذ أحد هؤلاء التلاميذ، فلما عدت الآن إلى دمشق رجعت إليها أعلّم فيها، في الأمينية والتجارية والجوهرية والكاملية، فكانت تعجّ بالتلاميذ وكانت تُقام لهم الحفلات، فأرجع إلى ما كنت فيه من قبل، أؤلّف لهم مسرحيات مدرسية يخرجها صديقي المحامي أحمد حلمي العلاف، وأعلّمهم أنا الإلقاء بأنواع اللهجات التي يقتضيها المقام: الاستفهام والتأنيب والغضب والتهديد والسخرية، وكيف يعبّر الوجه عن كل موقف. والذين كانوا يزورون المدرسة ويرونني أعلّمهم هذا كله يشهدون لي بالنجاح فيه، لكن لو سُئلت من أين تعلمته أنا لما دريت. وأخذت مرة مجموعة من الصور (لي) أعبّر فيها بوجهي عن هذه المواقف كلها على طريقة السينما الصامتة، وبقيَت عندي مدّة طويلة، حماقة من حماقات الشباب.
والثالثة: الصحف التي كنت أعمل فيها محترفاً، وعدت إلى الكتابة فيها. وكانت تصدر لي في بعض الأيام مقالتان في صحيفتين معاً، وكان من أهمّ الموضوعات التي كتبت فيها أني واليت الدعوة إلى الأدب القومي، أو ما يُدعى الآن «أدب الالتزام»؛ لا الالتزام بمذهب سياسي ولا بمنهج حكومي، بل
стр. 653
بمصلحة الأمة، ومن أولى مصالحها المحافظة على دينها وعلى أخلاقها ومحاربة الأدب الرخو المائع أو المنحرف الزائغ، أدب الشهوات وأدب الشبهات. كتبت في ذلك سلسلة مقالات بدأَت بالرسالة التي طبعتُها رداً على أستاذنا (في كلية الآداب) شفيق جبري، وانتهت بالسؤال الذي وجّهتُه إلى «الرسالة» وسيأتي خبره.
والرابعة: العمل مع المشايخ والجمعيات الإسلامية. وقد عرفتم أن دراستي كانت مزدوجة، في المدارس النظامية على الأسلوب الحديث وفي حلقات المشايخ على طريقة الأزهر القديم؛ فقد جوّدت القرآن علي شيخ قرّاء الشام الشيخ محمد الحلواني وعلى الشيخ عبد الرحيم دبس وزيت وولده القارئ الفقيه الحنفي (تلميذ أبي) الشيخ عبد الوهاب، ودرست الفقه على المفتي الشيخ عطا الكَسْم والشيخ أبي الخير الميداني الذي قرأت عليه النحو أيضاً والصرف، والحديثَ والتفسير على الشيخ عبد الله العلمي والشيخ محمد بهجة البيطار، وقرأت على الشيخ صالح التونسي وصحبتُه مدّة طويلة. وممّن حضرت دروسه ولزمته حيناً المحدّث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسَني، وصِنْوه وقرينه السيد محمد بن جعفر الكتّاني صاحب «الرسالة المستطرَفة» التي أحصت من كتب الحديث ما لا يوجد مَحْصِيّاً في غيرها، والشيخ أمين سويد وكان يتفرد في المعقولات، والشيخ عبد القادر بدران صاحب «المدخل» وهو معروف هنا، والشيخ عبد القادر الإسكندراني، والشيخ الكافي، وكثيرون جداً ربما جاء ذكرهم. فلما عدت إلى دمشق بعد هذه الغيبة القصيرة جدّدتُ العهد بهم
стр. 654
(أعني بمن بقي منهم) وبمجالسهم.
أما الجمعيات الإسلامية فقد عرفتم أني لما ذهبت إلى مصر أول مرة سنة ١٩٢٨ وشهدت مولد جمعية الشبان المسلمين أو قرب العهد بمولدها، وعرفت حسن البنّا وعبد السلام هارون ومحمود شاكر وعبد المنعم خلاف (وكنا كلنا يومئذ شباباً، رحم الله من ذهب للقائه ووفّق من بقي إلى إرضائه)، عرفتم أني عدت يومئذ وعملت على إنشاء جمعية الهداية الإسلامية التي توالت من بعدها الجمعيات، وأولها «التمدّن الإسلامي» التي أنشأها ولا يزال يقوم عليها الأستاذ أحمد مظهر العظمة والأستاذ محمد بن كمال الخطيب، يشاركهم حيناً الأستاذ محمود مهدي الإسطنبولي.
* * *
وكان من أحداث ذلك الصيف أن مات حافظ إبراهيم، فأقيمَت له «حفلات» التأبين في كل بلد ورثاه كل ذي قلم وكل ذي لسان، ودمشقُ أخت العروبة وظئر الإسلام لم تقُل في تأبينه كلمة ولم يُقِم مجمعها حفلة. وانتظرت شهرين، فلما لم يتحرك المجمع كتبت في «ألف باء» في منتصف أيلول (سبتمبر) مقالة هزّته فحرّكَته، فأقام «حفلة التأبين». وكان ممّا قلت فيها: إذا مات حافظ فهل ماتت دمشق؟ وهل مات مجمعها ومات أدباؤها، فلا يذكرون -وهم أهل الأدب- أن حافظاً كان علَماً من أعلامه هوى، ولا يذكرون -وهم أهل الشام- أن حافظاً طوّق بلدهم من شعره قلائد الذهب، وأنه مدّ يده إليهم عن ستة عشر مليوناً من
стр. 655
الناس (وكان هذا عدد سكان مصر يومئذٍ على ما أظنّ) مصافحاً يقول لهم:
هذي يدي عن بني مصرٍ تصافحُكم ... فصافحوها تُصافحْ نفسَها العرَبُ
فما الكِنانةُ إلاّ الشامُ عاجَ على ... ربوعِها مِن بَنيها سادةٌ نُجُبُ
وقوله وقوله ... (إلى أن قلت): ألم يبيّن أن الشام أخت مصر، أمّهما واحدة وأخوّتهما خالدة، باقية على الأيام رغم الخطوب الجِسام:
إنما الشامُ والكنانةُ صِنوانِ ... برغمِ الخطوبِ عاشا الزّمانا
أمّكمْ أمُّنا وقد أرضعَتنا ... مِن هُداها ونحنُ نأبى الفِطاما
ألم يضرب بكم الأمثال لأهل مصر ... (إلى أن قلت): فاسمعوا قوله:
فرجالُ الشآمِ في كرةِ الأرضِ ... يبارونَ في المسيرِ الغَماما
رَكِبوا البحرَ جاوزوا القطبَ فاتوا ... موقعَ النيّرَينِ خاضوا الظلاما
يمتطونَ الخطوبَ في طلَبِ ... العيشِ ويبرونَ للنضالِ السِّهاما
وبنو مصرَ في حِمى النيل صرعى ... يرقُبونَ القضاءَ عاماً فعاما
(وأقول: كان ذلك يوم كان ابن مصر يجزع إن نُقلَت وظيفته إلى الفيوم فضلاً عن أسوان، فصار المصريون الآن يعملون فوق كل أرض وتحت كل كوكب، ومن عرف ما كانت عليه حالهم تعجّب وأُعجِبَ بما آل إليه مآلهم).
стр. 656
(إلى أن قلت): ألم يعرّج في شعره على العالَم الجديد، فيصف حال السوريين وراء البحار وكيف أقاموا لهم كياناً وبنوا لهم من المجد بنياناً، ولا عَلَم يجمعهم ولا أسطول يحميهم، ولا دولة تُعنى بهم:
بأرضِ كولُمْبَ أبطالٌ غطارِفةٌ ... أُسْدٌ جياعٌ إذا ما وُوثِبوا وثَبوا
لم يحمِهم علَمٌ فيها ولا عَددٌ ... سوى مضاءٍ تحامى وِردَهُ النُّوَبُ
أسطولُهم أملٌ في البحرِ مرتحِلٌ ... وجيشُهم عملٌ في البَرِّ مُغتربُ
ما عابهم أنهم في الأرضِ قد نُثروا ... فالشُّهْبُ مَنثورةٌ مُذْ كانتِ الشهُبُ
(أقول: وهذا الكلام وصف لأهل مصر الآن)
(إلى أن قلت): وهذا المجمع ماذا يصنع؟ أأقلّ من حفلة؟ حفلة تكون أمارة على حياته هو وهو حيّ ميت، لا أسفاً على موت حافظ وهو ميّت حيّ؟ أأقلّ من حفلة، وقد مرّ شهران على موت حافظ، ورثاه كل أديب له لسان وكل كاتب له قلم، وكان هو سيد مَن رثى فأجاد الرثاء، حتى تمنّى «الأمير» أن يكون قد مات قبله ليحظى بمرثيّة منه:
قد كنتُ أطمَعُ أن تقولَ رثائي ... يا منصِفَ الموتى من الأحياءِ
وإن كانت جملة «تقول رثائي» كالآجرّة المضعضَعة في الجدار لا تعرف الاستقرار، وما سمعنا من العرب إلاّ «قال في رثائه» أو «قال يرثيه»، وإن لم تكُن خطأً من شوقي، وما كان مثلي ليخطّئ مثلَ شوقي.
ولحافظ مَزيّة في مراثيه. إن الحياة مسرحية كبيرة، فمَن
стр. 657
أراد أن يصف لك فصلاً منها عرض عليك مشاهده ولخّص حواره وتسلسل مناظره ومقدرة ممثليه، منهم من يصف بعينيه فيريك الفصل كأنه «السينما الصامتة» التي كانت على أيامنا ونحن صغار، ومنهم مَن يصف بأذنيه فيُسمِعك الأصوات ويُبلغك الحوار، كأنك تسمع «الفصل» من الإذاعة، ومنهم من ينقلك إلى «السينما» فيُقعِدك في المقعد المريح في الشرفة المقابلة للوحة العرض، ترى وتسمع بعينيك وأذنيك لا بوصف الناقل، وتحكم بشعورك لا بشعور الناقد.
أما حافظ في مراثيه وفي وصفيّاته فإنه يُدخِلك فرقة التمثيل حتى تكون أنت ممّن يمثّل، ينطق ويتحرك لا يكتفي بأن يقرأ أو يسمع. اقرؤوا مرثيته سعداً، وأنا أروي ما أحفظ منها، لست أحفظها كلها وليس ديوانه قريباً مني لأرجع إليها. يُدخِلك النادي الذي سيخطب فيه سعد يوم كان سعد خطيب مصر، لا في براعة القول وحسن رصف الكلام، فإن خُطَبه إن قُرئت قراءة لم يدرك قارئُها براعتَها ولم يعلم فيمَ كان هذا التأثير لها. كان تأثيرها في بلاغتها، أعني البلاغة بمعناها عند أهلها وهو مطابقة الكلام لما تقتضيه الحال وأن يخاطب المرء الناس على مقدار عقولهم ويقول لهم ما يفهمونه حتى يؤثّر فيهم. وكذلك كان سعد: لمّا عاد من المنفى في جزيرة سيشيل كان ينتظره عند المحطة في ميدان باب الحديد جماهير تملأ الميدان، وكان أكثرهم من الفلاحين تركوا قُراهم وجاؤوا مصر لاستقباله، لأنه كان رمز الشعب وكان الناطق بلسانه المحامي عن حقوقه. وكان في الناس -يومئذ- من يضع الوزراء والكُبَراء فوق والفلاّحين تحت، فكانت البلاغة كل البلاغة
стр. 658
في خطابهم ما قاله سعد، قال لهم: "إنكم جئتم لتكريمي وما أنا من الكبراء ولا من ذوي السلطان، ما أنا إلاّ فلاّح وابن فلاّح". تقرؤون هذه الجملة الآن وقد انطفأ بريقها وهمدَت شعلتها، ولكن الذين سمعوها من الفلاّحين فعلت فيهم فعل السحر ومشت في أعصابهم مَشْي الكهرباء. هذه هي مطابقة الكلام لما تقتضيه الحال، هذي هي «البلاغة».
أعود إلى حافظ في رثاء سعد: وضع السامعين «في الصورة» كما يُقال، أدخلهم المشهد حتى كأنهم فيه، ينتظرون سعداً فلا يرون سعداً، فقال: أين سعد؟ لِمَ لا يحضر وقد كان حاضراً دائماً في صدور المجالس، كما كان حاضراً في القلوب بحبهم له، وحاضراً في الأسماع بإصغائهم إليه:
أينَ سعدٌ؟ فذاكَ أوّلُ حفلٍ ... غابَ عن صدرِهِ وعافَ الخِطابا
لم يُعوِّدْ جنودَهُ يومَ خَطبٍ ... أن يُنادى فلا يَرُدَّ الجوابا
ثم راح يتلمّس لغيابه الأسباب: لعلّه قد عاقه عائق؟ فلننتظر. ولكن طال الغياب، أفيكون نائماً لم يسمع؟ أيكون غائباً لم يعلم؟ فاجهروا بالنداء، فإذا لم يُجِب فاعلموا أن المصاب قد حلّ والمحذور قد وقع:
لم يُعوِّدْ جنودَهُ يومَ خَطبٍ ... أن يُنادى فلا يَرُدَّ الجوابا
علَّ أمراً أعاقهُ، علَّ خطباً ... قد عراهُ، لقد أطالَ الغيابا
أيْ جنودَ الرئيسِ نادوا جَهاراً ... فإذا لم يُجِبْ فشُقّوا الجيوبا
إنها النكبةُ التي كنتُ أخشى ... ...
стр. 659
وقصيدته في ذكرى الزعيم الشاب مصطفى كامل، أتلو عليكم ما أحفظه منها. لكن لا تقرؤوه قراءة، بل تصوّرا حافظاً بقامته المديدة وصوته الجهوريّ وإلقائه الرائع، تصوّروا أنكم تسمعونه منه وهو ينظر إلى الأمام كأنه يحاول أن يتعرف وجه حبيب وسط الزحام، فهو يحدّ النظر ويفتح العينين ويقول:
إني أرى، وفؤادي ليسَ يكذِبُني ... روحاً يَحُفُّ بهِ الإكبارُ والعِظَمُ
أرى جَلالا، أرى نوراً، أرى مَلَكاً ... أرى مُحَيّاً يحيّينا ويبتسمُ
يُلقي الجملة ويُعلي صوته في الثانية، ثم يزيده علواً حتى انطلقت أساريره إذ وجد ضالّته وعرف محبوبه:
الله أكبرُ، هذا الوجهُ أعرِفُه ... ... ...........................
فكأنهم قالوا: ومن هو؟ فقال:
........................... ... هذا فتى النيلِ، هذا المُفرَدُ العلَمُ
غُضّوا العيونَ وحيّوهُ تحيّتَهُ ... منَ القلوبِ إذا لم تُسعِدِ الكَلِمُ
وأقسِموا أن تذودوا عن مبادئِهِ ... فنحنُ في موقفٍ يحلو به القَسَمُ
ثم تحوّل إلى الزعيم الراحل، كأنه حاضر وكأنه يخاطبه، فقال:
لبّيكَ نحنُ الأُلى حرّكتَ أنفسَهم ... لمّا سكَنتَ ولمّا غالَكَ العَدَمُ
جئنا نؤدّي حساباً عن مواقفِنا ... ونستعدُّ ونستعدي ونَحتكِمُ
وهل نسيتم موقفه من العدوان على طرابلس (في ليبيا) سنة ١٩١٢ لمّا هجم عليها الطليان، فكان شعره سلاحاً من أسلحة
стр. 660
المعركة وجندياً من جنود التحرير؟ أليس سلاحاً ماضياً قوله:
قد ملأنا البرَّ مِن أشلائهم ... فدعوهم يَملؤوا الدّنيا كلاما
وقوله لمن يُعَدّ عندهم من رجال الدين وهو عون للمعتدين وحلف للسارقين الغاصبين، كما يفعل جمهور الشياطين الذين يُدْعَون الحاخامين:
باركَ المُطرانُ في أعمالِهم ... فسَلوهُ: باركَ القومَ علاما؟
أبهذا جاءَهم إنجيلُهم ... آمراً يُلقي على الأرضِ السلاما؟
* * *
وانقضى الصيف وجاء أوان «التشكيلات»، أي تنقّلات المعلّمين التي يترقّبها كلّ معلّم ليعرف مصيره، فيتسابقون يوم صدورها إلى الصحف أو يزدحمون على أبواب وزارة المعارف. وكان نصيبي منها هذا الكتاب بإمضاء الوزير مظهر رسلان:
إلى حضرة السيد علي الطنطاوي المعلم في مدرسة سلمية المحترَم:
قرّرنا نقلكم إلى مثل وظيفتكم في مدرسة سَقْبا، فنرغب إليكم أن تباشروا وظيفتكم هذه حالاً والسلام عليكم.
دمشق في ٢٩ أيلول ١٩٣٢. وزير المعارف.
* * *
стр. 661
-٥٩ -
بَرَدى والغوطة
ختمت الحلقة السابقة بكتاب وزارة المعارف بنقلي إلى مدرسة سَقْبا في وسط غوطة دمشق. أفأمضي إليها من غير أن أقف معكم وقفة في دمشق؟
تجوزون الدّيارَ ولم تعُوجوا ... كلامُكمُ عليّ إذن حرامُ
أفتريدون أن تحرمني دمشق مناجاتها وحديثها بعد أن حرمَتني الأيامُ رؤيتها وحرّمَت عليّ قربها؟ فيا مَن في دمشق، تنشقوا عبير الخلود من دمشق فما تلقون إن فارقتموها مثلها، مثل ميزانها وشاذِرْوانها (١)، وغوطتها وواديها، والأنهار السبعة التي تمتدّ على السفحَين في «الرّبْوَة» كأنها عنقود اللؤلؤ في جيد الحسناء، والبساتين التي يضلّ فيها النظرُ سكرانَ من الفتون، وهذي المنارات وهذه القباب، والمسجد الذي تكسّرَت على جدرانه أمواج القرون وهو قائم وارتدّت عنه العصور وهو شامخ، يروي لأبناء الأرض تاريخ الأرض مُذْ كان معبداً وثنياً، إلى أن صار كنيسة نصرانية، إلى أن غدا جامعاً إسلامياً. وهذا الجبل
стр. 662
الذي يفترّ أبداً عن مثل ابتسامة الأمل على حين تعبس الجبال! لن تلقوا بعدها مدينة مثلها: ثيابها زهر، ونسيمها عطر، وحديثها شعر، وجمالها سحر، ومياهها خمر، خمر حلال لأنها جنّة المستعجل.
إنها أقدم مدن الأرض العامرات؛ ماتت أخواتها من دهور وبقيَت سالمة، وأدركَتها سنّ الشيخوخة وهي شابّة، وكانت عروس الماضي وستبقى أبداً عروساً، فأمّوا آثارها وسائلوها تخبرْكم أخبار الأمجاد الخوالد، وترفّقوا في سيركم على ثُراها، فإنّ تحت كل حجر تاريخ بطولة، وفي ظلال كل دوحة قصة حب، وفي خرير كل ساقية قصيدة عبقرية لا تنتهي قوافيها. "دمشق التي تجمّع فيها ما تفرّق في مدن الأرض من الجمال: فالجِنان في غوطتها، والأنهار في ربوتها، والسهل في مزّتها، والبساتين تحفّ بها والجبال من حولها، وكل مجالي الوجود فيها، لا ينقصها إلاّ البحر، ومن قاسيونها ترى بحراً من الخضرة النضرة ما له من آخر" (١). "دمشق التي تحرسها «الرَّبْوَة» ذات «الشّاذِروان» وهي خاشعة في محرابها الصخري تسبّح الله وتحمده على أن أعطاها شطر الحُسن وقسّم في بقاع الأرض الشطر الآخر. وما «الرّبوة» إلاّ حلم ممتع غامض يغمر قلب رائيه بأبهى العواطف التي عرفها قلب بشر، حلم يذكّر كل إنسان بليالي حبه وساعات سعادته، ثم يتصرّم الحلم ويستحيل ذكرى حلوة لا تمحوها الأحداث. الربوة، لحن علوي وعته الأرض مرة واحدة حين أُلقيَ في أذن دمشق! كانت دمشق مدينة عامرة قبل أن تولد
стр. 663
بغداد والقاهرة وباريس ولندن، وقبل أن تشاد الأهرام ويُنحَت من الصخر وجه أبي الهول" (١) ففي أرضها من مدنيات مَن سلف طبقات تحت طبقات، والحضارة لها فيها جذور ممتدّة تحت الثرى وفروع باسقة في الهواء.
* * *
"وبردى؟ إنه سطر خطّته يد الله على صفحة هذا الكون ليقرأ فيه أولو البصائر فلسفة الحياة والموت، وروعة الماضي والمستقبل. واختصّ به العرب، فجمع فيه تاريخهم ببلاغة علوية معجزة.
والله الذي جعل الآية المعجزة في القرآن هو الذي جعلها في الأكوان، والله الذي أعجز أئمة البلاغة وأمراء البيان بسور من آيات وكلمات وحروف، هو الذي أعجز أرباب الفكر وأصحاب العقول بسور من بحار وأنهار وكهوف. وما «بَرَدى» إلاّ سورة من قرآن الكون أجراه في الأرض الذي أنزل القرآنَ من السماء، وما إعجاز بردى في أنه يجري، فكل الأنهار تجري، ولكن في أنه ينطق وأن في كل شبر فيه تاريخ حقبة من العصور وقصة أمة من الأمم: أمم وُلدَت في حِجْره ورضعت من لبانه، وَحَبَتْ بين يديه، ثم قويَت واشتدّت وبنت فأعلت ... وفتحت فأوغلت، ثم داخلها الغرور وحسبت أنها شاركت الله في ملكه، فظلمت وعتَت واستكبرت، فأخذها الله ببعض ما اكتسبت، فإذا تلك العظمة والجبروت
стр. 664
ذكرى ضئيلة في نفس بردى وأنقاض هيّنة إلى جواره، وصفحة أو صفحات في كتاب التاريخ، وإذا بأمّة أخرى تخلفها في أرضها وترثها مجدها، ثم يكون سبيلُها سبيلَها. هكذا يدور الفلك في السماء ويدور السلطان في الأرض، فتنشأ من القبر الحياة ويغطي على الحياة القبر، والسلسلة لا تنتهي والناس لا يعتبرون، وبردى يتبسم ساخراً من غرور الإنسان ضاحكاً من جهالته، يحسب نفسه شيئاً، فيصارع الكون ويتطاول بعقله القاصر إلى الكلام في صفات الربّ العظيم، يقيس الخالق على المخلوق، ويزعم لأدبه وفنّه الخلود وما عمره إلاّ ساعة واحدة من عمر بردى! وما عمر بردى إلاّ ساعة من عمر الأرض، وما عمر الأرض إلاّ ساعة من الزمان المطلق الذي لا يعرف حقيقته إلاّ خالقه.
بردى وهو يجري على الأرض رمز لتاريخ أمة العرب وهو يمشي في الزمان، ففي كل قسم من بردى فصل من التاريخ:
يخرج بردى من بقعة في الزّبَداني منعزلة صعبة لا يبلغها إلاّ مَن كان من أبنائها عارفاً مداخلها ومخارجها، كما خرج العرب من هذه الجزيرة الصعبة المنعزلة التي لم تكُن يوماً إلاّ لأبنائها، والتي ردّت عنها الفاتحين كافّة وجعلت رمالها رمساً لكل من يجرؤ منهم على وطئها، حتى من كان من أبنائها تحت راية واحد من أعدائها كان مصيره مثل مصيرها وابتلعته هذه الجزيرة كما ابتلعت جيش كسرى في «ذي قار»، ثم لم يقنعها ما صنعت حتى ابتلعت دولته كلها في «القادسية» تحت راية القرآن، وقالت للدنيا: هذا جزاء من يطأ أرض الجزيرة!
стр. 665
ويسير بردى في غور عميق لا يخرج إلى هذه الجنّات الجميلة الفتّانة التي قامت على مقربة منه، يمشي في حضيض الوادي تلتطم مياهه وتصطدم كما كان العرب في جاهليتهم يقتتلون ويصطرعون، يشتغلون بأنفسهم عن العالَم من حولهم! حتى يبلغ بردى «الفيجة» فتصبّ فيه المياه العذبة الكثيرة من «عين الفيجة» التي يخرج ماؤها مندفعاً فوّاراً كأنه سيل ينحدر من قمة الجبل، كما خرج المسلمون يفتحون الأرض لينشروا فيها الخير الذي هبط عليهم من السماء في غار حراء.
تنزل مياه «الفيجة» في بردى فتضيع قلّته وكدورته في كثرتها وصفائها، ويكون منهما نهر جديد يعدو عَدْواً ويهدر ويعلوه الزبَد، وقد كان -من قبلُ- يمشي بطيئاً، قد خالطه الطين، يسرع إلى أرض الأزهار والثمار، كما انصبّت على عقائد الجاهلية مبادئُ الإسلام الصافية السامية. وترى بردى يتجافى بعكَره عن مياه الفيجة، يجاورها ويأبى أن يختلط بها، فيسير النهر مئة متر ترى الماء من يمينه معكَّراً، ذلك ماء بردى، ومن يساره صافياً رائعاً لأنه من ماء الفيجة؛ كما تجافى العرب عن الإسلام وأبوا أن يتبعوه وكادوا لأصحابه، حتى صارت الجزيرة كبَرَدى فيها عكَر الشّرك وفيها صفاء التوحيد، فيها المسلمون الموحدون المتحدون، والجاهليون المشركون المختلفون، ثم مكّن الله لرسوله فخضعت له الجزيرة التي لم تخضع قبله لمخلوق، واجتمعت كلها تحت رايته ولم تجتمع تحت راية أحد قبله، فقادها خلفاؤه إلى أرض التين والأعناب، لا لتستمتع بخيراتها بل لتمدّ بالخير أهلها، لاتريد أن تأخذ الغنى والترف منها بل لتقدّم
стр. 666
الحضارة المؤمنة إليها.
ويبلغ بردى «بَسّيمة» و «الأشرفية» و «الجدَيْدة» فيجعلها الله به أجمل البقاع، يسقيها من مائه فيكون شكرها إياه خمائل قلّما رأى الراؤون مثلها، تعانقه السواعد الغضّة من أشجارها وتلثم خدَّه الروائعُ من أزهارها، وهو يلين تارة حين تُرى حصباؤه من صفائه، ويشتدّ أخرى فيُرغي ويُزبِد ويكون له منظر مرعب ولكنه جميل، مرهوب ولكنه محبوب، كما كانت الأمة العربية المسلمة بعد أن بسطت سلطتها على العالَم القديم كله محبوبة مرهوبة، يحبّ الناس عدلها ويرهبون بطشها، أغاث الله بها أرجاء الأرض فكان شكرها إياه هذه الأموال التي فاضت بها خزائنها وهذا النعيم الذي تفيّأ ظلالَه أبناؤها. وكانت تستقيم لها الأمور فتلين حتى تجعل البلاد جنة يسعد بها أهلها، وكانت تغضب فيغضب لها الدهر وتسير إلى عدوّها فيسير في ركابها الموت. كانت تحمل في يمناها السعادة والهداية والسلام لمن أراد السلام، وفي يسراها الموت والخراب والشقاء لمن أراد الحرب، كما يحمل بردى عند بَسّيمة والجديدة الخير والنماء والطوفان والغرق.
ويبلغ بردى الربوة ويمشي عند «النَّيْرَبين» وقد صار النهرُ الواحد سبعةَ أنهار، منها العالي الذي يمشي في عَدوة الجبل، والذي في السفح، والذي يقبع في قرارة الوادي، منها الكبير الممتلئ والصغير الفارغ، كما انقسمت الأمة إلى طوائف وحكومات منها القوي ومنها الضعيف، وإن كان من هذه الحكومات الصغيرة حكومة ردّت الصليبيين وغلبتهم في حطّين كحكومة صلاح الدين، وحكومة هزّت في «الحدَث»
стр. 667
دولة البيزنطيين وانتزعت من بين أيديهم النصرَ المبين" (١) الذي يحدّثكم عنه المتنبي (٢).
* * *
ما انقسم بردى إلى السبعة الأنهار إلاّ ليسقي دمشق كلها وضواحيها جميعاً، غورها ونجدها، فأول ما ينفصل عنه نهر «يزيد» من عند «الهَامَة» (على بعد عشرة أكيال من دمشق)، يأخذ قسطاً محسوباً مقدّراً من ماء بردى ثم يسيل في مجرى حُفر له في الجبل، لا يميل ميل الأرض ببردى بل يبقى عالياً ليصل إلى الأحياء العالية من دمشق.
ثم ينفصل «تُورا» بماء أكثر من ماء «يزيد» محسوب مقدَّر، فيجري تحت مجرى «يزيد»، وتنفصل الفروع الأخرى تِباعاً، كل واحد له مجرى معلوم يناله من ماء النهر قَدْر معلوم، يمشي ليسقي أراضي محدّدة معلومة. ترتيب قديم عظيم بدأ به الرومان وأتمّه وضبطه المسلمون، وسُجّل ذلك بوثائق واختُصّ به ناس يتوارثون معرفته؛ فلكل قرية ماؤها يصل إليها ولكل بقعة في
стр. 668
القرية حقها من هذا الماء، لا يطغى بستان على بستان لا يأخذ أحدٌ أكثرَ من حقه ولا يُحرَم أحد شيئاً من حقه.
وأعجب من هذا التقسيم لماء القرى والبساتين قسمة الماء على حارات دمشق وأحيائها، فلكل حارة نصيب معلوم ثم يُوزّع هذا النصيب على البيوت، ومقاسم المياه تقوم في أزقّة البلد، ويسمّى المَقسم «الطالع»، وهو بناء مربّع بحجم البرّاد الكبير أو الخزانة، يقوم في زاوية الطريق، يصل الماء إليه من فتحة لها سعة محدَّدة ثم يُوزَّع على فتحات أصغر منها، كل واحدة توصل الماء إلى دار من الدور. ومن المنازل ما يأتيه الماء منها رأساً ومنها ما يكون ماؤه من فائض دار أخرى. وفي كل دار بِركة ينصبّ إليها الماء من «السّبع»، هذا اسمه، ولعلّه كان قديماً على صورة سبع يُنزل الماء من فمه كما ترى في صور «الحمراء» في الأندلس، ويفيض من «الهارِب» (١). ثم يخرج الماء من الدور إلى المجاري. وفي دمشق مجارٍ تحت الأرض مبنيّة، قديمة جداً، لعل منها ما يزيد عمره على ألف ومئتي سنة، ولا تحتاج إلى مضخّات تدفع ماءها كما هي الحال في البلاد الأخرى، لأن أرض دمشق مائلة من الغرب إلى الشرق، لذلك يجري فيها الماء جرياً طبيعياً.
стр. 669
أما بردى فإنه يذلّ بعد عزّه، ويفتقر بعد غِناه، ويضعف بعد قوّته، ويصل في الصيف إلى دمشق قليل الماء معدوم الصفاء، حتى إن الهرّة تمشي في مائه فلا تغرق! ثم يخرج إلى الغوطة.
ولقد جئت أحدّثكم عن الغوطة، ولا أظن أنكم تعرفون عنها إلاّ مقالة ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، ياقوت الذي ساح في بلاد الله شرقاً وغرباً ورأى أقاليم الأرض، فما رأى مثل غوطة دمشق، وأقرّ أبا بكر الخوارزمي على أن متنزَّهات الدنيا أربع: غوطة دمشق، وصُغد سمرقند، وشِعْب بَوّان، ونهر الأُبُلّة. أما سمرقند فلم أصل إليها، وأما شعب بوّان فقد خبّرَنا المتنبي أن:
مَغاني الشِّعبِ طِيباً في المَغاني ... بمنزِلةِ الرّبيعِ منَ الزّمانِ
ولكنّ الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ
ملاعِبُ جِنّةٍ لو سارَ فيها ... سليمانٌ لسارَ بتُرْجُمانِ
وأما نهر الأبلّة (ويُدعى اليوم «أبو الخصيب») فسيأتي كلامي عنه حين أصل إلى ذكريات سنة ١٩٣٦ لمّا ذهبت إلى البصرة مدرّساً للأدب العربي فيها. وأما الغوطة فهي: "بساتين متصلة حافلة بأنواع الثمار، تمشي فيها من طرَفها إلى الطرَف الآخر أكثر من تسع ساعات، وما تنفكّ تمشي في ظل شجرة مثمرة أو بجوار نبتة مُزهرة. ولو اجتمع على مائدة واحدة ما يخرج منها من الثمار لاجتمع أكثر من ثلاثمئة طبق، ما في طبق منها مثلُ ما في غيره من الطباق. إذا رأيت نساءها يَلُحْنَ لك من بعيد وهنّ ساربات خلال الأشجار أو منثورات وسط الحقول رأيت
стр. 670
ثياباً زاهية تضحك فيها الألوان، فتحسبهنّ زهراتٍ من زهرها، على شمول ثيابهن وسترها. وتظنّ الربيع قد جاء في الخريف حين تكون الأرض مفروشة برقائق الذهب من صفرة الأوراق التي نثرها الخريف، كنّثار الدنانير على بساط من السندس في عرس أمير، والبقر الفاقع الصفرة الرائق اللون كأنه تماثيل في متحف فرعوني صُبّت من خالص العَسْجَد، ثم يأتي الشتاء فتخلع الأشجار ثيابها على حين يتدثّر الناس بالصوف، و «الحور» لم يبقَ منه إلاّ عيدان، فكأن «الحور» فتية أذاب جسومَهم الغرامُ فأضحوا من جَواه جلوداً على عظام. و «المشمشات» كأنهن معشوقات هجرَهنّ الأحبّة، و «الجوز» العاري يقف صابراً عظيماً في محنته كما كان عظيماً في نعمته. أما الزيتون فلا يُرى إلاّ لابساً ثيابه، لا هو يلقيها عنه يضحك بالزهر إن أقبل الربيع ولا يأسى إن جاء الشتاء وبكت السماء، فهو الفيلسوف الذي لا يبالي من الحياة أفراحَها ولا أتراحها ولا يحسّ نِعَمها ولا نِقَمها. و «السواقي» وهنّ جَوارٍ من كل جهة إلى كل جهة، ساقية تجري عميقة بين الأعشاب لا يوصَل إليها ولا يُنال ماؤها وأخرى ظاهرة مكشوفة، وواحدة تنحدر انحداراً لها صخب وهدير وثانية تسير صامتة في أصول الأشجار، وصافية نقيّة وعكرة خبيثة، وسالكة طريقها قانعة بمجراها وكاسرة حدودَها عادية على غيرها ... فكأن سواقي الغوطة صورة لنا في حياتنا نحن الناس؛ كل يعمل على شاكلته وكل مُولٍّ وجهته ساعٍ إلى غايته، والوجهات متعارضات والغايات مختلفات، ولكن كل ساقية تعرف طريقها.
والناس كالسواقي؛ ينزل ماؤها إلى الحضيض على أهون