← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وألاّ نتكلف لمفقود. وأذكر أن أحد آباء التلاميذ من أغنياء القرية ووجهائها رثى لي وبعث إليّ بمائدة صغيرة، فرددتُها شاكراً وأفهمتُه أن هذا طعام آكله في بيتي. وأنا لا أزال آكله إلى الآن وربما آثرتُه على أطايب الطعام، فإن كان بدل الشاي بطيخ أحمر كان أطيب عندي من موائد الملوك (أحياناً لا دائماً). وربما بعثت تلميذاً فجاءني بأوقية (وهي مئتا غرام) من اللحم المشوي ثمنها مع الرغيف فرنك واحد، أي خمس هللات! * * * وكنت أدرّب التلاميذ على فنون من الرياضة وأرغّبهم بها لتصحّ أجسادهم، وأعلّمهم المشيَ بانتظام، ثم نخرج أحياناً بعد الدروس فنزور القرى المجاورة، ونصل إلى «جسر الغيضة» حيث يجري بردى ممتلئاً جيّاشاً وعنده خمائل ممتدّة وأشجار مزدحمة أشباه الغابات، كان لها -لا سيما في منطقة «الزور» - دور كبير أيام الثورة السورية. وكانت قريتنا وما جاورها من القرى تزرع القنّب، وهو قصب لطيف إذا نُزعت قشرته عاد مثل الخشب الناعم، ولكنه ضعيف ينكسر لأدنى ضغط، مجوّف يلعب به الأولاد يسحبون به الماء بأفواههم من النهر، ويُحمَل على الدوابّ بعد أن يُصَفّ صفاً في إبالات كبيرة (١)، القنّب الطويل في أطرافها والمكسَّر في وسطها، ليؤخذ إلى أفران الشام توقد به النار، لأنه سريع الاشتعال حتى لَتُضرَب به في ذلك الأمثال، كما

стр. 702

يُضرَب المثل بضعفه حتى ليقال للإنسان الضعيف: كأن عظامه من القنّب. أما قشره فتُصنَع منه الحبال، فترى الحبّالين بين البساتين قد نصبوا أعمدة مدّوا عليها الحبال لبَرْمها. أمّا الاستعمال الأعلى للقنّب أو لبعض أنواعه فهو أن يُستخرَج منه المورفين (المخدّر، أي الحشيش). والغريب أن أهل الغوطة والبقاع الأخرى من الشام وبعض الأماكن في تركيا يزرعه أهلها ولا يتناولونه، لكن يبيعونه بالخفاء لمن يتعاطاه ويربحون منه المال الكثير، يهربون به لأن الحكومة تمنعه. ثم جعلت أبتعد بالتلاميذ، فزرنا مدرسة زَمَلْكا، وكان فيها صديقنا بشير ياسين (وعمّه الشيخ محمود ياسين هو خال شكري فيصل)، وكنا نتبارى في حُسن تعليم التلاميذ وتنظيمهم فكنا كفرسَي رهان، حتى جاء يوماً بما عجزت عنه، هو أنه ألبس تلاميذه كلهم الطرابيش مثل تلاميذ المدينة، فغلبني. ولكني ثأرت منه في حادث طريف ولكنه ليس بظريف، وأنا هنا أسجّل ما لي وما عليّ. مللت من انتظار السيارة كل يوم لتحملني إلى المدرسة، فاشتريت درّاجة وتعلمت ركوبها، ولكني لم أتقنه، فكنت أقف على حجر أو كرسي فأمتطي الدراجة وأمشي بها متعثراً خائفاً. ومررت به يوماً وأنا راجع (لأن قرية زملكا على طريقي) فدعوته ليركب ورائي على الدراجة فيستريح من انتظار السيارة ويوفّر أجرتها. قال: لا، ياعم، أخاف أن ترميني. قلت: يا عيب الشُّوم (وهي كلمة تُقال في الشام بمعنى «يا للعار») أتخاف وأنت ورائي؟ قال: اتركني الله يرضى عليك، قلبي غير مطمَئنّ. قلت: اركب ولا تخف.

стр. 703

فركب مُكرَهاً، وسرنا والطريق خال، فاعترضنا نهر صغير عليه جسر (أي كوبري، والكوبري بالتركية الجسر) فقال: أنزل وأمشي، قلت: لا، ابقَ راكباً. وكان الجسر خشبتين طويلتين عليهما خشبات صغار معترضة فوقها بعض فروع الشجر، فلما بلغت وسط الجسر اضطربَت يداي وملت به، فسقط في النهر وسقطت فوقه وسقطت الدراجة معنا! ولم يكن النهر عميقاً ولكن كان نجساً، وكان مجراه طيناً منتناً. أما الدراجة فالتوى عمودها الفقري وانكسر مِقوَدها (أي ذراعاها)، وأما نحن فخرجنا على شرّ حال، وتركته يُلقي في سبّي «مُنولوجاً» طويلاً، لو كنت في غير هذه الحالة لأخذت قلماً وورقاً وكتبت الشتائم المبتكَرة التي نطق بها، ولا أدري من أين اقتبسها فهي أوسخ من كل ما قال شعراء الهجاء، بل أوسخ من النهر الذي سقطنا فيه، ولكن الحقّ هو أني كنت مستحقاً لها. واستوقفنا سيارة مرّت بنا، فلما رأى سائقها ثيابنا ساقها وتركنا، وسيارة أخرى وثالثة ورابعة فلم يقف لنا أحد من سائقيها، فانتظرنا حتى حلّ الليل وأسدل ستاره، فمشينا مشياً حتى بلغنا دمشق فدخلناها من غير الشارع العامّ. ولما وصلت الدار وكانت فيها عمّتي (بعد وفاة أمي) أبت عليّ دخول الدار إلا إنْ نزعت هذه الثياب عني ثم مشيت رأساً إلى المطبخ لأغتسل في زاويته. ولم يكن في دارنا ولا في أكثر دور الشام حَمّام. ولا تعجبوا، فلقد ذهبت سنة ١٩٧٠ إلى «بون» (في ألمانيا) والمدن المجاورة لها وزرت كثيراً من منازل الطلاّب العرب فيها،

стр. 704

فوجدت أكثرها من البيوت القديمة التي ليس فيها حمام. وكان التعليم الابتدائي إلزامياً، وكان عندنا قانون (أظنه صدر أيام العثمانيين) يُلزِم كل ولد في سنّ الدراسة الابتدائية بالذهاب إلى المدرسة، فإذا امتنع أجبره الدرَك (شرطة الأقضية والقرى) على الذهاب وغرّموا وليّه مالاً ووَقفوه (١) في المخفر. ولم أحتَجْ إلى هذا القانون، فقد تدفّق الأولاد على المدرسة حتى لم يبقَ فيها مكان، ضاقت هي ولكني لم أضِق أنا بهم ولم أتبرّم بكثرتهم، بل كنت أزداد بهم فرحاً كلما ازدادوا عدداً. وكان أنبه التلاميذ رضا (ابن أبي رضا الذي ذكرتُه) فجعلته على صغره عريفاً، وجعلت من متقدمي الطلاّب معلمين أو معاونين لمتأخّريهم، فكبروا بذلك قبل أوان الكِبَر. وكنت أراقبهم من بعيد فلا أجد بحمد الله إلا التعاون الصادق، حتى صارت هذه المدرسة إماماً لمدارس القرى. ونفخت فيهم روح الحماسة للعمل وإخلاصه لله لا للناس، وكانوا -على صغرهم- يدركون هذا كله، إن لم تدركه عقولهم وَعَتْهُ قلوبهم واشتملت عليه ضمائرهم. وكان قبلي في هذه المدرسة معلّم أصله من درعا اسمه الشيخ «فلان» الحلبي، وكان محرّكاً (موتوراً) لا يقف ومبعث نشاط لا ينضب، لم أرَه ولكن رأيت آثار عمله وكانت آثاراً طيبة. ولم يكمل تعليمه من تلاميذ هذه المدرسة إلا الولد الأصغر لأبي رضا السقباني، يعمل الآن

стр. 705

مستشاراً قانونياً في إحدى الإدارات في الرياض، اسمه أحمد عبده، يذكر تلك الأيام وإن مضى عليها الآن نصف قرن كامل. * * *

стр. 706

-٦٢ - دفاع عن فلسطين صرت موظفاً وأمسك بمعصمي القيدُ، ولكنه كان قيداً واسعاً أستطيع أن أُخرِج يدي منه متى شئتُ. بعت بعضَ وقتي بهذا الراتب وبعضَ حرّيتي، ولكن لم أبع ضميري ولا لساني، فأنا لا أزال حرّ الضمير طليق اللسان، ما هجرت المنابر ولا طلّقت الصحف، بل عدت إلى الأموي أخطب فيه كلما حدث حادث، فما إن أصيح صيحتي المعروفة (إليّ إليّ عباد الله) ويتبين المصلون صوتي تتجاوب أصداؤه من أرجاء المسجد، يصل إليها بلا مكبّر للصوت، حتى يُقبِلوا عليّ ويسرعوا إليّ ليسمعوا مني ما كانوا يسمعونه قبل أن أصير موظفاً. وربما قدت المظاهرات تخرج منه كما كنت أقودها قبل أن أكون موظفاً، ورجعت أكتب في الصحف ما يُرضي الحكومة وما يُغضِبها، ما جعلت من همّي يوماً رضاها ولا غضبها، كان كل همي أن أرضي ربي وأن أكون صادقاً أمام نفسي. المقالات التي كتبتها في هذه المدة كثيرة جداً، لكنْ لا تسألوني عن عددها لأني لم أجمعها كلها، فهل يأتي -يوماً- من يكون أحرصَ على جمعها مني أنا صاحبها، فيبحث في

стр. 707

مجموعات الصحف الشامية: فتى العرب، والمقتبس، والقبس، وألف باء، والجزيرة التي أنشأها تيسير ظبيان، والناقد، والمكشوف لفؤاد حبيش في بيروت، فيأخذ ما كتبته فيها فيجعل منه «المجموعة الكاملة» لبواكير كتاباتي التي لم أجمع منها في كتاب إلا ما اشتمل عليه كتابي «الهيثميات» الصادر سنة ١٩٣٠؟ ولكن هب أنها جُمعت وطُبعت، فما انتفاعي أنا وما انتفاع الناس بها؟ فدعوها مدفونة فلن تُرجع لمن مات الروح! موضوعات هذه المقالات كثيرة، ولكن أهَمّها: موضوع النضال للاستقلال وما صنعنا في هذا المجال، وموضوع الماضي وأمجاده، ما كتبتها لنفخر بها وننام عليها بل لنصنع مثلها، والنقد الأدبي وما نتج عنه من مناظرات وردود، وقصص من التاريخ، وصور ومشاهدات من الحياة، وتعليق على بعض أفلام السينما وتلخيص لقصصها (عرفتم أني كُلّفت بذلك لمّا احترفت الصحافة) والموضوع الذي أخذ من قلبي ومن لساني الحظّ الأوفر: وهو قضية فلسطين التي كنت أكتب فيها وأخطب في أواخر العشرينيات. * * * لقد ضاع (مع الأسف) أكثر ما كتبت يومئذ، ولكن أمامي الآن مقالة كُتب لها البقاء. نُشرت «افتتاحية» لعدد يوم الأحد ١٥/ ١٠/١٩٣٣ من جريدة «ألف باء» للأستاذ يوسف العيسى. أنذرت فيها العرب «داهية دَهياء لا ينادى وليدها» إن بقينا على تجاهلنا قضية فلسطين؛ كأني كنت (وكان غيري ممّن يكتب عن هذه القضية) نحس بالخطر الذي يتربص بفلسطين وأهلها، ما

стр. 708

اطّلعنا على الغيب ولكنّ المقدمات أشعرَتنا بالنتائج. فكتبت وكتب مَن هو أكبر مني في البلاغة قدراً وأعلى في البيان مكاناً وأعرف بالسياسة ظواهرها وخفاياها، نصرخ في قومنا كما كان يصرخ في القبيلة النذير العريان، وممّا جاء في هذه المقالة حملة على الأدباء قلت لهم فيها: أيهيج نفوسَكم ويؤلمكم ويسوّد الدنيا في عيونكم حبيبٌ يُعرِض عنكم، أو ليلة وصال منه تخسرونها، أو ابتسامة يُحجَب عنكم نورها؟ ولا يؤلمكم أمة في فلسطين تضيع بقَضّها وقَضيضها، يهاجمها في عقر دارها أذلّ شعب وأخسّه وأهونه على الله والتاريخ؟ يستلب بالثمن الغالي أرضها يشتريها منها، ثم يبعث بالفاسقات من بناته فيسترده منها، يعطيها بأيدي رجاله ويذهب ما أعطى من بين أرجُل ... نسائه! ألا يؤلمكم أن تصبحوا يوماً فتجدوا أن فلسطين صارت لغيركم، وأنكم صرتم غرباء في أرضكم أو تائهين مشرّدين في أرض الناس؟ ونحن نعرف «اليهودي التائه»، فهل تسكتون حتى يصير منا «العربي التائه»؟ الأدب هو محرّك الشعوب ومثير الهمم وباعث العزائم، الأدب يوقظ النائم وينبّه الغافل، فأين أنتم يا أدباء العرب من «قضية فلسطين»؟ إن خطبة طارق فتحت الأندلس، وخطب نابليون أكسبَته إسترلتز، وخطب فيخته أعادت الروح إلى الألمان وأرجعتهم إلى مكانهم من الحياة، فأين القصائد الفلسطينيات؟ أين الأقلام الحرّة المؤمنة التي يتطوّع أصحابها ليكونوا جنوداً في معركة فلسطين: تصف نكبة فلسطين وتحرّك الدنيا لنصرة

стр. 709

فلسطين، بل تهزّ قبل ذلك أهل فلسطين وجيران فلسطين ليتداركوا فلسطين قبل أن يأتي يوم يندمون فيه، وليس ينفع في ذلك اليوم الندم. لقد مرّ على دخول الإنكليز فلسطين خمس عشرة سنة، ودخول اليهود معهم، حشرات متعلقات بأذنابهم. أفما تكفينا خمس عشرة سنة (١) لنصحو من نومنا ونفتح عيوننا، فنبصر الماء يجري من تحتنا وبوادر النار من حولنا، والهوة السحيقة أمامنا نمشي إليها بأقدامنا؟ (إلى أن قلت): لينظم الشعراء القصائد في نكبة فلسطين، وليتغنَّ المغنّون بشعر فلسطين، ولتؤلَّف اللجان في كل بلد عربي، في كل بلد مسلم لإنقاذ فلسطين. لم تأتِ الآن معركة الدم والحديد، فلنحارب بالمال، لنردّ عدوان اليهود بالفكر السديد، بالخُطَط المدروسة، بالاتحاد، وقبل هذا كله وبعد هذا كله بالعودة إلى الله، لأن العدوّ مهما كبر ومهما كبر من يعينه وينصره فالله أكبر، فمن كان مع الله لم يخَف أحداً. لنبدأ بجمع المال لإنقاذ فلسطين، ليقدّم كلٌّ ما يستطيع لا يخجل به مهما قلّ، إن الشحّاد يستطيع أن يقدّم «نِكلة» في الشهر فليقدّمها (٢). نكلة في الشهر، وقرش في الشهر، وفرنك

стр. 710

في الشهر، وربع ورقة في الشهر، ونصف ورقة في الشهر ... وأنا رجل مفلس ولكني أقدم من اليوم نصف ورقة في الشهر. لا تقولوا إن ذلك قليل، فالقليل إلى القليل كثير. ولو أن أهل دمشق دفعوا ما يعادل ربع ليرة فقط من كل منهم لاجتمع في الشهر خمسة وسبعون ألف ليرة. يا أيها الناس، إخوانكم وأبناء عمّكم يريد اليهود أن يطردوهم غداً من ديارهم أن يُميتوهم، فاشتروا حياتهم بمالكم. الأدب، ثم المال، ثم الدم؛ هذه هي الأركان التي يقوم عليها العمل لإنقاذ فلسطين. فسيروا فهذا هو الطريق، سيروا من الآن بخُطى ثابتة وسريعة، لا يجوز أن نتمهل فالوقت يمرّ علينا لا لنا. يا أيها الناس، ثقوا أنها إن ضاعت فلسطين ضعنا. * * * هذا ما قلته من أكثر من خمسين سنة، ولكن ما سمعه أحد. ولو أننا جمعنا كل شهر في دمشق وحدها خمسة وسبعين ألف ليرة لمساعدة فلسطين واستمررنا عليها، فكم كان يجتمع لنا إلى الآن؟ لقد كانت موازنة «دولة سورية» يومئذٍ سبعة ملايين ليرة. كان ثمن الليرة الذهبية الرشادية خمس ليرات سورية ونصف الليرة. خمسة وسبعون ألف ليرة تعدل بقوّتها الشرائية -يومئذ- مليونَي ليرة اليوم أو أكثر. فلو جمعنا من كل بلد من بلاد المسلمين مثلها لاشترينا فلسطين من جديد. لقد كتبت بعد هذه المقالة عشرات من المقالات، وكتب غيري ممّن هو أخلص مني وأفصح وأغيَر مئات، فما تنبّه أحد.

стр. 711

مرّت خمسون سنة ونحن نُنْذر ونحذّر، نقول: إننا في حرب مع أمكر وأخسّ البشر، فهل رأيتم من يعيش في الحرب مثل عيشه في السلم؟ هل رأيتم من ينفق فيها على السرف والترف والكماليات، بل على ما لا صلة له بالكمال، ما فيه إلاّ النقص والعار؟ ننفق ولانزال ننفق! نصبّ في هذه البالوعة ما لو وفّرناه لكان لنا منه جيش ينقذ فلسطين ويخلّص كل بلد مسلم يعاني مثل الذي تعاني فلسطين. طالما قلت للناس: إن هرّة مريضة تموء في الشارع تحت شبّاكك تطرد من عيونك النوم، فكيف تنام ومن إخوانك العرب المسلمين من يئنّ ويشكو ويمزّق من بكائه سكون الليل؟ من يدق جارُه مسماراً في جداره يفيق مذعوراً ويتعذر عليه المنام، فكيف تنام وفي الأرض عرب مسلمون تدكّ المدافعُ دورَهم وتهدم بيوتَهم، مدافع أصداؤها تملأ الدنيا، أفلا تسمعها؟ خمسون سنة ونحن نقول إن فلسطين أمانة في عنق كل عربي، عقيدة في قلب كل مسلم، فأنقذوها؛ أنقذوا المسجد الأقصى مسرى نبيّكم، قبلتكم الأولى. لا تنفقوا قرشاً بعد نفقتكم ونفقة عيالكم إلاّ على فلسطين، لا تبذلوا جهداً بعد الضروري من جهودكم لتأمين معيشتكم إلاّ على فلسطين. إن اليهود يعملون على سرقتها كافّة فاعملوا أنتم على استردادها كافّة. قاتلوا مجاهدين في سبيل الله لا لمجرد استرداد الأرض، فالأرض تُسترَدّ بالجهاد الذي معه عون الله، ولكن عون الله لا يأتي لمجرد القتال للأرض. لا تيأسوا فإنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون. لقّنوا أولادكم مع حليب الأمهات وجوب الجهاد لاسترداد

стр. 712

فلسطين، علّموهم كلمة «فلسطين» مع كلمة «بابا» و «ماما». فإذا كنا نحن -مع الأسف- جيل الهزيمة لبُعدنا عن ديننا واختلافنا في أمرنا، فسيظهر منهم جيل النصر، ولو بعد خمسين سنة أو مئة سنة. أما لبثَت القدس بأيدي من كانوا أقوى من اليهود نحواً من مئة سنة؟ فما احتاج استردادها إلا لمَن يطوي راية الجاهلية وينشر راية الإسلام، ويرمي السيف الذي استعاره من الكافر ويضرب بسيف محمد ‘، ويدَع دعوة الباطل ويَدْعو بدعوة الحقّ. إن نسيتم فاقرؤوا تاريخ عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، الذين قاموا في زمان كنّا فيه أكثر انقساماً وأشدّ اختلافاً؛ كان في سوريا وحدها عشر حكومات إسلامية وصليبية، كانت حماة دولة وشَيْزر دولة، كان في صَرخد (وهي قرية في جبل الدروز) دولة! فلما جاءت دعوة الإسلام محت دول الباطل، دول الضعف والانقسام، وأقامت دولة الوحدة تحت راية التوحيد. لقد أضعنا أياماً كثيرة وفرصاً كثيرة، ولكن لا يزال تدارك الأمر ممكناً. تقولون: بماذا؟ بتغيير هذه الحال. تقولون: كيف نغيّر هذه الحال؟ لقد شرح الله لنا القانون: ﴿إنّ اللهَ لا يُغيّر ما بقَومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم﴾. فهل غيّرنا ما بأنفسنا؟ هل طهّرناها من أوضار الشبهات وأدران الشهوات؟ هل بدّلنا بتفرّقنا اجتماعاً على كتاب الله؟ هل سددنا آذاننا عن وسواس الشيطان من الإنس ومن الجانّ وفتحناها لنداء الرحمن؟ أمرَنا الله أن نُعِدّ السلاح للمعركة فقال: ﴿وأعِدّوا لهُم ما اسْتَطعْتُم مِن قُوّةٍ﴾. فلا بد من القوّة ولا بد من السلاح، ولكن هل

стр. 713

نُعِدّه لأن النصر مقرون دوماً وحتماً بالسلاح؟ لا، بل للإرهاب: ﴿تُرْهِبونَ بهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم﴾ ﴿وما النَّصْرُ إلاّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾. وأنزلَ الله يوم بدر ملائكة، ولكن للتطمين: ﴿ومَا جَعَلهُ اللهُ إلاّ بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكم﴾ لا للنصر فالنصر من الله، مع الملائكة ومن غير أن تنزل ملائكة، فاطلبوه منه بعد استعدادكم له. هذه عقيدة المؤمن وهذا تفكيره وهذه نفسيته، يعمل كل ما يقدر عليه ولكن لا يعتمد عليه وحده، بل على قوة من آمن به ووحّده التوحيد الكامل وجاهد في سبيله. * * * لقد عشت مع قضية فلسطين؛ سايرتُها مراحلها كلها، ولكن من مقاعد المشاهدين لا من مكان الممثّلين. لم أرَها من الداخل مع الخاصّة من أصحابها بل من الخارج مع العامّة من متتبّعي أخبارها، وإن شئتم تاريخها ممّن عاش معها في داخلها فتداركوا الأستاذ عزة دَرْوَزَة فاسألوه عن خفاياها، وإن أردتم معرفة خبرها ممّن كان قريباً من قادتها الذين لهم يد في تحديد مسارها فعليكم بالأستاذ أكرم زعَيْتر. أما أنا فلقد عرفت منها ما عرفت وكتبت عنها ما كتبت مستمِدّاً علمي من سطور الصحف وأفواه الناس. والذي رأيته ورآه الناس كلهم هو أن تاريخ الظلم والسرقة والغصب والتعاون على الإثم والعدوان لم يعرف أبشع ولا أشنع ولا أفظع من قضية فلسطين؛ ناس آمنون في مساكنهم التي ورثوها عن آبائهم واشتروها بأموالهم، ما لأحد حقّ فيها معهم، جاء مَن لا يخاف الله ولا يتقي العار ولا يأبى اللعن فوعد بها عصابة

стр. 714

من أخسّ اللصوص، ثم سعى حتى ولّوه هو أمرها و «انتدبوه» لتعليم أهلها فنون الحضارة، فكان خصمَها الحاكم فيها، وكان «حاميها»! وعدٌ آثم بعده تعاون ظالم. ما اتفقَت دولة الشرق ودولة الغرب إلاّ علينا، هم دوماً في خصام ولكنهما يتفقان إنْ جمعهم عداؤهم للإسلام. ما التقى صاحب «البيت الأبيض» وصاحب «البيت الأحمر» إلا على كرهنا وعلى قتالنا، يعطوننا كلاماً حلواً، والكلام «بلاش» (١) ويعطون عدوّنا وسارقي أرضنا كل ما يريدون: من الشرق رجالاً لهم أيدٍ تعمل وأدمغة تفكّر، ومن الغرب مالاً يبني لهم وسلاحاً يقتلنا نحن، فإلى أين نلجأ؟ الملجأ قريب منا والمَنجى أمامنا، ولكن بهرج الحضارة المادّية أزاغ عنه أبصارنا، ذلك هو «البيت الأسود» في بطن مكة، البيت الذي يلبس الثوب الأسود وهو الأبيض بياض النهار المشرق، بياض النور الهادي، بياض الحقّ الأبلج. رَبّ هذا البيت الأسود هو وحده القادر على إنقاذنا من صاحب البيت الأبيض والبيت الأحمر، والبيت الأصفر إن انضمّ إليهما وكان معهما علينا في تأييد عدوّنا! فلماذا لا نرجع إليه، وبابه مفتوح ويده مبسوطة؟ لماذا نحوّل وجوهنا عن بابه؟ لماذا لا نُدخِل الإسلام في المعركة فيدخلها معه ألف مليون؟ إن جعلناها عربية خالصة لاسترداد الأرض العربية أبعدناهم عنا، ولكن إن جعلناها جهاداً إسلامياً لاسترجاع قبلة

стр. 715

المسلمين الأولى ومسرى نبيّهم كانت معركتهم، ما نحن بأحقّ بها منهم لأن الأقصى لنا ولهم، والإسلام يجمعنا ويجمعهم. وسترون فيما يأتي من الذكريات أني قلت هذا الكلام لغلام محمد الحاكم العامّ لباكستان سنة ١٩٥٤، أمام الشيخ أمجد الزّهَاوي والشيخ محمد محمود الصواف. لقد دنونا يوم ١٩٧٣ من الإسلام قليلاً فَدَنا منّا النصر كثيراً، فلما عدنا فابتعدنا عنه رجع فابتعد عنا. قال أحد حكامنا يومئذ: "كنت أقاتل دولة إسرائيل ولكن لا أستطيع أن أقاتل أمريكا"! وهذا صحيح بجميع المقاييس المادّية، فلا جيوشنا كجيوشها ولا سلاحنا كسلاحها ولا نحن في العلم مثلها، ولكن لو فكّر المسلمون الأوّلون مثل هذا التفكير ما فتحوا قرية واحدة من أرض الشام ولا العراق ولا مصر، لأن الروم والفرس كانوا يومئذ كأميركا وروسيا الآن؛ كانوا أقوى في العدّة وأكثر في العدد وأغنى بالمال. فلو استعملنا هذه المقاييس الأرضية المادّية لانهزمنا. لقد قسنا المعركة بمقياس آخر لا يزال له وزنه وقيمته حتى في أيام الدبابات والطيارات، هو القوة المعنوية (١). الجندي الذي يقاتل في سبيل عقيدة يعتقدها وجنة خالدة يطمع في دخولها إن مات في سبيلها ليس كالجندي الذي يُساق سوقاً إلى معركة يقاتل فيها مُكرَهاً عليها لا مقتنعاً بها، العصا

стр. 716

في يد الأول أقوى من البندقية، والبندقية في يد الثاني تؤخذ منه بالعصا. وإذا كان المثل الإسلامي الأول بعيداً عنكم فهاكم المثل القريب: ما يصنع المجاهدون المسلمون في الأفغان، وما صنعنا بالأمس في الجزائر وطرابلس (ليبيا)، والغوطة وجبل الدروز، وفي الرميثة في العراق، وفي منطقة القناة في مصر، وفي كل مكان فيه مسلمون إذا دُعوا لَبّوا وإن استُنصِروا نصروا، على أنْ يُدعَوا باسم الدين لحماية الأرض والعرض وأن تكون معركتهم لإعلاء كلمة الله، فلقّنوا المقاتلين هذه العقيدة وانظروا ما يصنعون. إني لا أريد أن أتألم ولا أن أؤلم القرّاء، ولكن ما حيلتي وأنا أعرض ما علق بذهني من مراحل قضية فلسطين، وما فيها إلا الألم؟ كل ما رفضناه بحقّ عدنا نطلبه ممّن لا يعرف الحقّ، حتى بعد نكسة (أو نكبة) ١٩٦٧. وسترون في هذه الذكريات أنّا رحلنا سنة ١٩٥٤ إلى آخر آسيا نشرح للناس مأساة فلسطين، كنا نشكو ما كنا فيه قبل عدوان سنة ١٩٦٧، فما الذي كان حتى مُسخَت مطالبنا فصار أقصى ما نريده هو «إزالة آثار العدوان»؟ أي أن نعود إلى ما كان وما كنا نشكو منه! ولن أزيد إيلامكم بسرد بقية القصة فإنكم تعرفونها. وإذا لم يُعجِب بعضَ الناس المثلُ الإسلامي من أيام الفتوح والمثلُ الجديد من الأفغان، فهاكم مثلاً من قوم لا يدينون دين الحق ولا يتبعون شرع الله، آمنوا بالجبت والطاغوت فنصرهم الله بهذا الإيمان في الدنيا. وإن الإيمان يكون معه النصر دائماً، فإن كان إيماناً كإيمان الفيتنام نصرهم به النصرَ المؤقّت في الدنيا، حتى على أميركا وقوّتها الهائلة، أما إن كان إيماناً كإيمان الصحابة

стр. 717

فعاقبته النصر دائماً. ربما يخسر أهله معركة أو يُخذَلون يوماً ولكن العاقبة لهم، إن لم يروها في هذه الحياة الدنيا رأوها في الحياة الباقية. وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع، إنها دقيقة واحدة من عمر الآخرة. فقد انتصر قابيل على أخيه وقتله، فاستمتع بلحظة النصر، فما نسبة هذه اللحظة لما مرّ من الزمان حتى الآن؟ وما نسبتها لما سيأتي في هذه الدنيا من أزمان؟ فكيف بالزمان الذي يُمضيه الكافر خالداً في نار جهنم؟ يقولون: إنكم تريدون أن تُلقوا بالإسرائيليين في البحر. وأنا أسأل الإنكليز الذين هم رأس البلاء ومبعث الداء، وأسأل الأميركان الذين يؤيدون الظلم وينصرون الاعتداء، وأسأل الروس الذين هم معنا بالمقال وهم يُمِدّونهم بالرجال، أسألهم جميعاً: ماذا يصنعون لو جاء شعب نذل خسيس سارق مجرم يريد أن يطردهم من ربع لندن أو واشنطن أو موسكو ويملكها من دونهم، ثم يعمل على التوغّل في بلادهم وسرقة طريفهم وتالدهم وإفساد بناتهم وأولادهم، ماذا يصنعون بهم؟ إنهم إن لم يلقوهم في البحر شرّدوهم في القفر أو وضعوهم في الأسر، وإلاّ فماذا؟ خبّروني ماذا تصنع الأمم بالواغل عليها يسرق ديارها ويمحو آثارها؟ ماذا يفعل من يقتحم اللص عليه بيته ليطرده منه ويَسكنه من دونه: هل ينصب له المائدة ليأكل ويمدّ له الفراش لينام، ثم يقف باحترام ليعطيه مفتاح الدار ويمضي بسلام؟! هذا هو السلام الذي تريده إسرائيل والذي كان منّا من يرحب به ويصفّق له. يقولون: وإلى أين نذهب بهؤلاء اليهود؟ لقد ألقى هذا السؤالَ رئيسُ أميركا الذي كسب الحرب، ألقاه

стр. 718

على ابن الصحراء الإمام العبقري الملك عبد العزيز، فردّ سؤاله بسؤال وجّهه إليه هادئاً، قال له: من أين جاء هؤلاء؟ أرجعوهم إلى بلادهم التي أُخرِجوا منها. لقد بُهت روزفلت ولم يقدر على الجواب لأن الحقّ غلاّب. قالوا: إنكم رفضتم التقسيم ثم جئتم تطالبون بالتقسيم! نحن كمن كان يمشي آمناً فاعترضه مجرم خطف كيس نقوده وفيه ألف ريال، فلحقه يطالبه به فقال: تأخذ خمسمئة لك ولي خمسمئة. فأبى، وحقّ له الإباء فالمال ماله والكيس كله له، فشدّ اللص يده على الكيس وعدا هارباً، فلما يئس منه قال: طيّب، هات الخمسمئة. قال: لا، ذاك عرض مضى، تأخذ أربعمئة؟ فأبى ومضى اللص، فلما يئس منه قال: طيّب، هات الأربعمئة. قال: لا، ثلاثمئة. تأخذ ثلاثمئة؟ رفضنا التقسيم، وما لنا ألاّ نرفضه؟ مَن يرضى أن تُقسَّم داره بينه وبين اللص الذي يقتحمها عليه؟ ورجعنا فطالبنا به حتى لا تذهب الدار كلها ما دام قد غلب الباطل وفُقد النصير. أنا لا أريد ولا أقدر أن أؤرّخ قضية فلسطين، أنا أدوّن ذكريات لا أكتب تاريخاً. ولكن أقول: إنه ليس في تاريخ الظلم والعدوان مثل قضية فلسطين، ولا في تاريخ التخاذل والانقسام وقلة الاهتمام مثل موقفنا من قضية فلسطين، ولا في تاريخ التعاون على الإثم والعدوان مثل موقف الدول في غرب الأرض وفي شرقها من قضية فلسطين. وما لنا إلا الله، فهل نعود إليه؟ * * *

стр. 719

-٦٣ - الشعر والأدب عند أساتذتنا ورفقائنا أبقى هذه الحلقة مع رفاقنا الشعراء، جمعني بهم أحد إخواننا من أساتذة الجامعة هنا، لقيني فحدّثني عن هذه الذكريات حديث الصديق الذي يراها بعين الرضا، فأثنى ثم قال لي مازحاً (ويقول أهلنا في الشام: «في المزاح تشتفي الأرواح»، أي أن الذي لا تجرؤ على قوله جاداً تقوله مازحاً)، قال: ولكنك تبالغ أحياناً. قلت: فيمَ بالغت؟ قال: بقولك عن صديقك أنور العطار ﵀ إن قصيدته التي قالها وهو طالب في الثانوية لو قال مثلَها شاعرٌ كبير معروف لكانت من جيد شعره. ألا ترى في ذلك مبالغة؟ قلت: إني أحفظ أكثر هذه القصيدة، لأن ما حفظته في الصبا وفي الشباب بقي محفوراً في ذاكرتي، وأنا أعي الآن في ذهني أكثر من أربعة آلاف بيت من الشعر حفظتها تلك الأيام. وهذه القصيدة منشورة في الجزء السادس من «الحديقة» لخالي مُحِبّ الدين الخطيب، المطبوع سنة ١٣٤٦هـ لمّا كان عمر أنور وعمري تسع عشرة سنة، وقد نظمها وألقاها قبل ذلك. فهل تحب أن

стр. 720

تسمعها أو تسمع بعضها لتحكم لها أو عليها؟ وأنا راضٍ بحكمك لأنك أستاذ في علوم العربية ولأنك قارئ جيد وناقد ذوّاق. قال: هات. فهل يسمح القرّاء أن أعرض عليهم ما عرضت عليه ليروا ماذا كان يقول الطلاّب يومئذ، ويقرنوه بما يقول الشعراء (أعني بعض الشعراء الأساتذة) الآن؟ عددت أبيات القصيدة فوجدتها ستة وخمسين، عنوانها «الشاعر»، مطلعها: خَلِّياهُ يَنُحْ على عَذَباتِهْ ... ويَصُغْ مِن دُموعِهِ آياتِهْ ويُرتّلْ ألحانَه بخشوعٍ ... مُستمِدّاً من العُلا نَغَماتِه ومنها: ورواها فمُ الزمانِ بشجوٍ ... فحسِبنا بُناتِهِ من رُواتِهْ كتبَ البؤسُ فوقَ خدّيهِ سَطراً ... تتراءى الأحزانُ في كلماتِهْ للهوى قلبُهُ وللشّجوِ عينا ... هُ وللعالَمينَ كلُّ هِباتِه أليس هذا وصف الشاعر: قلب عاشق، وعينان شجيّتان، وثمراتهما شعر يؤنس قلوب الناس؟ شاعرٌ صاغَهُ الإلهُ من البؤ ... سِ وأبدى الأسى على نظراتِهْ وكذلك كان أنور لمّا قال هذه القصيدة. كان رقيق الجسد، حالم النظرات، حلو الحديث، يلبس حلّة قديمة ولكنها نظيفة، لا يبدلها لأنه لا يملك غيرها، قد حال لون حواشيها لكثرة ما تُنظَّف بالبنزين! مات أبوه وهو صغير، فتولّى أمرَه وأمرَ إخوته الصغار

стр. 721

أخوهم الكبير، وما كان لهم كما كنت (بحمد الله) لإخوتي، فلم يكن أنور يُرى إلاّ منفرداً متوحداً. وحباهُ السحْرَ الحلالَ فغنّى ... شاكراً ربَّهُ على نَفَحاتِهْ وسريُّ النظيمِ ما كانَ وحياً ... فالهوى والشعورُ في طَيّاتِهْ وسريُّ النظيمِ ما كانت الحِكـ ... ـمةُ فيّاضةً على جَنَباتِهْ هذا هو الشعر: حكمة باقية وعاطفة سامية، لا شعر المواخير وبيوت الخَنا. يسمَعُ الصخرُ شعرَهُ وشجاهُ ... فتلينُ الصّخورُ من أنّاتِهْ يومُهُ مثلُ أمسِهِ في شقاءٍ ... ولعلَّ الرجاءَ طيُّ غداتِهْ إنْ دجا الليلُ يرقُبُ النجمَ أسيا ... نَ ويُزجي إلى العُلا زَفَراتِه لا الدجى نازحٌ ولا الفجرُ يَرثي ... لِشجيٍّ أدنى الرّدى خَطَواتِهْ وختمها بقوله: بينما الشاعرُ الحزينُ يناجي ... ربَّهُ والصّبَاحُ في بُشرياتِهْ غابَ عن عالَمِ الشقاءِ وفاضَتْ ... رُوحُهُ وانطوى ببُردِ نَجاتِه * * * كان هذا مذهب شعراء الشباب أكثر شعرهم من هذا الباب، ذلك لأننا كنا جميعاً متأثرين بلامارتين وأصحابه «الرومانسيين» الذين دالت اليوم دولتهم أو كادت، وانصرف الناشئون عنها واستبدلوا بها ما ليس خيراً منها.

стр. 722

كان هذا المذهب مسيطراً علينا، تجدون آثاره في أشعار الشعراء من رفاقي ورفاق أنور ﵀ ورحمهم: عبد الكريم الكرمي (أبي سلمى) وزكي المحاسني وجميل سلطان، وقد نبغوا جميعاً من صفّ (أي فصل) واحد في مكتب عنبر. ولم تكُن تخلو سنة من شاعر أو كاتب جديد ينبغ من بين الطلاّب، فمن إخواننا الذين هم أكبر منّا قليلاً سليم الزّركلي، وممّن جاء بعدنا بسنين أمجد الطرابلسي وعدنان مَرْدَم بك وناجي الطنطاوي، وممّن هم في مثل سني عمر أبو ريشة في حلب، وممّن هو أكبر سناً بدر الدين الحامد وعمر يحيى في حماة. ولعلّ أشعر مَن سَمّيت هنا عمر أبو ريشة وأنور العطار. عمر أبعد أُفقاً وأوسع مجالاً وأكثر تصرّفاً في فنون القول، وأنور أنعم ديباجة وأحلى أسلوباً. هذا رأيي وكل رأي يحتمل الخطأ والصواب. اجتمع في مكتب عنبر الشعراء الأربعة. وممّن انصرف إلى الأدب وعلومه، ولكن لم يُحسِن الشعر: أنا وسعيد الأفغاني. وكان معنا في المدرسة شاعر ليس من أقراننا ولا سنّه من أسناننا، هو بدر الدين الحامد (الأخ الأكبر لشيخ حماة الشيخ محمد الحامد). كان معلّماً بلا شهادة فجاء يَدرس سنة في «التجهيز» و «دار المعلّمين» ليحصل على الشهادة. وكانت مدّة دار المعلّمين ثلاث سنوات تبدأ من بعد الابتدائية، أي أنها مدرسة متوسطة، ثم زادوا مدّتها سنة بعد سنة حتى صارت مثل المدرسة الثانوية، لذلك رأيتم في صورتنا -يوم نلنا الشهادة الابتدائية- معلّمين في مثل أعمارنا نحن التلاميذ.

стр. 723

وكانت مشكلة هؤلاء الطلاّب الأدباء هي علوم الرياضيات، أي الحساب والجبر والهندسة بأنواعها، وبينها وبين الأدب مثل الذي بين الإضافة والتنوين: كأنيَ تنوينٌ وأنتَ إضافةٌ ... فحيثُ تراني لا تحُلُّ مكاني وكل منهم حل المشكلة على طريقته: أمّا بدر الدين الحامد فقد نظمها كلها، كما نظم الكيمياء والفيزياء (وكنّا نسميها «الحكمة الطبيعية») أراجيزَ كأرجوزة ابن مالك في النحو، وحفظها كلها. وكان سريع النظم قوي الحافظة، فنجا من شرّها ونجح في الامتحان. وأما زكي المحاسني فكان يضع أمامه مسألة الجبر أو الهندسة ويحفظ الشكل كما هو، لا أدري كيف يرسمه على ذاكرته كأنه صورة شمسية ينقلها مع شرح الصورة: مثلت (ب ج د) وخط (ب ج) وخط (ج د) وزاوية كذا، تنطبع في ذهنه انطباعاً مدهشاً ثم يطبعها في ورقة الامتحان، فنجا بذلك أيضاً مع أنه لم يفهم منها شيئاً. أما أنور فلم ينظمها نظم الحامد ولم يطبعها في ذهنه طبع المحاسني، وكان يسقط أبداً في الامتحان. فجئنا وفداً إلى أستاذنا مسلَّم بك عِنَاية فقلنا له: هذا شاعر نابغة ولا يحتاج إلى الرياضيات، ولا يستطيع أن يفهمها، فهل تتغاضى عنه حتى يتفرغ لأدبه وشعره، ولا تُعيقه عن السير بما لا يحتاج إليه ولا يقدر عليه؟ كنا نقول له هذا وهو ذاهب إلى غرفة الطعام ونحن معه، فلما وصل قال رافعاً صوته: انظروا كم شاعراً حول هذه المائدة من الأساتذة؟ البِزِم شاعر، والجندي شاعر، والمبارك شاعر، والقوّاس شاعر ... وراح يعدّهم وهم ينظرون متعجّبين، قال:

стр. 724

هل تظنون أننا نستكمل استقلالنا ونحمي بلدنا، ونستغني عن صناعة غيرنا بمصنوعاتنا وعن الاستعانة بعلومهم بعلومنا، ونكون مثل الأمم التي نسمّيها متحضرة، بالشعر وحده؟ لا يا أولادي! وطردنا، وسقط أنور في الامتحان. وهذا الأستاذ الذي تسمعون باسمه أول مرة والذي نسيه أهل بلده كان من العباقرة، فيه سموّ عبقريتهم وفيه غرائب شذوذهم، وبين العبقرية والجنون جدار رقيق. الناس في مجتمعاتهم كقافلة تمشي، فقد ينفصل عنها رجل ضعيف لأنه لم يستطع أن يمشي معها، أو رجل قوي لا يريد أن يسير بسيرها ولا يحب أن يمشي على طريقها، بل يريد أن يشقّ لنفسه طريقاً جديداً أو يجتازه مسرعاً، فيسبق من كان معه، وهذا هو العبقري. إذا رأيت رجلاً يركض في الشارع في باريس وراء عربة يكتب على جدارها أرقاماً تقول إنه مجنون. ولكن أمبير صاحب المقياس المعروف في الكهرباء كان يحمل معه الحوّار (الطباشير)، فإن عرضَت في ذهنه مسألة وقف أمام جدار أسود ليحلّها، فوقف مرّة يحل مسألة على جانب عربة خيل، فلما سارت العربة عدا وراءها يكمل مسألته لا يحسّ بسيرها. وإن رأيت من يريد أن يسلق بيضة وينظر في الساعة، فوضع الساعة في الماء الذي يغلي ونظر في البيضة، ألا تقول إنه مجنون؟ إن نيوتن صنع هذا، وهو عبقري. وإن رأيت من تسأله امرأة في إسطنبول: أين دار وزير المعارف؟ فيقول (صادقاً): لا أدري، ولكن من هو وزير المعارف؟ فهل يخطر على بالك أن الذي قال هذا هو أمر الله أفندي العلامة التركي الذي كان هو وزير المعارف؟

стр. 725

وإن قرأتم مقالتي «مجانين» في كتابي «صور وخواطر» رأيتم أمثال هذه الأخبار. أستاذنا مسلّم بك عناية كان أحد هؤلاء. كان برتبة «كولونيل» في الجيش العثماني، فلما انحلّ الجيش جاءنا كأكثر زملائه العسكريين مدرّساً في مكتب عنبر، ولكنه كان أكبر من أن يكون مدرّساً للطلاّب فلم يستطع أن ينزل إليهم وما استطاع أن يرفعهم إليه، فكانت بينهما فجوة ملؤوها شغباً وضحكاً وهزراً حتى صار درسه مثلاً مضروباً للفوضى. كان «أستاذاً» في الرياضيات، يضرب بذهنه رقمين في رقمين ويعطيك الجواب خلال ثوانٍ، والمسائل التي يعجز الأساتذة عن حلّها يحلّها على أهون سبيل، يُحسِن التركية ويُعَدّ أديباً فيها، والفرنسية وكان يدرّسها في مدارس الشرطة، والألمانية، وكان أساتذة الكيمياء إذا لم يقدروا على إجراء تجرِبة رجعوا إليه فأجراها هو أمامهم وأمام الطلاّب. عالِم بالموسيقى وعازف ممتاز، أمّا ذكاؤه فلم أرَ من كان له مثله، لكن ذكاءه كان يجاوز الحدّ. أضرب لكم مثلاً: رجلاً يريد أن يقفز حتى يصير على ظهر الفرس، إن كانت قفزته قصيرة وقع دونها، هذا هو الغبي، وإن كانت معتدلة جاء على ظهرها وهذا هو الذكي، وإن كانت طويلة وقع وراء الفرس، وهذا الذي يجاوز ذكاؤه الحدّ. كنا نقول له كلمة، فلا يزال يديرها في ذهنه ويستخلص منها المعاني حتى يصل إلى معنى لم يخطر لنا فيه إساءة إليه، فيغضب منّا. (ومثله في هذا خالي مُحبّ الدين الخطيب). كان يدّعي أن الرياضيات فيها جواب كل مسألة. سمعَنا مرة

стр. 726

نتساءل عن قوله تعالى ﴿ليسَ كمثلِهِ شيءٌ﴾ لماذا جاء بأداتين من أدوات التشبيه: الكاف ومثل؟ فقال لنا: جوابها في علم الهندسة، في نظير النظير: مثلث (ب ج د) نظيره (د ج ب)، هذا ليس مثله، ولكن مثيله هو نظير النظير (ب ج د). وخذوها على أنها طرفة، أليست ظريفة؟ أما أنا وسعيد الأفغاني فلم تكُن لنا مع الرياضيات مشكلة، لأنني لم أنقطع إلى الأدب حتى ملأ ذهني كله، ولم أتنكّر للعلم؛ فكنت أحرز درجة الجيّد وأحياناً الجيّد جداً في العلوم. ونحن إذا قلنا في الشام «علوم» نقصد بها العلوم الطبيعية، إنه اصطلاح مدرسي. وكانت شهادتي (البكالوريا) علمية لا أدبية، لكنني وجدت في الرياضيات مصيبة تهون معها المصائب وتُستسهَل المصاعب، هي الجذر التكعيبي. ولقد مرضت بعد ذلك حتى أشرفت على الموت، وغرقت في البحر في بيروت وأنا لا أحسن السباحة حتى عاينت الهلاك، وذقت السجن (مدة يسيرة، يوماً واحداً) في حاشِرة (زنزانة) لا أستطيع من ضيقها أن أضطجع فيها، وضللت مرة ليلة بطولها في أعالي جبال حلبون (من لبنان الشرقي) وما فوقي إلاّ سماء لا يطلّ منها نجم وفي الجبل دِبَبة رأينا آثار أنياب دُبّ منها في باب المدرسة، وظُلمت وأوذيت ومرّت بِيَ الأهوال، ولكني لم أجد أشدّ ولا أصعب من «الجذر التكعيبي» الذي يصل الآن التلميذ إلى جوابه بكبسة من إصبعه على زر في علبة! وليس أصعب من الجذر التكعيبي هذا الذي أُبطِلَ من المدارس فلم أعُد أسمع له ذكراً، لا أصعب منه إلاّ حل رموز

стр. 727

اللوحات التي وضعتها أمانة العاصمة المقدسة في شوارع مكّة لتدلّ الناس على الطرق، لم أقدر أنا ولا وجدت من قدر على حلها، حتى أخي شيخ أساتذة الرياضيات في سوريا الذي يدرّس الآن في جامعة أم القرى الدكتور عبد الغني: «شرق (أ)، (ب) شمال ق. ل. م. جنوب غرب، إلخ» ما معنى هذا؟ ولمن وُضعت هذه اللوحات إذا كان ما كُتب فيها لا يفهمه أحد؟ كان عندنا في الشام قديماً كاتب عرائض (عرض حالجي) أسعاره مختلفة: عريضة رقم (١) بعشرة قروش وعريضة رقم (٢) بخمسة وعريضة رقم (٣) بقرش واحد. فسألوه فقال: عريضة (١) أقرؤها أنا ومن تُقدَّم إليه، وعريضة (٢) أقرؤها وحدي ولا يستطيع غيري أن يقرأها، وعريضة (٣) لا يقدر على قراءتها أحد، وأنا لا أستطيع قراءتها! فهذه اللوحات كلها من زمرة العريضة (٣). * * * نعم، كان للشباب قبل سنة ١٩٣٣ أدب جيّد وكان لهم شعر ومقالات وكتب، فلقد صدر لي قبل هذه السنة كتاب «بشّار ابن برد» وكتاب «الهيثميات» و «قصص الهيثميات»، وكتبت مسرحيات وعشرات وعشرات وعشرات من المقالات، وصدر لجميل سلطان كتاب «صريع الغواني». ولكن الغالب على أدبهم المذهب الرومانسي، إلاّ قصائد وطنية لسليم الزركلي تأثّر فيها بابن عمّه الشاعر الكبير خير الدين، وقصائد لعمر يحيى ولغيرهما ممّن لا أذكر الآن.

стр. 728

حملت على هذا المذهب بسلسلة من المقالات عنوانها «الأدب القومي». وأول من جَرَت كلمة القومية على قلمه -فيما أعلم- مُحبّ الدين الخطيب، وهو أول (أو من أوائل) مَن دعا إلى إحياء لغة العرب وتاريخها وأمجادها، رداً لفتنة «التتريك» التي جاء بها الاتحاديون، كما أنه كان من أول (أو من أوائل) من دعا إلى تنظيم العمل الإسلامي في مصر، وأنشأ أول جريدة (أسبوعية) إسلامية هي «الفتح»، ولكن عزلته وابتعاده عن مجتمعات الأدباء وأصحاب الأقلام وأرباب السلطان جعلت الناس يهتمون بمَن هُم أقلّ منه شأناً وأضعف أثراً وينسونه، ولكنْ يعزّيه هو وأمثالَه أن الله لا يضيع عمل عامل، وأن ما عند الله خير وأبقى. فمن هذه المقالات مقالة عنوانها «الأدب القومي أيضاً»، نُشرت في «ألف باء» يوم الجمعة ١٣/ ١٠/١٩٣٣، فُقدت فيما فُقد من كتاباتي لأن عدد الجريدة لم يُحفَظ ولأن المقالة (وكل ما كتبتُ في تلك الأيام) لم أودعه كتاباً من كتبي، ولكني وجدت نسخة عنها في دفتر كتبه أخي بخطه. قلت فيها: كنت غائباً عن دمشق أقيم في قرية من القرى، متعزّلاً الحركة الأدبية، فلم أرَ إلاّ اليوم كتاب الأستاذ أمين الريحاني «أنتم الشعراء»، ولم أتعرف الضجّة التي أثارها خطابه عن الأدب القوي والأدب الباكي. وقد وجدت الكتاب أقلّ ممّا وُصف به وما قيل عنه، ووجدته يوصي الشعراء بإكرام سيبويه ثم يخالف سيبويه ونفطويه والكسائي وإخوانهم جميعاً مخالفة ترتجف لها عظامهم في قبورهم! ولكن الكتاب -على هذا كله- صحيح الفكرة،

стр. 729

والدعوة إلى الأدب القوي التي بدأ يتولاّها مثل أحمد أمين في مصر وأمين الريحاني هنا، وأدعو إليها أنا (على ضعف قلمي) دعوة صالحة مباركة. (إلى أن قلت): من الذي حجب عن عينيك أيها الشاعر ملذّات الحياة ومفارحها ولم يُرِك إلاّ آلامها وأحزانها؟ لماذا ترى سواد الليل ولا ترى بياض الضحى؟ لماذا تصف بكاء السماء بالمطر في الشتاء وتدَع ضحك الأرض بالزهر في الربيع؟ لماذا تصوّر حشود المآتم وتهمل حفلات الولادة؟ الدنيا ليل ونهار، وشتاء وربيع، وموت وولادة؛ إنها كالقمر، له جانب مظلم وجانب مضيء، فمَن ملأ قلبَه ظلامُ اليأس لم يرَ إلاّ الجانب المظلم، مع أنه خفيّ لا يُرى. أحبَّ ولكن لا تنسَ دينك ولا رجولتك في حبك. ابقَ رجلاً، انتصب قائماً على قدميك وشدّ عضلاتك وقُل لمن تحب (بالحلال): تعالي! لا أن تجيئها خاملاً متهافتاً ضعيفاً، تجثو على قدميها وتقول لها من خلال دموع الضعف في عينيك: أنا أحبك! إن المرأة لو خُيِّرت لما اختارت إلاّ الرجل القوي في جسده وفي روحه، الذي يعمل على تحقيق أمله في مستقبله. أمّا الرجل الأصفر النحيل البائس اليائس الميت من قبل الممات، فماذا تصنع به؟ هذا يحتاج إلى ممرضة لا إلى حبيبة! (إلى أن قلت): ثم إن للشاعر مظهراً لعاطفته غير نفسه وعواطفها ومسرّاتها ومواجعها، وأن ينادي: «يا لوعتي يا شقايا»، لماذا اللوعة ولماذا الشقاء؟ «ضاع الأمل من هوايا». طيّب، وأنا

стр. 730

ما لي؟ فتّش عن هوى آخر أو ابكِ هواك وحدك، لا تصدّع به رأسي من «الأسطوانات» طول النهار! لا تعِش لنفسك وحدها بل عِش لها ولأمتك، فكّر بعقلها، اشعر بشعورها، وأدِّ ما يجب عليك لها. أما أن تقول: هذا حبي وهذه عاطفتي فاشتغلوا بها معي، فلا. إن أدبك يكون إذن مخدّراً للحسّ الوطني. (إلى أن قلت): حسبنا بكاءً ويأساً ورثاء للماضي وفزعاً ممّا يخبّئ لنا المستقبل، كفى تبرّماً بالحياة وشكوى منها، ودعونا من أدب لامارتين وموسّه ومن عبد الوهاب ولوعته وشقائه وحبه الذي ضاع منه. * * * هذا ما جاء في المقالة المنشورة من خمسين سنة، وهؤلاء رفاقنا الذين كانوا طلاّباً وكانوا شعراء، فما تعليق القرّاء على هذه المقالة لو أنها نُشرت اليوم؟ هل تستطيعون أن تقولوا: إن في الطلاّب والشباب من ينظم مثل هذا الشعر؟ من له مثل هذا الأدب؟ هل علونا وارتقينا أو انحططنا ونزلنا؟ هل صار أدبنا أبعد عن الانحراف وأقرب إلى الصواب، وأكثر شعوراً بآلام الأمة وآمالها، وأشدّ اهتماماً بها وتعبيراً بأدبه عن مشاعرها؟ إن من منافع نشر الذكريات أن نفاضل بين ما نحن اليوم فيه وما كنّا بالأمس عليه، فما الذي استفدناه وما الذي خسرناه؟ الجواب عندكم أنتم. * * *

стр. 731

-٦٤ - من أصعب الأيام في حياتي لما كنت أعلّم في المدارس الابتدائية الأهلية في دمشق كانوا يخرجون مع التلاميذ في جولات في قرى الغوطة وفي وادي بردى الذي يمتدّ إلى الزبداني مسافة خمسين كيلاً، فخرجت معهم مرة، ورجعنا مساء وقد أظلم الليل، وكنا نمشي حيال سكة الحديد (من وراء وزارة الإعلام وساحة الأمويين اليوم)، حيث يجري نهر باناس تحت الأرض لا يظهر إلاّ من فتحات تُخفيها الحشائش، والتلاميذ يُنشِدون الأناشيد ويهزجون ويصيحون. فلما وصلنا إلى المدرسة تنبّه بعضهم إلى أن تلميذاً من التلاميذ قد فُقد، وكان ابن الشيخ ياسين الجويجاتي، وهو أحد القرّاء المجوّدين أصحاب الخلق والدين. فانتشروا يفتّشون عنه واستعانوا بمن حضر من أولياء التلاميذ وبذوي النجدة من الناس، فتبيّن بعد ساعات طِوال ثِقال أنه سقط في إحدى هذه الفتحات، وتحققنا أنه مات. وحاروا كيف يبلّغون النبأ أباه، فاقترح الشيخ عبد الرحمن الخطيب أن يخبروا الشيخ بدر الدين، وكان الأب يحضر درسه. فتكلّم الشيخ في الصبر وسرد ما ورد فيمن فقد الولد، حتى عرف الشيخ ياسين، فاسترجع وصبر. وعوضه الله أولاداً نبغوا وجمع

стр. 732

الله لهم الدين والدنيا. وكدتُ وأنا معلم في مدرسة سقبا، كدت أقع في مثل هذا، ولكن الله سلّم. أخذت التلاميذ فقطعت بهم عرض الغوطة إلى بَرْزة فسهل القابون، حتى صرنا في حارة الأكراد، وكانت يومئذ (أي قبل خمسين سنة) مغلَقة على أهلها لا يدخلها غيرهم، فلما صرنا فيها اجتمع علينا صبيانها يرجموننا بالحجارة، فأصرخ بهم فيفرّون منّا ثم يكرّون علينا. واستنجدت بمن صادفت من كهول الحيّ فما أنجدني منهم أحد ولا اهتمّ بي ولا بمن معي، فلم يبقَ أمامي إلاّ أن أقابل الشرّ بالشرّ والجنون بجنون مثله، فأمرت التلاميذ بصوت عالٍ أن يجمعوا الحجارة وأن يرموا بها من يرميهم، ومن أصاب واحداً منهم فأسال دمه كافأته ومن أخطأه عاقبته، فناداني كهول الحيّ وقالوا: ماذا تقول؟ أهذه وصية معلّم لتلاميذه؟ قلت: الله يقول: ﴿وَجَزاءُ سَيّئةٍ سَيّئةٌ مِثْلُها﴾، فكُفّوا عنّا صبيانكم أكفف عنكم تلاميذي. وكان ذلك، فكفّوا وكففنا. وكان طريقنا من فوق البيوت، نسير في لحف الجبل، نجوز حيّ الأكراد فالصالحية فالمهاجرين، ثم نمشي على شفير الوادي فنهبط دُمَّر، ثم نصعد الجبل المقابل فننزل معه وهو ينزل قليلاً قليلاً حتى نبلغ المزة. وقد سلكت هذا الطريق من قبل مرات كثيرة حتى إني لأمشي فيه مغمض العينين، ولكننا وجدنا هذه المرة ما لم نكُن نحتسبه. لمّا بلغنا ذروة الجبل العالي المطلّ على الربوة ومتنزّهاتها ومقاهيها، المقابل لـ «المنشار» و «قبة السيّار»، وملنا لنهبط إلى

стр. 733

المزة، اعترضَتنا حظيرة من الجنود السنغاليين على رأسهم عريف فرنسي. فمنعونا، فأردنا أن نرجع من حيث جئنا فأبوا ذلك علينا. قلت لهم: فماذا نصنع؟ فأشاروا إلى الربوة، أي أن نهبط من وجه الجبل. وكان ذلك ممّا يشقّ على المحترفين من متسلّقي الجبال، فما بالكم بأولاد منزلهم الغوطة، ما عرفوا الجبال ولا ألفوا صعودها وهبوطها؟ والجبل من هنا كأنه جدار قائم عليه حجارة صغار، إذا وضع النازل رجله عليها تدحرجت من تحت رجله، فكأنما مشت الأرض أو خُسفت به فهوى معها. عدنا إليهم نحاول إقناعهم، فلا أقنعهم العقل ولا حركتهم العاطفة ولا نفع معهم كلام، كأننا نكلم صخرة أو نخاطب دابة، وكلما ألححنا عليهم حرّكوا زناد البندقية ووجّهوها إلينا. امتحان مرّ عليه نصف قرن ولم أنسَ ما قاسيت منه. وكان معي إخوتي الثلاثة، فكنت أضع أخي ناجي مرة أمامهم وأكون أنا من خلفهم، ومرة أكون أنا قدّام وهو من وراء، وكنت أدعو الله أسأله (إذا كان مقدَّراً على أحد منا الموت) أن أموت أنا أو أحد إخوتي وينجو أبناء الناس. هل يفرّط أحد بنفسه أو بأخيه أو يهون عليه فقده؟ ولكني اخترت أن أقع أنا أو أخي ولا أوقع أحداً من هؤلاء لأنهم أمانة في عنقي، فمن يخلّصني من آبائهم وقد عرّضتُهم أنا إلى الهلاك؟ وتردّد الأولاد وخافوا، وكنت أشدّ منهم خوفاً وأكثر تردّداً، ولكني تجلّدتُ وشددت صوتي وأمرتهم أمراً عسكرياً أن ينزلوا بعد أن علّمتهم كيف يكون النزول، وهددت من يتأخر أو يجبن

стр. 734

بالعقوبة وأثرت الحماسة والشجاعة في نفوسهم. وكنت متعوداً على الجبال، عرفتها وألفتها وطال عهدي بها، فهوّنت النزول عليهم، فنزلوا والحجارة تتدحرج من تحت أقدامهم، وكل من كان في المقاهي أو كان قاعداً على السفح أو كان يتنزّه بين الأنهار التي تجري في الجبل، كلهم يصرخ بي: ما في نزلة من هنا، ارجع، ارجع. ما في نزلة، خطر. يرون الخطر وأنا أراه معهم، ولكنهم لم يروا ولم يعلموا ما الذي جعلني أهجم على الخطر وأعرّض أولاد الناس إليه. وكانت ساعة أطول من دهر، لا يعلم إلاّ الله ما مرّ عليّ فيها وأنا أتوجّه إليه أدعوه ضارعاً مضطراً، وهو الذي يجيب دعوة المضطرّ. كنت أرى الموت في كل خطوة نخطوها بأقدامنا وفي كل حجر ينحدر من تحت أرجلنا، أراه في الوادي الذي يبدو لي كقرارة بئر ما إليها وصول، أرى لمعان مياه الأنهار كأنها سيوف مُشرَعة أو سكاكين محدّدة، أمام قلبي الذي كاد من شدة الخفقان يفارق الضلوع، وكانت صورة الولد الذي سقط قديماً في النهر لا تفارق مخيّلتي، فأسأل الله ألاّ تُعاد وأدعوه أن يمرّ اليوم بسلام. وما كنتَ تراني إلاّ صاعداً ونازلاً، وكذلك يصنع أخواي ناجي وعبد الغني: يتعثّر تلميذ فنسرع إليه أو يعلق فنمضي لإنجاده، والأصوات لا تنقطع من تحتنا من المقاهي ومن شطوط الأنهار، لم يبقَ للناس عمل إلاّ مراقبتنا والنداء علينا. وما صدقت أن بلغت السفح حتى تشهّدتُ، وألقيت بنفسي

стр. 735

على الأرض أستريح قليلاً لأشرح للناس الذين تكوّموا علينا: لماذا نزلنا من هنا. * * * والذكريات -كما تعرفون- يجرّ بعضها بعضاً، فقد ذكّرتني هذه الجولة برحلة إلى حَلْبون (أشرت إليها في الحلقة الماضية)، كنت قد كتبت مقالة أصف فيها الجانب المسلّي منها ووضعتها في كتابي «من حديث النفس»، ولكني واصفٌ اليوم الجانب الآخر. وإذا كان فيما نُشر من قبل شيء من تهاويل الخيال فإن الذي أقوله اليوم هو الواقع أرويه كما وقع. كان ذلك سنة ١٩٣١، وكان أخي أنور العطار معلّماً في مدرسة مَنين (١) خلفاً لأخي سعيد الأفغاني، فعُيّن صديقنا حكمة هاشم معلّماً في مدرسة حلبون، وكان شاباً في الثامنة عشرة، فضَمِنّا (أنا وأنور) لأبيه أن نذهب معه إليها لنوصله وندبر له أمره. ولقد وصفتُه في المقالة المنشورة يومئذ (مازحاً) بأنه أستاذ جامعة حلبون، فمرّت الأيام ورأيته مدير جامعة دمشق حقاً. ومنطقة التلّ ومنين إحدى متنزَّهات دمشق ومناطق الاصطياف فيها، يخرج أهل دمشق إليها للتفسّح من ضيق الحياة عليهم والتفرّج من شدتها وكربها. أول هذه المناطق وأَولاها باهتمامهم، بل لتكاد تُعَدّ مَصِيفهم الأصلي، لا يقصدون غيرها

стр. 736

ولا يفكّرون في سواها، هي منطقة وادي بردى، ابتداء من الرَّبْوة والشّاذِروان إلى دُمَّر والهامَة، وإلى جنب الهامة قرية داثرة هي جَمرايا (٢) قرية الشاعر ابن واسانة التي قال فيها قصيدة طويلة لا نظير لها في الشعر العربي، يصف فيها ضيوفاً نزلوا عليه نزول البلاء وأكلوا ما عنده أكل الجراد، وخرّبوا عامره وسرقوا متاعه وهمّوا بالتعدي على عِرضه، كأنهم جيش الدفاع الإسرائيلي، أي الدفاع عن شرع إبليس لعنه الله ولعنهم ولعن من يُعينهم ويحمي أمنهم، إنه أمن اللصّ الذي يريد أن يسرق (على كيفه) فلا يروّعه صاحب الدار. وهذه القصيدة العجيبة في «يتيمة الدهر» فاقرؤوها. وعند الهامة يتّسع الوادي قليلاً، ثم يأخذ في الضيق عند الجدَيْدة، فإذا صار عند «العين الخضراء» لم يبقَ منه إلاّ ما يسع بردى، يجري فيه كالشاب المتهوّر الطائش المجنون ولكنه قوي جميل، وعين الخضراء تتوارى وراء الصخرة عند رِجل الجبل كالفتاة الفتّانة المستحية العذراء. وهو أجمل من وادي زحلة عند البردوني، الذي قال فيه شوقي «يا جارة الوادي» وغنّى عبد الوهاب ما قال شوقي، فكان من ذلك أحلى لحن في أحلى شعر. ثم يصل إلى «الفيجَة» (وقد سبق الحديث عنها)، فيمشي بعدها بين جبلين متقاربَين إلى «التكيّة» حيث نُصبت من قديم مولّدات الكهرباء يحرّكها الماء المتحدر، ثم يصير الوادي الضيّق

стр. 737

سهلاً فسيحاً، هو الصورة المصغّرة لسهل البقاع الذي تدور فيه الآن المعارك وتتحدث عنه الصحف والإذاعات. هذا هو سهل الزَّبَداني، عن يمينه مَضايا وبُقّين، وفي صدره وعن يساره الزبداني، وفوق الزبداني بْلودان، درة مصايف دمشق وأكثرها عمراناً، وأكثرها فساداً أيضاً. والحضارة المعاصرة لا تدخل بلداً إلاّ دخل معها الفساد. والمنطقة الثانية منطقة النَّبْك ويَبرود، وسأحدثكم حديثها حينما أنتقل إليها -قاضياً فيها- سنة ١٩٤١. يَبرودُ يَبرُدُ صيفاً من أقامَ بها ... لذاكَ قِيلَ مع الإشباعِ يَبرودُ والإشباع مدّ الفتحة حتى تصير مثل الألف والضمة حتى تصير مثل الواو: كلمة «شَرٌّ» مثلاً تصير بالإشباع «شارون»: أصله وحقيقته شر ولكنهم شبّعوا الفتح والضم فصار شارون، وبقي شراً على الحالَين ... وهل يأتي من يهودي إلاّ الشرّ؟ والمنطقة الثالثة منطقة التل ومنين التي أتحدث عنها. * * * كان لدمشق يومئذ ثلاثة مداخل (أو مخارج): غربيّ من وادي الربوة إلى بيروت، وجنوبيّ من «القَدَم» في آخر الميدان إلى درعا ثم الأردن ثم إلى المدينة المنورة، وشرقيّ من آخر حيّ النصارى «القَصّاع»، وهو طريق حلب الذي يُضرَب به المثل في الوضوح فيُقال: «أوضح من طريق حلب»، يتفرع عنه من أوله طريق يوصل إلى القَابُون ثم إلى بَرْزَة، وكلاهما صار الآن من

стр. 738

أحياء دمشق. ومن برزة يبدأ وادٍ صغير مُقفِر (أو كان يومئذٍ مقفراً) إلى مَعْرَبا، وهي قرية تقع على الوجه الآخر لجبل قاسيون، ومنها إلى «التلّ»، وهي قرية كبيرة، أو بلدة صغيرة، وأهلها كلهم من البنّائين المَهَرة، وهم الذين بنوا بأيديهم مدينة الرياض في مطلع نهضتها العمرانية من نحو ثلاثين سنة أو أقلّ. ثم تمشي في وادٍ أخضر فيه الشجر والماء إلى منين، وعين منين من أجمل العيون: ينبوع صافٍ غزير حوله بِركة واسعة: يَرُوعُ حصاهُ حاليةَ العَذارى ... فتلمَسُ جانبَ العِقدِ النّظيمِ أي أن الفتاة ترى الحصى في الماء كاللآلئ فتحسب أنها حبات عقدها، فتلمسه لتتحقق من أنها لم تنفرط. وما رأيت في عمري نبعاً أصفى ماء وأجمل حصى من ماء عين منين وحصاها، وكم لي فيها من ذكريات، ولكنّا حُرمنا منها كما حُرمنا من العين الخضراء ومن كل المتنزَّهات لأن الخمر دخلتها فخرجنا نحن منها. وهذه المتنزَّهات للناس جميعاً، فإن لم تتبع شرع الله وتحرّم ما حرمه (وذلك حقّ الله على كل مسلم) فإن الديمقراطية هي (عندهم) حكم الشعب، والذين يشربون الخمر من الشعب لا يجاوزون بضعة أفراد في الألف، أفمن أجل بضعة أفراد من العُصاة نَحرم بقيّة الألف من الطائعين الاستمتاعَ بجمال بلادهم؟ * * * كان الطريق المعبَّد ينتهي عند منين، فمن أراد الوصول إلى حلبون مشى على غير طريق. يصعد جبلاً ويهبط وادياً، يسلك سهلاً ووعراً. وكان الوصول إلى حلبون من جهة الوادي أسهل

стр. 739

ولكنه أطول، ومن فوق الجبل أقرب ولكنه أصعب. ولم تكن معنا سيارة (ولا تستطيع أن تمشي سيارة بلا طريق)، لذلك جاؤونا بدابّة واحدة لنتناوب ركوبها، فتركت لهم نوبتي وسرت على قدمي لأني وجدت المشي أهون من ركوب هذه الدابة. "وذهبنا نصعد الجبل، وكلّما بدت لي قمة قلت: هذه هي النهاية. فإذا وصلت إليها بدت لي من بعدها قمم، وتلفتّ إلى الوراء فإذا منين كلها بقدر الكفّ، وإذا هي من عمقها كأنها في قعر البحر، وإذا أمامنا وعن أيامننا وعن شمائلنا جبال وبِطاح لا حدّ لها مغطّاة كلها بالثلج، وإذا نحن نبلغ موضعاً نُشرِف منه على دمشق من بعيد ونرى جبل قاسيون كأنه أكَمَة تحتنا (أو كذلك خُيّل لنا)، ثم تَوَعّر الطريق فغدا شِعْباً ضيّقاً، على يمينه جبل عال كأنه جدار وعن شماله وادٍ لا يبلغ البصر قرارته" (١). وبلغنا حلبون بعدما بلغت أرواحنا التراقي. وليست القصة عن بلوغنا حلبون ولكن عن الرجوع منها. بتنا فيها، فلما كان الغد أبى أنور أن يعود معي وأصررت على أن أعود، فذهبوا يفتّشون لي عن دابّة تحملني ودليل يدلّني، فلم يأتيا إلاّ بعد العصر، فودّعتهم وسرت مع الدليل. وقد نسيت أن أقول لكم إننا كنا في قلب الشتاء، وإن الثلج كان يغطّي تلك الجبالَ كلها ويرتفع سُمْكه أحياناً حتى تغوص فيه القدم، وربما علقت به فلم تدرك صلابة الأرض، وإن الوحوش كثيرة، يدفعها الجوع إلى الإقدام على الفتك بالإنسان. لذلك كنا كلما رأينا

стр. 740

صخرة أو أغصان شجرة يابسة تبدو في الثلج الأبيض حسبنا ما رأينا واحداً من هذه الضواري التي كنا نسمع أصواتها من بعيد ... ومن أفتكها الدببة، وما أدراك ما دببة حلبون؟ ولقد رأيت على باب المدرسة (وهو من الخشب السميك) آثارَ أنياب دبّ منها كأنها مسامير دُقّت في الخشب ثم نُزعَت. ركبت ومشى معي الدليل، ثم عزمت عليه أن يركب هو وأمشي أنا لتكمل المساواة بيننا. وغابت الشمس فنويت الجمع لأني لم أجد مكاناً جافاً أصلّي فيه، وأظلم الكون وسكن الليل ونحن نمشي صامتَين، وبدا لي ضوء من بعيد، قلت: ما هذا؟ قال: هذه منين. قلت: ارجعْ إذن، فأنا أكمل الطريق وحدي. فأخذ الدابة ورجع، ونزلت في منحدر من الأرض فغاب عني الضوء، وكانت السماء غائمة لايبدو فيها نجم أستهدي به، فندمت على أن صرفت الدليل، فناديته فلم أسمع إلاّ صدى صوتي تردّده هذه البطاح، فخفت. نعم، خفت. أتريدون أن أكذب عليكم فأدّعي لنفسي شجاعة تجاوز حدود العقل؟ إن كل ما جاوز العقل جنون. لمّا جئنا كنا ثلاثة ومعنا دابة ودليل ونحن في النهار، وقد قرأتم وصف ما مرّ بنا، فكيف بي الآن وأنا وحدي والدنيا ليل، لا يبين لي طريق فأسلكه ولا نجم في السماء فأهتدي به، وما معي سلاح أردّ به عن نفسي وحشاً يهجم عليّ؟ خفت، ومن خوفي جعلت أعدو لا أعرف إلى أيّ وجهة أتجه، أسقط في حفرة أخفاها الثلج المتراكب عني، ثم أنهض
следующие страницы →