← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الحضارة المؤمنة إليها. ويبلغ بردى «بَسّيمة» و «الأشرفية» و «الجدَيْدة» فيجعلها الله به أجمل البقاع، يسقيها من مائه فيكون شكرها إياه خمائل قلّما رأى الراؤون مثلها، تعانقه السواعد الغضّة من أشجارها وتلثم خدَّه الروائعُ من أزهارها، وهو يلين تارة حين تُرى حصباؤه من صفائه، ويشتدّ أخرى فيُرغي ويُزبِد ويكون له منظر مرعب ولكنه جميل، مرهوب ولكنه محبوب، كما كانت الأمة العربية المسلمة بعد أن بسطت سلطتها على العالَم القديم كله محبوبة مرهوبة، يحبّ الناس عدلها ويرهبون بطشها، أغاث الله بها أرجاء الأرض فكان شكرها إياه هذه الأموال التي فاضت بها خزائنها وهذا النعيم الذي تفيّأ ظلالَه أبناؤها. وكانت تستقيم لها الأمور فتلين حتى تجعل البلاد جنة يسعد بها أهلها، وكانت تغضب فيغضب لها الدهر وتسير إلى عدوّها فيسير في ركابها الموت. كانت تحمل في يمناها السعادة والهداية والسلام لمن أراد السلام، وفي يسراها الموت والخراب والشقاء لمن أراد الحرب، كما يحمل بردى عند بَسّيمة والجديدة الخير والنماء والطوفان والغرق. ويبلغ بردى الربوة ويمشي عند «النَّيْرَبين» وقد صار النهرُ الواحد سبعةَ أنهار، منها العالي الذي يمشي في عَدوة الجبل، والذي في السفح، والذي يقبع في قرارة الوادي، منها الكبير الممتلئ والصغير الفارغ، كما انقسمت الأمة إلى طوائف وحكومات منها القوي ومنها الضعيف، وإن كان من هذه الحكومات الصغيرة حكومة ردّت الصليبيين وغلبتهم في حطّين كحكومة صلاح الدين، وحكومة هزّت في «الحدَث»

стр. 667

دولة البيزنطيين وانتزعت من بين أيديهم النصرَ المبين" (١) الذي يحدّثكم عنه المتنبي (٢). * * * ما انقسم بردى إلى السبعة الأنهار إلاّ ليسقي دمشق كلها وضواحيها جميعاً، غورها ونجدها، فأول ما ينفصل عنه نهر «يزيد» من عند «الهَامَة» (على بعد عشرة أكيال من دمشق)، يأخذ قسطاً محسوباً مقدّراً من ماء بردى ثم يسيل في مجرى حُفر له في الجبل، لا يميل ميل الأرض ببردى بل يبقى عالياً ليصل إلى الأحياء العالية من دمشق. ثم ينفصل «تُورا» بماء أكثر من ماء «يزيد» محسوب مقدَّر، فيجري تحت مجرى «يزيد»، وتنفصل الفروع الأخرى تِباعاً، كل واحد له مجرى معلوم يناله من ماء النهر قَدْر معلوم، يمشي ليسقي أراضي محدّدة معلومة. ترتيب قديم عظيم بدأ به الرومان وأتمّه وضبطه المسلمون، وسُجّل ذلك بوثائق واختُصّ به ناس يتوارثون معرفته؛ فلكل قرية ماؤها يصل إليها ولكل بقعة في

стр. 668

القرية حقها من هذا الماء، لا يطغى بستان على بستان لا يأخذ أحدٌ أكثرَ من حقه ولا يُحرَم أحد شيئاً من حقه. وأعجب من هذا التقسيم لماء القرى والبساتين قسمة الماء على حارات دمشق وأحيائها، فلكل حارة نصيب معلوم ثم يُوزّع هذا النصيب على البيوت، ومقاسم المياه تقوم في أزقّة البلد، ويسمّى المَقسم «الطالع»، وهو بناء مربّع بحجم البرّاد الكبير أو الخزانة، يقوم في زاوية الطريق، يصل الماء إليه من فتحة لها سعة محدَّدة ثم يُوزَّع على فتحات أصغر منها، كل واحدة توصل الماء إلى دار من الدور. ومن المنازل ما يأتيه الماء منها رأساً ومنها ما يكون ماؤه من فائض دار أخرى. وفي كل دار بِركة ينصبّ إليها الماء من «السّبع»، هذا اسمه، ولعلّه كان قديماً على صورة سبع يُنزل الماء من فمه كما ترى في صور «الحمراء» في الأندلس، ويفيض من «الهارِب» (١). ثم يخرج الماء من الدور إلى المجاري. وفي دمشق مجارٍ تحت الأرض مبنيّة، قديمة جداً، لعل منها ما يزيد عمره على ألف ومئتي سنة، ولا تحتاج إلى مضخّات تدفع ماءها كما هي الحال في البلاد الأخرى، لأن أرض دمشق مائلة من الغرب إلى الشرق، لذلك يجري فيها الماء جرياً طبيعياً.

стр. 669

أما بردى فإنه يذلّ بعد عزّه، ويفتقر بعد غِناه، ويضعف بعد قوّته، ويصل في الصيف إلى دمشق قليل الماء معدوم الصفاء، حتى إن الهرّة تمشي في مائه فلا تغرق! ثم يخرج إلى الغوطة. ولقد جئت أحدّثكم عن الغوطة، ولا أظن أنكم تعرفون عنها إلاّ مقالة ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، ياقوت الذي ساح في بلاد الله شرقاً وغرباً ورأى أقاليم الأرض، فما رأى مثل غوطة دمشق، وأقرّ أبا بكر الخوارزمي على أن متنزَّهات الدنيا أربع: غوطة دمشق، وصُغد سمرقند، وشِعْب بَوّان، ونهر الأُبُلّة. أما سمرقند فلم أصل إليها، وأما شعب بوّان فقد خبّرَنا المتنبي أن: مَغاني الشِّعبِ طِيباً في المَغاني ... بمنزِلةِ الرّبيعِ منَ الزّمانِ ولكنّ الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ ملاعِبُ جِنّةٍ لو سارَ فيها ... سليمانٌ لسارَ بتُرْجُمانِ وأما نهر الأبلّة (ويُدعى اليوم «أبو الخصيب») فسيأتي كلامي عنه حين أصل إلى ذكريات سنة ١٩٣٦ لمّا ذهبت إلى البصرة مدرّساً للأدب العربي فيها. وأما الغوطة فهي: "بساتين متصلة حافلة بأنواع الثمار، تمشي فيها من طرَفها إلى الطرَف الآخر أكثر من تسع ساعات، وما تنفكّ تمشي في ظل شجرة مثمرة أو بجوار نبتة مُزهرة. ولو اجتمع على مائدة واحدة ما يخرج منها من الثمار لاجتمع أكثر من ثلاثمئة طبق، ما في طبق منها مثلُ ما في غيره من الطباق. إذا رأيت نساءها يَلُحْنَ لك من بعيد وهنّ ساربات خلال الأشجار أو منثورات وسط الحقول رأيت

стр. 670

ثياباً زاهية تضحك فيها الألوان، فتحسبهنّ زهراتٍ من زهرها، على شمول ثيابهن وسترها. وتظنّ الربيع قد جاء في الخريف حين تكون الأرض مفروشة برقائق الذهب من صفرة الأوراق التي نثرها الخريف، كنّثار الدنانير على بساط من السندس في عرس أمير، والبقر الفاقع الصفرة الرائق اللون كأنه تماثيل في متحف فرعوني صُبّت من خالص العَسْجَد، ثم يأتي الشتاء فتخلع الأشجار ثيابها على حين يتدثّر الناس بالصوف، و «الحور» لم يبقَ منه إلاّ عيدان، فكأن «الحور» فتية أذاب جسومَهم الغرامُ فأضحوا من جَواه جلوداً على عظام. و «المشمشات» كأنهن معشوقات هجرَهنّ الأحبّة، و «الجوز» العاري يقف صابراً عظيماً في محنته كما كان عظيماً في نعمته. أما الزيتون فلا يُرى إلاّ لابساً ثيابه، لا هو يلقيها عنه يضحك بالزهر إن أقبل الربيع ولا يأسى إن جاء الشتاء وبكت السماء، فهو الفيلسوف الذي لا يبالي من الحياة أفراحَها ولا أتراحها ولا يحسّ نِعَمها ولا نِقَمها. و «السواقي» وهنّ جَوارٍ من كل جهة إلى كل جهة، ساقية تجري عميقة بين الأعشاب لا يوصَل إليها ولا يُنال ماؤها وأخرى ظاهرة مكشوفة، وواحدة تنحدر انحداراً لها صخب وهدير وثانية تسير صامتة في أصول الأشجار، وصافية نقيّة وعكرة خبيثة، وسالكة طريقها قانعة بمجراها وكاسرة حدودَها عادية على غيرها ... فكأن سواقي الغوطة صورة لنا في حياتنا نحن الناس؛ كل يعمل على شاكلته وكل مُولٍّ وجهته ساعٍ إلى غايته، والوجهات متعارضات والغايات مختلفات، ولكن كل ساقية تعرف طريقها. والناس كالسواقي؛ ينزل ماؤها إلى الحضيض على أهون

стр. 671

سبيل ولكن لا يصل إلى المعالي إلاّ إنْ ضخّته مضخّات وبُذل فيه كبير النفقات. الناس كسواقي الغوطة، عميق النفس لا تدرك قرارته ولا تعرف حقيقته، وواضح بيّن ظاهرُه كباطنه وباطنُه كظاهره، وجيّاش صخّاب وصامت سَكوت، ونقيّ الطويّة وخبيث السريرة، ومنصف وظالم، وكبير وصغير ... وكل يستمدّ من غيره ويمدّ سواه. هذه هي الغوطة، إن رأيتها ففَتَنك جمالها وبهاؤها فقد فَتنَت مِن قبلك ملوكاً وقُوّاداً وأدباء وعلماء، وأنطقت بالشعر ناساً ما كانوا من قبل شعراء، وأشاعت في الناس فرحة لا تنقضي لها مسرات. هذا، وقد وصفتها لك في الخريف، ولو رأيتها حين تهبّ عليها نسائم الربيع فتلبس حلّة بيضاء أو صفراء أو حمراء من الزهر، ويُترَع جوّها من زهرها العطر، إذن لرأيت جنة الدنيا وبهجة العمر" (١). * * * ولكن «الغوطة» التي قرأتَ وصفها لن تجد إن زرتَها الآن إلاّ نصفها، كانت حاضراً يُرى فصارت تاريخاً يُروى؛ لقد أكلَتها الدور الجديدة، أعني أقفاص الإسمنت التي تراكمت فصارت عمارات يركب بعضها ظهر بعض، ترتفع ارتفاع المنارات ويزدحم فيها الناس ازدحام السردين. فيا أسفي على دمشق، ويا حسرتا على أني لم أكُن شاعراً!

стр. 672

لقد سقى شعراؤنا بدموعهم أطلال الديار، بكوا الحفرة التي كانت حول الخيمة وآثار الموقد الذي كان لأهلها ... جاؤوا لبقايا حياة فقيرة في صحراء، فخلّدوها بقصائد حوّلَتها في خيال من يقرؤها إلى جنّات مسحورة في حُلم فاتن، فأين شعراؤنا اليوم يبكون «الميزان» الذي كان نزهة المشتاق وملتقى العشاق ومجتمَع الرفاق، يوم كنا نشدّ إليه أحمالنا فنبسط البُسُط ونمدّ الموائد وننصب السَّمَاوَرات، و «المِزّة» بسهلها من ورائنا و «الرَّبوة» ومدخل واديها من أمامنا عن شمائلنا، و «قاسيون» أجمل الجبال (حاشا أُحُداً وحِراء) يواجهنا، تنام في حضنه أحياء «المهاجرين» و «الصالحية» و «ركن الدين»، وتحت قدمَيه البساتين، أينما نظرت رأيت البساتين، وإلى أمامنا من بعيد قبّة النّسر ومنارات الأموي، أبهى المساجد وأقدمها وأعظمها (اللهمّ إلاّ الحرمين والأقصى الذي هو ثالثهما)، وتحت أرجلنا نهر «باناس» أصغر أبناء بردى وإلى جنبه أخوه «قَنَوات»، وعلى سفح قاسيون أكبر الإخوة «يَزيد» وتحته «تُورا»، وفي صدر الوادي «الشّاذِرْوان». أين هذه المغاني؟ لقد صار «الميزان» مستشفى المواساة. إنه يداوي الأجساد، ولكن ألم يكن الميزان يعالج بجماله النفوس فيكون منه دواؤها؟ وهل للنفوس شافٍ من أمراضها مثل الجمال؟ و «صدر الباز» الذي كنا نمشي إليه كل «صبحيّة» وكل «مَسَويّة»، المرج الأخضر منبسط من حولنا وبردى يتوثّب من نشاطه جارياً بين أيدينا وقاسيون يطلّ علينا، نضع البطيخةَ في جانب النهر حتى تبرد وإبريقَ الشاي على النار حتى يسخن، ونأخذ بأطراف الحديث حتى نتسلّى. أين «صدر الباز»؟ إنه المعرض الدولي

стр. 673

الدائم وملاعب كرة القدم. أخذوه منا وهو وقف إسلامي، مسجَّل في الدائرة العقارية محفوظة سيرته في صحف التاريخ! ذهبَت دمشقُ التي عرفناها وجاءت دمشق أخرى ننكر منها أكثر ممّا نعرف، وأصاب الغوطة «شلل نصفي» عطّل جانبها الغربي كله فعالجوه بالبتر، فغدت الغوطة اليوم شقّ غوطة الأمس! كان النصفان كأنهما شقيقان فلم يبقَ إلاّ شِقّ واحد، فلا دمشق دمشق ولا الغوطة الغوطة. فيا ليتني لم أقف اليوم عليها ويا ليتني مضيت قدماً إلى حديث القرية التي نُقلت إليها معلّماً في مدرستها! لقد أثارت هذه الوقفة أشجاني وجدّدَت أحزاني، وإن ضاق بالشباب يومه فرّ بالأمل إلى المستقبل، أما الشيخ فلا مهرب له إلاّ إلى الماضي. فلنعُد إلى الماضي الذي كنت أتحدّث عنه، إلى يوم تلقّيت كتاب الوزارة بنقلي إلى سَقْبا، ومَن كان منا معلّماً في قرية فنُقل إلى دمشق كان كأنه نال الأماني، ومن اقترب منها فقد دنت منه الآمال. كنا كلّنا معلّمين في المدارس الابتدائية: أنا وسعيد الأفغاني وسليم الزِّرِكْلي وأنور العطّار وجميل سلطان وزكي المَحاسني، ومن كان قبلنا ممّن هم مشايخنا أو مثل مشايخنا: الشيخ بهجة البيطار (مؤسّس دار التوحيد) والشيخ زين العابدين التونسي وعبد الغني الباجِقْني والشيخ (الطبيب) رفيق السّباعي وشيخ القرّاء الشيخ عبد الله المنجّد والشيخ سعيد البُرهاني وحسني كنعان، ومن جاء بعدنا بقليل كمحمود مهدي الإسطنبولي وحكمة هاشم، ومن بعدهم كأمجد الطرابلسي، هؤلاء وأمثالهم

стр. 674

كانوا معلّمي الابتدائية. فهل في أساتذة الجامعات اليوم مثل هذه «المجموعة»؟ وفي مصر كان المتخرجون في دار العلوم العليا يوم كنت طالباً فيها من خمس وخمسين سنة (سنة ١٩٢٨) يُعيَّنون أولاً في المدارس الابتدائية، ولذلك قلت في إحدى حلقات برنامجي في الرائي إن عدد المدارس اليوم أكثر ولكن العلم فيها أقلّ، كنّا مثل البئر فوّهتها ضيقة ولكنها عميقة، فصرنا مثل الغدير واسع ولكنه ضحل. وكانت سَقْبا إحدى قرى أربع متجاورات: حَمّورية التي التصقت بسَقبا يوم كنت معلّماً فيها (سنة ١٩٣٢)، وجِسرين وفيها مزرعة أستاذنا كرد علي، وكفر بَطْنا، وسقبا. وإلى جوار جسرين يجري بردى وقد استردّ بعض شبابه واستعاد شيئاً من قوّته، وعاد عند «جسر الغيضة» غزير الماء سريع الجري، وهو غير نهر «قُلَيط» الذي تجتمع فيه المجاري فيُصلِح الزرع ولكنه يُفسِد الهواء، وإن كان -لكثرة مائه- أقلّ تلوثاً من أمثاله. والقرى في الغوطة متوارية من الحياء وسط الأشجار، تتستّر بها حتى لا تُرى كالمخدَّرة الحيِيّة التي تخشى أن تلمحها عيون الرجال، فلا يبين منها إلاّ ذرى مآذنها. والمآذن أُحدِثت بعد عهد الرسول ‘ ولكنها صارت اليوم أمارة الإسلام في البلد الذي تقوم فيه، ولما غلب علينا الاهتمام بالمظهر أكثر من الجوهر بالغنا في التأنق في بنائها وزخرفتها ورفع ذُراها ... وإن كان المؤذّن لا يصعد إليها بل يؤذّن بالمكبّر من وسط المسجد. ودخل المبشّرون، أعني

стр. 675

أنه دخل المكفّرون المنصّرون من هذا الباب، فأقاموا الكنائس الضخمة في أحياء المسلمين ليُوهِموا الناس أن لهم فيها قوة وجمعاً، والمسلمون نائمون أو أنهم لا يبالون. * * * وكانت داري في شارع بغداد يوم كان طريقاً خالياً وسط البساتين ما على حاشيته شيء من هذه العمارات التي تقف اليوم، فكان البصر يسرح منه إلى الجبل لا يحجزه شيء. فإذا وصلت إلى آخره من جهة الشرق وجدتَه يقطع طريق دوما الذي يقف على حدود الغوطة كشارع السِّيف (الكورنيش) الذي يقوم على شاطئ البحر. وهل تبدو الغوطة من الجبل إلاّ بحراً أمواجه هامات الشجر، والعالي منها كأنه سواري المراكب الماخرة فيه؟ هناك قرب باب توما، أحد أبواب دمشق السبعة (وقد بقي سالماً إلى الآن ستة منها)، هناك كانت تقف سيارات الغوطة. وهي من سيارات فورد الصغيرة، في مقدمتها المحرّك عليه غطاؤه، وعلى جانبَيها رفارف يصعد الراكب عليها، دواليبها رقيقة، حجمها ضئيل لا تتسع إلاّ لأربعة ركاب. لم تكُن هذه السيارات الفخمة المنظر الجميلة المظهر، ولكنك إن ضربتَها بجمع يدك وكنت قوياً أثّرَت ضربتك في غطائها الرقيق، على حين كانت السيارة الأولى متينة قوية. كأننا كلما ازددنا علماً ازددنا غِشّاً! تقف حتى يجتمع الركّاب الأربعة، فربما طال وقوفك نصف ساعة وربما مشت بك بعد دقائق. وكان بين هذا الموقف وسَقبا

стр. 676

نحو سبعة أكيال، أي أقلّ ممّا بين الحرم في مكة ومنى، أو الحرم وجامعة أم القرى. * * *

стр. 677

-٦٠ - جلسة في مقهى (في صورة قديمة) أعددت صحائفي وأمسكت قلمي لكتابة هذه الحلقة، فإذا الهاتف من إدارة الجريدة يخبرني بأن أحمد مَظهر العَظْمة الذي ذكرتُه في الحلقة الماضية قد تُوفّي من شهر، نبّأ بذلك رجل قادم من دمشق. فسالت مدامعي والله من حيث لا أشعر، ورأيت من خلال الدمع خيال تاريخ طويل مرّ بي في لحظة، تاريخ كله حياة ونشاط وإخلاص وعمل لوجه الله لا للناس، ومال ومنصب وشهرة وشِعر ونثر، كل ذلك غطّت عليه كلمة من ثلاثة أحرف، هي كلمة «الموت»! ﵀ رحمة واسعة. أسّس «جمعية التمدّن الإسلامي» من خمسين سنة، وبقي قائماً عليها يحرّر مجلّتها ويكتب فيها، ويقوم على ناديها، ويدعو المحاضرين إليه ويحاضر هو فيه، وكان يدوّن بنفسه أسماء المشتركين في المجلة ويكتب هو عناوينهم بيده ويلصق الطوابع بذاته، ليوفّر على الجمعية أجرة موظف يتولى هذا العمل. يجيء الجمعية كل عشيّة في موعد لا يتأخر عنه ولا يتقدم، عادة استمرّ عليها هذه المدّة كلها حتى

стр. 678

بعد أن صار رئيس مفتّشي الدولة خلفاً لأخي نهاد القاسم، وهو منصب رفيع يراقب منه الوزارات كلها، له الحقّ أن يدخل عليها ويسمع كل شكوى منها ويحقّق فيها. ولمّا كان الانفصال عن مصر (وسيأتي حديثه) وأُلِّفت أول وزارة أعطوا الإسلاميين ثلاث وزارات، مع أن الإسلاميين هم دائماً أصحاب العمل، ولكن القاعدة في كل بلد في مثل هذه الحال هي: وإذا تكونُ كَريهةٌ أُدعى لها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُنْدُبُ وكان لي رأي في اختيار الوزراء الثلاثة، فأصررْتُ على أن يكون الأستاذ مظهر واحداً منهم. صار وزيراً ولكن لم يبدّل عادته، ولم يأخذ دقيقة من وقت الجمعية وإن لم يقصّر في أعمال الوزارة، وبقي يكتب العناوين ويلصق الطوابع، لم يبدّله المنصب ولم تغرره الوزارة لأنه كان أكبر من المنصب ومن الوزارة. عرفتُه من أيام المدرسة (وإن كان في السن أصغر مني وكان في الصفوف بعدي)، وكنا -كما عرفتم- نسكن في الدّيمَجيّة في طرف العُقَيبة وهو في السّمَّانة. وهذه أسماء أحياء صغيرة فقيرة (ولكنها ليست حقيرة) في دمشق. منها خرج أحمد مظهر العظمة وأنور العطار وشكري فيصل، ومن جوارها خرج أحمد حمدي الخيّاط، وأظن ولا أؤكد أن معروف الأرناؤوط وخير الدين الزّركلي منها. أما العلماء من هذا الحي فكثير. وكان إلى جنب داره مسجد صغير ما له إمام ولا خادم، فتبرع هو فكان مؤذّنَه وإمامَه وخادمَه، وكان يُقيم فيه صلاتَي المغرب والعشاء، حتى أيام تولّيه الوزارة، ولا يستنكف عن كنسه بنفسه.

стр. 679

عرفته في الطريق إلى مكتب عنبر، يمرّ يحمل كتبه وغداءه في «سَفَرْطاس» (وهو طبقان أو ثلاث بعضها فوق بعض يجمعها نطاق تُحمَل منه)، يمشي قُدُماً لا يكلّم أحداً، يحسّ من يراه أنه «ولد مؤدّب». ثم عرفته من قرب، وكان في صفّ محمد المبارَك الذي تخرج فيه جماعة من الأعلام: المبارك الذي عرفتموه هنا، وفؤاد جبارة الذي صار من كبار القضاة، وعلي أسعد الخانجي وكيل وزارة الخارجية، وأحمد الحاج عبود الفتيح الذي صار وكيل وزارة المعارف والأمين العامّ لرياسة الجمهورية، وداود تكريتي المحامي، ورفيق الفرّا ووجيه القدسي الأستاذان في الجامعة، ومختار وصفي الجابي الطبيب، وفريد السكري أمين سرّ الجامعة، وكلهم كانوا بعدي بثلاث سنوات، وقد مضى أكثرهم إلى لقاء ربه. وكان يخرج من كل صف (في كل سنة) جماعة من النابغين لا نكاد نجد مثلهم الآن، على كثرة المدارس وفشوّ التعليم. ولما ذهبنا إلى العراق مدرّسين في ثانوياتها سنة ١٩٣٦ اجتمعنا فيها أنا وهو وأنور العطار رحمهما الله وأحسن خاتمتي. ولما كانت فورة القومية في العراق (١٩٣٨ - ١٩٣٩)، وكان الذي تولّى كبرها سامي شوكت المدير العام للمعارف، كان أحد ثلاثة ثبتوا على الدعوة الإسلامية وأبوا القومية التي تنافيها وتخالفها، فنفوهم إلى بلاد الأكراد: مظهر إلى إربل (وتُسمّى اليوم إربيل)، وعبد المنعم خلاّف إلى السليمانية، وعلي الطنطاوي إلى كركوك. فاستقال عبد المنعم وعاد إلى بلده مصر، وذهبنا نحن ثم استقلنا. سبقته أنا إلى العودة إلى الشام وبقي بعدي أشهراً حتى قامت الحرب فرجع.

стр. 680

رافقته في الصغر وفي الكبر، وفي الحضر وفي السفر، وفي الصفو وفي الكدر، فما رأيت فيه إلا مسلماً تقياً، وصديقاً وفياً، ومؤمناً قوياً، ما بدّلته الليالي ولا غيّرته المناصب ولا غرّته الدنيا، أصيبَ من سنين طويلة بمرض عصبيّ مثل الفالج لا أعرف اسمه، فما منعه من العمل ولا من الكتابة. وكان آخر عهدي به صيف سنة ١٣٩٨، ما رأيته بعدها ولا رأيت الشام. رحم الله أحمد مظهر العظمة وأنور العطار، ورفاقنا الذين تلاحقوا حتى لم يبقَ منهم إلاّ الأقل: يودّعُ بعضُنا بعضاً ويَمضي ... أواخرُنا على أثرِ الأوالي وغدا مَثَلي قول شوقي: مالَ أصحابُهُ خليلاً خليلا ... وتولّى اللّداتُ إلاّ قليلا نصَلوا أمسِ من غبارِ الليالي ... ومضى وحدَهُ يحثُّ الرّحيلا اللهم اجعله رحيلاً إلى رحمتك لا إلى عذابك، اللهم اغفر لي ولمن قال: آمين. * * * أعود إلى ذكرياتي؟ وأنّى لي أن أعود؟ لقد عزفَت نفسي عن حديث الذكريات. بلغَت الحلقات التي نُشرت ستّين وأنا لا أزال في سنة ١٩٣٢، لا أزال في أول الطريق ولا تزال أمامي ذكريات نصف قرن كامل فيها أكبر أحداث حياتي، ولقد تبدّلَت فيها الدنيا من حولي، فهل أعيش حتى أسجّلها؟ وإن عشت فهل أذكرها، وما عندي شيء مكتوب أرجع إليه وأعتمد عليه؟ وإن ذكرتها

стр. 681

وسجّلتها فما حاجة القرّاء إليها وما استفادتهم منها؟ بل ما انتفاعي أنا بها في آخرتي إذا ودّعت دنياي؟ يا أخي الأستاذ رئيس التحرير، لقد مر وقت طويل على وضع استقالتي بين يديك، أفلا ترى أن من الخير لي وللقراء أن تقبلها وأن تعفيني؟ لقد أخذت الآن ورقة وكتبت أسماء من كانوا هم رفاقي على طريق الحياة، من كنت أشاركهم حلوها ومرّها، من كنت ألقاهم ويلقونني وآنس بهم ويأنسون بي، ومن كنت أزور من أساتذتي ومشايخي وغيرهم من أولي الفضل عليّ، ومَن كان يخطب معي في الاجتماعات التي كنت أخطب فيها ومن كان يكتب في الصحف والمجلات التي كنت أكتب فيها، ومن كان على مشربي أؤيّده ويؤيّدني ومن كان خصماً أحاربه ويحاربني ... كتبت أسماء مئة وتسعة وسبعين ممّن خطرت أسماؤهم على بالي، كان كل واحد منهم جزءاً من الدنيا التي أعيش فيها، ونظرت فوجدت أنه لم يبقَ منهم إلا ثلاثة وعشرون؛ يتساقطون واحداً بعد واحد يوماً بعد يوم، فلماذا أنتظر حتى يصبح القرّاء في يوم ثلاثاء فيأخذوا «الشرق الأوسط» فلا يجدوا حلقة الذكريات، بل يجدوا اعتذاراً عن عدم نشرها لأن كاتبها لم يَعُدْ يستطيع أن يوالي كتابتها فقد أدركه الأجل: ما زالَ يدأَبُ في التاريخِ يكتُبُه ... حتى غدا اليومَ في التاريخِ مكتوبا وربما كُتبت يومئذ في رثائي فصول ومقالات، وربما أثنوا

стр. 682

عليّ بما لست له بأهل أو هجوني بما لا أستحقّ، أو أعرضوا عني فأهملوني حتى نسوني ... ما الذي ينالني من ذلك كله؟ ماذا ينفع الميتَ من الثناء وماذا يضرّه من الهجاء، وماذا يؤثّر فيه الإهمال والنسيان؟ إنّ دعوة صالحة من قلبٍ حاضر من أخ مؤمن بظهر الغيب، خير للميت من ديوان كامل من عبقري الشعر في رثائه، ومن مئة خطبة في تأبينه وعشرة كتب في دراسة أدبه. * * * وقف هنا القلم وجمد الفكر، ولم يبقَ عندي ما أكتبه، فنحّيت صحيفتي وقعدت. وكانت أمامي بنتي ترتّب أوراقاً لي قديمة فاستخرجَت هذه الصورة وجعلَت تتأملها وتسألني عنها، فأخذتُها فإذا فيها تتمّة الموضوع، صورة أُخِذت في الأيام التي أكتب عنها الآن (مطلع الثلاثينيات)، المكان الذي أُخذت فيه هُدِمَ ولم يبقَ له أثر: مقهى في شارع رامي في دمشق، ذهب وقامت في موضعه عمارة كبيرة، والناس الذين بدوا فيها ماتوا ولم يبقَ إلا اثنان منهم، والدنيا التي كنّا نعيش فيها يومئذ تبدّلَت وصارت دنيا جديدة فيها ناس جُدُد. إنها تمثّل ما يملأ نفسي من صور ورأسي من أفكار وأنا أكتب هذه الحلقة، وما أظنني بحاجة إلى أن أقسم لكم أن الذي قلته هو الحقّ، ما تخيلت ولا جئت بهذا الكلام صنعة أديب بل هو الذي كان، ورُبّ مصادفة كما يقولون خير من ميعاد. أمسكت الصورة أنظر إليها وأفكّر: أتكون صورة على الورق أبقى من حياة إنسان على الأرض؟ أيموت الإنسان ويُهدَم المكان

стр. 683

وتثبت الصورة؟ نعم، ولكنْ في هذه الدنيا، والدنيا -كما تعرفون- مؤنَّث الأدنى، أمّا الحياة العليا فهي الحياة الأخرى ﴿وإنّ الدّارَ الآخِرةَ لَهِيَ الحَيَوانُ (أي الحياة) لَوْ كانوا يَعْلَمون﴾. وأنّى لمن لا يؤمن بالوحي أن يعلم بما لا يعرفه العقل إلا من طريق الوحي؟ أن يعلم بما وراء المادة التي حصر فكره فيها وقصر علمه عليها؟ وإن وراءها لَعوالِم أكبر وأكثر، لا يعلمون علمها لأنهم أعرضوا عن مصدره ولم يُقبِلوا عليه، فعاقبهم الله بكفرهم جهالة بتسعة أعشار ما هو موجود وغروراً يظنّون به أنهم يعلمون، وما يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. وأطلت النظر في الصورة فأثارت في نفسي خواطر وأفكاراً وذكرياتٍ، لو كنت أقدر على إبراز الأقلّ منها، وهيهات! لقد قلت مرة: يُطِلّ بي الفكر على آفاق واسعة، وتنبلج في النفس أصباح مشرقة، فأجد في نفسي عشرات من الصورة المبتكَرة وفي رأسي عشرات من الأفكار الجديدة، ولكني لا أكاد أمسك واحدة منها لأقيّدها بالألفاظ وأغُلّها بالكَلِم حتى تفلت مني وتعدو في طريقها منحدرة إلى أغوار عقلي الباطن، فلا أنا استمتعت بها استمتاع الناس بأفكارهم ولا أنا سجّلتها في مقالة صنعت منها تحفة أدبية. ولو أني قدرت أن أكتب معشار ما أتصور لكان شيئاً عظيماً، ولكني لا أقدر ... ولا أصبّ في مقالاتي إلا حثالة أفكاري؛ تنبت الأفكار في نفسي وتزهر وتثمر، ثم تذوي وتجفّ فآخذ الهشيم فأضعه في مقالتي! ويتفجّر الينبوع في نفسي ويتدفّق ويسيل، ثم ينضب وينقطع فآخذ الوحل فأضعه في مقالتي! وينبثق الفجر في نفسي ويقوى ويشتدّ، ويكون الضحى والزوال، ثم

стр. 684

يعود الليل فآخذ قبضة من ظلام الليل لأكتب منها مقالة عنوانها: «ضياء الفجر»! (١) * * * وانظروا الآن إلى مَن في الصورة (٢): الأول (من اليمين) الدكتور منير العجلاني أطال الله عمره، والثالث كاتب هذه السطور، أما الثاني فهو أنور العطار. هل قرأتم المقدّمة التي كتبتُها سنة ١٩٤٨ لديوانه «في ظلال الأيام»؟ إني كتبت المقدّمات لأكثر من خمسة وعشرين كتاباً، للأستاذ الكبير الشيخ أبي الحسن الندوي وللأستاذ الداعية الشيخ محمد محمود الصواف وللأستاذ المربّي محمود مهدي الإسطنبولي، وأمثالهم من الأفاضل الذين شرّفوني فكلّفوني أن أقدّم كتبهم، لا لأعرّف بهم ولا لأرفع من أقدارهم، فكلّهم معروف بالفضل عالٍ في القدر، بل ليكون لي حظّ اقتران اسمي بأسمائهم. وأكثر هذه المقدّمات ضاع مني لم أُبقِ صورة منه عندي، ولو كنت أحصيتها وجمعتها، أو لو أن أحداً يصوّرها ويبعث إليّ بها لوضعتُها في كتاب أسمّيه المقدّمات (٣)، يكون فيه تعريف بهذه الكتب التي قدمت لها، ابتداء بكتاب «المطالع النّصرية» الذي كتبت في أوله

стр. 685

ترجمة مؤلّفه لسان الدين الخطيب سنة ١٣٤٧هـ. ولكنّ أوسع هذه المقدمات وأقربها إلى الأدب: مقدّمة ديوان أنور العطار (في ظلال الأيام) ومقدّمة «مكتب عنبر» للأستاذ ظافر القاسمي. أنور العطار صديق العمر، رفيق المدرسة، شقيق الروح. "لم يكن يرانا الناس إلاّ معاً، وربما خلطوا فقالوا علي العطار وأنور الطنطاوي" كما قلت في مقدّمة الديوان. وهو شاعر مبكّر النبوغ؛ لمّا أقام أستاذ الجيل محمد كرد علي حفلة تكريمية للشعراء الأربعة الشباب من إخواننا: أنور وجميل سلطان وزكي المحاسني وعبد الكريم الكرمي، وكانوا وكنا طلاباً في الثانوية، ألقى أنور قصيدة عنوانها «الشاعر» لو قالها الآن واحد من أكابر الشعراء لعُدّت من جيّد ما قال، وله قصيدة في لبنان ما أظن أنه قيل فيه أنعمُ منها ديباجة ولا أمتن، ولا أحلى صوراً ولا أجود تشبيهاً واستعارة، على طريقة شعراء العربية لا أصحاب هذا الشعر الجديد. وله في بردى قصيدة مثلها. وشعره في «الزهراء» (في أواخر العشرينيات، يوم كانت الزهراء مجلة الخاصّة من الأدباء) وفي «الرسالة» من يوم أنشئَت الرسالة. وكان له أسلوب في الشعر كما كان لصاحبه (وسامحوني إن نوّهت بنفسي) أسلوب في النثر، لم يقلّدا فيه أحداً وقلّدهما فيه كثير. ولكنه -على هذا كله- لم يُنتخَب عضواً في المجمع العلمي ولا في المجلس الأعلى للآداب (أو ما أدري ماذا كان اسمه)، مع أنه انتُخب عضواً فيهما وفي أمثالهما مَن هم دونه؛ ذلك لأن الانتخاب للمَجامع وللمجالس وللجوائز، كل ذلك يُبنى على الصداقات الشخصية أكثر ممّا يُبنى على الكفايات العلمية والأدبية. فمن كان معتزلاً

стр. 686

عاكفاً على كتبه قانعاً من الحياة الاجتماعية بمجالسة إخوانه من أهل العلم والأدب، لم يذكره أحد، إنّما يَذكر من بأيديهم أمر المجامع والجوائز والرحلات إخوانَهم وأصدقاءهم، أو من له فضل عليهم يحبّون أن يكافئوه به أو من يريدون أن يسلّفوهم يداً يأملون أن يكافئوهم يوماً بها؛ فالمسألة إذن شخصية اجتماعية لا مسألة كفايات ولا استحقاق. * * * والرابع في الصورة هو الأستاذ عزّ الدين (علم الدين) التّنوخي. وقد تَقدّم ذكره عند الكلام على الأستاذ عارف النكدي، وقد صحبتُه أمداً طويلاً وعندي من أخباره وأخبار صديقه ورفيقه الشيخ محمد بهجة البيطار الكثير الكثير، أرجو أن أروي يوماً بعضه. وهو عالِم بالعربية كاتب شاعر، درس حيناً في الأزهر وحيناً في فرنسا ونال منها شهادة في الزراعة، يُحسِن الفرنسية، اشتغل بالتدريس في العراق وفي سوريا، وهو الذي وضع كلمة «الفيزياء» للفيزيك وكلمة «برمائية» لحيوانات البر والماء، ووضع مصطلحات كثيرة، وكان من أقدم من ألّف الكتب المدرسية. وقد ترجم أحسن كتاب أعرفه عن حياة التلاميذ هو «قلب الطفل» للمؤلف الإيطالي الذي نسيت اسمه مع أني قرأت الكتاب مرات (١). وأسلوبه فوق متناول التلاميذ، ولو وجدت الهمّة

стр. 687

وأذن لي ورثة الأستاذ لأعدت كتابته بأسلوب أوضح وأسهل، لا أبلغ ولا أجمل، ثم اقترحت أن تنشره وزارات المعارف في البلاد العربية بين التلاميذ، على أن يُعرَّب (أيضاً) فتُبدَّل الأسماء الإيطالية فيه بأسماء عربية، وأن يعلَّق عليه تعليقات يسيرة تقرّبه من حياة التلاميذ في مجتمعاتنا. كان الأستاذ التنوخي أمين سير (أي ناموس أو سكرتير) المجمع العلمي في دمشق ومن مؤسّسيه، وقد ترك كتباً نافعة منها تعليقه أو شرحه لكتاب «الإيضاح» للقزويني في البلاغة، وكتاب «إحياء العَروض»، وهو أحسن كتاب أعرفه في علم العروض، إذا ضُمّ إليه ما كتبه صديقنا الأستاذ ميشيل الله ويرْدى (ومعناها «ميخائيل عطاء الله») والرقم (أي النوتة الموسيقية) التي وضعها لبحور الخليل كان منها «مرشد العروض». والأستاذ التنوخي صافي القلب صادق الودّ سهل المعاشرة، حاضر الجواب بعيد عن التكلّف، مثله في ذلك مثل الدكتور عبد الوهاب عزام. * * * والخامس في الصورة: الأستاذ سعيد البحرة، كان أستاذ الفلسفة وعلم النفس في مكتب عنبر، أي المدرسة الثانوية في دمشق. والسادس هو الأستاذ كامل الكيلاني، وكان يوم أخذ الصورة في زيارة لدمشق، والولد القاعد على الأرض هو ابنه. وهو أديب مصري معروف كان من أوائل من عُني بأدب الأطفال، ألّف لهم القصص الكثيرة المطبوعة آنَق طبع على أجود ورق،

стр. 688

ولكنها -مع الأسف- مملوءة بأخبار الجنّ والعفاريت وما يشبه ما يُعرَض على الأطفال كل يوم في الرائي من «الصور المتحركة»، التي تسلّي الأولاد وتملأ فراع وقتهم، ولكني أظنّ أنها تفسد عقولهم. وقد طالما تكلمت في ذلك مع الأستاذ كامل، في دمشق وفي ندوته الأسبوعية المعروفة في مصر، فكان يُدلي بحجج ويسوق أدلة على أنها تقوّي الخيال وتُعين على النبوغ في الأدب وفي كتابة القصة خاصّة، وما اقتنعت بما قال. والأستاذ كامل لم يقتصر عمله على أدب الأطفال، بل ألّف في التاريخ ودرّس وأفاد، وكان عالماً أديباً فاضلاً. وسأتكلم يوماً (بمناسبة ذكر ندوته الأسبوعية) عن الندوات التي أعرفها: هنا كندوة الأستاذ الأديب عبد العزيز الرفاعي، وفي الشام كندوة الأستاذ محمد كرد علي، والأمير طاهر الجزائري (حفيد الأمير عبد القادر)، ومصطفى بك بَرْمَدا عميد القضاء في الشام، والدكتور أحمد حمدي الخياط شيخ الأطباء، وأخي نهاد القاسم الذي سبق ذكره، وغيره ممّن أرجو أن أوفق إلى الكلام عنهم. والسابع هو الشاعر الصافي النجفي، الذي عاش بالشّعر يأكله ويشربه لا يكاد يبالي طعاماً ولا شراباً غيره، وينام معه ولو في المقاهي أو فنادق ما لها من صفات الفنادق إلا اسمها، ويلبسه ولو أسمالاً بالية وعباءة عتيقة، يصبح فينظم ويُظهر فينظم ويُمسي فينظم، ويرتضي حياة البؤس ولكنه يَنظم في وصفها شعراً يحوّل بؤسها نعيماً. وكذلك يصنع الأدب ويصنع الفنّ: فالعجوز التي جفّ جلدها وتجعّد وجهها ليست جميلة، ولكن صورتها المتقَنة غاية في الجمال. وشِعر الصافي -على كثرته وصدق صوره- شعر

стр. 689

مادّي يمسّ أطراف الحس ولا يهزّ قرارة النفس، أرْضيّ لا يسمو سموّ الشعر، ضعيف النسيج لا يثبت على مرّ الدهر، وفي بعضه ما لا يرضى عنه علماء العربية وأئمة البيان. والثامن: شاعر من شعراء الشام لم يتجاوز اسمُه حدودَها ولا يُعرَف فيما وراءها، اسمه فايز سلامة، كان يُدعى (أو يدعو نفسه) «شاعر الصعاليك»، ينظم في أغراض نقدية اجتماعية محلّية. * * * وبعد، فسامحوني يا أيها القرّاء أن أغرقت صباحكم بالدموع واستهللت يومكم بالأحزان، فليس الضحكُ الأصلَ في الحياة ولكن البكاء. يُولَد الطفل باكياً ويودّعه الناس إذا مات باكين، لذلك كانت أخلد القصص الأدبية وأعظمها هي المآسي، وكانت النغمات الحزينة أعمق في النفس أثراً، وكانت المراثي الصادقة أشرف وأكرم من المدائح: ضحِكنا وكانَ الضحكُ منّا سفاهةً ... وحُقَّ لسكّانِ البسيطةِ أن يبكوا ولو أن المعرّي قال «جهالة» بدلاً من «سفاهة» لأصاب الحقّ، ففي الحديث: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً». اللهم لا تجعلنا من الضاحكين في الدنيا الخاسرين في الآخرة. * * *

стр. 690

-٦١ - في مدرسة سَقْبا بدأت فصلاً جديداً من سجلّ حياتي. وحياةُ الإنسان فصول كفصول المسرحية، تتبدّل فيها المشاهد ويتغير الحوار ولكن الموضوع واحد. لقد صرت أغدو كل صباح على سقبا وأروح منها كل مساء. وسَقْبا إحدى قرى أربع متجاورات: هي وحمورية وكفر بطنا (١) وجِسرين، في إقليم من الغوطة كان يُسمّى «إقليم داعية»، يسقيه فرع من فروع بردى اسمه الداعياني. وهذه النون موجودة في النسبة إلى أكثر قرى الغوطة، وأظنها نسبة آرامية، وأكثرها ذكره الأولون في أشعارهم وكتبهم، وما منها إلا وقد خرج منه علماء وأدباء نُسبوا إليه. وإذا رجعتم إلى معجم البلدان لياقوت رأيتم أسماءها وأسماءهم: سَقبا وكفر بَطنا وكفر سوسية

стр. 691

والمَنيحة (ويدعونها اليوم المليحة، ويزعمون أن سعد بن عبادة مدفون فيها مع أنه مات في المدينة) وزَمَلكا ومَسرابا، وهي حديقة ورد يُزرَع فيها الورد الجوري الأحمر الذي لا نظير له في لونه ولا في عطره (والجوري منسوب في الأصل إلى مدينة قرب شيراز اسمها جور) وبَلاط (وكانت تُدعى بيت البلاط) وداريّا بلد العنب الفاخر ويُنسَب إليها أبو سليمان الداراني (١)، وقرى أُخَر ما كتبت هذا الفصل لإحصائها ولا لوصف جمالها وبهائها، ولا لرواية ما قيل فيها من الشعر ومن خرج منها من العلماء، إنما جاء ذكرها عرَضاً. وكبرى هذه القرى دُوما التي يسمّيها ياقوت «دومة»، وقد اتصلَت اليوم بدمشق، أما القرى القريبة منها (جوبَر وكفر سوسية والمِزّة والقَدَم والقابون) فقد أصبحَت أحياء في دمشق. والطريق الذي كنت أسلكه كل يوم إلى سقبا ومنها لا يزيد طوله عن سبعة أكيال، أي ربع طول مدينة جدّة، والسير فيه يُنعِش النفس ويمتع البصر، ولكنه يخضّ البدن ويُقَضقض العظام، لأنه طريق وعر لا تمشي فيه السيارة مشياً بل ترقص رقصاً، ولكنه رقص بلا اتّساق وعلى غير إيقاع. أمّا متعته فلأنه يضطجع على بساط ممدود على هذه الأرض المبارَكة، على جانبَيه الأشجار صفوفاً وراء صفوف لا يدرك البصر آخرها، كأنها الجند قامت تحيّي القادمين، تظلّل حواشيه فروعُها المزدانة ببارع الزهر أو يانع الثمر، وتمرّ بها في السيارة متقدماً فتبصرها تمرّ بك هي

стр. 692

راجعة، كالراكب في القطار يرى المزارع والقرى تمشي ويرى نفسه قاعداً، وكالواقف في المصعد يبصر البيوت هي التي تنزل لا يشعر أنه هو الذي يصعد. والحركة والسكون من الأسرار التي نظنّ أننا كشفناها وما كشفناها، ولو لم يكن في الفضاء إلا نقطتان تتحركان فكيف تعرف أي النقطتين هي الثابتة وأيتهما المتحركة؟ كيف؟ إنك لا تميّز فيهما الحركة من السكون إلا إن كان أمامك نقطة ثالثة ثابتة تقيسهما بها وتنسبهما إليها، فالحركة والسكون أمران نسبيّان لا نعرف «ماهيّتهما» ولا ماهيّة المكان المطلَق ولا الزمان. * * * ولمّا بلغتُ سَقبا تركت السيارة ومشيت في مسالك بين البساتين، ثم في حارات بين البيوت، حتى بلغت ساحة صغيرة في طرق القرية. أمّا الساحة الكبرى فكان فيها السوق، ووسط السوق المسجد، وكانت المدرسة في هذه الساحة الصغيرة، وهي حسنة البناء رحبة الفناء، في غرفة منها قبر عالٍ يزعمون أنه قبر عبد الله بن سلام. وعبد الله بن سلام مات في المدينة، ولكنك إن قلت هذا لهم كرهوه وغضبوا منه، كما يغضب أهل دمشق إن قلت لهم إن القبر القائم في الجامع الأموي في غرفة من الرخام بلغت الغاية في الإبداع وفوقها قبة ما رأيت قبة أجمل ولا أرشق منها، يغضبون إن قلت لهم إنه ليس قبر يحيى بن زكريا. ولمّا ألّفت كتابي عن «الجامع الأموي» رجعت إلى ما أعرف من كتب التاريخ وبعثت

стр. 693

من سأل علماء النصارى من جميع الفرق، فما وجدت دليلاً ولا شبه دليل على أنه قبر يحيى ﵇، إلا خبراً عند ابن عساكر ما له سند ولا عليه دليل ... وكما يغضب أهل مصر إن قلت لهم إن رأس الحسين ليس مدفوناً في مسجده المعروف في القاهرة، أكّد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وجاء بالأدلة عليه. كما أن في دمشق قبراً في آخر شارع خالد بن الوليد مكتوباً على باب تربته أنه قبر عمر بن عبد العزيز، مع أن عمر مدفون في دير سمعان الذي قيل فيه: يا ديرَ سمعانَ قُل لي: أينَ سمعانُ؟ ... وأينَ بانوكَ؟ خبِّرني: متى بانوا؟ وأينَ سكّانُكَ اليومَ الأُلى سلَفوا ... قد أصبحوا وهُمُ في التُّرْبِ سكّانُ وقَفتُ أسألُهُ جهلاً ليُخبِرَني ... هيهاتَ مِنْ صامتٍ بالنّطقِ تبيانُ أجابَني بلسانِ الحالِ: إنهمُ ... كانوا، ويكفيكَ قولي: إنهم كانوا وما كنت أعرف مكانه على التعيين حتى علمت من أيام من الأستاذ خالد الحراكي (والد زوج حفيدتي) أنه إلى جنب بلدهم: مَعَرّة النُّعمان (١)، مع أن المشهور المتعارَف أنه بقرب حمص. * * *

стр. 694

وكان في المدرسة ثلاثة صفوف ولها مدير ومعلّمان وآذِن (فرّاش) (١)، فلما جئتها جاؤوا كلهم معي، ولمّا دخلت بابها دخلوه معي لأنهم كانوا جميعاً في ثيابي، فأنا المدير وأنا المعلّمان وأنا الفرّاش! فكأني ما جئت مدرسة سقبا بل دخلت بهو المرايا في «فرساي»، وما أكثر الذين يعيشون وكأنهم في قصر فرساي في بهو المرايا، حيثما تلفّت الواحد منهم ما رأى إلاّ نفسه! فكيف أقسّم نفسي أنفساً ثلاثاً فأعلّم ثلاثة فصول في وقت معاً؟ أنا بحمد الله مسلم عاقل لا أستطيع أن أفهم كيف يكون «١+١+١=١» كما يزعم القائلون بالتثليث، فماذا أعمل؟ كنت أعرف من أهل سقبا رجلاً طالب علم كان «مزيّناً» اسمه الذي نعرفه به أبو رضا السّقباني، والمزيّن في الاصطلاح الشامي هو الذي يختن الصبيان، فسألتُه فدلّني على شيخ كتّاب في القرية اسمه الشيخ حمزة، وكان أشلّ يعمل بيد واحدة ولكنه رجل صالح يُحسِن تعليم القراءة والقرآن، وأنا لا أحتاج إلى يده ولكن إلى عقله ولسانه، وأحتاج قبلهما إلى قلبه وإيمانه، لأن أكبر ذنب في التربية والتعليم نرتكبه (والله سائلٌ مرتكبَه عنه ومجازيه به)

стр. 695

هو أن نسلّم الولد أو نسلّم البنت، وقلوبهما صفحات بيض، إلى معلّم لا يخشى الله أو معلمة لا تتقيه، فينقشا عليها سطور الشكوك والعصيان بدلاً من كلمات الاستقامة والإيمان. والمعلّم مهما بلغ من سعة العلم وكِبَر الشهادات وبلاغة اللسان لا يكون في خير إن لم يكن له -مع ذلك- المعرفة بالشرع والإخلاص لله. جئت به وسلّمته الصفّ الأول (أي تلاميذ السنة الأولى)، وأذنت له أن يجيء معه بتلاميذ الكتّاب وأن يأخذ منهم (بموافقة أوليائهم) ما كان يأخذه في الكتّاب، واشترطت عليه إشرافي على عمله، فقبل الشرط، وتوجّه حيث وجّهتُه فبدّل طريقته في التعليم. وكان ديّناً ذكياً يحب أن يتعلم كما يحب أن يعلّم، فاستفاد وأفاد. وما فعلته عن أمري لكن بعد استئذان وزارة المعارف، أعني المفتّش العام فيها، وهو العالم المربي الفاضل الذي كان أستاذنا في السلطانية الثانية سنة ١٩١٩ مصطفى تمر، أحد الجنود المجهولين في عالم التربية والتعليم، وليس يضره إن جهل الناس قدره وأنكروا فضله، فلقد كان يعمل لله والله لا يضيع أجر من يعمل له. * * * لقد علّمت سنين قبل أن آتي هذه القرية، ولكني كنت أعلّم في مدارس أمرُها إلى غيري، لم أكُن أملك إدارتها ولم يكن لي الحكم فيها، وهذه أول مرّة أتسلّم فيها مدرسة فيها أكثر من مئة من الأولاد، يأخذون مني ما أعطيهم ويسمعون ما أقوله لهم ويسيرون من حيث سيّرتهم، فأحببت أن أكون لهم كما كان

стр. 696

أفاضل أساتذتي لي ولرفاقي؛ لا أجعل عملي كله أن آخذ ما في كتبهم المقرّرة فأحشو به أدمغتهم وأسجّله على ذاكراتهم، حتى يؤدّوه يوم الامتحان كما تَسلّموه ساعة الدرس، ثم يُمحى منها فلا يكاد يبقى منه أثر فيها ... هذا الذي تريده مني وزارة المعارف وتكافئني عليه وتقنع مني به، ولكن الله يريد مني أن أراقبه فيهم وأن أدلّهم عليه وأرشدهم إلى ما يرضيه منهم، وأجعل منهم أعضاء في جسم الأمّة سليمة من العلل قائمة بالعمل، لا أعضاء معتلّة ولا مشلولة ولا خاملة. حاولت أن أعوّدهم على أداء العبادات، على إقامة الصلاة، على الصدق في القول، على الجرأة في الحقّ، أغرس في قلوبهم الخوف من الله وحده وأنزع منها الخوف من عبيده، لا سيما الرؤساء، على أن يحترموهم وأن يطيعوهم فيما ليس فيه معصية لخالقهم. لا أريد منهم أن يجانبوا طريق الأدب معهم فالأدب مطلوب، ولكن التذلّل هو المرفوض، فأنا لا أريد أن يذلّوا أمامهم. الذلّ أمام الله في الصلاة وأمام الضعيف لمساعدته ابتغاء ثواب الله وأمام صاحب الحقّ ليصل إلى حقّه، هذا كله عزّ. ولكن الذي أبَيتُه لنفسي وعوّدتهم على إبائه هو الذلّ أمام الجبّار الظالم خوفاً من جبروته، وأمام الغنيّ أملاً بغناه، وأمام ذي المنصب من أجل منصبه. ووقع أمر كان امتحاناً عملياً لي أمامهم. ذلك أني لمّا وصلت القرية لاستلام عملي زرت مدير الناحية، وهو -كما قلت من قبل- المرجع الإداري لمن هو فيها. وكان شاباً مهذّباً

стр. 697

متخرجاً في معهد (أي كلية) الحقوق، وقد نسيت اسمه، فذهبوا به وجاؤوا برجل من آل المؤيد، وهم فرع من أسرة العظم التي كنت أعرف بعض رجالها، حقي بك الذي حضرَنا في امتحان الشهادة الابتدائية وكان حاكم دولة (!) دمشق، وأُعجِبَ بأجوبتي (لأن الامتحان كان شفهياً) ومنحني جائزة ثمينة لأني كنت الأول بين التلاميذ: دواة لها قيمة بقيَت عندي إلى أن كبرت. وعرفت سامي بك مدير وزارة العدل، أي وكيلها، وكان صديقاً لوالدي، وكان من جماعة خالي محب الدين الخطيب، لزم معه الشيخ طاهراً الجزائري ودخل معه الجمعية العلمية لمّا أنشأها، وكان يحبني ويودّني. وأعرف رجلاً من فقراء آل العظم عالماً معلّماً مؤلّفاً فاضلاً هو جميل بك. وكان من رفاقنا ناظم المؤيد العظم وهو في الذؤابة منهم نسباً، ورمزي العظم، وأعرف الأخ الأكبر لهذا المدير الجديد وهو صفوح بك، ولكني لم أعرفه هو ولم ألقَه. وأنا أزور المرجع الإداري مرة عند حضوري لأن ذلك عُرف قانوني، ثم أعكف على عملي. وكنت في المدرسة يوماً فإذا الأولاد يقولون: المدير جاء. قلت: أهلاً وسهلاً. ومشيت لاستقباله لأنه ضيف على المدرسة. وإني لَعبدُ الضيفِ ما دامَ ثاوياً ... وما فيَّ إلاّ تلكَ من شيمةِ العبدِ ورحبت به، ولكنه صعّر خدّه وشمخ بأنفه، وقال: أنت المعلم؟ وتوجّه إلى التلاميذ يكلّمهم. وكان يلبس لباس الصيادين، وهو حذاء طويل إلى الركبة وقد غرس فيه درّة (كرباج صغير)

стр. 698

ورداء (جاكيت) من الجلد، وقد برّم شاربَيه الكبيرَين. فحكمت عليه بأنه مغرور متكبّر «على الفاضي»! وثارت الكرامة في نفسي، وأنا حين أحسّ أن كرامتي مُسَّت لا أعود أرى الذي هو أمامي. وقلت له بلهجة أجفّ وأيبس من لهجته: نعم أنا المعلم، وأنت من تكون؟ فأشار إليّ العسكري مِن خلفه إشارةَ مَن يخاف منه عليّ ثم قال: يا أستاذ، حضرته المدير. فقلت للعسكري: أولاً أنت ما سألك أحد فاسكت، ثم إنه لو كان المدير لكان مؤدَّباً عارفاً بمواضعات الناس المؤدَّبين، يستأذن قبل أن يدخل ويسلّم بعد أن يستأذن ... فصرخ: ماذا تقول يا أفندي، هل تعرف مَن تخاطب؟ قلت: لا لأنك غير معروف ولم يعرّفني أحد بك، أما أنا فإنني معروف، وإن جهلتَني فاسأل عني أخاك صفوح بك. ورفع صوته فكان صوتي أرفع، واحتدم الجدل، فصحت بالطلاّب: انتباه! فسكتوا، ثم قلت لهم: صفّ. فاصطفوا، فقلت لهم: انصراف، خذوا كتبكم واذهبوا إلى بيوتكم. فانصرفوا! وأدرت له ظهري ومشيت إلى غرفتي، وتركته وحده يشتم ويهدّد ويتوعد، ثم خرج وهو يرتجف من الغضب، وأسرعت إلى دمشق فزرت بديع بك كبير أسرة آل العظم وخبّرتُه بما كان، لم أخرم منه حرفاً ولم أبدّل شيئاً ممّا قال وما قلت وما كان منه وكان مني. ويظهر أن بديع بك قد استدعاه وكلّمه فسكت ولم يذكر المسألة بعد ذلك، وأبلغني بعض المتصلين به أنه لامه وقال له: أتريد أن تعمل ثورة جديدة في الغوطة تكون أنت المسؤول عنها؟ ألا تعلم أن له لساناً يهزّ المنابر ويحرّك البلد؟ ألا تعرف أنه من زعماء الطلاّب؟ ألا تقرأ ما يكتب؟

стр. 699

وما زال به حتى اعتذر له عمّا صنع، بدل أن يكلّفني أنا الاعتذار، ثم صار صديقي. * * * وكنت خلال ساعات الدوام أؤدّي عملي الرسمي على أكمل وجه، بل إني أعمل أكثر من العمل الرسمي وأسدّ مسدّ ثلاثة معلمين. وكنت قريب عهد بقراءة كتاب كان له -لمّا صدر في فرنسا- صدى عظيم لأنه جاء بشيء جديد في التربية الاستقلالية، هو كتاب «التربية الحديثة» لإدمون ديمولان، فحاولت أن أطبّق بعض ما فيه. وخلاصة ما جاء به (أقولها من ذهني وقد قرأت الكتاب من نصف قرن)، خلاصته أن يُكلَّف التلميذ أو المجموعة من التلاميذ بعمل يعملونه ويُترَك لهم وضع الخطة لإنفاذه، ولا يراقبهم المعلم أثناء العمل وإنما يسألهم عن نتائج العمل. فبدأت بنظافة المدرسة، وهي من عمل الآذن أو الفرّاش ولكن المدرسة ليس فيها آذن ولا فرّاش، فاقتديت بمَن هو أفضل مني بألف درجة ومن لا أبلغ في العلم ولا في الدين ولا في العبقرية عُشر مِعشار (١) ما عنده منها: عمر بن الخطاب لمّا أراد أن ينظّف بيت المقدس ممّا ألقاه فيه اليهود، عملت مثله: فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم ... إنّ التشبّهَ بالكِرامِ فَلاحُ فطلبت مكنسة وأخذت أكنس فناء المدرسة، فأسرع التلاميذ يأخذونها من يدي ويقولون: ماذا تفعل يا أستاذ؟ قلت: أفعل ما

стр. 700

فعله ثاني رجل في الإسلام، مَن كان يحكم ثلاث عشرة حكومة من حكومات اليوم. أنظّف المدرسة. إن المدرسة دارنا فإن لم يكن عندنا خادم أفنقعد على الأوساخ؟ كنت أخاف إن أمرتهم بذلك أمراً أن يهربوا منه، فلما رغّبتهم فيه ترغيباً وسبقتهم إليه تزاحموا عليه، فقلت: رتّبوا أنتم أمركم وتقاسموا العمل بينكم، حتى تكون مدرستُكم نظيفة مثل دُوركم. ثم عملنا على غرس الأغراس وزرع الأشجار في فناء المدرسة، ولم يحتاجوا إلى مَن يعلمهم فقد كانوا أولاد أبرع الفلاحين، فما مرّ شهر حتى تحوّل الفناء من أرض خراب إلى جُنَينة تُعَدّ تحفة في الجنائن، قام بذلك كله التلاميذ متعاونين. وكنت أبقى في المدرسة النهار كله لأن وقت الدراسة كان قبل الظهر وبعده، يذهب التلاميذ للغداء والصلاة ويرجعون. وكنت أحمل غدائي معي، وما غدائي؟ قارورة صغيرة فيها زيت وأخرى فيها زعتر، وطبق صغير من أطباق أكواب الشاي وآخر مثله، أضع الزيت في واحد والزعتر (١) في الثاني، وعندي موقد (كاز) صغير وإبريق للشاي، فيكون غدائي خبزاً عليه الزيت وفوقه الزعتر، فإذا فرغت قلبت الصحن على أخيه ووضعتهما في علبة إلى الغد. وكان يزورني ساعة الظهر بعض الجيران أو ناس من السكان، وربما جاءني بعض المشايخ من علماء دمشق أو بعض إخواننا فيها، فأطعمتُهم ممّا آكل. وقد علّمونا ألاّ نبخل بموجود

стр. 701

وألاّ نتكلف لمفقود. وأذكر أن أحد آباء التلاميذ من أغنياء القرية ووجهائها رثى لي وبعث إليّ بمائدة صغيرة، فرددتُها شاكراً وأفهمتُه أن هذا طعام آكله في بيتي. وأنا لا أزال آكله إلى الآن وربما آثرتُه على أطايب الطعام، فإن كان بدل الشاي بطيخ أحمر كان أطيب عندي من موائد الملوك (أحياناً لا دائماً). وربما بعثت تلميذاً فجاءني بأوقية (وهي مئتا غرام) من اللحم المشوي ثمنها مع الرغيف فرنك واحد، أي خمس هللات! * * * وكنت أدرّب التلاميذ على فنون من الرياضة وأرغّبهم بها لتصحّ أجسادهم، وأعلّمهم المشيَ بانتظام، ثم نخرج أحياناً بعد الدروس فنزور القرى المجاورة، ونصل إلى «جسر الغيضة» حيث يجري بردى ممتلئاً جيّاشاً وعنده خمائل ممتدّة وأشجار مزدحمة أشباه الغابات، كان لها -لا سيما في منطقة «الزور» - دور كبير أيام الثورة السورية. وكانت قريتنا وما جاورها من القرى تزرع القنّب، وهو قصب لطيف إذا نُزعت قشرته عاد مثل الخشب الناعم، ولكنه ضعيف ينكسر لأدنى ضغط، مجوّف يلعب به الأولاد يسحبون به الماء بأفواههم من النهر، ويُحمَل على الدوابّ بعد أن يُصَفّ صفاً في إبالات كبيرة (١)، القنّب الطويل في أطرافها والمكسَّر في وسطها، ليؤخذ إلى أفران الشام توقد به النار، لأنه سريع الاشتعال حتى لَتُضرَب به في ذلك الأمثال، كما

стр. 702

يُضرَب المثل بضعفه حتى ليقال للإنسان الضعيف: كأن عظامه من القنّب. أما قشره فتُصنَع منه الحبال، فترى الحبّالين بين البساتين قد نصبوا أعمدة مدّوا عليها الحبال لبَرْمها. أمّا الاستعمال الأعلى للقنّب أو لبعض أنواعه فهو أن يُستخرَج منه المورفين (المخدّر، أي الحشيش). والغريب أن أهل الغوطة والبقاع الأخرى من الشام وبعض الأماكن في تركيا يزرعه أهلها ولا يتناولونه، لكن يبيعونه بالخفاء لمن يتعاطاه ويربحون منه المال الكثير، يهربون به لأن الحكومة تمنعه. ثم جعلت أبتعد بالتلاميذ، فزرنا مدرسة زَمَلْكا، وكان فيها صديقنا بشير ياسين (وعمّه الشيخ محمود ياسين هو خال شكري فيصل)، وكنا نتبارى في حُسن تعليم التلاميذ وتنظيمهم فكنا كفرسَي رهان، حتى جاء يوماً بما عجزت عنه، هو أنه ألبس تلاميذه كلهم الطرابيش مثل تلاميذ المدينة، فغلبني. ولكني ثأرت منه في حادث طريف ولكنه ليس بظريف، وأنا هنا أسجّل ما لي وما عليّ. مللت من انتظار السيارة كل يوم لتحملني إلى المدرسة، فاشتريت درّاجة وتعلمت ركوبها، ولكني لم أتقنه، فكنت أقف على حجر أو كرسي فأمتطي الدراجة وأمشي بها متعثراً خائفاً. ومررت به يوماً وأنا راجع (لأن قرية زملكا على طريقي) فدعوته ليركب ورائي على الدراجة فيستريح من انتظار السيارة ويوفّر أجرتها. قال: لا، ياعم، أخاف أن ترميني. قلت: يا عيب الشُّوم (وهي كلمة تُقال في الشام بمعنى «يا للعار») أتخاف وأنت ورائي؟ قال: اتركني الله يرضى عليك، قلبي غير مطمَئنّ. قلت: اركب ولا تخف.

стр. 703

فركب مُكرَهاً، وسرنا والطريق خال، فاعترضنا نهر صغير عليه جسر (أي كوبري، والكوبري بالتركية الجسر) فقال: أنزل وأمشي، قلت: لا، ابقَ راكباً. وكان الجسر خشبتين طويلتين عليهما خشبات صغار معترضة فوقها بعض فروع الشجر، فلما بلغت وسط الجسر اضطربَت يداي وملت به، فسقط في النهر وسقطت فوقه وسقطت الدراجة معنا! ولم يكن النهر عميقاً ولكن كان نجساً، وكان مجراه طيناً منتناً. أما الدراجة فالتوى عمودها الفقري وانكسر مِقوَدها (أي ذراعاها)، وأما نحن فخرجنا على شرّ حال، وتركته يُلقي في سبّي «مُنولوجاً» طويلاً، لو كنت في غير هذه الحالة لأخذت قلماً وورقاً وكتبت الشتائم المبتكَرة التي نطق بها، ولا أدري من أين اقتبسها فهي أوسخ من كل ما قال شعراء الهجاء، بل أوسخ من النهر الذي سقطنا فيه، ولكن الحقّ هو أني كنت مستحقاً لها. واستوقفنا سيارة مرّت بنا، فلما رأى سائقها ثيابنا ساقها وتركنا، وسيارة أخرى وثالثة ورابعة فلم يقف لنا أحد من سائقيها، فانتظرنا حتى حلّ الليل وأسدل ستاره، فمشينا مشياً حتى بلغنا دمشق فدخلناها من غير الشارع العامّ. ولما وصلت الدار وكانت فيها عمّتي (بعد وفاة أمي) أبت عليّ دخول الدار إلا إنْ نزعت هذه الثياب عني ثم مشيت رأساً إلى المطبخ لأغتسل في زاويته. ولم يكن في دارنا ولا في أكثر دور الشام حَمّام. ولا تعجبوا، فلقد ذهبت سنة ١٩٧٠ إلى «بون» (في ألمانيا) والمدن المجاورة لها وزرت كثيراً من منازل الطلاّب العرب فيها،

стр. 704

فوجدت أكثرها من البيوت القديمة التي ليس فيها حمام. وكان التعليم الابتدائي إلزامياً، وكان عندنا قانون (أظنه صدر أيام العثمانيين) يُلزِم كل ولد في سنّ الدراسة الابتدائية بالذهاب إلى المدرسة، فإذا امتنع أجبره الدرَك (شرطة الأقضية والقرى) على الذهاب وغرّموا وليّه مالاً ووَقفوه (١) في المخفر. ولم أحتَجْ إلى هذا القانون، فقد تدفّق الأولاد على المدرسة حتى لم يبقَ فيها مكان، ضاقت هي ولكني لم أضِق أنا بهم ولم أتبرّم بكثرتهم، بل كنت أزداد بهم فرحاً كلما ازدادوا عدداً. وكان أنبه التلاميذ رضا (ابن أبي رضا الذي ذكرتُه) فجعلته على صغره عريفاً، وجعلت من متقدمي الطلاّب معلمين أو معاونين لمتأخّريهم، فكبروا بذلك قبل أوان الكِبَر. وكنت أراقبهم من بعيد فلا أجد بحمد الله إلا التعاون الصادق، حتى صارت هذه المدرسة إماماً لمدارس القرى. ونفخت فيهم روح الحماسة للعمل وإخلاصه لله لا للناس، وكانوا -على صغرهم- يدركون هذا كله، إن لم تدركه عقولهم وَعَتْهُ قلوبهم واشتملت عليه ضمائرهم. وكان قبلي في هذه المدرسة معلّم أصله من درعا اسمه الشيخ «فلان» الحلبي، وكان محرّكاً (موتوراً) لا يقف ومبعث نشاط لا ينضب، لم أرَه ولكن رأيت آثار عمله وكانت آثاراً طيبة. ولم يكمل تعليمه من تلاميذ هذه المدرسة إلا الولد الأصغر لأبي رضا السقباني، يعمل الآن

стр. 705

مستشاراً قانونياً في إحدى الإدارات في الرياض، اسمه أحمد عبده، يذكر تلك الأيام وإن مضى عليها الآن نصف قرن كامل. * * *
следующие страницы →